← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17361

فصول في الدعوة والإصلاح

علي الطنطاوي

Полный текст (295 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حلالاً ولا يحرّم حراماً، ولا يبالي إذا جاع من أين تجيء أكلته، ولا ينظر إذا اشتهى أين تقع نطفته، وهو -مع ذلك كله- لا يطيق أن يسمع قَوْلة في أهل الله والصالحين، ويرتجف غضباً لله حتى لا يدري أين تقع غضبته، لأن الإسلام عنده هو التأدب مع أهل الله والتوجه إليهم والتماس بركاتهم! وآخر مسلم متمسك قائم بالعبادات مبتعد عن المحرَّمات، ولكنه يقول بالشيوعية أو يتبع الماسونية، ويُؤْثر أخاه فيها ولو كان يهودياً أو نصرانياً على أخيه في الإسلام، ولا يرى في ذلك شيئاً! وثالث صحيح العقيدة صادق المعاملة، لا ينتحل نحلة تخالف الإسلام، ولكنه لا يصلي ولا يصوم! * * * وإذا نحن تركنا آحاد الناس ونظرنا إلى الدعاة إلى الله، الذين نرجو بهم نصرة الإسلام وإعادة أهله إليه، لرأينا كثيراً منهم مختلفين كذلك في تحديد الطريق الذي يوصل إلى الله، ولوجدنا للإسلام في نفس كل واحد منهم صورة تختلف عما في نفس الآخر، وإن كانوا جميعاً يدعون إليه. هذا يرى الإسلام في اتّباع مذهب من المذاهب الأربعة والوقوف عند ما أفتى به متأخّرو فقهائه، ولو كانت هذه الفتوى مَبنيَّة على عُرف وتبدّل اليومَ هذا العرف، أو أُقيمت على اجتهاد وبدا وجهٌ أقوى لاجتهاد غيره تدعو إليه الحاجة وتستلزمه المصلحة؛ يَعُدّ الخروج على حاشية ابن عابدين خروجاً من

стр. 72

الدين، ويؤمن بأن الاجتهاد سُدَّ بابه فلا يُفتَح إلى يوم القيامة، كأنه قد امتنع على الله (أستغفر الله!) أن يخلق ذهناً كذهن أبي حنيفة ورأياً كرأي الشافعي ونظراً كنظر مالك ورواية كرواية أحمد، ويرى أن الكتاب والسنة قد أُخذ منهما كل شيء وعُصرا عصر الليمونة استُنفد ماؤها، ولم يعد يجوز لأحد أن يستنبط منهما حكماً أو يرى فيهما دليلاً، وما يصلحان بعدُ إلا للتبرك والتقبيل، وتلاوة القرآن بلا فهم وقراءة «البخاري» لاستنزال واستجلاب المطر، واعتقاد أن البيت الذي يكون فيه «البخاري» لا يصيبه حرق ولا غرق ... مع أنك لو ألقيت كتاب البخاري نفسه في النار لاحترق، ولو رميته في الماء فابتلّ لأصابه الغرق! وآخر يرى الإسلام في ترك المذاهب كلها والعودة إلى السنّة، فكل من استطاع أن يقرأ في البخاري ومسلم ومَجْمَع الزوائد، وأن يفتش عن اسم الراوي في التقريب أو التهذيب، وجب عليه الاجتهاد وحرم عليه التقليد، ويسمون هذا الفقه العجيب الذي يشبه فقه بُرْد (والد بشّار) (١) «فقه السنّة»؛ لا يدرون أن الوقوفَ على الأحاديث ومعرفةَ أَسْنادها ودرجاتها شيءٌ واستنباطَ الأحكام منها شيءٌ آخر، وأن المحدّثين كالصيادلة والفقهاءَ كالأطباء، فالصيدلي يحفظ من أسماء الأدوية ويعرف من أصنافها ما لا يعرفه الطبيب، ولكنه لا يستطيع أن يشخّص

стр. 73

الأمراض ويشفي المرضى. وأن الصحابة أنفسهم لم يكن فيهم إلا مئة ممّن يفتي، وأن مئة الألف من المسلمين الذين توفي عنهم الرسول ﷺ كانوا يرجعون إلى هذه المئة ولا يجتهدون لأنفسهم. وأنه إن لم يطّلع الإمام من الأئمة على الحديث من الأحاديث فإن أَتْباع مذهبه قد اطّلعوا عليه خلال هذه القرون الطويلة، وأنهم كانوا أتقى لله وأحرص على دينهم من أن يخالفوا حديثاً صحيحاً لقول إمام أو غير إمام، وأن المذاهب لم تأخذ الأحاديث وحدها بل أخذت الحديث وما قال فيه الصحابي، والتابعي، ومَن بعده، وسجّلت هذه الشروح والأفهام المتعاقبة ثم استخلصت منها الحكم، وأن من يترك اجتهادات الأئمة كمن يرى الطيّارة وما بلغت إليه بعد الجهود المتتالية والرقي المتسلسل، فيتركها ويُعرض عنها ويحاول الطيران بأجنحة يركّبها لنفسه كما فعل العباس بن فرناس! وإن دعوى منع التقليد في الدين دعوى باطلة، لأن في كل علم أهل اختصاص فيه وغرباء عنه، فإذا احتاج الغريب إلى معرفة حكم فيه رجع إلى أهله، كالعامي يحتاج إلى مداواة مريضه أو عمارة بيته أو إصلاح ساعته، فلا يستطيع إلا الرجوع إلى الطبيب أو المهندس أو الساعاتي، وتقليده فيما يذهب به إليه اجتهاده. * * * وداع يدعو إلى إجراء الآيات المتشابهات على ظواهرها، ويبالغ في ذلك حتى يثبت لله يداً حقيقية ووجهاً وعرشاً قد استوى عليه استواء، وأمثال ذلك، ويحارب كل قائل فيها بالمجاز صارف

стр. 74

لها عن الحقيقة (ومن القائلين بذلك أعلام الملة وكبار علماء المسلمين)، ويجعل ذلك أكبر همه ورأس دعوته، يفاجئ به التلميذ الذي لم يعرف بعد ما أركان الإسلام وما شروط الصلاة. وآخر يجعل أكبر همه ورأس دعوته نفي ذلك كله وتأويل الآيات الواردة فيه، ويبالغ في تحكيم عقله البشري في هذه المسائل الإلهية التي لا تتبع قوانين أرضنا وأحكام عالمنا، حتى ينكر الرؤية يوم القيامة، ويجعل العرش والكرسي مجازاً لا حقيقة، فعرشه وكرسيّه ﵎ هما مُلكه؛ كما نقول نحن اليوم (ولله المثل الأعلى): "كانت الهند تحت العرش البريطاني"، أو نقول: "إن كرسيّ المملكة العراقية يشمل إربل والبصرة". وثالث يرى الإسلام في محاربة الصوفية صحيحها وباطلها، وينفِّر من قراءة كتبها وصحبة أهلها، مَن كان منهم قبل «الرسالة القشيرية» ممّن أخذ تصوَّفه من أصول الإسلام، ومن جاء بعدُ ممّن أخذ (على الغالب) من غير ينابيع الإسلام. ورابع قائم لهذا بالمرصاد، عامل على الدعوة إلى الصوفية معتقد بكل ما جاء به أهلها، حتى القائلين منهم بوحدة الوجود وخلط العبيد بالمعبود، كالحلاج وابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني، ويرى أن للدين ظاهراً وباطناً، فالظاهر الشريعة والباطن الحقيقة، الأول ما يدل عليه الكتاب والسنة بوضعهما اللغوي ومدلولهما المجازي والاصطلاحي وما فهم العرب منهما، والثاني ما يذهب إليه القوم بتأويلاتهم وتفسيراتهم

стр. 75

التي لم يقل بها الرسول ﷺ ولا الخلفاء الأربعة، ولا بقية العشرة، ولا أحدٌ من الصحابة ولا من التابعين ولا من الأئمة المجتهدين، والتي لا توافق معقولاً ولا منقولاً. وخامس لا يصرح بوحدة الوجود، ولكن يقول بما هو أدهى وأمَرّ وما يكون كفر كفار قريش في جنبه إيماناً، وهو أن المتصرف بالأكوان «القطب»، يعاونه الأربعة «الأوتاد» والأربعون «الأبدال»، وأن وراء هذه الدول الظاهرة دولة أهل الديوان وأصحاب النوبة، فلكل منطقة من الأرض شيخ أو مجذوب أو معتوه يتصرف بها، وكأن الله (أستغفره مئة مرة) مَلك دستوري له المُلك لا الحكم، وهذا القطب هو رئيس الوزراء الذي يتولى هو وأعوانه من رجال السلطة التنفيذية الحكمَ الفعلي! ولا يعتقد هذا في نفسه، بل يدعو إليه ويقرئ الكتب المشتملة عليه (كالطبقات للشّعراني) في المساجد جهاراً نهاراً، في دروس عامة يحضرها العامي والتلميذ والموافق والمخالف. وسادس يدعو إلى طريقة من هذه الطرق: النقشبندية والقادرية والرفاعية والتيجانية (الفرنسية)، يفني عمره في الحفاظ لها والدفاع عنها. ومن يدعو إلى النحل الباطلة والكفر الصريح، كالقاديانية (الإنكليزية)، ويزعم أنه يدعو إلى الإسلام الصحيح! وسابع يرى الإسلام، كل الإسلام، أن تطلق اللحية وتحسّن العمة، وتسدل العذبة وتلبس الجبة وتطيل السبحة، ولتفعل بعد ذلك ما تشاء. * * *

стр. 76

وهؤلاء الدعاة مختلفون أبداً، آخِذٌ بعضهم بخناق بعض؛ يتناظرون أبداً ويتجادلون ويتقاذفون الردود، لا في مصر والشام والعراق وحدها، بل في بلاد الإسلام جميعاً. ولقد شهدت في كراتشي من يُعرفون بأهل الحديث، ومن هم عاكفون على أقوال متأخري فقهاء الحنفية لا يحيدون عنها شعرة كأنها هي الكتاب المنزَّل، ومن هو على مشرب الصوفية ... وغير هؤلاء وأولئك، والخلاف قائم بينهم. ورأيت مثل ذلك الخلاف في الدين في أندونيسيا. والخصوم، خصوم هؤلاء الدعاة جميعاً وخصوم الإسلام من البعثيين والشيوعيين والملحدين والمفسدين من أتباع المستشرقين، ينظرون ويتفرّجون بهذا الخلاف، ويفرحون به، ثم ينطلقون إلى الميدان الذي أخليناه فيسرحون فيه وحدهم ويمرحون ويصنعون ما يريدون. والإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله ﷺ واحد، له مفهوم واحد، فعلامَ هذا الاختلاف؟ وكيف نستطيع أن نقرِّب الإسلام إلى أفهام الناس ونعرّف به من لا يعرفه، ونعرضه على حقيقته سهلاً واضحاً معقولاً، إذا كنا مختلفين في الصورة التي ينبغي أن نعرض عليها الإسلام؟ وأنا لا أقول بتوحيد الأفهام ومنع الاختلاف، فما أظن أن هذا يكون، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولكن الذي أقوله هو وجوب الاتفاق على الأسلوب الذي ندعو به إلى الإسلام، والصورة التي نعرضها له على التلاميذ في المدارس،

стр. 77

والعامة في المساجد، والأجانب في بلاد الغرب، لنقول لهم: هذا هو أساس الإسلام وهذه أركانه وهذا طريق الدخول فيه، لا نفجأ واحداً من هؤلاء بالخلاف في فهم مشكلات الآيات ولا الاجتهاد والتقليد، ولا نحملهم على الآراء الفردية التي لا يقرّها الجميع. فما هو الأسلوب «العملي» الممكن للوصول إلى هذه الغاية؟ هل يكون ذلك بمؤتمر لعلماء المسلمين، أم يتولاه معهد من المعاهد العلمية، أم يقوم به واحد من المسلمين؟ ما هو الأسلوب؟ * * * وبعد، فلقد كنت أعددت لهذا المكان مقالة غير هذه المقالة، ولكن ما كتبه الأخ الأستاذ أبو أيمن في صدر العدد الماضي من «المسلمون» (١) هو الذي دفعني إلى التفكير في هذه المشكلة وعرضها على كتّاب المجلة وقرّائها، ليفكروا هم أيضاً فيها ويجدوا الحل لها. * * *

стр. 78

عرّفوهم بالإسلام يصيروا مسلمين نشرت سنة ١٩٨٨ من نحو عشرين سنة ذهبت في رحلة إلى ألمانيا وبلجيكا وتلك الديار، ورأيت في المركز الإسلامي في آخن وفي بروكسل (وفي غيرهما من المراكز) طائفة من الشبان المسلمين، لو قلت بأنهم من بقايا شباب الصحابة، صلاحاً وتقى وتمسكاً بالإسلام واستعداداً لبذل الروح في سبيله، لما كنت مبالغاً. ومضت على ذلك سنوات، فجاءني بعضهم في مكة المكرمة أيام الحج، ومعهم شاب ألماني قال إنه دخل في الإسلام وأقام عليه سنين، ثم أزمع العودة إلى ما كان عليه من دين. وهم يريدون أن يستعينوا بي على تثبيته على الإسلام. فسألته، فأكد لي -على لسان الترجمان- بأن هذا صحيح، فقلت له: وما الذي رغبك في الإسلام أولاً ثم رغبك عنه ثانياً؟ فتكلم كلاماً طويلاً خلاصته: أنه عرف في ألمانيا جماعة من الطلبة المسلمين وخالطهم، فوجدهم في صدق لهجتهم واستقامة سيرتهم، وتعففهم عن الفحشاء، وحفظ لسانهم من الكذب والغيبة والنميمة، وأيديهم من البطش بالباطل والعدوان على

стр. 79

أحد، وأجوافهم من شرب الخمر وأكل ما لا يحل ... وجدهم في هذا كله عجباً. فسأل: ما دينهم؟ فخبّروه بأنهم مسلمون، ولخصوا له الإسلام، وقرؤوا عليه آيات من القرآن الكريم، وأسمعوه من كلام الرسول ﷺ ورووا له سيرته وسير أصحابه. وكان مما نقلوه إليه شيئاً من كلامي، وأخرج صحيفة فيها بلسانهم ترجمة لما كنت قلته في مقدمة كتابي «أبو بكر الصديق». ومما جاء في تلك المقدمة: إن سر الإسلام بدأ في هذه الأمة البادية الجاهلة المتفرقة، فجعل منها أمة لم يكن ولن يكون لها نظير. امتزجت روح الإسلام بأرواح المسلمين وغلبت عليها، ثم استأصلت منها حب الدنيا، وانتزعت منها الطمع والحسد والغش والكذب، وأنشأت من أصحابها قوماً هم خلاصة البشر وغاية ما يبلغه السمو الإنساني. أنشأت من أصحابها قوماً يغضبون لله، ويرضون لله، ويصمتون لله، وينطقون لله، قد ماتت في نفوسهم الأهواء ومُحيت منها الشهوات، ولم يبقَ إلا دين يهدي وعقل يستهدي. قوم كان دليلهم الدين، وقانونهم هدي سيد المرسلين، وشعارهم شعار المساكين، وعيشهم عيش الزاهدين، ثم كانت فتوحهم فتوح الملوك الجبارين، وكانوا بذلك سادة العالمين. لم يمنعهم زهدهم من أن يكونوا أبطال الحروب وسادة الدنيا، ولم يفتنهم ما نالوا من مجد وما بلغوا من جاه عن دينهم وتقواهم. قوم ينصب لهم أميرهم قاضياً فيلبث سنة لا يختصم إليه اثنان؛ لم يكونوا ليختصموا وبين أيديهم القرآن الكريم، وكل واحد منهم يعرف ما يحق له فلا يطلب أكثر منه، ويعرف ما يجب عليه فلا

стр. 80

يقصر في القيام به، ويحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، ويسعى ليَسلم الناس من لسانه ويده. إذا مرض المسلم عاده المسلمون، وإذا افتقر أعانوه، وإذا أحسن شكروه، وإذا ظُلِم نصروه، وإذا ظَلَم ردعوه، دينهم نصيحة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ففيم يختصمون؟ والمقالة طويلة، وهي موجودة في أول كتابي «أبو بكر الصديق» الذي طُبع سنة ١٣٥٢هـ. * * * فقلت له: وما الذي أنكرت من هذا الكلام وما كذّبتَ فيه، وما قلتُ إلا ما هو حق وصدق؟ إن مجتمع الصحابة كان المجتمع المثالي حقاً، تحقق فيه ما تخيله أفلاطون والفارابي، والاشتراكيون الخياليون من قبل أن ينشأ الدجال الأكبر، كارل ماركس! ولكنهم ما جاوزوا حدود البشرية ولا صاروا مجتمعاً ملائكياً؛ إنهم كانوا يحيون على هذه الأرض، هذه الحياة الدنيا. وما الحياة الدنيا دار قرار، إنما هي دار امتحان واختبار، وأهلها -مهما سَمَوا- بشر خطّاؤون، ولقد وُجد فيهم -على هذه الصفات كلها- ما لا بد من وجود مثله في الدنيا، فكانت حوادث سرقة وزنا، ولكنها حوادث فردية نادرة أحسبها وقعت مرة واحدة ولم تتكرر. وعاد يقول إنه لما رأى أولئك الشباب وقرأ هذه الصحف دخل في الإسلام قلباً ولساناً، ونفذ أحكامه ظاهراً وباطناً، وعاش مع هؤلاء الشباب سنين في جو من السموّ والطهر لم يكن يظن أن

стр. 81

مثله يكون على الأرض. ووصفوا له الحج، وشوّقوه إلى هذه البقاع التي نزل فيها الوحي وخرج منها النور، وعاش فيها الرسول ﷺ ، وتكوّن فيها هذا المجتمع المثالي الذي لم تره عين الدنيا ولم يوصف مثله في التاريخ إلا مرة واحدة، هي هذه المرة. وقالوا له بأن الحج يجمع المسلمين من آفاق الأرض فيعرف إخوانه في الدنيا، فأقبل على الحج تحدوه الأشواق ويدفعه الإيمان، يستبطئ أسرع وسائل السفر، من شوقه إلى بلوغ هذه الغاية، ليرى بعينه على الأرض ما قرأه في الكتب وما سمعه بإذنه من الرفاق. فلما وصل وخالط المسلمين، على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وتعدد بلدانهم وتباين عاداتهم، وجد ... وجعل يعدد ما وجد من البعد بين حال المسلمين اليوم وما هم فيه من انحراف عن طريق الإسلام وبين ما كان قد قرأه وسمعه، فعلم أن هؤلاء الشبان كذبوا عليه وخدعوه، لذلك عزم على الرجوع إلى دين آبائه وأجداده. فقلت له: ما كذب أولئك الإخوان عليك حين وصفوا لك الإسلام ورووا لك ما كان عليه الرسول ﵊ والمجتمع الإسلامي الأول، وما كذبت أنت حين ذكرت عيوب المسلمين اليوم ومجتمعهم المريض. إن مجتمعاتنا التي نسميها «إسلامية» فيها كما ترى الكثير الكثير مما يخالف الإسلام، فلا الأسر تقوم على أساس الإسلام، وكثير من الحكومات التي تنتسب إلى الإسلام لا تحكم بما يوجبه

стр. 82

الإسلام، ولكن لا أسميها مجتمعات «جاهلية»، فالجاهلية عهد تاريخي مضى لا صفة باقية. وأنا لا أذهب إلى ما ذهب إليه الأخَوان الحبيبان، الشهيد السعيد سيد قطب ﵀، والداعية العامل محمد قطب حفظه الله، بل إنني لأقول إنهما مخطئان؛ فلو كانت دار المسلمين اليوم دار كفر (كما فهم منهما بعض الشباب، وإن لم يقولاه صراحة ولا كتباه واضحاً) لو كانت مجتمعاتنا دار كفر لطُبِّقت عليها أحكامها المدوَّنة في كتب الفقه. وكيف؟ ولا يزال يُصدَح فيها بالأذان، ويُتلى فيها القرآن، وتقام فيها الصلاة؟ إنها ليست كاملة الإسلام، هذا حق، ولكنها ليست كافرة، وهذا حق أيضاً، وإن كان فيها شيء من بعض صفات الكافرين. والرأي فيها أنها «مجتمعات إسلامية عاصية»، فيها المؤمن الصادق الإيمان، وفيها المسلم المقيم على الإسلام، وفيها دون ذلك، كأن أهلها صاروا -كما ورد عن الجن- طرائق قِدَداً! وما دامت جذوة الإيمان لم تنطفئ في القلوب، فعلينا أن نستعين بالله وأن نبذل الجهد لنعيد أصحابها إلى الدين. وأنا حاضرت الشبان والشابات في مصر وفي لبنان وفي العراق وفي الشام (وهي بلدي وأصلي)، وفي الهند وباكستان وأندونيسيا، وفي كثير من بلاد أوربا الغربية، وحضرت اثنين من المؤتمرات التي يقيمها كلَّ سنة المركزُ الإسلامي في آخن، كان أحدهما في مدينة آيسن والآخر في دوسلدورف، فوجدت شباناً وشابات أعود فأكرر غيرَ كاذب ولا حانث إن شاء الله: إنني رأيت

стр. 83

فيهم مثل الذي قرأته عن شباب الصحابة، يقيمون في تلك الديار وهم ثابتون على إسلامهم، تكتنفهم الشبهات والشهوات من كل ناحية وهم مرتبطون بدينهم وبربهم. ولقد سُئلت مرة في جامعة الرياض (في آخر زيارة لي إليها) عن حال الشبان اليوم في المملكة وفيما عرفت من البلدان العربية، فضربت لذلك مثلاً: غديراً واسعاً كان ماؤه صافياً، فتعكّر، فلم يبلغ حد الفساد ولم يبقَ على ما كان عليه من الصفاء، فأقاموا في جانب منه مصفاة يصب ماؤها في بركة صغيرة، فكان فيها من الماء ما لا مزيد عليه في عذوبته وفي صفائه وفي طهره، وما خرج منه بعد تصفيته ألقَوه في بركة أخرى في الجانب الآخر من الغدير، فكان فيها ماء لا يُتصوَّر أقذر منه في عكره وفي وساخته وفيما يحمل من أسباب الداء. هذا هو المثال. أما الغدير فما كان عليه أكثر المسلمين في مطلع هذا القرن، كانوا في الجملة على دين، ولكنه دين مَشوب بشيء من الجهل وبشيء من البدع، وربما خالطه شيء من الشرك الذي لا يكاد يُنتبَه إليه. فلما كانت هذه الرجعة إلى الإسلام (التي دعوها الصحوة الإسلامية) رأينا الغدير الواحد صار ثلاثة غُدُر: واحداً صغيراً صافياً عذباً لا مثيل له في صفائه وفي عذوبته، وواحداً وسخاً قذراً لا شبيه له في وساخته وقذارته، وأكثر ماء الغدير بقي على ما كان عليه. * * * أعود إلى قصة الفتى الألماني. قلت له: ما كذب هؤلاء

стр. 84

عليك، ولكن مثالك ومثالهم كمن وُصف له ماء الينبوع وحُملت إليه قارورة منه من رأس العين، فتبع مجرى الماء حتى بَعُدَ عن منبعه عشرة أميال، فرآه قد علقت به الأقذار والأكدار، فحكم بما يرى على أصل الينبوع. على أن النبع موجود، فمن شاء استقى منه أو جَرَّ الماء إليه في أنابيب لا يصل إليها قذر ولا يخالطها كدر. العين الأصلية والنبع الصافي هو القرآن الكريم، والسنة الثابتة الصحيحة، وسيرة الرسول ﵊ التي كانت تصديقاً عملياً للقرآن الكريم، وسِيَر أصحابه التي كانت في جملتها استمداداً من سيرته واستمراراً لطريقته. أما الساقية العكرة فهي ما يفهمه العوام وأشباه العوام على أنه دين الإسلام، وهي ما يقول به المبتدعون المنحرفون الذين نسبوا إلى الإسلام ما ليس منه، وشرعوا من الدين ما لم يأذن الله به. فلا يجوز إذن أن نحكم على الإسلام بحال المسلمين، فإذا كان في المسلمين من يعتقد معتقدات، أو يأتي ببدع، أو يفعل أفعالاً تخالف ما في كتاب الله وما في الصحيح من سنة رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، ﷺ ، نقول بأن هؤلاء انحرفوا عن طريق الإسلام، ولا نقول بأن هذا هو الإسلام. وللشيخ جمال الدين الأفغاني (أو للشيخ محمد عبده، ما عدت أذكر لأيهما) (١) كلمة عجيبة تعبّر عن هذه الحقيقة بأوضح

стр. 85

صورة وأوجز عبارة، هي أن «الإسلام محجوب بأهله»؛ أي أن الإسلام مثل لوحة فنية بديعة عُلِّقت على جدار المعرض، ولكن قَيّم المعرض وقف أمامها بوجهه الكالح وثوبه الوسخ، فستر عن الرائين جمالها وأخفى عنهم روعتها، فلما رأوه قالوا: ما دام هذا ممثّل المعرض فلن تكون اللوحة إلا على شكله، فلا خير إذن في النظر إليها! لا شك أن المجتمع الإسلامي اليوم فيه مخالفات للإسلام كثيرة، وفيه انحراف عن طريقه، وعلى العلماء أن يبيّنوا ذلك للمسلمين وأن يردّوهم إلى الطريق الصحيح. قال: فلِمَ لم يفعلوا؟ قلت: إن من مزايا الإسلام أنه لا يفرق بين من دخل فيه من سنة أو سنتين، بل من دخل فيه من يوم أو يومين، ومن له في الإسلام عشرة أجداد؛ كلاهما يُعتبَر مسلماً وعضواً عاملاً في هذه الجمعية الإنسانية الخَيّرة التي هي جماعة المسلمين، ومواطناً أصلياً في دولة الإسلام.

стр. 86

وهو يوجب على كل من عرف الإسلام الأصلي ورأى المجتمعات اليوم تنحرف عنه أن يحذّرها من الانحراف، وأن يعيدها إلى الصراط السوي، وأن يصرف الناس عن ماء الساقية الملوَّث العكر ليرجعوا إلى رأس النبع الصافي. وأنت اليوم مسلم مثقف، عرفت الإسلام وأنكرت ما أنكرت من حال المسلمين، فيجب عليك ما يجب على هؤلاء العلماء لأنك صرت منهم، ومن علم مسألة واحدة صار عالماً بها. فبدلاً من أن تفرّ من المعركة وأن تنسحب منها، وأن تدع الإسلام بعدما عرفت أنه دين الحق، بدلاً من ذلك هَلُمّ فضَعْ يدك في يدي، وهلمّ نضع أنا وأنت أيدينا في أيدي العاملين المصلحين، ونعمل على إحياء أصل من أصول هذا الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» طريق خطير، لأن الشرط فيه أن لا تسكت عن ضياع حق من حقوق الله تقدر على رده، وأن لا تعتدي على حرية مسلم في حياته. وما زلت به حتى اقتنع بحمد الله وثبت على إسلامه، وصار له في الدعوة إلى الإصلاح آثار كثيرة معروفة. وأستغفر الله أني نسيت اسمه، ولكن الله لا ينسى محسناً أراد بإحسانه وجهه. يا أيها القراء، ثقوا أنه ليس بين المثقفين من أهل أوربا وبين دخولهم في الإسلام إلا أن يجدوا من يعرّفهم به بالأسلوب الذي يفهمونه. * * *

стр. 87

الأحاديث الدينية في الإذاعة نشرت سنة ١٩٨٨ قال لي قائل: ما أكثر الأحاديث الدينية في الإذاعة! قلت: بل ما أقلها! إنّي لأفتح عيني ثم أغلقها ... على كثيرٍ ولكنْ لا أرى أحدا إنها كثير إذا عُدَّت، قليل إذا قُوِّمت. وهل يكون محدِّثاً وداعياً إلى الله ناجحاً كل من فتح كتاباً وسرد ما فيه؟ إن من المحدثين من يختار كتاباً كبيراً من كتب الحديث فيقرأ منه، يقرأ كل يوم نصف صفحة أو صفحة ويأخذ المكافأة من الإذاعة عليها، ولو استمر عشرين سنة لما أتى على نصفه! ومن يعمد إلى علم من العلوم المقرَّرة المعروفة، كالفقه وأبوابه والحديث وعلومه والسيرة والتاريخ، فيقرأ منها حصة يحسبها علينا حديثاً! إن من هذه الأحاديث ما هو كالنوافير الصناعية، التي يراها الرائي تعلو في الجو يضرب بعضها بعضاً تلمع في عين الشمس، فيحسبها قد انبثقت من مَعين لا ينقطع، وما خرجت إلا من علبة مغلقة فيها ماء يحركها المحرّك فيقذف بها إلى العلاء، ثم يعود الماء من حيث جاء، خرج منها ثم رجع إليها.

стр. 88

أنا لا أدعوكم أن تأتوا في أحاديثكم بشيء جديد، فلا يمكن لأحد أن يأتي في الدين بشيء جديد، لأن كل جديد في الدين لم ينزل به قرآن ولم تَرِد به سُنّة يكون بدعة مردودة وحَدَثاً في الإسلام منكَراً. لا أريد التجديد في الموضوع، ولكن أريد أن تجددوا في الأسلوب. إننا في حاجة لعرض حقائق الإسلام في ثوب جديد. لقد جَدّت أمور وحدثت أوضاع ليس لها ذكر في هذه الكتب، لأنها لم تكن على عهد مؤلفيها ليتكلموا فيها، ولا بد من بيان حكم الإسلام في هذه الأمور وهذه الأوضاع. نحن أمام حضارة جديدة لم يعرفها أجدادنا، حضارة وَسَمتنا بسماتها ودخلت علينا بحسناتها وسيئاتها، فما موقف الإسلام من هذه الحضارة؟ نحن أمام دعوات جديدة لم تكن على عهد أجدادنا الذين ألّفوا تلك الكتب، فما موقف الإسلام من هذه الدعوات؟ لقد واجه الإسلام على أيامهم دعوات الباطنية والخوارج والشيعة الغالية وأمثالها، فعرفوا كيف يردون عن الإسلام كيدها، فكيف نردّ نحن اليوم كيد الماركسية والقومية الملحدة والقاديانية والبهائية والعلمانية؟ نحن أمام نظريات جديدة في الفلك وفي علم الحياة وأمام كشوف جديدة في الفيزياء والكيمياء وغزو للفضاء، فما موقف الإسلام من هذه الكشوف وتلك النظريات؟ نحن أمام قوى هائلة منظَّمة، تخطط لها عقول كبيرة شريرة وتملك أسلحة خطيرة كثيرة، تعمل كلها على إخراج الجيل

стр. 89

الجديد منا من الدين أو إدخال الشك عليهم في عقائدهم، فكيف نعمل على رد هذه القوى وإنقاذ الجيل الجديد من خطرها؟ كيف نردّ نساءنا عن التكشف الذي يأباه الشرع، والاختلاط الذي تنكره السلائق العربية؟ كيف نعيد المسلمين إلى أخوّتهم ووحدتهم؟ كيف نشرح لهم حقيقة الإسلام الذي يجهل أكثرهم حقيقته؟ كيف نعمل على تعليم المسلمين أمور دينهم وتلقينهم خوف ربهم؟ كيف نقرب إليهم معاني قرآنهم الذي يتعبّدون به في صلاتهم، يتلونه في كل مسجد ويسمعونه من كل إذاعة، لعلهم إن فهموه رجعوا إليه فعملوا بما فيه؟ كيف نعرض عليهم سيرة نبيهم ﵊، في نفسه ومع أهله ومع أصحابه، لنعود إلى مثل ما كان عليه الرسول وأصحابه؟ كيف نحدّثهم أحاديث أرباب القلوب ونروي لهم أنباء الصالحين من العلماء العاملين، لا من جَهَلة المتعبّدين ولا من أصناف المبتدعين ولكن من الزهاد العابدين، علّ هذه المواعظ ترقق قلوبهم وتخفف عن عواتقهم من أثقال المطامع والشهوات، ليَخِفّوا فيستطيعوا الركض في طريق الجنة؟ ونأتي خلال ذلك بأحاديث فيها من طرائف التاريخ وصور المجتمع، تنويعاً للفائدة وتنشيطاً للنفس. * * * لما كنت أعمل أنا وأخي ناجي على تحقيق الكتاب العظيم للواعظ العظيم، كتاب «صيد الخاطر» لابن الجوزي، وضعت له مقدمة طويلة جاءت في الطبعة الأولى في أكثر من سبعين صفحة،

стр. 90

درست فيها حياته وآراءه وأدبه، فكان مما وجدت أنه كان يجتمع إليه عشرون ألفاً أو ثلاثون ألفاً، وربما بالغ المبالغون فأوصلوا عدد المستمعين إلى مئة ألف. فكنت أعجب منه وأستكثره وأحسبه مبالغة، وأسأل: كيف يسمع هذا الجمع العظيم؟ ثم رأيت أنه يتكلم متمهلاً، يسوق الجملة بعد الجملة، فينقلها مَن دنا منه إلى من نأى عنه. ذلك يوم صار الوعظ صناعة ينقطع ناس إليها، يشتغلون بها ويدأبون عليها، وكان مدارها على ترقيق القلوب وإسالة المدامع وتحريك العواطف (١). بدأ ذلك قبل انقطاع عهد الخلفاء الراشدين، حتى إني أحفظ (وإن لم أتثبّت بالمراجعة الآن من صحة هذا الذي أحفظ) أن علياً ﵁ منع القُصّاص (وكانوا يسمون الوُعّاظ القُصّاص) واستثنى الحسن البصري. وصار لمجالس الوعظ مظاهر شكلية وترتيبات عجيبة، وصف بعضَها ابن جُبَير الأندلسي في رحلته حين زار بغداد وتكلم عن ابن الجوزي، ووصفها ابن الجوزي نفسه، فقد كان يحتشد لها الناس ويأتون قبلها بساعات، يحجزون المحلات ويدفعون فيها الأجور البالغات، وتوقد الشموع، ويبدأ المجلس بتلاوة الآية أو الآيات التي سيتكلم الواعظ في تفسيرها، يتلونها بالأصوات الحسنة والأنغام المتعددة، وتتخلل الموعظةَ أبياتٌ من الشعر، ويكون فيها الصياح والصراخ والتوبة والاستغفار، ولهذه التوبة صورة ما عرفها السلف، ويكون فيها قص الشعور. ولم أحقق ما

стр. 91

حكاية قص الشعور هذه التي يُكثر ابن الجوزي من ذكرها. وما أريد أن أجعل هذه المقالة عن ابن الجوزي، فمن شاء رجع إلى مقدمتي لكتابه «صيد الخاطر» (١) فقرأ ما كتبته عنه. كنت أحسب ما ذكروه عن عدد المستمعين لابن الجوزي مبالغة، ولكني أجد اليوم أنه صار من المشاهد المألوفة أن المستمعين إلى أصغر محدِّث في الإذاعة يبلغون الملايين. لم تكن في الأيام الخالية هذه المكبِّرات للصوت، ولا هذه الإذاعات التي صارت منبراً للمصلحين وللمفسدين، وللمعلمين وللمطربين، ولمن يذكّر الناس بربهم ولمن يصرفهم عن ذكر ربهم. وأنا أعرف إذاعة المملكة من يوم أُنشئت أنها أُنشئت ليقول المحدّث فيها كلمة الصدق ويجهر منها بدعوة الحق، أُنشئت ليهدم المحدِّث فيها ويبني: يهدم الجدار المائل، لكن لا يتركه كومة من التراب بل يبني مكانه جداراً جديداً قائماً قوياً. يقتلع من الأرض النبات الخبيث والشوك المؤذي، ولكنه لا يدع مكانه أرضاً قاحلة بل يزرع فيها أفانين النبات، لينعم الناظر بألوان الورد والزهر وينتفع الطاعم بأنواع الثمر.

стр. 92

نحن لا ننكر المنكر ونمشي، بل نقف حتى نُحِلّ محلَّه المعروف. * * * إننا نريد أن ننشئ أمة جديدة، أمة مسلمة تمشي على سنن السلف، لتعيد مجد السلف وعز السلف. فكيف ننشئ هذه الأمة؟ كيف ينشئ الباني الدار؟ إنه يختار الحجارة، ثم ينحتها، ثم يشدّ بعضها إلى بعض. وحجارة بناء الأمة أفرادها، ولا تنشأ أمة صالحة من أفراد فاسدين. فلنبدأ بإصلاح الأفراد. ولا بد هنا من شرطين؛ شرطان لا بد منهما لبلوغ الغاية التي نرجوها من هذه الأحاديث الدينية في الإذاعة، شرطان اثنان: واحد يُطلَب مني أنا المحدِّث، والآخر منكم أنتم يا أيها المستمعون. أما الذي يطلب مني فهو أن أبدأ بنفسي فأعظها، لأن واعظ المسجد ومحدث الإذاعة ومعلم المدرسة، إذا لم يعظ نفسه لم يستطع أن يعظ الناس. إن فاقد الشيء لا يعطيه، والنبع الجاف لا يمد السواقي بالماء، والقلب الذي يملؤه الظلام لا يضيء للسالكين الطريق، والفؤاد الذي فيه الثلج لا يبعث في السامعين حرارة الإيمان، والعالم والمحدّث الذي يطمع في أموال الناس وفي دنيا الحكّام لا يستطيع أن يعظ الناس ولا أن ينصح الحكام. والكلام الذي يخرج من القلب هو الذي يقع في القلب،

стр. 93

والذي لا يخرج إلا من اللسان لا يجاوز الآذان. ورب كلمة تسمعها من عامي جاهل تهزك هزاً وتبعث في قلبك الخشوع وتسيل من عينيك الدموع، وخطبة طويلة حوت جواهر البلاغة ودرر البيان تسمعها فلا تحرك منك شعرة واحدة. فالذي يطلبه الناس من الواعظين (ومني إن كان لي شرف الدخول في زمرة الواعظين) أن يحاولوا وعظ أنفسهم قبل موعظة الناس. والذي يُطلَب من السامعين: أن يسمعوا هذه الأحاديث من الإذاعة ليعملوا بها، لا ليتخذوها تسلية ويقطعوا الوقت بسماعها، وأن يبدأ كل واحد منهم بنفسه فيصلحها. إذا أصلح الأب نفسه وراقب الله وكان معه بقلبه كان الله معه، فسخّر لطاعته زوجته وولده. وليكن بفعله أوعظ منه بقلبه، فلا يقل لأولاده اصدقوا وهو كاذب، ولا يأمرهم بالصلاة وهو لا يصلي، ولا ينهاهم عن الحرام وهو يفعل الحرام. فإذا تاب الأب من ذنبه وأصلح ما بينه وبين ربه، فليلتفت إلى أسرته فيحاول إصلاحها، فإن الأمة مجموعة من الأسر، فإذا صلحت الأسر صلحت الأمة، والله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فإذا بدأ كل سامع بنفسه فأصلحها وألزمها السير على طريق الشرع ولو خالف هواه ورغبة نفسه وأعراف مجتمعه (أعني التي تخالف الدين)، وقدّم طاعة الله وابتغاء رضاه على متابعة الناس وطلب رضاهم، وإذا عزم المحدِّث عزماً صادقاً على التوبة، وبدأ بنفسه فوعظها فتاب من ذنبه، وعزم السامعون على العمل بما

стр. 94

يسمعون ... كان لهذه الأحاديث -إن شاء الله- أثرٌ باقٍ في صحيفة المحدِّث وصحائف المستمعين يوم تُعرَض صحف الأعمال على الله رب العالمين. * * * أما الأحاديث فإنها كالغذاء أو كالدواء. الغذاء إن كان كله دهناً ودسماً، ليس معه ما يثير الشهية ويبعث الرغبة، أعرض عنه الآكل وصعب تناوله عليه مع علمه بحاجته إليه. والدواء إن كان مُرّاً لا يُساغ أباه المريض ولو أيقن أن فيه الشفاء. لقد قلت من قبل في أحاديثي في وسائل الإعلام إننا لما كنا صغاراً، وكانت البَرْداء (الملاريا) منتشرة بين الناس لم يُقضَ عليها كما قُضي عليها الآن والحمد لله، كانوا يداوونها بخشب الكينا، يأخذون قشور شجرته فيَغْلونها غَلْياً ثم يسقوننا منها، وهي مُرّة مرارة الحنظل أو العلقم. فكنت أفرّ منها، وربما أخذتها فصببت ما في الكوب وراء الوسائد! (وكنا نقعد على الأرض، ما كانت عندنا هذه المقاعد والأرائك). ويستطيع الطفل الآن أن يتناول هذا الدواء فلا يحس به، ذلك أنهم أخذوا خلاصته (١)، يأخذون القليل من هذا المر، وهو العنصر الفعال فيه، فيُغَشّونه بغشاء من السكر الحلو، فيأخذه المريض فلا

стр. 95

يحس بمرارته، بل يذوق حلاوة الغشاء الذي أحاط به. إنها قد قست القلوب، وغلب عليها حب الدنيا وملأتها مشاغل الحياة وهمومها ولذاتها، فلا بد من أن نحتال عليها حتى نذكّرها بربها وبآخرتها، وأن ندور من حولها لنجد الباب الموصل إليها. ما خلق الله قلباً مغلقاً، بل جعل لكل قلب مدخلاً. والمداخل شتّى: فمن الناس من تدخل إليه من باب الترغيب، أو من باب الترهيب، ومن ينفعه الدليل العقلي، ومن يفيده الحافز العاطفي ... ومن المحدّثين من يُعرِض عن هذا كله، لا يفكر فيه ولا يلتفت إليه، ويحسب أن المطلوب منه مجرد الإخبار بأن هذا الفعل يُدخل الجنة وذاك يستحق صاحبه النار. ومَن مِن الناس يجهل أن الصدق خير، وأن الكذب شر، وأن الأمانة أفضل من الخيانة، وأن من يمشي مُكِبّاً على وجهه ليس كمَن يمشي سَوِيّاً على صراط مستقيم؟ إن هذه الحقائق الكبرى يعرفها الناس كلهم، حتى من يرتكب المعاصي. من يشرب الخمر هل يعوّد عليها ولده؟ بل خذوا مثالاً أقرب، خذوا المدخّن الذي لا تنفك أصابعه ممسكة بالدخينة، يطفئها بعد أن أشعل الأخرى منها، إذا رأى ولده يأخذ دخينة من علبته، هل يشجّعه عليها ويقول له: خذها! أم يبعده عنها ويلومه عليها؟ ذلك لأنه يعلم أنها شر، ولكنه يزعم أنه لا يستطيع الخلاص منه. * * *

стр. 96

إننا لا نريد موعظة بعيدة عن الحياة، يسمعها السامع كأنه يستمع حديثاً بلسان غير لسانه، بل نريد الموعظة الممتزجة بالحياة. لا نريد زيتاً مختلطاً بالماء، إذا تركته عاد منفصلاً يهبط الماء فيه ويعلو الزيت، بل ماء ممزوجاً به الخل، قد صار منه حتى لا تفرق فيه بين الخل والماء. لا نريد أن تكون دروس الدين في المدرسة بعيدة عما هو في المجتمع فلا يرى التلميذ سبيلاً واضحاً لإدخاله فيها؛ بل درساً مَبنيّاً على وصف ما في المجتمع: نَصِفُ الدواء ثم نسمّي له الدواء. إن الله لم ينزّل القرآن جملة واحدة كما أنزل الكتب من قبله، بل أنزله آية بعد آية، أو آيات بعد آيات، نزل مرتبطاً بالحياة، مقوِّماً عوجها، مصحِّحاً خطأها، سامياً بها: قال المشركون في مكة أقوالاً فنزل قرآن بحكاية هذه الأقوال وردّها، وكانت الهجرة فنزلت آيات في الهجرة، وكان الإفك فنزل القرآن بردّ ما أفك المفترون، وكانت مسألة أسرى بدر فنزل بها قرآن، وكانت بيعة الرضوان فنزلت الآية تتكلم عن بيعة الرضوان ... جاء الدين مرتبطاً بالحياة؛ كلما تلونا هذه الآيات ذكرنا ما كان، فجعَلْنا ديننَا -إذ ندرّسه في مدارسنا- بعيداً عن حياتنا. أنزل الله القرآن ليكون دستوراً نتبعه وقانوناً نطبقه، فاكتفى أناس منا بتلاوة ألفاظه والتطريب في قراءته، وافتتاح الحفلات واختتامها به، وبين تلاوة الافتتاح وتلاوة الاختتام ما لا يرضي الله ولا يوافق الإسلام. أليس هذا الذي يجري في كثير من بلاد المسلمين؟ لو كان القرآن يؤثر فينا كما أثر في عمر وغير عمر من الصحابة الأولين، فبدّل حياتهم ونقلهم من حال إلى حال، لو كان الناس يعلمون

стр. 97

أننا في هذا كأسلافنا، هل كانت الإذاعات في البلاد التي لا تحب الإسلام ولا تود أهله، هل كانت تفتتح إذاعتها بالقرآن؟ * * * وبعد، فإن أحاديث الإذاعة ومقالات الصحف ليست كدروس المدرسة، ففي المدرسة طلاب محصورون، وللإذاعة مستمعون وللجريدة قارئون لا حصر لهم. طلاب المدرسة مُلزَمون أن يحضروا من أول الحصة إلى آخرها، إن غابوا كان لهم مَن يتفقّدهم وإن غفلوا وجدوا من ينبّههم، ومستمعو الإذاعة وقُرّاء الجريدة ليس عليهم رقيب، إن شاؤوا فتحوا الرادّ فسمعوا وإن شاؤوا أغلقوه فاستراحوا، ومنهم من يسمع من الحديث كلمة من هنا وكلمة من هناك، ومن يسمعه من آخره فلا يعرف ماذا كان في أوله. وقرّاء الجريدة إن شاؤوا قرؤوا المقالة، وإن شاؤوا جازوا بها وتركوها، وإن شاؤوا قرؤوا كلمات منها. ثم إنهم متباينون فهماً وإدراكاً وعقيدة واتجاهاً، فالمحدث البارع والكاتب الناجح هو مَن يستمع إليه أو يقرأ له أكبر عدد منهم. المهم أن يستمعوا وأن يقرؤوا، ثم لا يضر المحدّثَ أو الكاتبَ ليكون ناجحاً أن يوافقوه أو أن يخالفوه، إن المهم هو أن يقرؤوه. ولست في مقام مَن يوجّه الكُتّاب والمحدِّثين، وفيهم كثير ممّن هو أعلم مني علماً وأوسع إدراكاً وأشد إخلاصاً، ولكنها ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين. * * *

стр. 98

منهج الدعوة وواجب الدعاة حديث أذيع سنة ١٩٦٣ كنت قبل ثلاثين سنة معلماً في مدرسة ابتدائية، وكان معنا معلم شيخ قليل العلم كثير الادّعاء، يعرف من الإسلام أطرافاً يظن بأنها الدين كله. قُرع جرس الدرس مرة، وكان أحد المعلمين عطشان فتناول كأس الماء ليشرب قبل أن يدخل الفصل، فصرخ به صرخة جعلت حلقه يَشْرق بالماء وكفه تسقط الكأس. قال له: خالفت السنّة، شربت قائماً (١) ولم تُسَمِّ، وشربت جرعة واحدة لا ثلاثاً. وكان جدال تحول إلى معركة، دعت إليها شدة ذلك الشيخ وتركه المعروف عند الأمر بالمعروف. وقامت في دمشق نهضة دينية من نحو أربعين سنة، دعا إليها شيخان صالحان، تبعهما الناس أفواجاً وأقبلوا على دروسهما، وكادت تُصلح البلدَ لولا أن هذين الشيخين جعلا رأس الدعوة ومِلاكها العمامة واللحية وإخراج الأولاد من المدارس الحكومية، وكانت هذه أركان الإسلام عندهما، مع أن إطلاق اللحية وإن كان

стр. 99

من السنّة فليس من أركان الإسلام (١). وانتشرت في دمشق من سنين مشكلة شغلت العلماء شهوراً، ونُشرت فيها رسائل وأُلِّفت فيها كتب وكُتبت فيها مقالات، وانقسم أهل العلم فيها قسمين، فلا تسمع في كل مجلس إلا جدالاً. ولعلكم لا تصدقون إذا قلت لكم إن هذه المشكلة الكبيرة التي شغلت العلماء ليست محاربة الإلحاد الفاشي ولا الفساد المنشر، ولا نصرة الفضيلة وقمع الرذيلة، بل هي مشكلة التراويح: هل هي عشرون ركعة أم هي ثمان؟ وصارت هذه هي مشكلة المشكلات في الإسلام في تلك الأيام! وأنا ما ضربت هذه الأمثلة (وعندي عشرات من أمثالها، ولكني اجتزأت بها)، ما ضربتها إلا لأبيّن للناس اختلاف صور الإسلام في نفوس أهله. إن الإسلام في حقيقته واحد، ولكن أفهام الداعين إليه اليوم والناطقين باسمه تباينت في فهمه، حتى صار لكل واحد منهم مفهوم للإسلام غير مفهوم الآخر. وقد يشك في هذا الكلام كثير من السامعين ويترددون في تصديقه، ولكنه هو الواقع. كل واحد منا يتمسك بمجموعة من المسائل الفرعية يجعلها هي الدين. هذا يرى الدين في دفع الشبهات عنه ورد هجمات الهاجمين عليه، وإن لم يكن هذا المدافع متمسكاً بالفرائض

стр. 100

منتهياً عن المحرمات. وذاك يراه في الإقبال على العبادة وملازمة المساجد، ولا يعنيه بعد ذلك ما يكون من كيد خصوم الدين له وانصراف أبنائه عنه وفشوّ الضلالات فيهم. والمقلدُ الدّينُ عنده مذهبه الذي يقلده، والذي يتبع شيخاً يظن الدين ما يقوله هذا الشيخ وما يفعله، وثالث يرى الدين في ترك المذاهب والأخذ من الكتاب والسنة ولو كان الآخذ عامياً جاهلاً ... ومن يرى الدين في تكبير العمامة وتعريض اللحية وتطويل السبحة، ومن يرى الدين في صدق المعاملة والوفاء بالوعد وإن لم يُصَلِّ ولم يَصُم، ومن يراه في الصلاة والصيام ولو كان في معاملته الناس على غير ما يريد الإسلام. وأنا أكرر القول إني لا أنكر أن إعفاء اللحية مثلاً من السنة وأن العبادة هي ركن الدين، وما أدعو إلى حلق اللحية أو تهوين شأن العبادة، معاذ الله؛ إنما قلت إن الإسلام واحد، ولكن إذا فتشت عن صوره في نفوس المنتسبين إليه وحَدِّه في عقولهم تجد صوراً مختلفات وحدوداً متباينات، بعضها باطل وكثير منها حق، ولكنه بعض الحق، يأخذ أصحابها أحكاماً فرعية أو آداباً من آداب الإسلام فيجعلونها هي الإسلام كله. وهذه إذاعة «صوت الإسلام»، وأول ما يُطلب من محدّثيها تحديد الإسلام الحقيقي ورسم طريق الدعوة إليه. إن مَرَدّ أخطائنا في الدعوة إلى أمرين؛ الأول: أننا نبدأ بالفرع قبل الأصل، والمهم قبل الأهم. الثاني: أننا نختلف على هذه الفروع، فنهمل الدعوة إلى الأصول.

стр. 101

مع أن الأسوة برسول الله ﷺ . كيف دعا رسول الله إلى الإسلام؟ إنه بدأ أولاً بتصحيح العقيدة وتثبيت التوحيد في النفوس، ثم ثنّى بالنهي عن المحرمات، ثم أمر بإتيان الفرائض، ثم عمد إلى السنن والآداب. وكان الأعرابي يأتي من باديته فيجالس الرسول ﷺ يوماً أو بعض يوم، فيتعلم أصول الإسلام ويذهب إلى قومه داعياً ومبشراً. فلماذا لا نفعل كما كان يفعل رسول الله ﷺ ؟ أليس هو قدوتنا، وبه الأسوة الحسنة لنا؟ * * * إننا نحتاج إلى دعوة جديدة إلى الإسلام في بلاد المسلمين وبين شبان المسلمين قبل أن ندعو إليه في أوربا وأميركا، لأن أكثر هؤلاء الشبان يجهلون الإسلام، ولأنهم أصبحوا كأنهم غرباء عنه، وهذه حقيقة نقررها مع أشد الأسف. فيجب أن نعرض عليهم الإسلام الواضح الخالي من الغموض، البسيط البعيد عن التعقيد، بأصوله المجرَّدة عن التفريعات، كما كان يفعل رسول الله ﷺ مع من يجيئه من الأعراب. نلقّنهم أولاً ما يثبت به توحيد الله في نفوسهم، لا بمناقشة الجهمية والمعتزلة ومن كان من المخالفين الذين مضوا ولم يبقَ لهم أثر، ولا بإثارة المشكلات والشبهات والاشتغال بردّها، بل نلقنهم التوحيد كما جاء في القرآن، ونضع في قلوبهم محبة الله وخشيته، ونعلمهم أنه مطّلع عليهم وأنه لهم بالمرصاد، ثم نبين لهم المحرَّمات ونحملهم على اجتنابها، والفرائض

стр. 102

وندعوهم للقيام بها. ولا بد لي من بيان أن المحرمات والفرائض قسمان، قسم وردت فيه آيات وأحاديث صريحة قطعية الدلالة ليس فيها مجال للاجتهاد، وقسم وردت فيه آيات وأحاديث أراد الشارع -توسعةً على الأمة- أن يكون فيها مجال للاجتهاد. فالقسم الأول لم يختلف فيه العلماء أصلاً؛ لم يختلفوا في حرمة القتل والزنا واللواط والربا وأكل مال الناس بالباطل وعقوق الوالدين ... فهذه وأمثالها لا يجوز ارتكابها ومن استحلّها كفر. ولم يختلفوا في وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين وأداء حقوق الناس وأمثالها، فهذه وأمثالها لا يجوز تركها، ومن استحلّ تركها كفر. أما ما اختلفت فيه مذاهب أهل السنة (أي المذاهب الأربعة) فذهب بعضها إلى تحريمه أو وجوبه وذهب بعضها إلى كراهته أو سنيّته، فينبغي أن نأخذ الشاب -ونحن ندعوه إلى الإسلام ونرغّبه فيه- بأخفّها عليه، ما دام لهذا الأخف مستنَد، وما دام قد قال به من يُعتَدّ بقوله من الفقهاء. وإذا علّمناه الفرائض، الصلاة مثلاً، فلنعلمه كيفيتها الصحيحة كما علمها الرسول ﷺ أصحابَه حين قال: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي»، فلا ينبغي أن نُلزم الشاب بحفظ الشروط والأركان والواجبات والسنن والمندوبات والمفسدات، فيستعظم الأمر ويستصعبه فيتركه جملة، إلا إذا كان طالبَ علم يريد الانقطاع إليه ... فإذا صحت عقيدته، وعرف الحرام فاجتنبه،

стр. 103

وعرف الفرض فأتاه، وذاق حلاوة الإيمان، لقنّاه السنن والآداب ورغَّبناه فيها. * * * والشيء الآخر هو أن بين العلماء خلافاً على أمور اجتهادية يجوز في مثلها الخلاف، فهذه لا ينبغي أن نشتغل بالمناظرة فيها ولا أن نشغل العامة بها. والتراويح ليست فريضة، فإذا لم يُصَلِّها العامي عشرين ركعة وصلاها ثماني، أو أبى الثماني وأكمل العشرين، فإنه لا يترتب على ذلك حدث في الإسلام نشتغل به عما هو أهم منه، من دفع هجمات الملحدين وتعليم شبان المسلمين حقيقة الدين. أنا أرجو من العلماء أن يتعاونوا على ما اتفقوا عليه، ويتركوا الخلاف فيما يختلفون فيه إن كان من الأمور الاجتهادية التي اختلفت فيها أفهام الفقهاء ومداركهم. لقد هَبَّت اليوم عواصف من المذاهب الباطلة والشبهات ومن الفساد الذي يطلق الغرائز ويثير الشهوات، وهذه العواصف توشك أن تطفئ شعلة الإيمان في نفوس كثير من أبناء المسلمين، ونحن -معشر الدعاة والوعّاظ- نختلف على الجزئيات، أو نبدأ في الدعوة بالفروع قبل الأصول. وإذا نحن لم نعد بالإسلام إلى حقيقته، ونأخذه من ينبوعه فنعرضه على الشباب صافياً رائقاً، وتكن دعوتنا إلى المعروف بالمعروف، لا نكون قد قمنا بعمل ولا نكون قد أدّينا الواجب. * * *

стр. 104

ماذا يصنع الصالحون ؟ كتبت سنة ١٩٦٤ ولم تُنشَر (١) لي بنت أكملت الدراسة الابتدائية. وكانت عادتي في بناتي أن أدخلهن المدرسة الإعدادية، يبقين فيها سنتين أو ثلاثاً، ثم يجيء الخاطب الصالح فأزوجهن. فنظرت إلى المدارس الإعدادية في دمشق، فإذا المدارس الرسمية أكثر مدرّساتها من السافرات الحاسرات، وأنا قد نشّأت ابنتي على التزام الحجاب الشرعي وعلى اجتناب المحرَّمات الظاهرة. وفيها هذا السفور الذي يكشف الشعر والنحر وبعض الصدر ويجعل المسلمات في الزيّ كالكافرات، والبنت لا تُكبر أحداً إكبارها لمعلمتها ولا ترى لها قدوة سواها، ولو أني أمرت بنتي بالحجاب وشددت عليها فيه وذكّرتها به آناء الليل وأطراف النهار، ثم رأت المعلمات سافرات، لذهب كلامي كله هباء. ووجدت هذه المدارس لا تخلو من مدرّسين من الرجال. وأنا قد عوّدت بنتي ألاّ تلقى أجنبياً ولا تكلمه، ولا بد لهذا المدرّس من أن يكلمها وتكلمه، فتَهون عليها مخالطة الرجال.

стр. 105

ووجدت البنات فيها -مهما كنّ متحجّبات- إذا دخلن المدرسة ينزعن أكثر حجابهن كأنهنّ صرنَ في دارهنّ، فيرى المدرّس منهن ما لا يجوز أن يرى مثلَه إلا أخٌ أو أب، وما هو بأبٍ لهنّ ولا أخ، ما هو إلا أجنبي لا يحل له -مهما كان علمه وكانت سنّه وكان صلاحه- لا يحق له أن يرى منهن إلا الوجه والكفين، ولا يجوز أن يخلو بإحداهن ولو كانت خلوته بها خلوة كلام. ثم إن مناهج هذه المدارس على غير ما أريد وعلى غير ما أرى أنه الصواب؛ فهي تعلم البنات مثل علوم الصبيان، مع أن الذي يحتاج هو إليه لا تحتاج إليه هي، وما ينفعه أن يدرسه لا ينفعها هي أن تدرسه، ذلك لأنها خُلقت لغير ما خُلق له، وستشتغل إذا كبرت بغير ما يشتغل هو به، وهذا التعليم يدفعها -في مُقْبِل أمرها- أن تسلك مسلكه وأن تحاول التحرر من أنوثتها لتشاركه في رجولته، فتدخل مثله دواوين الحكومة وتشتغل مثله في المتاجر، فلا تبقى امرأة كما خلقها الله ولا تصير رجلاً كما أراد لها هؤلاء الناس! وكنت قد وضعت أخواتها الثلاث قبلها في مدرسة أهلية قالوا إنها إسلامية، وإذا هي لا تختلف عن مدارس الحكومة إلا بأنها بالأجرة وتلك بالمَجّان، والمنهج هو المنهج والكتب هي الكتب، والمدرّسات أكثرهن من السافرات كأخواتهن هناك، وفيها من البلايا والطامّات ما يهدم في نفوس التلاميذ والتلميذات كل ما يبنيه الأبُ الصالح في البيت والخطيبُ المصلح في المسجد! ومن بعض ما فيها أن كتب التاريخ تعلّم البنات ديانات الأمم الأولى -من المصريين والفنيقيين واليونان والرومان- وما كان لها

стр. 106

من عقائد تنافي الوحدانية، وتكلفهن حفظ ذلك واستظهاره قبل أن يعرفن ما التوحيد وما عقائد أهل الإسلام. ثم إن دخلت البنت المدرسة الثانوية ألزموها أن تلبس السراويل القصار بحجة الرياضة، ثم يأتون لها بالرجل العسكري ليعلّمها أساليب القتال واستعمال السلاح، كأن الشبّان لا يدورون فارغين في الطرقات ولا تمتلئ بهم السينمات، وكأنه لم يبقَ في البلد رجال فوجب القتال على النساء! ثم زادوا فجعلوا للبنات معسكراً يَبِتْنَ فيه شهراً، يَنَمْنَ ويُقمنَ خارج بيوتهن بعيدات عن أهليهن، يشرف عليهن الرجال الأجانب عنهن. ثم إن دخلت البنت الجامعة وجدت من الاختلاط والفساد ما يغني تصوُّره عن تصويره والعلمُ به عن الكلام فيه. * * * ووجدت أن المجتمع قد فسد كما فسدت المدارس، وإذا لم يصل السفور إلى البنت من زميلات المدرسة وصل إليها من جارات الدار. ووجدت أن البنت إن لم تقرأ الكفر في كتب المدرسة قرأته في المجلات أو سمعته في الإذاعات ... ووجدت الداء يستشري ويزيد، فما كنا نتصوره قبل ثلاثين سنة مستحيلاً، وقبل عشرين سنة بعيداً، وقبل عشر سنين مُعيباً، صار هو القاعدة المتَّبَعة وصار هو الأصل الذي يُقاس عليه ويُرجَع إليه. فماذا أصنع؟ إنها مشكلة، ليست مشكلتي وحدي، بل هي مشكلة كل أب له بنات. فكيف أحفظ على بناتي حجابهن؟ هذا وباء عَمَّ وانتشر، فماذا نصنع له؟ ماذا يصنع الناس في درء الوباء؟

стр. 107

كان الوباء إذا جاء أقام سنين وفتك بالكبير والصغير حتى تمتلئ البلد بالجثث وتخلو من السكان. كذلك كان يصنع في الشرق والغرب، ولكنه لمّا قدم مصر سنة ١٩٤٧ لم يلبث فيها إلا قليلاً، فما السبب؟ لقد كنت مقيماً في مصر تلك السنة وعرفت السبب: استعدت له الحكومة ونهض لمقاومته الأطباء، فحاصروه قبل انتشاره وقضوا عليه قبل استفحاله. وهذا وباء في الدين، جعلَنا نحن المسلمين كأنّا لسنا بالمسلمين، فالعورات مكشوفة، والمحرَّمات معلَنة، والفرائض متروكة؛ كأننا والله في جاهلية جَهلاء وضلالة عمياء لم يُنزَّل علينا كتاب ولم يُبعَث فينا نبي، بل إن الجاهلية أشرف -أقسم بالله- وأعفّ وأنظف! وهل كان في الجاهلية بنت تكشف عورتها بعلم الأب وعين الأم ونظر الناس، فلا تسمع مُنكِراً ولا ترى معترضاً؟ إنه وباء في القلوب والعقائد والأخلاق، فماذا نصنع له؟ أما الحكومة، لا أعني حكومة بعينها بل أكثر حكومات البلاد الإسلامية، فلم تلتفت إليه ولم تهتمّ به، بل ربما كان منها من تشجّعه وتزيده شرّاً وانتشاراً. وأما الشعوب فلم تنتدب منها من أهل القدرة والاختصاص من يتطوع لمحاربته ودفعه على خطة مرسومة ومنهج مدروس، كما فعل الأطباء في دفع ذلك الوباء. إن أكثر الأمة -لو أحصيت- لا تزال تؤمن بالله وتحب الخير، ولكنها قد ضعفت ثقتها بربها وضعفت ثقتها بنفسها، لا يجمعها نظام ولا يقودها قائد ولا تنطق باسمها صحيفة، بل

стр. 108

إن القانون في كثير من البلدان يصادم رغبتها وعقيدتها والصحف تنشر ما يخالف رأيها ومذهبها، فلا تزال كلَّ يوم إلى نقص. فلم يبقَ إلا أن يحتاط كلٌّ لنفسه؛ لم يبقَ إلا أن يفرّ المرء بدينه ويجتنب أسباب الداء. لقد صدق رسول الله ﷺ وعاد الدين غريباً، فلنكن من أهله ولو تغرّبنا في بلادنا، فأولو الفضل في أوطانهم غرباء. لقد تصدّعت الجبهة وانهزم الجيش وتفرّق، وبقي هاهنا وهاهناك أفراد. فليجتمع من بقي، وليتكاتفوا ويتحارسوا حتى يكثروا ويعيدوا تأليف الجيش. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون (١). * * *

стр. 109

بيان وإنذار حديث أذيع سنة ١٩٧٢ يا سادة، كان المستعمرون على عهد نشأتنا يحكمون بلادنا، وكانت لهم على كل جبل قلعةٌ مدافعُها موجَّهة إلينا، ولهم في كل بلد جند يلوّحون بسلاحهم في وجوهنا، وكنا نثور عليهم فنقتل منهم ويقتلون منا ... ثم أوحى إليهم شيطانهم خطة فيها توفير لأموالهم وحفظ لأرواح جنودهم، هي أن يتركوا هذا الاستعمار الظاهر ويعمدوا إلى استعمار خفي، يستعمرون به القلوب لا المدن، ويسخّرون به أبناءنا للإيقاع بنا. وكان أول ما حاربونا به أن عملوا على سلبنا أقوى أسلحتنا، وهي ديننا. ذلك أنهم علموا أنه ما دام المسلمون متمسّكين بهذا الدين الذي يدعو إلى العزة ويأمر بالجهاد، ويفتح عيون أتباعه حتى يفرقوا بين الخير والشر والصديق والعدو، فلن يصلوا منا إلى ما يريدون؛ فعمدوا إلى إضعاف الدين في نفوس أولادنا، وشقّوا لذلك الطرق وأعدّوا له الخطط، فمن تقليل ساعات الدروس الدينية في المدارس، ومن بَثّ الشر في النفوس، ومن إفساد الأخلاق بالصور والأفلام ... فنالوا بذلك ما لم ينالوا عُشرَ مِعْشاره بالقلاع والمدافع والدبابات!

стр. 110

وهذا الذي أقوله ليس خيال شاعر ولا صَوغ أديب، ولكنه حق واقع قالوه في كتبهم التي ألّفوها لأنفسهم، وقرّروه في مجتمعاتهم ووصّاهم به دهاقين سياستهم. إنهم ما حاربونا بسلاح كان أكثر أذى لنا وأشدّ نفعاً لهم من هذا السلاح الشيطاني الرهيب، وهو صرفنا على ديننا وعن دعوة ربنا. فإذا أراد المسلمون أن يردّوا أذى هذا السلاح عن أعناقهم، وأن يحبطوا كيد عدوّهم ويفوّتوا عليه الظفر بهم، فليس لهم إلا الرجوع إلى دينهم. فيا شباب المسلمين، لا تبلغ منكم الغفلة أن يتلاعب بكم العدوّ ويسخّركم لمآربه. إنه يريد أن يصرفكم عن دينكم ليتمكن منكم ويستحوذ على خيرات بلادكم وثمرات أرضكم، فلا تستجيبوا لوساوس شياطين الإنس، وارجعوا إلى دينكم فتمسكوا به، واجهروا بدعوته، احملوا أنتم لواءها وكونوا أنتم سياجها وحُماتها، واطلبوا بذلك رضا الله لا رضا الناس، وثوابَ الآخرة لا متع الدنيا، وأعيدوا على مسمع التاريخ سِيَر شُبّان الصحابة الذين شدهوا التاريخ ببطولاتهم، أعيدوها بأفعالكم لا بأقوالكم، حتى تعلم الدنيا أن أمة محمد ﷺ لا تموت وأن دعوة الإسلام لا تنقطع، وأنه قد يهرم الدهر ويبقى الإسلام شاباً يحميه من أبنائه شبابٌ يقحمون في سبيله الأهوال ويجرعون الغصص، ويستخفّون الأثقال ولا يبالون بالموت. ويومئذ، يوم يتعاضد المسلمون ويتضامنون ويرجعون إخوة كما أراد الله أن يكونوا، يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. * * *
следующие страницы →