وتحقيق الاستقلال. وأستطيع أن أمثّل عليهم وعلى موقفهم من الإسلام باثنين: الأستاذ الكبير ساطع الحصري، شيخ المربّين من العرب، الذي حارب الدعوة الإسلامية عمرَه كله بقلمه ولسانه وسلطان وظيفته (كلما ولي وظيفة) حرباً علمية منظَّمة، وكان أسلوبه في محاربتها هو العمل على إحلال «العربية» محل «الإسلامية»، وهي بذاتها دعوة الجاهلية التي نهى رسول الله ﷺ عنها وبيّن أن صاحبها ليس منا، وإقامة برامج المدارس على هذا الأساس الواهي.
والثاني هو الوطني المعروف فخري البارودي. وهو زعيم شعبي محبوب كان له في كل حركة وطنية عمل، ولكنه -مع الأسف- حرب على الدعوة الإسلامية، وأسلوبه فيها أسلوب المستهزئين من كفار قريش، وهو سَوْق النكات العامية والسخرية بالمشايخ وتركيب النوادر عليهم، على نحو ما يركّبها بعض الملحدين من النصارى على قسوسهم ورهبانهم.
وهنالك أسلوب ثالث، هو نفث هذا الحقد الدفين على المشايخ (الذين يمثلون الفكرة الإسلامية) بضربهم بسيف الحكومة، وقد طُبِّق هذا الأسلوب على أفظع شكل حينما ولي الحكم في الشام سعد الله الجابري الحلبي (وهو أيضاً من رجال الرعيل الأول)، وبطش بالمشايخ، وأودع كثيراً منهم السجون وهاج بهم الجرائد، لسبب تافه ليس هذا موضع بيانه (١).
стр. 142
وسبب هذا كله المشايخ، أعني بعضهم، فهم الذين طبعوا في نفوس هؤلاء الناس تلك الصورة المشوَّهة للإسلام. المشايخ الذين طالما لقينا مِن تكفيرهم مَن يقول بكرويّة الأرض وحركتها وتكفير من يدرس الجغرافيا والكيمياء والطبيعة! وقد صرّح لي بذلك الأستاذ ساطع الحصري في القاهرة سنة ١٩٤٧، فقلت له: إن هذا العذر من مثلك غير مقبول، لأنك تستطيع -في قوة عقلك وسعة علمك- أن تعرف حقيقة الإسلام من مصادره وتُخلي ذهنك مما تقول إن أولئك المشايخ قد وضعوه فيه، وأن تدرسه من جديد، فترى أن الإسلام ليس ديناً جامداً ولا منافياً للحضارة ولا معارضاً للمنطق، وأنه هو الطريق إلى ما نسعى إليه جميعاً من استعادة أمجادنا واسترداد مكاننا بين الأمم.
ولو فعل ذلك لصار من أقوى دعاة الفكرة الإسلامية. أما
стр. 143
السيد فخري البارودي وأمثاله من رجال الرعيل الأول (وصحفيّي الرعيل الأول ...) فلا تنفع معهم مناظرة ولا يفيد جدال، وهل يُناظَر الهازل ويجادَل الساخر، ويناقَش المناقشةَ العلمية من يتكلم عمّا لا يعلم ويهرف فيما لا يعرف؟ وهل تجادل في فائدة الهندسة من يسخر من الهندسة وأهلها ويهجوهم بالنكات والنوادر والمضحكات، وهو بعدُ لم يدرس الهندسة في عمره، وليس يدري: أتبحث في السطوح والأجسام أو في قواعد طبخ الباذنجان وسيرة كسرى أنوشروان؟
وكانت الجرائد معهم، وكان لهم من الشعب المناضل مكان القيادة فمكّن ذلك لهم، حتى استطاع فخري البارودي أن يجمع مرة -في خطبة واحدة في الجامع الأموي- بين التعريض بذم شيخ الإسلام في ديار الشام الشيخ بدر الدين أخذاً له بجريرة ابنه الذي كان رئيس الوزراء، والتصريح بمدح البطريرك الماروني في لبنان، وقال إنه يحج إلى بكركي (مقر البطريرك)، نعم، بهذا اللفظ وفي جامع بني أمية!
* * *
وبقي المشايخ في عزلتهم حتى أخذت الحماسة الدينية مأخذها من اثنين منهم، هما الواعظان الشعبيان العالمان، الشيخ علي الدقر والشيخ هاشم الخطيب. وكان الأول أكثر شعبية وصوفية والثاني أعلم، فقاما بحركة هزّت دمشق وضواحيها هزّاً عنيفاً، وجدّدا الدعوة إلى الدين بعزيمة صادقة وهمّة وحماسة وعنف شديد، فأقبل عليهما الناس إقبالاً منقطع النظير، ولكنهما
стр. 144
-مع الأسف- قد جعلا همَّهما الأكبر اتخاذ العمائم وإسبال اللحى، وإلباس النساء الأُزُر البيض بدل الملاءات السود!
ثم إنهما دعوا إلى مقاطعة مدارس الحكومة قبل أن يعدّوا مدارس غيرَها، وإلى ترك العلوم الطبيعية ونبذ الأدب والاقتصار على النحو والفقه والحديث والتفسير والتصوف! فكان ذلك سبباً في فشل هذه الدعوة، وكان فشلها سريعاً كما كان نجاحها سريعاً، فكانت كأنها حريق في تل من القش (١).
على أن هذه الوثبة قد أبقت أثرين: أولهما أن العلماء لمّا رأوا هذا النجاح تبدد ما كانوا فيه من اليأس، وعلموا أنهم يستطيعون -إذا شاؤوا- اقتحام الميدان الشعبي، وأن العاطفة الدينية لا تزال أقوى العواطف في صدور العامة من أهل الشام.
والثاني: أن الجماعة التي كوّنتها هذه الوثبة قد اتبعت من بعدُ سبيل الحكمة، وسايرت الزمن من حيث يسير، فاستطاعت أن تنشئ مدارس عدة ثانوية ودينية، وأن يكون تلاميذها في مقدمة الناجحين في البكالوريا في كل دورة.
* * *
لبثت الحال على ذلك إلى أن أُلِّفت في مصر «جمعية الشبان المسلمين»، فكان تأليفها بداية مرحلة جديدة في طريق
стр. 145
الدعوة هي مرحلة العمل المنظَّم (ومن الوفاء للحقيقة أن أقرر أنها وُلدت في دار المطبعة السلفية في شارع الاستئناف في القاهرة)، ولمّا عدت إلى مصر المرة الثانية كان رئيسها الأستاذ الكبير في جسده ورجولته وقلبه وإيمانه عبد الحميد سعيد، خَلَف في الرياسة الأستاذَ الشيخ عبد العزيز شاويش، وكان أمين سرّها خالي الأستاذ المحب. ثم أُلِّفت جمعية الهداية الإسلامية، وكان رئيسها من يوم تأسيسها -فيما أعلم- الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر، وأُلِّف مثلهما في دمشق وفي بغداد، ثم أُلِّفت في دمشق «جمعية التمدن الإسلامي»، وكان تلاميذ الأستاذ الشيخ علي الدقر قد ألّفوا جمعية سمّوها «الجمعية الغَرّاء» لتعليم أولاد الفقراء.
وسأصف لكم هذه المرحلة في المقالة الآتية إن شاء الله (١).
* * *
стр. 146
المدرسة الدينية
نشرت سنة ١٩٣٧
دفعني إلى التفكير في هذا الموضوع الذي أكتبه اليوم خبر صغير قرأته كما قرأه الناس كلهم، ولكني قرأته بإعجاب وفخر. هذا الخبر الصغير الذي يصف في تواضع واختصار منقبة عظيمة ومكرمة قصّر عنها الفحول من الرجال ذوي الوجاهة والغنى، وقدرت عليها هذه المرأة التي تبرعت بنفقات الكلية الإسلامية. ولقد جمعت هذا المال الكثير بعملها وكدّها، لم ينتهِ إليها كما تنتهي الأموال إلى الوارثين لينفقوها في أسواق الرذيلة والعار.
على أني لن أقف مقالي على تمجيد هذه المرأة وإكبار عملها، فهي امرأة ماجدة وعملها عمل كبير، والعالم الإسلامي الذي قرأ الخبر في الجرائد -كما قرأته- مجّدَها وأكبر عملها من غير أن يحفزه إلى ذلك كاتب ضعيف مثلي. ولكني أحب أن أقصر مقالي على المدارس الإسلامية الدينية، وأن أهبط من سماء الخيال والأدب إلى أرض الحقيقة والواقع. والواقع أن المال اللازم لإنشاء هذه المدرسة في حلب قد توفر (أو توفر أكثره) ولم يبقَ إلا التفكير في صرفه.
وأنا أعلم أن الذين يقومون على صرفه لا يحتاجون إلى
стр. 147
رأيي ومشورتي، ولكني لا أجد بدّاً من أن أقول كلمتي هذه لعلها تنفع أحداً. ولست أدّعي أني أعلّم أو أنصح، ولكنها تجارب لي أحببت أن أكتبها (١).
* * *
من هذه التجارب ما يتعلق ببرامج التعليم، ومنها ما يتصل بنظام المدرسة، ومنها ما يدور على أصول التدريس والمدرّسين.
أما برامج التعليم في المدرسة الدينية، فقد أصبح من المُجمَع عليه وجوب اشتمالها على العلوم الإسلامية والعربية وعلى ثقافة عامة واسعة تحيط بمجمل نواحي المعارف الإنسانية، لأنه أصبح من المفهوم أن الإسلام دين وعلم وقانون وفن، وأنه صالح لكل زمان ومكان، فلا يستقيم في الفكر أن تكون عقول علمائه الذين يعيشون اليوم مخالفة لعقول الناس وفي معزل عن حقائق الكون التي توصّل العقل البشري إلى معرفتها. وقد باد ذلك الرأي الذي يرى علوم الطبيعة والرياضة منافية للدين، ومات أصحابه بعد أن هبطوا بالأمة من يفاعها وبلغوا بها الحضيض الأوهد، وأكسبوها -بما ارتضوا لها من الجهل بعلوم الدنيا- هذا الاستعمار وهذه البلايا ...
فلن نطيل الوقوف عند هذا، ولكننا نشير إلى ضرورة تدريس العلوم الإسلامية الخالصة -كالفقه والتوحيد- على شكل يفهمه أبناء هذا العصر ويلائم أذواقهم، وأن يُختار لتدريسها
стр. 148
جماعة قد انطلقت عقولهم من قيود اللفظ والوقوف عند تفهّم العبارة وإعادتها بأسلوب آخر (قد يكون أرقى من أسلوب الكتاب وقد ينحطّ عنه)، وأن يُختار للتلاميذ المبتدئين كتب سهلة مكتوبة بأسلوب مفهوم، وأن يُبتعَد عن هذه الشروح وهذه الحواشي فلا تدرَّس إلا في الصفوف العالية حينما تقوى مَلَكة العلوم الإسلامية عند التلميذ، لأن الابتداء بتقرير هذه الكتب للتلاميذ الذين درسوا في مدراس مدنية دراسة بعيدة عن الدين يُنتج نتيجة سيئة جداً، هي تنفير الطلاب من كتبنا وعلومنا.
ولست أذهب في هذا إلى الحط من قيمة هذه الكتب القديمة، فإني أَعْرَف الناس بقيمتها وقيمة أصحابها الذين ألّفوها على طريقةٍ لا نشك بصلاحيتها للعصر الذي أُلِّفت فيه. ولكني أذهب إلى أن المراد من الدرس فهم مادة العلم، وعلم النحو مثلاً يُفهَم من غير أن نحفّظ التلاميذ المبتدئين هذه المنظومة العجيبة التي تُعرَف بـ «الألفية»، ونكسر بها أدمغتهم ونبغّض بها النحوَ إليهم أشد التبغيض، وإلى أن هذه الكتب الحديثة المبوَّبة المرتبة تغني التلاميذ المبتدئين عن «القَطْر» (١) و «ابن عقيل»، وليس تدريس هذين الكتابين من الدين حتى نتمسك بهما ونحرص عليهما، ولكن الوصول إلى الغاية من أقرب الطرق هو الذي يُعَدّ من حقائق الدين.
وأذهب إلى أن تدريس الفقه للمبتدئين لا يقتضي شرح هذه الافتراضات الغريبة التي توجد في كتب الفقه ويولع بها بعض الفقهاء ... وإلى جانب هذه الإفاضة في فرض الفروض نجد في
стр. 149
كتب الفقه نقصاً كبيراً في المسائل التي جَدّت ولم يكن يقع أمثالها في عصور الفقهاء المتقدمين، والتي شغل المعاصرين من علمائنا عن بحثها واستنباط أحكامها اشتغالُهم بعبارة الكتاب وتحليل غامضها.
وأنا أذهب إلى أن تدريس التوحيد مثلاً يقتضي الابتعاد عن كتب الكلام المحشوة بحكاية أقوال المخالفين والرد عليها، فيحفظ التلاميذ شُبَه أقوام بادوا ونِحَل انقرضت قبل أن يعرفوا حقيقة التوحيد على قوّته وبساطته وجلاله، مستشهدين بآيات الله في كتابه وفي خلقه.
* * *
أما النظام المدرسي فيكاد يكون مفقوداً اليوم في أكثر مدارسنا الدينية، لأن مرجع أكثرها إلى أفراد يديرونها ويشرفون عليها. وكل مدرسة أو شركة أو جمعية تتبع رأي واحد وهواه لا حظَّ لها إلا الموت والخيبة، لأن الفرد -مهما كان حسن النية- يخطئ ويَهِم، ولذلك شرع الله الشورى.
ولذلك وجب على مؤسّسي المدرسة الدينية أن يجعلوا مرجعها «جمعية» تضم أهل الرأي والاختصاص لا أهل العبادة والصلاح فقط، لأن من المسلَّم به أن التجّار مثلاً لا يستطيعون أن يديروا مدرسة ويضعوا برامجها، ولو كانوا صالحين عاملين وكان لهم فضل في إنشاء هذه المدرسة. وليجدَّد أعضاء الجمعية بالانتخاب، ولا يكونوا أعضاء خالدين يحتكرون المشروع ويسدّون سبيل العمل فيه في وجوه الناس، فإن ذلك يُفسد عملهم
стр. 150
ويخرج به عن غايته الغرّاء ومقاصده الخيرية، ويجعله شركة احتكار ربحها المجد والشهرة والجاه.
وليكن نظام المدرسة موافقاً لطبائع الطلاب وفطرتهم، ضامناً لغايات التربية، عاملاً على إنماء مواهب التلاميذ وملكاتهم، بعيداً عن الفوضى بعده عن العسكرية الآلية، فلا يجعل التلاميذ متمرّدين يركب كلٌّ منهم رأسَه ولا يخضع إلا لنفسه، ولا يجعلهم آلات صَمّاء لا تحسّ ولا تفكر ولا تشعر بكرامة. وأن يراعى في وضع نظام العقوبات روح الطالب وعزّته، وأن تُحرَّم العقوبات التي تُذِلّ نفوس الطلاب، لأن تربية عزة النفس والكرامة أول واجب على من ينشئ مدرسة دينية تخرّج علماء شرعيين، وحسبنا ما نجد اليوم من ضعف علمائنا (أعني بعضهم) وهوان نفوسهم عليهم!
أما اختيار المدرّسين فهو بيت القصيد وعقدة القصة؛ إذ إن من شروط المدرّس في المدارس الدينية أن يكون دَيّناً عالماً معلّماً مربّياً. ولا أعني بالدين أن يدع المعلم صفه ليستلم محرابه وأن يترك التعليم ليشتغل بالذكر، ولكن أعني بالدين أن يرعى المعلم حق الله وحق المدرسة عليه ويعرف قيمة الواجب، فلا يغرس في نفوس الطلاب فكرة ضارة ولا خُلُقاً سيئاً ولا عقيدة باطلة، وألاّ يضيع لحظة من الدرس في غير فائدة. وأعني بالعالِم العالم بالمادة التي يدرّسها، لأن المدرس إذا لم يكن متيناً في درسه لم يُفِد ولم يُحترَم. وأعني بالمعلم من كان قادراً على إفهام الطلاب، مطّلعاً على أصول التدريس، مستعداً للمناقشة والإقناع. وليس كل من فهم الكتاب المقرَّر أو حفظه وأعاده يُعَدّ معلماً، بل إني لأعرف علماء كثيرين لا يحسنون التعليم. أما المربي فهو
стр. 151
الذي اطّلع على نظريات التربية ودخائل النفس البشرية، وفهم طبائع التلاميذ وقوَّم أخلاقهم، وضرب لهم من نفسه مثلاً سامياً وأراهم منه صورة كاملة.
* * *
بقي أصول التدريس. كيف ندرّس في مدارسنا الدينية؟
كنت منذ أعوام مدرّساً في مدرسة طارق بن زياد في دمشق على سفح قاسيون، وكان في الصف الذي يقابلني حصة اللغة الفرنسية، فدخل الصفَّ مفتّشُ الفرنسية ... وهو رجل فرنسي أحمق كان في بلده معلماً أولياً، فعُيِّن في بلادنا مدير دار المعلمين العالية ومفتش اللغة الفرنسية، ولما صار كذلك أصبح من حقه أن يأخذ شهادة الدكتوراة، فأخذها صَدَقة من وزارة المستعمرات! فما راعنا ونحن في دروسنا إلا سعادة المفتش يأخذ علبة الأوساخ وهي ممتلئة فيرفعها فوق رأسه، برغم أنها كبيرة وأنها مصنوعة من الخشب الغليظ، ثم يفلتها فتهوي ويكون لها ضجة هائلة، فيضطرب المعلم ويفزع التلاميذ وفيهم صبية صغار، فيضحك الكبار ويبكي الصغار، ويبتدر الجبناء البابَ منهزمين ويقفز الجُرَآء صائحين مشاغبين، وتمتلئ غرفة الدرس بالأوساخ، وتزلزل الأرض زلزالها فيتعطل كل درس في المدرسة، ويخرج الطلاب والمدرسون من صفوفهم.
ولما هدأت الدنيا بعد زلزالها سألنا: ما الخبر؟ فقالوا: إن سعادته سمع المدرّس يشرح للتلاميذ معنى فعل «tomber» (ومعناه السقوط)، فأحب أن ينبّه المعلم إلى وجوب شرحه بالعمل لا بالقول، فألقى عليه الأوساخ من فوق رأسه ... على
стр. 152
أصول التدريس الحديث!
وكان معنا مرة معلم لغة فرنسية على المذهب الحديث الذي يعنى بشرح اللغة عملياً، فإذا كان في الدرس اسم قلم أرَيْتَ التلاميذ القلم بيدك، وإن كان فيه اسم قط جئت لهم بقط، وإن كان حمار أدخلت إلى الصف حماراً ... وكان عند هذا المعلم درس فيه ذكر الديك، فماذا يصنع؟ يأتي بالديك طبعاً. فاشتراه وصحب حمّالاً يحمله إلى المدرسة، ووضعه على منصة المدرس ليشرح للطلاب معناه كلمة «ديك». ولكن الديك لم يكن مهذباً ولم ينتبه لشروح المعلم، بل وثب على رؤوس التلاميذ، فقام التلاميذ من كل صوب ليقبضوا عليه، فدخل تحت المقاعد، فقلبوا المقاعد، فخرج من الشبّاك، فلحقوه، وقامت قيامة المدرسة!
هذا ما شهدتُ من أصول التدريس الحديث!
أما القديم فأشهده دائماً في كثير من المدارس الدينية: يأتي المدرّس (الشيخ) إلى الصف متأخراً على الغالب لأن ساعته تأخرت أو توقفت، أو لأن صديقاً له زاره، أو لأن رجلاً ثقيلاً استوقفه في الطريق فاستفتاه في أمر ... أو يأتي بعد غياب أيام كان فيها مريضاً أو متوهّماً أنه مريض، أو كان مدعوَّاً إلى وليمة أو حفلة زفاف في إحدى القرى، أو كان يستقبل ضيوفاً أو يودع مسافرين ... فيجلس على كرسيه والتلاميذ بين قائم وقاعد ونائم، فيمضي دقائق قد تطول وقد تقصر في الاعتذار عن تأخره أو غيابه، ويخوض في حديث أو حديثين على الهامش، ثم يبدأ الدرس فيقرأ التلميذ (المُعيد) باباً من أبواب الكتاب والمعلّم
стр. 153
ساكت، والتلاميذ مشغولون بقراءة كتاب آخر أو بحديث خافت أو بالنوم. فإذا فرغ المعيد من قراءته بدأ الشيخ فتنحنح وعدّل جلسته، وحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ودعا لمشايخه ووالديه وللحاضرين ووالديهم وللمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات ... مقدمة معروفة لا تتبدّل ولا تتغير، ثم أعاد قراءة الباب بصوت أخفض ولهجة أسرع، فإذا انتهى لم يكن باقياً في الساعة إلا أقلها، فشرح ما قرأ شرحاً سريعاً (أو بالعبارة الصادقة: أعاد خلاصة ما قرأ من حفظه)، فلا يكاد يمضي في شرحه حتى يؤذّن الجرس بانتهاء الدرس. فإذا كان الشيخ مشغولاً خرج، وإن كان مستريحاً تابع شرحه وترك المدرّس الآخر ينتظر. وإذا أخطأ أحد التلاميذ فانتبه إلى الدرس أو عرض له إشكال أو اعتراض فسأل فالويل له، لأنه يعترض على الشيخ المؤلف ﵀ ويحقّر السلف، ويبدأ الشيخ بمحاضرة طويلة موضوعها «جيل اليوم ووقاحتهم»، تحرّم على الطالب أن يعود إلى سؤال أو انتباه!
فعلى أي الطريقتين تسير المدرسة الدينية الجديدة؟ لا على هذه ولا تلك، ولكن على النهج السويّ الذي يجمع مزايا الأصول الحديثة ومحاسن الطريقة القديمة، والذي يجعل الغاية الأولى من الدرس إفهام الطلاب مادة العلم لا عبارة الكتاب.
هذه نتيجة تجارب متواضعة أسوقها ليطّلع عليها القائمون على إنشاء المدرسة الإسلامية في دمشق وفي حلب، وفي غيرهما من بلاد العالم الإسلامي.
* * *
стр. 154
في نقد المناهج الدينية
حديث أذيع من إذاعة جدة سنة ١٩٦٨
قبل أن أبدأ هذا الحديث أحب أن أوصيكم بكتابين أرجو أن تحرصوا على قراءتهما؛ كتابين كِدتُ أقول إن على كل مسلم مثقف الاطلاع عليهما، وهما كتاب «الغارة على العالم الإسلامي» وكتاب «التبشير والاستعمار» (١).
стр. 155
اقرؤوهما تروا أن أعداءنا عرفوا من زمن بعيد أنهم لا يستطيعون أن يغلبونا على أمرنا، ويتحكموا بنا ويسيطروا علينا، ما دمنا عارفين بالإسلام متمسكين به، فجعلوا أكبر همهم وبذلوا أقصى جهدهم في صرفنا عن ديننا، وأعانهم على ذلك كثيرٌ من الدعاة الذين عجزوا عن أن يَدْعوا إلى الإسلام بالأسلوب الذي يفهمه أهل العصر، أو دَعَوا إليه بالغلطة التي تنفّر من الدين، أو تمسكوا بأمور فرعية وتركوا الأصل ... وكان من نتائج هذه الحملة من أعداء المسلمين أن أُهملت دروس الدين في المدارس، وصار في أكثر البلاد الإسلامية لأتفه العلوم، بل صار للرسم وللّعب من العناية ومن عدد الحصص ما ليس لعلوم الإسلام كلها، وغدونا أيام الاستعمار والانتداب وما للدين في مدارسنا إلا ساعة واحدة في الأسبوع، وكان لا يدخل في الامتحانات العامة، ولا يرسب الطالب في فصله إن لم يعرف الدين، فسعينا وجاهدنا حتى صارت له ساعتان، ساعتان فقط في الأسبوع!
ولكنا استطعنا بحمد الله أن نطوّر المناهج والكتب حتى
стр. 156
أصبح التلميذ يفهم جانباً كبيراً من حقائق الدين في هاتين الساعتين فقط، ومَن نظر في كتب الدين التي كانت مقرَّرة في الشام مثلاً إلى ما قبل خمس سنوات (فما أعرف ما جَدَّ فيها بعد ذلك) رأى أن هذه الكتب تستوفي الكلام على الإيمان، والعبادات، والأخلاق الإسلامية، والقواعد الفقهية، مع ما تشتمل عليه من تصحيح أوضاع المجتمع وفق الإسلام وتطبيق الدين على أحوال العصر، وكل ذلك بأسلوب واضح مشرق جَلِيّ يرغب فيه التلاميذ. والفضل في ذلك لشاب لو كُلِّفتُ أن أختار خمسة من خير من عرفت من شباب المسلمين في هذا العصر لذكرته في رأس الخمسة، شاب كان مفتشاً لعلوم الدين، فعمل في صمت ودأب، وجاهد بإخلاص واحتساب، وصبر على المقاومة وعلى الأذى، وكان يستعين بهذا الدأب وهذا الصبر وبما أوتي من لين القول وحسن الخلق، حتى حقق الله على يديه هذا كله. وأنا أحب أن أسمّيه دلالة عليه، وهو الأستاذ عبد الرحمن الباني (١).
стр. 157
ساعتان يا سادة في الأسبوع، ساعتان فقط، كان منهما هذا الخير كله. فكم من الخير العظيم يأتي من الساعات الثماني التي خُصِّصت للدين في هذه المملكة؟
* * *
قلت في أوائل هذه الأحاديث إن الحكومة ما قصّرت وقد خصصت للدين ثماني ساعات في الأسبوع بالمدارس، وجعلت له المكانة الأولى في الامتحان، فهل كان لهذه الساعات الثماني من الفائدة ما أفادته تلكم الساعتان؟ إذا أردتم معرفة الجواب فانظروا حال الطلاب، وإذا قلتم: عرِّفْنا ما هي الأسباب؟ قلت: هي المنهج، والمدرّس، والكتاب. والكلام في هذه الثلاث لا يُوفّى في حديث ولا في ثلاثة أحاديث، بل يحتاج إلى ثلاثين حديثاً، لذلك أشير إليه إشارة في ثلاث كلمات فقط.
أما المنهج فيُطلَب فيه أن يتعلم الطالب ما يصحح عقيدته أولاً، لا على الطريقة العقلية السخيفة التي تُتَّبَع في كثير من مدارس المسلمين ولمّا كنا صغاراً كانوا يعلّموننا بها، يقولون: كل موجود لا بد له من موجِد، فالنجّار صنع الباب، والبَنّاء بنى الدار، والله خلق العالم؛ فيذهب ذهن التلميذ رأساً إلى هذا السؤال (أستغفر الله): مَنْ خلق الله؟ طريقة سخيفة! ولا بإقامة الأدلة على وجوده، بل بالطريقة القرآنية المبسطة، باعتبار أن الإيمان بالله بديهية. ثم تلقينه خوف الله ومحبته، وتعليمه عبادته ودعاءه. ثم نعلمه من الفقه ما يحتاج إليه في حياته، ما يحتاج إليه فقط، فلا نعلم التلميذ في الابتدائية موجبات الغسل، ولا ندرّس
стр. 158
البنات خيارات البيع وشروط الكفالة.
أما المدرّس فينبغي أن يُعَدَّ لدرس الدين مثل إعداد باقي المدرسين، بحيث يكون مطّلعاً على العلوم الجديدة عارفاً بها، صاحب ثقافة عامة، مُلمّاً بجميع المعارف الإنسانية إلماماً (لا علم اختصاص)، لا أن يقتصر علمه على الدرس الذي يدرّسه فإذا ذُكرت أمامه مسألة في الكيمياء والفلك مثلاً ظهر جهله بها وبعده عنها.
أما الكتاب فالأصل فيه أن يكون مفهوماً وأن يكون ممتعاً. لا أقصد أن يفهمه أستاذ الجامعة وقاضي القضاة، بل أن يفهمه التلميذ الذي سنعرضه عليه. وعندكم مقياس، مقياس حاضر دائماً: إذا أردتم أن تقرّروا كتاباً لفصل من الفصول فهاتوا تلميذاً من ذلك الفصل، تلميذاً وسطاً لا هو بالنابغة العبقري ولا هو بالغبي الخامل، وقولوا له: اقرأ فيه وانظر ماذا فهمتَ منه. ولا بأس بأن تعينوه بشيء يسير من الشرح والتفسير، فإن هو قد فهمه واستمتع به، أو لم يتبرَّم به على الأقل (حتى لو لم يستمتع به) كان كتاباً صالحاً، وإلا وجب تبديله والبحث عن غيره.
إن الكتب عندنا تدرّس الدين على أسلوب لا يفهمه التلميذ ولا يُسيغه، ولا يوجّهه في حياته وجهة الخير ولا يطبعه بطابع الإسلام. وأمامي الآن الكتاب الذي تُلزَم به بنتي الصغيرة (وهي في التاسعة من العمر وفي السنة الثالثة الابتدائية) أنقل إليكم منه هذه الفقرات بحروفها: "اعلم رحمك الله تعالى أن التوحيد هو إقرار الله بالعبادة، وأن الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، ومعنى «لا إله إلا الله»: «لا إله» نافياً جميع ما يُعبَد من دون الله،
стр. 159
«إلا الله» مثبتاً العبادة لله وحده، لا شريك له في عبادته كما أنه ليس له شريك في ملكه".
ومن قسم الفقه من الكتاب نفسه أنقل هذه الفقرات: "الاستنجاء هو إزالة الخارج من السبيلين بالماء الطهور، ويجزئ عنه الاستجمار بالأحجار وكل طاهر مباح مُنَقّ، إذا لم يتجاوز الخارج موضع العادة فلا يجزئ غير الماء، ويحرم الاستنجاء بالعظم والروث والطعام وكتب العلم، ويُشترَط ثلاث مسحات منقّية فأكثر".
وأنا أرجو مَن كان عنده من القُرّاء بنت في مثل عمر بنتي، أو كانت في المدرسة في مثل سنتها، أن يقرأ عليها هذا الكلام وأن يحاول إفهامها معناه.
وهذا كتاب السنة الثالثة المتوسطة، فتحته كيفما اتفق فجاء فيه هذا النص، هذا النص الذي سأقرؤه مقرر على البنين وعلى البنات أيضاً: "ولا يجوز بيع مَكيل بشيء من جنسه وزناً ولا موزون كَيلاً، وإن اختلف الجنسان جاز بيعه كيف شاء يداً بيد، ولم يجز النَّسء فيه ولا التفرق قبل القبض إلا بالثمن المثمَّن. وكل شيئين جمعهما اسم خاص فهما جنس واحد، إلا أن يكونا من أصلين مختلفين، فإن فروع الأجناس أجناس وإن اتفقت أسماؤها، كالأدِقَّة والأَدْهان".
هل فهمتم من هذا النص أي شيء؟ هذا الذي يجب على تلاميذ السنة الثالثة الإعدادية أن يفهموه!
أليست هذه الكتب وأمثالها حجّة علينا نعطيها نحن لأعداء
стр. 160
الإسلام ليقولوا: ما دامت هذه الساعات تُنفَق فيما لا نفع فيه ولا أثر له، فلماذا لا نجعلها لتدريس العلوم التي يفهمها التلميذ ويستفيد منها؟ وإذا هم قالوا ذلك، أفلا يجدون مؤيّدين لهم موافقين على كلامهم من التلاميذ أنفسهم، ومن آبائهم المسلمين المتدينين؟
وإذا كانت المدارس العصرية تهمل تدريس الدين أو تجعل له ساعة أو ساعتين في الأسبوع، وكانت المدارس الدينية (أو مدارس البلاد المتمسكة بالإسلام كمدارس المملكة هنا) تخصها بربع ساعات الأسبوع، ولكنها تُلزم المدرّسين تدريسها من هذه الكتب التي لا تخاطب التلاميذ على قدر عقولهم ولا تنزل إلى درجة أفهامهم، وربما كان المدرّس الذي يدرّسها قد رُبِّي عليها ونشأ فيها فلا يعرف غيرها، فيشرح غامضها بأغمض منه ... إذا كان هذا (وهو كائن كله) فكيف ومتى يتعلم التلميذ أحكام دينه؟ وماذا يصنع من كانت له بنت؟ في أي مدرسة يضعها؟
* * *
يا سادة، القمح غذاء للطير، ولو تُرك لأكلته الطيور في سنابله، فجعل ربنا -جَلَّت حكمته- في رأس السنبلة أشواكاً رقيقة تمنع الطائر من الوصول إلى القمح. وهذه الكتب أشواك تمنع التلميذ من الوصول إلى العلم ومعرفة الإسلام! فإن كان ذلك مقصوداً، وكان الغرض وضع العلم أمامه وأن يُمنَع من الوصول إليه فقد حصل المقصود. وإلا فأزيلوا هذه الأشواك ليصل التلاميذ إلى حقائق الإسلام، فإن لم تفعلوا ذهبت الساعات الثماني كل
стр. 161
أسبوع هباء، هي وما يُنفَق عليها من رواتب المدرّسين ونفقات طبع الكتب، ولم يستفد أحدٌ منها شيئاً.
ولا تؤاخذوني إن عدت إلى هذا الموضوع الآن بشيء من التفصيل بعد أن عرضت له بالإجمال في صدر هذه الأحاديث؛ فلقد أعادني إليه ما علَّق به الأستاذ علي حافظ في جريدة «المدينة» مؤيداً ما قلت محبِّذاً له، وما وجدت من الموافقة والتأييد عند كل من لقيت من الناس أو كتب إليّ.
هذه المملكة تقوم بحمد الله على الإسلام، وقد خصصت المبالغ الطائلة في موازنات المعارف والإعلام والأوقاف للإسلام وأولته أكبر العناية والاهتمام، فهل من المعقول أن نهدر هذا كله بإصرارنا على تدريس هذه الكتب بالذات بعد أن ثبت للمدرسين، ولآباء الطلاب، ولمفكّري البلد، ولأولياء الأمر، أنها لم تعد تصلح؟
نعم، إننا نقولها بأصرح لفظ وأعلى صوت: لم تعد تصلح ولا بد من تبديلها. فلماذا لا نبدّلها. هل هي قرآن منزَّل لا يغيَّر ولا يبدَّل؟
والسلام عليكم ورحمة الله.
* * *
стр. 162
كلمة تُرضي الله
وتُغضب بعض البشر (١)
منّا أناس لطول ما أحبوا الأجنبي وعظّموه وكبر في نفوسهم يتمنّون لو أن جلداً أوربياً يُفصَّل على أجسادهم ليلبسوه، وأن رأساً أوربياً يُركَّب بين أكتافهم ليتخذوه، هؤلاء الذين ولّيناهم أمور أبنائنا وبناتنا، وقلنا لهم: اصنعوا بهم ما شئتم!
وكانوا -فوق تقليدهم الأجنبي وحبهم له- قد غلبتهم غرائزهم وشهواتهم، فما كان منهم إلا أن أهملوا تعليم أولادنا الدّينَ لأنهم يجهلون ديننا، ثم ربّوهم على عادات عدونا لأنهم يحبون عدونا، ثم أشبعوا من بناتنا وأولادنا ميولهم وشهواتهم
стр. 163
حين كشفوا أفخاذ الصبيان أولاً باسم الرياضة والكشفية، ثم امتدت أيديهم إلى البنات فعملوهن مرشدات (أي كشّافات)، ونحن عُمْيٌ لا نبصر، خُرْسٌ لا ننطق، حمير لا نغار ...
إننا نستأهل والله أكثر من ذلك!
* * *
стр. 164
الاختلاط في الجامعات
كُتبت سنة ١٩٧١ (١)
أشهد أولاً أن «المجتمع» إحدى المجلات القليلة الواعية التي عرفتها في حياتي، كـ «الفتح» لخالي محب الدين الخطيب ﵀، و «البصائر» التي كان يحررها صديقي الشيخ البشير الإبراهيمي ﵀، و «البعث الإسلامي» و «الرائد» لإخواننا «النَّدْويين» في لَكْنَو في الهند، وقريب منها أو مثلها «البلاغ» و «الوعي الإسلامي» و «حضارة الإسلام».
وإني لتصل إليّ أعداد من «المجتمع»، ولكنها تأتي إليّ بعد صدورها بعشرين يوماً، فأحب أن أعلّق أحياناً على بعض ما
стр. 165
أجد فيها ولكني أجد أن وقت التعليق قد فات، وأنه لا يصل إلى المجلة إلا بعد صدورها بشهر أو أكثر، فأدعه.
ولو كنت قريباً منها لأعنتها على جهادها، ولأصليت هؤلاء المنحرفين نار الحق التي تذيب غش نفوسهم وتكشف زيفها وزيغها. وأنا -وإن شخت وولّى شبابي- لا تزال فيّ بحمد الله بقية تسّر الصديق وتكبت العدوّ وتؤيد الحق، كبقية القوة في الأسد العجوز التي تكفي لصدّ وقاحة الثعالب.
ولكن ما قرأته في عدد ٢٨ رمضان ١٣٩١ (رقم ٨٦) عن «ندوة الجامعة» وحملة «الرأي العام» هالني وأدهشني، ورأيت من الواجب عليّ أن أكتب فيه، ولو جاء ما كتبت متأخراً عن موعده.
* * *
أنا أعرف أمثال هؤلاء الشباب، وأنا واقف على حقيقة أمرهم؛ إنهم يميلون إلى المرأة ويحبون أن يستمتعوا بجمالها، وكانوا (أو كان أكثرهم) في أوربا أو أميركا يرون اللذات هناك مباحة والمتع معروضة، فلما عادوا حنّوا إلى ما كانوا فيه من الانطلاق وضاقوا بما وجدوا من القيد والحجاب، فهم يألمون ممّن يحرمهم هذه المتعة المشتهاة كما يألم الصبي إذا منعته قطعة الحلوى التي يطلبها.
ولا يدري الصبي أن قطعة الحلوى لا تُنال سرقة ولا خطفاً ولا غصباً، ولكن بالثمن، فإن جاء بثمنها وصل إليها. وهؤلاء
стр. 166
مثله؛ لا يدرون (أو يدرون ويتناسون) أن المتعة بالمرأة إنما تكون بالزواج.
إن عمل المتزوج الزواج الشرعي وعمل الفاحش واحد في حقيقته، فلماذا يقيم المتزوج الحفلات ويطبع البطاقات ويضيء المصابيح ويدعو الناس، ويفرّ الآخر بصاحبته إلى بقعة منعزلة أو غرفة موصدة، أو يتستر بستار الفن والرياضة والروح الجامعية، ليخفي حقيقة مقصده وما يخفي صدره؟
لماذا يكون المتزوج آمناً مطمئناً، ويكون الآخر حذراً خائفاً مترقباً؟ ذلك لأن الأول كمَن يدخل المطعم ونقوده في يده، فيقعد أمام المائدة ويطلب القائمة ويأكل على مهل، والآخر يخطف الطعام ويهرب به والناس يلحقونه، فهو يعدو ويأكل في عَدْوه، فيحرق الطعام حلقه أو يقف في بلعومه!
هذه هي الحقيقة؛ إنهم لا يريدون إلا الاستمتاع ببناتنا مجاناً، ولو كانت في أول الأمر متعة النظر والكلام. يريدون أن يأكلوا الطعام ولا يدفعوا الثمن.
إنهم «لصوص». لا تستكبروا الكلمة ولا تستنكروها، فإنها من باب تسمية الأشياء بأسمائها، فمَن غضب منها كان كلابس الأسمال الوسخة الممزقة، يغضب على آلة التصوير لأنها لم تخرج صورته لابساً الحلة الجديدة. ثم إني لا أسمّي أحداً بعينه ولا أصف أحداً بذاته، فلماذا الغضب؟
نعم، إنهم لصوص، ولكنهم لصوص من نوع جديد وقح ما سمعنا بمثله قبل اليوم. لصّ سَرّاق، ويعترض طريقك ويصرخ في
стр. 167
وجهك، يقول لك: لماذا تخفي تحفك الثمينة وتسترها عني؟
إني أخفيها -ويلك- وأسترها لئلا تسرقها. إننا نحجب بناتنا لئلا يعتدي هؤلاء اللصوص، لصوص الأعراض، على أعراضهن. أفليس لنا الحق أن نحمي أعراض بناتنا؟
هذا إذا كان هؤلاء الناس يعرفون ما العرض! لقد كتبت من أكثر من أربعين سنة أنبّه على أمر غريب، هو أن كلمة «العِرْض» بمدلولها الذي نفهمه ليس لها كلمة تُترجَم بها، ليس لها ما يقابلها، لا في اللغة الفرنسية فيما أعلم ولا في الإنكليزية وغيرها فيما أسمع. لذلك يرى الأب منهم بنته تخرج مع الشاب الأجنبي شرعاً عنها ويختلي بها، فلا يُسخطه ذلك منها ولا ينكره عليها.
* * *
هؤلاء لا فائدة من الكلام معهم. هل يفيد الكلام مع الذئب وإقناعه أن لا يحاول «الاختلاط» بالغنم؟ لكن الكلام مع البنات وآباء البنات. أليس لهؤلاء البنات آباء؟ فأين آباؤهن؟
يا إخواننا، إن المقام مقام مصارحة ومناصحة لا مقام مداراة ومجاملة، والأمر أخطر من أن يُجامَل فيه. هل يجامل الطبيب مريضه فيقول له: "صحتك جيدة، ما بك شيء"، وميزان الحرارة يشير إلى أن حرارته أربعون، أو يدلّ ميزان الضغط على أن ضغط دمه مئتان؟
فلا تؤاخذوني إن صرّحت وما لمّحت، وأوضحت وما لوّحت.
стр. 168
أيسّر الأبَ العربي المسلم أن تعود إليه بنته يوماً وفي بطنها حمل من غير زواج؟ هذا ما قد يجرّ إليه الاختلاط. أقول «قد» وهي حرف تقريب، ولو شئت لقلت «قد» الأخرى التي يقال في إعرابها إنها حرف تحقيق.
قلت يوماً في رائي (تلفزيون) عمّان عن الاختلاط في الجامعة كلمة سمعها الناس، وصدّق عليها كل من سمعها. قلت: إن من يضع الشابة العَزَبة بجنب الشاب العزب في الفصل، وينتظر ألاّ تنصرف أفكارهما إلا إلى شرح الأستاذ، ويأمن ألاّ يقع بينهما شيء، ولا بعد انتهاء الدوام، كمَن يضع الغاز المشتعل بجنب برميل البنزين المفتوح، وينام آمناً ألاّ يكون انفجار!
هذا هو الحق، فلا نكن كما يُقال عن النعامة: إنها تخفي نظرها عن الصيّاد، تظن أنه لا يراها ما دامت هي لا تراه. لقد ثبت أن هذا افتراء على النعامة وأنها لا تفعله، ولكن كثيراً من بني آدم يفعلونه!
فيا أيها الآباء انتبهوا، واسمعوا وَعُوا. إنهم يقولون: الفن، ويقولون: الرياضة، ويقولون: الروح الجامعية ... وما يقصدون -صدّقوني- ما في قرارة نفوسهم إلا هذه الرغبة المجنونة للاستمتاع بجمال بناتكم.
لما كان حكم الششكلي في الشام أحدثوا حدثاً ما سبق له مثيل، مباراة في كرة السلة بين البنات، أقصد الصبايا الكاشفات. فمنعناها أولاً، ثم غُلبنا على أمرنا، والشر قد يغلب الخير. وتتابعت هذه المباريات، وكانت مناظرات بيننا وبين المروّجين لها
стр. 169
من جنود الأستاذ إبليس لعنه الله، فكان مما قاله لي واحد منهم: إنني عدو الرياضة. فقلت له: كذّاب والله، بل أنا أحب الرياضة وأمارسها، وكنت أمارس الأثقال والملاكمة وبعض المصارعة، ولا أزال أتمرن بعض التمرينات للآن. ولكن أنتم الذين تحتجّون بالرياضة لتخفوا سوء نياتكم، وإلا فخبّرني: إذا كان همكم كله أن تنزل الكرة في السلة، فلماذا تكون المقاعد خالية في مباريات الشباب وهم أقدر عليها، فإذا كانت مباريات البنات امتلأت المقاعد كلها والممرات، وركب الناس الجدار وطلعوا على الشجر؟ أجاؤوا ليشهدوا نزول الكرة في السلة، أم جاؤوا ينظرون إلى أفخاذ البنات؟ بلاش كذب وتدجيل، وكفاية قلّة حيا!
* * *
ثم إن العاقبة على البنت، فاسمعن يا بناتي، فهذا الكلام لكنّ، والمؤامرة والله عليكن أنتنّ، وستكنّ أنتنّ وحدكن الضحايا.
تشترك البنت والشاب في الإثم فيكونان فيه سواء، ولكن الناس ينسون فعلته، يقولون: شاب أذنب وتاب! ويقبلون توبته ويسترون حوبته، أما البنت فلا ينسونها لها أبداً، بل تبقى الوصمة دائماً على جبهتها. ويمضي هو خفيفاً كأنه ما صنع شيئاً، ويبقى وزر الجريمة عليها وثقلها على عاتقها أو في بطنها.
إن أمل كل امرأة في الدنيا (حتى ملكة إنكلترا، وممثلات السينما اللواتي يبلغ دخلهن الملايين)، أملها في الزواج، ولا تتزوج إلا النظيفة الطاهرة زواجاً ناجحاً من رجل شريف طاهر.
стр. 170
حتى الفاسق إذا أراد الزواج لم يرضَ الفاسدة (ولو كان هو الذي أفسدها) زوجة له وأماً لأولاده!
لا تقولوا لي هذا غير صحيح، فإني لبثت في القضاء أكثر من ربع قرن، نصفها في محكمة النقض في غرفة الأحوال الشخصية، ومرّ عليّ أكثر من عشرين ألف قضية زوجية حكمت فيها، فأنا أتكلم عن خبرة، فلا يردّ عليّ أحدٌ بلا علم.
لذلك نرى قلة الزواج والكسادَ في البنات ملازماً للفساد. ولا تقولي -يا بنتي- هذا شاب صالح وهذا زميل أو مدرس، فكل شاب في الدنيا يميل إلى الفتاة، وإن كان اليوم تقياً فربما غلبته يوماً غريزته، أو رأى إبليس منه أو منك لحظة ضعف فدفع بكما إلى الهاوية.
إذا قال لك الشاب «صباح الخير» فإنه سيقول بعدها -إذا أنت شجّعته ووصلت حبل الكلام- كلمات الحب والغرام.
ولا تغترّي بحب الرجل، فإن أكثر الرجال يحبون ليستمتعوا ثم يتملصوا ويتخلصوا، والمرأة تحب لتستمر وتُخلص. وهذا من نتائج الوضع الحيوي (البيولوجي) لكل من الذكر والأنثى، الإنسان في ذلك والحيوان سواء، عمله مؤقت وعملها دائم.
تذكّري مقالتي «يا بنتي»؛ لقد طبعت أكثر من ثلاثين مرة، وفي كل مرة يطبع منها عشرات الآلاف وتوزع مجاناً (١)، وقد
стр. 171
ضاق بها كثير من الشبان وغضبوا منها، ولكن غضبهم ذهب جفاء والرسالة بقيت في الأرض ولله وحده الحمد.
لقد كتبتها حين كنت في عشر الخمسين من العمر، وأنا اليوم في عشر السبعين، ولكني لا أزال مقتنعاً بكل ما جاء فيها.
* * *
والإسلام لا يحارب الغرائز ولا يقول لنا: «اقتلوها»، لأن الذي غرزها في النفوس وفطرها عليها هو الله، والذي أنزل الإسلام هو الله. فالإسلام ليس فيه رهبانية، ولكن ليس فيه أيضاً إباحية. إنه لا يقول لنا: قفوا في وجه السيل إذا أقبل! فإننا لا نستطيع أن نقف في وجه السيل، ولكن يقول: أعدّوا له مجرى آمناً يجري فيه، فلا يجرف البيوت ولا يذهب بساكنيها.
والإسلام لا يمنع شيئاً يحتاج إليه الناس ولا يحرّمه إلا أحلّ ما يقوم مقامه ويغني عنه؛ فهو قد حرّم الاتصال الناقص والاتصال الكامل غير المثمر، لأن المقصد من هذه الشهوة بقاء النوع، كما أن المقصد من الجوع بقاء الفرد. أما الاتصال الناقص، وهو النظر إلى جسد المرأة الأجنبية (ولو كانت زميلة أو سكرتيرة، أو خادمة في البيت، أو طالبة في الجامعة، أو موظفة في الحكومة) ولمسه والخلوة بالمرأة وأمثال ذلك فإنه حرام، لأنه يصرف عن المقصود الأول وهو بقاء النوع.
وأوضّح الأمر بمثال. أكثر الأسر تشكو من انصراف أولادها عن الطعام، فإذا حضر الغداء لم يقبلوا عليه ولم يصيبوا حاجتهم
стр. 172
منه، وما يعقب ذلك من سوء صحتهم وهزال أجسادهم. فما السبب فيه؟ السبب أن الولد أكل قبل الغداء بنصف ساعة كفّ شكلاطة، وقبل ذلك قطعة سكّر، وقبله تفاحة، فلا هو شبع بذلك وتغذّى ولا هو استبقى شهيته كاملة للغداء. هذا مثال «الاتصال الناقص» (كما سمّيته).
وقد خطر لي خاطر في حكمة ستر العورة. ذلك أني فكرت: لماذا شرع الله ستر العورة؟ وكل حكم في الشرع له حكمة. فوجدت أن اليد خُلقت للأخذ والعطاء والتحية والمصافحة، فلو قيّد الناس أيديهم لبطلت أعمالهم. والوجه لتعرف به الناس ويعرفوك به، وتراهم ويروك، وتسمعهم وتسمع منهم. أما ما بين السرّة والركبة فلا يصلح إلا لأحد أمرين: قضاء حاجة المرء في المرحاض، وحاجة الأزواج في المخدع. وعمل المرحاض لك وحدك، لا تدعو معك ضيوفاً ولا تُشهد عليه شهوداً، والزوجان في خلوتهما لا يسمحان لأحد بمشاهدتهما، لذلك كانت هذه المنطقة من الجسد منطقة حراماً لأنه لا حاجة لأحد بها، ولأن إظهارها يذكّر بما خُلقت له ويدعو إليه، فيكون ذريعة للوقوع في الفاحشة.
* * *
أما جريدة «الرأي العام» فلم أرها ولم أسمع بها، ولكن أعرف أن الرأي العام لا يكون الحق دائماً معه؛ فالرأي العام في مكة إبّان البعثة كان يقرر أن اللات والعُزّى آلهة تُعبَد، والرأي العام كان يقول يوماً إن الأرض مسطَّحة كالصفحة.
стр. 173
فلا تتخذوا الرأي العام حجة ولا الأكثرية دليلاً قاطعاً، فكثيراً ما يكون الحق مع القلّة. لو كان في المستشفى ثلاثة جراحين مختصين قرروا إجراء عملية عاجلة للمريض، وقررت الأكثرية في المستشفى المؤلفة من ثلاثين من الممرضات والممرضين والخدم والفرّاشين تأجيل العملية، هل نأخذ برأي الكثرة ونقول إنه «الرأي العام»، أم نأخذ بقول الأطباء الثلاثة؟
ولو قرر ربان الطيّارة ومساعده الهبوط بها لخلل طرأ عليها أو نقص في وقودها، وأجمع الرأي العام للركاب الثمانين على الاستمرار في الطيران، هل نأخذ برأي الثمانين أم بقرار الاثنين؟
كلا، ليس الرأي العام مقياس الحق، ولا حكم الأكثرية، بل حكم الشرع وحكم العقل. والعقل والشرع صنوان لا يفترقان، ما في الشرع قضية قطعية تنافي قضية عقلية قطعية. ولكن يظهر أن بعض من يدّعي الكلام باسم «الرأي العام» يخالف الشرع والعقل معاً.
ومخالف العقل يقال له في اللغة «مجنون»، فهل تريدون منا أن نناقش مجانين؟
* * *
يا بنتي، أعود فأقول لك: إن المؤامرة والله عليك، وهؤلاء يحفّون بك يتسابقون إليك ويتزاحمون عليك ما دمت شابة جميلة، فإذا كبرت سنك وذوى جمالك نبذوك كما ينبذون قشر برتقالة امتصوا ماءها.
стр. 174
رأيت في أمستردام في هولندا (لما كنت فيها في السنة الماضية) عجوزاً ضئيلة نحيلة ترتجف من الكبر تريد أن تجتاز الشارع، فما وجدت من يأخذ بيدها، حتى أمسك بها وأجازها شاب مسلم كان معي، فخبّرني أن هذه العجوز المهمَلة كانت يوماً من ملكات الجمال اللواتي تلقى على أقدامهن القلوب والأموال. أفهذا خير، أم عجوز تزوجت وخلفت أولاداً وأحفاداً، فهي في عز وكرامة بين أولادها وأحفادها؟
يا بنتي، إن معك جوهرة، إن معك كأساً ثمينة من البلور النادر، وأمامك السوق يشتريها منك أهله بالثمن الغالي، وعلى الطريق لصوص (حرامية) يتزلفون إليك ويخدعونك ليأخذوها منك بلا ثمن، وإذا أُخذَت لا تعود، وإذا كُسرت لا تعوَّض، فتنبّهي!
إن السوق هو الزواج، والحرامية هم دعاة الاختلاط، فلا تمنحي أحداً ذرة من جمالك إلا بعد أن تربطيه من رقبته برباط الزواج.
يا بنتي اسمعي مني، فأنا والله ناصح لك، أنا «صديق المرأة» لا هؤلاء اللصوص.
* * *
стр. 175
كلمة في الأدب
حديث أذيع سنة ١٩٦٣
لقد عملوا مني قاضياً ومستشاراً مقرِّراً للدائرة الشرعية في محكمة التمييز، فهل يسوِّغ لي ذلك أن أنكر صلتي بالأدب؟ هل يجحد أحدٌ أصله وفصله؟ أنا أديب أولاً وآخراً، وأنا أُجِلّ الأدب وأقدّره، وعشت أطول فترة من حياتي به وله، ولكن أحب أن أعلن الليلة أنّي حربٌ على نوع من الأدب شاع وذاع حتى شغل الألسن والأسماع، هو هذا الأدب الجنسي.
لقد كان الفُسّاق منا إذا انحدروا إلى ما لا منحدَر بعده وبلغوا قرارة الفسوق، قرؤوا كتاب «رجوع الشيخ إلى صِباه». وهذه القصص التي تُعرَض في واجهات المكتبات، ويشتريها من شاء من البنين والبنات، إذا وُضع «رجوع الشيخ» إلى جنبها كان بالنسبة إليها «كتاب الأخلاق» لابن مَسكويه!
نعم، أنا أقدّر الأدب، ولكن هل تريدون مني أن أقدّر شعر بودلير وقصص أندريه جيد، وأن أقدّر بيرون الذي بدأ بالحب قبل أن يبدأ تعلم أحرف الهجاء، ففسق وهو في السابعة وأحب الغلمان الحسان الأماليد، ثم انتهى به الأمر أن أحب أخته، أخته يا سادة، حباً أثمر حَبَلاً؟! أتريدون أن أغتفر له هذا كله وأن
стр. 176
أصفق له وأعدّه مع العباقرة الخالدين، لأنه استطاع أن يصف هذه الأعمال بكلام بليغ؟
إن كان هذا هو الأدب فاشهدوا عليّ أني طلقت الأدب طلاقاً ثلاثاً لا رجعة فيه، وسامحكم الله بالسنين الأربعين التي أنفقتها في تحصيله وفي صنعه.
لعنة الله على الشعر الجميل والوصف العبقري إن كان لا يجيء إلا بذهاب الدين والفضيلة والعفاف، وعلى كل أديب يُفسد عليّ ديني ويَذهب بعرضي ويحقّر مقدساتي ليقول كلاماً حلواً. وهل تعوّض عليّ لذتي بحلاوة الكلام، الدينَ الذي فسد والعرضَ الذي ذهب والمقدسات التي مُرِّغت بالوحل والتراب؟ (١)
* * *
стр. 177
حركة طيبة في لبنان
نشرت سنة ١٩٣٨
يسرنا أن نعلن لقرّاء «الفتح» أن في لبنان حركة طيبة تدل على اتجاه فيه جديد، يُدني من الغاية التي تسعى إليها مصر وغيرها من أقطار هذا الشرق الإسلامي. وقد بدأت هذه الحركة بفضح المؤامرة التي دبرها الأستاذ فؤاد أفرام البستاني (خليفة لامانس في تعصبه وغرضه ودسه)، والدكتور أسد رستم زميله في تأليف كتاب تاريخ لبنان الموجز، وما ضمّناه هذا الكتاب الذي عهدت إليهما الحكومة بتأليفه ليكون كتاب تاريخ فجعلاه كتاب أغلاط وأكاذيب وتبشير بالنصرانية، وطبعته جريدة «المكشوف»، وقُرِّر تدريسه رسمياً في مدارس لبنان، فنهض الدكتور عمر فروخ وزميله الأستاذ النقاش، فنشرا في جريدة «بيروت» فصولاً طويلة فيها نقد تفصيلي وبيان لما في هذا الكتاب من الأغلاط الشنيعة، والكذب على التاريخ، والتحريف والتزوير، والطعن بالقرآن من وراء حجاب. وكان لهذا النقد ضجة كبرى في بيروت نبّهت الناس إلى حقيقة هؤلاء الذين يتسترون بستار العلم والأدب، فوقف تدريس الكتاب، وألفت لجنة لتنظر فيه.
وامتدت هذه الحركة إلى «المكشوف» فشرع الناس
стр. 178
يقاطعونها. وأول من تنبه إلى ضرر هذه الجريدة السيئة من الأدباء الأستاذ عبد الله المشنوق، مدير مدارس المقاصد الخيرية، وكان له معها موقف في العام الماضي باءت فيه هذه الجريدة بالخزي والهوان. وأول من تنبه إلى مقاطعتها من الورّاقين الأديب السيد أحمد شبلي، وكان يكتب فيها وينشرها، حتى إذا تبين له أمرها قاطعها. وانقطع جماعة من الأدباء إلى كشف خبيئها في الصحف، منهم الأستاذ محمد روحي فيصل، وكان من أصدقائها الذين تمجّدهم وتثني عليهم، فلما آثر الحق نالت منه وهجته.
* * *
أما حكاية هذه الجريدة وصاحبها بلا مبالغة ولا تزويق فهي: أن رجلاً يدعى فؤاد حبيش أحب أن يشتهر في الأدباء، ولم يُعرف له أسلوب في البلاغة ولا أثر في الأدب ولا سعة في العلم، فعمد إلى أقصر الطرق، ففاجأ الجمهور بشيء لم يكن يُنتظَر من عاقل، فألف كتاباً دعا فيه الناس -بلغة محطمة مكسرة، وأسلوب ساقط مرذول، وعامية ظاهرة- إلى التعري من الثياب، وإلى التعري من الأخلاق والدين، وإلى هتك ستر الحياء وتمزيق برقع الفضيلة، وبيّن أنه جرب ذلك بنفسه!
وألحّ في هذه الدعوة، ثم علم أنه لن يجد لكلامه سميعاً ولا لدعوته مجيباً حتى يجد الشيطان أتباعاً من الملائكة، فانصرف إلى الدعوة من وراء ستار، وأنشأ مجلة داعرة كأنها ماخور سَيّار، من نوع الصحافي التائه زاده الله تيهاً وعَمَى، موضوعها أخبار الزنا وحكايات الفحش ملطخة بالصور العارية، وسماها بألبق الأسماء
стр. 179
وأشدها انطباقاً على افتضاحها ووقاحتها، سماها «المكشوف» (على حين أن الناس يسألون الله الستر والله يسمي نفسه الستَّار)، فكان هذا الاسم مقالة دائمة قائمة في رأس هذه المجلة تلعنها أبداً، وكان ما صنع هذا الأحمق بنفسه نهاية الجهل والخذلان.
وكان عندنا في الشام كثير من هذه المجلات، تُنشَر بين الشبّان والشابات على مسمع الحكومة والجمعيات الإسلامية وبصرها، فأخذت على «المكشوف» السوق فلم تدع لها قارئاً، لأن هذا القلم الضعيف الذي يحمله هذا الحبيشي لا يصلح لفضيلة ولا لرذيلة، لا يصلح إلا للنار، فبارت وأفلست، فانتقل من الكلام على الدعارة الجنسية والانحلال الأخلاقي إلى الكلام على الانحلال اللغوي، وجمع لها طائفة من الشباب على شاكلة صاحبها ومثله، وأصدرها «أدبية». لكنْ مَن تراه يقرؤها وفي الدنيا «المقتطف» و «الزهراء» و «السياسة»، ثم جاءت «الرسالة» و «الرواية»، إلا من سَفِهَ نفسه وأضاع عقله؟ ففكر الحبيشي وقدّر، وانتهى إلى الأخذ بحكمة بشّار حين هجا جريراً ليكون أشعر الناس، فشرع يهجو، فلا يرى إلا الإعراض والاستصغار فلا يستحي ولا يخجل، لأنه:
إذا قَلَّ ماءُ الوجه قلَّ حياؤه ... ولا خيرَ في وجه إذا قلَّ ماؤه
ولا يَني يفتش عن أديب جديد له شهرة وله مكانة يتعلق بأذياله، فعلق بالشاعر بشارة الخوري فلم ينل منه منالاً، فمال إلى أدباء الشام فلم يلقوا لهذيانه بالاً، فانصرف إلى أدباء العربية، أدباء مصر، يحسب أنه -لِمَا فشا من سره وطمَّ من بلائه، وشاع من اسمه وتردّد على الألسنة تردد الفضيحة الحمراء والوصمة
стр. 180
المخزية، لا تجيء إلا ومعها اللعن- يستطيع أن يهدم بهذه الورقة المسوَّدة بالعار الأدبَ العربي في مصر، فجاء ينطح الصخرة برأسه، ولكنه لم يضرها ولم يؤثر فيها. وكيف وهي ما هي؟
ثهلان ذو الهَضَبات هل يَتَحلْحَلُ؟
هذه هي قصة المجلة التي يألم بعض إخواننا المصريين من تعرّضها إليهم وتعلقها بأذيالهم، ما زدتُ في سردها على ما أعلم أنه حق ... والتي تدعو اليوم إلى طرح البيان العربي بتوجيه همم الشباب إلى العناية بالمعنى دون اللفظ، لتصرفهم بذلك عن لغة القرآن، وتدعو إلى عُصْبة لبنانية، يَنْبَتُّ فيها أدباء هذا الجيل من جبال الشام من جسم الأدب العربي، وتدعو (ويسوؤني أن أقرر هذا الواقع) إلى عصبية نصرانية تُلقى فيها العداوة والبغضاء بين أهل البلد الواحد، وتبلغ بها الحماقة ويبلغ بها الغرض الذي يعمي ويَصُمّ إلى أن تنشر في الصفحة من صفحاتها هجاء فلان وفلان من أكابر كتاب العربية وأدبائها، ومَن هم بُناة بيانها الجديد ومفخرتها وعزها، وتدّعي أنهم ليسوا شيئاً، وتنشر في الصفحة بعدها تقريظ فلان وفلان من صبيان المتأدبين والتراجمة في لبنان!
* * *
لقد غدا أمر هذه المجلة معروفاً عندنا كل المعرفة، حتى ما يأبه أحد لها ولا يصرف إليها باله، ثم تألفت اللجان لمحاربتها على نحو ما بيّنا في مطلع هذا المقال.