أصفق له وأعدّه مع العباقرة الخالدين، لأنه استطاع أن يصف هذه الأعمال بكلام بليغ؟
إن كان هذا هو الأدب فاشهدوا عليّ أني طلقت الأدب طلاقاً ثلاثاً لا رجعة فيه، وسامحكم الله بالسنين الأربعين التي أنفقتها في تحصيله وفي صنعه.
لعنة الله على الشعر الجميل والوصف العبقري إن كان لا يجيء إلا بذهاب الدين والفضيلة والعفاف، وعلى كل أديب يُفسد عليّ ديني ويَذهب بعرضي ويحقّر مقدساتي ليقول كلاماً حلواً. وهل تعوّض عليّ لذتي بحلاوة الكلام، الدينَ الذي فسد والعرضَ الذي ذهب والمقدسات التي مُرِّغت بالوحل والتراب؟ (١)
* * *
стр. 177
حركة طيبة في لبنان
نشرت سنة ١٩٣٨
يسرنا أن نعلن لقرّاء «الفتح» أن في لبنان حركة طيبة تدل على اتجاه فيه جديد، يُدني من الغاية التي تسعى إليها مصر وغيرها من أقطار هذا الشرق الإسلامي. وقد بدأت هذه الحركة بفضح المؤامرة التي دبرها الأستاذ فؤاد أفرام البستاني (خليفة لامانس في تعصبه وغرضه ودسه)، والدكتور أسد رستم زميله في تأليف كتاب تاريخ لبنان الموجز، وما ضمّناه هذا الكتاب الذي عهدت إليهما الحكومة بتأليفه ليكون كتاب تاريخ فجعلاه كتاب أغلاط وأكاذيب وتبشير بالنصرانية، وطبعته جريدة «المكشوف»، وقُرِّر تدريسه رسمياً في مدارس لبنان، فنهض الدكتور عمر فروخ وزميله الأستاذ النقاش، فنشرا في جريدة «بيروت» فصولاً طويلة فيها نقد تفصيلي وبيان لما في هذا الكتاب من الأغلاط الشنيعة، والكذب على التاريخ، والتحريف والتزوير، والطعن بالقرآن من وراء حجاب. وكان لهذا النقد ضجة كبرى في بيروت نبّهت الناس إلى حقيقة هؤلاء الذين يتسترون بستار العلم والأدب، فوقف تدريس الكتاب، وألفت لجنة لتنظر فيه.
وامتدت هذه الحركة إلى «المكشوف» فشرع الناس
стр. 178
يقاطعونها. وأول من تنبه إلى ضرر هذه الجريدة السيئة من الأدباء الأستاذ عبد الله المشنوق، مدير مدارس المقاصد الخيرية، وكان له معها موقف في العام الماضي باءت فيه هذه الجريدة بالخزي والهوان. وأول من تنبه إلى مقاطعتها من الورّاقين الأديب السيد أحمد شبلي، وكان يكتب فيها وينشرها، حتى إذا تبين له أمرها قاطعها. وانقطع جماعة من الأدباء إلى كشف خبيئها في الصحف، منهم الأستاذ محمد روحي فيصل، وكان من أصدقائها الذين تمجّدهم وتثني عليهم، فلما آثر الحق نالت منه وهجته.
* * *
أما حكاية هذه الجريدة وصاحبها بلا مبالغة ولا تزويق فهي: أن رجلاً يدعى فؤاد حبيش أحب أن يشتهر في الأدباء، ولم يُعرف له أسلوب في البلاغة ولا أثر في الأدب ولا سعة في العلم، فعمد إلى أقصر الطرق، ففاجأ الجمهور بشيء لم يكن يُنتظَر من عاقل، فألف كتاباً دعا فيه الناس -بلغة محطمة مكسرة، وأسلوب ساقط مرذول، وعامية ظاهرة- إلى التعري من الثياب، وإلى التعري من الأخلاق والدين، وإلى هتك ستر الحياء وتمزيق برقع الفضيلة، وبيّن أنه جرب ذلك بنفسه!
وألحّ في هذه الدعوة، ثم علم أنه لن يجد لكلامه سميعاً ولا لدعوته مجيباً حتى يجد الشيطان أتباعاً من الملائكة، فانصرف إلى الدعوة من وراء ستار، وأنشأ مجلة داعرة كأنها ماخور سَيّار، من نوع الصحافي التائه زاده الله تيهاً وعَمَى، موضوعها أخبار الزنا وحكايات الفحش ملطخة بالصور العارية، وسماها بألبق الأسماء
стр. 179
وأشدها انطباقاً على افتضاحها ووقاحتها، سماها «المكشوف» (على حين أن الناس يسألون الله الستر والله يسمي نفسه الستَّار)، فكان هذا الاسم مقالة دائمة قائمة في رأس هذه المجلة تلعنها أبداً، وكان ما صنع هذا الأحمق بنفسه نهاية الجهل والخذلان.
وكان عندنا في الشام كثير من هذه المجلات، تُنشَر بين الشبّان والشابات على مسمع الحكومة والجمعيات الإسلامية وبصرها، فأخذت على «المكشوف» السوق فلم تدع لها قارئاً، لأن هذا القلم الضعيف الذي يحمله هذا الحبيشي لا يصلح لفضيلة ولا لرذيلة، لا يصلح إلا للنار، فبارت وأفلست، فانتقل من الكلام على الدعارة الجنسية والانحلال الأخلاقي إلى الكلام على الانحلال اللغوي، وجمع لها طائفة من الشباب على شاكلة صاحبها ومثله، وأصدرها «أدبية». لكنْ مَن تراه يقرؤها وفي الدنيا «المقتطف» و «الزهراء» و «السياسة»، ثم جاءت «الرسالة» و «الرواية»، إلا من سَفِهَ نفسه وأضاع عقله؟ ففكر الحبيشي وقدّر، وانتهى إلى الأخذ بحكمة بشّار حين هجا جريراً ليكون أشعر الناس، فشرع يهجو، فلا يرى إلا الإعراض والاستصغار فلا يستحي ولا يخجل، لأنه:
إذا قَلَّ ماءُ الوجه قلَّ حياؤه ... ولا خيرَ في وجه إذا قلَّ ماؤه
ولا يَني يفتش عن أديب جديد له شهرة وله مكانة يتعلق بأذياله، فعلق بالشاعر بشارة الخوري فلم ينل منه منالاً، فمال إلى أدباء الشام فلم يلقوا لهذيانه بالاً، فانصرف إلى أدباء العربية، أدباء مصر، يحسب أنه -لِمَا فشا من سره وطمَّ من بلائه، وشاع من اسمه وتردّد على الألسنة تردد الفضيحة الحمراء والوصمة
стр. 180
المخزية، لا تجيء إلا ومعها اللعن- يستطيع أن يهدم بهذه الورقة المسوَّدة بالعار الأدبَ العربي في مصر، فجاء ينطح الصخرة برأسه، ولكنه لم يضرها ولم يؤثر فيها. وكيف وهي ما هي؟
ثهلان ذو الهَضَبات هل يَتَحلْحَلُ؟
هذه هي قصة المجلة التي يألم بعض إخواننا المصريين من تعرّضها إليهم وتعلقها بأذيالهم، ما زدتُ في سردها على ما أعلم أنه حق ... والتي تدعو اليوم إلى طرح البيان العربي بتوجيه همم الشباب إلى العناية بالمعنى دون اللفظ، لتصرفهم بذلك عن لغة القرآن، وتدعو إلى عُصْبة لبنانية، يَنْبَتُّ فيها أدباء هذا الجيل من جبال الشام من جسم الأدب العربي، وتدعو (ويسوؤني أن أقرر هذا الواقع) إلى عصبية نصرانية تُلقى فيها العداوة والبغضاء بين أهل البلد الواحد، وتبلغ بها الحماقة ويبلغ بها الغرض الذي يعمي ويَصُمّ إلى أن تنشر في الصفحة من صفحاتها هجاء فلان وفلان من أكابر كتاب العربية وأدبائها، ومَن هم بُناة بيانها الجديد ومفخرتها وعزها، وتدّعي أنهم ليسوا شيئاً، وتنشر في الصفحة بعدها تقريظ فلان وفلان من صبيان المتأدبين والتراجمة في لبنان!
* * *
لقد غدا أمر هذه المجلة معروفاً عندنا كل المعرفة، حتى ما يأبه أحد لها ولا يصرف إليها باله، ثم تألفت اللجان لمحاربتها على نحو ما بيّنا في مطلع هذا المقال.
стр. 181
هذا ولا نسجل هذه القصة اهتماماً بالمكشوف، وإنما نسجلها على أنها ظاهرة جديدة وحركة طيبة في لبنان (١).
* * *
стр. 182
عدوان فظيع، ودعوة صالحة
نشرت سنة ١٩٣٧
جاءني أمس طالب ذكي من طلاب البكالوريا في ثانوية دمشق الرسمية ومعه دفتر، فقال لي: أنت رجل يدعو إلى الاجتهاد، صرّحتَ بذلك في مقالتك الأخيرة في «الرسالة»، فخذ انظر آراء هذا الإمام المجتهد الجديد.
قلت: أنا لم أدعُ إلى الاجتهاد المطلق ولم أفتح بابَه للطالب والجندي والتاجر والصانع، ولكن دعوت إلى تأليف لجنة من العلماء تضع لنا قوانين تستنبطها من الإسلام، نستغني بها عن هذه القوانين الأجنبية التي أصبح أخذنا بها -ونحن أمة منها انبثق نور العلم والتشريع- عاراً علينا، وتجتهد في استنباطها كما اجتهد الأئمة الأوّلون ... هذا ما قلت، فمَن هو المجتهد الذي تحمل إليّ آراءه في كرّاسة مدرسية؟
قال: هو الخواجة «فلان»، رجع من أوربا ومعه ورقة عليها اسمه وصورته وفي أسفلها خاتم مدير الجامعة، سحر بها الوزارة فقالت له: كن مدرّس التاريخ الإسلامي في صف البكالوريا، فكان! ثم أخذت الوزارةَ النشوةُ فقالت له: كن فقيهاً محدّثاً
стр. 183
أصولياً، كن أبا حنيفة ... فخذ دفتره فانظر ماذا كان؟
فلا والله ما استُقبلتُ في حياتي بمثل ما استقبلني به هذا الطالب، وما رأيت وما سمعت بأعجب منه: مسيحي يدرّس دين الإسلام!
أوَليس تاريخ محمد ﷺ وتاريخ القرآن ديناً؟ ما بقي والله إلا أن أدرّس أنا تاريخ الإنجيل ومذاهب النصرانية، وأنا لا أعرف كتاباً من الكتب التي ألفها النصارى في هذا الباب، لا أعرف فيه إلا كتاباً لشيخ مسلم. أيّ فرق بين هذا، وبين أن يدرّس هذا الشاب المسيحي دينَنا لطلابنا المسلمين، وما معه من المراجع إلا كتاب مستشرق نصراني؟
أخذتُ الدفتر أنظر ما فيه، فإذا فيه درس للقرآن والحديث والمذاهب الإسلامية في الفقه ونشوئها وأصولها واختلافها، كل آرائه جديد مبتكَر لم يعرفه أحد من العلماء والباحثين ولا يقرّه الدين. فسبّحتُ بحمد الله إذ يؤتي الحكمة من يشاء! وأحببتُ أن أشير إلى طرف من هذه الآراء، أدلّ عليها الناس ليهتدوا بها إلى الحق الذي تجنّب علماءَ المسلمين في الدهر الأطول، ثم جاء في ذَنَب الزمان على لسان «خواجة» ... وأن أدلّ على مكان العبرة منها.
* * *
كان الناس كلهم، مذ جاء الله بالإسلام إلى يوم الناس هذا، مجتمعين على أن القرآن جديد في أسلوبه لا يشبه أساليب العرب في مخاطباتهم وآدابهم، وأن الله تحدّاهم به وهم ملوك
стр. 184
القول ومَرَدة البيان، فلم يقدروا على أن يأتوا بمثل سورة صغيرة منه ... فجاء هذا «الخواجة» بعد ثلاثة عشر قرناً يبيّن للناس أنهم على ضلال، وأن أسلوب السُّوَر المكية من السَّجْع المعروف عند عرب الجاهلية وبعض كُهّانهم. أين كانت هذه الحقيقة مخبوءة؟
ويعلل «الخواجة ميشيل» اختلافَ أسلوب السور المكية عن المدنية بأن الرسول كان في أول دعوته "في حالة عصبية، يشعر شعوراً مبهماً، وكان مضطرباً، فلذلك أتى أسلوب السور الأولى (أي المكية) عنيفاً متقطعاً مبهماً".
ويتكلم «الخواجة» عن جمع أبي بكر ﵁ للقرآن، فيقرّر "أن هذه المجموعة الأولى لم تنل صفة رسمية، بل بقيت كمشروع خاص قام به أبو بكر وعمر". فهل في القرّاء من فهم معنى هذا الهذيان؟ وهل يُسمّى هذا اللغو المخالف للعلم والمنطق تاريخاً يُلقَى على طلبة مدرسة ثانوية؟ والمفروض في التاريخ الذي يلقى في المدارس الثانوية أنه خلاصة الحقائق الثابتة عند العلماء، لا ما يتمخض به ذهن المدرس الجاهل من خيال وسخف وهذيان!
والطامة الكبرى في كلامه على جمع عثمان للقرآن، إذ يقول ما نصه: "ولما ازدادت هذه الخلافات بين هذه الأقطار بشأن النص الأصلي للقرآن صمّم عثمان على وضع نص لا خلاف فيه". وهو كلام صريح في أن عثمان وضع نصّ القرآن!
إننا نترك ما في هذا الكلام من طعن بالإسلام لننظر في قيمته العلمية. أليس معنى هذا الكلام أن الرجل لم يفهم ماذا عمل
стр. 185
عثمان، ولم يتنازل فيقرأ كتاب التاريخ الإسلامي الذي يقرؤه الأطفال؟ كيف يكون مثل هذا مدرّساً لطلاب المسلمين في آخر صف ثانوي؟ ولِمَ لا يكون (على هذا القياس) بائعُ الباذنجان أستاذَ الحقوق الدولية في كلية الحقوق؟ أي فرق بينهما ما داما قد استويا في الجهل بما يدرّسان؟!
* * *
ويا ليت هذا الخواجة وقف هنا، بل هو قد ذهب إلى القول: "الظاهر أن هذا النص الرسمي (يعني القرآن) كان ينقصه سورتان (ما شاء الله!) ذكرهما أُبَيّ (أين ذكرهما يا حضرة الخواجة؟) ويزيد سورتين على نص ابن مسعود"!
أرأيتم أوقح من هذا الافتراء على الإسلام والعلم والحقيقة؟ لقد كان للإسلام أعداء كثيرون من أول يوم ظهر فيه إلى هذا اليوم، ولكن لم يجرؤ واحد منهم على هذا الافتراء لأنهم كانوا أشدَّ احتراماً لنفوسهم من أن يسقطوا هذه السقطة، وأعقلَ من أن يتورطوا في هذا الغلط الشائن!
ونقل أن الخوارج ينكرون سورة يوسف "لأن فيها لهجة غرامية لا تكون في كتاب مقدس"، ولم يبيّن مصدر هذا النقل، ولا هو يدريه! وأنا أعترف بأني لم أعلم ذلك من قبل، فليأتِ بالنص لنعلم مَن هم هؤلاء الخوارج القائلون بهذا القول؟
وينقل عن بعض المستشرقين تفسيراً مضحكاً غريباً لا أصل له في تاريخ ولا واقع ولا نص قديم، هو أن أوائل السور (ألم، حم، ق ... إلخ) أوائل أسماء الكَتَبة أو الذين كانوا يملكون النسخ
стр. 186
عندما وُضع (انتبه لكلمة «وُضع» المتكررة) النص الأصلي! وهذا الكلام مخالف للعلم ومنافٍ للدين الإسلامي، لأنه يجعل أوائل السور من غير القرآن وهي من القرآن بالإجماع.
وينقل عنهم مسخرة أخرى لم تخرج إلا من أدمغتهم، هي أن القراءات السبع قد نشأت في القرن العاشر، إذ "اجتمع سبعة علماء وكانت بينهم مناقشات انتهت بوضع هذه القراءات السبع"! فأين ومتى كان هذا المؤتمر ومن ذكره من المؤرخين؟ أم أنه يرتجل التاريخ ارتجالاً ويضعه في رأسه؟ وهل هذا هو التاريخ الذي قرّرت الوزارة تدريسه في مدارسها؟
* * *
ولست أذكر كل ما وجدت من البلايا والخطيئات في هذا الفصل الواحد ضَنّاً بالوقت ورحمة بالقراء، ولكني أمثّل له تمثيلاً. ومن أمثلة هذا العدوان على الحق والإسلام تقريره أن في القرآن ما كان خاصاً بزمانه لا يمكن تطبيقه الآن ولا يصلح، ومثّل له في درس من دروسه بالعقوبات المنصوص عليها في القرآن. والكلام في العقوبات يحتاج إلى فصل، بل كتاب برأسه، وليس هذا محله.
ومن الأخطاء العلمية أنه عرَّفَ «البدعة» بأنها "الخطأ غير المقصود في التفتيش عن الحقيقة". وهذا مثل تعريف المثلث بأنه السطح المحاط بخمسة أضلاع، أو تعريف الفاعل في النحو بأنه الأرض المحاطة بالماء من جهاتها الأربع! وقسّم المسلمين إلى «محافظين» منعوا البِدَع و «أحرار» أخذوا بها، واشترطوا أن يكون
стр. 187
ذلك بالإجماع! وهذا تناقض وخلط لا معنى له، لأن الإجماع لا ينعقد على بدعة، وما انعقد عليه الإجماع فليس ببدعة!
ومن دلائل الجهل المطبق في بحث هذا الخواجة أنه رأى الفقهاء ينقسمون إلى أهل الحديث وأهل الرأي، ففهم أن «الرأي» هو الأخذ بالرأي المجرد وترك الحديث لأنه بزعمه متناقض مبهم! وأن هؤلاء الذين تركوا الحديث فتّشوا عن قواعد حقوقية أخرى، فنشأت المذاهب ... واستمر يبحث في المذاهب بحثاً لا يختلف عن أي رواية خيالية تخرجها مخيّلة كاتبها ليدافع بها عن مذهب له، أو يظهر شعوراً يكنّه في صدره أو عاطفة تحويها نفسه. ولقد ظهرت في رواية هذا الخواجة عواطفه نحو الإسلام، وظهر عداؤه وتعصبه وبعده عن الإنصاف وبراءته من العلم والبحث العلمي.
ثم عاد إلى الشنشنة القديمة، دعوى العلاقة بين الحقوق الرومانية والإسلامية. وهي مسألة مفروغ منها، أصبح من الكلام الفارغ وإضاعة الوقت أن يعود إلى التشدّق فيها كاتبٌ أو باحث، وأصبحت مثل مسألة ادّعاء حرق المسلمين مكتبة الإسكندرية ... لا رأي للعلم فيها إلا أنها تزوير وافتراء. ثم إنها ليست داخلة في منهج التاريخ ولا يعرفها هذا الخواجة لأنه ليس متخصصاً في الحقوق، ولا يفهمها الطلاب، ولا معنى للبحث فيها إلا الطعن على الإسلام بالحق والباطل وبمناسبة وغير مناسبة!
وختم البحث بقاصمة الظهر (ظهره هو) وبَليّة البلايا وطامّة الطامات، فقال نقلاً عن المستشرق اليهودي غولد زيهر بأن "البدع تصير بالعادة سنّة وينعقد عليها الإجماع فتبث، وهكذا (انتبه!) ثبت النص الأخير للقرآن (أي بعد أن كان بدعة باطلة!) والكتب
стр. 188
الستة (كذلك!) وأعياد المولد (وقد نص الشاطبي على بدعيّتها) والتوسل بالأولياء (وهي من المنكَرات) " ... فانظر كيف قرن مسألة أعياد المولد الفرعية بثبوت النص القرآني والكتب الستة، وهي عماد ديننا وجماع الإسلام كله، وماذا يبقى إذا كان الكتاب والسنة بدعة؟
هذا كلام لا يقوله إلا من أعمى التعصّبُ بصيرتَه حتى ما يفكر، وأعمى الجهلُ المركَّب بصره حتى ما يرى ويقرأ، وهذا ما لا يكون إلا بخذلان من الله، ونعوذ بالله من خذلانه.
* * *
وبعد، فإننا لم نملأ صفحات «الفتح» (١) ونتعب قرّاءه الكرام رداً على هذا الجاهل أو اهتماماً به، فهو أهون علينا من ذلك، وهو على الله أشدّ هواناً. ولقد عرفت الأيام من أعداء الإسلام كل وقح وأحمق وسخيف ومزوِّر، فذهب ما جاؤوا به وبقي الإسلام لم يضرّوه شيئاً، لأن الله تعهد بحفظه وجعل العاقبة لأهله. ولكنّا كتبنا هذا الفصل، وأطلنا في التمثيل على هذا الخلط وهذا العدوان، لنأخذ من ذلك عبرة تنفعنا اليوم. ونحن اليوم (في أكثر بلدان الشرق الإسلامي) في مطلع حياة جديدة، نصفي الماضي وننخل الحاضر، ثم لا يبقى إلا المنخول المصفّى من أخلاقنا وأوضاعنا وعاداتنا.
стр. 189
العبرة في هذا العدوان السخيف أن هذه المفتريات -على ظهورها ونتنها- ألقيت على صف عالٍ فيه قرابة أربعين طالباً مسلماً، فما أحسّ بها ولا أنكرها إلا بضعة طلاب، أنكروها بضعف وجادلوا فيها بجهد المُقِلّ، وقَبِلها الباقون جملة وتعصّبوا لها ودافعوا عنها.
أفليس في هذا دليل على أن نزع الدروس الدينية من مناهج التدريس ومن مواد الامتحانات العمومية قد حقق أغراض المستعمرين وأذناب المستعمرين، وأخرج جيلاً جديداً جاهلاً بأصول الإسلام وعلومه وتاريخه، مجرَّداً من الغيرة الإسلامية؟
إنه لم يبقَ إلا أن يُسمّى هذا الجيل جورج وميشيل وطنوس بدلاً من أحمد ومحمد ومحمود! وماذا تغني الأسماء؟ هل يدخل الرجل الجنة بورقة النفوس أو بشهادة الميلاد؟ وهل يصبح القط أسداً بورقة تعلَّق في عنق القط مكتوب فيها أنه أسد؟
فإذا لم تعالَج هذه المسألة بصورة جدية سريعة، وإذا أضعنا هذه الفرصة الأخيرة، جاء وقت لا ينفع فيه العلاج، لأن المريض يكون قد مات! (١)
стр. 190
والعبرة في هذا العدوان السخيف: أن آباء هؤلاء الطلاب الأربعين لا يعلمون بأن معلم التاريخ الإسلامي لأبنائهم نصراني شيوعي لا يؤمن بدين ولا يقرّ بإله، ويصرّح بذلك في دروسه على طلابه! لا يعلمون بذلك لأنهم لا يهتمون به ولا يسألون عنه أبناءهم ... هذه فئة منهم. وفئة تعلم بذلك ولكنها لا تباليه ولا تحفل به، وفئة ثالثة تعلم ذلك وتحفله وتهتم به، ولكنها لا تقدر على شيء لأن كل واحد يتكلم وحده، كل واحد منا يأتي وحده فيدفع الباب فلا يندفع، فيدعه ويمضي معتقداً أنه وفّى ما عليه. ولو دفعناه جميعاً لانهار انهياراً، فيجب أن نأخذ من هذا عبرة ودافعاً إلى العمل المجتمِع، ذلك الذي لم نتعلمه بعد.
والعبرة في هذا العدوان السخيف: أن هؤلاء الطلاب القلائل الذين أنكروا ما سمعوا، وأحبوا أن يردّوه ويعرفوا حقيقته، لم يجدوا كتاباً يتعلمون منه حقائق الإسلام، ومن وجد منهم الكتاب لم يفهمه، لأنه مكتوب بغير لغة هذا العصر لغير أبناء هذا العصر!
ولقد كنت العام الماضي في العراق، فسألني أحد تلاميذي -من طلاب الثانوية في بغداد- عن كتاب واضح منير فيه بيان حقيقة الإسلام وأركانه، يقرؤه فيغدو مسلماً كاملاً ويستغني به عن غيره، فلم أجد ما أدلّه عليه (١)، لأننا لا نزال في حاجة إلى كتاب
стр. 191
جامع يُبحَث فيه عن «الإيمان» أولاً، عن الإيمان الواجب، لا عن المناقشات والفلسفات والردود على الطوائف التي لم يبقَ منها على وجه الأرض أثر، ويكون إيماناً سلفياً مستمَدّاً من الكتاب والسنة. ويبحث عن «الإسلام» ثانياً، أي عن أركانه الخمسة بغاية الاختصار والبيان، وعن «الإحسان» ثالثاً، وهو الجانب الأخلاقي الاجتماعي من الدين.
فلعل صحيفة «الفتح» الميمونة الطالع التي أنشأت، نعم، أنشأت هي «جمعية الشبّان المسلمين» وبثَّت هذه الروح الإسلامية التي تملأ مصر اليوم، لعلها تدعو إلى تأليف هذا الكتاب الذي يقرؤه الشاب فيفهم الإسلام الواضح الفطري البسيط، كما كان يفهمه الأعرابي من جلسات قليلة يجلسها مع الرسول ﷺ .
* * *
إن قصة هذا الخواجة تتكرر دائماً ونحن نشتغل دائماً بردّها، أي بالعمل السلبي، ونحن في أشد الحاجة اليوم إلى
стр. 192
العمل الإيجابي، إلى بناء النافع أيضاً لا إلى هدم الضارّ فقط، إلى إنشاء الحصون الدائمة لحماية عقائد الناشئة، وعرض الإسلام بشكل واضح صحيح، ولا يقوم بهذا إلا العلماء الذين جمعوا بين ثقافة العصر والثقافة الإسلامية والتديّن الحقيقي، وهذه هي «الحلقة المفقودة»، أما الجامدون فقد ظهر عجزهم عن هذا، لأنهم يعيشون في هذا العصر ولا يعيشون في هذا العصر!
فيا طلاب الأزهر ودار العلوم بمصر، ويا طلاب الكلية الشرعية في بيروت، والخسروية في حلب، ودار العلوم في بغداد، ويا أيها الشباب المسلمون المتدينون في كل مكان: عليكم المُعوَّل، فإلى العمل.
* * *
стр. 193
عدوان أفظع
نشرت سنة ١٩٣٧
علم القرّاء نبأ ذلك العدوان الفظيع الذي ضَجّت له دمشق وهال كلَّ مسلم وكلَّ عالم فيها، ذلك العدوان على الدين الإسلامي والحقيقةِ والعلم، الذي اهتمت له جمعية العلماء في دمشق وراجعت من أجله الحكومة، وأذاعت بياناً تهدّئ به من حماسة هذا الشعب الأبيّ المسلم الذي يعرف الناسُ كلهم ماذا يفعل إذا غضب، والذي لم تُخِفْه مدافع فرنسا ودباباتها ولم تكسر من وطنيته، فكيف يخيفه هذا الخواجة المسيحي وهؤلاء الأربعون من الخواجات المسلمين، والموقفُ موقف عدوان على الدين، والدينُ أعزّ من الوطنية، وافتراء على الحقيقة، والحقيقةُ أثمن من المادة، ومسّ للعقائد، والعقائدُ فوق كل شيء؟ فسكت الشعب ينتظر على مضض.
وكان يهوّن هذا العدوانَ (ولن يَهون) أن هذا الرجل جاهل بهذه المادة فيجب ألاّ يوكَل إليه تدريسها من الأصل، وكنت أظن أنه سيتنصّل من هذه الأقوال المضحكة الظاهرة البُطلان، فإذا هو يصرّ عليها ويطلب مناظرته، فلا يقبل طالب علم في دمشق أن يتنزّل إلى مناظرته فيها، فيبعث أحد تلاميذه للردّ على مقالتي
стр. 194
الأولى في «الفتح» بمقالة ينشرها في جريدة لبنانية نصرانية (١)، تحمل سموم التعصب الذميم والحقد القاتل على الإسلام وأهله على التعميم، وعلى مصر وكتّابها على التخصيص، وتحاول أن تهدم بهذا الهذيان وهذه الشتائم الدنيئة وهذه الحملات الطائشة البيانَ القرآني لتقيم مكانه بياناً إنجيلياً! وكما أن البيان القرآني يأتي في أسلوبه في الذروة من العلوّ، فإن أساليبهم تجيء في الحضيض الأسفل من الركاكة التي ليس بعدها ركاكة والعيّ الذي ليس بعده عيّ. وقد فشلت دعوة ذلك القسيس اللبناني منذ سنين إلى اتخاذ اللغة العامية لغة أدب وتأليف، فاستبدلوا بها هذه الدعوة إلى أدب المعاني وطرح الألفاظ، وهذه لها موضع آخر تُشرَح فيه ويُكشَف غامضها ويُعلَن خبيئها، وهذا موضع الكلام في مقال هذا الطالب.
* * *
مقال هذا الطالب عدوان أفظع وأشد، لأن أستاذه نصراني شيوعي ولكنه هو -كما يقول في مقالته بصريح عبارته ويقسم على ذلك بالله- "مسلم يعتقد بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويعتقد بالملائكة والأنبياء والكتب السماوية والحشر والنشر والقضاء والقدر ويصوم ويصلي، وإنما قال ما قال غضبة للحق" ... فانظروا إلى هذا المسلم المؤمن الصائم المصلي: عمَّ يدافع وماذا يعتقد؟ وانظروا إلى هذه الفوضى في التعليم التي
стр. 195
تجعل من هذا الصائم المصلي مدافعاً عن الكفر والجهل! وأفيقوا -أيها المسلمون- من نومكم، واعلموا أنه إن كان مثل هذا التلميذ المتدين قد أثمرت في نفسه ضلالاتُ هذا الخواجة وأمثاله، فماذا تصنع بغيره ممّن ليس مصلياً ولا صائماً؟ وانتبهوا إلى أبنائكم، وراقبوا المدارس، فإنه يوشك أن تُخرج المدارسُ من الولد عدوّاً لأبيه، كافراً بدينه، خصماً لقرآنه!
على أني لن أقسو على هذا الطالب ولن أردّ عليه، ولكني أحب أن آخذ من مقاله عبرة أخرى وفائدة جديدة تهمّنا في نهضتنا الجديدة. والأمر جِدّ، ونحن اليوم على مفترق الطرق، قد استيقظنا ولكنّا لا ندري أيَّ طريق نسلك، فلن نضيع الوقت بالردّ على تلاميذ مدفوعين ولا أساتذة جاهلين، ولكنا نختار طريقنا إلى غايتنا.
إن هذا المسلم المؤمن الصائم المصلي يرى أن "تاريخ محمد ﷺ وتاريخ القرآن لا يسمّى ديناً" فلا بأس إذن أن يدرّسه نصراني جاهل بالقرآن وعلومه، غريب عن علم الإسناد لا يعرف صحيح الروايات من سقيمها، ولا يعرف مصطلح الحديث ولا يعرف إليه مرجعاً إلا كتاباً صغيراً نشره مستشرق باللغة الفرنسية! على أن المفروض في هذا الطالب أنه أعقل من أن يتورط في هذه الورطة وهو في صف البكالوريا، ولكن الأستاذ -كما علمت- قد دخل الصف يحمل عدد «الفتح» الذي أخزاه الله فيه وفضحه ونكّل به، فتذلّل للطلاب وتَمَسْكن لهم وتظاهر بأنه مظلوم مسكين، والطلابُ -كما قلت في المقالة الأولى- ليس لهم وقوف على الحقيقة الدينية، وهم طيّبو القلب يُخدَعون
стр. 196
وتؤثّر فيهم العاطفة، ويشعرون بالجميل للمعلم الذي يمنحهم الدرجات بلا حساب (كما يفعل هذا المدرّس)، فأشفقوا عليه لمّا سمعوا ذلك منه وخُدعوا كما خُدع ذلك الأرنب بالقط الذاكر التقي الصائم المصلي (في قصة كليلة ودمنة)، فتطوع هذا الطالب المؤمن المسلم المصلي الصائم للدفاع عن القط!
ولكن ماذا يقول في الدفاع؟ لم يجد إلا قاموس الشتائم، فسبّني وشتمني فلم أبالِ بذلك، وإنما باليت واهتممت باعتقاد هذا الطالب بصحة هذا الرأي الباطل ودفاعه عنه، فهو يدافع عن دعوى الخواجة بأن أسلوب القرآن ليس جديداً (وإنما هو أسلوب السَّجْع المعروف عند عرب الجاهلية وبعض كُهّانهم) ويستدل على ذلك بكلمة لطه حسين في كتابه «الأدب الجاهلي» جاء فيها ما نصّه: "إنما كان القرآن جديداً في أسلوبه، جديداً فيما يدعو إليه الناس، جديداً فيما شرع للناس من دين وقانون".
أفرأيت فهم هذا التلميذ؟! أما كان خيراً له أن يهتمّ بدروسه التي سيُمتحَن فيها من أن يورّط نفسه في هذا الخزي وأن يستدلّ على الدعوى بضدّها؟ ثم متى كان طه حسين في «الأدب الجاهلي» حجة في حقائق الإسلام؟ أما كان يجب على هذا الطالب أن يعلم أن هذا الكتاب شَغَل دوائر القضاء ودمَغَته النيابة العمومية بشَرّ أوصاف الخزي، وأُلِّفت في الرد عليه كتب جَمّة قائمة برأسها؟ وأي هزيمة أعظم من التماس الحجة في مثل هذا المرجع الذي ظهر عُواره لكل عالم وأديب؟ هذا وليس في الذي نقله الطالب من كلام طه حجة له أصلاً.
* * *
стр. 197
وبعد، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، ومن معاني هذا الحديث أن الله قد يبتلي هذا الدين بالفاجر المُبطل فيقول ما يوقظ المسلمين وينبّههم إلى دفعه، فيتأيّد بذلك الدينُ. ولعل هؤلاء الفجّار (من أمثال الخواجة ميشيل وعصابته ومن يرى رأيه) مصدرُ خير للمسلمين إن شاء الله، وإنّ من المصائب أحياناً ما يفيد، وقد يأخذ الإنسان من الحية أو العقرب ما ينفعه ويتداوى به.
وهذه حادثة من مئات الحوادث: هذا الخواجة المسيحي الذي يدرّس تاريخ القرآن والحديث والفقه، والذي جاء بكل ما رآه القرّاء في المقالة الماضية، يصرّ على أقواله وتبلغ به قلة الحياء إلى دعوة المسلمين إلى مناظرته فيها، ثم هو لا يزال في منصبه! ومن الطلاب المسلمين من انزلقت أرجلهم معه في كل ما يقول، يؤيدونه فيه، واستقر ذلك في نفوسهم حتى دفع هذا الطالبَ المسلم إلى الدفاع عنه! شبّان المسلمين يحالفون المدرّس الجاهل النصراني على آبائهم وإخوانهم، ويتآمرون مع الجريدة المتعصبة على دينهم وأدبهم ... أفلا تستحق هذه الظاهرة شيئاً من اهتمام القائمين على إدارة الجبهة الإسلامية؟
أكرر القول بأننا لا نحتاج إلى الهدم حاجتَنا إلى البناء، وأن مصدر هذه الظاهرة في الشبان ليس النقص في الإيمان ولا الفطرة السيئة، فهم مولودون على الفطرة النقية والإيمانُ مستقر في أعماق نفوسهم من الصغر، ولكن مصدرها الجهلُ بالدين.
أنا أعتقد أن هذا الطالب الذي ردّ عليّ ودافع عن أمور واضحة البطلان ليس له أقل اتصال بالعلم، وهو لم يكن منافقاً ولا كاذباً، ولكنه كان مقتنعاً بينه وبين نفسه بأن ما قاله هو الحق،
стр. 198
وأنني مخطئ، وأن جميع علماء المسلمين متعصبون رجعيون لا يعرفون البحث العلمي الجديد! وهو معذور -في رأيي- تماماً، لأنه رأى هذا الخواجة لبقاً يدّعي المعرفة ويستطيع أن يتفاهم معه ويتفق معه في التفكير، في حين لا يرى في المشايخ من يستطيع أن يتفاهم معه. ورأى مع هذا المدرّس كتاباً مبوَّباً منظماً فيه كل ضلالاته معروضة بشكل جذّاب عليه طلاء من البحث العلمي، في حين أن كتب الحق التي هي مع علماء المسلمين أُلِّفت لعصر غير هذا العصر ولقرّاء غير هؤلاء القراء، فيُخيَّل إلى النشء الذي لم يألفها أنها ينقصها التبويب والترتيب والبحث العلمي الجديد، فيتركها مثلُ هذا الفتى المسلم ويلجأ إلى كتب أستاذه الخواجة!
فالمسألة إذن أكبر من عزل أستاذ أو إحالته على القضاء؛ إنها مسألة ناشئة المسلمين في كل بلد، مسألة أمة المستقبل تُنَشَّأ على غير الحق ويتولى قيادتَها جماعةٌ من الجاهلين المُبطلين، إذا افتُضح واحد منهم مصادَفةً فإن كثيرين لا يزالون في الخفاء.
فأنا أقترح على الجمعيات الإسلامية في مصر والشام الدعوةَ إلى تأليف الكتب على الأسلوب الجديد في بيان الإسلام وحقائقه ومزاياه، وإقامة مؤتمر إسلامي عام يحضره مندوبون عن كافة الجمعيات والهيئات لبحث مسألة «التعليم والإسلام» وبيان أقصر الطرق وأقومها إلى الغاية، وانتخاب هيئات تنفيذية لتحقيق مقررات هذا المؤتمر. وبغير ذلك لا تزداد المشكلة إلا تعقيداً، حتى يأتي يوم نخشى أن لا تُحَلّ فيه أبداً لا قدّر الله.
* * *
стр. 199
جاء الحق وزهق الباطل
حديث أذيع سنة ١٩٧٢
كل يوم، وفي كل مكان، تظهر أدلة جديدة على عظمة الإسلام وصحّة مبادئه، ويعود العالم إليها أو يقترب منها، من حيث يشعر أنها مبادئ الإسلام أو من حيث يراها مبادئ صحيحة.
ها نحن أولاء نقرأ اليوم ونسمع بأن دول أوربا -على ما كان بينها من خصومات ترجع جذورها إلى قرون طويلة، واختلاف في اللغات والعادات، واختلاف أحياناً في المعتقدات- قد تناست خصوماتها ودفنت أحقادها، وتخطت حواجز اللغات والعادات والمعتقدات، والتقت كلها أو كادت في أوربا واحدة.
كيف تلتقي فرنسا وألمانيا لقاء الأصدقاء ويفصل بينهما بحر من الدماء، من أيام نابليون وقبله وبعده، إلى حرب السبعين، إلى الحرب الأولى والثانية؟ كيف تلتقي ألمانيا وبلجيكا؟ كيف تلتقي إنكلترا وفرنسا؟ ما السوق الأوربية المشتركة؟
فما معنى هذا كله؟ معناه أنه لم يعد من الممكن أن تعيش في هذه الدنيا إلا الكتل الضخمة (١)، معناه أن مبدأ القوميات (الذي
стр. 200
كان شعار القرن التاسع عشر) قد مات، وأن الروابط بين الناس صارت روابط معنوية، روابط هدف مشترك أو مصلحة يؤمن بها الجميع. أليس هذا ما دعا إليه الإسلام حين جعل الرابطة بين أفراد الأمة المسلمة تتجاوز حدود القوميات واللغات؟ أليس هذا ما كنا نقوله، أو ما كنت أقوله وأكتبه من أكثر من أربعين سنة؟ أليس هذا موضوع الخلاف بيننا وبين دعاة القومية من تلك الأيام؟
وليس العجيب أن يعود العالم إلى هذا، فهذا هو الحق، ولكن العجيب أن يبقى فينا من ينادي بمبدأ القوميات ويدافع عنها ويتحمس لها!
إن كل مبدأ من هذه المبادئ التي تدخل إلى رؤوس أبنائنا أخطر بألف مرة من الصواريخ والقنابل، لأنها تجعل من أبنائنا أعداء لنا وأعواناً لعدوّنا علينا. إن اليهود، وما لهم من مؤسسات ومخططات وما فُطروا عليه من المكر والدهاء وما بأيديهم من خزائن الأموال، إن الصهيونية وابنتها الماركسية، وابنتها الأخرى نظرية دارون، هذه كلها لا تزال تدس السموم في غذائنا الروحي في الكتب وفي الإذاعات، بل وفي البرامج والمناهج وعلى ألسنة كثير من المدرّسين في بلاد المسلمين.
حتى البضاعة التي تذهب «موضتها» عندهم ولا تعود صالحة للاستعمال تُصدَّر إلينا على أنها جديدة، كما تُصدَّر بالات الثياب المستعمَلة! فالقومية -كما رأيتم- بطلت موضتها في أوربا وأُهملت فصُدِّرت إلينا، ومثلها الدارونيّة التي انهارت علمياً وتهدّمت أسسها الموهومة على أيدي أكابر علماء العصر،
стр. 201
وكذلك الفرويدية التي سقطت وظهر عُوارها.
إن نظرية دارون في بقاء الأصلح قد جَرَّت إلى اتخاذ وسائل القوة والسيطرة على الضعيف وإهمال مبدأ العدل، وكانت من العوامل الخفية في حربين عالميتين. ونظرية فرويد في أن الغريزة الجنسية هي أصل الغرائز جَرَّت إلى هذه الإباحية التي نراها أو نسمع بها، والتي بدأ الناس ينتبهون إلى خطرها.
إن دارون، وفرويد، وماركس، ونيتشه، ودوركايم ... كل هؤلاء من ثمرات المخططات اليهودية، خرجوا من مصنعها، لا بأجسادهم وأرواحهم فالأجساد والأرواح من خلق الله وحده، لكن بأفكارهم الضالّة ومبادئهم المدمِّرة. ولا يزال بعض من يدّعي العلم (لأنه يحمل فيه ورقة مطبوعة) يؤمن بنظرية دارون ويكذّب بها كلام الخالق!
حينما تنتشر الأمراض السارية في بلد يكون الحجر الصحي لئلاّ يخرج منه مُصاب (أي حامل جرثوم) فينشره في البلد الآخر، وأَوْلى بنا أن نتنبّه إلى حَمَلة جراثيم هذه الأمراض فنمنعهم من دخول بلادنا، وأن نلقّح السكان (والشباب خاصة) بلقاح يمنع دخول المرض فيهم. وهذا اللقاح هو العقيدة الصحيحة، بشرط أن يوضَع اللقاح في قوارير جديدة معدّة إعداداً طبياً، وأن يقوم به أطباء خبراء.
وما أقل هؤلاء الأطباء!
* * *
стр. 202
الحكم بالقوانين الشرعية
حديث أذيع سنة ١٩٦٧
أنا من أقدم المحدثين في الإذاعة؛ فلقد حدّثت من أول إذاعة عربية من نحو ربع قرن ولا أزال أتحدث إلى اليوم، وطريقتي التي لا أحيد عنها هي أن أقول ما يفهمه العامي ولا ينكره العالِم، وأن أجتنب المباحث العلمية لأن مكانها الجامعات والنوادي لا الإذاعات.
هذه طريقتي، ولكني سأحيد عنها في هذا الحديث. إني سأتكلم -مضطراً- بما يعلو عن أفهام العامة، وهذا تحذير، فهل سمعتم بمحدّث يبدأ حديثه بالتحذير من سماعه؟
* * *
قلت إن هذه الحضارة الغربية التي أقبلنا عليها واغترفنا منها فيها ما لا يمنعه ديننا ولا يحرم الأخذ به، فنحن نأخذه مطمئنّين، وفيها ما يحتاج إلى بحث ونظر، وفيها ما يخالف الدين الذي نَدين به والأخلاق التي نتحلّى بها.
أما ما يخالف فهو الذي يطلق الغرائز ويثير الشهوات، ثم
стр. 203
يفتح أمامها طرق الحرام ويسهّلها ويُعبّدها، ويسدّ في وجهها سبل الحرام أو يوعّرها ويضيعها. وسأتكلم عليه في طائفة من هذه الأحاديث.
وأما الذي يحتاج إلى بحث ونظر فأوّله هذه القوانين الجديدة وهذه النظم: ما حكمها في الدين؟ وهل يجوز إقرارها والعمل بها، أم لا بد من اتّباع ما قرر الفقهاء في مذهب من المذاهب الأربعة؟ وما أجيب به الآن هو رأيي الذي أراه، وهو يحتمل الخطأ والصواب، فمن تبين له خطؤه فليصحّحه لي.
إذا فتحتم كتاب «بلوغ المرام» أو «منتقى الأخبار»، أو أي كتاب من الكتب التي تسرد أحاديث الأحكام، وجدتم أن الأحاديث الواردة في العبادات كثيرة جداً والأحاديث الواردة في المعاملات المدنية قليلة.
وهذا من مزايا الإسلام، ليكون ديناً مرناً يصلح لكل زمان ومكان؛ فالعبادات لا تحتاج إلى تبديل، بل لا يجوز فيها التبديل، ولا مجال فيها للاجتهاد إلا في فهم النص الذي جاءت دلالته غيرَ قطعية تسهيلاً على الناس. أما المعاملات فمن شأنها أنها تتبدل بتبدل الأزمان والبلدان، وتتبدل بتبدل أوضاع الناس وأعرافهم، فوضَعَ لها الشرع قواعد عامة وترك للمجتهدين استنباط التفاصيل.
فقد حدد الشرع -مثلاً- كيف ينعقد العقد وكيف يكون صحيحاً لا فاسداً، وضمن حرية المتعاقدين بنفي الإكراه، كما أنه نفى التغرير والغبن، ومنع أنواعاً معينة من العقود لأنها
стр. 204
عقود مضرّتها أكثر من نفعها، ولم يعتبرها ولو تراضى عليها المتعاقدان، وترك ما عدا ذلك إلى رأي المسلمين، فما رأوه في عصر من العصور حسناً ولم يخالفوا فيه نصاً شرعياً من آية أو حديث كان عند الله حسناً.
فالقوانين والأنظمة الجديدة إن كان فيها تحليل حرام (كما يحلل القانون المدني في أكثر البلاد الإسلامية الربا) فهذا مردود لا نقبله، ولو أجمع عليه المجلس النيابي، ولو اتفقت عليه الأمة كلها، بل نرده ولو أطبقت على القول به أمم الأرض، لأنه ليس لبشر أن يُحِلّ ما حرّم الله، وليس لبشر أن يُسقط عن المكلَّفين ما أوجبه الله عليهم.
هذا في الحرام المتفَق على حرمته والواجب المتفَق على وجوبه، أما ما دون ذلك من الأمور التي أوجبها مذهب من مذاهب المسلمين الأربعة وقال آخر إنها مندوبة لا واجبة، والتي حرمها مذهب وقال غيره إنها مكروهة لا محرَّمة، فهذه أمرها أسهل.
وما جاء في هذه الأنظمة الجديدة من أحكام لم يتعرض إليها الدين بل تركها للمسلمين، كنظام المرور، ونظام الموظفين، ونظام أصول المحاكمات الذي يبيّن طرق المرافعة المؤدّية إلى العدل الذي أمر الله به، فهذه الأنظمة (وهي في حقيقتها قوانين وإن كانت تسمَّى هنا أنظمة) فإننا نقبلها ولا نعترض عليها.
وكذلك القول في قانون العقوبات. إن الشرع حدد عقوبات معيَّنة لبعض الجرائم، كعقوبة القتل والزنا والقذف والسرقة وشرب
стр. 205
الخمر والإفساد في الأرض، فلا يجوز تبديلها ولا التصرف فيها، ومن بدّل عقوبة السارق فجعلها السجن مثلاً محل القطع، إن استحلّ هذا التبديل أو اعتقد أن الذي ذهب إليه أفضل وأعدل يكون قد كفر! أما الجرائم والمخالفات التي لم ينص الشارع عليها فإن عقوبتها متروكة لرأي الحاكم المسلم، فما قرّره -بعد استشارة أولي الرأي والعلم وأصحاب الحل والعقد- يكون قانوناً مقبولاً.
وقد يستفظع الناس عقوبة الرجم مثلاً أو عقوبة القطع. والجواب أن عقوبة الرجم لا تكون إلا بإقرار المذنب، لأن الشرع وضع لإثباتها شروطاً يكاد يكون تحقيقها متعذِّراً أو بعيد الوقوع. وكيف يرى أربعة شهود في وقت واحد ما أوجب عليهم الشارع أن يشهدوا به، ولو كان الفاعلان يفعلان ذلك الأمر أمامهم ما رأوا ذلك لأن أعضاء الإنسان يحجب بعضها بعضاً؟ والعفو، فقد اضطررت إلى هذا التعبير المعقد لئلا أصرّح في الإذاعة بما لا يحسن التصريح به فيها. ومن أقر بالزنا كان له الحق بأن يرجع عن إقراره، ولو كان الإقرار أمام القاضي؛ كل ذلك لأن الحدود تُدرَأ بالشبهات.
وعقوبة السارق لا تكون في كل سرقة، بل في السرقة التي يأخذ فيها الشيء من حِرْز مثله بنيّة امتلاكه، ولا يكون هذا الشيء تافهاً حقيراً بل شيئاً ثميناً له قيمة. فلو وضع تاجرٌ عشرين ألف ريال على مكتبه وترك الباب مفتوحاً وذهب ليصلي وجاء من سرقها فإنه لا يُقطَع، لأنه لم يسرقها من حرز مثلها، ومثل هذا المبلغ لا يوضع عادة على المكتب بل في صندوق الحديد. ومن أخذه من صندوق الحديد وأعطاه لآخر، قالوا إنه لا قَطْع عليه
стр. 206
لأنه لم يأخذه لنفسه، والحدود تدرأ بالشبهات. ومن سرق ريالاً أو بطيخة لا يُقطَع لأن الذي سرقه تافه قليل الثمن.
ومن باب درء الحدود بالشبهات ما فعله عمر من ترك القطع عام الرّمادة، لأن الأمر بلغ بكثير من الناس في تلك السنة إلى حال الاضطرار وجواز أكل الميتة.
ومن الناس من يقول إن قطع اليد عقوبة وحشية لا تليق بهذا العصر. وجوابنا: أولاً: أن هذا حكم الله، فإن رأيتموه وحشياً أو غير وحشي، وإن أعجبكم أو لم يعجبكم، فإننا لا نستطيع أن نتركه ولا أن نلغيه. وهل تريدون أن نصدر مرسوماً نقرر فيه إلغاء آية القطع من القرآن ومحوها من الطبعات الجديدة من المصاحف ومنع تلاوتها؟!
ونقول ثانياً: هل رقبة الإنسان أعزّ عليه أم يده؟ فلماذا تسمحون أن نقطع رقبته عقوبة له على بعض الجرائم، وتستنكرون أن نقطع يده عقوبة على بعضها؟
ونقول ثالثاً: إننا لا نحتاج إلا لقطع يد أو يدين كل عشر سنين، ثم يعمّ الأمن وتبطل السرقات. وهذا ما رأيناه بأعيننا في هذه المملكة أيام الملك عبد العزيز ﵀، لمّا جئناها من نحو ثلاثين سنة؛ كنت تترك مالك في الصحراء على الطريق العام، وتغيب عنه شهراً ثم تعود إليه فتجده على حاله ما مسّته يد. لقد كتبت يومئذ أقول إن الصحراء صارت على عهد عبد العزيز آمَنَ من ميدان النجم في باريس، وكانت كلمة حق.
* * *
стр. 207
بقي شيء واحد أحب أن أقوله قبل أن أختم هذا الحديث: إنه لا يكفي في القانون المدني أن تكون أحكامه موافقة للشرع، بل أن يكون مستنبَطاً من الفقه الإسلامي.
والفقه الإسلامي -في الواقع- غنيٌّ غِنىً لا يحتاج معه إلى الأخذ من غيره. إنه أكثر كتباً وبحوثاً وأعمق نظريات، وأصحُّ قواعدَ وأكثرُ تفريعات من القانون الفرنسي. وهذا شيء مشاهَد يعرفه القضاة الذين يرجعون إلى كتبنا وإلى الكتب الفرنسية. والعثمانيون وضعوا «المَجَلّة» فكانت قانوناً مدنياً ممتازاً، وبقينا نحكم بها في الشام إلى أيام حسني الزعيم، ولا تزال الأردن تحكم بها. مع أنها وُضعت في القرن الماضي واقتُصر فيها على مذهب واحد، فكيف لو وضعنا مثلها الآن ولم نتقيد فيها بمذهب واحد ولا بالمذاهب الأربعة، بل بالدليل الشرعي، فإن اتفقت المذاهب الأربعة على حكم من الأحكام الاجتهادية ولم يَرِد في هذا الحكم دليل مُلزِم من كتاب أو سنّة، ورأينا العدل في غير ما قالوا به فلا مانع من أن نخالفهم.
تقولون: ما دام الحكم لا يخالف الدين، فما الفرق بين أن نأخذه من الفقه الإسلامي أو من الحقوق الفرنسية؟
الفرق أنها لما كانت عندنا «المجلة»، مجلة الأحكام العدلية، وكانت هي قانوننا المدني، كنا نرجع فيما لا نصّ عليه فيها إلى كتب الفقه: إلى الحاشية والتنقيح والفتاوى الهندية وأمثالها، فلما جاءنا حسني الزعيم -عليه من الله ما يستحق- بالقانون المدني الفرنسي صار مرجعنا دالّوز وجاستون وشُرّاح فرنسا ... هؤلاء صاروا هم أئمتنا!
стр. 208
والخلاصة أيها السادة: إن هذه الأنظمة وهذه القوانين، ما كان منها متعلقاً بأمر لم ينصّ عليه الشرع (كنظام المرور ونظام الموظفين) فهو مقبول، وما كان منها مخالفاً للشرع، يُحِلّ حراماً أو يُسقط فرضاً، فمردود. وإن علينا أن نقتبس هذه القوانين من شرعنا، من أدلّة الشرع لا من مذهب معين، لا نأخذها من قانون أجنبي فنضطر إلى الرجوع إلى كتب أهله.
هذا، واعلموا أن القانون المدني الفرنسي (الذي هو أصل القوانين المدنية الحديثة) وضعته لجنة بأمر نابليون بعد عودته من مصر. وقد ثبت الآن -من محاضر جلسات اللجنة وأوراقها- أنهم اعتمدوا فيه على كتب في فقه الإمام مالك. فإذا كانوا هم أخذوه منا، أفنرجع فنقبسه منهم؟
أيكون عندنا كنز من الذهب، ثم نمدّ أيدينا لنشحد قرشاً؟!
* * *
стр. 209
إلى علماء الشيعة
نشرت سنة ١٩٤٧
كان أهل القسطنطينية يتجادلون في مسائل تافهة لا تقدّم ولا تؤخر والعدوُّ على الأبواب، فضُرب بهم المثل حتى قيل لكل جدال سخيف في وقت عصيب: «جدال بيزنطي».
ونحن المسلمين اليوم يحيط بنا الأعداء من كل جانب وتنصَبّ علينا المصائب من كل مكان، ثم نختلف في أبي بكر وعليّ: أيهما كان أحق بالخلافة بعد رسول الله ﷺ ؟ وفي نتائج بنيناها على هذه المقدمة وفروع فرّعناها عن هذا الأصل، أطلنا الكلام فيها والجدال عليها، حتى لم يبقَ فيها شيء يُقال إلا قلناه ولا حجّة إلا احتججنا بها، وحتى صارت من الحديث المعاد والقول المملول، وصرنا -معشرَ أهل السُّنّة- نتمنى أن تُطوى صحيفتها ويُنسَخ حديثها ويُتناسَى حتى يُنسَى، لذلك رحبنا في مصر بالعالم الإيراني محمد تقي قُمّي، ومكنّاه من افتتاح «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية»، وسررنا حقيقة بتقرب إخواننا الشيعة منا ورجوعهم إلينا بعد إعراضهم عنا.
وجمهور أهل السنة لا يعلمون عن الشيعة إلا أنهم حزب سياسي أُلِّف في وقت من الأوقات لتأييد أحد المرشّحَين
стр. 210
للخلافة، اعتقاداً منهم بفضله وإيماناً بصلاحه، ويرون هذا شيئاً طبيعياً ومفهوماً لا يخلو من مثله بلد فيه انتخابات عامة، والحكومة فيه برأي الأمة لا بنصّ سماوي ولا بحق إلهي، فمن انتخبته الأمة ورضيت به فهو الحاكم الشرعي.
أما الشيء الذي لا يرونه طبيعياً ولا مفهوماً فهو أن يبقى في أميركا -مثلاً- حزب لا يزال يسبّ لنكولن ويعادي الأمة الأميركية كلها لأنها انتخبته وقدّمته على خصمه الذي يراه هذا الحزب أصلح منه، ويستمر على ذلك إلى الآن وقد مات لنكولن ومات خصمه، وولي بعده رؤساء كثيرون وماتوا! أو أن يبقى في المسلمين حزب يعادي الكثرة الكاثرة من سلف هذه الأمة وخلفها، وينتقص جمهرة الأحياء والأموات منها، لأن الخليفة الذي بايعته هذه الأمة بالخلافة سنة خمس وثلاثين للهجرة كان من حقه أن يبايَع بها سنة عشر، ويرى أن تأخير بيعته خمساً وعشرين سنة وتقديم ثلاثة رجال عليه أمر يستحق أن نتنازع نحن الآن عليه، بعد ألف وثلاثمئة وخمسين سنة، وبعدما تبدلت الأرض وتغيّر وجه الدنيا ... مع أن هذا الخليفة نفسه قَبِلَ بتقديم الثلاثة عليه، وبايعهم بالخلافة بيده، وأعطاهم طاعته وأولاهم مودّته!
إن الأحزاب تتنازع وتختلف، وقد يَسُبّ بعضها بعضاً ويبغي بعضها على بعض، ويسلك كل منها إلى تقوية مرشَّحه أوعر الطرق، فيمدحه بالباطل ويفتري على خصمه ويصفه بكل ما يشين، ولكن تنقضي المعركة الانتخابية فيعود السلام، ويرجع الجميع إخواناً متصافّين يجمعهم العمل للوطن والسعي لإعلاء شأنه.
стр. 211
فما بالنا نشتغل اليوم بمسألة انتهت من ... ثلاثة عشر قرناً؟ شيء عجيب جداً!
* * *
على أن أهل السنة لا يطيلون النزاع في أفضلية أبي بكر أو عليّ ولا يرون لذلك خطراً في الدين، لأنه إن كان الفضل عند الله فالله أعلم به، وهو لا يُسأَل عمّا يفعل، ونحن لا دخل لنا في القضية. وإن كان في الإدارة والسياسة فقد ولّى الرجلان، والحكم الآن للتاريخ وأهله.
ولا طريق للاتفاق بيننا وبين الشيعة إلا بأمور:
١ - بأن ندع الكلام في تفضيل بعض الصحابة على بعض، لأن ذلك ليس من أركان الإيمان ولا من أسس الدين، وليس له في حياتنا نتيجة عملية.
٢ - وأن نُجِلّ الصحابة جميعاً ونُكْبرهم كلهم ولا نخوض فيما كان بينهم من حروب، فتلك دماء طهّر الله سيوفَنا منها -كما قال الإمام مالك- فلنطهّر ألسنتَنا عن الخوض فيها.
٣ - وأن نرجع جميعاً إلى أصول الدين: إلى الكتاب معتمدين في تفسيره على المأثور (كالذي نقله الطبري في تفسيره) أولاً، ثم على المعقول الموافق للعربية ولأسباب النزول. وإلى السنّة الصحيحة وما بُني عليها من فقه وفُرِّع من فروع، وأن نترك كتب الخلاف التي تؤرث الأحقاد وتثير السخائم.
* * *
стр. 212
هذا هو الطريق الذي نراه، وأن يتعاون الشيعة والسنة على منع كل ما يصدع الشمل ويفرق الجمع ويلقي الخُلْف بين جماعة المسلمين، كهذا الكتاب الذي كتبت هذه الكلمة تعليقاً عليه.
وهو كتاب أُهدي إلى «الرسالة» للاطلاع والنقد، اسمه «تحت راية الحق في الرد على الجزء الأول من فجر الإسلام»، مكتوب على غلافه: لمؤلفه البحاثة المحقق الشيخ عبد الله السبيتي. مطبوع في طهران طبعاً سقيماً، أسلوبه ضعيف كثير الأغلاط، له مقدمة بقلم صاحب السماحة العلامة الكبير حجة الإسلام الشيخ مرتضى آل ياسين الكاظمي. ولست أريد تتبع كل ما فيه، ولكني أمثّل عليه بهذا الذي أنقله منه بحروفه، ولم أتعمد اختيار أشده، وإنما أخذت ما وقع تحت نظري منه:
قال في صفحة (١٥): إن تاريخ سقيفة بني ساعدة يملي علينا درساً كاملاً يوضّح لنا به نفسية المهاجرين والأنصار، وأنها لم تَصفُ نفوسهم إلى حد وصل الدين (كذا) إلى أعماق قلوبهم. والصحاح تحدّثنا عن قول عمر «إن النبي يهجر»، ذلك حينما قال النبي ﷺ : إيتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً. فكل ذلك يشرف بالباحث على القطع بأن الدين لم يصل إلى أعماق قلوبهم ولم يفهموا الإسلام كما يريد الإسلام.
وقال في صفحة (١٥٤): وحسبه أن يرى كعب الأحبار اليهودي الدسّاس إلى جانب عثمان، وهو مستشاره. وقال (٥٠): معاوية رأس النفاق، معاوية المستهتر. وقال (٨٥): معاوية رأس القاسطين. وقال (٧٩): ورُبّ رجال أقعدهم بغض أمير المؤمنين
стр. 213
عن القيام بواجب الشهادة فأصابتهم دعوته، كأنس بن مالك. وقال (٩٨): أبو هريرة يحدّث بالترهات ويختلق الخرافات. وقال (١٣٠): حديث المنافقين كابن هند (أي معاوية) وابن النابغة (أي عمرو بن العاص) وابن الحكم وابن شعبة وأمثالهم، ولا بحديث الكذّابين الدجالين المخرفين كأبي هريرة. وقال (٤٠): الشيخان (أي البخاري ومسلم) عُنيا بأمور لا وزن لها ولا قيمة، ولسنا نعلم لو كان النجاح في هذه الحرب (الخندق) لغير علي، أكان يهمله الشيخان؟ فاتضح لك أن تلك الأقلام (الكلام كله على البخاري ومسلم) التي تسوّد تلك الصفحات كانت تمشي وراء الميول والأهواء والتبصيص حول التيجان. وقال (٩٣): على أن مسلماً في صحيحه زاد في اختصارها (خطبة للنبي ﷺ جرياً على مقتضيات السياسة التي تخرس الناطق وتصم السميع، فحذف شطرها المختص بعلي ﵇ كما لا يخفى، وهو مما يدلك على أن السياسة لا دين لها وأنها تعمي البصر والبصيرة. وقال (٩٦): كرّر البخاري هذه السخافة في مواضع عديدة من كتابه ... وقد أخرج البخاري من الغرائب والعجائب والمناكير ما يليق بعقول مخرّفي البربر وعجائز السودان. وقال (١٠٠): تراه (أي البخاري) يخرّج من الأحاديث الموضوعة ما تقرّب الواضعُ به إلى الظالمين الغاشمين تصحيحاً لما كانوا يرتكبونه من القتل والمثلة وسائر الأعمال البربرية. وقال (١٤٦): إن الشيعة لا تعوّل على تلك الأسانيد (أي أسانيد أهل السنة) بل لا تعتبرها ولا تعرج في مقام الاستدلال عليها، فلا تبالي بها وافقت مذهبها أو خالفته. وقال فيها: إن لدى الشيعة أحاديث أخرجوها من طرقهم المعتبَرة عندهم ودوّنوها في كتب لهم مخصوصة، وهي كافية وافية لفروع
стр. 214
الدين وأصوله عليها مدار علمهم وعملهم، وهي لا سواها الحجة عندهم. فما أغناهم بها عن حديث غيرهم، صحّ حديث الغير أم لم يصح. وقال (١٦٢): والتجسيم معروف عن الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه، ولقد رأينا من قبل أن ابن تيمية وابن القيم رأيهما ذلك أيضاً. وقال (١٦٣): والتجسيم رأي محمد بن عبد الوهاب وعليه اليوم الوهابية جميعاً، لا يتحاشون في ذلك، وقد نقله الشهرستاني عن أحمد بن حنبل وداود بن علي الأصفهاني (أي الظاهري) ومالك بن أنس ومقاتل بن سليمان وجماعة من أئمة أهل السنة. وقال (٦٤): ومتى كانت الشيعة تعتبر تفسير الطبري وتعتمد عليه؟ وقال (٨٦): ومتى كان ابن خلدون وغيره من علماء السنة، اللهم إلا القليل، لا يحمل حقداً ولا يتحامل عندما يقف مؤرخاً للشيعة، ومتى كان المؤرخ منهم لا يرتكب زوراً وبهتاناً عند سنوح كل فرصة؟ وقال فيها: الاعتماد على ابن خلدون وأمثاله مثل من يريد أن يبحث عن الشريعة الإسلامية وصحة نبوّة النبي فيعتمد على كتب النصارى قبل سبعة قرون ... إلخ.
* * *
ومؤلف الكتاب، البحاثة المحقق، لا يسوق هذا على أنه رأي له، بل على أنه معتقَد الشيعة وأنه المعتمَد عندهم. وأنا أصدّقه في ذلك ما لم أرَ علماء الشيعة يكذّبونه فيه وينكرونه عليه، وأقول: إذا كان إخواننا الشيعة يعتقدون أن المهاجرين والأنصار لم تَصْفُ نفوسهم لفهم الدين ولم يصل إلى أعماق قلوبهم، ونحن نراهم أئمة الهدى ووَرَثة الرسول، وإذا كانوا يسبّون أكثر الصحابة ونحن نجدهم خلاصة الإنسانية ولباب البشر، وإذا كانوا لا يقبلون
стр. 215
أسنادنا ولا يحتجون بحديثنا، ونحن نبني على هذه الأَسناد ديننا ونقيم على هذه الأحاديث شرعنا، وإذا كانوا يرون الصحيحين مملوءين بالموضوعات والسخافات لا يليقان إلا بمخرّفي البربر وعجائز السودان، ونحن نراهما أصحّ الكتب عندنا بعد كتاب ربنا، ولا يعتبرون تفسير الطبري وهو عمدة تفاسيرنا، وإذا كانوا يطعنون على أئمتنا ويَصِمونهم بالتجسيم وفساد المعتقد، وإذا كان المؤلف قد صرّح في الصفحات (١٥) و (٦٤) و (١٣٢) بأنه لم يقل كل ما عنده ولم يجهر بكل ما يعتقده "لئلا يقوده البحث إلى نتائج غير صالحة قد لا تلتئم مع العصر الذي يُطلب فيه الوفاق"، وإذا كان عنده، أي عند الشيعة، أكثر من هذا الذي قاله، فكيف يا علماء الشيعة، وكيف يا أعضاء دار التقريب، وكيف يا محمد تقي قمّي، يكون الوفاق ويتم التقارب؟!
أوَليس من التناقض أن يأتي من إيران محمد تقي قُمّي ليعمل على التقريب بين المذاهب، فينزل في أفخم فندق في القاهرة ويفتح داراً ينفق عليها وعلى موظفيها وزوّارها أضخم النفقات، في الوقت الذي يُطبع فيه في طهران هذا الكتاب؟ وهل وجدتم في مصر أو الشام أو العراق كتاباً لسنّي يسب فيه أهل البيت الأطهار أو يتعرض فيه لسيدنا عليّ وذريته الطيبة؟ فلماذا إذن افتتحتم دار التقريب في مصر التي تحب عترة النبي ﷺ وتتبرك بقبور الحسين وزينب ونفيسة (١)، ولم تفتحوها في طهران، حيث طبع هذا الكتاب الذي لم يترك مؤلفه أحداً من سلف هذه الأمة وخلفها حتى أصابه برشاش من أدبه السامي؟