بشيء، لأن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له.
ولو خالعها على عبد فبان حراً رجع بقيمته، وكذلك إذا خالعها على عصير فبان خمراً.
ولو خالعها على ما في بطن هذه الجارية، أو على ما في الصندوق فلم يكن فيه شيء لم يستحق عليها شيئاً.
ولو خالعته على ما في يدها من الدراهم فلم يك في ﴿١٤٣/ ب﴾ يدها شيء كان له ثلاثة دراهم.
وإن خالعها على غير عوض كان خلعاً ولا شيء له.
وإذا خالعته في مرض موتها على أكثر من ميراثه منها لم يستحق إلا قدر ميراثه لأجل التهمة.
стр. 247
كتاب الطلاق
قال الله سبحانه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (١) وذكر الثالثة في قوله ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١). وقال قوم ذكرها في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢).
ولا تنعقد صفة الطلاق في غير ملك لا في عموم النساء، ولا خصوصهن، فإذا قال: إذا تزوجت امرأة فهي طالق. أو إن تزوجت فلانة فهي طالق. ثم تزوجها لم يقع الطلاق.
وإذا قال العبد لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت طالق ثلاثاً، فعتق ودخلت الدار بعد عتقه وقع بها الثلاث.
فصل
والطلاق على أربعة أضرب: واجب، وهو طلاق المُولي بعد التربص ﴿١٤٤/أ﴾ إذا لم توجد منه الفيئة.
وطلاق الحكمين إذا خيف الشقاق بين الزوجين.
ومحظور، وهو طلاق البدعة، والطلاق في حال الحيض، والطهر الذي جامعها فيه.
ومكروه، وهو الطلاق والحال ساكنة.
والمندوب إذا كانت الحالة فاسدة.
стр. 248
فصل
والمطلقات على ثلاثة أضرب: من تباح من غير عقد، وهي الرجعية يحصل استدراكها بنفس قوله: ارتجعتها. والوطء رجعة في أصح الروايتين (١).
ويستحب أن يقول بحضرة شاهدين: ارتجعت زوجتي.
والثانية: مطلقة تقف إباحتها على عقد جديد، ومهر جديد، وولي، وشاهدين، كالعقد الأول، وهي البائن بدون الثلاث بخلع، أو طلاق بعوض، أو طلاق قبل الدخول، والمنقضية العدة من الطلقة الواحدة، والطلقتين، والمفسوخة ﴿١٤٤/ب﴾ بعيب أو غيره.
والثالثة: مطلقة لا تباح إلا بعقد جديد بعد زواج وإصابة، وهي البائن بالثلاث.
وللمطلقات حالتان: من لا بدعة لطلاقهن، بل يقع طلاقهن مباحاً: الحامل، والآيسة، والصغيرة، ، وغير المدخول بها، لأن اعتدادهن بالشهور، والحمل، وذلك مما لا يزيد ولا ينقص.
ومن في حقهن سنة وبدعة، وهي الحيض الحوائل، وطلاق السنة يطلقهن في طهر لم يجامعهن فيه.
وطلاق البدعة في حال الحيض، أو الطهر المجامع فيه، فيطول عليهن العدة لعدم الاحتساب بالحيضة التي وقع الطلاق فيها.
فصل
وألفاظ الطلاق على ضربين: صريح، وكناية، فالكناية على ضربين ظاهرة، وخفية.
стр. 249
فالصريح ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والسراح، والفراق. فهذه يقع الطلاق ﴿١٤٥/أ﴾ بها من غير نية، ولا دلالة حال، ولا قرينة أصلاً، ولو اقترنت بها نية عدده لم يقع سوى واحدة.
فصل
والكناية الظاهرة منها ما هو منصوص عليها، وهي تسعة ألفاظ: خلية، وبرية، وباين، وبتة، وبتله، وحبلك على غاربك، والحقي بأهلك، وأنت حرة، وأنت طالق لا رجعة لي عليك. فهذه تسعة ألفاظ منصوص عليها أنها كنايات ظاهرة، وعلى قياسها لا سبيل لي عليك، ولا سلطان لي عليك، وأنت الحرج. فهذا اثنتا عشرة لفظة، وحكمها أنها متى اقترنت بها نية الطلاق، أو كانت جواباً على سؤالها الطلاق كان ثلاثاً كملا، وإن لم ينو، ولا كان هناك جواب سؤال، ولا دلالة حال لم يقع به شيء.
وأما الخفية فأكثر من أن تحصى، من ذلك قوله: اذهبي، ﴿١٤٥/ب﴾ وتجرعي، وذوقي، وأنت مخلاة، وذكر إن أمرك بيدك، واختاري كناية خفية إلا أن حكمها يختلف من جهتين، أحدهما: أن المرأة لا تملك أن تطلق نفسها إلا واحدة إذا نوى الزوج طلقة، وتملك في لفظ الأمر أن تطلق نفسها ثلاثاً سواء نوى زوجها الثلاث أو لم ينوها.
والثاني: أن الخيار يقتضي الفور، ولفظة الأمر على التراخي، فلفظة الخيار يقف اختيار الزوجة فيها على المجلس، وأما لفظة الأمر فلها الخيار ما لم تمكنه من نفسها، أو يعود الزوج في ذلك.
وجميع الكنايات الخفية يقع بها من الطلاق ما نواه سواء نوى واحدة أو أكثر.
стр. 250
وأما المختلف فيها فهي خمسة: اعتدى، واستبرئي رحمك، وتزوجي، وحللت للأزواج، وانكحي من شئت. فهذا على روايتين، إحداهما: أنها ﴿١٤٦/أ﴾ من الكنايات الظاهرة (١).
والثانية: أنها من الكنايات الخفية.
فصل
وإذا علق طلاقها على عضو من أعضائها الثابتة، كاليد، والرجل، وغير ذلك مما يغني عن الجملة به إذ يعريه عن الجملة، فالذي يعريه عن الجملة، كالرأس، والرقبة، والفرج، والظهر، أو لا يعريه كالأصبع، والأذن.
فأما ما يزايلها حال السلامة، كالسن، والظفر، والشعر فلا تطلق إذا علق الطلاق عليه.
وأما الروح فقد توقف أحمد ﵁ فيها، والأشبه وقوع الطلاق إذا أضيف إليها، لأن الجملة لا تبقى بعد مزايلتها من الأعضاء.
وإذا بعض الطلاق، فقال: أنت طالق نصف طلقة. أو ثلثها، أو بعض المرأة فقال: تلك طالق. وقع الطلاق الكامل، وهي طلقة واحدة، وسرى إلى جميع الزوجة، لأنه لا يتبعض في الوقوع، ولا في المحل.
وإذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا طلقتين. وقعت الثلاث، لأنه ﴿١٤٦/ب﴾ استثنى الأكثر فلم يصح الاستثناء.
وإذا قال: أنت طالق إن شاء الله. وقع الطلاق، ولم ينفعه الاستثناء،
стр. 251
لأن الله سبحانه لو لم يشأ الطلاق لم يستنطقه به، فلما استنطقه بصريح الطلاق دل على أنه قد شاء وأراد الطلاق.
وإذا تلفظ بالطلاق مكرهاً لم يقع الطلاق سواء كان بضرب، أو توعد من قادر بضرب، أو أخذ مال، أو قتل، أو ما شاكل ذلك.
وإذا أشار بالطلاق إلى أجنبية يظنها زوجته وقع الطلاق على زوجته.
ولا ينعقد طلاق المجنون، ولا الطفل، وينعقد طلاق المراهق الذي يعقل الطلاق في أصح الروايتين (١)، وكذلك طلاق السكران، وفيه ثلاث روايات، أحدها: يقع (٢). والثانية: لا يقع. والثالثة: توقف.
وإذا قال لها: إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم. أو قال لها: أنت طالق اليوم إذا جاء غد لم يقع الطلاق، لأنه علق الطلاق بزمان مستقبل، وجعل ﴿١٤٧/أ﴾ شرطه وقوعه في الزمان الماضي، فبخروج اليوم فات محل الوقوع، فهو كما لو قال: أنت طالق إذا قدم زيد وعمرو حي. فإنه إذا قدم زيد لم يقع الطلاق لفوات الشرط الذي هو حياة عمرو.
وإذا قال: أنت طالق مثل الرمل، أو المطر، أو الحصى. وكل ما يتعدد فإنه يقع الثلاث.
وإذا قال لامرأته: متى وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً. ثم طلقها وقع ما باشرها به دون ما شرطه، لأنه علقه بزمان ماض، فأشبه ما ذكرناه في المسألتين الأولتين؛ وكما لو قال: إن قدم زيد اليوم فأنت طالق أمس.
стр. 252
وإذا قال لها: أنت طالق طلقة في طلقة، أو طلقتين في طلقتين. نظرت فإن كان من أهل الحساب وقع بموجب الحساب، وإن كان عاماً وقع بعدد ما ذكر جمعاً لا ضرباً بأن زاد على الثلاث وقع منه ما يملك.
وإذا قال لمدخول ﴿١٤٧/ب﴾ بها: أنت طالق، فطالق، فطالق، أو طالق، ثم طالق، ثم طالق. وقع الثلاث. وإن كانت غير مدخول بها وقعت واحدة إذ لا عدة لها فتقبل الطلاق.
ولو قال: أنت طالق، وطالق، وطالق. وقع ثلاثاً، لأن الواو للجمع من غير مهلة ولا تراخ.
وإذا قال: أنت طالق. أنت طالق. أنت طالق. وأراد الاستئناف وقع الثلاث، وإن أراد الإفهام والإثبات وقعت واحدة.
стр. 253
كتاب الرجعة
قال الله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (١) الآية.
وإذا طلق الرجل زوجته بعد الدخول طلقة، أو طلقتين بغير عوض فله رجعتها ما دامت في عدتها.
وللعبد بعد الواحدة ما للحر قبل الثلاث.
وإذا كانت العدة بالحمل فله رجعتها ما لم تضع حملها جميعه، فلو كان معها توأمان فولدت واحداً لم ﴿١٤٨/أ﴾ تنقض عدتها حتى تضع الآخر فله رجعتها بعد وضع الأول وقبل وضع الثاني.
وعن أحمد ﵁ ما يدل على أن له الرجعة ما لم تغتسل، لأنه نص في الحيض على أن له رجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، كذلك يجب أن يكون في النفاس مثله، لأن الحدث حكم كل واحد منهما يمنع ما يمنعه.
ولا تفتقر الرجعة إلى الإشهاد في أصح الروايتين (٢)، لأن الرجعية مباحة عندنا، ويحصل ارتجاعها بالوطء سواء نوى به الرجعة أو لم ينوها.
وإذا أراد الارتجاع، فقالت: قد انقضت عدتي. فالقول قولها إذا ادعت ذلك في ممكن من الزمان يجوز أن تحيض في مثله ثلاث حيض، وذلك ينبني على الاختلاف في أقل الحيض وأكثره، وأقل الطهر بين الحيضتين، فإذا
стр. 254
قلنا: أقله يوماً وليلة، وأقل الطهر ثلاثة عشر. صدقت في دعواها إذا مضى لها من الطلاق تسعة ﴿١٤٨/ب﴾ وعشرون يوماً ولحظة، وبيان ذلك أن تحيض يوماً وليلة وتطهر ثلاثة عشر يوماً، ثم تحيض يوماً وليلة، ثم تطهر ثلاثة عشر، ثم تحيض يوماً وليلة ثم تطهر لحظة، فذلك تسعة وعشرون يوماً ولحظة للطهر.
وإذا ارتجعها في العدة ولم يعلمها، فتزوجت من أصابها بعد انقضاء عدتها ففيه روايتان، إحداهما: يبطل نكاحها الثاني الرجعة للأول (١). وهي أصح، لأنه بالرجعة استدرك الملك، وسرايته إلى البينونة، وإعلامها ليس بشرط، فكان نكاحها الثاني باطلاً، كما لو لم يدخل بها، فإن الرواية لا تختلف هاهنا.
والثانية: النكاح للثاني.
وكل بائن لا يملك زوجها الرجعة، وهي ستة: المطلقة بعوض، والمخالع منها، والمنقضية العدة، والمستوفى عدد طلاقها، والمفسوخ نكاحها بعيب، والمطلقة قبل الدخول.
وإذا طلقها ﴿١٤٩/أ﴾ طلاقاً رجعياً، ثم تزوجت من أصابها أو لم يصبها، ثم عادت إلى الأول كانت على ما بقى ولم يهدم الزواج الثاني طلاق الأول، لأنه وطء لا يعتبر في الإباحة للزوج الأول فأشبه وطء السيد بملك اليمين، وفارق الثلاث أنها تنهدم بإصابة الثاني، لأنها معتبرة في الإباحة، وكل وطء محرم لا يبيح الزوج الأول كوطء المحرمة، والحائض، وفي الموضع المكروه، ولا تحصل الإباحة إلا بالوطء في نكاح صحيح، ويبيح وطء الصبي الذي يصل، ولا يعتبر الإنزال، وكذلك وطء الخصي، ولا يبيح نكاح المحلل، لأنه
стр. 255
عندنا فاسد، ولا وطء من أضمر في نفسه الإباحة.
وإذا أخبرت المطلقة ثلاثاً بانقضاء عدتها لمكن، وأنها تزوجت من أصابها من غير شرط تحليل، ولا اضمار ذلك ﴿١٤٩/ب﴾ وطلقها طائعاً، واعتدت منه، فإن كانت تعرف بالصدق ويسكن إلى قولها جاز له نكاحها، وإن لم تكن ممن يسكن إليها لم يقبل قولها في العقد إلا بشهادة رجلين، ولا في انقضاء العدة إلا بشهادة امرأة عدله.
стр. 256
كتاب الإيلاء
قال الله سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ (١).
ولا يحصل الإيلاء إلا بشرائط أحدها: أن يكون قسم بالله سبحانه، أو بصفة من صفات ذاته.
وأن تكون اليمين على منع نفسه من وطئها مدة تزيد على أربعة أشهر.
الثالث: أن يكون في نكاح صحيح، بخلاف الطلاق يصح في الفاسد، لأنه رفع له.
وحكم الإيلاء ضرب المدة لاستدعاء الوطء، وهذا ﴿١٥٠/أ﴾ لا يتصور في الفاسد، لأن الوطء فيه محظور فلا يستدعى بالشرع وطء محظور.
ومن قصد إضرار زوجته بترك وطئها أكثر من أربعة أشهر ضربت له المدة لوجود معنى الإيلاء من قصد الإضرار، كما يوجب كفارة الظهار على المرأة إذا قالت لزوجها: أنت علي كظهر أمي. فلا تكون مظاهرة لكن لما وجد منها لفظ المنكر والزور أوجبنا كفارة للظهار.
فصل
ويشتمل الإيلاء على ألفاظ صريحة في الحكم، وفيما بينه وبين الله، وهي ثلاثة ألفاظ: والله لا أتيتك. والله لا أدخل ذكري في فرجك. وهذه تشترك فيها البكر والثيب، وتفرد البكر بزيادة: والله لا افتضضتك. والله لا أبتني
стр. 257
بك. فهذه الألفاظ لا يدن فيما بينه وبين الله سبحانه وذلك ستة ألفاظ: والله لا وطئتك، ولا جامعتك ﴿١٥٠/ب﴾ والله لا أصبتك. ولا باشرتك، لامستك، لا باضعتك. فهذه الألفاظ إطلاقها صريح في الحكم، فإذا قال: نويت غير الجماع. قبل فيما بينه وبين الله سبحانه ولم يقبل في الحكم.
والثالث: ما هو كناية في الحكم كناية فيما بينه وبين الله سبحانه، وذلك سبعة: والله لا جمع رأسي ورأسك مخدة، أو شيء. والله لا ساقف رأسي رأسك. لاسؤنك. لاطيلن غيبتي عنك. لايطولن تركي لجماعك. لا دخلت عليّ ولا دخلت عليك. هذا كله كناية في الحكم وفيما ببينه وبين الله سبحانه. وهذه الألفاظ منها ما يكون به موالياً بنيته الجماع، وهو قوله: لا ساقف رأسي رأسك، ولا دخلت علي، ولا دخلت عليك. ومنها ما يقصد به طول المدة، وهو قوله: ليطولن تركي لجماعك. فإذا نوى بالطويل أكثر من أربعة أشهر كان مولياً، فإن نوى أقل من ذلك لم يكن مولياً، ومنها ما ﴿١٥١/أ﴾ لا يكون مولياً حتى ينوي المدة والجماع، وهو قوله: لا سؤنك. لاطيلن غيبتي عنك.
ولا يكون مولياً في جميع هذه الألفاظ إلا أن يتقدم عليها حرف القسم بالله سبحانه، أو بصفة من صفاته كالعلم، والقدرة، والحياة، والإرادة، والكلام.
ومن حلف بالطلاق لم يكن مولياً، كذلك العتاق، والصدقة، والظهار.
وإذا حلف ألا يطئها في بلد بعينه، أو دار بعينها لم يكن مولياً حتى يعم المكان بلفظ العموم، أو يطلق مقتضى العموم.
وأما الزمان فلا يكون مولياً حتى يزيد على المدة المحلوف عليها على أربعة أشهر.
стр. 258
وفيئة المريض بالقول، وهو أن يقول، فئت إليها. أو يقول: متى قدرت جامعتها. فيكون فيئه لأجل العذر.
وإذا انقضت المدة وقفه الحاكم، فإن فاء فلا كلام، وإن أراد الطلاق طلق، فإن لم يطلق طلق الحاكم عليه، ولا يقع ﴿١٥١/ب﴾ الطلاق بنفس انقضائها، لأنها مدة لم يتقدمها فرقة فلم تعقبها (١) بينونة، كمدة العنة، وعكسه العدة لما تقدم الطلاق تعقبها البينونة.
فإن طلق الحاكم عليه ثلاثاً فلا رجعة، وإن طلق طلاقاً رجعياً فارتجعها وقد بقى من مدة يمينه أكثر من أربعة أشهر كان حكمه في ارتجاعها حكمه قبل الرجعة يوقفه الحاكم، لأنه قصد بالإرجاع إضرارها، فإن فاء فلا كلام، وإن لم يفئ طلق عليه ما بقى.
стр. 259
كتاب الظهار
قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية (١).
وصريح الظهار لفظتا: أنت عليّ كظهر أمي. وأنت علي حرام. ويفارق لفظ الحرام للفظة الظهار من وجه، وهو أنه لو قال في الحرام: أعني به الطلاق. فعن أحمد روايتان، إحداهما: يقع به الطلاق الثلاث.
وكذلك ﴿١٥٢/أ﴾ إن عنى به ولم يتلفظ بذلك، روى عنه ذلك أبو طالب، وحرب إذا قال: أنت عليّ حرام. عنى به الطلاق فهو ثلاث، وإن قال: أعني طلاقاً فهو واحدة. وهذه الرواية تخرج قوله بأن الرجعية محرمة.
وقال في موضع آخر: إذا قال أنت علي حرام ونوى بها الطلاق أرى عليه كفارة الظهار. فظاهر هذا الرجوع عن قوله الأول، وأنه يكون بالنية طلاقاً، وهذه الرواية رواها أبو عبد الله النيسابوري.
ولو قال: حرمتك كان بمثابة قوله: أنت عليّ حرام. وعلى قياس ذلك قوله: أنت عليّ كظهر أختي، وبنتي، وسائر المحرمات.
ولو قال: يدك، أو رجلك. أو أضاف الظهار إلى ما يقع الطلاق بإضافته إليه، وهي كل الأعضاء الثابتة كان ظهاراً.
ولا يكون مظاهراً إذا شبهها بشعر أمه، أو شبه شعرها بأمه ﴿١٥٢/ب﴾، أو ظفرها، أو سنها على ما حكينا في الطلاق.
стр. 260
وإذا قال: أنت عليّ كأمي، أو مثل أمي. ولم يذكر الظهر كان ظهاراً صريحاً في الحكم إلا أنه يدين هاهنا فيما بينه وبين الله إذا قال أردت في الزمان والمنزلة. ولا يدين إذا صرح بذكر الظهر.
وينعقد الظهار قبل النكاح، لأنه يمين فلم يقف انعقادها على الملك، كاليمين بالله تعالى، وإذا تزوجها بعد ذلك لم يطأها حتى يكفر.
ولو قال لأجنبية: أنت علي حرام. وقال: أردت به في الحال. صدق ولم يلزمه الظهار إذا تزوجها.
والفرق بينهما أن قوله محمل في الحرام غير محمل في تشبيهها بالأم، لأن الأجنبية تحرم ما لم يعقد عليها، ولا تكون كالأم، لأنه ينعقد العقد عليها بخلاف الأم.
وإذا ظاهر من زوجته الأمة فلم يكفر حتى ملكها ﴿١٥٣/أ﴾ لم يجز له وطئها حتى يكفر.
ولو تظاهر من نسائه الأربع بكلمة واحدة لم يكن عليه أكثر من كفارة واحدة.
والعود الذي علق الله سبحانه عليه وجوب الكفارة به هو العزم على الوطء دون الإمساك، وإعادة اللفظ.
ولا يجوز له الوطء للمظاهر منها في ليالي صوم الكفارة ليلاً ولا نهاراً.
وكفارة الظهار عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً لكل مسكين مد من طعام، أو نصف صاع تمراً أو شعيراً.
стр. 261
وإذا تخلل صوم الكفارة أيام حيض، أو عيد، أو مرض بنى ولم ينقطع تتابعه.
وإذا كان المظاهر عبداً لم يكفر إلا بالصوم، لأنه لا يملك.
وإذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أبي. وجبت عليها كفارة ﴿١٥٣/ب﴾ الظهار إذا عزمت على تمكينه منها، وكذلك إذا قالت له: أنت علي حرام.
ولا يكون مظاهراً للفظتين جميعاً، لأن الظهار قول تتعلق به الكفارة في حق الرجل فتعلق به في حق المرأة، كاليمين، ولأنها عقوبة تجب لقول المنكر والزور فاستوى في وجوبها المرأة والرجل، كحد القذف.
стр. 262
كتاب اللعان
قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾ (١) الآية.
وإذا قذف الرجل زوجته الحرة البالغة العاقلة، وكان عاقلاً، فقال: يا زانية. أو رأيتك تزنين. أو زنيت. كان عليه الحد، وله إسقاطه بأحد شيئين: إما اللعان، أو البينة.
وصفة اللعان: أن يقول أربع مرات: أشهد ﴿١٥٤/أ﴾ بالله لقد زنيت. وإن كان هناك ولد ظاهر قال: وليس هذا الولد مني. وتقول هي: أشهد بالله لقد كذب، وهذا الولد ولده. كذلك ثم يقول في الخامسة، ولعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا. وتقول هي في الخامسة: وغضب الله عليّ إن كان من الصادقين فيما رماني به. ويقول الحاكم: فرقت بينكما فلا تجتمعان أبداً.
فإن أكذب نفسه وجب الحد، ولحق به النسب، ولم تبح له الزوجة، لأن عوده في ذلك يتضمن حقاً له وحقاً عليه، فقبلنا قوله فيما عليه دون ماله.
ولا يصح الالتعان على الحمل، ولا على نفي نسب سقط لم يستبين فيه خلق الإنسان ولا يجوز له رمي زوجته، ولا لعانها إلا بأحد ثلاثة أشياء: أن يشاهدها تزني، أو يخبره ﴿١٥٤/ب﴾ ثقة يغلب على ظنه صدق قوله بذلك، أو يستفيض في الناس أن فلاناً يفجر بفلانة. وإن لم يجد واحدة من هذه الأشياء لم يجز له قذفها، وما عدا هذا لا يحل له قذفها لأجله، مثل أن تأتي به
стр. 263
أسود ويكون أبوه أبيض، وما أشبه ذلك، وقد قيل: يجوز القذف والإلتعان لأجله.
فصل
والأحكام المتعلقة باللعان أربعة: سقوط الحد عن الزوج، ونفي النسب، ووقوع الفرقة، والتحريم المؤبد.
وقد حكي عن أحمد ﵀ رواية أخرى: أنه إذا أكذب نفسه حلت له، وأن الفرقة لا تقع بلعانه، وإنما تقع بلعانها، ويفرق الحاكم بينهما ويكون ذلك من جهة الحاكم إيقاعاً لا تنفيذاً.
стр. 264
كتاب العدة
قال الله سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) الآية.
اعلم أن المعتدات على أربعة أضرب: معتدة بالحمل: ﴿١٥٥/أ﴾ فعدتها وضع حملها جميعه، وإن كانا توأمين أو أكثر لم تنقض إلا بوضع جميعهم.
ومعتدة بالحيض؛ ومعتدة بالشهور، ومعتدة بأقصى الأجلين.
فالحمل الذي تنقضي به العدة ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان.
وأما الحيض فالمعتدات به على ثلاثة أضرب: من عدتها حيضة، ومن عدتها حيضتان، ومن عدتها ثلاث حيض، فالمعتدة بالحيضة أم الولد إذا مات سيدها، والحيضتان عدة الأمة إذا طلقها زوجها، أو وطئت بشبهة.
والثلاث حيض عدة الحرة المطلقة، أو الموطوءة بشبهة.
والمعتدة بالشهور على خمسة أضرب: معتدة بأربعة أشهر وعشراً، وهي الحرة المتوفى عنها زوجها، ومعتدة بشهرين وخمسة أيام، وهي الأمة المتوفى عنها زوجها، ومعتدة بشهر، وهي أم الولد إذا كانت آيسة، وتوفى عنها سيدها.
ومن في قدر اعتدادها ثلاث روايات، وهي ﴿١٥٥/ب﴾ الأمة المطلقة، إحداها: تعتد بثلاثة أشهر، لأن علة ذلك المدة التي يظهر معها الحمل، وهذا لا يختلف بالحرية والرق.
والثانية: شهر ونصف، لأن حيضتها لما لم تتبعض جعل حيضتين تكميلاً،
стр. 265
والشهور تتنصف فتنصفت كما تنصف خلوها وقسمها.
والثالث: تعتد بشهرين، وهي أصح في مقابلة القرئين، كما أن عدة الحرة ثلاثة أشهر في مقابلة ثلاثة أقراء.
ومعتدة بأقصى الأجلين من أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض، أو ثلاث حيض في أكثر من أربعة أشهر وعشراً، وهي امرأة المفقود، والمبتوتة في مرض الموت يجتمع لها عدة الوفاة والطلاق لتردد عدتها بين الوفاة والطلاق، وكذلك يلحق بها المشكلة في الطلاق، وهي التي طلقت لا بعينها ومات عنها، فإن جماعة النساء يعتددن بأقصى الأجلين ﴿١٥٦/أ﴾، لأن كل واحدة منهن تحتمل أن تكون هي المطلقة.
فصل
في الاستبراء
والاستبراء في حق الأمة عند نقل الملك فيها ببيعها أو هبتها حيضة.
واختلفت الرواية عن أحمد في الإقراء هل هي الحيض، أو الإطهار على روايتين، أصحهما: أنها الحيض (١). ويفيد هذا الخلاف أننا إذا قلنا: هي الحيض: فإذا طهرت من الحيضة الثالثة انقضت العدة. وإذا قلنا: هي الأطهار. انقضت بالشروع في الحيضة الرابعة ليكمل لها الطهر الثالث، ولا يتحقق كماله إلا بوجود الحيضة الرابعة.
والعدة مرور زمان لا يحتاج إلى نية، وليست عبادة، بدلالة أنها تجب على من لم يجر عليه قلم التكليف، وهي المجنونة.
стр. 266
ولو انقضت مع جهالة الزوجة بموت زوجها، أو طلاقه بانت وحلت للأزواج.
والحمل مقدم في الاعتداد على الحيض والشهور في ﴿١٥٦/ب﴾ كل معتدة عن طلاق ووفاة.
فصل
في الإحداد
والمعتدات في الإحداد على ثلاثة أضرب: من عليها إحداد رواية واحدة، وهي المتوفى عنها زوجها تحتد طول عدتها، لأجل حزنها.
ومعنى الإحداد رفض الزينة، والطيب، والاكتحال بالأثمد، وترك البيتوتة في غير بيت زوجها.
ومن لا حداد عليها رواية واحدة، وهي الرجعية، لأنها زوجة، فإذا تزينت كان تزينها لزوجها، وذلك جائز، وكذلك المعتدة عن وطء الشبهة، والنكاح الفاسد.
ومن اختلفت الرواية فيها، وهي المبتوتة، ومن بانت بخلع، أو فسخ ففيها روايتان، إحداهما: عليها أن تحد. وهو المنصور في الخلاف (١).
والثانية: ليس عليها إحداد، وليس لها سكنى، ولا نفقة، ولا عليها المقام في بيت زوجها.
وإذا توفى زوج المحرمة، وهي بالقرب ﴿١٥٧/أ﴾ عادت لقضاء العدة،
стр. 267
وإن كانت قد بعدت مضت في حجها إذا كان معها محرم، فإن لم يكن معها محرم رجعت، وفي بقية الأسفار المباحة من طريق الأولى يجب رجوعها.
ويلزم الصغيرة الإحداد، وكذلك المجنونة، ويجنبها الولي ما يتجنبه المعتدات.
ويلزم الذمية العدة عن الذمي والمسلم سواء كان من دينهم ذلك أو لم يكن.
وإذا كانت في عدة من زوج فوطئت في عدتها بشبهة لم تداخل العدتان، ووجب عليها أن تعتد عدة أخرى لوطء الشبهة.
ويجوز للبائن الخروج لقضاء حوائجها نهاراً.
وإذا طلقها وقد ارتفع حيضها لا تدري ما رفعة اعتدت سنة؛ تسعة أشهر للحمل، وثلاثة أشهر للعدة.
وإذا انقطع لعلة، أو لعارض اعتدت إلى أن يعود، أو تيئس بأن تبلغ ستين سنة فتعد بعدة الآيسات ﴿١٥٧/ب﴾ ثلاثة أشهر، وتباح للأزواج.
وإذا شرعت المراهقة في العدة بالشهور، ثم رأت الحيض لزمها الانتقال إليه، ولم تعتد بما مضى من الشهور.
وإذا اعتقت الأمة وهي رجعية انتقلت إلى عدة حرة، لأن للعتق تأثيراً في الاعتداد، كالموت، ثم لو مات الزوج لزمها عدة وفاة، كذلك إذا اعتقت، فإن كانت بائناً لم يلزمها الانتقال، لأن العتق صادفها وليست زوجة.
стр. 268
فصل
في الغائب عن زوجته
والغيبة على ثلاثة أضرب: غيبة لا ينقطع معها خبره، كالمسافر في التجارة تأتي أخباره، وكتبه. فهذا لا يفرق بينه وبين زوجته لأجل الغيبة، ويفسخ لأجل الإعسار بالنفقة.
والثانية: غيبة ينقطع معها خبره، وليس الغالب منها الهلاك، مثل أن يسافر إلى بعض البلاد، فيغيب خبره. فهذا لا يقسم ماله، ولا تنكح زوجاته، وينتظر حتى يمضي عليه زمان لا يعيش في مثله. قال أحمد ﴿١٥٨/أ﴾ ﵁: يمضي عليها تسعون سنة. يعني من ولادته (١) لا من حين الغيبة.
وغيبة الغالب منها الهلاك، فإن انقطع خبره فيها فرق بينه وبين نسائه، وقسمت أمواله. وهذه الغيبة، مثل أن يفقد من بين أهله ليلاً فلا يعلم خبره، أو يكون في البحر فينكسر بهم المركب فيغرق قوم ويسلم قوم، أو يكون بين الصفين فيقتل قوم ويسلم آخرون. فهذا يتربص بماله وزوجاته أربع سنين وأربعة أشهر وعشراً، ثم تباح للأزواج، وهل يحتاج إلى تفريق الحاكم أم لا؟ على روايتين، أصحهما: اعتبار الحاكم (٢).
وهل يقسم ماله قبل انقضاء العدة أم بعدها؟ على روايتين (٣).
стр. 269
كتاب الرضاع
قال الله سبحانه: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (١).
وقال النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم ﴿١٥٨/ب﴾ من النسب" (٢).
اعلم أن الرضاع المحرم ما كان خمس رضعات في الحولين حية كانت ذات لبن أو ميتة، سواء وصل إلى جوف الصبي من فيه أو أنفه، وسواء كان محضاً أو مشوباً، وسواء كان مائعاً أو جبناً، فأما الحقنة من اللبن فلا تحرم، لأنه لا يحصل التغذي مما يحصل من ذلك السبيل، وقد قال ﷺ : "الرضاع ما أنشر العظم" (٣).
وإذا حصل الفطام قبل الحولين، ثم عاد فشرب نشر الحرمة اعتباراً ببقاء المدة دون الفطام.
وحد الرضعة أن يشرب ريه ثم يترك الثدي من تلقاء نفسه، فإن قطعه عن ريه لم تكن رضعة.
وإذا سقي من المسعط اعتبرت الرضعة بقدر ما يرويه من اللبن دون المصات والجرع.
стр. 270
واللبن الذي ينشر الحرمة بين الفحل والطفل أن يكون ثاباً بوطئ يلحق النسب به، وهو وطء الحلال والشبهة، فأما اللبن الثائب بوطء الزنا فلا ينشر الحرمة، وكذلك اللبن الثائب للعذراء والآيسة لا ينشر فعل هذا لا ينشر إلا اللبن الثائب بوطء.
وإذا تزوج ﴿١٥٩/أ﴾ كبيرة وصغيرة ترتضع، فعمدت الكبيرة فأرضعت الصغيرة نظرت، فإن كان قد دخل بالكبيرة حرمنا جميعاً وانفسخ نكاحهما، وكان على الكبيرة نصف مهر الصغيرة، لأنها ألزمت الزوج ما كان يعرض السقوط عنه بالطلاق قبل الدخول، وإنما حرمنا جميعاً، لأن الكبيرة صارت من أمهات النساء، والصغيرة ربيبة قد دخل بأمها. هذا إذا كان قد دخل بها ولبنها ثاب بوطء غيره من زوج أول، أو وطء شبهه، فإن كان اللبن ثاب بوطئه حرمت الصغيرة لعلتين، إحداهما: لكونها من ربائبه اللاتي دخل بأمها.
والثاني: كونها بنته من الرضاع، لأنها ارتضعت من لبنه الذي ثاب بوطئه.
وإن لم يدخل بالكبيرة انفسخ نكاح الكبيرة فقط لحصولها من أمهات النساء.
وإذا تزوج ﴿١٥٩/ب﴾ بكبيرة وصغيرتين، فارضعتهما في الحولين انفسخ نكاح الكبيرة والصغيرتين سواء دخل بالكبيرة أو لم يدخل، لأنها حصلت من أمهات النساء، والصغيرتان صارتان أختين من الرضاعة، فصار جامعاً بين الأختين إلا أنه يباح أن يبتدئ النكاح على إحداهما منفردة هذا إذا كان اللبن من غيره ولم يك دخل بالكبيرة، وهو أن تكون وضعت حمل زوج كان طلقها فانقضت عدتها بوضعه وتزوجت بهذا ولبنها من الأول باقٍ.
стр. 271
فأما إن أرضعتها من لبنها الثائب بوطء الزوج الثاني، أو كان دخل بها حرمت الصغيرتان عليه على التأبيد، لأنهما صارتا ابنتيه من الرضاعة، لأن لبن الفحل محرم.
فإن تزوج بكبيرة وثلاث صغائر، فأرضعتهن واحدة بعد واحدة ثبت نكاح آخرهن رضاعة، وانفسخ نكاح ﴿١٦٠/أ﴾ الكبيرة والصغيرتين المرضعتين أولاً، لأن الكبيرة انفسخ نكاحها بنفس إرضاع الأولى، فلما أرضعت الثانية انفسخ نكاح الصغيرتين معاً لكونهما أختين تحت زوج واحد، فلما انفسخ نكاحهما حصلت الأخرى منفردة في العقد ليس معها من تجمع إليه ولذلك ثبت نكاحها.
وفي جميع هذه المسائل لا مهر للكبيرة إذا كان إرضاعها قبل الدخول سقط مهرها، كالردة، ويكون عليها نصف مهر الصغائر وإن كثرن، لأنها ألزمته ما كان يعرض السقوط.
وإذا ثبت ضمانها للنصف ضمنت نصف المسمى دون مهر المثل.
وإذا ثاب لها من الزوج الأول لبن فقوي بلبن الثاني وأرضعت به طفلاً صار ابناً لها.
وإذا قال الرجل لزوجته: هذه أختي من الرضاع، أو أمي. حرمت عليه.
ولا يقبل ﴿١٦٠/ب﴾ قول الزوجة في ذلك إلا ببينة، وهي امرأة عدله (١).
وعنه رواية أخرى: أن الشهادة بالرضاع تستحلف معها، وذلك مروي عن ابن عباس.
стр. 272
كتاب النفقات
قال الله سبحانه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) الآية.
والنفقة تستحق بأحد أربعة أشياء: الرحم؛ وهو كل من ورثه بفرض أو تعصيب، ولا تجب نفقة ذوي الأرحام الذين لا فرض لهم.
والنكاح، والملك، والولاء. إلا أن الرحم يخالف ما عداه من الثلاثة أشياء بأن اختلاف الدين يمنع وجوب النفقة.
وأما النكاح فيجب به النفقة مع اتفاق الدين، واختلافه، لأنه يجب على طريق المعاوضة، ويجب مع الإيسار والاعسار، وكذلك الملك.
ونفقة الأقارب لا تجب إلا مع الإيسار. فعلى هذا [يجب عليه نفقة] (٢) زوجته الكافرة، وعبده الكافر ﴿١٦١/أ﴾ ومعتقته الكافرة، لأن النفقة لأجل الملك لا لأجل الموالاة والنصرة بخلاف نفقة الأقارب، ألا ترى أن الولاء يورث مع اختلاف الدين، والنسب بخلافه.
والملك على ضربين: عبيد، وبهائم.
فالبهائم تجب نفقتها على حد وجوب نفقة العبيد مع اليسار والإعسار.
وكل الأقارب ينفقون على قدر مواريثهم إلا الولد مع والده، والوالد مع ولده، فإنه يجب على الواحد منهم لصاحبه جميع نفقته، فعلى هذا إذا كان له أخ وأخت وجبت النفقة على ثلاثة على الأخ سهمان، وعلى الأخت سهم.
стр. 273
وتجب نفقة الزوجة على قدرها فإن كانت ممن جرت عادتها بأكل الطيب من الطعام، وبلبس الناعم لزمه ذلك، وإن كان معسراً ملكت الفسخ إذا عجز عن القيام بحقها.
ويلزمه اخدام من جرت عادتها بالاستخدام، وليس في ذلك توقيت.
وإذا لم يعطها ما يكفيها ملكت أن تأخذ من ماله تمام نفقتها ﴿١٦١/ب﴾ بالمعروف، كما روي عن هند امرأة أبي سفيان لما شكت إلى رسول الله ﷺ شح أبي سفيان قال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١).
وهذا منه فتياً لا حكماً إذا لو كان حكماً لما سمع قولها عليه. وهذا في الزوجية خاصة، وأما سائر الغرماء فلا يجوز لهم أخذ ديونهم مما تحت أيديهم، لقول النبي ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك (٢) ".
وللزوجة من التسلط على مال الزوج ما ليس لغيرها.
ويجب على المكاتب نفقة نفسه، وعلى من نصفه حر نصف نفقته عليه، ونصفها على سيده.
وإذا كانت أمته مزوجة فنفقتها على زوجها، فإن اشترط السيد أن تكون عنده نهاراً، وعند زوجها ليلاً وجب على كل واحد نفقة الزمان الذي تكون فيه عنده.
стр. 274
ونفقة أولاد الأمة على سيدها دون أبيهم سواء كان زوجها عبداً أو حراً، لأنهم رقيق ﴿١٦٢/أ﴾ لسيدها.
وإذا تزوجت المكاتبة وجب على سيدها نفقة أولادها دون أبيهم المكاتب، لأنهم يتبعونها في العتق إن أدت، والرق إن عجزت.
وعلى المكاتب نفقة زوجاته وإمائه، وعلى الزوج نفقة زوجته الصغيرة التي يوطأ مثلها، ولا يجب عليه نفقة التي لا يوطأ مثلها.
وإذا كان الزوج صغيراً لا يطأ مثله والزوجة كبيرة كانت النفقة في ماله لوجود التسليم من جهتها، والتعذر من جهته لا يسقط النفقة، كالعنين، والمريض.
والنفقة للبائن غير واجبة، وتجب للرجعية في العدة، وإن كانت حاملاً وجبت نفقتها، وهل تجب لأجلها أم لأجل الحمل؟ على روايتين، أصحهما: أنها لها لأجل الحمل (١).
وإذا خالعته وأبرأته من نفقة حملها لم يكن ﴿١٦٢/ب﴾ لها نفقة.
ولا نفقة لناشز.
فصل
في الكفالة
والأم أحق بكفالة الطفل والمجنون إذا فارقها الزوج إلى سبع سنين، ثم تكون الجارية عند أبيها، يخير الغلام بين أبويه، فأيهما اختار كان عنده، فإن عاد فاختار الآخر نقلناه إليه، لأنه تخيير شهوة وليس بتخيير إلزام، فإذا مات
стр. 275
أبواه، وكان له جدتان إحداهما لأمه، والأخرى لأبيه ففيهما روايتان، إحداهما: أم الأم أولى، لأنها تدلي بالأم، ومن تدلي به كان أولى.
الثانية: أم الأب أولى (١)، لأنها تدلي برحم وتعصيب.
والأولى أصح، لأن الأب مع قوة عصبته لم يسقط حضانة الأم، كذلك من تدلي به لا يسقط من تدلي بالأم.
وأم الأب أحق من الخالة، والأخت من الأب أحق من الأخت من الأم، وأحق من الخالة، وخالة لأب أحق من خالة ﴿١٦٣/أ﴾ الأم، ويجب أن يتخرج القول في هؤلاء على الروايتين في الجدة للأم مع الجدة للأب، لأن الخالة تدلي بالأم، كما أن الجدة للأم تدلي بالأم، فيكون القول فيها كالقول في الجدات، كذلك الأخت للأم على ما تقدم.
ولا يمنع الأب من زيارة ولده إذا كان عند الأم، فإن كان عند الأب حمل إلى عند أمه إذا اشتاقت إليه، ولا تجيء هي إلى بيت مطلقها إلا أن تكون جارية فيكون مجيء الأم عندها أولى من خروج الطفلة، ولا تطيل المقام عندها.
وإذا لم يكن للطفل عصبة ولا ذوو فرض فهل تنتقل الكفالة إلى ذوي أرحامه؟ قال شيخنا: أما الخالة والعمة فإنهما يستحقان ذلك، وأما بقية الأرحام فيحتمل أن يستحقوا لأجل الحنو والشفقة، ويحتمل أن تنتقل إلى الحاكم.
وإذا ﴿١٦٣/ب﴾ أراد أحد الأبوين سفراً، فإن كان دون الستة عشر فرسخاً
стр. 276
فهو كالإقامة، وأما إذا كان مسافة القصر فالأب أحق به سواء كان هو المسافر أو الأم.
وإذا زوجت الأم سقطت حضانتها، فإذا فارقها الزوج عادت حضانتها.
وإذا تزوجت المرأة فلزوجها منعها من رضاع ولدها إلا أن يحتاج إليها لكونه لا يشرب من لبن غيرها.
وعلى الأب الاسترضاع لولده إلا أن تشاء الأم أن ترضعه بأجرة مثلها فتكون أحق به من غيرها سواء كانت في حبال الزوج أو مطلقة.
وإذا امتنع الرجل من النفقة على مماليكه وبهائمه جبره الحاكم، فإن فعل وإلا باع عليه، ويحتمل ألا يجبره لكن يأمره كما يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر.
стр. 277
كتاب الجنايات
﴿١٦٤/أ﴾ قال الله سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١) الآية.
القتل على ثلاثة أضرب: عمد محض، وخطأ محض، وشبه العمد.
فالعمد: أن يقصده بآلة تقتل مثلها سواء كان مما يقتل بمثله كاللت، أو بحده كالسيف، أو بسرايته وحدته كالسم، أو برميه من شاهق، أو يطرحه في ماء فيغرقه، أو في نار فيحرقه.
والخطأ: ألا يقصد، بأن يرمي طائراً فيصيب إنساناً.
وشبه العمد: أن يوجد منه القصد في الفعل بآلة لا يقتل مثلها، مثل العصا الصغيرة، أو اللكزة في غير مقتله، أو اللطمة، وما أشبه ذلك، وهذا ينقسم بانقسام المضروب واختلافه، فإن كان المضروب ضئيلاً نضواً في العادة تقتله ﴿١٦٤/ب﴾ الرفسة واللكمة كان عمداً.
وإن كان جلداً قوياً لا يقتله مثل ذلك كان شبه العمد.
ويجب القود بالأول من الثلاثة، وموجب الاثنين الآخرين الدية، وسنذكرها في كتاب الديات إن شاء الله.
فإذا ثبت وجوب القود في العمد المحض لا يجب إلا بين شخصين تتكافأ دماؤهما، وتستوي حرمتهما، كالحر مع الحر، والعبد مع العبد، والأمة مع العبد، والذمي مع الذمي.
ولا يقتل مسلم بكافر، ولا حر بعبد إذا كانا مختلفين حال الوجوب، فأما إن
стр. 278
جرح عبد عبداً ثم أعتق الجارح ومات المجروح قتلنا الجارح حراً اعتباراً بحال الوجوب، وكذلك إذا جرح كافر كافراً ثم مات المجروح وقد أسلم الجارح قتلناه اعتباراً بحال الوجوب، كما نقول في الحدود لو زنى وهو بكر فتحصن قبل ﴿١٦٥/أ﴾ إقامة الحد عليه أقيم عليه حد الأبكار اعتباراً بحال الوجوب.
ولأن الإسلام قد لا يمنع من استدامة العقوبة ويمنع من ابتدائها، كالاسترقاق فإنه لا يبتدأ به مسلم أسلم قبل الأسر، ولو أسلم وهو رقيق استديم رقه.
والتكافؤ المعتبر في القود الحرم، وهو كل شخص يحد بقذفه قتل به، فعلى هذا لا يقاد والد بولده، وهل تقتل الأم بولدها؟ على روايتين (١).
وهل يقتل الولد بأبيه؟ على روايتين، أصحهما: يقتل به (٢).
وإذا اختلفت قيمة العبيد فهل يجري القصاص بينهم؟ على روايتين، أصحهما جريان القصاص (٣)، لأن اختلاف الديات بين الأحرار لما لم يمنع القصاص كذلك اختلاف القيم بين ﴿١٦٥/ب﴾ العبيد.
وتقتل الجماعة بالواحد في أصح الروايتين (٤).
وكل شخص جرى القصاص بينهما في الأنفس جرى القصاص بينهما في الجراح والأطراف السليمة.
وإذا أمسك رجل على قاتله فقتله قتل القاتل، وهل يقتل الماسك؟ على روايتين، إحداهما: يقتل. والثانية: يحبس حتى يموت (٥).
стр. 279
وإذا شهدوا بالقتل فقتل المشهود عليه، ثم رجع الشهود عن شهادتهم قتلوا، لأن الشهادة وإن كانت سبباً إلا أنها سبب ملجأ، فلذلك جرى فيه القصاص.
وإذا قطع يد رجل، ثم عاد فقتله نظرت، فإن كان بعد اندمال الطرف كان للولي قطعه وقتله رواية واحدة، وإن قتله قبل الاندمال فهل يقطع ويقتل؟ على روايتين، أصحهما: يقتل ﴿١٦٦/أ﴾ فقط (١)، لأن القصد إفاتة النفس، وما دون النفس داخل فيها.
ولا يعتبر المماثلة في القتل، واختلف أصحابنا هل الاعتبار بحال الرمي، أو الإصابة؟ على قول الخرقي: الاعتبار بحال الرمي (٢). واختار ابن حامد: أن الاعتبار بحال الإصابة.
ولا خلاف أنه لو رمى مرتداً فأسلم قبل الإصابة أنه لا ضمان، وكذلك لو رمى حياً فمات قبل الإصابة، فأصابه السهم وهو ميت.
واختلف في عدد الإقرار الموجب للقود على روايتين، إحداهما: أربع مرات، كما اعتبرنا في حد الزنا.
والثانية: لا يعتبر التكرار، لأنه إقرار بحق آدمي، أشبه الإقرار بالأموال، وفارق الإقرار بحد الزنا والسرقة، لأن ذلك ﴿١٦٦/ب﴾ حق الله، ومبنى ذلك على الإسقاط، وكذلك يسقط بالرجوع بعد الإقرار.
وإذا اشترك اثنان في جراح رجل، فوجد من أحدهما جرح موح لا يعيش معه الحيوان كان هو القاتل فلا قود على الثاني، فعلى هذا إذا شق بطنه وأخرج
стр. 280
حشوته فقطعها، ثم جاء آخر فقطعه، فالقاتل الأول.
وإذا شارك الأب الأجنبي في القتل وجب القصاص على شريك الأب، لأن روح المقتول خرجت عن عمد محض.
ولو شاركه مخطئ لم يقتل مشاركه، لأن الفعل لم يتمحض عمده، فالخطأ مشبهه في الفعل، فإذا صابت الفعل أسقطت القود لاشتراك الفعلين، والشبهة في الشخص لا يتعدى إلى الشخص، ولهذا يقال: قتل عمد ﴿١٦٧/أ﴾ وقتل خطأ، فيوصف القتل به، ويقال: قتل أب. فيوصف الشخص به.
وإذا اشترك جماعة في قطع الطرف، فاعتمدوا على السكين جميعاً، فأبانوا العضو وجب القصاص على جميعهم.
ولا تقطع يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا عين صحيحة بقائمة، ولا سن سوداء بصحيحة، ولا صحيحة بسوداء، ولا لسان صحيح بأخرس.
وتقطع يد البالغ بيد الصغير، ولسان الناطق بلسان الصغير.
وإذا قلع سناً لم تثغر لم يجب قلع سنه، لأنها تعود مثلها.
وليس في الشجاج ما يجري فيه القصاص إلا الموضحة، لأنها تنتهي إلى عظم.
وإذا أراد القصاص من الطرف خلعه وقطعه بأحد الآلات وحسمها بالزيت الغلي لئلا ينزف دمه.
وإذا قلع عينه ﴿١٦٧/ب﴾ كحلناه بأن تحمى حديدة ونقطر عليها ماء نقطره في عينه، أو نقربها من عينه حتى يذهب ضؤها، ولا ينخسها بمثل الآلة، لأنه قد يفضي إلى السراية إلى النفس.
стр. 281
وإذا لطم رجل فقال: ذهب ضوء عيني، أو ذهب سمعي. أو تجانن يرى ذهاب عقله، وما أشبه ذلك اعتقلناه، فإن وجدناه على استمرار الأوقات لا ينظر، ولا يسمع، ولا يعقل علمنا صدقه بذلك.
والعمد يوجب القود رواية واحدة، وهل يوجب الدية؟ على روايتين (١)، فإن قلنا: يجب أحد شيئين إما القصاص أو الدية. فعفا الأولياء عن القصاص وجبت لهم الدية.
стр. 282
كتاب الديات
قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (١) الآية.
وقال النبي ﷺ : "في النفس مئة من الإبل" (٢).
ودية الحر المسلم مئة من الإبل، وتختلف أسنانها بالخطأ والعمد، ففي الخطأ يكون خمسة أسنان هي: عشرون بنات مخاض، وعشرون بني مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقه، وعشرون جذعة. على العاقلة في ثلاث سنين.
ومن العمد، وشبه العمد أرباع: خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون حقه، وخمس وعشرون جذعة.
والإبل، والبقر، والدراهم، والدنانير أصول في الدية رواية واحدة وفي الحلل روايتان إحداهما: هي أصل. والثانية: ليست أصلا (٣).
وقدرها من البقر مئتان، ومن الشاء ألفا شاء، والحلل مئتا حلة، والدراهم اثنا عشر ألفاً، والعين ألف مثقال.
ودية المرأة نصف دية الرجل، وتساويه في دية جراحها ما لم يبلغ أرشها ثلث الدية، فإذا زاد أرش ﴿١٦٨/ب﴾ الجراح على الثلث رد إلى النصف من أرش جراح الرجل.
стр. 283
ودية الكتابي نصف دية المسلم إذا قتل خطأ، ودية المسلم إذا قتل عمداً، ودية المجوسي ثمان مئة درهم، ودية الجنين إذا ولد من الضربة ميتاً وكان من حرة سُلمه غرة عبد أو أمة قيمتها خمس من الإبل مورثة عنه سواء كان قاتله أُمّه، أو أجنبية إلا أن الضارب إن كان وارثاً في الجملة لم يرث من الغرة، لأنه قاتل.
ودية جنين الأمة عشر قيمة أمه، وسواء كان الجنين ذكراً، أو أنثى.
وإن ألقت جنيناً حياً ثم مات من الضربة، ففيه دية كاملة.
ودية العبد قيمته بالغاً ما بلغ، وإن زادت على دية الأحرار، وكذلك أم الولد.
ودية الخنثى المشكل نصف دية ذكر، ونصف دية أنثى، وهو ثلاثة أرباع دية.
ودية المعتق بعضه ﴿١٦٩/أ﴾ ما يخص من دية الأحرار، وقيمة العبيد، فإن كان نصفه حراً كان فيه نصف دية حر، ونصف قيمة عبد، بيان ذلك أن يقال: كم قيمته لو كان كله عبداً؟ فقال: مئة. فيجب خمسون عن نصفه الرقيق، ويجب خمس مئة دينار عن نصفه الحر.
ودية نساء أهل الكتاب على النصف من دياتهم، وهي ربع دية حر مسلم.
وتغلظ الدية بالسن، والعدد، والحلول، فدية العمد، وشبه العمد أرباع على ما وصفنا في العمد في أول الباب، وتكون حالة في مال القاتل.
والتغليظ تارة يكون بالزمان، والمكان، والقرابة. ﴿١٦٩/ب﴾ فالمكان الحرم، والزمان الشهر الحرام، والقربى قتل ذوي الأرحام المحارم، فيكون لكل واحد من هذه الأسباب تغليظ بثلث الدية.
ولا تحمل العاقلة عبداً، ولا عمداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً، ولا ما دون الثلث.
стр. 284
وفي شبه العمد روايتان (١).
ولا يحمل الفقير شيئاً، والغني الحاضر والغائب سواء.
ولا يتقدر الحمل بشيء، بل على قدر طاقاتهم، ويعتبر حول العقل من حين الموت لا من حين الجرح، ومن مات منهم بعد الحول كان العقل في ماله يؤخذ به كالدين.
ولا يحمل أهل الديوان (٢) العقل، وهل يدخل الأب والابن في العاقلة؟ على روايتين، أصحهما يدخلون (٣).
﴿١٧٠/أ﴾ وإذا جنى على نفسه جناية خطأ كان (٤) عليه دية الجناية يدفعها إلى ورثته.
ويحمل السيد جناية عبده، وأم ولده إذا كانت بمقدار القيمة فما دون، ولا يحمل ما زاد على ذلك، ويكون مخيراً بين أن يفديه، أو يسلمه.
وبيت المال يعقل عمن لا عاقلة له.
وخطأ الإمام فيه روايتان، إحداهما: في بيت المال (٥)، لأن ذلك يكثر منه، فيضر بعاقلته.
والثانية: هي على العاقلة.
والأولى أصح.
стр. 285
فصل
في الكفارات
القتلى في الكفارات على ثلاثة أضرب: من يجب بقتله الدية والكفارة ﴿١٧٠/ب﴾، ومن يجب بقتله الدية ولا كفارة، ومن لا يجب بقتله دية ولا كفارة.
فالذي يجب بقتله الدية والكفارة: فالمقتول خطأ سواء كان مسلماً أو كافراً، حراً أو عبداً، مولداً كان أو جنيناً في البطن.
فأما المقتول عمداً ففيه روايتان، إحداهما: لا تجب به الكفارة (١).
والثانية: فيه الكفارة.
والكافر الذي يجب بقتله الكفارة: الذمي، فأما من أبيح دمه بكفره، كالمرتد والحربي فلا.
ومن لا يجب بقتله دية ولا كفارة: فالمقتول عمداً على قولنا: إن الواجب القود فقط، وكل من أبيح قتله بكفر، أو حد، أو قصاص، وما أشبه ذلك.
ومن وجبت الكفارة ﴿١٧١/أ﴾ بقتله دون الدية، فهو المؤمن الذي كتم إيمانه في دار الحرب، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٢) الآية.
ولا مدخل للإطعام فيها، وسواء كان القتل بسبب حفر البئر، ونصب السكين، أو كان بالمباشرة الكفارة واجبة في ذلك.