وإذا لطم رجل فقال: ذهب ضوء عيني، أو ذهب سمعي. أو تجانن يرى ذهاب عقله، وما أشبه ذلك اعتقلناه، فإن وجدناه على استمرار الأوقات لا ينظر، ولا يسمع، ولا يعقل علمنا صدقه بذلك.
والعمد يوجب القود رواية واحدة، وهل يوجب الدية؟ على روايتين (١)، فإن قلنا: يجب أحد شيئين إما القصاص أو الدية. فعفا الأولياء عن القصاص وجبت لهم الدية.
стр. 282
كتاب الديات
قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (١) الآية.
وقال النبي ﷺ : "في النفس مئة من الإبل" (٢).
ودية الحر المسلم مئة من الإبل، وتختلف أسنانها بالخطأ والعمد، ففي الخطأ يكون خمسة أسنان هي: عشرون بنات مخاض، وعشرون بني مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقه، وعشرون جذعة. على العاقلة في ثلاث سنين.
ومن العمد، وشبه العمد أرباع: خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون حقه، وخمس وعشرون جذعة.
والإبل، والبقر، والدراهم، والدنانير أصول في الدية رواية واحدة وفي الحلل روايتان إحداهما: هي أصل. والثانية: ليست أصلا (٣).
وقدرها من البقر مئتان، ومن الشاء ألفا شاء، والحلل مئتا حلة، والدراهم اثنا عشر ألفاً، والعين ألف مثقال.
ودية المرأة نصف دية الرجل، وتساويه في دية جراحها ما لم يبلغ أرشها ثلث الدية، فإذا زاد أرش ﴿١٦٨/ب﴾ الجراح على الثلث رد إلى النصف من أرش جراح الرجل.
стр. 283
ودية الكتابي نصف دية المسلم إذا قتل خطأ، ودية المسلم إذا قتل عمداً، ودية المجوسي ثمان مئة درهم، ودية الجنين إذا ولد من الضربة ميتاً وكان من حرة سُلمه غرة عبد أو أمة قيمتها خمس من الإبل مورثة عنه سواء كان قاتله أُمّه، أو أجنبية إلا أن الضارب إن كان وارثاً في الجملة لم يرث من الغرة، لأنه قاتل.
ودية جنين الأمة عشر قيمة أمه، وسواء كان الجنين ذكراً، أو أنثى.
وإن ألقت جنيناً حياً ثم مات من الضربة، ففيه دية كاملة.
ودية العبد قيمته بالغاً ما بلغ، وإن زادت على دية الأحرار، وكذلك أم الولد.
ودية الخنثى المشكل نصف دية ذكر، ونصف دية أنثى، وهو ثلاثة أرباع دية.
ودية المعتق بعضه ﴿١٦٩/أ﴾ ما يخص من دية الأحرار، وقيمة العبيد، فإن كان نصفه حراً كان فيه نصف دية حر، ونصف قيمة عبد، بيان ذلك أن يقال: كم قيمته لو كان كله عبداً؟ فقال: مئة. فيجب خمسون عن نصفه الرقيق، ويجب خمس مئة دينار عن نصفه الحر.
ودية نساء أهل الكتاب على النصف من دياتهم، وهي ربع دية حر مسلم.
وتغلظ الدية بالسن، والعدد، والحلول، فدية العمد، وشبه العمد أرباع على ما وصفنا في العمد في أول الباب، وتكون حالة في مال القاتل.
والتغليظ تارة يكون بالزمان، والمكان، والقرابة. ﴿١٦٩/ب﴾ فالمكان الحرم، والزمان الشهر الحرام، والقربى قتل ذوي الأرحام المحارم، فيكون لكل واحد من هذه الأسباب تغليظ بثلث الدية.
ولا تحمل العاقلة عبداً، ولا عمداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً، ولا ما دون الثلث.
стр. 284
وفي شبه العمد روايتان (١).
ولا يحمل الفقير شيئاً، والغني الحاضر والغائب سواء.
ولا يتقدر الحمل بشيء، بل على قدر طاقاتهم، ويعتبر حول العقل من حين الموت لا من حين الجرح، ومن مات منهم بعد الحول كان العقل في ماله يؤخذ به كالدين.
ولا يحمل أهل الديوان (٢) العقل، وهل يدخل الأب والابن في العاقلة؟ على روايتين، أصحهما يدخلون (٣).
﴿١٧٠/أ﴾ وإذا جنى على نفسه جناية خطأ كان (٤) عليه دية الجناية يدفعها إلى ورثته.
ويحمل السيد جناية عبده، وأم ولده إذا كانت بمقدار القيمة فما دون، ولا يحمل ما زاد على ذلك، ويكون مخيراً بين أن يفديه، أو يسلمه.
وبيت المال يعقل عمن لا عاقلة له.
وخطأ الإمام فيه روايتان، إحداهما: في بيت المال (٥)، لأن ذلك يكثر منه، فيضر بعاقلته.
والثانية: هي على العاقلة.
والأولى أصح.
стр. 285
فصل
في الكفارات
القتلى في الكفارات على ثلاثة أضرب: من يجب بقتله الدية والكفارة ﴿١٧٠/ب﴾، ومن يجب بقتله الدية ولا كفارة، ومن لا يجب بقتله دية ولا كفارة.
فالذي يجب بقتله الدية والكفارة: فالمقتول خطأ سواء كان مسلماً أو كافراً، حراً أو عبداً، مولداً كان أو جنيناً في البطن.
فأما المقتول عمداً ففيه روايتان، إحداهما: لا تجب به الكفارة (١).
والثانية: فيه الكفارة.
والكافر الذي يجب بقتله الكفارة: الذمي، فأما من أبيح دمه بكفره، كالمرتد والحربي فلا.
ومن لا يجب بقتله دية ولا كفارة: فالمقتول عمداً على قولنا: إن الواجب القود فقط، وكل من أبيح قتله بكفر، أو حد، أو قصاص، وما أشبه ذلك.
ومن وجبت الكفارة ﴿١٧١/أ﴾ بقتله دون الدية، فهو المؤمن الذي كتم إيمانه في دار الحرب، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٢) الآية.
ولا مدخل للإطعام فيها، وسواء كان القتل بسبب حفر البئر، ونصب السكين، أو كان بالمباشرة الكفارة واجبة في ذلك.
стр. 286
فصل
في الأطراف
اعلم أن كل ما في البدن منه اثنان ففي كل واحد منهما نصف الدية، وما في البدن منه شيء واحد ففيه الدية. فعلى هذا في اليدين الدية، وفي إحداهما نصف الدية ﴿١٧١/ب﴾، وكذلك الرجلان، والثديان، والأذنان، والخصيتان، والاسكتان (١)، والاليتان، والشفرتان، لأن في السفلى روايتين، إحداهما: فيها ثلثا الدية، وفي العليا ثلثها. والثانية: أنهما سواء. وهي أصح.
وفي كل أصبع عشر من الإبل من أصابع اليدين والرجلين.
وفي كل أنملة من ذلك ثلث عشر الدية إلا الإبهام، فإن كل أنملة منها خمس من الإبل لأنهما أنملتان.
فأما ما في البدن منه شيء واحد فالأنف ففيه الدية، وفي مارنه ما فيه، وفي الذكر الدية، وفي حشفته إذا قطعت مفردة ما فيه، وفي اللسان الناطق الدية، وفي ذهاب العقل الدية، وكذلك السمع، والشم، ﴿١٧٢/أ﴾ والذوق، وفي تسلس الغائط، والبول الدية، وفي الصعر الدية، وهو أن يضربه فيصير وجهه في جانب، وفي اللحية إذا لم تنبت الدية، وفي شعر الرأس من الرجل والمرأة الدية، وفي الحاجبين الدية، وكذلك أهداب أشعار العينين الأربعة، وليس شعور البدن مقدره.
стр. 287
فصل
وأما العظام فعلى ضربين: ظاهرة، وباطنة، فالظاهر الأسنان والأضراس ففي كل واحد خمس من الإبل، وهو نصف عشر الدية، أو خمسون ديناراً، أو بقسط ذلك من جميع الأحوال في الديات، والثنية والرباعية، والناب واحد في الأرش، وإن كسر بعضها خطأ أخذ بالحصة ﴿١٧٢/ب﴾ من المساحة، وإن أخذه عمداً برد من سن الجاني مثل مساحة الجزء الذي كسر.
فصل
وأما الباطنة ففي الضلع بعير، وفي الترقوة بعيران، وفي الزند أربعة أبعرة، أو بحساب ذلك من الأصول الأخر من الدراهم، والدنانير، والإبل، والبقر، والحلل.
فصل
في الشجاج
وهي عشرة، خمسة منها لا يقدر فيها، وهي: الخارصة تخرص الجلد بمعنى تشقه.
والدامية، وتسمى البازلة؛ وهي التي تسيل الدم.
والباضعة؛ وهي التي تشق اللحم بعد الجلد.
والمتلاحمة؛ وهي التي أخذت في اللحم.
ثم السمحاق؛ وهي التي بلغت إلى الجادة الرقيقة التي تستر العظم.
ثم الموضحة ﴿١٧٣/أ﴾ وهي أول الشجاج المقدرة، وليس في الشجاج ما
стр. 288
يجري فيه القصاص إذا كانت عمداً سواها، لأنها تنتهي إلى عظم، وفيها خمس من الإبل، وهي نصف عشر الدية، وهي مختصة بالرأس والوجه، لأننا لو أوجبنا في موضحة البدن ذلك لأدى إلى زيادة إيضاح العظم، على أرش العظم، وليس في عظام البدن ما يبلغ تقديره إلى ذلك، وسواء في ذلك موضحة الرجل والمرأة، لأن جراحها يساويه فيما دون الثلث.
وفي التي تليها وهي الهاشمية التي تهشم العظم بعد إيضاحه عشر من الإبل خمس للإيضاح، وخمس للهشم، وهو عشر الدية.
ثم المنقلة، وهي التي توضح، وتهشم، وتنقل العظام ﴿١٧٣/ب﴾ من مكانها إلى مكان آخر، وفيها خمسة عشر من الإبل.
ثم المأمومة، ويقال لها: الآمة وهي التي تصل إلى أم الدماغ فيها ثلث الدية.
وفي الجائفة وهي التي تصل إلى الجوف ثلث الدية أيضاً.
وإذا ضر به بسكين، أو طعنه في جوفه، فأخرجها من الجانب الآخر ففيها جائفتان.
وإذا أفضى زوجته، وهو أن يخرق ما بين مسلك الذكر ومخرج البول، وكانت صغيرة لا يوطئ مثلها ففيه ما في الجائفة، وإن كانت كبيرة توطئ فلا شيء عليه.
ويجعل الحر أصلاً للعبد في المؤقت من الجراح ففي موضحة الحر نصف عشر ديته، وفي موضحة العبد نصف عشر قيمته، وفي إحدى يدي الحر ﴿١٧٤/أ﴾ نصف ديته، وفي ذلك من العبد نصف قيمته، وكلما وجب في
стр. 289
الحرية الدية وجب من العبد فيه القيمة، وما وجب في الحرية نصف ديته ففي العبد نصف قيمته، وما ليس فيه مقدر من الحر وهي الشجاج الخمسة يجعل العبد أصلاً للحر، فيقول: لو كان هذا الحر عبداً وليس به هذه الخارصة كم كانت قيمته؟ فيقال: عشرة. فيقال: وكم قيمته وهي به؟ فيقال: عشرة إلا دانق. فعلمت أنه قد وجب فيها سدس عشر ديته.
ومتى بلغ المقوم بما ليس فيه مقدر إلى أرش المقدر، وهو أن بلغ بالخارصة، أو المتلاحمة أرش الموضحة علمنا غلطه في التقويم، ويكون التقويم بعد اندمال الجراح.
وقد روي عن أحمد -رضي الله ﴿١٧٤/ب﴾ عنه- رواية أخرى في الدامية بعير، وفي الباضعة: بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة، وفي السمحاق أربعة أبعرة، وفي الموضحة خمسة أبعرة، وعلى ذلك.
وفي اليد الشلاء، والعين القائمة، والسن السوداء ثلث ديتها، وعلى قياس ذلك الذكر الأشل.
وقد روي عن أحمد ﵁ أنه إذا ضرب رجلاً فسلح (١) ففيه ثلث الدية، وكذلك إذا أحدث بريح، أو غير ذلك، وإنما حكم به لأنه روي عن عمر، ولم يفعله إلا توقيفاً، لأن القياس لا يقتضيه.
стр. 290
كتاب القسامة
قال النبي ﷺ : "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم" (١).
ولا تثبت القسامة إلا بشروط، أحدها: أن يكون هناك لوث، وهي العداوة الظاهرة. وأبو حنيفة يقول: هو الأثر. ﴿١٧٥/أ﴾ ومالك يقول: هو أن يقول المجروح قبل موته دمي عند فلان، أو يشهد بذلك رجل، أو امرأة، وإن كان الشاهد فاسقاً.
وأصحاب الشافعي يقولون: هو ما أوجب عليه ظن، كما لو تفرق جماعة عن مقتول، أو وجد في الصحراء وإلى جانبه رجل بيده سيف ملطخ بدم، وما أشبه ذلك.
وإنما ذكرت الخلاف هاهنا، لأنه مما يعم به البلوى في معرفة الخلاف فيه الاحتياط للدماء.
ولا قسامة فيما دون النفس.
وتثبت القسامة في العبد.
وإذا أحلف أولياء المقتول، وهم المدعون خمسين يميناً استحقوا دم المحلوف عليه إذا كان واحداً، ولا يقسمون على أكثر من واحد.
وإذا كانوا جماعة قسمت الأيمان بالحصة على رؤوسهم، فإن خرج كسر زيد ولم ينقص، وإذا كان الأولياء ﴿١٧٥/أ﴾ ثلاثة جبر الكسر، فحلف كل واحد منهم سبعة عشر يميناً فيكون ذلك أحد وخمسين يميناً.
ولا يمنع (٢) قسامة النساء.
وتثبت القسامة وإن لم يكن بالمقتول أثر.
стр. 291
كتاب المرتد
قال النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (١).
ومن ارتد عن الإسلام وهو بالغ عاقل دعي إلى الإسلام ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل.
وتصح ردة الصبي وإسلامه لكن لا يقتل حتى يبلغ ويعرض عليه الإسلام.
ولا تقتل المرتدة حتى تضع حملها إذا كانت حاملاً.
وإذا ادعى شبهة وجب على الإمام إزالتها إن كان من أهل الاجتهاد، أو جمع لها بفقهاء العصر لتزول، فإن زالت، وإلا جبر على الإسلام، لأن الدلالة قد قامت على صحته، فإذا لم يسلم علمنا معاندته.
وإذا تحيز المرتدون ومنعوا عن أنفسهم صاروا حرباً وجاز قتالهم، ولا يجوز استرقاقهم.
ولا تزول أملاك ﴿١٧٦/أ﴾ المرتد بنفس الردة، بل تكون أمواله مراعاة، فإن مات كانت لبيت المال في أصح الروايتين (٢)، والأخرى لورثته المسلمين.
ويسترق أولاد المرتدين الذين حدثوا بعد الردة.
والردة لا تسقط الحدود التي وجبت حال الإسلام.
وإذا تحيز المرتدون فأتلفوا على المسلمين مالاً ضمنوا ذلك.
ومن انتقل من أهل الذمة من دين إلى دين فهو مرتد لا يقبل منه إلا الإسلام سواء كان من انتقل إليه خيراً من الدين الذي كان عليه أو مثله، أو دونه لقوله ﵇: "من بدل دينه فاقتلوه" (٢). خرج الإسلام، بدلالة الإجماع بقي ما عداه من الأديان على مقتضى العموم.
стр. 292
كتاب البغاة
قال الله سبحانه: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى ﴿١٧٦/ب﴾ الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) الآية.
ولا يستحق اسم البغي إلا بثلاث شرائط: أن يكونوا خارجين عن قبضة الإمام.
وأن يكونوا ذوي شوكة ومنعة.
والثالث: أن يكون خروجهم بتأويل سائغ، فإن خرجوا بغير تأويل كانوا محاربين وقطاع طريق.
ويجب على الإمام دفعهم بأسهل ما يمكن، فإن أدى إلى نفوسهم فلا ضمان، ولا يجوز له أن يتقوى عليهم بالمشركين، ولا يتبع مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا ينقض من أحكامهم إلا ما ينقض من أحكام أهل العدل، وهو ما خالف نصاً أو إجماعاً.
وتجوز الصلاة ورائهم، وعليهم.
ومن قتل ﴿١٧٧/أ﴾ من أهل العدل فهو شهيد، ومن قتل من (٢) أهل البغي فهو كالمحدودين في الجرائم الموجبة للحد.
ولا ضمان على أهل البغي فيما أتلفوه على أهل الحق.
ولا يستعان عليهم بكراعهم (٣) وسلاحهم، ولا تسبى ذراريهم، وما أخذوه من الزكاة، والخراج احتسب به لأربابه.
стр. 293
كتاب الحدود
قال الله سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١).
وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢).
وقال ﷺ : "الحدود كفارات لأهلها" (٣).
اعلم أن الله سبحانه نصب الحدود ردعاً للمكلفين عما حرم عليهم فأذاقهم طائلاً مما توعدهم به من العقاب ليكون ذلك أردع لهم عن ارتكاب الجرائم ﴿١٧٧/ب﴾ وانتهاك المحارم، وما نصب الله حداً إلا على كبيرة، فأعلى الحدود حد الزنا، وله حالتان: زنا يجب به الجلد بالسوط مئة جلدة والتغريب عن وطنه عاماً، وهو زنا البكر الذي لم يطأ في نكاح صحيح.
وزنا يجب به الرجم بالحجارة، وهل يتقدمه الجلد؟ على روايتين (٤)، وهو زنا الزاني المحصن، وشرائط الإحصان التي توجب رجم الزاني أربعة: الحرية، والبلوغ، والعقل، والوطء في نكاح صحيح، وليس منها الإسلام.
وشرائط إحصان القذف الأربعة المذكورة، والإسلام، وأيضاً العفة من الزنا، وأن يكون على صفة يطأ مثله، فيمنع عن ذلك تصاوناً، وهو المراهق، وليس من شرط البلوغ، بل يصح عفة ابن عشر سنين، وبنت تسع سنين ﴿١٧٨/أ﴾ ويحد قاذفهما.
стр. 294
ولا يتم إحصان الزوج إلا أن تتم شروط الإحصان في الزوجة، فالمجنونة لا تحصن، والعاقل لا يحصن مجنونة، وكذلك في الشرائط الأربع أيها عدم في حق أحد الزوجين لم يحصل الواحد منهما الإحصان.
ولا يجب حد الزنا إلا بأحد شيئين: إما شهادة أربعة أحرار عدول يصفون الزنا، أو إقرار أربع مرات، ولا ينزع عن إقراره فيها حتى يقام عليه الحد.
والزنا هو إيلاج حشفته في فرج تمحض تحريمه، وانتفت شبهته قبلاً كان أو دبراً امرأة كان الموطئ أو رجلاً (١).
وفي اللواط رواية أخرى: أنه يقتل بكل حال سواء كان بكراً أو محصناً.
وفي إتيان البهائم روايتان، إحداهما: التعزير (٢). والثانية ﴿١٧٨/ب﴾: الحد.
وتقتل البهيمة لئلا تحمل ولداً مشوهاً.
وإذا مكنت العاقلة من نفسها مجنوناً وجب عليها الحد.
وإذا أقر بالزنا بامرأة بعينها فجحدت حد الرجل وحده.
ومن عقد على ذات محرم كان زانياً بوطئها، كالأجنبية، ولا يكون العقد عليها شبهة لإسقاط الحد. وفيه رواية أنه يرجم، ولا يفرق بين الإحصان والبكارة.
وإذا وطء أخته من الرضاعة بملك اليمين سقط الحد بشبهة الملك بخلاف عقد
стр. 295
النكاح عليها، لأن هناك لا يحصل الملك، والملك هاهنا حاصل أعني بعقد الشراء.
وإذا استأجر امرأة ليزني بها فعليه الحد إذا فعل.
ومن شرط صحة الشهادة على الزنا اجتماع الشهود بمجلس واحد، ولا يعتبر اجتماعهم حال مجيئهم، وإذا نقص ﴿١٧٩/أ﴾ عدد الشهود على الزنا وجب الحد على جماعتهم.
وإذا شهد اثنان أنه زنا بها بالكوفة، وآخران أنه زنا بها في البصرة فعلى الشهود الحد، لأنه لم يكمل عدد الشهود على زنا واحد، لأنه لا يمكن وقوع زنية واحدة في بلدين متباعدين.
ولو شهد اثنان أنه زنا بها في قميص أحمر، وآخران أنه زنا بها في قميص أبيض قبلت الشهادة، وثبت الحد، لأنها قد يجتمع في حقها قميصان أبيض وأحمر، فيغلب إحداهما ما بان لها، وتغلب الأخرى ما بان لها فصدقها ممكن.
ولو شهد اثنان أنه زنا بها في هذه الزاوية، وشهد آخران أنه زنا بها في هذه الزاوية فإن كانت الزاويتان متقاربتين صحة الشهادة لإمكان وقوع الفعل فيها بالتحرك من إحداهما إلى الأخرى، ﴿١٧٩/ب﴾ وإن كانتا متباعدتين لم تتم البينة، وكانوا قذفة.
وإذا شهد أربعة بالزنا، فرجع أحدهم قبل حكم الحاكم حد الجميع، ولو رجعوا بعد الرجم قتلوا، ولو كانوا خمسة فرجع واحد منهم، وقال: أخطأنا. لزمه خمس الدية.
стр. 296
ولو شهد أربعة بالزنا واثنان بالحصانة، فحد، ثم رجع الجميع، ففيه وجهان، أحدهما: الدية نصفان بين شهود الزنا وشهود الحصانة.
والثاني: الدية بينهم أثلاثاً، لأن شهود الحصانة ثلث الجميع، لأن الجميع ستة فكان عليهم بقدر رؤوسهم.
وإذا زنا الرجل وله زوجة فقال: لم أدخل بها، ولست محصناً. صدق في ذلك وجلد ولم يرجم، لأن الولد يلحق بالفراش، وإمكان الوطء، والحد يسقط بالشبهة، ولا يجب إلا مع تحقق الدخول في النكاح ﴿١٨٠/أ﴾ الصحيح، فكذلك نقول: إن النسب يلحق في النكاح الفاسد، ووطء الشبهة، ولا يحصل بهما الإحصان، فلا يستدل بثبوت النسب على ثبوت الإحصان.
وإذا رجمه الإمام، أو جلده بشهادتهم، ثم بانوا فسقة، أو عبيداً، أو كفاراً، فإنه يجب الضمان على الإمام، لأنه وجب عليه النظر والتأمل، فإذا بانوا على هذه الصفة كان خاطئاً، وخطئه يلزمه، وهل يلزمه في بيت المال أم على عاقلته؟ فعلى روايتين أصحهما أنه في بيت المال (١).
وإن شهد أربعة بالزنا، وشهد آخران بتزكية الشهود، ثم بأن أنهم لم يكونوا من أهل الشهادة فلا ضمان على المزكيين، لأن التزكية ليست مما تخصد اثبات الزنا، وفارق شهود ﴿١٨٠/ب﴾ الإحصان، لأن ذلك يختص بالزنا.
والشهادة على الحدود تقبل وإن أضيفت إلى الزمان الماضي (سواء) (٢) تباعد أو تقارب.
стр. 297
والإكراه على الزنا لا يسقط الحد، لأن الزنا لا يتصور إلا مع الانتشار، ولا يكون الانتشار إلا مع الاختيار.
وإذا شهد عليها أربعة بالزنا، فقالت: أنا بكر. فنظرن النساء، فقلن إنها عذراء. سقط الحد عنها للشبهة، وعن الشهود لجواز أن تكون قد ذهبت بكارتها وعادت.
وإذا زنا بأمة، ثم اشتراها، أو تزوجها لم يسقط الحد.
وإذا أذنت المرأة لزوجها في وطء أمتها لم يبح له ذلك، ولا حد عليه، لكن يعزر مئة، لما روى النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال في الرجل يأتي جارية امرأته إن كانت حللتها له جلد ﴿١٨١/ أ﴾ مئة، وإن لم تكن حللتها له رجم". (١)
ولا رجم على العبد.
وللسيد إقامة الحد على عبده، وحده على النصف من حدود الحر خمسين جلدة، فإن كانت الأمة ذات زوج حدها الإمام.
فالتعزير واجب، ولا يبالغ به الحد، ويختلف باختلاف سببه، فإن كان سببه غير الوطء كالقبلة، وما أشبهها من دواعيه لم يبالغ به أدنى الحدود، وإن كان سببه وطء مثل إن وطئ أمة مشتركة بينه وبين غيره لم يبالغ به أعلى الحدود.
وإذا ثبت عليه ما يوجب حداً، وهو مريض لم يؤخر عنه الحد على الإطلاق، ويضرب على ما تقتضيه حاله ضرباً لا يتلفه، وإن كان الجلد مئة
стр. 298
ضرب بعثكول فيه مئة شمراخ.
ويضرب في الحدود جميع بدنه إلا الوجه ﴿١٨١/ ب﴾ والفرج، والبطن، والمقاتل كلها، كالحلق، والسماخ، والخاصرتين، ويضرب الظهر، والفخذين، والآليتين، ويفرق ذلك على هذه المواضع غير المقاتل لئلا ينكي الضرب في المحل الذي يدمن الضرب فيه.
ويضرب الرجل قائماً غير مربوط، ولا مشدود، ولا يعرى من ثيابه، ولا يضرب في محشو بالقطن، ولا الجلود، والفراء لئلا يفوت المقصود من الألم المردع، والعذاب الموجع، ولا يحفر له بئر سواء كان رجلاً أو امرأة.
وإذا اتفقت حدود من جنس واحد تداخلت، ولا يتداخل منه ما اختلف.
стр. 299
كتاب القطع في السرقة
قال الله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) الآية.
ولا يجب القطع إلا بست شرائط: ﴿١٨٢/ ب﴾ أن يكون مكلفاً، آخذاً نصاباً من حرز مثله، لا شبهة له فيه، على وجه الاستخفاء، وهو مما يتمول في العادة.
وقولي "مكلف" احتراز من الصبي، والمجنون.
"من حرز مثله" احتراز من غير حرزه، أو من حرز لا يكون لمثل المسروق حرزاً.
"لا شبهة له فيه" احتراز من الشريك، والأب، والغانم إذا سرقوا من مال الشركة، والولد، والغنيمة.
"أو سرق من بيت المال مسلم على وجه الاستخفاء" احتراز من المنتهب، والمستلب لا قطع عليه، لأنه لا يسمى سارقاً.
وقولنا: "مما يتمول في العادة" احتراز من الماء فإنه لا قطع فيه، لأنه لا يتمول غالباً.
وقولنا: "نصاباً" احتراز مما دون النصاب.
﴿١٨٢/ ب﴾ ويخرج في هذا استحساناً لأجل النص الثمر، والكثر (٢)، وهو الحمار، فإنه لا يقطع سارقه، وعليه الغرم، والتعزير.
واختلف أصحابنا في الكلأ، وهو الحشيش النابت في الأرض إذا سرقه من
стр. 300
الأرض المملوكة على وجهين (١).
وللسرقة نصابان، إحداهما من الورق، وقدره ثلاثة دراهم.
والثاني: من الذهب، وهو ربع دينار، وما عداهما مقوم بهما، ويقطع من ثلاثة دراهم إن لم يبلغ ربع دينار، وتبرها كالمضروب سواء.
ويجب القطع بسرقة الأشياء الرطبة، كالهريسة، والشواء، وما أشبهها.
ويقطع في الصيد المملوك، والخشب، والقصب، وفي التمر إذا أواه الجرين وهو موضع تشميسه وجمعه.
وإذا اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا سواء كان ﴿١٨٤/ أ﴾ من الأشياء الثقيلة التي تحتاج إلى معاونة أو لم تكن.
وإذا اشترك جماعة في الدخول إلى الحرز، وأخرج أحدهم المتاع فالقطع على جميعهم.
فإن نقب نفسان، فدخل أحدهما فأخذ المتاع ودفعه إلى من خارج الحرز فالقطع على الداخل، فإن قرب المتاع إلى النقب، فأدخل الخارج يده فأخذه فالقطع عليهما.
وإذا دخل فأخذ العين ورمى بها خارج الحرز، أو تركها على دابة وفتح لها الباب فخرجت بالمتاع، أو تركه في جفنة، وترك الجفنة في نهر يخرج ماؤه من الدار، فخرجت الجفنة بالمتاع، أو أخذ ثياباً فتركها على سطح في يوم ريح فطارت بها الريح فالقطع عليه في جميع ذلك، لأن الريح، والماء لا احتراز لهما، فإذا انضم إلى ﴿١٨٤/ ب﴾ فعل من له اختيار غلب ذلك في السرقة،
стр. 301
كما لو دفعه من شاهق فأعانت الريح على إلقائه، فإن الضمان يجب على الدافع، ويسقط حكم الريح، كذلك هاهنا.
وعلى قياسه لو حرض الكلب العقور على إنسان فجرحه، وكما لو صاح بصبي من شاهق فسقط كان الضمان على الصائح به، ولا يعتبر بفعل الصبي بخلاف البالغ لعدم قصده.
وإذا نقصت قيمة المسروق عن النصاب بعد إخراجه من الحرز لم يسقط القطع، كما لو خرب الحرز.
وكذلك لو أخرج العصير فصار خمراً لم يسقط، كما لو سرق حيواناً فمات بعد إخراجه.
وكذلك إذا ملك العين المسروقة بجهة من جهات الملك لم يسقط القطع إذا كان ذلك بعد وجوبه.
ولا يقطع بسرقة الحر الصغير، ولا بسرقة ﴿١٨٥/ أ﴾ المصحف، ولو كانت عليه حلية قدرها نصاباً.
ويجب قطع سارق الكفن، وهو النباش، ولا يقطع بسرقة ما دفن مع الميت ولم يكفن به، لأن القبر ليس بحرز لذلك، ولهذا ينسب تاركه إلى التفريط بخلاف الكفن.
ويجب القطع بسرقة ستارة الكعبة، والمطالب بذلك الإمام.
وإذا كانت العين المسروقة باقية وجب ردها والقطع، وإذا كانت قد تلفت وجب ضمانها مع القطع.
стр. 302
ولا يقطع السارق في الدفعة الثالثة (١)، لكن تقطع في الثانية رجله اليسرى لئلا يعجز عن العبادات، وبذلك علل علي بن أبي طالب ﵁ فقال: "إني لأستحي [من الله] (٢) أن لا أترك له يداً يبطش بها" (٣).
وفيه رواية أخرى: أنه يقطع في الثالثة اليد الأخرى. والأولى أصح.
ولو سرق العين دفعتين قطع بها، كما إذا زنى بامرأة ﴿١٨٥/ ب﴾ زنايين.
ولا تثبت السرقة إلا بإقرار دفعتين، أو شهادة اثنين.
ويقطع بسرقة أقاربه سوى ولده وإن سفل، ووالده وإن علا.
ويقطع المستأمن بسرقة مال المسلم، والمسلم بسرقة مال الذمي والمستأمن.
وإذا سرق إناء فيه خمر لم يقطع وإن بلغت قيمته النصاب، لأنه تابع، ولو كان قصده الإناء لأراق الخمر.
ولو سرق صليباً، أو صنماً من ذهب، أو فضة فلا قطع عليه، لأنه يقصد به المعصية، أشبه الخمر، وكذلك آلات اللهو.
وإذا سرق صندوقاً لا حافظ معه لم يقطع، وكذلك لو سرق دابه على ظهرها متاع، لأنه سرق الحرز جميعه ولم يسرق من الحرز، فهو كما لو سرق سفينة فيها متاع، فسيرها ولا حافظ معها، فإنه لا يقطع ولو سرق من المتاع الذي فيها قطع.
وإذا سرق من الحمام وهناك حافظ ﴿١٨٦/ أ﴾ قطع.
стр. 303
وإذا أقر العبد بسرقة مال في يده لزمه القطع دون المال.
وإذا سرق عيناً، فسرقها منه آخر لم يقطع الثاني، وكذلك السارق من الغاصب، لأن حرزه كلا حرز، لأنه لا حرمة له، ولهذا يجوز هتكه، وأخذ العين منه.
وإذا ادعى السارق أن العين المسروقة ملكاً له سقط القطع، لأجل الشبهة.
ولا قطع في السرقة إلا بعد مطالبة المسروق منه، لأنه متى لم توجد مطالبة لم يأمن أن يكون أباحها له، أو وهبها منه، ونحن لا نعلم.
وإذا وجد رجل قتيل في دار رجل، فقال صاحب الدار: أنا قتلته، لأنه هجم عليّ متلصصاً، أو طالباً لقتلي ولم أستطع دفعه إلا بالقتل. وجب القصاص ما لم يقم بينة بما ادعاه.
стр. 304
كتاب قطاع الطريق
﴿١٨٦/ ب﴾ قال الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١).
واعلم أن حدودهم على الترتيب دون التخيير، فمن قتل منهم، وأخذ المال قتل وصلب، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب، كان لم يوجد منه إلا النهب نفي عن البلاد، ومن قطع حسم في الحال حتى لا ينزف دمه.
ويعتبر فيما يقطعون فيه أن يكون نصاباً يقطع به السارق، ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقط عنه الحد.
ولو أسقط ولي الدم حقه لم يسقط القتل بعفوه، لأنه متحتم بحق الله تعالى.
ويكون الصلب بعد القتل.
ونفيهم ﴿١٨٧/ أ﴾ تشريدهم من بلد إلى بلد، ولا يكون الحبس نفياً، ولا يجتمع القطع والقتل، بل يجتمع القتل والصلب.
وردءهم (٢) ومباشرهم سواء في أحكامهم.
وتثبت أحكام قطاع الطريق في الأمصار كالصحاري، لأنه إذا وجب خارج
стр. 305
المصر في الموضع الذي لا يتكرر مشي الناس، فأولى أن نردعهم عن الطرقات يعني فيه المستطرقة، ويحتمل أن تختص الصحاري دون البنيان، لأن البنيان يلحق فيه الغوث.
والمرأة كالرجل في قطع الطريق.
وحكم الجراح معتبر (١) في المحاربة كحكم الأنفس، لأنه أحد حالتي القصاص، أشبه الأنفس.
وإذا وجب عليه قطع، وحد شرب، وقتل في المحاربة استوفى القتل خاصة، فأما إن كان بما دون النفس حق لآدمي، كحد القذف لم يسقط.
وإذا شرب الخمر ﴿١٧٨/ ب﴾ وقذف المحصنات لم يتداخل حدها.
وإذا وجب عليه حد القذف، وحد الشرب، وحد السرقة، وحد الزنا، فإنه يبدأ فيقام عليه حد القذف، ثم حد الشرب، ثم حد الزنا، ثم القطع، وإنما قدمنا حد القذف، لأنه حق لآدمي، ثم يليه حق الله الأسهل، فالأسهل.
وإذا قتل من لا يكافئه في المحاربة كالكافر، والعبد، والولد، وعبد نفسه لم يقتل به، وغلب الإسقاط.
وجميع الحدود التي هي حقوق لله تسقطها التوبة، كحد قطاع الطريق، فإنه لا خلاف في سقوطه بالتوبة قبل القدرة.
стр. 306
كتاب الأشربة
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾. ثم علل سبحانه التحريم بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ ﴿١٨٨/ أ﴾ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ (١). فكل شراب أسكر، وصد عن ذكر الله، وأوقع العداوة والبغضاء فهو حرام ويجب الحد لشربه، ويسمى خمراً، لأن الخمر ما غطى العقل، فعلى ذلك يحرم عصير العنب، ونبيذ التمر، والذرة، والحنطة، والشعير، والعسل؛ فأما نبيذ الأوعية قبل الشدة، والحنتم، والدبا، والمزفت، والنقير، فالحنتم نبيذ الجر، والدبا القرع، والمزفت الدن، والنقير الخشب المنقور، وذلك لأن المنقوع في هذه الأوعية تعثلم ويشتد بسرعة بخلاف نبيذ السقا الادم وغيره من الجلود، لأنه لا يسرع الاشتداد إليه.
ويحرم العصير بأحد أمرين: إما اشتداده وغليانه، أو يمضي عليه ثلاثة أيام.
وإذا قلب الله عينه ﴿١٨٨/ ب﴾ أبيح شربه وطهر، فإن عالجه آدمي لم يطهر ولم يبح.
وحد الشرب ثمانون جلدة في أصح الروايتين (٢). والثانية: أربعون.
وتقام الحدود بالسوط دون النعال.
وإذا أقر بشرب الخمر ولم توجد من فمه الرائحة وجب الحد، ولو وجد في فيه رائحة الخمر لم يقم عليه الحد لجواز أن يكون هناك ضرورة لدفع لقمة به،
стр. 307
أو إكراه على الشرب، أو تحساه يظنه شراباً مباحاً فكل ذلك شبهة في إسقاط الحد.
ولا يجوز شرب الخمر في حالة العطش، ويجوز شربه إذا خنقته اللقمة، ولا يجوز التداوي بها، لأن التداوي بها لا يتحقق نفعه، وكذلك العطش لا يزول بها، لكن يعطش ويلهب، وأما دفع اللقمة فيتحقق أنه يعمل عمل الماء فيها.
والسكر الذي تتعلق به الأحكام أن يخلط في كلامه.
стр. 308
باب صول البهائم
﴿١٨٩/ أ﴾ قال الله : ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ (١).
وقال ﷺ : "العجماء جبار. والرجل جبار. وفي الركاز الخمس" (٢).
وإذا صالت البهيمة عليه فلم تندفع إلا بقتلها فلا ضمان عليه.
وإذا عضت بهيمة لرجل يد رجل فانتزع يده منها فقلع أسنانها، أو نطحته فكسر قرنها فلا ضمان عليه في جميع ذلك إذا فعله في حال المصاولة والدفع، فأما إذا فعله بعد ترك صيالها فهو مضمون عليه.
وما أفسدت البهائم نهاراً فلا ضمان على أربابها، لأن العادة حفظ الزرع نهاراً.
وما أتلفت ليلاً فعلى أربابها الضمان، لأن العادة حفظ البهائم ليلاً، فإن لم يحفظوها صاروا متعدين بذلك فيلزمهم الضمان.
وما أفسدت الدابة برجلها وصاحبها راكبها يسير عليها فلا ضمان عليه ﴿١٨٩/ ب﴾ وما أصابته بيدها أو فمها فعليه الضمان، لأنه يمكنه ضبطها عنه باللجام.
وإن أقامها في طريق ضيق ضمن جناية يدها ورجلها، لأنه مفرط في ذلك.
ومن اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فلا قصاص ولا دية.
والختان وجب في حق الرجال والنساء.
стр. 309
كتاب الجهاد والفيء والغنيمة
قال الله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ (١) الآية.
وقال النبي ﷺ : "الغنم لمن حضر الوقعة" (٢).
اعلم أن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين ما لم يلتق الزحفان، فإذا التقيا تعين الثبوت، وحرم الانصراف إلا متحرفاً لقتال، أو متحيزاً إلى فئة.
وإذا كان المسلم ﴿١٩٠/ أ﴾ في دار الحرب فلا يخلو من ثلاث أحوال: إما أن يكون قادراً على إظهار الإسلام فلا تجب عليه الهجرة لكن تستحب له. ومن لم يقدر على إظهار دينه وجب عليه الهجرة.
ومن كان زمناً لا يقدر على الهجرة، ولا على إظهار دينه فلا هجرة عليه.
والشرط الذي يعتبر في الشخص لو وجب الجهاد عليه أربعة: الحرية، والذكورية، والبلوغ، والعقل. فمن اجتمعت فيه هذه الأربعة أوصاف وجب عليه الجهاد، وعلى قدر خطر الجهاد تكون فضيلته، فكلما كان الخطر أكثر كان الثواب أوفر.
ويخرج المسلمون مع الأمراء من كل بر وفاجر لئلا يسقط العلم الظاهر.
стр. 310
وتمام الرباط أربعون ليلة.
وإذا كان أبواه حيين لم يجاهد إلا بإذنهما، فإذا تعين بالنفير، أو التقاء الصفين لم يعتبر إذنهما في ذلك.
ولا يدعى قبل القتال من بلغته الدعوة، ويدعى من لم تبلغه الدعوة.
فأما عبدة ﴿١٩٠/ ب﴾ الأوثان إما الإسلام أو السيف، وأهل الكتاب "ومن له شبهة كتاب إما الإسلام، أو بذل الجزية، أو السيف.
والذي يستحقه الفارس ثلاثة أسهم إذا كان فرسه عربياً، وإن كان هجيناً (١) استحق سهمين، ويسهم [لمن غزا على فرسين] (٢) سهمين، ولا يسهم لما زاد على ذلك، لأن الغالب الحاجة إلى فرسين يتراوح عليهما كما أعيا واحد ركب الآخر، ولأن النبي ﷺ أسهم لفرس الزبير.
ويسهم للبعير سهم.
وإذا دخل دار الحرب فارس ثم نفق فرسه قبل أن تقضى الحرب استحق سهم راجل اعتباراً بتقضي الحرب لا بدخول دار الحرب.
وثلاثة لا يسهم لهم لكن يرضخ لهم: الصبي، والعبد، والمرأة.
ولا يجوز أن يستعان بالمشركين، فإن حضروا معنا استحقوا سهماً كاملاً.
ويصح أمان العبد والصبي الذي يعقل الأمان.
والأمان ألفاظ، مثل قوله ﴿١٩١/ أ﴾: ألق سلاحك، ولا بأس عليك.
وقف. وأنت آمن. وقد أمنتك. ولا خوف عليك. إلى ما شاكل ذلك.
стр. 311
وتجار العسكر كالمقاتلة في استحقاق السهم.
ومن قتل قتيلاً فله سلبه سواء شرط الإمام ذلك أو لم يشرط، والسلب ثيابه، وجنة القتال، وليس دراهمه، ولا دنانيره من السلب، بل هو مردود في المغنم.
ويخير الإمام في الأسارى بين أربعة أشياء: القتل، أو الاسترقاق، أو المن، أو الفداء وذلك تخيير مصلحة لا تخيير شهوة.
وإذا مات بعض الغانمين بعد تقضي الحرب وحصول الغنيمة في أيديهم فسهمه لورثته.
ولو وطء بعضهم أمة من المغنم سقط الحد، وأخذ منه مهرها فرد في المغنم، فإن استولدها وجبت قيمتها فرد في المغنم، وقيمة الولد، لأن ولده منها حر.
وإذا سبي الطفل مع أحد أبويه لم نحكم ببيعه لهما، ويتبع السابي فيكون مسلماً.
﴿١٩١/ ب﴾ وإذا هرب أسير من المشركين ولحق بالجيش قبل تقضي الحرب كان له سهم كامل.
وتجوز قسمة الغنائم في دار الحرب.
وإذا أسر من لاكتاب له ولا شبهة كتاب لم يجز استرقاقه في أصح الروايتين (١).
فعلى هذا يكون الإمام مخيراً فيه بين ثلاثة أشياء.
وإذا ظهر المشركون على أموال المسلمين ملكوها بالقهر والغلبة قبل احازتها
стр. 312
إلى دار الحرب، وبعد الاحازة، فإن عاد المسلمون فأخذوه منهم ثم وجده صاحبه، فإن كان قبل القسمة فهو أحق به من غير عوض، وإن كان بعد القسمة فعلى روايتين، إحداهما: لا حق له فيه (١)، والثانية: هو أحق به بالقيمة.
وما أخذه من مباحات دار الحرب، كالحشيش، والحطب قسم بين الغانمين.
ولا يجوز إتلاف مواشي أهل الحرب، ولا يجوز قتل النساء، ولا الصبيان، ولا الشيوخ الذين لا رأي لهم ﴿١٩٢/ أ﴾ في الحرب، ولا أرباب الصوامع، ولا الزمنى، وإذا قاتل هؤلاء قتلوا.
وإذا أبق عبد المسلم ودخل دار الحرب فأخذوه ملكوه.
ولو أسلم واحد من دارهم أحرز أملاكه خرج إلينا أم لم يخرج، ولا يجوز استرقاق أولاده.
ولو علقت الحربية في دار الحرب من مسلم لم يجز استرفاق الولد، وجاز استرفاق الأم.
ولو تزوجت المستأمنة بمسلم في دار الإسلام لم يلزمها المقام إذا رضي زوجها بخروجها.
ولو دخل مستأمن إلى دار الإسلام، فأودع ماله مسلماً، ثم مات، أو لحق بدار الحرب بعث بماله إلى ورثته.
وإذا لحق المدد بالجيش بعد تقضي الحرب فلا حق لهم في الغنيمة.
ولو أهدى إلى الأمير هدية كانت كسائر مال الفيء، لأنه إنما ﴿١٩٢/ ب﴾ أهدي له بظهر الإسلام.
стр. 313
وإذا ند بعير من دار الحرب، أو عبد، فأخذه مسلم فهو له.
وإذا غلّ بعض الغانمين من الغنيمة حرق رحله ولم يقطع للشبهة الحاصلة وهي مشاركته لهم في الاستحقاق.
فصل
في أموال الفيء والغنائم وأرض الصلح والعنوة
اعلم أن الأموال ثلاثة: فيء، وغنيمة، وصدقة.
فالفيء: ما أخذ من مال مشرك بحق الكفر بغير قتال، وهو ما أخذ مما تركوه فزعاً وهربوا، والأعشار المأخوذة من تجارهم إذا دخلوا إلينا، وأموال الخراج، وما صولحو عليه، ومن مات ولا وارث له.
والغنيمة: ما أخذ منهم بالقتال، وإيجاف الخيل والركاب.
والصدقة: هي الزكاة، وقد ذكرنا الأموال التي فيها الزكاة ﴿١٩٣/ أ﴾ وكم نوع هي فيما تقدم.
وأما مال الفيء والغنيمة فإنه يخرج خمساهما ويقسم على خمسة أسهم: سهم للرسول ينصرف في مصالح المسلمين؛ وسهم لذي القربى وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. وأربعة أخماس الغنيمة لمن شهد الوقعة، وأربعة أخماس الفيء لمصالح المسلمين.
والغنيمة مقسومة على التفضيل: للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم.
وأما الصدقة فقد ذكرنا مصرفها إلى ثمانية أصناف في باب الزكاة، فلا وجه للإعادة.
стр. 314
ولو اقتصر في الزكاة على صنف أجزأه، ولو اقتصر على بعض أصناف أهل الخمس لم يجزئه، لأن الخمس لا يختص بجهة مغزاه، والصدقة تختص ببلدها.
ولا يستحق القاتل السلب (١) إلا بأربعة شرائط: ﴿١٩٣/ ب﴾ أن يقتله والحرب قائمة، فأما إن قتله بعد تقضيها فلا سلب له.
الثاني: أن يغرر بنفسه بأن يحمل عليه وهو في الصف فيقتله، فإن رماه بسهم، أو ما شاكله فقتله لم يستحق السلب.
الثالث: أن يقتله ممتنعاً عن القتل، فأما إن قتله وهو طريح مثخن بالجراح فلا سلب له.
الرابع: أن يكون قد كفى المسلمين شره، فإن قتله وهو أسير لم يستحق.
واختلفت الرواية في الشرط الخامس، وهو إذن الإمام في ذلك، وشرطه لمن قتل قتيلاً سلبه على روايتين، إحداهما: لا يستحق السلب إلا به (٢).
والثانية: لا يفتقر استحقاق السلب إليه.
فصل
في السبي
السبي على ضربين: من يحصل رقيقاً بنفس الأسر، وهم النساء والصبيان، فيصيرون أموالاً للمسلمين فلا يجوز قتلهم لعلتين، إحداهما: حراسة مال ﴿١٩٤/ أ﴾ المسلم، وهو الرق.
стр. 315
والثاني: كونهم ليسوا من أهل القتال.
ومن يكون الإمام مخيراً فيهم بين أربعة أشياء، وهم البلغ من الذكور بين المن، والفداء، والاسترقاق، والقتل، وذلك تخير مصلحة لا شهوة.
فصل
ومصرف خمس الفيء والغنيمة على خمسة أسهم: للرسول ﷺ مصروف في الكراع، والسلاح، ومصالح المسلمين.
وخمس مقسوم في بني هاشم، وبني المطلب ابني عبد مناف حيث كانوا.
للذكر مثل حظ الأنثيين غنيهم وفقيرهم فيه سواء.
والخمس الثالث في اليتامى.
والخمس الرابع في المساكين.
والخمس الخامس في أبناء السبيل.
وأربعة أخماس الفيء لجماعة المسلمين بالسوية غنيهم وفقيرهم إلا العبيد، وأربعة أخماس الغنيمة لمن شهد الواقعة.
стр. 316
كتاب الخراج
﴿١٩٤/ ب﴾ والخراج على ضربين: خراج الرؤوس، وهي الجزية. وخراج الأرض.
فأما الأرضون فهي على ثلاثة أضرب: ما فتح عنوة فيها روايتان، إحداهما: يكون غنيمة يقسم بين الغانمين إلا أن يطلبوا تركها فتوقف على مصالح المسلمين أجمع.
والرواية الثانية: أن الإمام مخير بين إيقافها وقسمها فتكون أرض عشر، وتصير دار الإسلام، سواء سكنها المسلمون، أو أقر عليها أهلها (١).
القسم الثاني: ما تركوه، فزعاً، وهربوا عنه، فيكون وقفاً، وقيل: لا تصير وقفاً حتى يقفه الإمام لفظاً، ويصير عليها خراجها، ويكون العشر في ثمرها وزرعها المستحدث، فأما شجرها الذي كان موجوداً حال الاستيلاء فيكون تابعاً للأرض في الوقف.
القسم الثالث: أن يستولي عليها صلحاً على أن تقر في أيديهم بخراج يؤدونه عنها، فهذا على ضربين، ﴿١٩٥/أ﴾ إحداهما: أن يصالحهم على أن الأرض لنا. فتصير بهذا الصلح من دار الإسلام، ولا يجوز بيعها، ولا رهنها ويكون الخراج أجرة لا يسقط عنهم بإسلامهم، ويؤخذ خراجها وإن انتقلت إلى غيرهم من المسلمين، ولا يجوز إقرارهم فيها سنة إلا بجزية، وقد روي عن أحمد رواية أخرى تدل على سقوط الخراج عن الأرض بإسلامهم كما تسقط
стр. 317
جزية رؤوسهم (١).
وإذا نقضوا الصلح فهل يعود نقض الأمان في الأرض وسائر أموالهم كما تنتقض في رؤوسهم؟ على وجهين ذكر الخرقي أنه ينتقض في الأموال، وذكر أبو بكر أنه لا ينتقض. فعلى هذا تكون دار عهد.
فصل
وسائر البلاد ما عدا الحجاز على أربعة أقسام: قسم أقر عليه فيكون أرض عشر.
وقسم أحياه المسلمون فيكون ما أحيوه معشوراً.
وقسم صولحوا عليه أهله ﴿١٩٥/ ب﴾ فيكون فيئاً يوضع عليه الخراج، وهذا القسم ينقسم قسمين، أحدهما: ما صولحوا على زوال ملكهم عنه فلا يجوز بيعه، ويكون الخراج أجرة لا تسقط بإسلام أهله، ويؤخذ من المسلم والذمي.
والثاني: ما صولحوا على بقاء ملكهم عليه، فيجوز لهم بيعه، ويكون الخراج أجرة تسقط بإسلامهم وتؤخذ من أهل الذمة، ولا تؤخذ من المسلمين إذا ملكوه عنهم.
فصل
فأما أرض السواد فأنها الأصل، ويحمل عليها غيرها، وهو سواد كسرى، وإنما سمي سواداً، لأن العرب لم تشاهد في أرضها زرعاً وتمراً، فكانت إذا بلغت إليه شاهدت سواد النخل، والثمار، والزروع، فسموها السواد، وحدها طولاً من حديثة الموصل إلى عبادان، وعرضاً من عذيب القادسية إلى حلوان
стр. 318
الأقربات. ذكرها أبو عبيد.
الحيرة وناسا وأرض بني صلوبا، وقرية ﴿١٩٦/ أ﴾ أخرى لم يذكر اسمها فتحت صلحاً.
فأما العراق فهو في العرض مستوعب لعرض السواد، ويقصر في طوله، لأنه يمتد إلى آخر أعمال البصرة من جزيرة عبادان، فيكون طوله مئة [و] (١) خمسة وعشرين فرسخاً يقصر عن طول السواد بخمسة وثلاثين فرسخاً، لأنه مئة وستون، وعرض العراق ثمانون فرسخاً، كالسواد، فيكون ذلك تكسيراً عشرة آلاف فرسخ، وطول الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة، ويكون بذراع الهاشمية وذراع المساحة تسعة آلف ذراع، يكون ذلك كله إذا ضرب فرسخ في فرسخ في فرسخ اثنين وعشرين ألف جريب وخمس مئة جريب، وإذا ضرب ذلك في عدد الفراسخ، وهي عشرة آلاف فرسخ بلغ مائتي ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف جريب تسقط منها بالتخمين مواضع التلال والآكام، والسباخ، والآجام ﴿١٩٦/ ب﴾ وفجاج الطرق، ومجاري الأنهار، وعراص المدن، وغير ذلك مما لا يزرع خمسة وسبعون ألف ألف جريب يزاح مثها النصف، ويكون النصف مزروعاً مع ما في الجميع من النخل، والكرم، والشجر.
وقد قيل: إن مساحة السواد بلغت في أيام كسرى مئة ألف ألف وخمسين ألف ألف جريب، فكان مبلغ ارتفاعه مئتي ألف ألف وسبعة وثمانين ألف درهم بوزن سبعه، وكان يأخذ من كل جريب قفيزاً ودرهماً.
ومساحة ما كان يزرع في أيام عمر ﵁ اثنين وثلاثين ألف ألف
стр. 319
جريب إلى ستة وثلاثين ألف ألف أكثره. وذكرت هذه الجملة لئلا تجهلها مع سهولة مأخذها.
فأما خراج الأرضين فيختلف باختلاف الخراج، وقد اختلفت الرواية عن عمر ﵁ في ذلك، فروي أنه يضرب على جريب النخل عشرة دراهم، وعلى جريب الكرم ثمانية دراهم، وعلى الرطبة ستة دراهم، وعلى الطعام قفيزاً ودرهما حنطة ﴿١٩٧/ أ﴾ كان أو شعيراً. وهو مذهبنا.
وقد روي على الشعير درهمان، وعلى الحنطة أربعة بلا قفيز.
وصحح أحمد رواية القفيز والدرهم.
وقال أحمد في القفيز: هو صالح قدره ثمانية أرطال بالمكي، وذلك ستة عشر رطلاً بالعراقي. وقد قيل: هو ربع الهاشمي مكوكين.
وحديث القفيز والدرهم هو حديث شعبة عن عمر ﵁ عن الشعير درهمان، وعن الحنطة أربعة، وعن الرطبة ستة، وعن النخل ثمانية، وعن الكرم عشرة.
فإذا تقدر الخراج فقد سئل أحمد ﵁ عن الزيادة والنقصان منه (١).
ويجب الخراج فيما زرعه الإنسان وما لم يزرعه من الغامر الذي يناله الماء.
فأما الغامر الذي لا يناله الماء فعلى روايتين، أصحهما: لا يجب. (٢) كمن استأجر أرضاً للزراعة فنضب ماؤها لا تجب الأجرة، كذلك هاهنا.
стр. 320
كتاب الجزية
﴿١٩٧/ ب﴾ قال الله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (١) يعني حتى يبذلوها وينزلوا على حكمنا فيها للإجماع بأن السيف يرتفع عنهم قبل العطاء وبعد الإلزام.
ولا تؤخذ الجزية إلا من له كتاب، أو شبهة كتاب، فأهل الكتاب اليهود والنصارى، وطوائفهم كالسامرية طائفة من اليهود، والصابئة طائفة من النصارى لهم حكم عبدة الأوثان.
ومن له شبهة كتاب، وهم المجوس.
فأما عبدة الأوثان فلا يقرون بأخذ الجزية قولاً واحداً، وهل يقرون بالاسترقاق؟ فقد منع الخرقي، وأطلق أحمد القول في جواز استرقاقهم.
فأما أهل زبور داود، وصحف إبراهيم فلا يقبل منهم إلا الإسلام، ولا تؤخذ الجزية من هؤلاء الذين ذكرناهم من أهل الكتاب، وشبهة الكتاب، ﴿١٩٨/ أ﴾ إلا أن يكون الشخص حيث إذا وقع في الأسر جاز قتله.
ويعتبر أيضاً أن يكون له جده إما بغنى، أو صناعة، فأما المرأة، والصبي، والشيخ الفاني، والمجنون، والزمن، والضرير، وأهل الصوامع والرهبان، والعبيد، والفقير فلا تؤخذ منهم الجزية، بل يعفون منها، لأن الدم محقون فلا يحتاج إلى معنى آخر به، والجزية موضوعة لحقن الدم، والعبد مال وهو