تمهيد هام لسبر أغوار قضية الإيمان
لقد أجمع علماء أهل السنَّة، جيلاً بعد جيل على أنَّ الإيمان: قول وعمل، وتمسك بالكتاب والسنَّة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بل وعدُّوا ذلك أصلاً من أصولهم، التي من باين واحدًا منها صار خارجًا عن صراطهم، وداخلاً في سبل أهل الأهواء والبدع.
ولقد انعقد الإجماع القديم على أن: الإيمان محله القلب والجوارح معًا؛ خلافًا لفرق المرجئة التي قصرته طائفة منهم على القلب، وبعضهم على اللسان، وبعضهم على القلب واللسان معًا دون بقية الجوارح.
وكون الإيمان محله القلب والجوارح، فالمقصود به: الإيمان المطلق، وكذا مطلق الإيمان، أي: الإيمان بكل درجاته ودوائره. فالإيمان المطلق هو: القيام بعبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من الشرك، مع القيام بالواجبات والانتهاء عن المحرَّمات.
وهذا الإيمان يستوجب لصاحبه دخول الجنات، والنجاة من النيران والعذاب.
ومطلق الإيمان هو:
القيام بالتوحيد، والبراءة من الشرك، مع القيام ببعض الواجبات وترك بعضها، بشرط أن لا يكون في فرض، يلزم من تركه فساد الإيمان بالكلية، كترك الصلاة كسلاً، عند من يعدها كفرًا من علماء السلف والخلف.
وهذا الإيمان يجعل صاحبه في المشيئة الإلهية، ويحرم عليه الخلود في النيران.
стр. 107
ومما تقدَّم، نستطيع الوقوف على: الحد البين الواضح المفرق بين أهل السنَّة والخوارج في قضية الإيمان، فكلاهما نصَّ: على أنَّ الإيمان محله القلب والجوارح، لكن أهل السنَّة فرَّقوا في هذا المقام بين الإيمان المطلق، ومطلق الإيمان.
فإذا اقترف العبد كبيرة من كبائر الذنوب، خرج بها من الإيمان المطلق إلى مطلق الإيمان، ولا يبطل إيمانه بالكلية إلاَّ بفعل ناقض من نواقض الإسلام.
أما الخوارج فقد اشترطت الإيمان المطلق لكل عبد حتى يصح إسلامه، فإذا نقضه بفعل كبيرة، أو ترك فريضة، فقد بطل إيمانه وفسد بكل درجاته ودوائره.
وبهذا انعقد إجماع أهل السنَّة على أن العاصي من الموحدين لا يخلد في النار، كما تواترت بذلك الآثار، خلافًا للخوارج والمعتزلة، وقد يدخلها بسبب ذنوبه، إن لم تدركه رحمة ربه ﵎، ويمكث فيها ما شاء الله له ثم يخرج منها، وذلك خلافًا للغلاة من المرجئة التي نصبت راية النجاة من العذاب لكل العصاة من الموحدين زاعمة أن المعصية لا تضر مع الإيمان، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وعليه فإن إيمان العصاة من أهل القبلة، كإيمان الملائكة والنبِّيين والصدِّيقين ...
ولقد دوّر السلف دائرة للإسلام، ودوَّروا داخلها دائرة للإيمان، ونصُّوا: على أن فعل الكبيرة يخرج صاحبه من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلاَّ الكفر المبين والردَّة عن الدين.
* * *
стр. 108
المبحث الأول
الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:
قال السائل: تفكَّرت في الإيمان وقوته وضعفه، وأن محلَّه القلب، وأن التقوى ثمرته ومركبة عليه، فبقوته تقوى، وبضعفه تضعف.
فأجاب: قولك إن الإيمان محله القلب؛ فالإيمان بإجماع السلف محله القلب والجوارح جميعًا، كما ذكر الله في سورة الأنفال وغيرها؛ وأما كون الذي في القلب والذي في الجوارح، يزيد وينقص، فذلك شيء معلوم، والسلف يخافون على الإنسان إذا كان ضعيف الإيمان من النفاق، أو سلب الإيمان كله» (١).
وقال الشيخ حسن ابن الشيخ حسين ابن الشيخ محمد رحمهم الله تعالى:
قال ابن القيم ﵀: ونحن نحكي إجماعهم، كما حكاه حرب، صاحب الإمام أحمد، بلفظه، قال في مسائله المشهورة، هذا مذهب أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنَّة المتمسِّكين بها، المقتدى بهم فيها، من لدن أصحاب رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مخالف مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن مذهب أهل السنَّة وسبيل الحق.
قال: وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم، وعبد الله بن مخلد،
стр. 109
وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا، وأخذنا عنهم العلم، فكان من قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية، وتمسك بالكتاب والسنَّة؛ والإيمان: يزيد وينقص، ويستثنى في الإيمان غير أن لا يكون شكًا، إنما هي سنة ماضية عند العلماء، وإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، ويقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.
(أقوال الفرق في الإيمان)
ومن زعم: أن الإيمان قول بلا عمل، فهو مرجئ؛ ومن زعم: أن الإيمان هو القول، والأعمال شرائع، فهو مرجئ، ومن زعم: أن الإيمان يزيد، ولا ينقص فقد قال بقوله المرجئة؛ ومن لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ؛ ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل والملائكة، فهو مرجئ؛ ومن زعم أن المعرفة تقع في القلب، وإن لم يتكلم بها، فهو مرجئ» (١).
وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى عن معنى أبيات من الشعر، قيلت في التوحيد فأجاب:
«... الثالثة: هل يشترط في الواجب، النطق بالشهادتين؟ أو يصير مسلمًا بالمعرفة، فذكر (٢): أنه لا يصير مسلمًا إلاَّ بالنطق للقادر عليه، والمخالف في ذلك جهم ومن تبعه؛ وقد أفتى الإمام أحمد، وغيره من السلف، بكفر من قال: إنه يصير مسلمًا بالمعرفة، وتفرع على هذه مسائل؛ منها: من دعي إلى الصلاة فأبى مع الإقرار بوجوبها، هل يقتل كفرًا أو حدًا؟ ومن قال: يقتل حدًا، من رأى أن هذا أصل المسألة.
الرابعة: أن ابن كرَّام، وأتباعه، يقولون: إن الإيمان، قول باللسان، من
стр. 110
غير عقيدة القلب، مع أنهم يوافقون أهل السنَّة، أنه مخلد في النار، فذكر أنه: لا بد مع النطق بتصديق القلب» (١).
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله تعالى:
«ومذهب الأشاعرة: أن الإيمان مجرَّد التصديق، ولا يدخلون فيه أعمال الجوارح، قالوا: وإن سُمِّيت الأعمال في الأحاديث إيمانًا، فعلى المجاز، لا الحقيقة» (٢).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى:
«وأما المعتزلة: فهم الذين يقولون بالمنزلة بين المنزلتين؛ يعنون: أن مرتكب الكبيرة، يصير في منزلة بين الكفر والإسلام، فليس هو بمسلم، ولا كافر؛ ويقولون: إنه يخلد في النار، ومن دخل النار لم يخرج منها بشفاعة، ولا غيرها.
وأول من اشتهر عنه ذلك: عمرو بن عبيد، وكان هو وأصحابه يجلسون معتزلين الجماعة، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة، وهم كانوا بالبصرة بعد موت الحسن البصري، وضم المعتزلة إلى ذلك: التكذيب بالقدر؛ ثم ضمُّوا إلى ذلك نفي الصفات؛ فيثبتون الاسم دون الصفة؛ فيقولون: عليم بلا علم؛ سميع بلا سمع؛ بصير بلا بصر؛ وهكذا سائر الصفات؛ فهم قدرية جهمية، وامتازوا (٣): بالمنزلة بين المنزلتين، وخلود عصاة الموحدين في النار.
وأما الخوارج: فهم الذين خرجوا على علي ﵁؛ وقبل ذلك: قتلوا
стр. 111
عثمان ﵁؛ وكفروا عثمان، وعليًا، وطلحة، والزبير، ومعاوية، وطائفتي علي ومعاوية، واستحلوا دماءهم.
وأصل مذهبهم: الغلو الذي نهى الله عنه، وحذر عنه النبي ﷺ ، فكفروا من ارتكب كبيرة؛ وبعضهم: يكفر بالصغائر: وكفروا عليًا وأصحابه بغير ذنب، فكفَّروهم بتحكيم الحكمين: عمرو بن العاص، وأبي موسى الأشعري، وقالوا: لا حكم إلاَّ لله.
واستدلوا على قولهم بالتكفير بالذنوب، بعمومات أخطئوا فيها، وذلك كقوله سبحانه: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].
وقوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤].
وقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، وغير ذلك من الآيات.
وأجمع أهل السنَّة والجماعة أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار إذا ماتوا على التوحيد؛ وأن من دخل النار منهم بذنبه يخرج منها، كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ .
وأيضًا: فلو كان الزاني، وشارب الخمر، والقاذف، والسارق، ونحوهم: كفارًا مرتدين، لكان حكمهم في الدنيا القتل، الذي هو حكم الله في المرتدين؛ فلما حكم الله على الزاني البكر الجلد، وعلى السارق بالقطع، وعلى الشارب والقاذف بالجلد، دلَّنا حكم الله فيهم بذلك: أنهم لم يكفروا بهذه الذنوب، كما تزعمه الخوارج» (١).
* * *
стр. 112
المبحث الثاني
الإسلام والإيمان وحدود العلاقة بينهما
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀، عن الفرق بين الإسلام والإيمان، فأجاب:
قد فسَّر النبي ﷺ الإسلام والإيمان في حديث جبرائيل، وفسَّر الإسلام في حديث ابن عمر، وكلاهما في الصحيح، فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً»، وقال: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، وقال في حديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»، وفي رواية: «والحج، وصوم رمضان».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، جعل النبي ﷺ الدين ثلاث درجات: أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، ويليه الإسلام، فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مؤمن محسنًا، ولا كل مسلم مؤمنًا، كما دلت عليه الأحاديث. انتهى كلامه.
فإن قيل: قد فرَّق النبي ﷺ في حديث جبرائيل بين الإسلام والإيمان، والمشهور عن السلف وأئمة الحديث: أن الإيمان قول، وعمل، ونيَّة، وأنَّ الأعمال كلها داخلة في مسمَّى الإيمان، وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم؟
стр. 113
فالجواب: أنَّ الأمر كذلك، وقد دلَّ على دخول الأعمال في الإيمان: الكتاب والسنَّة: أما الكتاب فكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وأما الحديث فكقوله في حديث أبي هريرة المتفق عليه: «الإيمان بضع وسبعون شُعبة، أعلاها قول لا إله إلاَّ الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبة من الإيمان» وغير ذلك.
فمن زعم: أن إطلاق الإيمان على الأعمال الظاهرة مجاز، فقد خالف الصحابة، والتابعين، والأئمة.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنه يجمع بين الأحاديث: بأن أعمال الإسلام داخلة في مسمَّى الإيمان، شاملاً لها، ففسرت بالإسلام، وهي جزء مسمَّى الإيمان، لكون الإيمان مثالاً لها ولغيرها، من الأعمال الباطنة والظاهرة، فإذا أفرد الإيمان في آية أو حديث، دخل فيه الإسلام، وإذا قرن بينهما فسر الإسلام بالأركان الخمسة، كما في حديث جبريل، وفسَّر الإيمان بأعمال القلب، لأنها أصل الإيمان ومعظمه، وقوته وضعفه: ناشئ عن قوة ما في القلب، من هذه الأعمال أو ضعفها.
وقد يضعف ما في القلب، من الإيمان بالأصول الستة، حتى يكون وزن ذرة، كما في الحديث الصحيح: «أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان».
فبقدر ما في القلب من الإيمان، تكون الأعمال الظاهرة، التي هي داخلة في مسمَّاه، وتسمَّى إسلامًا وإيمانًا، كما في حديث وفد عبد القيس، حين قال لهم النبي ﷺ : «آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خُمس ما غنمتم»، فهذه
стр. 114
الأعمال الظاهرة والباطنة، فمن ترك شيئًا من الواجبات، أو فعل شيئًا من المحرَّمات، نقص إيمانه بحسب ذلك، وهو دليل على نقصان أصل الإيمان، وهو إيمان القلب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، في الكلام على الإسلام والإيمان والإحسان، وما بين الثلاثة من العموم والخصوص: أما الإحسان: فهو أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإيمان، والإيمان: أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإسلام. فالإحسان: يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون: أخص من المؤمنين، والمؤمنون: أخص من المسلمين. انتهى. وهذا يبيِّن ما قرَّرنا.
فحينئذ يتبين الإيمان الكامل، الذي صاحبه يستحق عليه دخول الجنة. والنجاة من النار، هو: فعل الواجبات، وترك المحرَّمات، وهو: الذي يطلق على من كان كذلك بلا قيد، وهو الإيمان: الذي يسميه العلماء: الإيمان المطلق.
وأما من لم يكن كذلك، بل فرَّط في بعض الواجبات، أو فعل بعض المحرَّمات، فإنه لا يطلق عليه الإيمان إلاَّ بقيد، فيقال: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، أو يقال: مؤمن ناقص الإيمان، لكونه ترك بعض واجبات الإيمان، كما في حديث أبي هريرة ﵁: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، أي: ليس موصوفًا بالإيمان الواجب، الذي يستحق صاحبه الوعد بالجنة، والمغفرة والنجاة من النار، بل هو تحت المشيئة: إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه على ترك ما وجب عليه من الإيمان، وارتكابه الكبيرة.
وقيل: هذا يوصف بالإسلام دون الإيمان، ولا يسمَّى مؤمنًا إلاَّ بقيد، وهذا الذي يسميه العلماء مطلق الإيمان، أي: أنه أتى بالأركان الخمسة، وعمل بها باطنًا وظاهرًا، وهذا الذي قلنا من معنى الإسلام والإيمان، هو
стр. 115
مذهب الإمام أحمد، وطائفة من السلف والمحققين، وذهب طائفة من أهل السنَّة أيضًا إلى أنَّ الإسلام والإيمان شيء واحد، وهو الدين، فيسمَّى إسلامًا وإيمانًا، فهما اسمان لمسمَّى واحد، والأول أصح، وهو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتبه، فلا تلتفت إلى ما يخالف هذين القولين، والله أعلم (١).
* * *
من المعلوم من الدين بالضرورة: أنه يجب الإيمان بكل ما جاء به النبي ﷺ ، فالإيمان بالشريعة كلٌّ لا يتجزأ، ومن ثمَّ من وقع في ردّ أي حكم من أحكامها، يكون كافرًا، ولو كان مقرًا بكل ما أنزل الله فيها.
والإيمان والكفر، ضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان، ولكل منهما أصل وشُعب. فأصل الإيمان: التوحيد، وشُعبه: الطاعات، وأصل الكفر: الشرك، وشُعبه: المعاصي.
فالضد من أصل الإيمان وشُعبه، يستحيل أن يجتمع مع ضده من أصل الكفر وشُعبه.
فالعبد إذا قامت به شُعبة من شُعب الكفر دون أصله، لا يكون كافرًا، وكذلك إذا قامت به شُعبة من شُعب الإيمان دون أصله، لا يصير مؤمنًا.
فحكم الكفر لا ينحل عن صاحبه، حتى يحقق أصل الإيمان لا شُعبه، وكذلك حكم الإيمان لا يفارق صاحبه، حتى يقوم به أصل الكفر لا شُعبه، وبعبارة أخرى: إن الإيمان لا يثبت لكافر، حتى ينخلع من أصل الكفر، لا شُعبه، كما أن الكفر لا يثبت على مؤمن، حتى يذهب عنه أصل الإيمان لا شُعبه.
والحاصل: أن للإيمان أصل، لا يتم ولا يصح الإسلام والإيمان إلاَّ به إجماعًا.
стр. 116
فأصل الإسلام والإيمان: القيام بمعنى (لا إله إلاَّ الله) إقرارًا وعلمًا وعملاً، ومدلول ذلك يتمثل في: عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بكل ما يُعبد من دونه، مع الإقرار والقبول لكافة أحكام الله تعالى.
وللإسلام والإيمان، علاقة وطيدة تربط بينهما، وعلى ضوء قواعدها، نستطيع الوقوف على أسماء وأحكام الكفر والإيمان.
فالإسلام قد يفسر بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال الباطنة، إلاَّ أنه لا يصح قبول أي واحد منهما بمعزل عن الآخر.
فالإسلام بدون إيمان نفاق أكبر، والإيمان بدون إسلام دعوى لا حقيقة لها؛ ومن ثمَّ كانت المؤثرات السلبية والإيجابية الظاهرة واحدة على كل منهما.
فإذا قام دليل صحيح منضبط على فساد الظاهر أو الباطن، قطعنا بفساد الإسلام والإيمان، هذا مع قولنا: إن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان هو الأعمال الباطنة فينبغي التفطن لهذا الموضع فإنه نافع جدًا، وبه نعلم حقيقة العلاقة الصحيحة المنضبطة بين الإسلام والإيمان.
والناس يتفاضلون في الإسلام والإيمان تفاضلاً عظيمًا، ويكونون فيه على درجات متفاوتة، بحسب ما قام في قلوبهم من: الصدق واليقين والإخلاص، وعلى جوارحهم من: الانقياد والطاعة والقبول والإذعان.
وبهذا يعلو جليًا: الفرق البين الواضح، بين الإيمان والكفر، والإسلام والشرك، والطاعة والمعصية، وأحكام كل واحد منهم.
والحاصل: أنَّ من سوَّى بين أصل الإيمان وشُعبه، وأصل الكفر وشُعبه، في الأسماء والأحكام، يكون قد خالف الكتاب والسَّنة وإجماع سلف الأمة، وأحلّ بنفسه البدعة، ودخلها من أوسع أبوابها، مترديًا في أودية هلاكها.
стр. 117
المبحث الثالث
أصل الإيمان الذي لا يصح إلا بتحقيقه
قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن في أثناء كلام له عن تقرير الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لقضية التوحيد والأدلة عليها:
«قال: الشيخ ﵀ يوضح ذلك أنَّ أصل الإسلام وقاعدته شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهي أفضل شعب الإيمان، وهذا الأصل لا بدَّ فيه من العلم والعمل والإقرار، بإجماع المسلمين» (١).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
«إن الرسول ﷺ فرض الإيمان بما جاء به كله، لا تفريق فيه، فمن آمن ببعض، وكفر ببعض، فهو كافر حقًا، بل لا بد من الإيمان بالكتاب كله.
فإذا عرفت أنَّ من الناس من يصلي ويصوم، ويترك كثيرًا من المحرمات، لكن لا يروثون المرأة، ويزعمون أن ذلك هو الذي ينبغي اتباعه، بل لو يورثها أحد عندهم، ويخلف عادتهم، أنكرت قلوبهم ذلك، أو ينكر عدة المرأة في بيت زوجها، مع علمه بقول الله تعالى: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] ويزعم أن تركها في بيت زوجها لا يصلح، وأن إخراجها عنه، هو الذي ينبغي فعله، وأنكر التحية بالسلام، مع معرفة أن الله شرعه، حبًا لتحية الجاهلية لما ألفها، فهذا يكفر، لأنه آمن ببعض وكفر ببعض، بخلاف من عمل المعصية، أو ترك الفرض، مثل فعل الزنا، وترك بر الوالدين، مع اعترافه أنه مخطئ، وأن أمر الله، هو الصواب» (٢).
стр. 118
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى:
«أما النطق بلا إله إلاَّ الله، من غير معرفة لمعناها، ولا يقين، ولا عمل بما تقتضيه من البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل، قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب والجوارح، فغير نافع بالإجماع» (١).
وقال أيضا رحمه الله تعالى:
«والإيمان بالله وحده، هو: البراءة مما كانوا يعبدونه من الأصنام والأوثان وإخلاص العبادة لله، لا يرتاب في هذا مسلم.
فمن شك في أن هذا هو معنى لا إله إلاَّ الله، فليس معه من الإسلام ما يزن حبة خردل» (٢).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى:
«إن الكفر بالطاغوت: ركن التوحيد، كما في آية البقرة أي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فإذا لم يحصل هذا الركن، لم يكن موحِّدًا، والتوحيد: هو أساس الإيمان، الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه. اهـ» (٣).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى:
«وأصل الإيمان بالله وحده: هو عبادته وحده لا شريك له، وقد فسَّره النبي ﷺ بذلك في حديث (وفد عبد القيس).
هذا هو الإيمان الذي اختصَّ به المؤمنون، وجحده المشركون، وفيه وقع النزاع، وله شرع الجهاد، وانقسم العباد» (٤).
стр. 119
المبحث الرابع
وجوب التباين بين أصل الإيمان وشعبه وأصل الكفر وشعبه، ثابت بالكتاب والسنة
لقد أصل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن أصولاً ذهبية في قضية الإيمان - قد استقاها من الإمام العلامة ابن قيم الجوزية - لا يمكن الاستغناء عنها لمن أراد الوقوف على علل وأحكام الإيمان والكفر، فقال ﵀:
«وهنا أصول، أحدهما: أن السنة والأحاديث النبوية، هي المبينة للأحكام القرآنية، وما يراد من النصوص الواردة في كتاب الله، في: باب معرفة حدود ما أنزل الله، كمعرفة المؤمن، والكافر، والمشرك، والموحِّد، والفاجر، والبر، والظالم، والتقي، وما يراد بالموالاة، والتولي، ونحو ذلك من الحدود ....
الأصل الثاني: أن الإيمان أصل، له شُعب متعددة، كل شعبة منها تسمَّى إيمانًا، فأعلاها: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق.
فمنها: ما يزول الإيمان بزواله إجماعًا، كشعبة الشهادتين، ومنها: ما لا يزول بزواله إجماعًا، كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبين هاتين الشعبتين شُعب متفاوتة، منها:" ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب، ومنها: ما يلحق بشعبة إماطة الأذى عن الطريق ويكون إليها أقرب، والتسوية بين هذه الشعب في اجتماعها، مخالف للنصوص، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها.
وكذلك الكفر أيضًا، ذو أصل وشعب، فكما أنَّ شُعب الإيمان: إيمان، فشُعب الكفر: كفر، والمعاصي كلها من شُعب الكفر، كما أن الطاعات
كلها من شُعب الإيمان، ولا يسوَّى بينهما في الأسماء والأحكام، وفرق بين
стр. 120
من ترك الصلاة، أو الزكاة، أو الصيام، أو أشرك بالله، أو استهان بالمصحف، وبين من يسرق، ويزني، أو يشرب، أو ينهب، أو صدر منه نوع موالاة، كما جرى لحاطب، فمن سوَّى بين شُعب الإيمان في الأسماء والأحكام، أو سوَّى بين شُعب الكفر في ذلك، فهو مخالف للكتاب والسنة، خارج عن سبيل سلف الأمة، داخل في عموم أهل البدع والأهواء.
الأصل الثالث: أن الإيمان مركب، من قول وعمل، والقول قسمان:
قول القلب، وهو: اعتقاده.
وقول اللسان، وهو: التكلُّم بكلمة الإسلام.
والعمل قسمان:
عمل القلب وهو: قصده، واختياره، ومحبته، ورضاه، وتصديقه.
وعمل الجوارح: كالصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة.
فإذا زال تصديق القلب، ورضاه، ومحبته لله، وصدقه، زال الإيمان بالكلية.
وإذا زال شيء من الأعمال، كالصلاة، والحج، والجهاد، مع بقاء تصديق القلب وقَبوله، فهذا محل خلاف، هل يزول الإيمان بالكلية، إذا ترك أحد الأركان الإسلامية، كالصلاة، والحج، والزكاة، والصيام، أو لا يزول؟ وهل: يكفر تاركه أو لا يكفر؟ وهل: يفرق بين الصلاة، وغيرها، أو لا يفرق؟
فأهل السنة: مجمعون على أنه لا بد من عمل القلب، الذي هو: محبته، ورضاه، وانقياده، والمرجئة تقول: يكفي التصديق فقط، ويكون به مؤمنًا، والخلاف في أعمال الجوارح، هل يكفر أو لا يكفر، واقع بين أهل السنة والمعروف عند السلف: تكفير من ترك أحد المباني الإسلامية، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والقول الثاني: أنه لا يكفر إلاَّ من جحدها.
стр. 121
والثالث: الفرق بين الصلاة وغيرها، وهذه الأقوال، معروفة.
وكذلك المعاصي والذنوب التي هي: فعل المحظورات، فرقوا فيها بين ما يصادم أصل الإسلام وينافيه، وما دون ذلك، وبين ما سمَّاه الشارع كفرًا وما لم يسمه، هذا ما عليه أهل الأثر، المتمسِّكون بسنة رسول الله ﷺ ، وأدلة هذا مبسوطة في أماكنها.
الأصل الرابع: أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، وهو: أن يكفر بما علم أن الرسول ﷺ جاء به من عند الله، جحودًا وعنادًا، من: أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، التي أصلها توحيده، وعبادته وحده لا شريك له، وهذا مضاد للإيمان من كل وجه ...
الأصل الخامس: أنه لا يلزم من قيام شعبة من شُعب الإيمان بالعبد، أن يسمِّى مؤمنًا، ولا يلزم من قيام شعبة من شُعب الكفر، أن يسمَّى كافرًا وإن كان ما قام به كفر، كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم، أو من أجزاء الطب، أو من أجزاء الفقه، أن يسمَّى عالمًا، أو طبيبًا، أو فقيهًا، وأما الشعبة نفسها، فيطلق عليها اسم الكفر، كما في الحديث: «اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت»، وحديث: «من حلف بغير الله فقد كفر»، ولكنه لا يستحق اسم الكفر على الإطلاق» (١).
* * *
стр. 122
المبحث الخامس
حكم الاستثناء في الإيمان
لقد انقسم المسلمون في حكم الاستثناء في الإيمان إلى الثلاثة أقوال:
منهم من يوجبه، ومنهم من يحرِّمه، ومنهم من يجوِّز الأمرين باعتبارين مختلفين، وهذا أصل الأقوال لاستمداد مشروعيته من القواعد الصحيحة المنضبطة لدى سلف الأمة في قضية الإيمان.
فالاستثناء في الإيمان لدى أهل السنة يعود إلى الموافاة -، وإلى كماله الواجب، وأما الاستثناء فيه شكًا فقد أجمعوا على حرمته.
وإذا قال واحد من السلف: أنا مؤمن من غير استثناء، فقد أراد بذلك: مطلق الإيمان، لا الإيمان المطلق، أو الإيمان المقيد، لا الإيمان الواجب أو المستحب، ولقد صدَّعت الموافاة على الإيمان: قلوب المؤمنين، وكان الواحد منهم، كلما عظم إيمانه، اشتد خوفه من النفاق والكفر، وسوء الخاتمة.
سئل الشيخ حمد بن عتيق، عن قول الفقهاء: من قال أنا مؤمن إن شاء الله، إن نوى به في الحال، يكفر، وإن نوى به في المآل، لم يكفر؟!
فأجاب:
هذا سؤال من لا يحسن السؤال، فإن ظاهره: أن جميع الفقهاء يقولون ذلك، ومن له خبرة بأقوال الفقهاء، تحقق أن هذه مجازفة عليهم وقول بلا علم، فإن كان بعض المتأخرين، من بعض أهل المذاهب قال ذلك، فهو: قول محدث، من أقوال أهل البدع، وأنا أذكر لك من كلام العلماء
في الاستثناء في الإيمان، وهو قول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، ليتضح الخطأ
стр. 123
من الصواب، ويعلم مَن الأولى بالحق في هذا الباب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما الاستثناء في الإيمان، بقول الرجل: أما مؤمن إن شاء الله، فالناس فيه على ثلاثة أقوال:
منهم: من يوجبه.
ومنهم: من يحرمه.
ومنهم: من يجوِّز الأمرين، باعتبارين. وهذا: أصح الأقوال.
فالذين يحرمونه، هم: المرجئة، والجهمية، ونحوهم، ممن يجعل الإيمان شيئًا واحدًا، يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب، ونحو ذلك مما في قلبه، فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني قرأت الفاتحة، فمن استثنى في إيمانه، فهو شاك فيه عندهم.
وأما الذين أوجبوا الاستثناء، فلهم فيه مأخذان، أحدهما: أن الإيمان، هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنًا، وكافرًا باعتبار الموافاة، وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وهو: مأخذ كثير من المتأخرين، من الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما استشهد عليه أهل السنَّة والحديث، من قولهم: أنا مؤمن إن شاء الله، ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود منه، وإنما يشك في المستقبل، وهذا: وإن علل به كثير من المتأخِّرين من أصحاب الحديث، من أصحاب أحمد، ومالك، والشافعي، وغيرهم، فما علمت أحدًا من السلف علَّل به الاستثناء.
قلت: فالمرجئة، والجهمية، يحرِّمون الاستثناء، في الحال والمآل، وهؤلاء: يبيحونه في المآل، ويمنعونه في الحال.
قال شيخ الإسلام ﵀: والمأخذ الثاني في الاستثناء: أن الإيمان
المطلق، يتضمن فعل ما أمر الله به كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال
стр. 124
الرجل: أما مؤمن بهذا الاعتبار، فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين، القائمين فعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لها بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة، لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، وهذا: مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوَّزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر.
وروى الخلال عن أبي طالب قال: سمعت أبا عبد الله، يقول: لا نجد بدًا من الاستثناء، لأنهم إذا قالوا مؤمن، فقد جاءوا بالقول، فإنما الاستثناء بالعمل لا بالقول، وعن إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان لأن الإيمان قول وعمل، والعمل الفعل، فقد جئنا بالقول، ونخشى أن نكون فرطنا في العمل، فيعجبني أن يستثني في الإيمان، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ومثل هذا كثير من كلام أحمد، وأمثاله» (١).
* * *
стр. 125
المبحث السادس
كلما عظم الإيمان، اشتد الخوف من الكفر والنفاق
سئل الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى:
هل يجوز للإنسان أن يحدث نفسه بقول: أنا منافق؟ أنا أخشى الكفر؟ هل هذا شك في الدين؟ أم لا؟
الجواب: قال البخاري، في صحيحه: قال ابن أبي مليكة: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إن إيمانه كإيمان جبرائيل وميكائيل».
وقال ابن القيم: تالله لقد قطع خوف النفاق، قلوب السابقين الأولين، لعلمهم بدقه، وجله، وتفاصيله، وجمله، ساءت ظنونهم بنفوسهم، حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين.
قال عمر بن الخطاب ﵁: يا حذيفة ناشدتك الله، هل سمَّاني لك رسول الله ﷺ مع القوم؟ فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدًا، يعني: لا أفتح هذا الباب في تزكية الناس، ليس معناه: أنه لم يبرئ من النفاق غيره.
وكيف كان ما هو من صفات السابقين الأولين، شكًا في الدين؟
وعن الحسن البصري - في النفاق - ما أمنه إلاَّ منافق، ولا خافه إلاَّ مؤمن.
وقال ابن القيم ﵀: وبحسب إيمان العبد ومعرفته، يشتد خوفه أن يكون منهم، ولهذا: اشتد خوف سادة الأمة، وسابقيها على أنفسهم، أن يكونوا منهم. انتهى.
стр. 126
فكلما زاد الإيمان، اشتد الخوف من النفاق، وعلى حسب ضعف الإيمان يكون الأمن منه، وأما خوف الكفر فيكفي فيه قول الله تعالى، إخبارًا عن خليله إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وهو يدل على شدة خوفه من هذا الأمر، وفي الدعاء المأثور: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر، والفقر، وعذاب القبر، وأن أُردّ إلى أرذل العمر».
واعلم: أن كون الإنسان، يشتد خوفه من الكفر، والنفاق، ويكثر البحث عن أسبابهما ونحو ذلك، هو أمر غير التلفظ به، وكونه يقول: أنا منافق، فذاك لون، وهذا لون» (١).
* * *
стр. 127
الفصل الخامس
الطاغوت وصفة الكفر به
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: معنى الطاغوت وذكر بعض أفراده.
المبحث الثاني: رءوس الطواغيت وصفة الكفر بهم.
المبحث الثالث: تكفير الطاغوت وشيعته، والبراءة منهم، شرط في صحة الإسلام.
المبحث الرابع: الكفر بالطاغوت شطر التوحيد، والتوحيد أساس الإيمان وركنه الأعظم، والتحاكم إلى الطاغوت أو الحكم به، إيمان بالطاغوت وكفر بالله العظيم، ومروق من ملة المسلمين.
стр. 128
المبحث الأول
معنى الطاغوت وبعض أفراده
قال عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين:
«وأما تعريف الطاغوت: فهو مشتق من طغا، وتقديره طغووت، ثم قلبت الواو ألفًا، قال النحويُّون: وزنه فعلوت، والتاء زائدة، وقال الواحدي: قال جميع أهل اللغة: الطاغوت: كل ما عبد من دون الله، يكون واحدًا وجمعًا، ويذكر ويؤنث، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، فهذا في الواحد.
وقال تعالى في الجمع: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وقال في المؤنث: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧]، قال: ومثله في أسماء الفلك يكون واحدًا وجمعًا ومذكرًا ومؤنثًا.
قال: قال الليث وأبو عبيدة والكسائي وجماهير أهل اللغة: الطاغوت كل ما عبد من دون الله، وقال الجوهري: الطاغوت الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال، وقال مالك وغير واحد من السلف والخلف: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، وقال عمر بن الخطاب ﵁ وابن عباس ﵄ وكثير من المفسرين: الطاغوت الشيطان.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهو قول قوي جدًا، فإنه يشتمل كل ما عليه أهل الجاهلية من: عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها.
وقال الواحدي عند قول الله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]:
стр. 129
كل معبود من دون الله فهو جبت وطاغوت؛ قال ابن عباس في رواية عطية: الجبت الأصنام، والطاغوت تراجمة الأصنام الذين يكونون بين أيديها يعبرون عنه الكذب ليضلوا الناس، وقال في رواية الوابي: الجبت الكاهن، والطغوت الساحر.
وقال بعض السلف في قوله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]، إنه كعب بن الأشرف. وقال بعضهم: حيّ بن أخطب. وإنما استحقَّا هذا الاسم لكونهما من رءوس الضلال، ولإفراطهما في الطغيان وإغوائهما الناس، ولطاعة اليهود لهما في معصية الله، فكل من كان بهذه الصفة فهو طاغوت.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]، ولما ذكر ما قيل إنها نزلت فيمن طلب التحاكم إلى كعب بن الأشرف أو إلى حكم الجاهلية وغير ذلك، قال: والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة، لمن عدل عن الكتاب والسنَّة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا.
فتحصَّل من مجموع كلامهم رحمهم الله تعالى أن اسم «الطاغوت» يشمل كل معبود من دون الله، وكل رأس في الضلال يدعو إلى الباطل ويحسنه، ويشمل أيضًا كل من نصبه الناس للحكم بينهم بأحكام الجاهلية المضادة لحكم الله ورسوله، ويشمل أيضًا الكاهن والساحر وسدنة الأوثان إلى عبادة المقبورين وغيرهم بما يكذبون من الحكايات المضلَّة للجهَّال، الموهمة أن المقبور ونحوه يقضي حاجة من توجه إليه وقصده، وأنه فعل كذا وكذا مما هو كذب أو من فعل الشياطين، ليوهموا الناس أن المقبور ونحوه يقضي حاجة من قصده، فيوقعهم في الشرك الأكبر وتوابعه.
стр. 130
وأصل هذه الأنواع كلها وأعظمها الشيطان، فهو الطاغوت الأكبر، والله أعلم، وصلَّى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا» (١).
وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
السؤال الثالث من الفتوى رقم (٨٠٠٨):
س: ما معنى الطاغوت عمومًا، مع الإشارة إلى تفسير ابن كثير لآية النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠].
المراد هنا توضيح أمرين:
الأول: ما معنى الطاغوت عمومًا، وهل يدخل كما قال ابن كثير طاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه دون الله لكي نصل إلى تفسير الحاكم والمتحاكمين إليه حال كونه لا يحاكم بشرعه سبحانه.
الثاني: معنى قوله ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ﴾ قال بعضهم الإرادة هنا لا تحصل إلاَّ بالباطن ولا يعلم أحد به لذا فلا يحكم بكفر المتحاكم إلاَّ بتوافر شرط العلم بالإرادة الباطنية وهو غير حاصل، الإرادة محمولة على المعنى الظاهرة، الاستدلال بحديث الرسول ﷺ بالرضا والمتابعة، أي: ذلك صواب.
الحمد لله وحده والصلاة والسَّلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد:
ج: أولاً: معنى الطاغوت العام: هو كل ما عبد من دون الله مطلقًا، تقربًا إليه بصلاة أو صيام أو نذر أو ذبيحة أو لجوء إليه، فيما هو من شأن الله، لكشف ضر، أو جلب نفع، أو تحكيمًا له بدلاً من كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ونحو ذلك.
стр. 131
والمراد بالطاغوت في الآية: كل ما عدل عن كتاب الله تعالى وسنَّة نبيه ﷺ ، إلى التحاكم إليه من: نظم وقوانين وضعية، أو تقاليد وعادات متوارثة، أو رؤساء قبائل ليفصل بينهم بذلك، أو بما يراه زعيم الجماعة، أو الكاهن. ومن ذلك يتبين: أن النظم التي وضعت ليتحاكم إليها مضاهاة لتشريع الله داخلة في معنى الطاغوت.
لكن من عبد من دون الله وهو غير راض بذلك كالأنبياء والصالحين لا يسمَّى طاغوتًا وإنما الطاغوت الشيطان الذي دعاهم إلى ذلك وزينه لهم من الجن والإنس.
ثانيًا: المراد بالإرادة في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾: ما صحبه فعل، أو قرائن وأمارات تدل على القصد والإرادة، بدليل ما جاء في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، ويدل على ذلك أيضًا: سبب النزول الذي ذكره ابن كثير وغيره في تفسير هذه الآية، وكذلك المتاعبة دليل الرضا، وبذلك يزول الإشكال القائل: إن الإرادة أمر باطن فلا يحكم على المريد إلاَّ بعلمها منه وهو غير حاصل.
وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز (١)
* * *
стр. 132
المبحث الثاني
رءوس الطواغيت، وصفة الكفر بها
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
«اعلم رحمك الله تعالى أن أوَّل ما فرض الله على ابن آدم: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
فأما صفة الكفر بالطاغوت: فأن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم.
وأما معنى الإيمان بالله: فأن تعتقد أن الله هو الإله المعبود وحده دون من سواه، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله، وتنفيها من كل معبود سواه، وتحب أهل الإخلاص وتواليهم، وتبغض أهل الشرك وتعاديهم.
والطاغوت عام، فكل ما عُبد من دون الله ورضى بالعبادة من معبود أو متبوع أو مطاع في غير الله ورسوله فهو طاغوت. والطواغيت كثيرة، ورءوسهم خمسة:
(الأول): الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يس: ٦٠].
(الثاني): الحاكم الجائر المغيِّر لأحكام الله تعالى، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠].
стр. 133
(الثالث): الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
(الرابع): الذي يدَّعي علم الغيب من دون الله، والدليل قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧] ...
(الخامس): الذي يعبد من دون الله وهو راض بالعبادة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩].
واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمنًا بالله إلاَّ بالكفر بالطاغوت، والدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]» (١).
وقال الشيخ سليمان بن سمحان رحمها الله تعالى:
هذه كلمات في بيان الطاغوت، ووجوب اجتنابه، قال الله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
فبيَّن تعالى أنَّ المستمسك بالعروة الوثقى، هو الذي يكفر بالطاغوت، وقدم الكفر به على الإيمان بالله، لأنه قد يدعي المدعي أنه يؤمن بالله، وهو لا يجتنب الطاغوت، وتكون دعواه كاذبة ...
والمراد من اجتنابه هو: بغضه، وعداوته بالقلب، وسبِّه وتقبيحه باللسان، وإزالته باليد عند القدرة ومفارقته، فمن ادعى اجتناب الطاغوت ولم يفعل ذلك فما صدق.
стр. 134
وأما حقيقته والمراد به، فقد تعددت عبارات السلف عنه، وأحسن ما قيل فيه، كلام ابن القيم رحمه الله تعالى حيث قال: الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه، غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه من غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها، وتأملت أحوال الناس معها، رأيت أكثرهم ممن أعرض عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله، إلى طاعة الطاغوت ومتابعته. انتهى.
وحاصله: أن الطاغوت ثلاثة أنواع؛ طاغوت حكم، وطاغوت عبادة، وطاغوت طاعة، ومتابعة، والمقصود في هذه الورقة هو: طاغوت الحكم، فإن كثيرًا من الطوائف المنتسبين إلى الإسلام، قد صاروا يتحاكمون إلى عادات آبائهم، ويسمون ذلك الحق بشرع الرفاقة، كقولهم شرع عجمان، وشرع قحطان، وغير ذلك، وهذا هو الطاغوت بعينه الذي أمر الله باجتنابه.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاجه، وابن كثير في تفسيره: أن من فعل ذلك فهو كافر بالله، زاد ابن كثير يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله» (١).
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله تعالى -:
«كل من حكم بغير شرع الله فهو: طاغوت» (٢).
* * *
стр. 135
المبحث الثالث
تكفير الطاغوت وشيعته، والبراءة منهم، شرط في صحة الإسلام
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
«ومعنى الكفر بالطاغوت: أن تبرأ من كل ما يعتقد فيه غير الله من جني أو إنسي أو شجر أو حجر أو غير ذلك، وتشهد عليه بالكفر والضلال، وتبغضه ولو كان أباك وأخاك.
فأما من قال أنا لا أعبد إلاَّ الله وأنا لا أتعرَّض السَّادة والقباب على القبور، وأمثال ذلك، فهذا كاذب في قول لا إله إلاَّ الله، ولم يكفر بالطاغوت» (١).
وقال ﵀:
«لا يصح دين الإسلام إلاَّ بالبراءة من الطواغيت وتكفيرهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]» (٢). اهـ.
وقال أيضًا ﵀ مبينًا الفرق بين الظلم الأكبر، والأصغر:
«وأين الظلم الذي إذا تكلَّم الإنسان بكلمة منه، أو مدح الطواغيت، أو جادل عنهم خرج من الإسلام، ولو كان صائمًا قائمًا، من الظلم الذي لا يخرج من الإسلام، بل إما يؤدي إلى صاحبه بالقصاص، وإما أن يغفره الله، فبين الموضعين فرق عظيم» (٣).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: - بعد أن تكلم عن التوحيد وأنواعه وأدلته:
«فالله الله إخواني: تمسكوا بأصل دينكم أوله وآخره، أسِّه ورأسه، وهو: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، واعرفوا معناها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم،
стр. 136
ولو كانوا بعيدين؛ واكفروا بالطواغيت، وعادوهم، وابغضوا من أحبهم، أو جادل عنهم، أو لم يكفرهم، أو قال: ما عليَّ منهم، أو قال: ما كلَّفني الله بهم، فقد كذب على الله وافترى، بل كلفه الله بهم، وفرض عليه الكفر بهم، والبراءة منهم، ولو كانوا: إخوانه وأولاده.
فالله الله، تمسكوا بأصل دينكم لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئًا. اللَّهُمَّ توفَّنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين» (١).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى:
«وأنت يا من منَّ الله عليه بالإسلام، وعرف أن ما من إله إلاَّ الله، لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق، وأنا تارك ما سواه لكن لا أتعرَّض للمشركين، ولا أقول فيهم شيئًا، لا تظن: أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام، بل: لا بدّ من بغضهم، وبغض من يحبهم، ومسبَّتهم، ومعاداتهم؛ كما قال أبوك إبراهيم والذين معه: ﴿إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
ولو يقول رجل: أنا أتبع النبي ﷺ وهو على الحق، لكن: لا أتعرَّض اللاَّت، والعزَّى، ولا أتعرَّض أبا جهل، وأمثاله، ما عليّ منهم؛ لم يصح إسلامه» (٢).
وقال عبد الرحمن بن حسن:
«مَن عرف معنى لا إله إلاَّ الله، عرف: أن من شك، أو تردَّد في كفر من أشرك مع الله غيره، أنه لم يكفر بالطاغوت» (٣). اهـ.
стр. 137
المبحث الرابع
الكفر بالطاغوت شطر التوحيد، والتوحيد أساس الإيمان وركنه الأعظم، والتحاكم إلى الطاغوت، أو الحكم به، إيمان بالطاغوت وكفر بالله العظيم، ومروق من ملة المسلمين
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في شرحه على كتاب التوحيد:
«باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [النساء: ٦٠].
قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى: والآية ذامَّة لمن عدل عن الكتاب والسنَّة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا.
وتقدم ما ذكره العلاَّمة ابن القيم رحمه الله تعالى في حدِّه للطاغوت، وأنه كل ما تجاوز به العبد حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع، فكل من حاكم إلى غير كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ فقد حاكم إلى الطاغوت، الذي أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يكفروا به.
فإنَّ التحاكم ليس إلاَّ إلى كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ومن كان يحكم بهما، فمن تحاكم إلى غيرهما فقد تجاوز به حدَّه، وخرج عمَّا شرعه الله ورسوله ﷺ وأنزله منزلة لا يستحقها. وكذلك من عبد شيئًا دون الله فإنما عبد الطاغوت، فإن كان المعبود صالحًا صارت عبادة العابد له راجعة إلى الشيطان الذي أمره بها، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ * هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٢٨ - ٣٠].
стр. 138
وكقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١].
وإن كان ممن يدعو إلى عبادة نفسه، أو كان شجرًا أو حجرًا أو قبرًا، أو غير ذلك مما يتخذه المشركون أصنامًا على صور الصالحين، والملائكة وغير ذلك، فهي من الطاغوت الذي أمر الله تعالى عباده أن يكفروا بعبادته، ويتبرأوا منه، من عبادة كل معبود سوى الله كائنًا من كان، وهذا كله من عمل الشيطان وتسويله، فهو الذي دعا إلى كل باطل وزيَّنَه لمن فعله، وهذا ينافي التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلاَّ الله.
فالتوحيد: هو الكفر بكل طاغوت عبده العابدون من دون الله، وكما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وكل من عبد غير الله فقد جاوز به حدَّه وأعطاه من العبادة ما لا يستحقه.
قال الإمام مالك ﵀: «الطاغوت ما عبد من دون الله».
وكذلك من دعا إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد ترك ما جاء به الرسول ﷺ ورغب عنه، وجعل لله شريكًا في الطاعة وخالف ما جاء به رسول الله ﷺ فيما أمره الله تعالى به في قوله: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
وقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فمن خالف ما أمر الله به ورسوله ﷺ بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل
стр. 139
الله، أو طلب ذلك اتباعًا لما يهواه ويريده فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه، وإن زعم أنه مؤمن.
فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك، وأكذبهم في زعمهم الإيمان لما في ضمن قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾ من نفي إيمانهم، فإن يزعمون إنما يقال غالبًا: لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها، يحقق هذا قوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾، لأن الكفر بالطاغوت: ركن التوحيد. كما في آية البقرة، فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدًا، والتوحيد هو: أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه.
كما أن ذلك بيّن في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت: إيمان به.
وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، يبيِّن تعالى في هذه الآية أن التحاكم إلى الطاغوت مما يأمر به الشيطان ويزيِّنه لمن أطاعه، ويبيِّن أن ذلك مما أضل به الشيطان من أضله، وأكده بالمصدر، ووصفه بالعبد، فدلَّ على أن ذلك من أعظم الضلال وأبعده عن الهدى.
ففي هذه الآية أربعة أمور:
الأول: أنه من إرادة الشيطان.
الثاني: أنه ضلال.
الثالث: تأكيد بالمصدر.
الرابع: وصفه بالبعد عن سبيل الحق والهدى.
فسبحان الله ما أعظم هذا القرآن وما أبلغه، وما أدله على أنه كلام رب العالمين، أوحاه إلى رسوله الكريم، وبلَّغه عبده الصادق الأمين. صلوات الله وسلامه عليه» (١).
стр. 140
الفصل السادس
الحكم لله وحده وحكم من بدل شرائع الإسلام أو حكم بغير ما أنزل الله
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: الطاعة في التحليل والتحريم من أخص خصائص العبادة، ومن ثم كان كل من قبلها من أي عبد فقد اتخذه ربًا وإن لم يصلِّ له ويتقرب إليه.
المبحث الثاني: أمر الله المؤمنين برد كل ما تنازعوا فيه من أصول دينهم وفروعه إلى الله ورسوله، ومن لم يفعل دلّ ذلك على كفره برب العالمين ومروقه من دين المسلمين. فحكم الله وحده شقيق عبادة الله وحده، وهما مضمونا الشهادتين، وعلى القيام بهذا المضمون فعلا وتركا، جُرِّدت سيوف الموحدين للجهاد.
المبحث الثالث: من أعظم الفساد في الأرض: التحاكم إلى غير الله ورسوله، ومن ثم كان إباء التحاكم إلى الكتاب والسنة، دليلاً قاطعًا على الكفر والنفاق والزندقة.
المبحث الرابع: من خرج عن حكم الله، وعدل إلى ما سواه من الأحكام الجاهلية، وجعل ذلك شريعة مقدمة أو مزاحمة لشريعة الله، فهو كافر يجب قتاله حتى يعود إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم في قليل ولا كثير سواه وأي دولة تنتهج هذا النهج، تصبح دولة جاهلية كافرة ظالمة، يجب بغضها ومعاداتها، وتحرم مودتها وموالاتها.
стр. 141
المبحث الخامس: أيما طائفة امتنعت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنها تقاتل عليها قتال كفر وردَّة عن الإسلام، وإن كانت مقرة بها، وناطقة بالشهادتين، وملتزمة لغيرها من الشرائع.
وبهذا نعلم: أن مجرد لاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال، بل القتال واجب حتى يكون الدين كله لله.
стр. 142
المبحث الأول
الطاعة في التحليل والتحريم
من أخص خصائص العبادة، ومن ثم كان كل من قبلها من أي عبد فقد اتخذه ربا، وإن لم يصل له ويتقرب إليه
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه على كتاب التوحيد:
«(باب) من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحلَّ الله، أو تحليل ما حرَّمه الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله» ...
والمقصود هنا: الطاعة الخاصة في تحريم الحلال أو تحليل الحرام، فمن أطاع مخلوقًا في ذلك غير الرسول ﷺ - فإنه لا ينطق عن الهوى - فهو مشرك كما بينه الله تعالى في قوله: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ [التوبة: ٣١]، أي علماءهم ﴿أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وفسَّرها النبي ﷺ بطاعتهم في تحريم الحلال، وتحليل الحرام كما سيأتي في حديث عدي» (١).
وقال الشيوخ عبد العزيز بن باز، وعبد الرزاق عفيفي، وعبد الله بن غديان، وعبد الله بن قعود، ﵏ جميعًا:
ومن أنواع الشرك الأكبر: من يجعل لله ندًا في التشريع، بأن يتخذ مشرعًا له سوى الله، أو شريكًا لله في التشريع، يرتضي حكمه، ويدين به في التحليل والتحريم، عبادة وتقرُّبًا وقضاءً وفصلاً في الخصومات، أو يستحله وإن لم يره دينًا.
وفي هذا يقول تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ
стр. 143
ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وأمثال هذا من الآيات والأحاديث التي جاءت في: الرضا بحكم سوى حكم الله، أو الإعراض عن التحاكم إلى حكم الله، والعدول.
وهذا النوع من الشرك، يرتدُّ به فاعله، أو معتقده عن ملة الإسلام، فلا يصلَّى عليه إذا مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث عنه ماله، بل يكون لبيت المسلمين، ولا تؤكل ذبيحته، ويحكم بوجوب قتله، ويتولى ذلك ولي أمر المسلمين، إلاَّ أنه يستتاب قبل قتله، فإن تاب قبلت توبته، ولم يقتل، وعومل معاملة المسلمين (١). اهـ.
وعرض على هؤلاء الشيوخ الكرام السؤال التالي:
س: لعلكم على علم بأن حكومتنا علمانية، لا تهتم بالدين، وهي تحكم البلاد على دستور اشترك في ترتيبه: المسلمون والمسيحيون.
هناك يرد السؤال: هل يجوز لنا أن نسمي الحكومة: بحكومة إسلامية، أو نقول إنها: كافرة؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد:
ج: إذا كانت تحكم بغير ما أنزل الله، فالحكومة غير إسلامية.
وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم (٢).
* * *
стр. 144
المبحث الثاني
أمر الله المؤمنين برد كل ما تناوعوا فيه من أصول دينهم وفروعه إلى الله ورسوله، ومن لم يفعل دل ذلك على كفره برب العالمين ومروقه من دين المرسلين. فحكم الله وحده شقيق عبادة الله وحده، وهما مضمونا الشهادتين، وعلى القيام بهذا المضمون فعلا وتركا، جردت سيوف الموحدين للجهاد
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي معلقًا على قول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٨، ٥٩].
ثم أمر بردِّ كل ما تنازع الناس فيه، من أصول الدين وفروعه إلى الله والرسول، أي: إلى كتاب الله وسنَّة رسوله، فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما، أو عمومها، أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه.
لأن كتاب الله وسنة رسوله، عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلاَّ بهما. فالرد إليهما، شرط في الإيمان، فلهذا قال: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. فدلَّ ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت، كما ذكر في الآية بعدها.
(ذلك) أي: الرد إلى الله ورسوله ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]، فإن
стр. 145
حكم الله ورسوله، أحسن الأحكام وأعدلها وأصلحها للناس، في أمر دينهم ودنياهم وعاقبتهم» (١).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى:
«واعتبار شيء من القوانين للحكم بها ولو في أقل قليل، لا شك أنه عدم رضا بحكم الله ورسوله، ونسبة حكم الله ورسوله إلى النقص وعدم القيام بالكفاية في حل النزاع وإيصال الحقوق إلى أربابها، وحكم القوانين إلى الكمال وكفاية الناس في حل مشاكلهم، واعتقاد هذا كفر ناقل عن الملَّة، والأمر كبير مهم وليس من الأمور الاجتهادية.
وتحكيم الشرع وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه، إذ مضمون الشهادتين أن يكون الله هو: المعبود وحده لا شريك له، وأن يكون رسوله ﷺ هو: المتبع المحكم ما جاء به فقط، ولا جُرِّدت سيوف الجهاد إلاَّ من أجل ذلك والقيام به فعلاً وتركا وتحكيمًا عند النزاع، ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]» (٢).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى:
«القوانين كفر ناقل عن الملَّة اعتقاد أنها حاكمة وسائغة. وبعضهم يراها أعظم، فهؤلاء نقضوا شهادة أن محمدًا رسول الله، ولا إله إلاَّ الله أيضًا نقضوها، فإن من شهادة أن لا إله إلاَّ الله، لا مطاع غير الله، كما أنهم نقضوها بعبادة غير الله.