المبحث الخامس: أيما طائفة امتنعت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنها تقاتل عليها قتال كفر وردَّة عن الإسلام، وإن كانت مقرة بها، وناطقة بالشهادتين، وملتزمة لغيرها من الشرائع.
وبهذا نعلم: أن مجرد لاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال، بل القتال واجب حتى يكون الدين كله لله.
стр. 142
المبحث الأول
الطاعة في التحليل والتحريم
من أخص خصائص العبادة، ومن ثم كان كل من قبلها من أي عبد فقد اتخذه ربا، وإن لم يصل له ويتقرب إليه
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه على كتاب التوحيد:
«(باب) من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحلَّ الله، أو تحليل ما حرَّمه الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله» ...
والمقصود هنا: الطاعة الخاصة في تحريم الحلال أو تحليل الحرام، فمن أطاع مخلوقًا في ذلك غير الرسول ﷺ - فإنه لا ينطق عن الهوى - فهو مشرك كما بينه الله تعالى في قوله: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ [التوبة: ٣١]، أي علماءهم ﴿أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وفسَّرها النبي ﷺ بطاعتهم في تحريم الحلال، وتحليل الحرام كما سيأتي في حديث عدي» (١).
وقال الشيوخ عبد العزيز بن باز، وعبد الرزاق عفيفي، وعبد الله بن غديان، وعبد الله بن قعود، ﵏ جميعًا:
ومن أنواع الشرك الأكبر: من يجعل لله ندًا في التشريع، بأن يتخذ مشرعًا له سوى الله، أو شريكًا لله في التشريع، يرتضي حكمه، ويدين به في التحليل والتحريم، عبادة وتقرُّبًا وقضاءً وفصلاً في الخصومات، أو يستحله وإن لم يره دينًا.
وفي هذا يقول تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ
стр. 143
ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وأمثال هذا من الآيات والأحاديث التي جاءت في: الرضا بحكم سوى حكم الله، أو الإعراض عن التحاكم إلى حكم الله، والعدول.
وهذا النوع من الشرك، يرتدُّ به فاعله، أو معتقده عن ملة الإسلام، فلا يصلَّى عليه إذا مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث عنه ماله، بل يكون لبيت المسلمين، ولا تؤكل ذبيحته، ويحكم بوجوب قتله، ويتولى ذلك ولي أمر المسلمين، إلاَّ أنه يستتاب قبل قتله، فإن تاب قبلت توبته، ولم يقتل، وعومل معاملة المسلمين (١). اهـ.
وعرض على هؤلاء الشيوخ الكرام السؤال التالي:
س: لعلكم على علم بأن حكومتنا علمانية، لا تهتم بالدين، وهي تحكم البلاد على دستور اشترك في ترتيبه: المسلمون والمسيحيون.
هناك يرد السؤال: هل يجوز لنا أن نسمي الحكومة: بحكومة إسلامية، أو نقول إنها: كافرة؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد:
ج: إذا كانت تحكم بغير ما أنزل الله، فالحكومة غير إسلامية.
وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم (٢).
* * *
стр. 144
المبحث الثاني
أمر الله المؤمنين برد كل ما تناوعوا فيه من أصول دينهم وفروعه إلى الله ورسوله، ومن لم يفعل دل ذلك على كفره برب العالمين ومروقه من دين المرسلين. فحكم الله وحده شقيق عبادة الله وحده، وهما مضمونا الشهادتين، وعلى القيام بهذا المضمون فعلا وتركا، جردت سيوف الموحدين للجهاد
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي معلقًا على قول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٨، ٥٩].
ثم أمر بردِّ كل ما تنازع الناس فيه، من أصول الدين وفروعه إلى الله والرسول، أي: إلى كتاب الله وسنَّة رسوله، فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما، أو عمومها، أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه.
لأن كتاب الله وسنة رسوله، عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلاَّ بهما. فالرد إليهما، شرط في الإيمان، فلهذا قال: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. فدلَّ ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت، كما ذكر في الآية بعدها.
(ذلك) أي: الرد إلى الله ورسوله ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]، فإن
стр. 145
حكم الله ورسوله، أحسن الأحكام وأعدلها وأصلحها للناس، في أمر دينهم ودنياهم وعاقبتهم» (١).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى:
«واعتبار شيء من القوانين للحكم بها ولو في أقل قليل، لا شك أنه عدم رضا بحكم الله ورسوله، ونسبة حكم الله ورسوله إلى النقص وعدم القيام بالكفاية في حل النزاع وإيصال الحقوق إلى أربابها، وحكم القوانين إلى الكمال وكفاية الناس في حل مشاكلهم، واعتقاد هذا كفر ناقل عن الملَّة، والأمر كبير مهم وليس من الأمور الاجتهادية.
وتحكيم الشرع وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه، إذ مضمون الشهادتين أن يكون الله هو: المعبود وحده لا شريك له، وأن يكون رسوله ﷺ هو: المتبع المحكم ما جاء به فقط، ولا جُرِّدت سيوف الجهاد إلاَّ من أجل ذلك والقيام به فعلاً وتركا وتحكيمًا عند النزاع، ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]» (٢).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى:
«القوانين كفر ناقل عن الملَّة اعتقاد أنها حاكمة وسائغة. وبعضهم يراها أعظم، فهؤلاء نقضوا شهادة أن محمدًا رسول الله، ولا إله إلاَّ الله أيضًا نقضوها، فإن من شهادة أن لا إله إلاَّ الله، لا مطاع غير الله، كما أنهم نقضوها بعبادة غير الله.
стр. 146
وأما الذي قيل فيه: كفر دون كفر، إذا حاكم إلى غير الله، مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها.
أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر وإن قالوا: أخطأنا وحكم الشرع أعدل.
ففرق بين المقرِّر والمثبت والمرجع، جعلوه هو المرجع. فهذا كفر ناقل عن الملَّة (تقرير)» (١).
وقال الشيخ صالح الفوزان يحفظه الله تعالى:
«وكما لا تجوز طاعة العلماء في تحليل الحرام وتحريم الحلال، فكذلك لا تجوز طاعة الأمراء والرؤساء في الحكم بين الناس بغير الشرعة الإسلامية، لأنه يجب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله في جميع المنازعات والخصومات وشؤون الحياة، لأن هذا هو مقتضى العبودية والتوحيد، لأن التشريع حق لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، أي: هو الحَكَم وله الحُكْم، وقال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩].
فالتحاكم إلى شرع الله ليس لطلب العدل فقط، وإنما هو في الدرجة الأولى تعبُّد لله، وحق لله وحده، وعقيدة، فمن احتكم إلى غير شرع الله من سائر الأنظمة والقوانين البشرية، فقد اتخذ واضعي تلك القوانين والحاكمين بها شركاء لله في تشريعه، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]» (٢).
стр. 147
المبحث الثالث
من أعظم الفساد في الأرض: التحاكم إلى غير الله ورسوله، ومن ثم كان إباء التحاكم إلى الكتاب والسنَّة، دليلاً قاطعًا على الكفر والنفاق والزندقة
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في شرحه على كتاب التوحيد:
«قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]: بيَّن تعالى أن هذه صفة المنافقين، وأن من فعل ذلك أو طلبه، وإن زعم أنه مؤمن فإنه في غاية البُعد من الإيمان.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا دليل على أن من دُعي إلى تحكيم الكتاب والسنَّة، فأبى أنَّه من المنافقين» (١).
وأرسل الشيوخ الفضلاء: محمد بن إبراهيم، وعبد العزيز الشثري، وعبد اللطيف بن إبراهيم، وعمر بن حسن، وعبد العزيز بن باز، وعبد الله بن حميد، وعبد الله بن عقيل، وعبد العزيز بن رشيد، وعبد اللطيف بن محمد، ومحمد بن عودة، ومحمد بن مهيزع، رسالة إلى من يراها من المسلمين، داعين الله أن يسلك بهم جميعًا سبيل عباده المؤمنين، وأن يعيذهم من طريق المغضوب عليهم والضالين، آمين ... ثم قالوا ﵏ جميعًا بعد تقديم نصيحة غالية للمسلمين:
«وإن من أقبح السيئات وأعظم المنكرات: التحاكم إلى غير شريعة الله من القوانين الوضعية، والنظم البشرية، وعادات الأسلاف والأجداد التي قد وقع فيها الكثير من الناس اليوم، وارتضوها بدلاً من شريعة الله التي بعث بها
стр. 148
رسوله محمدًا ﷺ .
ولا ريب أن ذلك من أعظم النفاق، ومن أكبر شعائر الكفر والظلم والفسوق وأحكام الجاهلية التي أبطلها القرآن، وحذر عنها الرسول ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦٠، ٦١].
وقال : ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩، ٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].
وهذا تحذير شديد من الله سبحانه لجميع العباد من الإعراض عن كتابه وسنَّة رسوله ﷺ ، والتحاكم إلى غيرهما، وحكم صريح من الرب على من حكم بغير شريعته بأنه كافر وظالم وفاسق ومتخلِّق بأخلاق المنافقين وأهل الجاهلية» (١).
وقال الشيخ صالح الفوزان يحفظه الله تعالى:
وقد نفى الله الإيمان عمَّن تحاكم إلى غير شرعه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى
стр. 149
الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ [النساء: ٦٠].
إلى قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
(تحكيم القوانين: تحكيم للطاغوت، وإيمان به)
فمن دعا إلى الحكيم القوانين البشرية، فقد جعل لله شريكًا في الطاعة والتشريع، ومن حكم بغير ما أنزل الله، يرى أنه أحسن أو مساو لما أنزل الله وشرعه، أو أنه يجوز الحكم بهذا، فهو كافر بالله، وإن زعم أنه مؤمن، لأن الله أنكر على من يريد التحاكم إلى غير شرعه؛ وكذَّبهم في زعمهم الإيمان، لأن قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾ متضِّمن لنفي إيمانهم، لأن هذه الكلمة تقال غالبًا لمن يدِّعي دعوى هو فيها كاذب، ولأن تحكيم القوانين تحكيم للطاغوت، والله قد أمر بالكفر بالطاغوت، وجعل الكفر بالطاغوت، ركن التوحيد، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
فمن حكَّم القوانين، لم يكن موحدًا لأنه اتخذ لله شريكًا في التشريع والطاعة، ولم يكفر بالطاغوت الذي أمر أن يكفر به، وأطاع الشيطان، كما قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠].
وقد أخبر الله عن المنافقين أنهم حينما يدعون إلى التحاكم إلى شرع الله يأبون ويعرضون، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١].
كما أخبر أنهم يردون الفساد صلاحًا، لانتكاس فطرهم، وفساد قلوبهم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢]، فالتحاكم إلى غير الله من أعمال المنافقين، وهو من أعظم الفساد في الأرض» (١).
стр. 150
المبحث الرابع
من خرج عن حكم الله، وعدل إلى ما سواه من الأحكام الجاهلية وجعل ذلك شريعة مقدمة، أو مزاحمة لشريعة الله، فهو كافر يجب قتاله حتى يعود إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم في قليل ولا كثير سواه، وأي دولة تنتهج هذا النهج، تصبح دولة جاهلية كافرة ظالمة فاسقة، يجب بغضها ومعاداتها، وتحرم مودتها وموالاتها
قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهما الله تعالى:
«وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
قال ابن كثير: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى، المشتمل على كل خير وعدل، الناهي عن كل شر، وعدّل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجل بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكزخان، الذي وضع لهم كتابًا مجموعًا من أحكام اقتبسها من شرائع شتى من الملَّة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره، فصار في بنيه شرعًا يقدِّموه على الحكم بالكتاب والسنة، ومن فعل ذلك، فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير» (١).
وقال الشيخ صالح الفوزان بعد إيراده النقل السابق عن الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى:
«ومثل القانون الذي ذكره عن التتار وحكم بكفر من جعله بديلاً من
стр. 151
الشريعة الإسلامية: القوانين الوضعية التي جعلت اليوم في كثير من الدول هي مصادر الأحكام وألغيت من أجلها الشريعة الإسلامية، إلاَّ فيما يسمُّونه بالأحوال الشخصية.
والدليل على كفر من فعل ذلك آيات كثيرة: قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥].
وكما قلنا قريبًا: إنه يجب تحكيم الشريعة عقيدة ودينًا يدان الله به، لا من أجل طلب العدالة فقط» (١).
وقال أيضًا الشيخ محمد بن إبراهيم في بيان مناطات وأنواع الكفر الأكبر والأصغر، والعلل المؤثرة فيهما، من قضية التشريع والحكم:
«إن من الكفر الأكبر المستبين، تنزيل القانون اللعين، منزلة ما نزول به الروح الأمين، على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، في الحكم به بين العالمين، والرد إليه عند تنازع المتنازعين، مناقضة ومعاندة لقول الله : ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] ...
(الرّد المطلق إلى الله ورسوله: شرط في صحة الإيمان، وإلاَّ فالكفر والنفاق)
وتأمل ما في الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]، كيف ذكر النكرة وهي قوله: ﴿شَيْءٍ﴾ في سياق الشرط وهو قوله
стр. 152
جل شأنه: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ﴾ المفيد العموم فيما يتصور التنازع فيه جنسًا وقدرًا.
ثم تأمل كيف جعل ذلك شرطًا في: حصول الإيمان بالله واليوم الآخر بقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، ثم قال جل شأنه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، فشيء يطلق الله عليه أنه خير لا يتطرق إليه شر أبدًا، بل هو خير محض عاجلاً وآجلاً ...
وتأمل أيضًا ما في الآية الثانية من العموم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، فإن اسم الموصول مع صلته مع صيغ العموم عند الأصوليين وغيرهم، وذلك العموم والشمول هو من ناحية الأجناس والأنواع، كما أنه من ناحية القدر، فلا فرق هنا بين نوع ونوع، كما أنه لا فرق بين القليل والكثير.
وقد نفى الله الإيمان عمَّن أراد التحاكم على غير ما جاء به الرسول ﷺ من المنافقين كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠].
فإن قوله : ﴿يَزْعُمُونَ﴾ تكذيب لهم فيما ادَّعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ مع الإيمان في قلب عبد أصلاً بل أحدهما ينافي الآخر.
و (الطاغوت) مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول ﷺ أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه، وذلك أنه من حد كل أحد أن يكون: حاكمًا بما جاء به النبي ﷺ فقط لا بخلافه، كما أنه من حد كل أحد أن يحاكم إلى ما جاء به النبي ﷺ ، فمن حكم بخلافه، أو حاكم إلى خلافه فقط طغى
стр. 153
وجاوز حده حكمًا أو تحكيمًا، فصار بذلك طاغوتًا لتجاوزه حده ...
(قسمة الحكم ثنائية: إما حكم الله، وإما حكم الجاهلية)
وقد قال تعالى منكرًا على هذا الضرب من الناس، ومقرِّرًا ابتغاءهم أحكام الجاهلية، وموضحًا أنه لا حكم أحسن من حكمه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، فتأمل هذه الآية الكريمة، وكيف دلت على أن قسمة الحكم ثنائية، وأنه ليس بعد حكم الله تعالى إلاَّ حكم الجاهلية، الموضح أن القانويين في زمرة أهل الجاهلية شاءوا أم أبوا، بل هم أسوأ منهم حالاً، وأكذب منهم مقالاً، ذلك أن أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول هذا الصدد ...
(أنواع الكفر الأكبر من الحكم بغير ما أنزل الله)
وما جاء عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية من رواية طاوس وغيره يدل: أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر: إما كفر اعتقاد ناقل عن الملَّة، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملَّة.
أما الأول: هو كفر الاعتقاد فهو أنواع:
أحدهما: أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله، وهو معنى ما روي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم أنَّ من جحد أصلاً من أصول الدين، أو فرعًا مجمعًا عليه، أو أنكر حرفًا مما جاء به الرسول ﷺ قطعيًا، فإنه كافر الكفر الناقل عن الملَّة.
والثاني: أن لا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كون حكم الله ورسوله حقًا، لكن اعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه وأتم وأشمل
стр. 154
لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع: إما مطلقًا، أو بالنسبة إلى ما استجدَّ من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغيُّر الأحوال.
وهذا أيضًا لا ريب أنه كفر لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان وصرف نحاتة الأفكار على حكم الحكيم الحميد ...
الثالث: أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله.
فهذا كالنوعين اللذين قبله في كونه كافرًا الكفر الناقل عن الملَّة، لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ونحوها من الآيات الكريمة الدالة على تفرُّد الرب بالكمال، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقين في الذات والصفات والأفعال، والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه.
الرابع: أن لا يعتقد: كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلاً لحكم الله ورسوله، فضلاً عن أن يعتقد كونه أحسن منه، لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله، فهذا كالذي قبله يصدق عليه ما يصدق عليه، لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القطعية تحريمه.
(علة كون التشريع من دون الله كفر أكبر، ولو قال صاحبه: أخطأت، وحكم الله أعظم وأفضل)
الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعدادًا وإمدادًا وإرصادًا وتأهيلاً وتفريعًا وتشكيلاً وتنويعًا وحكمًا وإلزامًا ومراجع مستمدَّات.
فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمَدَّات، مرجعها كلها
إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلهذه المحاكم مراجع هي: القانون الملفَّق من شرائع شتى وقوانين كثيرة: كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون
стр. 155
البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة، وغير ذلك.
فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيَّأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به، وتقرهم عليه، وتحتِّمه عليهم.
فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة لشهادة أن محمدًا رسول الله بعد هذه المناقضة؟! ...
السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم، من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يسمُّونها «سلومهم» يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به ويحملون على التحاكم إليه عند النزاع، بقاء على أحكام الجاهلية، وإعراضًا ورغبة عن حكم الله ورسوله، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله.
(مناط كفر دون كفر)
وأما «القسم الثاني» من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله وهو الذي لا يخرج عن الملَّة فقد تقدَّم أنَّ تفسير ابن عباس ﵄ لقوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله ﵁ في الآية: كفر دون كفر، وقوله أيضًا: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه. اهـ.
وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى.
وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملَّة، فإنه معصية عظمى أكبر من
стр. 156
الكبائر، كالزنا وشرب الخمر والسرقة واليمين الغموس وغيرها، فإن معصية سمَّاها الله في كتابه كفرًا أعظم من معصية لم يسمِّها كفرًا.
نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه انقيادًا ورضًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. (طبعت في مجلة لواء الإسلام)» (١).
(حكم البلدة التي تحكم بالقانون الوضعي)
وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمهما الله تعالى:
س: هل تجب الهجرة من بلاد المسلمين التي يحكم فيها بالقانون؟
ج: البلد التي يحكم فيها بالقانون ليست بلد إسلام، تجب الهجرة منها، وكذلك إذا ظهرت الوثنية من غير نكير ولا غيِّرت فتجب الهجرة.
فالكفر: بفشو الكفر وظهوره. هذه بلد كفر.
أما إذا كان قد يحكم فيها بعض الأفراد، أو وجود كفريات قليلة لا تظهر
فهي بلد إسلام. [تقرير].
ولعلك أن تقول: لو قال من حكم القانون: أنا أعتقد أنه باطل. فهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع، كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان، وأعتقد أنها باطل.
وإذا قدر على الهجرة من بلاد تقام فيها القوانين وجب ذلك. ... [تقرير]» (٢).
وسئلت اللجنة الدائمة: السؤال الثالث من الفتوى رقم (٥٢٣٦):
س: نحن نعيش تحت حكومة غير مسلمة وهي تحكَّم القانون الوضعي. فهل لنا أن نرفع إليها قضايانا؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد:
стр. 157
ج: لا يجوز لمسلم أن يتحاكم إلى حكومة غير مسلمة قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وهذا واضح ولله الحمد.
وبالله التوفيق وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز (١)
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز في نقده لوثن القومية العربية:
«الوجه الرابع: من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية أن يقال: إن الدعوة إليها والتكتل حول رايتها، يفضي بالمجتمع ولا بد إلى رفض حكم القرآن، لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن، فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكامًا وضعية تخالف حكم القرآن، حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام.
وقد صرَّح الكثير منهم بذلك كما سلف، وهذا هو الفساد العظيم والكفر المستبين والردة السافرة، كما قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].
وكل دولة لا تحكم بشرع الله ولا تنصاع لحكم الله فهي: دولة جاهلية كافرة ظالمة فاسقة بنص هذه الآيات المحكمات، يجب على أهل الإسلام
стр. 158
بغضها ومعاداتها في الله، وتحرم عليهم مودتها وموالاتها، حتى تؤمن بالله وحدهُ تحكِّم شريعته كما قال : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]» (١).
* * *
стр. 159
المبحث الخامس
أيما طائفة امتنعت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنها تقاتل عليها: قتال كفر وردة عن الإسلام وإن كانت مقرة بها، وناطقة بالشهادتين، وملتزمة لغيرها من الشرائع. وبهذا نعلم: أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال، بل القتال واجب، حتى يكون الدين كله لله
قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى:
«وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى - لما سُئل عن قتل التتار مع التمسُّك بالشهادتين، ولما زعموا من اتِّباع أصل الإسلام - فقال:
كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم أو غيرهم، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵃ مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم، مع سابقة مناظرة عمر لأبي بكر ﵄، فاتفق الصحابة على القتال على حقوق الإسلام عملاً بالكتاب والسنَّة.
وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج والأمر بقتالهم، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة، مع قوله: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم».
فعلم: أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى
стр. 160
كان الدين لغير الله فالقتال واجب.
فأيما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال، أو الخمر، أو الزنا، أو الميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين، أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها، أو تركها، والتي يكفر الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرِّة بها.
وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء، وإنما اختلف العلماء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن، كركعتي الفجر، أو الأذان، أو الإقامة عند من لا يقول بوجوبها، ونحو ذلك من الشعائر، فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟
فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها ...
(المبيح لقتال مانعي الزكاة مجرد المنع، لا جحد الوجوب)
وقال الشيخ رحمه الله تعالى في آخر كلامه على كفر مانعي الزكاة والصحابة لم يقولوا: هل أنت مقر بوجوبها أو جاحد لها؟
هذا لم يعهد عن الصحابة بحال، بل قال الصدِّيق لعمر ﵄: والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها.
فجعل المبيح للقتال: مجرد المنع لا جحد الوجوب، وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء سيرة واحدة وهي قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسمُّوهم جميعًا: أهل الردة.
стр. 161
وكان من أعظم فضائل الصدِّيق عندهم أنه ثبته الله على قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره حتى ناظرهم فرجعوا إلى قوله.
وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاع في قتالهم، وهذه حجة من قال إن قاتلوا الإمام عليها كفروا وإلاَّ فلا، فإن كفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند إلى نصوص الكتاب والسنَّة، بخلاف من لم يقاتل الإمام عليها، فإن في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قيل له: منع ابن جميل فقال: «ما ينقم ابن جميل إلاَّ أنه كان فقيرًا فأغناه الله»، فلم يأمر بقتله ولا حكم بكفره. وفي السنن من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : «ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله» الحديث. انتهى.
فتأمل كلامه وتصريحه بأن الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة إلى الإمام أنهم يقاتلون، ويحكم عليهم بالكفر والردَّة عن الإسلام، وتُسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم، وإن أقروا بوجوب الزكاة وصلوا الصلوات الخمس، وفعلوا جميع شرائع الإسلام غير أداء الزكاة، وأن ذلك ليس بمسقط للقتال لهم والحكم عليهم بالكفر والردة، وأن ذلك قد ثبت بالكتاب والسنَّة واتفاق الصحابة ﵃. والله أعلم» (١).
* * *
стр. 162
الفصل السابع
حقيقة الولاء والبراء
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الأدلة الدالة من القرآن والسنة، والسيرة النبوية، وتاريخ المسلمين على وجوب البراءة من الشرك والمشركين.
المبحث الثاني: موالاة المسلمين والبراءة من المشركين، أصل من أصول الدين بالإجماع.
المبحث الثالث: البراءة من المشركين شرط لصحة التوحيد وقبوله، ومن ثم كانت موالاتهم ناقضة من نواقض التوحيد، وردَّة عن ملة المسلمين. ولقد عد العلماء مظاهرة المشركين، من أعظم أنواع المروق عن الدين، والتي تستوجب جهاد أهلها.
المبحث الرابع: موالاة المشركين وصوره المكفِّرة وغير المكفرة.
المبحث الخامس: موالاة المشركين المنتسبين للملة، كموالاة المشركين المباينين لها.
المبحث السادس: إذا تعذر علو التوحيد، وإظهار البراءة من المشركين في بلد، أصبحت دار كفر وشرك، ووجب على الموحدين الهجرة منها ليتمكنوا من إقامة دينهم، وإظهار البراءة من أعدائهم.
стр. 163
المبحث الأول
الأدلة الدالة من القرآن والسنة، والسيرة النبوية وتاريخ المسلمين على وجوب البراءة من الشرك والمشركين
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في بيان الأمور التي تنقض التوحيد:
«(الأمر الثالث): موالاة المشرك، والركون إليه، ونصرته، وإعانته باليد، أو اللسان، أو المال، كما قال تعالى: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦].
وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩].
وهذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين في هذه الأمة، فانظر أيها السامع أين تقع من هذا الخطاب؟ وحكم هذه الآيات.
ولما أعانت قريش بني بكر على خزاعة سرًا، وقد دخلوا في صلح رسول الله ﷺ ، انتقض عهدهم، وغضب رسول الله ﷺ لذلك غضبًا شديدًا، وتجهَّز لحربهم، ولم ينبذ إليهم لما كتب لهم حاطب كتابًا يخبرهم بذلك إخبارًا أنزل الله تعالى في ذلك هذه السورة بكمالها، ابتدأها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١].
ثم أمر تعالى بالتأسِّي بخليله ﵇ وإخوانه من المرسلين بالعمل
стр. 164
بدينه الذي بعثهم به فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، أي من إخوانه المرسلين: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
فذكر أمورًا خمسة لا يقوم التوحيد إلاَّ بها علمًا وعملاً، وعند القيام بهذه الخمسة ميَّز الله الناس لما ابتلاهم بعدوهم، كما قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]، وحذَّر تعالى عباده عن توليهم عدوهم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧].
وقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨، ١٣٩].
وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨٠، ٨١].
فتأمل ما في هذه الآيات وما رتَّب الله على هذا العمل من سخطه والخلود في عذابه، وسلب الإيمان وغير ذلك.
وذكر ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره سورة آل عمران عند قوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨]. أنه ردة عن الإسلام.
وفي سورة محمد ﷺ ما يدل على ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ *
стр. 165
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾ [محمد: ٢٥، ٢٦]. والسين حرف تنفيس تفيد: استقبال الفعل، فدل على أنهم وعدوهم ذلك سرًا بدليل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٦ - ٢٨]. والآيات في هذا المعنى كثيرة.
والمقصود: بيان عظم هذا الذنب عند الله، وما رتب عليه من العقوبات عاجلاً وآجلاً. نسأل الله الثبات على الإسلام والإيمان، ونعوذ بالله من الخيبة والخذلان.
وقد ذكر شيخنا رحمه الله تعالى في مختصر السيرة له: ذكر الواقدي أن خالد بن الوليد، لما قدم العارض، قدم مائتي فارس، فأخذوا مجَّاعة بن مرارة في ثلاثة عشر رجلاً من قومه بني حنيفة، فقال لهم خالد بن الوليد: ما تقولون في صاحبكم؟ (١) فشهدوا أنه رسول الله، فضرب أعناقهم، حتى إذا بقي سارية بن عامر قال: يا خالد إن كنت تريد بأهل اليمامة خيرًا أو شرًا فاستبق مجَّاعة، وكان شريفًا فلم يقتله، وترك سارية أيضًا، فأمر بهما فأوثقا في مجامع من حديد، فكان يدعو مجَّاعة وهو كذلك فيتحدث معه وهو يظن أن خالدًا يقتله، فقال: يا ابن المغيرة إن لي إسلامًا والله ما كفرت.
فقال خالد: إن بين القتل والترك منزلة وهي الحبس، حتى يقضي الله في أمرنا ما هو قاض، ودفعه إلى أم متمم زوجته، وأمرها أن تحسن أساره، فظن مجَّاعة أن خالدًا يريد حبسه ليخبره عن عدوه، وقال: يا خالد قد علمت أني قدمت على رسول الله ﷺ فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه بالأمس، فإن يك كذاب قد خرج فينا الله يقول: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
стр. 166
فقال يا مجَّاعة، تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه - وأنت من أعز أهل اليمامة - إقرارًا له ورضا بما جاء به، فهل أبديت عذرًا فتكلَّمت فيمن تكلَّم؟ فقد تكلَّم: ثمامة فرد وأنكر، وتكلم اليشكري، فإن قلت أخاف قومي فهلا عمدت إليَّ أو بعثت إليَّ رسولاً؟
فتأمل كيف جعل خالد سكوت مجَّاعة: رضى بما جاء به مسيلمة وإقرارًا، فأين هذا ممن أظهر الرضا وظاهر وأعان وجدَّ وشمَّر مع أولئك الذين أشركوا مع الله في عبادته وأفسدوا في أرضه؟ فالله المستعان» (١).
* * *
стр. 167
المبحث الثاني
موالاة المسلمين، والبراءة من المشركين أصل من أصول الدين بالإجماع
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى:
«قال شيخنا رحمه الله تعالى إمام الدعوة الإسلامية، والداعي إلى الملَّة الحنيفية: أصل دين الإسلام وقاعدته أمران: الأمر بعبادة الله وحده، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه، والنهي عن الشرك بالله في عبادته، والتغليظ فيه والمعاداة فيه، وتكفير من فعله» (١).
وقال أيضًا ﵀:
«أجمع العلماء سلفًا وخلفًا، من الصحابة والتابعين، والأئمة، وجميع أهل السنة: أن المرء لا يكون مسلمًا إلاَّ بالتجرد من الشرك الأكبر، والبراءة منه وممن فعله، وبغضهم ومعاداتهم بحسب الطاقة والقدرة، وإخلاص الأعمال كلها لله» (٢).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
«إن الإنسان لا يستقيم له دين، ولو وحد الله وترك الشرك، إلاَّ بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغض» (٣).
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى:
قال الإمام ابن القيم: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر، إلاَّ من جرَّد
стр. 168
توحيده لله، وتقرَّب بمقت المشركين إلى الله.
فانظر رحمك الله إلى قول الإمام يتبين لك: أنَّ الإسلام لا يستقيم إلاَّ بمعاداة أهل الشرك، فإن لم يعادهم فهو منهم وإن لم يفعله؟ والله أعلم (١). اهـ.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى:
«وأما قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (وكفر بما يعبد من دون الله)، فهذا شرط عظيم لا يصح قول: لا إله إلاَّ الله إلاَّ بوجوده، وإن لم يوجد لم يكن من قال: لا إله إلاَّ الله معصوم الدم والمال، ولأن هذا هو معنى: لا إله إلاَّ الله، فلم ينفعه القول بدون الإتيان بالمعنى الذي دل عليه، من: ترك الشرك، والبراءة منه، وممن فعله.
فإذا أنكر عبادة كل ما يعبد من دون الله وتبرأ منه وعادى من فعل ذلك، صار مسلمًا معصوم الدم والمال، وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]» (٢).
وقال الشيخ حسين، والشيخ عبد الله، ابنا الشيخ محمد، رحمهم الله تعالى، في أثناء جواب لهما.
المسألة الحادية عشرة: رجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن لا يعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: أنا مسلم، ولكن لا أقدر أن أكفر أهل لا إله إلاَّ الله، ولو لم يعرفوا معناها، ورجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن يقول: لا أتعرض للقباب، وأعلم أنها لا تنفع ولا تضر، ولكن ما أتعرضها.
стр. 169
الجواب: أن الرجل لا يكون مسلمًا، إلاَّ إذا عرف التوحيد ودان به، وعمل بموجبه، وصدق الرسول ﷺ فيما أخبر به، وأطاعه فيما نهى عنه وأمر به، وآمن به وبما جاء به.
فمن قال: لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: لا أتعرض أهل لا إله إلاَّ الله، ولو فعلوا الكفر والشرك وعادوا دين الله، أو قال: لا أتعرض للقباب، فهذا لا يكون مسلمًا، بل هو ممن قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]» (١).
* * *
стр. 170
المبحث الثالث
البراءة من المشركين شرط لصحة التوحيد وقبوله, ومن ثم كانت موالاتهم ناقضة من نواقض التوحيد وردَّة عن ملة المسلمين, ولقد عدَّ العلماء مظاهرة المشركين: من أعظم أنواع المروق عن الدين, والتي تستوجب جهاد أهلها
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله تعالى:
عمن كان في سلطان المشركين، وعرف التوحيد وعمل به، ولكن ما عاداهم، ولا فارق أوطانهم؟
فأجاب: هذا السؤال صدر عن عدم التعقل لصورة الأمر، والمعنى المقصود من التوحيد والعمل به، لأنه لا يتصور أنه يعرف التوحيد ويعمل به، ولا يعادي المشركين، ومن لم يعادهم لا يقال له عرف التوحيد وعمل به، والسؤال متناقض، وحسن السؤال مفتاح العلم.
وأظن مقصودك: من لم يظهر العداوة ولم يفارق، ومسألة إظهار العداوة، غير مسألة وجود العداوة، فالأول يعذر به مع العجز والخوف، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، والثاني لا بد منه، لأنه يدخل في الكفر بالطاغوت، وبينه وبين حب الله ورسوله تلازم كلي، لا ينفك عنه المؤمن، فمن عصى الله بترك إظهار العداوة، فهو عاص لله.
فإذا كان أصل العداوة في قلبه، فله حكم أمثاله من العصاة، فإذا انضاف إلى ذلك ترك الهجرة، فله نصيب من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، لكنه لا يكفر، لأن الآية فيها الوعيد لا التكفير» (١).
стр. 171
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في نواقض الإسلام العشرة:
«الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]» (١).
وتحدث الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن بعض نواقض التوحيد قائلاً:
(الأمر الثاني من النواقض): انشراح الصدر لمن أشرك بالله، وموادَّة أعداء الله كما قال تعالى: ﴿وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧]، فمن فعل ذلك، فقد أبطل توحيده ولو لم يفعل الشرك بنفسه، قال الله تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
قال شيخ الإسلام: أخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرًا، فمن وادّه فليس بمؤمن. قال: والمشابهة مظنة الموادة فتكون محرمة.
قال العماد ابن كثير في تفسيره: قيل نزلت في أبي عبيدة حين قتل أباه يوم بدر، ﴿أَوْ أَبْنَاءهُمْ﴾، في الصديق يومئذٍ همَّ بقتل ابنه عبد الرحمن، ﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾، في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير، ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ في عمر قتل قريبًا له يومئذٍ أيضًا، وحمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذٍ ...
(الأمر الثالث): موالاة المشرك، والركون إليه، ونصرته، وإعانته باليد، أو اللسان، أو المال، كما قال تعالى: ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦]» (٢).
стр. 172
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى:
«قال شيخ الإسلام في اختياراته، من جمز (١) إلى معسكر التتار، ولحق بهم، ارتد وحل دمه وماله» (٢).
وقال الشيخ حمد بن عتيق:
«قد دلّ القرآن والسنة على أن المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشرك والانقياد لهم ارتد بذلك عن دينه.
فتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥]، مع قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وأمعن النظر في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]» (٣).
وتحدث الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن بعض أنواع أعدائه الذين سلّ السيف عليهم، فقال ﵀:
النوع الثالث: من عرف التوحيد وأحبه واتبعه، وعرف الشرك وتركه، لكن يكره من دخل في التوحيد ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضًا كافر وفيه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
[محمد: ٩].
النوع الرابع: من سلم من هذا كله لكن أهل بلده يصرحون: بعداوة التوحيد واتباع أهل الشرك ويسعون في قتالهم، وعذره أن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده ويجاهد بماله ونفسه، فهذا أيضًا
стр. 173
كافر، لأنهم لو أمروه بترك صيام رمضان ولا يمكنه ذلك إلاَّ بفراق وطنه فعل، ولو أمروه أن يتزوج امرأة أبيه ولا يمكنه مخالفتهم إلاَّ بذلك فعل.
وأما موافقته على الجهاد معهم بماله ونفسه مع أنهم يريدون قطع دين الله ورسوله ﷺ فأكبر مما ذكرناه بكثير، فهذا أيضًا كافر ممن قال الله فيهم: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ الآية [النساء: ٩١].
والله أعلم، وصلَّى الله على محمد وآله وصحبه وسلم» (١).
وقد عدّ بعض علماء نجد ثلاثة أمور، كل واحد منها يوجب الجهاد لمن اتصف بها:
الأولى: الخروج عن طاعة ولي أمر المسلمين بغير حق.
الثانية: عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم، لأن ذلك من نواقض الإسلام ومبطلاته، فمن اتصف به فقد كفر، وحلّ دمه وماله، ووجب قتاله حتى يكفر المشركين. - ثم عرضوا الأمر الثالث فقالوا -:
«الأمر الثالث: مما يوجب الجهاد لمن اتصف به، مظاهرة المشركين، وإعانتهم على المسلمين، بيد أو بلسان أو بقلب أو بمال، فهذا كفر مخرج من الإسلام، فمن أعان المشركين على المسلمين، وأمد المشركين من ماله، بما يستعينون به على حرب المسلمين اختيارًا منه، فقد كفر» (٢).
* * *
стр. 174
المبحث الرابع
موالاة المشركين وصوره المكفرة، والغير مكفرة
قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهما الله في أثناء رده على سؤال ورد عليه، يريد فيه صاحبه معرفة الحدّ الفاصل بين الولاء للمشركين المكفر، وغير المكفر، فقال ﵀:
«فالجواب: إن كانت الموالاة مع مساكنتهم في ديارهم، والخروج معهم في قتالهم، ونحو ذلك، فإنه يحكم على صاحبها بالكفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠].
وقال النبي ﷺ : «من جامع المشركين وسكن معهم فإنه مثلهم» وقال: «أنا برئ من مسلم بين أظهر المشركين»، رواهما أبو داود.
وإن كانت الموالاة لهم في ديار الإسلام، إذا قدموا إليهم ونحو ذلك، فهذا عاص آثم متعرِّض للوعيد، وإن كانت موالاتهم لأجل دنياهم، يجب عليه من التعزير بالهجر والأدب ونحوه ما يزجر أمثاله، وإن كانت الموالاة لأجل دينهم فهو مثلهم، ومن أحبَّ قومًا حُشر معهم» (١).
(اعتياد فعل الموالاة المحرمة سبيل الوقوع في الموالاة المكفرة)
سُئل الشيخ محمد عبد اللطيف، أقامه الله مناضلاً عن الدين الحنيف: رجلان تنازعا في السلام على الرافضة والمبتدعين، ومن ضاهاهم من المشركين،
وفي مواكلتهم ومجالستهم، فقال أحدهما: هو جائز، لقول عالمي: إن أخذت
стр. 175
فقد أخذ الصالحون، وإن رددت فقد رد الصالحون، ووفد على عمر بن عبد العزيز: كثيِّر عزِّة، وهو متَّهم بالتشيُّع، ورسول عمر وفد على جبلة الغساني بعد ردته.
وقال الآخر: لا يجوز، لدليل آيات الموالاة، ولقوله تعالى: ﴿وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]، والسلام على عباد الله الصالحين، وأن ترك السلام على الفاسق وأهل المعاصي سنة، وهؤلاء أشر حالاً وعقيدة منهم.
فأجاب: اعلم وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى، أنه لا يستقيم للعبد إسلام ولا دين، إلاَّ بمعاداة أعداء الله ورسوله، وموالاة أولياء الله ورسوله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩].
وقال تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣].
قال ابن عباس ﵄: لا تميلوا إليهم في المودة ولين الكلام، وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم، وقال بعض العلماء: من مشى إليهم ولم ينكر عليهم، عُدَّ من الراكنين إليهم.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١].
وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
стр. 176
فالواجب على من أحب نجاة نفسه، وسلامة دينه، أن يعادي من أمره الله ورسوله بعداوته، ولو كان أقرب قريب، فإن الإيمان لا يستقيم إلاَّ بذلك والقيام له، لأنه من أهم المهمات، وآكد الواجبات.
إذا عرفت هذا: فمواكلة الرافضي، والانبساط معه، وتقديمه في المجالس، والسلام عليه، لا يجوز، لأنه موالاة وموادة، والله تعالى قد قطع الموالاة، بين المسلمين والمشركين، بقوله: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] ... والآيات في المعنى كثيرة كما تقدَّم.
والسلام تحية أهل السلام بينهم، فإذا سلَّم على الرافضة، وأهل البدع، والمجاهرين بالمعاصي، وتلقَّاهم بالإكرام والبشاشة، ألان لهم الكلام، كان ذلك موالاة منه لهم، فإذا وادَّهم وانبسط لهم مع ما تقدَّم، جمع الشر كله، ويزول ما في قلبه من العداوة والبغضاء، لأن إفشاء السلام سبب لجلب المحبة، كما ورد في الحديث: «ألا أدلكم على ما تحابون به»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «أفشوا السلام بينكم»، فإذا سلَّم على الرافضة والمبتدعين، وفسَّاق المسلمين، خلصت مودته ومحبته في حق أعداء الله ورسوله» (١).
* * *
стр. 177
المبحث الخامس
موالاة المشركين المنتسبين للملة كموالاة المشركين المباينين لها
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الفتوى رقم (٢٧٨٧):
س: رجل يعيش في جماعة تستغيث بغير الله، هل يجوز له الصلاة خلفهم، وهل تجب الهجرة عنهم، وهل شركهم شرك غليظ، وهل موالاتهم كموالاة الكفار الحقيقين؟
ج: إذا كانت حال من تعيش بينهم كما ذكرت من استغاثتهم بغير الله، كالاستغاثة بالأموات والغائبين عنهم من الأحياء، أو بالأشجار، أو بالأحجار، أو الكواكب، ونحو ذلك، فهم مشركون شركًا أكبر يخرج من ملَّة الإسلام، لا تجوز موالاتهم كما لا تجوز موالاة الكفار، ولا تصح الصلاة خلفهم، ولا تجوز عشرتهم، ولا الإقامة بين أظهرهم، إلاَّ لمن يدعوهم إلى الحق على بينة، ويرجو أن يستجيبوا له، وأن تصلح حالهم دينيًا على يديه، وإلاَّ وجب عليه: هجرهم، والانضمام إلى جماعة أخرى، يتعاون معها على القيام بأصول الإسلام وفروعه، وإحياء سنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يجد اعتزل الفِرَق كلها ولو أصابته شدة، لما ثبت عن حذيفة ﵁ أنه قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، فقلت:
يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا من شرّ؟ قال: «نعم»، فقلت هل بعد هذا الشر من خير؟ قال: «نعم
وفيه دخن»، قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يستنُّون بغير سنتي ويهدون
стр. 178
بغير هديي تعرف منهم وتنكر»، فقلت: فهل بعد ذلك خير من شرّ؟ قال: «نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها»، فقلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: «نعم هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا»، قلت يا رسول الله فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» متفق عليه.
وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز (١)
السؤال الخامس من الفتوى رقم (٦٩٠١):
س: ما هي حدود الموالاة التي يكفر صاحبها وتخرجه من الملَّة، حيث نسمع أن من أكل مع المشرك، أو جلس معه، أو استضاء بنوره، ولو برى لهم قلمًا، أو قدم لهم محبرة، فهو مشرك، وكثيرًا ما نتعامل مع اليهود والنصارى نتيجة التواجد والمواطنة في مكان واحد.
فما هي حدود الموالاة المخرجة من الملَّة، وما هي الكتب الموضحة ذلك بالتفصيل، وهل الموالاة من شروط لا إله إلاَّ الله؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد:
ج: موالاة الكفار التي يكفر بها من والاهم هي محبتهم ونصرتهم على
стр. 179
المسلمين، لا مجرد التعامل معهم بالعدل، ولا مخالطتهم لدعوتهم للإسلام، ولا غشيان مجالسهم، والسفر إليهم للبلاغ ونشر الإسلام.
وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز (١)
* * *
стр. 180
المبحث السادس
إذا تعذر علو التوحيد، وإظهار البراءة من المشركين في بلد، أصبحت دار كفر وشرك، ووجب على الموحدين الهجرة منها، ليتمكنوا من إقامة دينهم، وإظهار البراءة من أعدائهم
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى:
عما يقال في الهجرة من بين ظهراني المشركين، من البادية والحاضرة، وفضلها؟ وما الواجب منها؟ وما المستحب؟ وهل بين بادية نجد وغيرهم، كعنزة والظفير، ومن والاهم من بادية الشمال والجنوب، إلى ما لا يخفى على المسؤول؟
(حكم الهجرة، وفضلها، ودرجاتها)
فأجاب: الهجرة من واجبات الدين، ومن أفضل الأعمال الصالحة، وهي سبب لسلامة دين العبد، وحفظ لإيمانه، وهي أقسام، هجر: المحرمات، التي حرمها الله في كتابه، وحرمها رسول الله ﷺ على جميع المكلفين، وأخبر أن: «من هجرها فقد هجر ما حرمه الله عليه»، وقد أخبر ﷺ فيما صح عنه: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه».
وهذا أمر مجمل شامل لجميع المحرمات، القولية والفعلية.
(حكم الإقامة في ديار الكفر)
القسم الثاني: الهجرة من كل بلدة، تظهر فيها شعائر الشرك وأعلام الكفر، ويعلن فيها بالمحرمات، والمقيم فيها لا يقدر على إظهار دينه، والتصريح بالبراءة من المشركين وعداوتهم، ومع هذا يعتقد كفرهم، وبطلان ما هم عليه، لكن إنما جلس بين ظهرانيهم، شحًا بالمال والوطن، فهذا