فالواجب على من أحب نجاة نفسه، وسلامة دينه، أن يعادي من أمره الله ورسوله بعداوته، ولو كان أقرب قريب، فإن الإيمان لا يستقيم إلاَّ بذلك والقيام له، لأنه من أهم المهمات، وآكد الواجبات.
إذا عرفت هذا: فمواكلة الرافضي، والانبساط معه، وتقديمه في المجالس، والسلام عليه، لا يجوز، لأنه موالاة وموادة، والله تعالى قد قطع الموالاة، بين المسلمين والمشركين، بقوله: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨].
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] ... والآيات في المعنى كثيرة كما تقدَّم.
والسلام تحية أهل السلام بينهم، فإذا سلَّم على الرافضة، وأهل البدع، والمجاهرين بالمعاصي، وتلقَّاهم بالإكرام والبشاشة، ألان لهم الكلام، كان ذلك موالاة منه لهم، فإذا وادَّهم وانبسط لهم مع ما تقدَّم، جمع الشر كله، ويزول ما في قلبه من العداوة والبغضاء، لأن إفشاء السلام سبب لجلب المحبة، كما ورد في الحديث: «ألا أدلكم على ما تحابون به»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «أفشوا السلام بينكم»، فإذا سلَّم على الرافضة والمبتدعين، وفسَّاق المسلمين، خلصت مودته ومحبته في حق أعداء الله ورسوله» (١).
* * *
стр. 177
المبحث الخامس
موالاة المشركين المنتسبين للملة كموالاة المشركين المباينين لها
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الفتوى رقم (٢٧٨٧):
س: رجل يعيش في جماعة تستغيث بغير الله، هل يجوز له الصلاة خلفهم، وهل تجب الهجرة عنهم، وهل شركهم شرك غليظ، وهل موالاتهم كموالاة الكفار الحقيقين؟
ج: إذا كانت حال من تعيش بينهم كما ذكرت من استغاثتهم بغير الله، كالاستغاثة بالأموات والغائبين عنهم من الأحياء، أو بالأشجار، أو بالأحجار، أو الكواكب، ونحو ذلك، فهم مشركون شركًا أكبر يخرج من ملَّة الإسلام، لا تجوز موالاتهم كما لا تجوز موالاة الكفار، ولا تصح الصلاة خلفهم، ولا تجوز عشرتهم، ولا الإقامة بين أظهرهم، إلاَّ لمن يدعوهم إلى الحق على بينة، ويرجو أن يستجيبوا له، وأن تصلح حالهم دينيًا على يديه، وإلاَّ وجب عليه: هجرهم، والانضمام إلى جماعة أخرى، يتعاون معها على القيام بأصول الإسلام وفروعه، وإحياء سنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يجد اعتزل الفِرَق كلها ولو أصابته شدة، لما ثبت عن حذيفة ﵁ أنه قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، فقلت:
يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا من شرّ؟ قال: «نعم»، فقلت هل بعد هذا الشر من خير؟ قال: «نعم
وفيه دخن»، قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يستنُّون بغير سنتي ويهدون
стр. 178
بغير هديي تعرف منهم وتنكر»، فقلت: فهل بعد ذلك خير من شرّ؟ قال: «نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها»، فقلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: «نعم هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا»، قلت يا رسول الله فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» متفق عليه.
وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز (١)
السؤال الخامس من الفتوى رقم (٦٩٠١):
س: ما هي حدود الموالاة التي يكفر صاحبها وتخرجه من الملَّة، حيث نسمع أن من أكل مع المشرك، أو جلس معه، أو استضاء بنوره، ولو برى لهم قلمًا، أو قدم لهم محبرة، فهو مشرك، وكثيرًا ما نتعامل مع اليهود والنصارى نتيجة التواجد والمواطنة في مكان واحد.
فما هي حدود الموالاة المخرجة من الملَّة، وما هي الكتب الموضحة ذلك بالتفصيل، وهل الموالاة من شروط لا إله إلاَّ الله؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد:
ج: موالاة الكفار التي يكفر بها من والاهم هي محبتهم ونصرتهم على
стр. 179
المسلمين، لا مجرد التعامل معهم بالعدل، ولا مخالطتهم لدعوتهم للإسلام، ولا غشيان مجالسهم، والسفر إليهم للبلاغ ونشر الإسلام.
وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز (١)
* * *
стр. 180
المبحث السادس
إذا تعذر علو التوحيد، وإظهار البراءة من المشركين في بلد، أصبحت دار كفر وشرك، ووجب على الموحدين الهجرة منها، ليتمكنوا من إقامة دينهم، وإظهار البراءة من أعدائهم
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى:
عما يقال في الهجرة من بين ظهراني المشركين، من البادية والحاضرة، وفضلها؟ وما الواجب منها؟ وما المستحب؟ وهل بين بادية نجد وغيرهم، كعنزة والظفير، ومن والاهم من بادية الشمال والجنوب، إلى ما لا يخفى على المسؤول؟
(حكم الهجرة، وفضلها، ودرجاتها)
فأجاب: الهجرة من واجبات الدين، ومن أفضل الأعمال الصالحة، وهي سبب لسلامة دين العبد، وحفظ لإيمانه، وهي أقسام، هجر: المحرمات، التي حرمها الله في كتابه، وحرمها رسول الله ﷺ على جميع المكلفين، وأخبر أن: «من هجرها فقد هجر ما حرمه الله عليه»، وقد أخبر ﷺ فيما صح عنه: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه».
وهذا أمر مجمل شامل لجميع المحرمات، القولية والفعلية.
(حكم الإقامة في ديار الكفر)
القسم الثاني: الهجرة من كل بلدة، تظهر فيها شعائر الشرك وأعلام الكفر، ويعلن فيها بالمحرمات، والمقيم فيها لا يقدر على إظهار دينه، والتصريح بالبراءة من المشركين وعداوتهم، ومع هذا يعتقد كفرهم، وبطلان ما هم عليه، لكن إنما جلس بين ظهرانيهم، شحًا بالمال والوطن، فهذا
стр. 181
عاص ومرتكب محرمًا، وداخل في حكم الوعيد.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩].
فلم يعذر الله إلاَّ المستضعف، الذي لا يقدر على التخلص من أيدي المشركين ولو قدر ما عرف سلوك الطريق وهدايته، إلى غير ذلك من الأعذار.
(حكم الخروج في صفوف المشركين لقتال المسلمين)
وقال ﷺ : «من جامع المشرك أو سكن معه فإنه مثله»، فلا يقال إنه بمجرد المجامعة والمساكنة يكون كافرًا، بل المراد: أن من عجز عن الخروج من بين ظهراني المشركين، وأخرجوه معهم كرهًا، فحكمه حكمهم في القتل، وأخذ المال لا في الكفر، وأما إن خرج معهم لقتال المسلمين طوعًا واخيتارًا، أو أعانهم ببدنه وماله، فلا شك أن حكمه حكمهم في الكفر.
(الأدلة على حرمة الإقامة بين أظهر المشركين، لا سيما عند العجز عن إقامة الدين)
وفي القرآن الكريم والسنَّة النبوية ما يدل - من في قلبه حياة - على المنع من ذلك، وكلام العلماء مرشد إلى ذلك، فإنهم صرَّحوا بالنهي عن إقامة المسلم بين أظهر المشركين من غير إظهار دينه، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [هود: ١١٣]، وقال: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [المائدة: ٨٠]، إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، إلى
стр. 182
قوله: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، قال ابن كثير في الكلام على هذه الآية، وهذه الآية: عامة في كل من أقام بين أظهر المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو مرتكب حرامًا بالإجماع، ونص هذه الآية، والآيات في هذا المعنى كثيرة يعرفها من قرأ القرآن وتدبره.
وفي الأحاديث المأثورة عن النبي ﷺ ما يدل على ما دل عليه القرآن، مثل قوله ﷺ : «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله»، وقوله ﷺ : «ولا تستضيئوا بنار المشركين». وحديث بهز بن حكيم: «أن تفر من شاهق إلى شاهق بدينك».
قال ابن كثير معناه: لا تقاربوهم في المنازل، بحيث تكونوا معهم في بلادهم، بل تباعدوهم، وتهاجروا من بلادهم، ولهذا روى أبو داود فقال: «لا تراءى ناراهما».
وفي قصة إسلام جرير لما قال: يا رسول الله، بايعني واشترط، فقال: «أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتفارق المشركين»، وعن عبد الله بن عمرو، أنه قال: من بنى بأرض المشركين، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبَّه بهم حتى يموت، حُشِر معهم يوم القيامة.
وكلام العلماء في المنع من الإقامة عند المشركين، وتحريم مجامعتهم، ووجوب مباينتهم، كثير معروف، خصوصًا أئمَّة هذه الدعوة الإسلامية، كالشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأولاده، وأولادهم، وأتباعهم من أهل العلم والدين، ففي كتبهم من ذلك ما يكفي ويشفي من ﴿كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
فمن ذلك ما قال الشيخ: عبد الطيف، في بعض رسائل: إن الإقامة ببلد يعلو فيها الشرك، والكفر، ويظهر فيها دين الإفرنج، والروافض، ونحوهم
стр. 183
من المعطلة للربوبية والألوهية، وترفع فيها شعائرهم، ويهدم الإسلام والتوحيد، ويعطل التسبيح والتكبير والتحميد، وتقلع قواعد الملة والإيمان، ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان، ويشتم السابقون من أهل بدر وبيعة الرضوان.
فالإقامة بين ظهرانيهم - والحالة هذه - لا تصدر عن قلب باشره حقيقة الإسلام والإيمان والدين، وعرف ما يجب من حق الله في الإسلام على المسلمين، بل لا يصدر عن قلب رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، فإن الرضا بهذه الأصول الثلاثة قطب رحى الدين، وعليه تدور حقائق العلم واليقين، وذلك يتضمن من محبة الله وإيثار مرضاته، والغيرة لدينه والانحياز إلى أوليائه، ما يوجب البراءة كل البراءة، والتباعد كل التباعد عمَّن تلك نحلته، وذلك دينه، بل نفس الإيمان المطلق في الكتاب والسنة، لا يجامع هذه المنكرات. انتهى كلامه ﵀.
وأما السؤال عن حكم المقيم في بلدان المشركين، من المنتسبين إلى الإسلام، فهذا الجنس من الناس مشتركون في فعل ما نهى الله عنه ورسوله، إلاَّ من عذره القرآن في قوله: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٨]، ثم هم مختلفون في المراتب، متفاوتون في الدرجات بحسب أحوالهم، وما يحصل منهم من موالاة المشركين والركون إليهم، فإن ذلك قد يكون كفرًا وقد يكون دونه، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢]» (١).
* * *
стр. 184
الفصل الثامن
الأسماء والصفات ومنهج السلف في الإيمان بها
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: منهج السلف الصالح في الإيمان بأسماء الله وصفاته.
المبحث الثاني: دلالة أسماء الله الحسنى وصفاته العلا على أنه المبعود وحده بلا شريك.
стр. 185
المبحث الأول
منهج السلف الصالح في الإيمان بأسماء الله وصفاته
يجب الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا، وإثباتها على وجه يليق بجلاله وعظمته، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، وهذه القاعدة مطردة في كل صفات الرب سبحانه: نؤمن بألفاظها، ونثبت حقائقها، ونفوض في كيفياتها، لأنه لا يعلم كيف هو إلاَّ هو سبحانه، ولأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما نثبت ذاتًا بلا كيفية فكذلك نثبت صفاتها بلا كيفية.
والقول الشامل في هذا: أنا نصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ ، لا نتجاوز في ذلك نصوص الكتاب والسنة بفهم وبيان حامليها من الصحابة الكرام، ومن سار على دربهم، واقتفى أثرهم.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى في بيان عقيدته لأهل القصيم:
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: أُشْهِدُ الله ومَن حَضَرني مِن الملائكة، وأُشْهِدكم: أَنِّي أعتقد ما اعتقَدَتْه الفرقة الناجية، أهل السنَّة والجماعة، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أُحرِّف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه، لأنه تعالى لا سمىَّ له، ولا كفؤ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه.
стр. 186
فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثًا، فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]» (١).
وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف رحمهما الله تعالى:
«ومما تعتقده وندين الله به: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ونؤمن بأسماء الله تعالى وصفاته، ونثبت ذلك على ما يليق بجلاله وعظمته، إثباتًا بلا تمثيل، وننزه الله عما لا يليق بجلاله، تنزيهًا بلا تعطيل، ونعتقد أن الله مستو على عرشه، عال على خلقه، وعرشه فوق السماوات، وهو بائن عن مخلوقاته، ولا يخلو مكان من علمه، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فنؤمن باللفظ، ونثبت حقيقة الاستواء، ولا نكيف ولا نمثل، لأنه لا يعلم كيف هو، إلاَّ هو.
قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀ وبقوله نقول -، وقد سأله رجل عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة: فأثبت مالك ﵀ الاستواء، ونفى علم الكيفية، وكذلك اعتقادنا في جميع أسماء الرب وصفاته، من الإيمان باللفظ، وإثبات الحقيقة، ونفي علم الكيفية.
والقول الشامل في ذلك: أنَّا نصف الله بما وصف به نفسه، ووصف به رسوله ﷺ ، لا نتجاوز القرآن والحديث، فمن شبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
стр. 187
وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فسبحان من لا سميَّ له، ولا كفو له، وهو أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثًا من خلقه.
ونؤمن بما ورد، «من أن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فاغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟» ...
وبالجملة: فعقيدتنا في جميع الصفات، الثابتة في الكتاب والسنَّة، عقيدة أهل السنَّة والجماعة، نؤمن بها، ونمرُّها كما جاءت، مع إثبات حقائقها وما دلت عليه، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تعطيل ولا تبديل ولا تأويل» (١).
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى:
«إن مذهبنا في أصول الدين، مذهب أهل السنَّة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف، التي هي الطريق الأسلم، بل والأعلم والأحكم، خلافًا لمن قال طريق الخلف أعلم.
وهي: أنما نقرّ آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها، ونكل معناها، مع اعتقاد حقائقها إلى الله تعالى، فإن مالكًا - وهو من أجلِّ علماء السلف - لما سئل عن الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (٢).
* * *
стр. 188
المبحث الثاني
دلالة أسماء الله الحسنى وصفاته العلا على أنه المعبود وحده بلا شريك
أسماء الله الحسنى، وصفاته العلا يدلاَّن: على كماله وجلاله وعظمته، وأنه هو المعبود وحده، لا شريك له في ربوبيته وألوهيته، وأن العبادة لا يصلح منها شيء لملّك مقرَّب، ولا نبيٍّ مرسل فضلاً عمَّن دونها، ومن ثم نستطيع الجزم بأن المشركين لم يقدروا الله حق قدره، لما وقعوا في عبادة غيره، وعدلوا به سواه، مع أن الفرق بين عبادة الخالق وعبادة المخلوق، كالفرق بين الخالق وأسمائه وصفاته، والمخلوق وأسمائه وصفاته.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد، وعبد الرحمن بن حسن ﵏ جميعًا في شرحه عليه:
ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].
[الشرح]
قوله: باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]، أي: من الأحاديث والآثار في معنى هذه الآية الكريمة.
قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى: «ما قدر المشركون الله حق قدره حتى عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته».
стр. 189
قال مجاهد: نزلت في قريش. وقال السدي: ما عظَّموه حق عظمته. وقال محمد بن كعب: لو قدروه حقَّ قدره ما كذَّبوه. وقال على بن أبي طلحة: ناقلاً عن ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدَّر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدِّر الله حق قدره.
وقد ورد أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية، الطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف؛ وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف، وذكر حديث ابن مسعود ما ذكره المصنف ﵀ في هذا الباب قال: ورواه البخاري في غير موضع من صحيحه، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، كلهم من حديث سليمان بن مهران، وهو الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن ابن مسعود بنحوه.
قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي ﷺ قال: «يا أبا القاسم أبلغك أن الله تعالى يجعل الخلائق على أصبع، والسموات على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك؟ فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه لفول الحبر. قال: وأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]». وهكذا رواه البخاري، ومسلم، والنسائي من طرق عن الأعمش به ...
(دلالة صفات الله على كماله، وعظمته، وقدرته، ووحدانيته، في ربوبيته وألوهيته)
قلت: وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظمة الله، وعظيم قدرته، وعظم مخلوقاته.
стр. 190
وقد تعرف إلى عباده بصفاته، وعجائب مخلوقاته، وكلها تعرف وتدل على كماله، وأنه هو المعبود وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته، وتدل على إثبات الصفات له على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنَّة، وعليه سلف الأمة وأئمتها، ومن تبعهم بإحسان، واقتفى أثرهم على الإسلام والإيمان.
وتأمل ما في هذه الأحاديث الصحيحة من تعظيم النبي ﷺ ربه بذكر صفات كماله، على ما يليق بعظمته وجلاله، وتصديقه اليهود فيما أخبروا به عن الله من الصفات، التي تدل على عظمته.
وتأمل ما فيها من إثبات علو الله تعالى على عرشه، ولم يقل النبي ﷺ في شيء منها: إن ظاهرها غير مراد، وإنها تدل على تشبيه صفات الله بصفات خلقه، فلو كان هذا حقًا بلغه أمين أمته، فإن الله أكمل به الدين، وأتم به النعمة، فبلّغ البلاغ المبين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين، وتلقَّى الصحابة ﵃ عن نبيهم ﷺ ما وصف به ربه من صفات كماله ونعوت جلاله، فآمنوا به وآمنوا بكتاب الله، وما تضمنه من صفات ربهم جلَّ وعلا، كما قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]» (١).
* * *
стр. 191
الفصل التاسع
القضاء والقدر
ومنهج السلف في الإيمان به
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: قواعد السلف الذهبية في الإيمان بالقضاء والقدر.
المبحث الثاني: وجوب التسليم لقضاء الله ومقدوراته العامة.
المبحث الثالث: ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر.
стр. 192
المبحث الأول
قواعد السلف الذهبية في الإيمان بالقضاء والقدر
- إن الإيمان بربوبية الله لا يقبل حتى يتم الإيمان بقضائه وقدره.
- والله سبحانه قدَّر الإيمان والطاعات وأسبابها وأحبها، والكفر والمعاصي وأسبابها وكرهها.
- وقدرة الله الشاملة، وعلمه التام، وخلقه لكل شيء، وحكمته البالغة، أصول الإيمان بالقدر والتسليم له.
- والشر في مقدورات الله راجع إلى مفعولاته، لا إلى ذاته المقدسة وصفاته العلا، ويكون بسبب ظلم العبد وبغيه وجهله، ومن ثم يستحيل إضافة الشر إليه سبحانه.
- ولا يتم الإيمان بالقدر حتى يتيقن العبد أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، إذ المقادير قد كتبت قبل الخلق بخمسين ألف عام، ثم رفعت الأقلام وجفَّت الصحف.
- ولا نجاة من النيران ولا قَبول للطاعات قبل القيام بهذا الأصل، وتحقيقه وفق مراد الرب سبحانه، وبيان رسول ﷺ ، بفهم صحابته الكرام نقلة وحيه، وشريعته.
- ولا يعني الإيمان بالقدر والتسليم له: القعود عن أخذ الأسباب، وفعل السنن، المؤدية إلى حصول النفع واجتناب الضر، بل ينبغي فعل الأسباب والأخذ بالسنن، مع الاعتماد والتوكل على الله حتى يتم للعبد توحيده وتتحقَّق له عبوديته المخلوق من أجلها.
стр. 193
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه لكتاب التوحيد:
«باب ما جاء في منكري القدر
[الشرح]
أي: من الوعيد. والقدر بالفتح والسكون: ما يقدره الله من القضاء.
ولما كان توحيد الربوبية لا يتم إلاَّ بإثبات القدر، قال القرطبي: القدر مصدر قدرت الشيء بتخفيف الدال أقدره وأقدره قدرًا وقدرًا إذا حصلت بمقداره، ويقال فيه: قدرت أقدر تقديرًا مشدد الدال، فإذا قلنا: إن الله تعالى قدر الأشياء، فمعناه: أنه تعالى علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجد على نحو ما سبق في علمه، فلا محدث في العالم العلوي والسفلي، إلاَّ هو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم من دين السلف الماضين، الذي دلَّت عليه البراهين.
ذكر المصنف ما جاء في الوعيد فيمن أنكره، تنبيهًا على وجوب الإيمان، ولهذا عدّه النبي ﷺ من أركان الإيمان كما ثبت في حديث جبريل ﵇ لما سئل عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال: صدقت.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة»، قال: وعرشه على الماء.
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» رواهما مسلم في صحيحه.
وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن عبد حتى يؤمن
стр. 194
بأربع: يشهد أن لا إله إلاَّ الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، والبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر»، رواه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم في مستدركه، والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا قد أفردها العلماء بالتصنيف.
قال البغوي في «شرح السنَّة»: الإيمان بالقدر فرض لازم، وهو أن يعتقد أن الله تعالى خالق أعمال العباد خيرها وشرها، كتبها عليهم في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، فالإيمان والكفر، والطاعة والمعصية كلها بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته، غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد عليهما بالعقاب ...
(أصول أهل السنَّة في كيفية الإيمان بالقضاء والقدر، مع استعراض لمذهب القدرية ولوازمه الفاسدة، وبيان بطلانه)
قال شيخ الإسلام: مذهب أهل السنة في هذا الباب وغيره ما دل عليه الكتاب والسنَّة، وكان عليه السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان وهو أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها، من أفعال العباد، وغير أفعال العباد، وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في الوجود شيء إلاَّ بمشيئته وقدره، لا يمتنع عليه شيء شاءه، بل هو قادر على كل شيء، ولا يشاء شيئًا إلاَّ وهو قادر عليه، وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، قدر أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وكتب ذلك وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة، فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان،
стр. 195
وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون.
وغلاة القدرية ينكرون علمه المتقدم وكتابته السابقة، ويزعمون أنه أمر ونهى، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، بل الأمر أنُف، أي: مستأنف. وهذا القول أول ما حدث في الإسلام، بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وبعد إمارة معاوية بن أبي سفيان، في زمن الفتنة، التي كانت بين ابن الزبير وبني أمية، في آخر عصر عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وغيرهما من الصحابة.
وكان أول من ظهر ذلك عنه بالبصرة: معبد الجهني، فلما بلغ الصحابة قول هؤلاء تبرءوا منهم، وأنكروا مقالتهم، ثم لما كثر خوض الناس في القدر، صار جمهورهم يقر بالعلم المتقدم، والكتاب السابق، ولكن ينكرون عموم مشيئة الله، وعموم خلقه وقدرته، ويظنون أنه لا معنى لمشيئته إلاَّ أمره، فما شاء فقد أمره به، وما لم يشأ لم يأمر به، فلزمهم أنه قد يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء. وأنكروا أن يكون الله خالقًا لأفعال العباد، أو قادرًا عليها، أو أن يخص بعض عباده من النعم مما يقتضي إيمانهم به، وطاعتهم له.
وزعموا أن نعمته التي بما (١) يمكن الإيمان والعمل الصالح
على الكفار كأبي جهل، وأبي لهب، مثل نعمته بذلك على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، بمنزلة رجل دفع إلى والديه بمال قسمه بينهم بالسوية، ولكن هؤلاء أحدثوا أعمالهم الصالحة، وهؤلاء أحدثوا أعمالهم الفاسدة،
من غير نعمة خصَّ الله بها المؤمنين، وهذا قول باطل، وقد قال
الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:
١٧]. وقال: ﴿كِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ
стр. 196
الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧، ٨].
وقال ابن القيم ما معناه: مراتب القضاء والقدر أربع مراتب:
الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها.
الثانية: كتابة ذلك عنده في الأزل قبل خلق السموات والأرض.
الثالثة: مشيئته المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن كما لا خروج له عن علمه.
الرابعة: خلقه لها وإيجاده وتكوينه، فالله خالق كل شيء، وما سواه مخلوق.
قال: وقال ابن عمر، والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم استدل بقول النبي ﷺ : «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» رواه مسلم ...
(شبهة وجوابها)
فإن قلت: كيف قال: «وتؤمن بالقدر خيره وشره»، وقد قال في الحديث: «والشر ليس إليك».
قيل: إثبات الشر في القضاء والقدر إنما هو بالإضافة إلى العبد، والمفعول إن كان مقدرًا عليه، فهو بسب جهله وظلمه وذنوبه، لا إلى الخالق، فله في ذلك من الحِكَم ما تقصر عنه أفهام البشر، لأن الشر إنما هو بالذنوب وعقوباتها في الدنيا والآخرة، فهو شر بالإضافة إلى العبد، أما بالإضافة إلى الرب ، فكله خير وحكمة، فإنه صادر عن حكمه وعلمه، وما كان كذلك فهو خير محض بالنسبة إلى الرب ، إذ هو موجب
стр. 197
أسمائه وصفاته، ولهذا قال: «والشر ليس إليك»، أي: تمتنع إضافته إليك بوجه من الوجوه، فلا يضاف الشر إلى ذاته وصفاته، ولا أسمائه ولا أفعاله، فإن ذاته منزهة عن كل شر، وصفاته كذلك، إذ كلها صفات كمال، ونعوت جلال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وأسماؤه كلها حسنى، ليس فيها اسم ذم ولا عيب، وأفعاله حكمة ورحمة ومصلحة وإحسان وعدل، لا تخرج عن ذلك ألبتة، وهو المحمود على ذلك كله، فتستحيل إضافة الشر إليه ...
وحاصله: أن الشر راجع إلى مفعولاته، لا إلى ذاته وصفاته، ويتبَّين ذلك بمثال - ولله المثل الأعلى -: لو أن ملكًا من ملوك العدل كان معروفًا بقمع المخالفين وأهل الفساد، مقيمًا للحدود والتعزيزات الشرعية على أرباب أصحابها، ولعدُّوا ذلك خيرًا يحمده عليه الملوك، ويمدحه الناس ويشكرونه على ذلك، فهو خير بالنسبة إلى الملوك، يمدح ويثنى به ويشكر عليه، وإن كان شرًا بالنسبة إلى من أقيم عليه، فرب العالمين أولى بذلك، لأن له الكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات.
وأيضًا فلولا الشر هل كان يعرف الخير، فإن الضد لا يعرف إلاَّ بضده، فإن لم تحط به خبرًا فاذكر كلام ابن عقيل (١) في الباب الذي قبل هذا، وأسلم تسلم، والله أعلم» (٢).
стр. 198
المبحث الثاني
وجوب التسليم لقضاء الله، ومقدوراته العامة
ينبغي: التسليم التام لمقدورات الله سبحانه بكل ما فيها من خير وشر، فالقيام بالشكر لما فيها من النعم، والصبر على ما بها من النقم.
وهذا مفرق طريق بين: المؤمنين والمنافقين في اعتقادهم، ومنهجهم، وسلوكهم، وصفاتهم.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهَّاب في كتابه التوحيد، والشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحم الله الجميع، في شرحه عليه:
«باب ما جاء في اللَّو»
وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤].
[الشرح]
قوله باب ما جاء في اللَّو، أي: من الوعيد والنهي عن الأمور المكروهة، كالمصائب إذا جرى بها القدر، لما فيه من الإشعار بعدم الصبر والأسى على ما فات، مما لا يمكن استداركه.
فالواجب التسليم للقدر، والقيام بالعبودية الواجبة، وهو الصبر على ما أصاب العبد مما يكره. والإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان الستة. وأدخل المصنف رحمه الله تعالى أداة التعريف على «لوّ»، وهذه في هذا المقام لا تفيد تعريفًا كنظائرها، لأن المراد هذا اللفظ كما قال الشاعر:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركًا ... شديدًا بأعباء الخلافة كاهله
стр. 199
وقوله:: وقول الله : ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤].
قاله بعض المنافقين يوم أحد لخوفهم وجزعهم وخورهم.
وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨].
[الشرح]
(الفرق بين المؤمن والمنافق ساعة نزول البلاء)
قال ابن إسحاق: فحدثني يحيي بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: «لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم، فما منا رجل إلاَّ ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلاَّ كالحلم، لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله : ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]»، لقول معتب: رواه ابن أبي حاتم.
قال الله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، أي هذا قدر مقدَّر من الله ، وحكم حتم لازم لا محيد عنه ولا مناص منه.
وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨].
قال العماد ابن كثير: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]، أي: لو سمعوا مشورتنا عليهم بالعقود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل. قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]، أي: إذا كان القعود يسلم به الشخص من
стр. 200
القتل والموت، فينبغي لكم أن لا تموتوا، والموت لا بد آت إليكم، ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.
قال مجاهد عن جابر بن عبد الله: «نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبُي وأصحابه»، يعني أنه هو الذي قال ذلك.
وأخرج البيهقي عن أنس أن أبا طلحة قال: «غشينا النعاس ونحن في مصافِّنا يوم أحد، فجعل يسقط سيفي وآخذه، ويسقط وآخذه. قال: والطائفة الأخرى - المنافقون - ليس لها هم إلاَّ أنفسهم، أجبن قوم، وأرعبه، وأخذله للحق، ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، إنما هم أهل ريب وشك بالله .
قوله: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
قال شيخ الإسلام ﵀: لما ذكر ما وقع من عبد الله بن أبي في غزوة أحد قال: فلما انخذل يوم أحد، وقال: يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان أو كما قال: انخذل معه خلق كثير، كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك. فأولئك كانوا مسلمين وكان معهم إيمان، هو الضوء الذي ضرب الله به المثل (١). فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق، لماتوا على الإسلام، الذي يثابون عليه، ولم يكونوا من المؤمنين حقًا، الذين امتحنوا فثبتوا على المحنة، ولا من المنافقين حقًا الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة.
وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا أو أكثرهم، إذا ابتلوا بالمحنة
стр. 201
التي يتضعضع فيها أهل الإيمان؛ بنقص إيمانهم كثيرًا وينافق كثير منهم، ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالبًا، وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة.
وإذا كانت العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين، وهم مؤمنون بالرسل باطنًا وظاهرًا، لكنه إيمان لا يثبت على المحنة، ولهذا يكثر في هؤلاء ترك الفرائض وانتهاك المحارم، وهؤلاء من الذين قالوا آمنا، فقيل لهم: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، أي: الإيمان المطلق، الذي أهله هم المؤمنون حقًا، فإن هذا هو الإيمان إذا أطلق في كتاب الله تعالى، كما دل عليه الكتاب والسنَّة. فلم يحصل لهم ريب عند المحن، التي تقلقل الإيمان في القلوب. انتهى.
قوله: وقد رأينا ورأي غيرنا من هذا ما فيه عبرة.
قلت: ونحن كذلك رأينا من ذلك ما فيه عبرة عند غلبة العدو، من إعانتهم العدو على المسلمين، والطعن في الدين، وإظهار العداوة والشماتة، وبذل الجهد في إطفاء نور الإسلام، وذهاب أهله، وغير ذلك مما يطول ذكره. والله المستعان» (١).
* * *
стр. 202
المبحث الثالث
ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر
قال الشيخ صالح الفوزان يحفظه الله:
«إن من أعظم ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر:
صحة إيمان الشخص بتكامل أركانه، لأن الإيمان بذلك من أركان الإيمان الستَّة، التي لا يتحقق إلاَّ بها؛ كما دل على ذلك الكتاب والسنَّة.
ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: طمأنينة القلب وارتياحه، وعدم القلق في هذه الحياة، عندما يتعرض الإنسان لمشاق الحياة؛ لأن العبد إذا علم أن ما يصيبه فهو مقدَّر لا بد منه، ولا رادَّ له، واستشعر قول الرسول ﷺ : «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك»؛ فإنه عند ذلك تسكن نفسه ويطمئن باله؛ بخلاف من لا يؤمن بالقضاء والقدر؛ فإنه تأخذه الهموم والأحزان، ويزعجه القلق، حتى يتبرَّم بالحياة، ويحاول الخلاص منها، ولو بالانتحار؛ كما هو مشاهد من كثرة الذين ينتحرون فرارًا من واقعهم، وتشاؤمًا من مستقبلهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالقضاء والقدر؛ فكان تصرفهم ذلك نتيجة حتمية لسوء اعتقادهم ...
ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: الثبات عند مواجهة الأزمات، واستقبال مشاق الحياة بقلب ثابت، ويقين صادق، لا تزلزله الأحداث، ولا تهزه الأعاصير؛ لأنه يعلم أن هذه الحياة دار ابتلاء وامتحان وتقلب؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾
[الملك: ٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
стр. 203
كم جرى على رسول الله ﷺ ، وعلى صحابته، من المحن والشدائد لكنهم واجهوها بالإيمان الصادق، والعزم الثابت، حتى اجتازوها بنجاح باهر، وما ذاك إلاَّ لإيمانهم بقضاء الله وقدره، واستشعارهم لقوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].
ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: تحويل المحن إلى منح، والمصائب إلى أجر؛ كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]؛ قال علقمة: «هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلِّم» ...
ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: أنه يدفع الإنسان إلى العمل والإنتاج والقوة والشهامة، فالمجاهد في سبيل الله يمضي في جهاده، ولا يهاب الموت؛ لأنه يعلم أن الموت لا بد منه، وأنه إذا جاء لا يؤخر، لا يمنع منه حصون ولا جنود ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]، ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وهكذا حينما يستشعر المجاهد هذه الدفعات القوية، من الإيمان بالقدر، يمضي في جهاده، حتى يتحقق النصر على الأعداء، وتتوفر القوة للإسلام والمسلمين» (١).
* * *
стр. 204
ملخص مفيد لأهم مسائل، وفوائد الباب الأول
- «لقد» علا الشرك الأرض، من أقصاها إلى أقصاها، قبيل قيام دعوة الشيخ المجدد الإمام/ محمد بن عبد الوهاب «رحمه الله تعالى».
- «من» أعظم أسباب عودة الشرك: دوران الناس مع الألفاظ المجردة، دون الوقوف مع المعاني، التي ترتبت عليها الأحكام، وأناطها بها الشارع الحكيم.
- «الإسلام»: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
- «مجرد» الإتيان بلفظ الشهادة، من غير علم بمعناها، ولا عمل بمقتضاها، لا يكون به المكلف مسلمًا بالإجماع.
- «الإقرار بتوحيد الربوبية»، لا يكون الإنسان به مسلمًا، حتى يلتزم بتوحيد الألوهية، الذي يتميز به المسلم عن المشرك.
- «لا يصح دين الإسلام» إلا بالبراءة من الطواغيت المعبودة من دون الله، وتكفيرهم.
* * *
- «الإله»: هو المعبود. هذا هو معناه المعروف بإجماع أهل العلم.
- «العبادة»: اسم جامع لكل ما يحبه الله، من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة.
- «العبادة»: هي التوحيد، لأن الخصومة بين الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وأممهم كانت فيه.
стр. 205
- «العبادة» لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، ولا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت، فإذا خالطها الشرك أفسدها، لأن اجتنابه شرط في صحتها.
- «من خصائص الإلهية»: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بحال؛ وذلك يقتضي إفراد الله بالعبادة وحده دون ما سواه.
- «إفراد الله بالعبادة»، ثابت لله عقلاً، وشرعًا، وفطرة. والشرك: مستقر قبحه في كل فطرة وعقل، ومحال أن تجيء به شريعة من الشرائع.
- «أصول التوحيد» العاصمة من الشرك والتنديد، قد اتفقت عليها الرسالات، وتطابقت عليها النبوات، ومن ثمّ فلا يسع أي عبد فيها إلا الاتباع المحض، دون الابتداع والاجتهاد.
- «من» عبد غير الله فهو مشرك، ولو نطق بـ «لا إله إلا الله»، لأنه تكلم بما لم يعمل به، ولم يعتقد ما دلّ عليه، ولم يقم بما يقتضيه من التوحيد والإخلاص.
- «الصدق والإخلاص متلازمان»، لا يوجد أحدهما بدون الآخر. فمن لم يكن مخلصًا فهو مشرك، ومن لم يكن صادقًا فهو منافق.
* * *
- «حاجة» الناس إلى الرسل ضرورية، إذ لا يمكن معرفة تفاصيل الأوامر، والنواهي، وعامة الشرائع إلا عن طريقهم.
- إذا ذهبت آثار الرسالة من الأرض، أقام الله القيامة.
- «الغاية» من إرسال الرسل: إفرادهم وحدهم بالطاعة المطلقة والمتابعة، فإذا كانت الطاعة لغيرهم، لم تحصل الفائدة المقصودة من إرسالهم.
- «التوحيد» يتضمن، ويستلزم: تحكيم الرسول ﷺ في كل موارد النزاع، وهذا هو مقتضى الشهادتين، ولازمها، الذي لا بد منه.
стр. 206
- «التحاكم» إلى غير الرسول ﷺ مفسد ومبطل للإيمان به.
- «لقد» حسم النبي ﷺ كل وسائل، ومواد الشرك، ليبقى التوحيد خالصًا.
- «بُعث» النبي ﷺ بأشد الشرائع في التوحيد، وأسمحها في العمل.
- شاتم الرسول ﷺ كافر بالإجماع، ومن شك في كفره كفر.
- «من» أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ كفر ولو عمل به.
- «من اعتقد»: أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد بن عبد الله ﷺ فقد كفر، وخلع ربقة الإسلام عن عنقه.
- «أجمع» العلماء: على كفر من استهزأ بالله، أو بكتابه، أو برسوله ﷺ ، أو بدينه، ولو كان هازلاً، ولم يعتقد حقيقة الاستهزاء.
* * *
- «الإيمان» قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومحله: القلب والجوارح معًا بإجماع السلف.
- «الأعمال» داخلة في مسمى الإيمان، بإجماع الصحابة، والتابعين.
- «الأعمال الصالحة» على الجوارح، تكون على قدر ما في القلب من الإيمان.
- «الإيمان المطلق»، الذي يستحق صاحبه الجنة، والنجاة من النيران هو: فعل الواجبات وترك المحرمات.
- «مطلق الإيمان»: الإتيان بالأركان الخمسة، والعمل بها باطنًا وظاهرًا، مع الإخلال ببعض الواجبات؛ وهذا الإيمان يجعل صاحبه في المشيئة الإلهية.
- «التوحيد»: هو أصل الإيمان وأساسه، الذي تصلح به جميع الأعمال، وتفسد بفساده بإجماع المسلمين. وفي هذا الأصل وقع النزاع، وله شرع الجهاد، وبه انقسم العباد إلى مؤمنين وكافرين.
стр. 207
- «الإيمان» له أصل وشعب. فأصله التوحيد. وشعبه: الطاعات. و «الكفر» له أصل وشعب. فأصله: الشرك. وشعبه: المعاصي.
- «من» سوى بين أصل الإيمان وشعبه، أو أصل الكفر وشعبه، في الأسماء والأحكام، فهو مخال للكتاب والسنة، وخارج عن سبيل سلف الأمة، وداخل في عموم أهل البدع والأهواء.
- «لا يلزم» من قيام شعبة من شعب الإيمان بعبد أن يكون مؤمنًا، حتى يقوم به أصله؛ ولا من قيام شعبة من شعب الكفر أن يكون كافرًا، حتى يقوم به أصله.
- «الاستثناء» في الإيمان جائز باعتبارين: باعتبار الموافاة. وباعتبار الإخلال في العمل.
- «الاستثناء» في الإيمان شكًا محرم بإجماع المسلمين.
- «كلما» ازداد العيد إيمانًا، قوي خوفه من الكفر والنفاق، وعلى حسب ضعفه يكون أمنه من سوء الخاتمة.
* * *
- «الطاغوت»: ما تجاوز به العبد حدّه، من معبود، أو متبوع، أو مطاع. فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله ﷺ أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله.
- «تحكيم» القوانين الوضعية: تحكيم للطاغوت.
- «النظم المخالفة لشرع الله» التي وضعت للتحاكم إليها، مضاهاة لتشريع الله، داخلة في معنى الطاغوت.
- «صفة الكفر بالطاغوت»: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغض
стр. 208
أهلها، وتعاديهم.
- «كل» من حكم بغير شرع الله فهو: «طاغوت».
- «لا» يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من الطواغيت، وتكفيرهم.
- «من» مدح الطواغيت، أو جادل عنهم، خرج من الإسلام، ولو كان صائمًا قائمًا.
- «من» عرف معنى «لا إله إلا الله»، عرف: أن من شك، أو تردد في كفر من أشرك مع الله غيره، أنه لم يكفر بالطاغوت.
- «التوحيد»: هو الكفر بكل طاغوت معبود من دون الله.
- «التحاكم» إلى الطاغوت، إيمان به.
- «من» أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرمه الله، فقد اتخذهم أربابًا من دون الله.
- «إذا» كانت الحكومة تحكم بغير ما أنزل الله، فهي حكومة غير إسلامية.
- «من» لم يرد مسائل النزاع إلى الكتاب والسنة، فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت، لإخلاله بشرط من شروط الإيمان.
- «الذين» جعلوا القوانين الوضعية، بترتيب وتخضيع كفار، وإن قالوا: أخطأنا، وحكم الشرع أعدل.
- «التشريع» حق لله وحده، فمن احتكم إلى غير شرع الله، من سائر الأنظمة، والقوانين البشرين، فقد اتخذ أصحابها شركاء لله في تشريعه.
- «من» دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فأبى، كان من المنافقين.
- «من» دعا إلى تحكيم القوانين البشرية، فقد جعل له شريكًا في الطاعة والتشريع.
- «من» حكم القوانين البشرية لم يكن موحدًا، لأنه اتخذ شريكًا في الطاعة
стр. 209
والتشريع، ولم يكفر بالطاغوت، بل آمن به.
- «من» خرج عن حكم الله، وعدل إلى ما سواه من القوانين الطاغوتية، وجعلها شريعة مقدمة على الكتاب والسنة في الحكم، فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله وحده في القليل والكثير.
- «كل» من حكم بغير شرع الله، أو حاكم إلى غيره، فقد حكم بالطاغوت، وحاكم إليه.
- «البلد» الذي يحكم فيه بالقانون الوضعي، ليس بلد إسلام، ويجب الهجرة منه على المستطيع.
- «من» حكم القانون البشري، وقال: اعتقد أنه باطل، فهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع، كمن عبد الأوثان، واعتقد بطلانها.
- «كل» دولة لا تحكم بشرع الله، ولا تنصاع لأمره، فهي: دولة جاهلية، كافرة، ظالمة، فاسقة، بنص الآيات المحكمات؛ ويجب على المسلمين بغضها ومعاداتها، ويحرم عليهم مودتها وموالاتها.
- «مجرد» الاعتصام بالإسلام، مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال، بل القتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة.
- «اتفق العلماء» بغير خلاف بينهم على أن: كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام، الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه.
* * *
- «من نواقض التوحيد»: موالاة المشرك، والركون إليه، ونصرته، وإعانته باليد، أو اللسان، أو المال.
- «أجمع العلماء» سلفًا وخلفًا، من الصحابة، والتابعين، والأئمة، وجميع
стр. 210
أهل السنة: أن المرء لا يكون مسلمًا، إلا بالتجرد من الشرك الأكبر، والبراءة منه، وممن فعله.
- «أصل دين الإسلام وقاعدته» أمران: الأمر بعبادة الله وحده، والتحريض على ذلك والموالاة فيه، وتكفير من تركه، والنهي عن الشرك بالله في عبادته، والتغليظ فيه، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله.
- «ما نجا» من شَرَك هذا الشرك الأكبر، إلا من جرد توحيده له، وتقرب بمقت المشركين إلى الله.
- «من قال»: لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، فهذا لا يكون مسلمًا.
- «مظاهرة المشركين»، ومعاونتهم على المسلمين، من نواقض الإسلام، والردة عن الدين.
- «من قاتل» مع المشركين ضد المسلمين كفر، ولو كان موحدًا، وتاركًا للشرك.
- «من أعان» المشركين على المسلمين، وأمدهم من ماله، بما يستعينون به على حربهم، فقد كفر.
- «محبة المشركين»، ونصرتهم على المسلمين، مكفر مخرج عن الملة.
- «كل من أقام بين أظهر المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو مرتكب حرامًا بالإجماع.
* * *
- «من الإيمان بالله»: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
- «من» شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر.
стр. 211
- «إنا نقر» آيات الصفات، وأحاديثها على ظاهرها، ونكل معناها، مع اعتقاد حقائقها إلى الله تعالى.
* * *
- «لا يتم» الإيمان بالربوبية إلا بإثبات القدر.
- «من» أركان الإيمان: الإيمان بالقضاء والقدر.
- الإيمان والكفر، والكطاعة والمعصية، كلها بقضاء الله وقدره ومشيئته وإرادته، غير أنه يرضى الإيمان والكاعة، ووعد عليها الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية، وأوعد عليهما العقاب.
- «مراتب» الإيمان بالقضاء والقدر، أربع مراتب:
الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها.
الثانية: كتابة ذلك عنده في الأزل، قبل خلق السماوات والأرض.
الثالثة: مشيئته المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن عنها، كما لا خروج له عن علمه.
الرابعة: خلقه لها، وإيجاده، وتكوينه. فالله خالق كل شيء، وما سواه مخلوق.
- «يستحيل» إضافة الشر إلى الله سبحانه، لموجب أسمائه الحسنى وصفاته العلا، ولأنه المحمود - جل في علاه - على كل حال.
* * *
стр. 212
الباب الثاني
الشرك والمشركون
وفيه ثمانية فصول:
الفصل الأول: حدُّ الشرك ودرجاته وأنواعه وأحكامه، مع بيان علَّة عدم مغفرته، ووجوب الحذر منه.
الفصل الثاني: العلم سبيل النجاة من الشرك، وإلاَّ وقع بالجهل والتلبيس وتغيير الحقائق.
الفصل الثالث: الفتنة بالقبور والمفاسد المترتبة عليها، مع الردِّ على أشهر شبُهات أهلها.
الفصل الرابع: الشفاعة وأنواعها وشروطها، وأسباب تحصيلها وموانع الحرمان منها.
الفصل الخامس: المشرك مغبون في دينه لإخلاله بكل قيود الكلمة العاصمة إلاَّ مجرَّد التلفُّظ بها.
الفصل السادس: أشهر شبهات المشركين وعلمائهم، مع سهام الردود عليها.
الفصل السابع: الأدلة الجلية من الشريعة الربَّانية على كُفر من عبد غير الله تعالى.
الفصل الثامن: علَّة قتال المشركين ووجوب البراءة منهم، وحكم الدار إذا غلبت عليها أحكام الشرك.
стр. 213
الفصل الأول
حدُّ الشرك ودرجاته وأنواعه وأحكامه مع بيان علَّة عدم مغفرته، ووجوب الحذر منه
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الشرك.
المبحث الثاني: الشرك أكبر الكبائر، وبيان علة عدم مغفرته.
المبحث الثالث: أنواع الشرك ودرجاته وأحكامه.
المبحث الرابع: خطر الشرك، ووجوب الحذر منه بتجنُّب أسبابه.
стр. 214
المبحث الأول
تعريف الشرك
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى:
«والشرك: جعل شريك لله تعالى فيما يستحقه ويختص به من العبادة الباطنة والظاهرة، كالحب والخضوع، والتعظيم والخوف، والرجاء والإنابة، والتوكُّل والنسك والطاعة ... ونحو ذلك من العبادات.
فمن أشرك مع الله غيره في شيء من ذلك فهو مشرك بربِّه، قد عدل به سواه، وجعل له ندًا من خلقه، ولا يشترط في ذلك أن يعتقد له شركة في الربوبية، أو استقلالاً بشيء منها» (١).
وقال بعض علماء نجد:
«وكل من دعا من دون الله فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله، فقد أشرك، لأنَّ الدعاء اعتراف بالعبودية، فبدعائه له صيَّره إلهًا» (٢).
وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان:
«فالشرك: هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كالدعاء، والذبح، والنذر، والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله» (٣).
* * *
стр. 215
المبحث الثاني
الشرك أكبر الكبائر، وبيان علة عدم مغفرته
الشرك أكبر الكبائر لمنافاته الحكمة المقصودة من إيجاد الخلق، ويقع مع الجهل، وتخلف قصد السوء، وإرادة التنقُّص بجناب الرب سبحانه، بل وتترتَّب أحكامه عليه، مع زعم التقرُّب به إلى الله زلفى ...
فكيف خرج بكل هذا عن حدِّ المغفرة - التي وسعت السماوات والأرض -، وأصبح من أشنع الذنوب التي يُعصى بها الله سبحانه؟
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - في معرض الرِّد على مجرم أثيم يستدل محرِّفًا بكلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى على التهوين من أمر الشرك والمشركين -: قال الإمام ابن القيم ﵀:
ووقعت مسألة؛ وهي أنَّ المشرك إنما قصد تعظيم جناب الرب ، وأنه لعظمته لا ينبغي لمثلي الدخول عليه إلاَّ بالوسائط والشفعاء، كحال الملوك، والمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الرب، وإنما قصد تعظيمه، فلم كان هذا القدر موجبًا لسخطه وغضبه ﵎، ومخلدًا في النار، وموجبًا لسفك دماء أصحابه، واستباحة حريمهم وأموالهم؟.
ويترتَّب على هذا سؤال آخر، وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله لعباده التقرُّب إليه بالشفعاء والوسائل، ليكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع، أم ذلك قبيح في الفطر والعقول يمتنع أن تأتي به شريعة؟ بل جاءت الشريعة بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح.
وأما الشرك في كونه لا يغفر من بين الذنوب، فأجاب عن هذا كله بقوله: فنقول وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد العون والتسديد: فإنه من