← Акыда

Акыда · id 17368

المختصر المفيد في عقائد أئمة التوحيد

مدحت آل فراج

Полный текст (555 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

- «إنا نقر» آيات الصفات، وأحاديثها على ظاهرها، ونكل معناها، مع اعتقاد حقائقها إلى الله تعالى. * * * - «لا يتم» الإيمان بالربوبية إلا بإثبات القدر. - «من» أركان الإيمان: الإيمان بالقضاء والقدر. - الإيمان والكفر، والكطاعة والمعصية، كلها بقضاء الله وقدره ومشيئته وإرادته، غير أنه يرضى الإيمان والكاعة، ووعد عليها الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية، وأوعد عليهما العقاب. - «مراتب» الإيمان بالقضاء والقدر، أربع مراتب: الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها. الثانية: كتابة ذلك عنده في الأزل، قبل خلق السماوات والأرض. الثالثة: مشيئته المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن عنها، كما لا خروج له عن علمه. الرابعة: خلقه لها، وإيجاده، وتكوينه. فالله خالق كل شيء، وما سواه مخلوق. - «يستحيل» إضافة الشر إلى الله سبحانه، لموجب أسمائه الحسنى وصفاته العلا، ولأنه المحمود - جل في علاه - على كل حال. * * *

стр. 212

الباب الثاني الشرك والمشركون وفيه ثمانية فصول: الفصل الأول: حدُّ الشرك ودرجاته وأنواعه وأحكامه، مع بيان علَّة عدم مغفرته، ووجوب الحذر منه. الفصل الثاني: العلم سبيل النجاة من الشرك، وإلاَّ وقع بالجهل والتلبيس وتغيير الحقائق. الفصل الثالث: الفتنة بالقبور والمفاسد المترتبة عليها، مع الردِّ على أشهر شبُهات أهلها. الفصل الرابع: الشفاعة وأنواعها وشروطها، وأسباب تحصيلها وموانع الحرمان منها. الفصل الخامس: المشرك مغبون في دينه لإخلاله بكل قيود الكلمة العاصمة إلاَّ مجرَّد التلفُّظ بها. الفصل السادس: أشهر شبهات المشركين وعلمائهم، مع سهام الردود عليها. الفصل السابع: الأدلة الجلية من الشريعة الربَّانية على كُفر من عبد غير الله تعالى. الفصل الثامن: علَّة قتال المشركين ووجوب البراءة منهم، وحكم الدار إذا غلبت عليها أحكام الشرك.

стр. 213

الفصل الأول حدُّ الشرك ودرجاته وأنواعه وأحكامه مع بيان علَّة عدم مغفرته، ووجوب الحذر منه وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: تعريف الشرك. المبحث الثاني: الشرك أكبر الكبائر، وبيان علة عدم مغفرته. المبحث الثالث: أنواع الشرك ودرجاته وأحكامه. المبحث الرابع: خطر الشرك، ووجوب الحذر منه بتجنُّب أسبابه.

стр. 214

المبحث الأول تعريف الشرك قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى: «والشرك: جعل شريك لله تعالى فيما يستحقه ويختص به من العبادة الباطنة والظاهرة، كالحب والخضوع، والتعظيم والخوف، والرجاء والإنابة، والتوكُّل والنسك والطاعة ... ونحو ذلك من العبادات. فمن أشرك مع الله غيره في شيء من ذلك فهو مشرك بربِّه، قد عدل به سواه، وجعل له ندًا من خلقه، ولا يشترط في ذلك أن يعتقد له شركة في الربوبية، أو استقلالاً بشيء منها» (١). وقال بعض علماء نجد: «وكل من دعا من دون الله فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله، فقد أشرك، لأنَّ الدعاء اعتراف بالعبودية، فبدعائه له صيَّره إلهًا» (٢). وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: «فالشرك: هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كالدعاء، والذبح، والنذر، والاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله» (٣). * * *

стр. 215

المبحث الثاني الشرك أكبر الكبائر، وبيان علة عدم مغفرته الشرك أكبر الكبائر لمنافاته الحكمة المقصودة من إيجاد الخلق، ويقع مع الجهل، وتخلف قصد السوء، وإرادة التنقُّص بجناب الرب سبحانه، بل وتترتَّب أحكامه عليه، مع زعم التقرُّب به إلى الله زلفى ... فكيف خرج بكل هذا عن حدِّ المغفرة - التي وسعت السماوات والأرض -، وأصبح من أشنع الذنوب التي يُعصى بها الله سبحانه؟ قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - في معرض الرِّد على مجرم أثيم يستدل محرِّفًا بكلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى على التهوين من أمر الشرك والمشركين -: قال الإمام ابن القيم ﵀: ووقعت مسألة؛ وهي أنَّ المشرك إنما قصد تعظيم جناب الرب ، وأنه لعظمته لا ينبغي لمثلي الدخول عليه إلاَّ بالوسائط والشفعاء، كحال الملوك، والمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الرب، وإنما قصد تعظيمه، فلم كان هذا القدر موجبًا لسخطه وغضبه ﵎، ومخلدًا في النار، وموجبًا لسفك دماء أصحابه، واستباحة حريمهم وأموالهم؟. ويترتَّب على هذا سؤال آخر، وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله لعباده التقرُّب إليه بالشفعاء والوسائل، ليكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع، أم ذلك قبيح في الفطر والعقول يمتنع أن تأتي به شريعة؟ بل جاءت الشريعة بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح. وأما الشرك في كونه لا يغفر من بين الذنوب، فأجاب عن هذا كله بقوله: فنقول وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد العون والتسديد: فإنه من

стр. 216

يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منه. (أنواع الشرك): الشرك: شرك يتعلَّق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله. والشرك الأول نوعان: أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون، إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، وقال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]. والشرك والتعطيل متلازمان: فكل مشرك معطِّل، وكل معطِّل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالحق وصفاته، ولكنه عطَّل حق التوحيد .... النوع الثاني: شرك من جعل مع الله إلهًا آخر، ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة فجعلوا المسيح إلهًا وأمه إلهًا .... وأما الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك وأخفّ أمرًا، فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلاَّ الله. وأن لا يضرّ وينفع ويعطي ويمنع إلاَّ الله ، وأنه لا إله غيره، ولا ربّ سواه. ولكن لا يخلص لله معاملته وعبوديَّته، بل يعمل لحظ نفسه، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فللَّه تعالى من عمله وسعيه نصيب ... وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور، وأكبر، وأصغر. والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفور.

стр. 217

فمنه: الشرك بالله في المحبة والتعظيم: أن يحب مخلوقًا كما يحب الله، قال فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم يوم القيامة وقد جمعتهم الجحيم: ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨] .... فعدل المشرك مَن خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرَّة في السموات ولا في الأرض، فيا له من عدل تضمَّن أكبر الظلم وأقبحه. ويتبع هذا الشرك: الشرك به في الأفعال والأقوال، والإرادات والنيات، والشرك في الأفعال: كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية وخضوعًا لقبره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمينه في الأرض، أو تقبيل القبور واستلامها، والسجود لها، وقد لعن النبي ﷺ من اتَّخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلي لله تعالى فيها، فكيف بمن اتَّخذها أوثانًا يعبدها من دون الله؟ ... ومن الشرك به : الشرك في اللفظ، كالحلف بغير الله، كما روى أحمد وأبو داود عنه ﷺ : «من حلف بغير الله فقد أشرك»، صحَّحه الحاكم وابن حبان، ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: «أجعلتني لله ندًا؟ قل: ما شاء الله وحده» .... وأما الشرك في الإرادات والنيّات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلَّ من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله تعالى، أو نوى شيئًا غير التقرُّب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته.

стр. 218

والإخلاص أن يخلص لله في أقوال وأفعاله وإرادته ونيِّته. وهذه هي الحنيفية ملَّة إبراهيم ﷺ التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وهي ملَّة إبراهيم التي مَن رغب عنها فهو أسفه السفهاء. فإذا عرفت هذه المقدمة، انفتَح لك باب الجواب عن السؤال المذكور، فنقول ومن الله تعالى نستمد الصواب: (تعريف الشرك وبيان علة عدم مغفرته) حقيقة الشرك: هو تشبيه المخلوق بالخالق . وهذا هو التشبيه في الحقيقة، لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله تعالى بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ ، فعكس من نكس الله قلبه وأعمى عين بصيرته فأركسه بنسبة الأمر، وجعل التوحيد تشبيهًا، والتشبيه تعظيمًا وطاعة. فالشرك: تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية. فإن من خصائص الإلهية: التفرُّد بملك الضر والنفع، والعطاء والمنع. وذلك يوجب تعلُّق الدعاء والخوف، والرجا والتوكُّل به وحده. فمن علَّق ذلك بمخلوق فقد شبَّهه بالخالق تعالى، وجعل من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فضلاً عن غيره، شبيهًا لمن الأمر كله له. فأزمة الأمور كلها بيده، ومرجعها إليه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. بل إذا فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. فمن أقبح التشبيه، تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات. ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه

стр. 219

بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكُّل والاستعانة، وغاية الذلّ مع غاية الحب. (الفطرة والعقل، والشرع، يدلُّون على وجوب التوحيد، واستحالة تشريع الشرك) كل ذلك، يجب عقلاً وشرعًا، وفطرة أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلاً وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره. فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له، ولا مثل له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله. ولشدَّة قبحه، وتضمُّنه غاية الظلم، أخبر عباده أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة. ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين، لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذلّ. هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبّه وذلّه وخضوعه لغير لله فقد شبَّهه به في خالص حقّه، وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع، وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل، ولكن غيَّرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم، وأفسدتها عليهم، واجتالتهم عنها، ومضى على الفطرة الأولى من سبقت لهم من الله الحسنى، فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرتهم وعقولهم، فازدادوا بذلك نورًا على نورهم يهدي الله لنوره من يشاء .... (سبب الشرك: سوء الظن بالله وكماله المطلق، وذلك أعظم الذنوب عند الله سبحانه) إذا تبيَّن هذا فهنا أصل عظيم، يكشف سر المسألة، وهو أنّ أعظم

стр. 220

الذنوب عند الله تعالى هو: إساءة الظن به، فإنَّ المسيء به الظن، قد ظنَّ به خلاف كماله المقدَّس، فظنَّ به ما يناقض أسماءه وصفاته، ولهذا توعَّد الظانِّين به ظن السوء بما لم يتوعَّد به غيرهم، كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦]. وقد قال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] وقد قال تعالى عن خليله إبراهيم ﷺ : ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٥ - ٨٧]. أي: فما ظنكم أن يجازيكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره؟!!، وما ظنكم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص، حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره؟!!، فلو ظننتم به ما هو أهله: من أنَّه بكلِّ شيء عليم، وعلى كلِّ شيء قدير، وأنه غنيٌّ عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه؛ وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور فلا تخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده لا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه، ما اتَّخذتم من دونه أولياء تدعونهم وتتوسَّلون بهم إليه بزعمكم. وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم، ويعينهم على قضاء حوائجهم؛ وإلى من يسترحمهم، ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة، لحاجتهم وعجزهم وضعفهم، وقصور علمهم، فأما القادر على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، العالِم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل

стр. 221

شيء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظنٌّ به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفكر، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبح ... فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك من أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود في النار، وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرَّد النهي عنه، بل يستحيل على الله أن يشرع عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه تناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله. وكيف يظن بالمنفرد بالربوبية والإلهية والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك، أو يرضى به؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، انتهى ما نقلته. فقف وتأمَّل كلام الشيخ ﵀، فإنه فصَّل وبيَّن أنَّ الشرك شركان: شرك تعطيل لذات الرب ولأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته. وذكر أنَّ هذا أيضًا تعطيل لمعاملته على العبد من حقيقة التوحيد -، ثم ذكر شرك أهل الوحدة، وشرك الملاحدة القائلين بقدم العالم، وشرك الجهمية والقرامطة. ثم ذكر النوع الثاني: وهو شرك من أشرك في العبادة والمعاملة، كشرك النصارى، وشرك المجوس، وشرك القدرية، وشرك الذي حاجَّ إبراهيم في ربه، وشرك من يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أربًابًا مدبرة، وشرك عباد الشمس، وعباد النار وغيرهم. قلت: ومنه شرك غلاة عبَّاد القبور الذين يزعمون أنَّ أرواح الموتى تدبِّر شيئًا من أمر هذا العالم كما صرَّح به ابن جرجيس قاتله الله» (١).

стр. 222

المبحث الثالث أنواع الشرك ودرجاته وأحكامه قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى: قال ابن القيم رحمه الله تعالى في شرح المنازل في باب التوبة: «وأما الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلاَّ بالتوبة منه، وهو أن يتَّخذ من دون الله ندًا يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لتنقُّص معبوديهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين .... ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى والاستعانة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلاً عمَّن استغاث به، أو سأله أن يشفع له إلى الله. وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلاَّ بإذنه، والله لم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، والميت محتاج إلى من بدعو له، كما أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليها، ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى التنقُّص بالأموات، وهم قد تنقَّصوا الخالص بالشرك، وأولياءه الموحدين بذمِّهم ومعاداتهم، وتنقَّصوا من أشركوا به غاية النقص إذ ظنوا أنه راضون منهم بهذا وأنهم أمروهم به، وهؤلاء أعداء الرسل في كل

стр. 223

زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم! ولله در خليله إبراهيم ﵇ حيث قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلاَّ من جرَّد توحيده لله، وتقرب بمقتهم إلى الله». انتهى كلامه ﵀. فتأمل رحمك الله كلام هذا الإمام، وتصريحه بأن من دعا الموتى وتوجه إليهم واستغاث بهم ليشفعوا له عند الله فقد فعل الشرك الأكبر الذي بعث محمد ﷺ بإنكاره وتكفير من لم يتب منه وقتاله ومعاداته، وأن هذا قد وقع في زمانه، وأنهم غيّروا دين الرسول ﷺ وعادوا أهل التوحيد الذين يأمرونهم بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له» (١). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله، وهو يتحدث عن حال المشركين مع آلهتهم: «إذا تبين هذا فاعلم: أن الشرك ينقسم ثلاثة أقسام بالنسبة على أنواع التوحيد، وكل منها قد يكون أكبر وأصغر مطلقًا، وقد يكون أكبر بالنسبة إلى ما هو أصغر منه، ويكون أصغر بالنسبة إلى ما هو أكبر منه. القسم الأول: الشرك في الربوبية، وهو نوعان: أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون. إذا قال: وما رب العالمين؟ ومن هذا شرك الفلاسفة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلاً، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، يسمُّونها: العقول، والنفوس ... النوع الثاني: شرك من جعل معه إلهًا آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، وشرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة.

стр. 224

ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، يجعلها مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم. قلت: ويلتحق به من وجه شرك غلاة عبَّاد القبور الذين يزعمون أن أرواح الأولياء تتصرف بعد الموت، فيقضون الحاجات، ويفرِّجون الكربات، وينصرون من دعاهم، ويحفظون من التجأ إليهم ولاذ بحماهم، فإن هذه من خصائص الربوبية، كما ذكره بعضهم في هذا النوع. القسم الثاني: الشرك في توحيد الأسماء والصفات، وهو أسهل مما قبله، وهو نوعان: أحدهما: تشبيه الخالق بالمخلوق، كمن يقول: يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري، واستواء كاستوائي، وهو شرك المشبِّهة. الثاني: اشتقاق أسماء للآلهة الباطلة من أسماء الإله الحق. قال الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. قال ابن عباس: يلحدون في أسمائه: يشركون. وعنه: سموا اللات من الإله، والعُزَّى من العزيز. القسم الثالث: الشرك في توحيد الإلهية والعبادة. قال القرطبي: أصل الشرك المحرم اعتقاد شريك لله تعالى في الإلهية، وهو الشرك الأعظم، وهو شرك الجاهلية، ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال: إن موجودًا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده وإن لم يعتقد كونه غلهًا هذا كلام القرطبي. وهو نوعان: أحدهما: أن يجعل لله ندًا يدعوه كما يدعو الله، ويسأله الشفاعة كما يسأل الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويحبه كما يحب الله، ويخشاه كما يخشى الله، وبالجملة فهو أن يجعل الله ندًا يعبده كما يعبد الله، وهذا هو الشرك

стр. 225

الأكبر، وهو الذي قال الله فيه: ﴿وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤]، والآيات في النهي عن هذا الشرك وبيان بطلانه كثيرة جدًا. الثاني: الشرك الأصغر، كيسير الرياء والتصنُّع للمخلوق، وعدم الإخلاص لله تعالى في العبادة، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب المنزلة والجاه عند الخلق تارة، فله من عمله نصيب، ولغيره منه نصيب، ويتبع هذا النوع الشرك بالله في الألفاظ كالحلف بغير الله وقول: ما شاء الله وشئت، وما لي إلاَّ الله وأنت، وأنا في حسب الله وحسبك، ونحوه. وقد يكون ذلك شركًا أكبر بحسب حال قائله ومقصده. هذا حاصل كلام ابن القيم وغيره» (١). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى: «ثم اعلم أن ضد التوحيد: الشرك، وهو ثلاثة أنواع: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي، والدليل على الشرك الأكبر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]. ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].

стр. 226

وهو أربعة أنواع: النوع الأول: شرك الدعوة. والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. النوع الثاني: شرك النيَّة والإرادة والقصد. والدليل قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦]. النوع الثالث: شرك الطاعة. والدليل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وتفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم، كما فسَّرها النبي ﷺ لعدي بن حاتم لمَّا سأله فقال: لسنا نعبدهم، فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية. النوع الرابع: شرك المحبة. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. والنوع الثاني: (شرك أصغر) وهو الرياء، والدليل قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. النوع الثالث: (شرك خفي)، والدليل عليه قوله ﷺ : «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء على صفاة سوداء في ظلمة الليل» وكفارته قوله ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم» (١).

стр. 227

المبحث الرابع خطر الشرك، ووجوب الحذر منه بتجنب أسبابه قال الشيخ صالح الفوزان: «الشرك أعظم الذنوب، لأن الله تعالى أخبر أنه لا مغفرة لمن لم يتب منه، مع أنه سبحانه كتب على نفسه الرحمة، وذلك يوجب للعبد شدة الحذر، وشدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه، ويحمله على معرفته لتوقيه؛ لأنه أقبح القبيح، وأظلم الظلم. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وذلك لأنه تنقُّص لله ومساواة لغيره به؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]، ولأن الشرك مناقض للمقصود بالخلق والأمر من كل وجه؛ فمن أشرك بالله ؛ فقد شبَّه المخلوق بالخالق، وأقبح التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات عن جميع المخلوقات .... وإليك بيان الوسائل القولية والفعلية، التي نهى عنها رسول الله ﷺ لأنها تفضي إلي الشرك: ١ - نهى رسول الله ﷺ عن التلفظ بالألفاظ التي فيها التسوية بين الله وبين خلقه؛ مثل: (ما شاء الله وشئت)، (لولا الله وأنت)، وأمر بأن يقال بدل ذلك: (ما شاء الله ثم شئت)؛ لأن الواو تقتضي التسوية و (ثم) تقتضي الترتيب، وهذه التسوية في اللفظ شرك أصغر، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر.

стр. 228

٢ - نهى ﷺ عن الغلو في تعظيم القبور بالبناء عليها، وإسراجها، وتجصيصها، والكتابة عليها. ٣ - نهى عن اتخاذ القبور مساجد للصلاة عندها؛ لأن ذلك وسيلة لعبادتها. ٤ - نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لما في ذلك من التشبه بالذين يسجدون لها في هذه الأوقات. ٥ - نهى عن السفر إلى أي مكان من الأمكنة بقصد التقرب إلى الله فيه بالعبادة؛ إلاَّ إلى المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى. ٦ - نهى ﷺ عن الغلو في مدحه؛ فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله»، والإطراء: هو المبالغة في المدح. ٧ - نهى ﷺ عن الوفاء بالنذر إذا كان في مكان يُعبد فيه صنم، أو يقام فيه عيد من أعياد الجاهلية. كل هذا حذَّر منه، صيانةً للتوحيد، وحفاظًا عليه، وسدًا للوسائل والذرائع التي تفضي إليه. ومع هذا البيان التام من النبي ﷺ ، والاحتياط الشديد الذي يبعد الأمة عن الشرك؛ خالف القبوريون سنة رسول الله ﷺ ، وعصوا أمره، وارتكبوا ما نهاهم عنه؛ فشيَّدوا القباب على القبور، وبنوا عليها المساجد، وزيَّنوها بأنواع الزخارف، وصرفوا لها أنواعًا من العبادة من دون الله» (١). * * *

стр. 229

الفصل الثاني العلم سبيل النجاة من الشرك وإلا وقع بالجهل والتلبيس وتغيير الحقائق وفيه ستة مباحث المبحث الأول: الناس مكلَّفون بمعرفة الشرك حتى تتحقق البراءة منه، فهي أصل الأصول الاعتقادية، ولا يصح إسلام المرء إلاَّ بالقيام بها. المبحث الثاني: كيف دخل الشرك في الأمة؟ المبحث الثالث: الغلو من أعظم أسباب المروق من الإسلام، ولذا فهو أصل شرك الأولين، والآخرين. المبحث الرابع: اتخاذ الوسائط لجلب المنافع ودفع المضار، شرك بالله العظيم، ومروق من ملة المسلمين. المبحث الخامس: ضرورة التحذير من الشرك ووسائله. المبحث السادس: التحذير من ألفاظ، لا ينبغي أن تقال في حق الله سبحانه.

стр. 230

المبحث الأول الناس مكلفون بمعرفة الشرك، حتى تتحقق البراءة منه، فهي أصل الأصول الاعتقادية، ولا يصح إسلام المرء إلا بالقيام بها قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين: «ومن العجب أن بعض الناس إذا سمع من يتكلم في معنى هذه الكلمة نفيًا وإثباتًا عاب ذلك وقال: لسنا مكلفين بالناس والقول فيهم. فيقال له: بل أنت مكلَّف بمعرفة التوحيد الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، وأرسل جميع الرسل يدعون إليه، ومعرفة ضده وهو الشرك الذي لا يغفر ولا عذر لمكلف في الجهل بذلك، ولا يجوز فيه التقليد لأنه أصل الأصول» (١). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «أجمع العلماء سلفًا وخلفًا، من الصحابة والتابعين، والأئمة، وجميع أهل السنة: أن المرء لا يكون مسلمًا إلاَّ بالتجرد من الشرك الأكبر، والبراءة منه وممن فعله، وبغضهم ومعاداتهم بحسب الطاقة، والقدرة، وإخلاص الأعمال كلها لله، كما في حديث معاذ الذي في الصحيحين: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» (٢). وقال الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود رحمهم الله تعالى: «وأما مشركو هذا الزمان، فإنهم وإن نطقوا بها، وصلُّوا وزكُّوا، لا يفهمون منها ما فهمته العرب من أن معناها خلع الأنداد، وإفراد الله سبحانه

стр. 231

بالعبادة وحده لا شريك له، بل يخالفون معناها، فيصرفون التأله لغير الله تعالى، ويعتقدون ذلك قربة إلى الله، فيصرفون خالص حق الله، الذي دلت عليه هذه الكلمة لغيره تعالى، بل أكبهم الجهل إلى الشرك في الربوبية، فلا تنفعهم لا إله إلاَّ الله مع ذلك وإن قالوها، لأن الشرك محبط للعمل، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وغير ذلك من الآيات الدالة على حبوط عمل المشرك. ومشركو العرب: إنما كان شركهم في الإلهية، فلا تنفع لا إله إلاَّ الله قائلها، إلاَّ إذا التزم ما دلت عليه من خلع الأنداد، وإفراد الله سبحانه بالعبادة، ولذلك لما قالها أهل النفاق واليهود ولم يلتزموا ما دلت عليه لم تنفعهم» (١). * * *

стр. 232

المبحث الثاني كيف دخل الشرك في الأمة ؟ لقد فتح الشيطان بابًا للشرك كان مغلقًا، عندما لبس على الناس دينهم، فزَّين لهم أن الأحكام في الإسلام، دائرة مع الأسماء، وأن الحقائق والمعاني لا دخل لها في تعليل الأحكام، فعاد بذلك كل لون من ألوان الشرك، في اسم غير اسمه، ومقصد غيره مقصده. قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف رحمهما الله تعالى: «وقد دخل كثير من هذه الأمة في الشرك بالله، والتعلق على ما سواه، ويسمُّون ذلك توسلاً، وتشفعًا، وتغيير الأسماء، لا اعتبار به، ولا تزول حقيقة الشيء، ولا حكمه بزوال اسمه، وانتقاله في عرف الناس باسم آخر. (تغيير الأسماء: لا يغيِّر الأحكام المترتبة على معانيها) ولما علم الشيطان: أن النفوس تنفر من تسمية ما يفعله المشركون تألهًا، أخرجه في قالب آخر تقبله النفوس، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «ليشربن أناس من أمتي الخمر، يسمُّونها بغير اسمها»، وكذلك من زنى، وسمَّى ما فعله: نكاحًا، فتغيير الأسماء، لا يزيل الحقائق، وكذا من ارتكب شيئًا، من الأمور الشركية فهو مشرك، وإن سمى ذلك توسلاً، وتشفعًا. يوضح ذلك: ما ذكر الله في كتابه، عن اليهود، والنصارى، بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ...﴾ [التوبة: ٣١]، وروى الإمام أحمد، والترمذي، وغيرهما: أن عدي بن حاتم، قدم على النبي ﷺ وكان قد تنصَّر في الجاهلية، فسمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ

стр. 233

وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ...﴾ [التوبة: ٣١]، قال: يا رسول الله، إنهم لم يعبدوهم، فقال ﷺ : «بلى إنهم حرَّموا عليهم الحلال، وحلَّلوا لهم الحرام، فذاك عبادتهم إياهم». وقال ابن عباس، وحذيفة بن اليمان، في تفسير هذه الآية: إنهم اتبعوهم فيما حلَّلوا وحرَّموا. فهؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية، لم يسموا أحبارهم، ورهبانهم، أربابًا ولا آلهة، ولا كانوا يظنون أن فعلهم هذا معهم عبادة لهم، ولهذا قال عدي: إنهم لم يعبدوهم. وحكم الشيء تابع لحقيقته، لا لاسمه، ولا لاعتقاد فاعله، فهؤلاء كانوا يعتقدون أن طاعتهم في ذلك، ليست بعبادة لهم، فلم يكن ذلك عذرًا لهم، ولا مزيلاً لاسم فعلهم، ولا لحقيقته وحكمه» (١). قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى: «وتلطف الشيطان في كيد هؤلاء الغلاة في قبور الصالحين، بأن دسَّ عليهم تغيير الأسماء والحدود الشرعية، والألفاظ اللغوية، فسموا الشرك وعبادة الصالحين: توسُّلاً ونداء، وحسن اعتقاد في الأولياء، وتشفعًا بهم، واستظهارًا بأرواحهم الشريفة، فاستجاب له صبيان العقول، وخفافيش البصائر، وداروا مع الأسماء، ولم يقفوا مع الحقائق. فعادت عبادة الأولياء والصالحين، ودعاء الأوثان والشياطين، كما كانت قبل النبوَّة، وفي زمان الفترة حذو النعل بالنعل، وحذو القذَّة بالقذَّة، وهذا من أعلام النبوَّة، كما ذكره غير واحد، ولم يزل ذلك في ظهور وازدياد، حتى عمَّ ضرره، وبلغ شرره الحاضر والباد» (٢).

стр. 234

وقال الشيخ أبو بطين رحمه الله تعالى: «إن موالاة الله بعبادته، والبراءة من كل معبود سواه، هو معنى: لا إله إلاَّ الله، إذا تبين ذلك، فمن صرف لغير الله شيئًا من أنواع العبادة المتقدم تعريفها، كالحب والتعظيم، والخوف، والرجاء، والدعاء، والتوكل، والذبح، والنذر، وغير ذلك، فقد عبد ذلك الغير، واتخذه إلهًا، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فرَّ من تسمية فعله ذلك تألهًا وعبادة وشركًا. ومعلوم عند كل عاقل: أن حقائق الأشياء، لا تتغير بتغير أسمائها، فلو سمى: الزنا، والربا، والخمر، بغير أسمائها، لم يخرجها تغيير الاسم، عن كونها: زنًا، وربًا، وخمرًا، ونحو ذلك. ومن المعلوم: أن الشرك، إنما حرم لقبحه في نفسه، وكونه متضمنًا مسبَّة الرب وتنقُّصه وتشبيهه بالمخلوقين، فلا تزول هذه المفاسد، بتغيير اسمه، كتسميته: توسلاً، وتشفعًا، وتعظيمًا للصالحين، وتوقيرًا لهم ونحو ذلك، فالمشرك: مشرك، شاء أم أبى، كما أن الزاني: زان، شاء أم أبى، والمرابي: مراب، شاء أم أبى» (١). وقال الشيخ أبو بطين أيضًا رحمه الله تعالى: «قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن ذبح للشيطان ودعاه واستعان به، وتقرَّب إليه بما يحبه، فقد عبده، وإن لم يسم ذلك عبادة، ويسميه استخدامًا من الشيطان له» (٢). * * *

стр. 235

المبحث الثالث الغلو: من أعظم أسباب المروق من الإسلام، ولذا فهو أصل شرك الأوَّلين، والآخرين قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: «وقال الشيخ تقي الدين في الرسالة السنية لما ذكر حديث الخوارج ومروقهم من الدين، وأمره ﷺ بقتالهم قال: فإذا كان على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه، ممن انتسب إلى الإسلام، من قد مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام وذلك بأسباب: منها: الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي ابن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلاَّ قتل، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبد وحده لا يجعل معه إله آخر، والذين يدعون من دون الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو صورهم ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ويقولون: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨]» (١).

стр. 236

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد، وعبد الرحمن بن حسن في شرحه عليه رحمهما الله تعالى: (باب) ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين وقول الله تعالى : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾ [النساء: ١٧١]. في الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]. قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد. حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت». وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوَّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وعن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» أخرجاه. وقال: قال رسول الله ﷺ : «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «هلك المتنطعون»، قالها ثلاثًا. [الشرح] قوله: «باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين». وقوله: «تركهم» بالجر عطفًا على المضاف إليه. وأراد المصنف رحمه الله

стр. 237

تعالى بيان ما يؤول إليه الغلو في الصالحين من الشرك بالله في الإلهية، الذي هو أعظم ذنب عصي الله به، وهو ينافي التوحيد الذي دلت عليه كلمة الإخلاص: شهادة أن لا إله إلاَّ الله. قوله: وقوله الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]. الغلو: هو الإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد، أي: لا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزل الله فتنزلوه المنزلة التي لا تنبغي إلاَّ بالله .... قوله: في الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت ... قوله: «حتى إذا هلك أولئك»، أي: الذين صوَّروا تلك الأصنام. قوله: «ونسي العلم» ورواية البخاري: «وينسخ» وللكشميهني: «ونسخ العلم»، أي: درست آثاره بذهاب العلماء، وعم الجهل حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظنًا منهم أنه ينفعهم عند الله ... قال القرطبي: وإنما صوَّر أوائلهم الصور ليتأسوا بهم، ويتذكروا أفعالهم الصالحة. فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم. ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، فوسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها. اهـ. قوله: وقال رسول الله ﷺ : «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم

стр. 238

الغلو». هذا الحديث ذكره المصنف بدون ذكر راويه، وقد رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس. وهذا لفظ رواية أحمد: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «غداة جمع: هلم القط لي»، فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: «نعم بأمثال هؤلاء فارموا. وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين». قال شيخ الإسلام: هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار، وهو داخل فيه، مثل الرمي بالحجارة الكبار، بناء على أنه أبلغ من الصغار، ثم علَّل بما يقتضي مجانبة هدي من كان قبلنا إبعادًا عن الوقوع فيما هلكوا به، فإن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك» (١). * * *

стр. 239

المبحث الرابع اتخاذ الوسائط لجلب المنافع ودفع المضار شرك بالله العظيم، ومروق من ملة المسلمين قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى: «وقد قال شيخ الإسلام لما سئل عن رجلين تناظرا، فقال أحدهما، لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله تعالى، فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك، فما معنى الواسطة؟ وهل التوسط عام في كل شيء يوجبه الله تعالى، أم في ذلك بيان وتفصيل؟ فأجاب ﵀ ورضي الله عنه بقوله: الحمد لله، إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغ أمر الله تعالى ودينه، فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما أمر الله به ونهى عنه، وما أعدَّ لأوليائه من كرامته، وما أوعد به أعداءه من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه الله من أسمائه الحسنى وصفاته العليا، التى يعجز العقول عن الإحاطة بها إلى أمثال ذلك إلاَّ بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده ... وإن أرادوا بالواسطة: أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونهم ذلك ويرجونهم فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفَّر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء شفعاء يجلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار، لكن الشفاعة لمن يأذن الله تعالى له فيها. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى

стр. 240

عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣]، وساق - آيات في المعنى - إلى أن قال: وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩، ٨٠]. فبيَّن أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط، يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار، مثل: أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين. والمقصود هنا: أن من أثبت وسائط بين الله تعالى وبين خلقه، كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان. كانوا يقولون: إنها تماثبل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائط يتقرَّبون بها إلى الله تعالى، وهو من الشرك الذي أنكره الله تعالى على النصارى، حيث قال: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، ثم ذكر آيات في المعنى.

стр. 241

وهذا الذي قاله الشيخ لا خلاف فيه بين المسلمين، وإنما اشتبه الأمر على هؤلاء الضلال، لما قدم العهد، ونسي العلم، واعتادوا سؤال غير الله فيما يختص به تعالى ونشئوا على ذلك» (١). وجاء في نواقض الإسلام العشرة للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «الناقض الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم، فقد كفر إجماعًا» (٢).

стр. 242

المبحث الخامس ضرورة التحذير من الشرك ووسائله إن الشرك دقه وجلّه، صغيره وكبيره، بوسائله وغاياته ... ظلم عظيم وإفك مبين. ولما وقع الكثير من عوام المسلمين، في كثير من الأمور الشركية وذرائعها المؤدية إليها، توجب التنبيه عليها، والتحذير منها لتصح البراءة من الشرك، وتتحقق النجاة من ظلماته. قال الشيخ صالح الفوزان يحفظه الله: هناك أشياء مترددة بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، بحسب ما يقوم بقلب فاعلها، وما يصدر عنه من الأفعال والأقوال، ويقع فيها بعض الناس، قد تتنافى مع العقيدة، أو تعكر صفوها، وهي تمارس على المستوى العام، ويقع فيها بعض العوام، تأثرًا بالدجَّالين والمحتالين والمشعوذين، وقد حذر منها النبي ﷺ ، ومن هذه الأمور: ١ - لبس الحلقة والخيط ونحوهما وبقصد رفع البلاء أو دفعه: وذلك من فعل الجاهلية، وهو من الشرك الأصغر، وقد يترقى إلى درجة الشرك الأكبر، بحسب ما يقوم بقلب لابسها من الاعتقاد بها. فعن عمران بن حصين ﵁، أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً في يده حلقه من صفر، فقال: «ما هذا؟» قال: من الواهنة، فقال: «انزعها، فإنها لا تزيدك إلاَّ وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك، ما أفلحت أبدًا»، رواه أحمد بسند لا بأس به، وصحَّحه ابن حبان والحاكم وأقرَّه الذهبي. ٢ - تعليق التمائم: وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادها، يتقون بها العين،

стр. 243

ويتلمحون من اسمها أن يتم الله لهم مقصودهم، وقد تكون التمائم من عظام ومن خرز ومن كتابة وغير ذلك، وهذا لا يجوز. وقد يكون المعلق من القرآن، فإذا كان من القرآن، فقد اختلف العلماء في جوازه وعدم جوازه، والراجح عدم جوازه، سدًا للذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق غير القرآن، ولأنه لا مخصَّص للنصوص المانعة من تعليق التمائم، كحديث ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقول: «إن الرقى والتمائم والتِّولة شرك»، رواه أحمد وأبو داود، وعن عقبة بن عامر مرفوعًا: «من علق تميمية، فقد أشرك»، وهذه نصوص عامة لا مخصِّص لها. ٣ - التبرُّك بالأشجار والأحجار والآثار والبنايات: والتبرُّك معناه: طلب البركة ورجاؤها واعتقادها في تلك الأشياء. وحكمه أنه شرك أكبر، لأنه تعلُّق على غير الله سبحانه في حصول البركة، وعبَّاد الأوثان إنما كانوا يطلبون البركة منها، فالتبرُّك بقبور الصالحين كالتبرُّك باللاَّت، والتبرُّك بالأشجار والأحجار كالتبرُّك بالعزَّى ومناة. وعن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينطقون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ : «الله أكبر، إنها السنن، قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، لتركبن سنن من كان قبلكم»، رواه الترمذي وصحَّحه. ٤ - السحر: وهو عبارة عما خفي ولطف سببه، سمي سحرًا لأنه يحصل بأمور خفية

стр. 244

لا تدرك بالأبصار، وهو عبارة عن عزائم ورقى وكلام يتكلَّم به وأدوية وتدخينات، ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه، وتأثيره بإذن الله الكوني القدري، وهو عمل شيطاني. (كيفية دخول السحر في الشرك) وكثير منه لا يُتوصل إليه إلاَّ بالشرك والتقرُّب إلى الأرواح الخبيثة بشيء مما تحب، والاستعانة بالتحيُّل على استخدامها بالإشراك بها، ولهذا يقرنه الشارع بالشرك، وهو داخل في الشرك من ناحيتين: الأولى: ما فيه من استخدام الشياطين والتعلق بهم، وربما تقرب إليهم بما يحبونه ليقوموا بخدمته. الثانية: ما فيه من دعوى علم الغيب ودعوى مشاركة الله في ذلك، وهذا كفر وضلال. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلاَّ بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». ٥ - الكهانة: وهي ادعاء علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض، مع الاستناد إلى سبب، هو استراق السمع، يسترق الجني الكلمة من كلام الملائكة، فيلقيها في أذن الكاهن، فيكذب معها مئة كذبة، فيصدقه الناس بسبب تلك الكلمة. والله هو المتفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركته في شيء من ذلك بكهانة أو غيرها، أو صدَّق من يدَّعي ذلك، فقد جعل لله شريكًا فيما هو من

стр. 245

خصائصه، وهو مكذب لله ولرسوله. وكثير من الكهانة المتعلِّقة بالشياطين لا تخلو من الشرك والتقرُّب إلى الوسائط التي يستعين بها على دعوى العلوم الغيبية. فالكهانة شرك من جهة دعوى مشاركة الله في علمه الذي اختصَّ به، ومن جهة التقرُّب إلى غير الله. وفي «صحيح مسلم» عن بعض أزواج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: «من أتى عرَّافًا، فسأله عن شيء، فصدَّقه بما يقول، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا». وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ »، رواه أبو داود ... ٦ - التطيُّر: وهو التشاؤم بالطيور والأسماء والألفاظ والبقاع والأشخاص وغير ذلك، فإذا عزم شخص على أمر من أمور الدين أو الدنيا، فرأى أو سمع ما يكره، أثر فيه ذلك أحد أمرين: إما الرجوع عما كان عازمًا عليه تطيرًا وتأثرًا بما رأى أو سمع، فيعلِّقُ قَلْبَه بذلك المكروه، ويؤثر ذلك على إيمانه، ويخل بتوحيده وتوكله على الله، وإما أن لا يرجع عما عزم عليه، ولكن يبقى في قلبه أثر ذلك التطير من الحزن والألم والهمِّ والوساوس والضعف. فيجب على من وجد شيئًا من ذلك في نفسه: أن يجاهدها على دفعه، ويستعين بالله ويتوكل عليه ويمضي في شأنه، ويقول: اللهم لا يأتي بالحسنات إلاَّ أنت ولا يدفع السيئات إلاَّ أنت، ولا حول ولا قوة إلاَّ بك ... والتطير شرك، لكونه تعلقًا على غير الله، واعتقادًا بحصول الضرر من مخلوق لا يملك لنفسه ضررًا ولا نفعًا، ولكونه من إلقاء الشيطان ووسوسته، ولكونه يصدر عن القلب خوفًا وخشية، وهو ينافي التوكل ....

стр. 246

وقوله ﷺ : «ويعجبني الفأل»، ثم بيَّنه ﷺ بأنه الكلمة الطيبة، وإنما أعجبه الفأل لأنه حسن ظن بالله، والعبد مأمور أن يحسن الظن بالله، والطيرة سوء الظن بالله ، وتوقع البلاء، ومن هنا جاء الفرق بينهما في الحكم، لأن الناس إذا أملوا الخير من الله، علَّقوا قلوبهم به، وتوكَّلوا عليه، وإذا قطعوا آمالهم ورجاءهم من الله، كان ذلك من الشر والتعلُّق على غير الله ... وفي الحديث الذي رواه أحمد عن ابن عمر عمرو ﵄، عن النبي ﷺ : «من ردَّته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك»، قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: «أن تقول: اللهم لا خير إلاَّ خيرك، ولا طير إلاَّ طيرك، ولا إله غيرك»، فتضمَّن هذا الحديث الشريف أن الطيرة لا تضر من كرهها ومضى في طريقه، وأما من لم يخلص توكله على الله، واسترسل مع الشيطان في ذلك، فقد يعاقب بالوقوع فيما يكرهه، لأنه أعرض عن واجب الإيمان بالله. ٧ - التنجيم: وهو كما عرَّفه بعض المحققين: بأنه الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، كأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، أو حدوث الأمراض أو الوفيات، أو السعود والنحوس، وهذا ما يسمى بعلم التأثير. وهو على نوعين: النوع الأول: أن يدَّعي المنجم أن الكواكب فاعلة مختارة، وأن الحوادث تجري بتأثيرها. وهذا كفر بإجماع المسلمين، لأنه اعتقاد أن هناك خالقًا غير الله، وأن أحدًا يتصرف في ملكه بغير مشيئته وتقديره . والنوع الثاني: الاستدلال بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها على حدوث الحوادث، وهذا لا شك في تحريمه، لأنه من ادعاء علم الغيب وهو

стр. 247

من السحر أيضًا، كما قال النبي ﷺ : «من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد» رواه أبو داود، وإسناده صحيح، وصحَّحه النووي والذهبي، ورواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما. (المشروع والغير مشروع، من الاستدلال بعلم النجوم) وأما الاستدلال بالنجوم لمعرفة الاتجاه في الأسفار في البر والبحر، فهذا لا بأس به، وهو من نعمة الله ، حيث يقول سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، أي: لتعرفوا بها جهة قصدكم، وليس المراد أنه يهتدى بها في علم الغيب كما يعتقده المنجمون. قال الخطابي: «وأما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة، فإنها كواكب رصدها أهل الخبرة من الأئمة، الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين، ومعرفتهم بها، وصدقهم فيما أخبروا به عنها، مثل أن يشاهدها بحضرة الكعبة، ويشاهدها على حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة، وإدراكنا ذلك بقُبول خبرهم، إذ كانوا عندنا غير متَّهمين في دينهم، ولا مقصرين في معرفتهم» .... (ضرورة الحفاظ على العقيدة الصحيحة الصافية) وبعد، فإن عقيدة المسلم هي أعز شيء عنده، لأن بها نجاته وسعادته، فيجب عليه أن يحرص على تجنُّب ما يسيء إليها أو يمسها من الشركيات والخرافات والبدع، لتبقى صافية مضيئة، وذلك بالتزام الكتاب والسنة وما عليه السلف الصالح، ولا يتم ذلك إلاَّ بتعلم هذه العقيدة، ومعرفة ما يضادها من العقائد المنحرفة، لا سيما وأنه قد كثر اليوم في صفوف المسلمين من

стр. 248

يحترف التدجيل والشعوذة والتعلق بالقبور والأضرحة لطلب الحاجات وتفريج الكربات، كما كان عليه المشركون الأولون أو أشد، إضافة إلى اتخاذ السادة وأصحاب الطرق الصوفية أربابًا من دون الله، يشرعون لأتباعهم من الدين ما لم يأذن به الله، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله. ٨ - الاستسقاء بالأنواء: وهو عبارة عن نسبة المطر إلى طلوع النجم أو غروبه، على ما كانت الجاهلية تعتقده من أن طلوع النجم أو سقوطه في المغيب يؤثر في إنزال المطر، فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وهم يريدون بذلك النجم، ويعبرون عنه بالنوء، وهو طلوع النجم، من ناء ينوء: إذا نهض وطلع، فيقولون: إذا طلع النجم الفلاني، ينزل المطر .... وحكم الاستسقاء بالأنواء أنه إن كان يعتقد أن له تأثيرًا في إنزال المطر، فهذا شرك وكفر أكبر، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، وإن كان لا يعتقد للنجم تأثيرًا، وأن المؤثر هو الله وحده، ولكنه أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، فهذا لا يصل إلى الشرك الأكبر، ويكون من الشرك الأصغر، لأنه يحرم نسبة المطر إلى النجم، ولو على سبيل المجاز، سدًا للذريعة. وقد روى البخاري ومسلم عن زيد بن خالد ﵁، قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال:

стр. 249

مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» .... ٩ - نسبة النعم إلى غير الله: سبق الكلام عن حكم نسبة المطر إلى الأنواء والاستسقاء بها، والكلام الآن في حكم نسبة النعم عمومًا إلى غير الله. إن الاعتراف بفضل الله وإنعامه والقيام بشكره من صميم العقيدة، لأن من نسب النعمة إلى غير موليها، وهو الله سبحانه، فقد كفرها، وأشرك بالله بنسبتها إلى غيره. قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل:٨٣]» (١). * * *

стр. 250

المبحث السادس التحذير من ألفاظ لا ينبغي أن تقال في حق الله سبحانه إن تعظيم الله من أجلِّ وسائل وغايات التوحيد، وضد ذلك من أخطر وسائل وغايات الشرك والتنديد، ولذلك ينبغي أن نراعي تجنب بعض الألفاظ، التي لا يجوز أن تقال في حق الله، تعظيمًا لشأنه سبحانه: قال الشيخ صالح الفوزان يحفظه الله: «الله جلَّ وعلا عظيم، يجب أن يعظَّم، وهناك ألفاظ لا يجوز أن تقال في حقه سبحانه، تعظيمًا له، وقد ورد النهي عنها. ومن هذه الألفاظ: أنه لا يقال: «السلام على الله»، لأن السلام دعاء للمسلَّم عليه بطلب السلامة له من الشرور، والله سبحانه يُطلب منه ذلك، ولا يطلب له، ويُدعى ولا يُدعى له، لأنه الغني، له ما في السموات والأرض، وهو السالم من كل عيب ونقص، ومانح السلامة ومعطيها، وهو السلام ومنه السلام. وفي «الصحيح» عن ابن مسعود ﵁، قال: كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان. فقال النبي ﷺ : «لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام»، أي: إن الله سالم من كل نقص .... ومن الألفاظ التي لا تقال في حق الله تعالى: «اللهم اغفر لي إن شئت»، فطلب الحاجة من الله لا يعلَّق على المشيئة، وإنما يجزم به. وفي «الصحيح عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن
следующие страницы →