وقوله ﷺ : «ويعجبني الفأل»، ثم بيَّنه ﷺ بأنه الكلمة الطيبة، وإنما أعجبه الفأل لأنه حسن ظن بالله، والعبد مأمور أن يحسن الظن بالله، والطيرة سوء الظن بالله ، وتوقع البلاء، ومن هنا جاء الفرق بينهما في الحكم، لأن الناس إذا أملوا الخير من الله، علَّقوا قلوبهم به، وتوكَّلوا عليه، وإذا قطعوا آمالهم ورجاءهم من الله، كان ذلك من الشر والتعلُّق على غير الله ...
وفي الحديث الذي رواه أحمد عن ابن عمر عمرو ﵄، عن النبي ﷺ : «من ردَّته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك»، قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: «أن تقول: اللهم لا خير إلاَّ خيرك، ولا طير إلاَّ طيرك، ولا إله غيرك»، فتضمَّن هذا الحديث الشريف أن الطيرة لا تضر من كرهها ومضى في طريقه، وأما من لم يخلص توكله على الله، واسترسل مع الشيطان في ذلك، فقد يعاقب بالوقوع فيما يكرهه، لأنه أعرض عن واجب الإيمان بالله.
٧ - التنجيم:
وهو كما عرَّفه بعض المحققين: بأنه الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، كأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، أو حدوث الأمراض أو الوفيات، أو السعود والنحوس، وهذا ما يسمى بعلم التأثير.
وهو على نوعين:
النوع الأول: أن يدَّعي المنجم أن الكواكب فاعلة مختارة، وأن الحوادث تجري بتأثيرها. وهذا كفر بإجماع المسلمين، لأنه اعتقاد أن هناك خالقًا غير الله، وأن أحدًا يتصرف في ملكه بغير مشيئته وتقديره .
والنوع الثاني: الاستدلال بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها على حدوث الحوادث، وهذا لا شك في تحريمه، لأنه من ادعاء علم الغيب وهو
стр. 247
من السحر أيضًا، كما قال النبي ﷺ : «من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد» رواه أبو داود، وإسناده صحيح، وصحَّحه النووي والذهبي، ورواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما.
(المشروع والغير مشروع، من الاستدلال بعلم النجوم)
وأما الاستدلال بالنجوم لمعرفة الاتجاه في الأسفار في البر والبحر، فهذا لا بأس به، وهو من نعمة الله ، حيث يقول سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، أي: لتعرفوا بها جهة قصدكم، وليس المراد أنه يهتدى بها في علم الغيب كما يعتقده المنجمون.
قال الخطابي: «وأما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة، فإنها كواكب رصدها أهل الخبرة من الأئمة، الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين، ومعرفتهم بها، وصدقهم فيما أخبروا به عنها، مثل أن يشاهدها بحضرة الكعبة، ويشاهدها على حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة، وإدراكنا ذلك بقُبول خبرهم، إذ كانوا عندنا غير متَّهمين في دينهم، ولا مقصرين في معرفتهم» ....
(ضرورة الحفاظ على العقيدة الصحيحة الصافية)
وبعد، فإن عقيدة المسلم هي أعز شيء عنده، لأن بها نجاته وسعادته، فيجب عليه أن يحرص على تجنُّب ما يسيء إليها أو يمسها من الشركيات والخرافات والبدع، لتبقى صافية مضيئة، وذلك بالتزام الكتاب والسنة وما عليه السلف الصالح، ولا يتم ذلك إلاَّ بتعلم هذه العقيدة، ومعرفة ما يضادها من العقائد المنحرفة، لا سيما وأنه قد كثر اليوم في صفوف المسلمين من
стр. 248
يحترف التدجيل والشعوذة والتعلق بالقبور والأضرحة لطلب الحاجات وتفريج الكربات، كما كان عليه المشركون الأولون أو أشد، إضافة إلى اتخاذ السادة وأصحاب الطرق الصوفية أربابًا من دون الله، يشرعون لأتباعهم من الدين ما لم يأذن به الله، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله.
٨ - الاستسقاء بالأنواء:
وهو عبارة عن نسبة المطر إلى طلوع النجم أو غروبه، على ما كانت الجاهلية تعتقده من أن طلوع النجم أو سقوطه في المغيب يؤثر في إنزال المطر، فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وهم يريدون بذلك النجم، ويعبرون عنه بالنوء، وهو طلوع النجم، من ناء ينوء: إذا نهض وطلع، فيقولون: إذا طلع النجم الفلاني، ينزل المطر ....
وحكم الاستسقاء بالأنواء أنه إن كان يعتقد أن له تأثيرًا في إنزال المطر، فهذا شرك وكفر أكبر، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، وإن كان لا يعتقد للنجم تأثيرًا، وأن المؤثر هو الله وحده، ولكنه أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، فهذا لا يصل إلى الشرك الأكبر، ويكون من الشرك الأصغر، لأنه يحرم نسبة المطر إلى النجم، ولو على سبيل المجاز، سدًا للذريعة.
وقد روى البخاري ومسلم عن زيد بن خالد ﵁، قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال:
مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال:
стр. 249
مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» ....
٩ - نسبة النعم إلى غير الله:
سبق الكلام عن حكم نسبة المطر إلى الأنواء والاستسقاء بها، والكلام الآن في حكم نسبة النعم عمومًا إلى غير الله.
إن الاعتراف بفضل الله وإنعامه والقيام بشكره من صميم العقيدة، لأن من نسب النعمة إلى غير موليها، وهو الله سبحانه، فقد كفرها، وأشرك بالله بنسبتها إلى غيره.
قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل:٨٣]» (١).
* * *
стр. 250
المبحث السادس
التحذير من ألفاظ لا ينبغي أن تقال في حق الله سبحانه
إن تعظيم الله من أجلِّ وسائل وغايات التوحيد، وضد ذلك من أخطر وسائل وغايات الشرك والتنديد، ولذلك ينبغي أن نراعي تجنب بعض الألفاظ، التي لا يجوز أن تقال في حق الله، تعظيمًا لشأنه سبحانه:
قال الشيخ صالح الفوزان يحفظه الله:
«الله جلَّ وعلا عظيم، يجب أن يعظَّم، وهناك ألفاظ لا يجوز أن تقال في حقه سبحانه، تعظيمًا له، وقد ورد النهي عنها.
ومن هذه الألفاظ: أنه لا يقال: «السلام على الله»، لأن السلام دعاء للمسلَّم عليه بطلب السلامة له من الشرور، والله سبحانه يُطلب منه ذلك، ولا يطلب له، ويُدعى ولا يُدعى له، لأنه الغني، له ما في السموات والأرض، وهو السالم من كل عيب ونقص، ومانح السلامة ومعطيها، وهو السلام ومنه السلام.
وفي «الصحيح» عن ابن مسعود ﵁، قال: كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان. فقال النبي ﷺ : «لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام»، أي: إن الله سالم من كل نقص ....
ومن الألفاظ التي لا تقال في حق الله تعالى: «اللهم اغفر لي إن شئت»، فطلب الحاجة من الله لا يعلَّق على المشيئة، وإنما يجزم به.
وفي «الصحيح عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن
стр. 251
الله لا مكره له»، ولمسلم: «وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» ...
(حرمة التألِّي على الله تعالى)
ومن الألفاظ التي لا تقال في حق الله تعالى الإقسام على الله إذا كان على وجه الحجر عليه أن لا يفعل الخير.
عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألِّى علىَّ أن لا أغفر لفلان، إني قد غفرت له وأحبطت عملك» رواه مسلم.
والتألِّي من الأليَّة - بتشديد الياء -، وهي اليمين، ومعنى «يتألى»: يحلف، وقوله: «من ذا الذي»: استفهام إنكار.
وهذا الرجل أساء الأدب مع الله، وحكم عليه، وقطع أنه لا يغفر لهذا المذنب، فكأنه حكم على الله سبحانه، وهذا من جهله بمقام الربوبية، واغتراره بنفسه وبعلمه، وإدلاله بذلك، فعومل بنقيض قصده، وغفر لهذا المذنب بسببه، وأحبط عمله بسبب هذه الكلمة السيئة التي قالها، مع أنه كان عابدًا.
قال أبو هريرة ﵁: «تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته» ....
(وجوب دراسة العقيدة، ومعرفة ما يصحِّحها وما يخل بها)
ومما سبق يتبيَّن أنه يجب التحفظ في الألفاظ، والابتعاد عن اللفظ الذي فيه سوء أدب مع الله سبحانه، لأن هذا يخل بالعقيدة، وينقص التوحيد، فلا يقال: السلام على الله، لأنه هو السلام سبحانه، ولأن السلام على أحد دعاء له بالسلامة، والله سبحانه يُدعى ولا يُدعى له، ولا يقال: اللهم اغفر لي وارحمني إن شئت ... ونحو ذلك، بل كل دعاء يؤتى به على سبيل الجزم
بلا تعليق بالمشيئة، لأن الله يفعل ما يشاء، ولا مكره له، وإنه لا يقسم على
الله أن لا يرحم فلانًا أو يغفر لفلان، لأن هذا حظر ومنع لرحمة الله وسوء
стр. 252
ظن بالله ، كما أنه لا يجوز أن يقال: ما شاء الله وشاء فلان، وإنما يقال: ما شاء الله ثم شاء فلان، لأن العطف بالواو يقتضي المشاركة، ولا أحد يشارك الله سبحانه ويساويه في أمر من الأمور، وأما العطف بـ (ثم)، فإنه يقتضي الترتيب والتبعية، فتكون مشيئة المخلوق تابعة لمشيئة الله سبحانه وحاصلة بعدها، وليست مشاركة لها.
وكل هذا مما يؤكد على المسلم وجوب دراسة العقيدة، ومعرفة ما يصحِّحها وما يخل بها، حتى يكون على بيِّنة من أمره وحتى لا يقع في المحذور وهو لا يشعر.
وفَّق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح (١).
* * *
стр. 253
الفصل الثالث
الفتنة بالقبور، والمفاسد المترتبة عليها، مع الرد على أشهر شبهات أهلها
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: تعظيم القبور من أعظم أسباب الشرك، وعبادة الأوثان.
المبحث الثاني: لا يجوز تخصيص القبور بنوع من عبادة الله سبحانه، فكيف بعبادتها وعبادة أصحابها؟
المبحث الثالث: حرمة اتخاذ القبور مساجد ووجوب هدمها، معلوم بالاضطرار من الدين.
المبحث الرابع: أشهر شبهات أهل القبور، والرد الباهر عليها.
стр. 254
المبحث الأول
تعظيم القبور من أعظم أسباب الشرك، وعبادة الأوثان
قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
«وكان ﷺ يحقق التوحيد ويعلمه أمته، حتى قال رجل: ما شاء الله وشئت، قال: «أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده» ونهى عن الحلف بغير الله وقال: «من حلف بغير الله فقد أشرك»، وقال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما فعلوا، وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد».
ولهذا اتفق العلماء على أن من سلَّم على النبي عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها، لأنه إنما يكون لأركان بيت الله فلا يشبه بيت المخلوق بيت الخالق» (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى في شرحه على كتاب التوحيد:
قوله: «اللَّهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد»، قد استجاب الله دعاءه كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى غدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان
ودل الحديث على أن قبر النبي ﷺ لو عُبد لكان وثنًا، ولكن حماه
стр. 255
الله تعالى لما حال بينه وبين الناس فلا يوصل إليه.
ودل الحديث على أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور والتوابيت التي عليها. وقد عظمت الفتنة بالقبور لتعظيمها وعبادتها، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، تجري على الناس يتخذونها سنة، إذا غيرت قيل: غيرت السنَّة. انتهى» (١).
* * *
стр. 256
المبحث الثاني
لا يجوز تخصيص القبور بنوع من عبادة الله سبحانه فكيف بعبادتها، وعبادة أصحابها ؟!
قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهما الله تعالى في شرحه على كتاب التوحيد:
باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟!
أي: عبد القبر أو الرجل الصالح، ولما كان عباد القبور إنما دهوا من حيث ظنوا أنهم محسنون، فرأوا أن أعمالهم القبيحة حسنة، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] الآية ...
قال: في «الصحيح» عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور. فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله».
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل ....
(تحريم بناء المساجد على القبور، وعلة ذلك المنع)
قوله: أولئك شرار الخلق عند الله. مقتضى هذا التحريم ما ذكر، لا سيما وقد ثبت اللعن عليه.
قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجَّهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا، لعنهم النبي ﷺ ، ومنع المسلمين عن مثل ذلك.
стр. 257
قال القرطبي: وإنما صوَّر أوائلهم الصور ليتأسوا بها، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك سدّا للذريعة المؤدية إلى ذلك.
قوله: فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين ... إلى آخره. هذا من كلام شيخ الإسلام ذكره المصنف عنه. يعني أن الذين بنوا هذه الكنيسة جمعوا فيها بين فتنتين، ضل بها كثير من الخلق.
الأولى: فتنة القبور، لأنهم افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها تعظيمًا مبتدعًا، فآل بهم إلى الشرك، وهي أعظم الفتنتين، بل هي مبدأ الفتنة.
الثانية: وهي فتنة التماثيل، أي: الصور، فإنهم لما افتتنوا بقبور الصالحين وعظموها، وبنوا عليها المساجد، وصوَّروا فيها الصور للقصد الذي ذكره القرطبي، فآل الأمر إلى أن عبدت الصور، ومن هي صورته من دون الله، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين، كاللاَّت وود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وغيرهم من الصالحين.
(الفتنة بالقبور من أخطر الذرائع المؤدية للوقوع في الشرك الأكبر، وتلك هي علة المنع من اتخاذها مساجد)
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وهذه العلة هي التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت تماثيل القوم الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم لكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها ويخشعون
стр. 258
ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا، وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد.
كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون فيها الصلاة للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذٍ، وإن لم يقصد ما قصده المشركون سدًا للذريعة.
قال: وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركًا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادَّة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله.
فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله ﷺ أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد.
فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، فقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه. وقد صرَّح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنَّة الصحيحة الصريحة.
وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة أطلقت الكراهة. والذي ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم إحسانًا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله ﷺ لعن فاعله والنهي عنه.
قال: ولهما عنها قالت: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود
стр. 259
والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا» أخرجاه.
هكذا ثبت في أول هذا الحديث «ولهما» في آخره: «أخرجاه» بخط المصنف، وأحد اللفظين يغني عن الآخر، لأن المراد صاحبا «الصحيحين» ....
قال القرطبي: ولهذا بالغ المسلمون في سدِّ الذريعة في قبر النبي ﷺ ، فأعلوا حيطان تربته، وسدُّوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره ﷺ ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرَّفوهما، حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا يمكن أحد من استقبال قبره.
قلت: وفي الحديثين مسائل نبَّه المصنف على بعضها.
منها: ما ذكر الرسول ﷺ فيمن بنى مسجدًا يعبد الله فيه على قبر رجل صالح، ولو صحَّت نية الفاعل.
ومنها: النهي عن التماثيل بتغليظ الأمر.
ومنها: نهيه عن فعله عند قبره، قبل أن يوجد القبر.
ومنها: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
ومنها: لعنه إياهم على ذلك.
ومنها: مراده بذلك تحذيره إيانا عن قبره.
ومنها: العلة في عدم إبراز قبره.
ومنها: ما بلي به ﷺ من شدة النزع.
قلت: ومنها التنبيه على علة تحريم ذلك، وعلة لعن من فعله» (١).
стр. 260
المبحث الثالث
حرمة اتخاذ القبور مساجد ووجوب هدمها معلوم بالاضطرار من الدين
حرمة اتخاذ القبور مساجد معلومة من الدين بالضرورة، وذلك لئلا تقع الأمة في الشرك، وتلك هي علة المنع، وليست مظنة النجاسة، ومن ثمّ لُعن كل من أعان على تعظيمها خشية أن تقع الأمة في المحذور من حرمتها.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه لكتاب التوحيد:
قوله: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد»، إلى آخر الحديث. قال الخلخالي: وإنكار النبي ﷺ صنيعهم هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم.
والثاني: أنهم يَجوِّزون الصلاة في مدافن الأنبياء والسجود في مقابرهم، والتوجه إليها حالة الصلاة نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله، والمبالغة في تعظيم الأنبياء، والأول: هو الشرك الجلي، والثاني: الخفي، فلذلك استحقوا اللعن.
قلت: الحديث أعم من ذلك، فيشمل بناء المساجد والقباب عليها ....
قال ابن القيم: وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول ﷺ مقاصده جزم جزمًا لا يحتمل النقيض، أن هذه المبالغة واللعن والنهي بصيغته: صيغة «لا تفعلوا» وصيغة «إني أنهاكم» ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقلَّ نصيبه، أو عدم من تحقيق لا إلا
إلاَّ الله، فإن هذا وأمثاله من النبي ﷺ صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه
стр. 261
الشرك ويغشاه، وتجريد له، وغضب لربه أن يعدل به سواه، فأبى المشركون إلاَّ معصية لأمره وارتكابًا لنهيه، وغرهم الشيطان بأن هذا التعظيم لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم أشد لها تعظيمًا، وأشد فيهم غلوًا كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد.
ولعمر الله من هذا الباب بعينه دخل على عبَّاد يغوث ويعوق، ونسر، ودخل على عبَّاد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقهم وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها من العبودية، وسلب خصائص الإلهية.
قلت: وممن علَّل بخوف الفتنة والشرك: الشافعي، وأبو بكر الأثرم، وأبو محمد المقدسي، وشيخ الإسلام، وغيرهم، وهو الحق ...
قال: ولأحمد بسند جيد، عن ابن مسعود مرفوعًا: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» رواه أبو حاتم في «صحيحه».
قوله: إن من شرار الناس. هو بكسر الشين جمع شر.
قوله: من تدركهم الساعة وهم أحياء. أي: من تقوم عليهم الساعة بحيث ينفخ في الصور وهم أحياء، وهذا كحديثه الآخر الذي في مسلم: «لا تقوم الساعة إلاَّ على شرار الخلق» ...
(أجمع العلماء على حرمة الأبنية على القبور، ووجوب هدمها)
وقد أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور وتحريمه ووجوب هدمه، لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، ولا فرق في ذلك بين البناء في مقبرة مسبلة، أو مملوكة، إلاَّ أنه في المملوكة أشد. ولا عبرة بمن شذَّ من المتأخرين فأباح ذلك، إما مطلقًا، وإما في المملوكة.
стр. 262
قال الإمام أبو محمد بن قدامة: ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لأن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا. ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام: تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندها.
وقال شيخ الإسلام: أما بناء المساجد على القبور، فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه، متابعة للأحاديث الصحيحة، وصرَّح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريمه، قال: ولا ريب في القطع بتحريمه، ثم ذكر الأحاديث في ذلك ... إلى أن قال: فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، أو الملوك وغيرهم، تتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين.
وقال ابن القيم: يجب هدم القباب التي على القبور، لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ . وقال أبو حفص: تحرم الحجرة بل تهدم. فإذا كان هذا كلامه في الحجرة فكيف بالقبة؟
وقال الشافعي: أكره أن يعظم مخلوق، حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس. وقال أيضًا: تسطَّح القبور ولا تبنى ولا ترفع، وتكون على وجه الأرض. وقد أفتى جماعة من الشافعية بهدم ما في القرافة من الأبنية، منهم: ابن الجميزي، والظهير الترميني، وغيرهما.
وقال القاضي ابن كج: ولا يجوز أن تجصَّص (١) القبور، ولا أن يبنى
стр. 263
عليها قباب ولا غير قباب، والوصية بها باطلة. وقال الأذرعي: وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية العظيمة، وإنفاق الأموال الكثيرة، فلا ريب في تحريمه.
قلت: وجزم النووي في «شرح المهذب» بتحريم البناء مطلقًا، وذكر في «شرح مسلم» نحوه أيضًا. وقال القرطبي في حديث جابر: نهى أن يجصَّص القبر أو يبنى عليه، وبظاهر هذا الحديث قال مالك، وكره البناء والجص على القبور وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه ....
(المفاسد المترتبة على بناءات القبور):
واعلم أنه قد وقع بسبب البناء على القبور من المفاسد التي لا يحيط بها على التفصيل إلاَّ الله، ما يغضب من أجله كل من في قلبه رائحة إيمان، كما نبَّه عليه ابن القيم وغيره.
فمنها: اعتيادها للصلاة عندها، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك.
ومنها: تحري الدعاء عندها. ويقولون: من دعا الله عند قبر فلان استجاب له، وقبر فلان الترياق المجرَّب، وهذا بدعة منكرة.
ومنها: ظنهم أن لها خصوصيات بأنفسها في دفع البلاء وجلب النعماء، ويقولون: إن البلاء يدفع عن أهل البلدان بقبور من فيها من الصالحين، ولا ريب أن هذا مخالف للكتاب والسنَّة والإجماع. فالبيت المقدس كان عنده من قبور الأنبياء والصالحين ما شاء الله، فلما عصوا الرسول وخالفوا ما أمرهم الله به، سلَّط الله عليهم من انتقم منهم. وكذلك أهل المدينة لما تغيروا بعض التغير، جرى عليهم عام الحرَّة من النهب والقتل وغير ذلك من المصائب ما لم يجر عليهم قبل ذلك. وهذا أكثر من أن يحصر.
ومنها: الدخول في لعنة رسول الله ﷺ ، باتخاذ المساجد عليها وإيقاد
стр. 264
السرج عليها.
ومنها: أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد، وخراب المساجد كما هو الواقع، ودين الله بضد ذلك.
ومنها: اجتماعهم لزيارتها واختلاط النساء بالرجال، وما يقع في ضمن ذلك من الفواحش وترك الصلوات، ويزعمون أن صاحب التربة تحمَّلها عنهم، بل اشتهر أن البغايا يسقطن أجرتهن على البغاء في أيام زيارة المشايخ، كالبدوي وغيره تقربًا إلى الله بذلك، فهل بعد هذا في الكفر غاية؟
ومنها: كسوتها بالثياب النفيسة المنسوجة بالحرير والذهب والفضة ونحو ذلك.
ومنها: جعل الخزان والأموال ووقف الوقوف لما يحتاج إليه من ترميمها ونحو ذلك.
ومنها: إهداء الأموال ونذر النذور لسدنتها العاكفين عليها، الذين هم أصل كل بلية وكفر، فإنهم الذين يكذبون على الجهال والطغام بأن فلانًا دعا صاحب التربة فأجابه، واستغاثه فأغاثه ومرادهم بذلك تكثير النذر والهدايا لهم.
ومنها: جعل السدنة لها كسدنة عباد الأصنام.
ومنها: الإقسام على الله في الدعاء بالمدفون فيها.
ومنها: أن كثيرًا من الزوَّار إذا رأى البناء الذي على قبر صاحب التربة سجد له.
ولا ريب أن هذا كفر بنص الكتاب والسنَّة وإجماع الأمة، بل هذا هو عبادة الأوثان، لأن السجود للقبة عبادة لها، وهو من جنس عبادة النصارى للصور التي في كنائسهم على صور من يعبدونه بزعمهم الباطل، فإنهم عبدوها ومن هي صورته، وكذلك عباد القبور لما بنوا القباب على القبور آل بهم إلى
стр. 265
أن عُبدت القباب ومن بنيت عليه من دون الله .
ومنها: النذر للمدفون فيها، وفرض نصيب من المال والولد، وهذا هو الذي قال الله فيه: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦]، بل هذا أبلغ فإن المشركين ما كانوا يبيعون أولادهم لأوثانهم.
ومنها: أن المدفون فيها أعظم في قلوب عباد القبور من الله وأخوف، ولهذا لو طلبت من أحدهم اليمين بالله تعالى أعطاك ما شئت من الأيمان كاذبًا أو صادقًا، وإذا طلبت بصاحب التربة لم يقدم إن كان كاذبًا.
ولا ريب أن عباد الأوثان ما بلغ شركهم إلى هذا الحد، بل كانوا إذا أرادوا تغليظ اليمين، غلَّظوها بالله كما في قصة القسامة وغيرها (١).
стр. 266
ومنها: سؤال الميت قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والإخلاص له من دون الله في أكثر الحالات.
ومنها: التضرع عند مصارع الأموات، والبكاء بالهيبة والخشوع لمن فيها أعظم مما يفعلونه مع الله في المساجد والصلوات.
ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله، وهي المساجد، فيعتقدون أن العبادة والعكوف فيه أفضل من العبادة والعكوف في المساجد، وهذا أمر ما بلغ إليه شرك الأولين، فإنهم يعظمون المسجد الحرام أعظم من بيوت الأصنام يرون فضله عليها، وهؤلاء يرون العكوف في المشاهد أفضل من العكوف في المساجد.
ومنها: أن الذي شرعه الرسول ﷺ في زيارة القبور إنما هو تذكرة الآخرة، كما قال: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة»، والإحسان إلى المزور بالترحُّم عليه، والدعاء له والاستغفار، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنًا إلى نفسه وإلى الميت، فقلبَ عبَّاد القبور الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة: الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به، وسؤاله
حوائجهم ونصرهم على الأعداء ونحو ذلك. فصاروا مسيئين إلى نفوسهم
стр. 267
وإلى الميت، ولو لم يكن إلاَّ بحرمانه بركة ما شرعه الله من الدعاء والترحم عليه والاستغفار له.
ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله عباد القبور بها، فإنه يؤذيهم ما يفعلونه عند قبورهم، ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح ﵇ يكره ما يفعله النصارى، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء، يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرءون منهم كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥، ٦].
ومنها: محادَّة الله ورسوله، ومناقضة ما شرعه فيها.
ومنها: التعب العظيم مع الوزر الكبير، والإثم العظيم.
وكل هذه المفاسد العظيمة وغيرها مما لم يذكر، إنما حدثت بسبب البناء على القبور، ولهذا تجد القبور التي ليس عليها قباب لا يأتيها أحدٌ لا يعتادها لشيء مما ذكر إلاَّ ما شاء الله، وصاحب الشرع أعلم بما يؤول إليه هذا الأمر، فلذلك غلَّط فيه وأبدأ وأعاد، ولعن من فعله، فالخير والهدى في طاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته.
والعجب ممن يشاهد هذه المفاسد العظيمة عند القبور، ثم يظن أن النبي ﷺ إنما نهى عن اتخاذ المساجد عليها لأجل النجاسة، كما يظنه بعض متأخري الفقهاء، ولو كان ذلك لأجل النجاسة، لكان ذكر المجازر والحشوش، بل ذكر التحرز من البول والغائط أولى. وإنما ذلك لأجل نجاسة الشرك، التي وقعت من عبَّاد القبور، لما خالفوا ذلك، ونبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلاً، فبئس ما يشترون» (١).
стр. 268
المبحث الرابع
أشهر شبهات أهل القبور، والرد الباهر عليها
لقد ظن المشركون في قوله ﷺ : «لا تجعلوا قبري عيدًا»، أن المراد: اقصدوه في كل ساعة ووقت، ولا تجعلوه كالعيد الذي، يكون من الحول إلى الحول.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه على كتاب التوحيد:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» رواه أبو داود بإسناد حسن. رواته ثقات.
قوله: «ولا تجعلوا قبري عيدًا»، قال شيخ الإسلام: العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائدًا إما بعود السنة أو بعود الأسبوع، أو الشهر، ونحو ذلك، وتقدم ذلك.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: العبد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإن كان اسمًا للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع وانتيابه للعبادة، أو لغيرها، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله عيدًا للحنفاء ومثابة، كما جعل أيام العيد فيها عيدًا، وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوَّض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى، كما عوَّضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر.
وقال غيره: هذا أمر بملازمة قبره والعكوف عنده واعتياد قصده وانتيابه،
стр. 269
ونهى أن يجعل كالعيد الذي إنما يكون في العام مرة أو مرتين، فكأنه قال: لا تجعلوه كالعيد الذي يكون من الحول إلى الحول، واقصدوه كل ساعة وكل وقت.
قال ابن القيم ﵀: وهذا مراغمة ومحادَّة ومناقضة لما قصده الرسول ﷺ وقلب للحقائق، ونسبة الرسول ﷺ إلى التلبيس والتدليس بعد التناقض، فقاتل الله أهل الباطل أن يؤفكون.
ولا ريب أن من أمر الناس باعتياد أمر وملازمته وكثرة انتيابه بقوله: لا تجعلوا عيدًا، فهو إلى التلبيس وضد البيان أقرب منه إلى الدلالة والبيان، وهكذا غيرت أديان الرسل، ولولا أن الله أقام لدينه الأنصار والأعوان الذابِّين عنه، لجرى عليه ما جرى على الأديان قبله، ولو أراد رسول الله ﷺ ما قاله هؤلاء الضلاَّل لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، ويلعن فاعل ذلك، فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها، فكيف يأمر بملازمتها والعكوف عندها، وأن يعتاد قصدها وانتيابها، ولا تجعل كالعيد الذي يجيء من الحول إلى الحول؟ وكيف يسأل ربه أن لا يجعل قبره وثنًا يُعبد؟ وكيف يقول أعلم الخلق بذلك؟ «ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشي أن يتخذ مسجدًا»، وكيف يقول: «لا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ حيثما كنتم؟».
وكيف لا يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك، ما فهمه هؤلاء الضلال، الذين جمعوا بين الشرك والتحريف؟! وهذا أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين ﵄، نهى ذلك الرجل أن يتحرَّى الدعاء عند قبره ﷺ ، واستدل بالحديث وهو الذي رواه وسمعه من أبيه الحسين عن جده علي ﵄، وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضلال، وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر إذا لم يكن يريد المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا. انتهى ....
стр. 270
قال شيخ الإسلام: ما علمت أحدًا، أي: من علماء السلف رخَّص فيه، - أي: قصد الرجل القبر لأجل السلام - لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدًا، ويدل أيضًا على أن قصد القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه، لأن ذلك من اتخاذه عيدًا، وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي قبر النبي ﷺ ، لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك. قال: ولن يصلح آخر هذه الأمة إلاَّ ما أصلح أولها، بل كان الصحابة والتابعون يأتون إلى مسجده ﷺ فيصلون خلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵁، ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا، أو خرجوا، ولم يكونوا يأتون القبر للسلام، لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل ....
والمقصود أن الصحابة ما كانوا يعتادون الصلاة والسَّلام عليه عند قبره، كما يفعله من بعدهم من الخلوف، وإنما كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه، إذا قدم من سفر، كما كان ابن عمر ﵁ يفعل.
قال عبيد الله بن عمر عن نافع: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ثم ينصرف.
قال عبيد الله: ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلاَّ ابن عمر. وهذا يدل على أنه لا يقف عند القبر للدعاء إذا سلم كما يفعله كثير. قال شيخ الإسلام: إن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة، فكان بدعة محضة (١). وفي «المبسوط» قال مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ولكن ليسلم ويمضي.
والحكاية التي رواها القاضي عياض بإسناده عن مالك في قصته مع
стр. 271
المنصور، وأنه قال لمالك: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله ﷺ ؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك، ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به يشفعه الله فيك. فهذه الرواية ضعيفة، أو موضوعة لأن في إسنادها من يتهم محمد بن حميد، ومن يجهل حاله.
ونص أحمد أنه يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، لئلا يستدبره وذلك بعد تحيته والسلام عليه، فظاهر هذا أنه يقف للدعاء بعد السلام. وذكر أصحاب مالك أنه يدعو مستقبلاً القبلة يوليه ظهره.
وبالجملة فقد اتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر، وتنازعوا هل يستقبله عند السلام أم لا؟ ومن الحجة في ذلك ما روى ابن زبالة وهو في «أخبار المدينة» عن عمر بن هارون، عن سلمة بن وردان - وهما ساقطان - قال: رأيت أنس بن مالك يسلم على النبي ﷺ ثم يسند ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو.
(تحريم شد الرحال إلى القبور، لأنه من أعظم أسباب الشرك بها، وبأصحابها)
وفي الحديث (١) دليل على منع شد الرحال إلى قبره ﷺ ، وإلى غيره من القبور والمشاهد، لأن ذلك من اتخاذها أعيادًا، بل من أعظم أسباب الإشراك بأصحابها، كما وقع من عبَّاد القبور الذين يشدون إليها الرحال، وينفقون في ذلك الكثير من الأموال، وليس لهم مقصود إلاَّ مجرد الزيارة للقبور تبركًا بتلك القباب والجدران فوقعوا في الشرك.
هذه المسألة التي أفتى فيها شيخ الإسلام، أعني من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ومشاهدهم، ونقل فيها اختلاف العلماء في الإباحة
стр. 272
والمنع، فمن مبيح لذلك كأبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي، ومن منع لذلك كابن بطة وابن عقيل وأبي محمد الجويني والقاضي عياض، وهو قول الجمهور نص عليه مالك، ولم يكن يخالفه أحد من الأئمة وهو الصواب. فقام عليه بعض المعاصرين له كالسبكي ونحوه فنسبه إلى إنكار الزيارة مطلقًا وهو لم ينكر منها إلاَّ ما كان بشد رحل، كما أنكره جمهور العلماء قبله أو الزيارة التي يكون فيها دعاء الأموات، والاستغاثة بهم في الملمات، مع ما ينضم إلى ذلك من أنواع المنكرات.
ومما يدل على النهي عن شد الرحل إلى القبور ونحوها، ما أخرجاه في «الصحيحين» عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»، فدخل في ذلك شدهما لزيارة القبور والمشاهد، فإما أن يكون نهيًا، وإما أن يكون نفيًا للاستحباب. وقد جاء في رواية في «الصحيح» بصيغة النهي صريحًا فتعين أن يكون للنهي.
ولهذا فهم منه الصحابة المنع، كما في «الموطأ» و «السنن» عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ : «لا تُعمل المطي إلاَّ إلى صلاة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى».
وروى الإمام أحمد، وعمر بن شبة في «أخبار المدينة» بإسناد جيد عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور. فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور فلا تأته.
وروى أحمد وعمر بن شبة أيضًا، عن شهر بن حوشب قال: سمعت
стр. 273
أبا سعيد وذكر عنده الصلاة في الطور، فقال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»، فأبو سعيد جعل الطور مما نهي عن شد الرحال إليه، مع أن اللفظ الذي ذكر إنما فيه النهي عن شدها إلى المساجد، فدل على أنه علم أنه غير المساجد أولى بالنهي، والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة، وأن الله تعالى سماه الوادي المقدس والبقعة المباركة، وكلَّم الله موسى هناك» (١).
* * *
* لقد ظن عبَّاد القبور: جواز التوجه إلى الله بالأموات قياسًا على جواز التوجه إليه سبحانه بدعاء الأحياء، ثم جعلوا ذلك سُلَّمًا إلى عبادة الأموات، وإلى الشرك والتنديد بربِّ الأرض والسموات.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه على كتاب التوحيد:
«ولكن لعباد القبور على هذا (٢) شبهات، ذكر المصنف كثيرًا منها في «كشف الشبهات» ونحن نذكر هنا ما لم يذكره.
فمن ذلك أنهم احتجوا بحديث رواه الترمذي في «جامعه» حيث قال: حدثنا محمود بن غيلان، ثنا عثمان بن عمرو، ثنا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف، أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، فهو خير لك» قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ، ويحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني
стр. 274
توجهت به إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفِّعه فيَّ»، قال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلاَّ من رواية أبي جعفر، وهو غير الخطمي، هكذا رواه الترمذي، ورواه النسائي، وابن شاهين، والبيهقي كذلك، وفي بعض الروايات «يا محمد إني أتوجه» إلى آخره.
وهذه اللفظة هي التي تعلق بها المشركون، وليست عند هؤلاء الأئمة. قالوا: فلو كان دعاء غير الله شركًا لم يعلم النبي ﷺ الأعمى هذا الدعاء الذي فيه نداء غير الله.
والجواب من وجوه:
الأول: أن هذا الحديث من أصله، وإن صححه الترمذي، فإن في ثبوته نظرًا، لأن الترمذي يتساهل في التصحيح كالحاكم، لكن الترمذي أحسن نقدًا، كما نصّ على ذلك الأئمة، ووجه عدم ثبوته أنه قد نص: أنَّ أبا جعفر الذي عليه مدار هذا الحديث هو غير الخطمي، وإذا كان غيره، فهو لا يعرف، ولعل عمدة الترمذي في تصحيحه أن شعبة لا يروي إلاَّ عن ثقة، وهذا فيه نظر، فقد قال عاصم بن علي: سمعت شعبة يقول: لو لم أحدثكم إلاَّ عن ثقة لم أحدثكم إلاَّ عن ثلاثة، وفي نسخة عن ثلاثين، ذكره الحافظ العراقي، وهذا اعتراف منه بأنه يروي عن الثقة وغيره فينظر في حاله، ويتوقف الاحتجاج به على ثبوت صحته.
الثاني: أنه في غير محل النزاع، فأين طلب الأعمى من النبي ﷺ أن يدعو له، وتوجهه بدعائه مع حضوره، من دعاء الأموات والسجود لهم ولقبورهم، والتوكل عليهم، والالتجاء إليه في الشدائد والنذر والذبح لهم، وخطابهم بالحوائج من الأمكنة البعيدة: يا سيدي يا مولاي افعل بي كذا؟!
فحديث الأعمى شيء، ودعاء غير الله تعالى والاستغاثة به شيء آخر،
стр. 275
فليس في حديث الأعمى شيء غير أنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، ويشفع له، فهو توسل بدعائه وشفاعته، ولهذا قال في آخره: «اللهم فشفعه فيَّ» فعلم أنه شفع له.
وفي رواية أنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، فدل الحديث على أنه ﷺ شفع له بدعائه، وأن النبي ﷺ أمره هو أن يدعو الله ويسأله قبول شفاعته، فهذا من أعظم الأدلة على أن دعاء غير الله شرك، لأن النبي ﷺ أمره أن يسأل قبول شفاعته، فدل على أن النبي ﷺ لا يدعى، ولأنه ﷺ لم يقدر على شفائه إلاَّ بدعاء الله له.
فأين هذا من تلك الطوام؟ والكلام إنما هو في سؤال الغائب، أو سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله، أما أن تأتي شخصًا يخاطبك فتسأله أن يدعو لك، فلا إنكار في ذلك، على ما في حديث الأعمى، فالحديث سواء كان صحيحًا أو لا، وسواء ثبت قوله فيه: (يا محمد) أو لا، لا يدل على سؤال الغائب، ولا على سؤال المخلوق، فيما لا يقدر عليه إلا الله بوجه من وجوه الدلالات. ومن ادعى ذلك، فهو مفتر على الله وعلى رسوله ﷺ ، لأنه إن كان سأل النبي ﷺ نفسه، فهو لم يسأل منه إلاَّ ما يقدر عليه، وهو أن يدعو له، وهذا لا إنكار فيه وإن كان توجه به من غير سؤال منه نفسه، فهو لم يسأل منه، وإنما سأل من الله به، سواء كان متوجهًا بدعائه، كما هو نص أول الحديث وهو الصحيح، أو كان متوجهًا بذاته على قول ضعيف.
(التوجه إلى الخالق بذوات المخلوقين بدعة منكرة، وأجنبية عن الشريعة وفهم حامليها)
فإن التوجه بذوات المخلوقين، والإقسام بهم على الله بدعة منكرة، لم تأت عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه، والتابعين لهم بإحسان، ولا
стр. 276
الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة الدين.
قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلاَّ به، وقال أبو يوسف: أكره بحق فلان وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت، والمشعر الحرام، وقال القدوري: المسألة بحق المخلوق لا تجوز، فلا يقول: أسألك بفلان، أو بملائكتك، أو أنبيائك، ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، واختاره العز بن عبد السلام، إلاَّ في حق النبي ﷺ خاصة إن ثبت الحديث، يشير إلى حديث الأعمى، وقد تقدم أنه على تقدير ثبوته ليس فيه إلاَّ أنه توسل بدعائه لا بذاته» (١).
* * *
* لقد جزم عباد القبور بالتجربة العملية المعتادة، وبأخبار شيعتهم المتواترة: بأن الدعاء عند القبور هو الدواء الشافي لكافة الأدواء الدنيوية والأخروية.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - رحمهما الله تعالى - نقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -:
«ثم أورد (٢) سؤالاً يورده من يتبرك بالدعاء عند القبور، ويرى فضله. قال فإن قيل: فقد نقل عن بعضهم أنه قال: قبر معروف الترياق المجرب.
ويروى عن معروف أنه أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره. وذكر أبو علي الخرقي في قصص من هجره أحمد: أن بعض هؤلاء المهجورين كان يجيء إلى قبر أحمد، ويتوخى الدعاء عنده، وأظنه ذكر ذلك عن المروزي، ونقل عن جماعات أنهم دعوا عند قبور جماعات من الأنبياء والصالحين، من أهل
стр. 277
البيت وغيرهم، فاستجيب لهم الدعاء، وعلى هذا عمل كثير من الناس ...
وإنما ذكرت هذا السؤال مع بعده عن طريق العلم والدين، لأنه غاية ما يتمسَّك به القبوريون.
ثم أجاب عن هذا السؤال بقوله: قلنا الذي ذكرنا كراهته، لا ينقل في استحبابه شيء ثابت عن القرون الثلاثة، التي أثنى النبي ﷺ عليها حيث قال: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، مع شدة المقتضى فيهم لذلك، لو كان فيه فضيلة، فعد أمرهم وفعلهم لذلك مع قوة المقتضى لو كان فيه فضل يوجب القطع بأن لا فضل فيه، وأما من بعد هؤلاء فأكثر ما يفرض أن الأمة اختلفت، فصار كثير من العلماء إلى فعل ذلك، وصار بعضهم إلى النهي عن ذلك، فإنه لا يمكن أن يقال: قد اجتمعت الأمة على استحباب ذلك، لوجهين:
أحدهما: أن كثيرًا من الأمة كره ذلك وأنكره قديمًا وحديثًا.
الثاني: أنه من الممتنع أن تتفق الأمة على استحباب فعل، لو كان حسنًا لفعله المتقدِّمون، ولم يفعلوه، فإن هذا من باب تناقض الإجماعات، وهي لا تتناقض. وإذا اختلف فيه المتأخرون، فالفاصل بينهم هو الكتاب، أو السنة، وإجماع المتقدمين، نصًا واستنباطًا، فكيف والحمد لله، لم ينقل هذا عن إمام معروف ولا عالم متبع؟
بل المنقول في ذلك إما أن يكون كذبًا على صاحبه، مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي ﵀ أنه قال: «إني إذا نزلت بين شدة أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة، فأجاب» أو كلامًا هذا معناه.
وهذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار، عند من له معرفة بالنقل، فإن الشافعي لما قدم بغداد، لم يكن ببغداد لأبي حنيفة، ولا غيره قبر ينتاب
стр. 278
للدعاء عنده البتة، بل ولم يكن هذا معروفًا على عهد الشافعي، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والعراق والشام ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين، من كان أصحابها عنده، وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلاَّ عند أبي حنيفة؟
ثم أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل: أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم، لم يكونوا يتحرُّون الدعاء عند قبر أبي حنيفة ولا غيره. ثم قد تقدم عن الشافعي، ما هو ثابت في كتابه، من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه» (١).
* * *
* لقد اعتقد كثير من المشركين: بأن الذي يملك النفع والضر هو الله، وظنوا أن هذا هو لب التوحيد، ومن ثم جعلوا بينهم وبين الله وسائط في عبادته، ليقربوهم إليه زلفى - بزعم أن هذا لا ينقض التوحيد -، وفرقوا في هذا المقام بين التوجه إلى الله بالأصنام والأحجار، والتوجه بالأنبياء والأولياء والصالحين، وبهذا ترسخ الشرك في قلوبهم، وعضُّوا عليه بالنواجذ.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى في إبطال هذا الإفك:
«فلا إله إلاَّ الله، نفي، وإثبات الإلهية كلها لله. فمن قصد شيئًا من قبر، أو شجر، أو نجم، أو ملك مقرب، أو نبي مرسل، لجلب نفع، وكشف ضر، فقد اتخذه إلهًا من دون الله، مكذب بلا إله إلاَّ الله، يستتاب، فإن تاب وإلاَّ قتل.
فإن قال هذا المشرك: لم أقصد إلاَّ التبرك، وإني لأعلم أن الله هو الذي ينفع ويضر، فقل له: إن بني إسرائيل ما أرادوا إلاَّ ما أردت كما أخبر الله عنهم أنهم لما جاوزوا البحر: ﴿فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا
стр. 279
مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فأجابهم بقوله: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
وحديث أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : «الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] لتركبن سنن من كان قبلكم».
وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]، وفي الصحيح عن ابن عباس وغيره: كان يلت السويق للحاج، فمات، فعكفوا على قبره.
فيرجع هذا المشرك، يقول: هذا في الشجر، والحجر، وأنا اعتقد في أناس صالحين، أنبياء وأولياء، أريد منهم الشفاعة عند الله، كما يشفع ذو الحاجة عند الملوك، وأريد منهم القربة إلى الله، فقل له: هذا دين الكفار بعينه، كما أخبر سبحانه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨].
وقد ذكر أناسًا يعبدون المسيح وعزيرًا، فقال الله: هؤلاء عبيدي، يرجون رحمتي كما ترجونها، ويخافون عذابي كما تخافونه، وأنزل الله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ ...﴾ الآيتين [سبأ: ٤٠، ٤١].
والقرآن، بل والكتب السماوية من أولها إلى آخرها مصرحة ببطلان هذا
стр. 280
الدين، وكفر أهله، وأنهم أعداء الله ورسوله، وأنهم أولياء الشيطان، وأنه سبحانه لا يغفر لهم، ولا يقبل عملاً منهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢].
قال ابن مسعود وابن عباس: لا تجعلوا له أكْفاء من الرجال، تطيعونهم في معصية الله، وقال رجل للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، قال: «أجعلتني لله ندًا؟ قل: ما شاء الله وحده»، وقال ﷺ لأصحابه: «أخوف ما أخاف عليكم: الشرك الأصغر»، فسئل عنه فقال: «الرياء».
وبالجملة: فأكثر أهل الأرض، مفتونون بعبادة الأصنام والأوثان، ولم يتخلص من ذلك إلاَّ الحنفاء، أتباع ملة إبراهيم ﵇، وعبادتها في الأرض من قبل قوم نوح كما ذكر الله، وهي كلها، ووقوفها، وسدانتها، وحجابتها، والكتب المصنفة في شرائع عبادتها، طبق الأرض، قال إمام الحنفاء: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وقد قصَّ الله ذلك عنهم في القرآن، وأنجى الرسل وأتباعهم من الموحدين» (١).
* * *
* وأخيرًا لا آخرًا: قررَّ المشركون أن دينهم قائم على أصل أصيل، وركن ركين، ألا وهو إجماع المسلمين، فالعلماء - بزعمهم - من كافة الأمصار، والأمة من ورائهم تبع - قد استحسنوا دعاء الأموات، ولم يرونه شركًا ولا بدعة، بل ولا منكرًا من القول!!!
стр. 281
وها هو الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين نراه يهدم هذا الأصل الذي ليس أصيلاً، والركن غير الركين، فقد سئل - رحمه الله تعالى - سؤالاً جاء فيه:
قال السائل: إن قال قائل، تقرُّون: أن إجماع الأمة حجة، وأنها لا تجتمع على ضلالة، وأنتم قد خالفتم جميع العلماء، من أهل الأمصار قاطبة، وادعيتم ما لم يدعه غيركم، وأنكرتم ما لم ينكر في جميع الأرض، وافتريتم أمرًا أنكرته جميع علماء الأمة، والإشارة هنا إلى التوحيد، وما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتكفير من أشرك بالله في ألوهيته عند المشاهد وغيرها، فما الجواب لذلك؟
فأجاب قدس الله روحه: أما دعوى هذا المبطل إجماع العلماء، على جواز دعاء أهل القبور والاستغاثة بهم، والتقرب إليهم بالنذور، والذبائح، فهذا كذب ظاهر، وشبهته: أن هذه الأمور ظاهرة في جميع الأمصار، ولم يسمعوا أن عالمًا أنكره، فيقال بل: أنكره كثير من علماء هذا الزمان، ووافق عليه خواص من علماء الحرمين واليمن، وسمعنا منهم مشافهة، ولكن الشوكة لغيرهم. وصنَّف فيه جماعة. كالنعمي من أهل اليمن، له مصنف في ذلك حسن، وكذلك الشوكاني، ومحمد بن إسماعيل، وغيرهم، ورأيت مصنفًا لعالم من أهل جبل سليمان في إنكار ذلك، وهذا مصداق قول النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»، وليس المراد الظهور بالسيف، بل الحجة دائمًا وبالسيف أحيانًا.
ولو قال هذا المجادل: إن أكثر الناس على ما يرى، لكان صادقًا، وهذا مصداق الحديث: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ».
وأيضًا: فالبناء على القبور وإسراجها وتجصيصها: ظاهر غالب في
стр. 282
الأمصار التي نعرف، مع أن النهي عن ذلك ثابت عن النبي ﷺ ، ومنصوص على النهي في جميع المذاهب، فهل يمكن هذا المبطل، أن يقول: إن الأمة مجمعة على جواز ذلك لكونه ظاهرًا في الأمصار؟ والله سبحانه إنما افترض علي الخلق طاعته، وطاعة رسوله، وأمرهم أن يردوا إلى كتابه وسنَّة رسوله، ما تنازعوا فيه، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز التقليد في التوحيد والرسالة.
فإذا عرف: أن الشرك عبادة غير الله، وعرف معنى العبادة، وعلم كل قول وعمل يحبه الله ويرضاه، ومن أعظم ذلك الدعاء، لأنه مخ العبادة، وعلم ما يفعل عند القبور، من دعاء أصحابها بسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والتقرب إليهم بالنذور والذبائح، عرف أن هذا هو الشرك الأكبر الذي هو عبادة غير الله تعالى، فإذا تحقق الإنسان ذلك، عرف الحق، ولم يبال بمخالفة أكثر الناس، ويعتقد أن الأمة لا تجتمع على ذلك، لأنه ضلالة.
فإن قال هذا المجادل: إن هذه الأفعال التي تفعل عند القبور، وعلي القبور جائزة شرعًا، فهو محادٌّ لله ولرسوله، وإن قال: هذه الأمور لا تجوز، لكنها ليست شركًا، مع دعواه أن علماء الزمان أجمعوا على ذلك، فيلزمه أن الأمة أجمعت على ضلالة، والإنسان إذا تبيَّن له الحق، لم يستوحش من قلة الموافقين وكثرة المخالفين، لا سيما في آخر هذا الزمان.
وقول الجاهل: لو كان هذا حقًا ما خفي على فلان وفلان، هذه دعوى الكفار، في قولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، ﴿أَهَؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقد قال علي ﵁: اعرف الحق تعرف أهله.
وأما الذي في حَيرة ولبس، فكل شبهة تروج عليه، فلو كان أكثر الناس اليوم على الحق، لم يكن الإسلام غريبًا، وهو والله اليوم في غاية الغربة» (١).
стр. 283
الفصل الرابع
الشفاعة، أنواعها، وشروطها وأسباب تحصيلها، وموانع الحرمان منها
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الشفاعة وشروطها.
المبحث الثاني: عدم فقه الفرق بين الشفاعة عند الخالق، ولدى المخلوق، ورَّث الشرك وأصله في نفوس أهله.
المبحث الثالث: الفرق بين الشفاعة المثبتة والمنفية في القرآن العظيم.
стр. 284
المبحث الأول
الشفاعة شروطها وأنواعها
إن الله له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهما، وكل ما دونه من الكائنات، مخلوق مربوب فقير مملوك لسيده سبحانه، وهو جلَّ في علاه الغني بذاته المقدسة عن كل ما سواه، وكل مخلوقاته في أشد ما يكونوا حاجة إليه، والله سبحانه ليس له شريك في ملكه، ولا معاون ولا ظهير، ولا يحتاج لأحد من خلقه حتى يشفع عنده بغير إذنه، وذلك لكماله المطلق، وملكه التام، اللذين لا نقص فيهما بوجه من الوجوه، ومن ثم كان لزامًا على كل عاقل لبيب أن يطلب الشفاعة بشروطها من مالكها، ويتضرَّع إليه وحده فيها، ويفوِّض أمره إليه، علَّه يفوز بحظ وافر منها، ويكتب من أهلها.
قال الشيخ صالح الفوزان يحفظه الله تعالى:
«الشفاعة لغة: الوسيلة والطلب. وعرفًا: سؤال الخير للغير. وقيل: هي من الشفع الذي هو ضد الوتر، فكأن الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له.
والشفاعة حق إذا تحققت شروطها، وهي أن تكون بإذن الله تعالى، ورضاه عن المشفوع له، قال الله تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾
[النجم: ٢٦].
ففي هذه الآية الكريمة أن الشفاعة لا تنفع إلاَّ بشرطين:
الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، لأن الشفاعة ملكه سبحانه: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤].
الثاني: رضاه عن المشفوع فيه بأن يكون من أهل التوحيد، لأن المشرك
стр. 285
لا تنفعه الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨].
فتبين بهذا بطلان ما عليه القبوريون اليوم، الذين يطلبون الشفاعة من الأموات، ويتقرَّبون إليهم بأنواع القربات، كما قال الله في سلفهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨]، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤].
وقد أعطي نبينا ﷺ الشفاعة، فيشفع لمن أذن الله له فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وله ﷺ ثلاث شفاعات:
أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقض بينهم بعد أن تتراجعَ الأنبياءُ آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه.
وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له.
وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصدِّيقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها».
وقال ﵀: «وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته، فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها، وعند هؤلاء ما ثم إلا
من يدخل الجنة فلا يدخل النار، ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة، ولا