وها هو الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين نراه يهدم هذا الأصل الذي ليس أصيلاً، والركن غير الركين، فقد سئل - رحمه الله تعالى - سؤالاً جاء فيه:
قال السائل: إن قال قائل، تقرُّون: أن إجماع الأمة حجة، وأنها لا تجتمع على ضلالة، وأنتم قد خالفتم جميع العلماء، من أهل الأمصار قاطبة، وادعيتم ما لم يدعه غيركم، وأنكرتم ما لم ينكر في جميع الأرض، وافتريتم أمرًا أنكرته جميع علماء الأمة، والإشارة هنا إلى التوحيد، وما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتكفير من أشرك بالله في ألوهيته عند المشاهد وغيرها، فما الجواب لذلك؟
فأجاب قدس الله روحه: أما دعوى هذا المبطل إجماع العلماء، على جواز دعاء أهل القبور والاستغاثة بهم، والتقرب إليهم بالنذور، والذبائح، فهذا كذب ظاهر، وشبهته: أن هذه الأمور ظاهرة في جميع الأمصار، ولم يسمعوا أن عالمًا أنكره، فيقال بل: أنكره كثير من علماء هذا الزمان، ووافق عليه خواص من علماء الحرمين واليمن، وسمعنا منهم مشافهة، ولكن الشوكة لغيرهم. وصنَّف فيه جماعة. كالنعمي من أهل اليمن، له مصنف في ذلك حسن، وكذلك الشوكاني، ومحمد بن إسماعيل، وغيرهم، ورأيت مصنفًا لعالم من أهل جبل سليمان في إنكار ذلك، وهذا مصداق قول النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»، وليس المراد الظهور بالسيف، بل الحجة دائمًا وبالسيف أحيانًا.
ولو قال هذا المجادل: إن أكثر الناس على ما يرى، لكان صادقًا، وهذا مصداق الحديث: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ».
وأيضًا: فالبناء على القبور وإسراجها وتجصيصها: ظاهر غالب في
стр. 282
الأمصار التي نعرف، مع أن النهي عن ذلك ثابت عن النبي ﷺ ، ومنصوص على النهي في جميع المذاهب، فهل يمكن هذا المبطل، أن يقول: إن الأمة مجمعة على جواز ذلك لكونه ظاهرًا في الأمصار؟ والله سبحانه إنما افترض علي الخلق طاعته، وطاعة رسوله، وأمرهم أن يردوا إلى كتابه وسنَّة رسوله، ما تنازعوا فيه، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز التقليد في التوحيد والرسالة.
فإذا عرف: أن الشرك عبادة غير الله، وعرف معنى العبادة، وعلم كل قول وعمل يحبه الله ويرضاه، ومن أعظم ذلك الدعاء، لأنه مخ العبادة، وعلم ما يفعل عند القبور، من دعاء أصحابها بسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والتقرب إليهم بالنذور والذبائح، عرف أن هذا هو الشرك الأكبر الذي هو عبادة غير الله تعالى، فإذا تحقق الإنسان ذلك، عرف الحق، ولم يبال بمخالفة أكثر الناس، ويعتقد أن الأمة لا تجتمع على ذلك، لأنه ضلالة.
فإن قال هذا المجادل: إن هذه الأفعال التي تفعل عند القبور، وعلي القبور جائزة شرعًا، فهو محادٌّ لله ولرسوله، وإن قال: هذه الأمور لا تجوز، لكنها ليست شركًا، مع دعواه أن علماء الزمان أجمعوا على ذلك، فيلزمه أن الأمة أجمعت على ضلالة، والإنسان إذا تبيَّن له الحق، لم يستوحش من قلة الموافقين وكثرة المخالفين، لا سيما في آخر هذا الزمان.
وقول الجاهل: لو كان هذا حقًا ما خفي على فلان وفلان، هذه دعوى الكفار، في قولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، ﴿أَهَؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقد قال علي ﵁: اعرف الحق تعرف أهله.
وأما الذي في حَيرة ولبس، فكل شبهة تروج عليه، فلو كان أكثر الناس اليوم على الحق، لم يكن الإسلام غريبًا، وهو والله اليوم في غاية الغربة» (١).
стр. 283
الفصل الرابع
الشفاعة، أنواعها، وشروطها وأسباب تحصيلها، وموانع الحرمان منها
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الشفاعة وشروطها.
المبحث الثاني: عدم فقه الفرق بين الشفاعة عند الخالق، ولدى المخلوق، ورَّث الشرك وأصله في نفوس أهله.
المبحث الثالث: الفرق بين الشفاعة المثبتة والمنفية في القرآن العظيم.
стр. 284
المبحث الأول
الشفاعة شروطها وأنواعها
إن الله له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهما، وكل ما دونه من الكائنات، مخلوق مربوب فقير مملوك لسيده سبحانه، وهو جلَّ في علاه الغني بذاته المقدسة عن كل ما سواه، وكل مخلوقاته في أشد ما يكونوا حاجة إليه، والله سبحانه ليس له شريك في ملكه، ولا معاون ولا ظهير، ولا يحتاج لأحد من خلقه حتى يشفع عنده بغير إذنه، وذلك لكماله المطلق، وملكه التام، اللذين لا نقص فيهما بوجه من الوجوه، ومن ثم كان لزامًا على كل عاقل لبيب أن يطلب الشفاعة بشروطها من مالكها، ويتضرَّع إليه وحده فيها، ويفوِّض أمره إليه، علَّه يفوز بحظ وافر منها، ويكتب من أهلها.
قال الشيخ صالح الفوزان يحفظه الله تعالى:
«الشفاعة لغة: الوسيلة والطلب. وعرفًا: سؤال الخير للغير. وقيل: هي من الشفع الذي هو ضد الوتر، فكأن الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له.
والشفاعة حق إذا تحققت شروطها، وهي أن تكون بإذن الله تعالى، ورضاه عن المشفوع له، قال الله تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾
[النجم: ٢٦].
ففي هذه الآية الكريمة أن الشفاعة لا تنفع إلاَّ بشرطين:
الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، لأن الشفاعة ملكه سبحانه: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤].
الثاني: رضاه عن المشفوع فيه بأن يكون من أهل التوحيد، لأن المشرك
стр. 285
لا تنفعه الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨].
فتبين بهذا بطلان ما عليه القبوريون اليوم، الذين يطلبون الشفاعة من الأموات، ويتقرَّبون إليهم بأنواع القربات، كما قال الله في سلفهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨]، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤].
وقد أعطي نبينا ﷺ الشفاعة، فيشفع لمن أذن الله له فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وله ﷺ ثلاث شفاعات:
أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقض بينهم بعد أن تتراجعَ الأنبياءُ آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه.
وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له.
وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصدِّيقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها».
وقال ﵀: «وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته، فمتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم، وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا غيرها، وعند هؤلاء ما ثم إلا
من يدخل الجنة فلا يدخل النار، ومن يدخل النار فلا يدخل الجنة، ولا
стр. 286
يجتمع عندهم في الشخص الواحد ثواب وعقاب ...». إلى أن قال: «واحتج هؤلاء المنكرون للشفاعة بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، وبقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، وبقوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨].
وجواب أهل السنة: أن هذا يراد به شيئان:
أحدهما: أنها لا تنفع المشركين، كما قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٨]، فهؤلاء لا تنفعهم شفاعة الشافعين لأنهم كانوا كفارًا.
والثاني: أنه يراد بذلك الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك، ومن شابههم، من أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه، كما يشفع الناس في بعضهم عند بعض» (١).
قال الشيخ سليمان بن عبد الله في أثناء شرحه على كتاب التوحيد:
قوله: فنفى أن يكون لغيره ملك، وذلك في قوله تعالى: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢]. ومن لا يملك هذا المقدار فليس بأهل أن يُدعى.
قوله: أو قسط منه، أي من الملك، والقسط - بكسر القاف - هو النصيب من الشيء، وذلك في قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢]، أي لمن تدعون من الملائكة وغيرها فيها، أي: في السماوات والأرض من
стр. 287
شرك، ومن ليس بمالك ولا شريك للمالك فكيف يدعى من دون الله؟
قوله: أو أن يكون عونًا لله، وفي ذلك قوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]، أي: ما لله ممن تدعونهم عون.
قوله: ولم يبق إلاَّ الشفاعة، فتبين أنها لا تنفع إلاَّ لمن أذن له الرب ... إلخ. جملة الشروط التي لا بد وأن يكون أحدها في المدعو، أربعة حتى يقدر على إجابة من دعاه:
الأول: الملك، فنفاه بقوله: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢].
الثاني: إذا لم يكن مالكًا فيكون شريكًا للمالك، فنفاه بقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢].
الثالث: إذا لم يكن مالكًا ولا شريكًا للمالك فيكون عونًا ووزيرًا، فنفاه بقوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢].
الرابع: إذا لم يكن مالكًا ولا شريكًا ولا عونًا فيكون شفيعًا، فنفى الشفاعة عنده إلاَّ بإذنه، فهو الذي يأذن للشافع ابتداء فيشفع. فبنفي هذه الأمور بطلت دعوة غير الله، إذ ليس عند غيره من النفع والضر ما يوجب قصده بشيء من العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤، ٧٥]» (١).
* * *
стр. 288
المبحث الثاني
عدم فقه الفرق بين الشفاعة عند الخالق ولدى المخلوق، ورَّث الشرك وأصله في نفوس أهله
الفرق بين الشفاعة عند الله سبحانه، والشفاعة المعهودة لدى بني البشر، كالفرق بين: الخالق، الرب، السيد، المالك، الغني، الذي لا حاجة له إلى أحد من خلقه ... والمخلوق، المربوب، العبد، المملوك، الفقير، المحتاج إلى غيره من كافة الوجوه.
ولما لم يفقه المشركون ذلك الفرق، ترسَّخ الشرك في قلوبهم، طلبًا لشفاعة أندادهم عند الله، قياسًا منهم على طلبهم لما لدى المخلوقين بعضهم من بعض أمثالهم.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمهما الله تعالى - مبينًا سر الشرك، وعلته، مع كيفية الردّ الباهر عليه:
«أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة: أهل التوحيد الذين جرَّدوا التوحيد وخلَّصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه: ١٠٩].
فأخبر أنه لا تحصل يومئذ شفاعة تنفع إلاَّ بعد رضا قول المشفوع له، وإذنه للشافع، فأما المشرك فإنه لا يرضاه ولا يرضى قوله، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه علَّقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع، فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة.
стр. 289
وسر ذلك أن الأمر كله لله وحده، فليس لأحد معه من الأمر شيء، وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده هم الرسل والملائكة المقرَّبون، وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئًا إلاَّ من بعد إذنه لهم، ولا سيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه، فإذا أشركهم به المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه، ظنًا منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه، وما يجب له ويمتنع عليه، فإن هذا محال ممتنع يشبه قياس الرب سبحانه على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج.
(علة عظيمة تبيِّن فساد قياس الخالق على المخلوق في مسألة الشفاعة)
وبهذا القياس الفاسد عُبدت الأصنام، واتَّخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي، والفرق بينهما: هو الفرق بين الخالق والمخلوق، والرب والمربوب، والسيد والعبد، والمالك والمملوك، والغني والفقير، والذي لا حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره.
فالشفعاء عند المخلوقين هم شركاؤهم، فإن قيام مصالحهم بهم، وهم أعوانهم وأنصارهم، الذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم، ولولاهم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم في الناس، فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قَبول شفاعتهم، وإن لم يأذنوا فيها، ولم يرضوا عن الشافع، لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم، فتنقص طاعتهم لهم، ويذهبون إلى غيرهم، فلا يجدون بدّا من قبول شفاعتهم على الكره والرضا.
فأما الذي غناه من لوازم ذاته، وكل ما سواه فقير إليه لذاته، وكل من في
стр. 290
السماوات والأرض عبيد له مقهورون لقهره، مصرَّفون بمشيئته، لو أهلكهم جميعًا لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرة ....
فمتَّخذ الشفيع لا تنفعه شفاعته ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ومعبوده ومحبوبه ومرجوه ومخوفه، الذي يتقرب إليه وحده، ويطلب رضاه، ويتباعد من سخطه، هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع له، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
فبين أن متَّخذي الشفعاء: مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم.
وسر الفرق بين الشفاعتين: أن شفاعة المخلوق للمخلوق، وسؤاله للمشفوع عنده لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده، لا خلقًا ولا أمرًا ولا إذنًا، بل هو سبب محرك له من خارج كسائر الأسباب، وهذا السبب المحرك قد يكون عند المحرك لأجله ما يوافقه، كمن يشفع عنده في أمر يحبه ويرضاه، وقد يكون عنده ما يخالفه كمن يشفع إليه في أمر يكرهه، ثم قد يكون سؤاله وشفاعته أقوى من المعارض، فيقبل شفاعة الشافع، وقد يكون المعارض الذي عنده أقوى من شفاعة الشافع فيردها، وقد يتعارض عنده الأمران فيبقى مترددًا بين ذلك المعارض الذي يوجب الرد، وبين الشفاعة التي تقتضي القبول فيتوقف إلى أن يترجح عنده أحد الأمرين بمرجح.
وهذا بخلاف الشفاعة عند الرب ، فإنه ما لم يخلق شفعة الشافع، ويأذن له فيها، ويحبها منه، ويرضى عن الشافع لم يمكن أن توجد، والشافع لا يشفع عنده بمجرد امتثال أمره وطاعته له، فهو مأمور بالشفاعة
стр. 291
مطيع بامتثال الأمر، فإن أحدًا من الأنبياء والملائكة وجميع المخلوقات لا يتحرك بشفاعة ولا غيرها إلاَّ بمشيئة الله وخلقه.
(العلم بالفرق بين الشفاعة عند الخالق ولدى المخلوق، يبيِّن حقيقة الفرق بين التوحيد والشرك).
فالرب تعالى هو الذي يحرك الشفيع حتى يشفع، والشفيع عند المخلوق هو الذي يحرك المشفوع إليه حتى يقبل، والشافع عند المخلوق مستغن عنه في أكثر أموره، وهو في الحقيقة شريكه ولو كان مملوكه، وعبده، فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله من النفع والضر والمعاونة وغير ذلك. كما أن الشافع محتاج إليه فيما يناله من رزق أو نصر أو غيره، فكل منهما محتاج إلى الآخر.
ومن وفَّقه الله لفهم هذا الموضوع، تبين له حقيقة التوحيد والشرك، والفرق بين ما أثبته الله من الشفاعة، وما نفاه وأبطله. ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور، ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله، وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم علم: أن بين السلف وبين هؤلاء الخلوف من البعد، أبعد مما بين المشرق والمغرب، وأنهم على شيء والسلف على شيء، كما قيل:
سارت مشرِّقة وسرت مغرِّبًا ... شتان بين مشرِّق ومعرِّب
والأمر والله أعظم مما ذكرناه. انتهى.
وبه كمل الجواب، والحمد لله الذي هدانا لدينه الذي رضيه لعباده، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وصلَّى الله على سيد المرسلين، وإمام المتقين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا» (١).
стр. 292
المبحث الثالث
الفرق بين الشفاعة المثبتة، والمنفية في القرآن العظيم
لقد أثبت القرآن الشفاعة في موضع، ونفاها في آخر، ليتجلَّى بذلك الإثبات والنفي: الفرق بين حقيقة التوحيد والشرك.
والشفاعة المثبتة هي شفاعة العبد، المملوك، المربوب، المأمور من قبل سيده أن يشفع فيمن حقَّقوا شروطها، واجتنبوا موانعها.
والشفاعة المنفية: هي شفاعة الشريك، والمعاون، والوزير .... لأن الله سبحانه واحد في صفاته، وأفعاله، وربوبيته، وألوهيته، لا سميَّ له، ولا ند، ولا نظير. ومن ثم كان أسعد الناس بالشفاعة: أهل التوحيد الخلص، الذين جرَّدوه من شوائب الشرك ومتعلَّقاته، وأما أهل الشرك والتنديد فليس لهم منها أدنى نصيب:
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى:
«الشفاعة نوعان: شفاعة منفية في القرآن، وهي الشفاعة للكافر والمشرك. قال تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقال: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٣٨]، وقال: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]، ونحو هذه الآيات كقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨].
يخبر تعالى على أن من اتخذ هؤلاء شفعاء عند الله، أنه لا يعلم أنهم يشفعون له بذلك وما لا يعلمه لا وجود له، فنفى وقوع هذه الشفاعة، وأخبر
стр. 293
أنها شرك بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾، إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣].
فأبطل شفاعة من اتخذ شفيعًا يزعم أنه يقرِّبه إلى الله وهو يبعده عنه وعن رحمته ومغفرته، لأنه جعل لله شريكًا يرغب إليه ويرجوه ويتوكل عليه ويحبه، كما يحب الله تعالى أو أعظم.
(النوع الثاني): الشفاعة التي أثبتها القرآن، وهي خالصة لأهل الإخلاص وقيَّدها تعالى بأمرين:
الأول: إذنه للشافع أن يشفع، كما قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وإذنه تعالى لا يصدر إلاَّ إذا رحم عبده الموحد المذنب، فإذا رحمه تعالى أذن للشافع أن يشفع له.
الأمر الثاني: رضاه عمَّن أذن للشافع أن يشفع فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
فالإذن بالشفاعة له بعد الرضا، كما في هذه الآية، وهو سبحانه لا يرضى إلاَّ التوحيد» (١).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد، وحفيده عبد الرحمن بن حسن ﵏ جميعًا في شرحه عليه أثناء الحديث عن الشفاعة:
قال: وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآيات: وقد قطع الله
стр. 294
الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها، فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع، والنفع لا يكون إلاَّ ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريد عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده.
فنفى الله سبحانه المراتب الأربع نفيًا مرتبًا، منتقلاً من الأعلى إلى الأدنى، فنفى: الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه.
فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا لأصل الشرك ومواده لمن عقلها.
والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمُّنه له، ويظنونها في نوع وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثًا، فهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن.
ولعمر الله، إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك ...
وهذا الذي ذكره الإمام في معنى الآية هو حقيقة دين الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥].
قوله: قال أبو العباس هذه كنية شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرَّاني إمام المسلمين ﵀.
(نفى الله عما سواه كل علائق المشركين)
قوله: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونًا لله. فلم يبق إلاَّ الشفاعة، فبين أنها لا
стр. 295
تنفع إلاَّ لمن أذن له الرب، كما قال تعالى عن الملائكة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون، هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ : «أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده»، لا يبدأ بالشفاعة أوَّلاً. ثم يقال له: «ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع». قال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلاَّ الله خالصًا من قلبه».
فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقتها: أن الله هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بيَّن النبي ﷺ أنها لا تكون إلاَّ لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى.
قوله: وقال أبو هريرة إلى آخره. هذا الحديث رواه البخاري والنسائي عن أبي هريرة ورواه أحمد وصححه ابن حبان وفيه: «وشفاعتي لمن قال لا إله إلاَّ الله مخلصًا، يصدق قلبه لسانه، ولسانه قلبه»، وشاهده في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجَّل كل بني دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا».
وقد ساق المصنف ﵀ كلام شيخ الإسلام هنا، فقام مقام الشرح والتفسير لما في هذا الباب من الآيات، وهو كاف واف بتحقيق مع الإيجاز. والله أعلم.
وقد عرف الإخلاص بتعريف حسن فقال: «الإخلاص محبة الله وحده
стр. 296
وإرادة وجهه». اهـ.
وقال ابن القيم ﵀ في معنى حديث أبي هريرة: تأمل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم، فقلب النبي ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع.
ومن جهل المشرك: اعتقاده أن من اتخذ وليّا أو شفيعًا أنه يشفع له وينفعه عند الله، كما يكون خواص الولاة والملوك تنفع من والاهم، ولم يعلموا أنه لا يشفع عنده أحد إلاَّ بإذنه في الشفاعة، ولا يأذن في الشفاعة إلاَّ لمن يرضى قوله وعمله، كما قاله في الفصل الأول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي الفصل الثاني: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وبقى فصل ثالث، وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلاَّ توحيده واتباع رسوله ﷺ ، فهذه ثلاثة فصول تقطع شجرة الشرك من قلب من عقلها ورعاها. اهـ.
وذكر أيضًا رحمه الله تعالى أن الشفاعة ستة أنواع:
الأول: الشفاعة الكبرى، التي يتأخر عنها أولو العزم عليهم الصلاة والسلام حتى تنتهي إليه ﷺ فيقول: «أنا لها»، وذلك حين يرغب الخلائق إلى الأنبياء ليشفعوا لهم إلى ربهم حتى يريحهم من مقامهم في الموقف، وهذه شفاعة يختص بها ولا يشركه فيها أحد.
الثاني: شفاعته لأهل الجنة في دخولها. وقد ذكرها أبو هريرة في حديثه الطويل المتفق عليه.
الثالث: شفاعته لقوم من العصاة من أمته قد استوجبوا النار بذنوبهم،
стр. 297
فيشفع لهم أن لا يدخلوها.
الرابع: شفاعته في العصاة من أهل التوحيد، الذين يدخلون النار بذنوبهم. والأحاديث بها متواترة عن النبي ﷺ . وقد أجمع عليها الصحابة وأهل السنة قاطبة، وبدَّعوا من أنكرها، وصاحوا به من كل جانب، ونادوا عليه بالضلال.
الخامس: شفاعته لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم ورفعة درجاتهم، وهذه مما لم ينازع فيها أحد.
وكلها مختصة بأهل الإخلاص الذين لم يتخذوا من دون الله وليّا ولا شفيعًا، كما قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١].
السادس: شفاعته في بعض أهله الكفار من أهل النار، حتى يخفَّف عذابه، وهذه خاصة بأبي طالب وحده» (١).
* * *
стр. 298
الفصل الخامس
المشرك مغبون في دينه لإخلاله بكل قيود الكلمة العاصمة إلا بمجرد التلفظ بها
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: يجب إخلاص جميع أنواع العبادة لله وحده، فمن صرف أيًا منها لغيره سبحانه يكون بذلك مشركًا وخارجًا عن ملَّة المسلمين.
المبحث الثاني: كل من عبد غير الله، فقد أخلَّ بكل شروط الكلمة العاصمة، إلاَّ مجرَّد التلفظ لها، ولو أتى بعد ذلك بقُراب الأرض طاعة، فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين.
стр. 299
المبحث الأول
يجب إخلاص جميع أنواع العبادة لله وحده فمن صرف أيًا منها لغيره يكون بذلك مشركًا وخارجًا عن ملة المسلمين
قال الشيخ سليمان بن عبد الله - بعد أن تكلَّم عن معنى الإسلام، والتوحيد -:
وقد تضمن ذلك جميع أنواع العبادة، فيجب إخلاصها لله تعالى، فمن أشرك بين الله تعالى وبين غيره في شيء فليس بمسلم.
فمنها: المحبة، فمن أشرك بين الله تعالى وبين غيره في المحبة التي لا تصلح إلاَّ لله، فهو مشرك. كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧].
ومنها: التوكل، فلا يتوكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، والتوكل على غير الله فيما يقدر عليه شرك أصغر.
ومنها: الخوف، فلا يخاف خوف السر إلاَّ من الله، ومعنى خوف السر، هو أن يخاف العبد من غير الله تعالى أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته وإن لم يباشره، فهذا شرك أكبر، لأنه اعتقاد للنفع والضر في غير الله.
قال الله تعالى: ﴿فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١]، وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧].
стр. 300
ومنها: الرجاء فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله كمن يدعو الأموات أو غيرهم راجيًا حصول مطلوبه في جهتهم فهذا شرك أكبر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨]، وقال علي ﵁: لا يرجونَّ عبد إلاَّ ربه.
ومنها: الصلاة والركوع والسجود، قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧].
ومنها: الدعاء فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله، سواء كان طلبًا للشفاعة أو غيرها من المطالب.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣، ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ * قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣، ٤٤].
ومنها: الذبح، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]، والنسك: الذبح.
ومنها: النذر، قال الله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧].
стр. 301
ومنها: الطواف، فلا يطاف إلاَّ ببيت الله، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
ومنها: التوبة فلا يتاب إلاَّ الله. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
ومنها: الاستعاذة فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١].
ومنها: الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩].
فمن أشرك بين الله تعالى وبين مخلوق فيما يختص بالخالق تعالى من هذه العبادات أو غيرها، فهو مشرك.
وإنما ذكرنا هذه العبادات خاصة، لأن عبَّاد القبور صرفوها للأموات من دون الله تعالى، أو أشركوا بين الله تعالى وبينهم فيها، وإلاَّ فكل نوع من أنواع العبادة، من صرفه لغير الله، أو أشرَك بين الله تعالى وبين غيره فيه، فهو مشرك. قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] (١).
وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهم الله تعالى، مبينًا حقيقة الاعتقاد الذي دان لله به هو وآباؤه ﵏ جميعًا:
فاعلموا - أن حقيقة ما نحن عليه، وما ندعو إليه، ونجاهد على التزامه، والعمل به - أنا ندعو إلى دين الإسلام، والتزام أركانه، وأحكامه،
الذي أصله وأساسه: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، والأمر بعبادة الله وحده
لا شريك له، وهذه العبادة مبنية على أصلين: كمال الحب لله، مع كمال
стр. 302
الخضوع والذل له.
والعبادة لها أنواع كثيرة، فمن أنواعها: الدعاء، هو من أجلِّ أنواع العبادة، وسماه الله عبادة، في عدة مواضع من كتابه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، ونظائر هذا في القرآن كثير، وفي الحديث: «الدعاء مخ العبادة».
فنقول: لا يدعى إلاَّ الله، ولا يستغاث في الشدائد، وجلب الفوائد إلاَّ به، ولا يذبح القربان إلاَّ له، ولا ينذر إلاَّ له، ولا يخاف خوف السر إلاَّ منه وحده، ولا يتوكل إلاَّ عليه، ولا يستعان ولا يستعاذ إلاَّ به، وليس لأحد من الخلق شيء من ذلك، لا الملائكة، ولا الأنبياء، ولا الأولياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم فلله حق لا يكون لغيره، وحقه تعالى: إفراده بجميع أنواع العبادة، فلا تأله القلوب محبة، وإجلالاً، وتعظيمًا، وخوفًا، ورجاء، إلاَّ الله، فهذه، هي: الحكمة الشرعية الدينية، والأمر المقصود في إيجاد البرية.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، ومعنى: يعبدون، يوحِّدون، والعبادة هي: التوحيد، لأن الخصومة بين الرسل وأممهم فيه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
فمن دعا غير الله، من ميت، أو غائب، أو استغاث به، فهو مشرك كافر، وإن لم يقصد إلاَّ مجرَّد التقرُّب إلى الله، وطلب الشفاعة عنده».
стр. 303
المبحث الثاني
كل من عبد غير الله، فقد أخل بكل شروط الكلمة العاصمة، إلا مجرد التلفظ بها، ولو أتى بعد ذلك بقراب الأرض طاعة، فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى:
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، فكل من اتخذ ندًا لله، يدعوه من دون الله، ويرغب إليه، ويرجوه لما يؤمله منه من قضاء حاجاته وتفريج كرُباته - كحال عبَّاد القبور والطواغيت والأصنام - فلا بد أن يعظموهم ويحبوهم لذلك، فإنهم أحبوهم مع الله وإن كانوا يحبون الله تعالى ويقولون: «لا إله إلاَّ الله»، ويصلون ويصومون، فقد أشركوا بالله في المحبة بمحبة غيره وعبادة غيره.
فاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله، يبطل كل قول يقولونه، وكل عمل يعملونه. لأن المشرك لا يقبل منه عمل، ولا يصح منه.
وهؤلاء وإن قالوا: «لا إله إلاَّ الله» فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة العظيمة: من العلم بمدلولها. لأن المشرك جاهل بمعناها، ومن جهله أيضًا بمعناها جعل لله شريكًا في المحبة وغيرها، وهذا هو الجهل المنافي للعلم بما دلت عليه من الإخلاص. ولم يكن صادقًا في قولها، لأنه لم ينف ما نفته من الشرك، ولم يُثبت ما أثبتته من الإخلاص. وترك اليقين أيضًا. لأنه لو عرف معناها، وما دلت عليه لأنكره أو شك فيه، ولم يقبله وهو الحق.
стр. 304
ولم يكفر بما يعبد من دون الله، كما في الحديث، بل آمن بما يعبد من دون الله باتخاذه الند ومحبته له وعبادته إياه من دون الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، لأنهم أخلصوا له الحب فلم يحبوا إلاَّ إياه، ويحبون من أحب، ويخلصون أعمالهم جميعًا لله، ويكفرون بما عبد من دون الله. فبهذا يتبين لمن وفَّقه الله تعالى لمعرفة الحق وقَبوله دلالة هذه الآيات العظيمة على معنى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وعلى التوحيد الذي هو معناها، الذي دعا إليه جميع المرسلين. فتدبَّر» (١).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
«ومجرد الإتيان بلفظ الشهادة، من غير علم بمعناها، ولا عمل بمقتضاها، لا يكون به المكلَّف مسلمًا، بل هو حجة على ابن آدم. خلافًا لمن زعم أن الإيمان مجرد الإقرار كالكرَّامية، أو مجرد التصديق كالجهمية. وقد أكذب الله المنافقين فيما أتوا به وزعموه من الشهادة وسجل على كذبهم، مع أنهم أتوا بألفاظ مؤكدة بأنواع من التأكيدات.
قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، فأكدوا بلفظ الشهادة و «إن» المؤكدة، واللام، والجملة الاسمية، فأكذبهم، وأكد تكذيبهم، بمثل ما أكَّدوا به شهادتهم سواء بسواء، وزاد التصريح باللقب الشنيع والعلم البشيع الفظيع.
وبهذا تعلم أن مسمَّى الإيمان لا بد فيه من الصدق والعمل، ومن شهد أن لا إله إلاَّ الله، وعبد غيره معه فلا شهادة له، وإن صلَّى وزكَّى وصام، وأتى بشيء من أعمال الإسلام. قال تعالى لمن آمن ببعض الكتاب وردَّ بعضًا:
стр. 305
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ...﴾ الآية [المؤمنون: ١١٧].
والكفر نوعان: مطلق ومقيد.
فالمطلق: أن يكفر بجميع ما جاء به الرسول.
والمقيد: أن يكفر ببعض ما جاء به الرسول، حتى إن بعض العلماء كفَّر من أنكر فرعًا مجمعًا عليه، كتوريث الجد والأخت وإن صلَّى وصام، فكيف بمن يدعو الصالحين ويصرف لهم خالص العبادة ولُبَّها؟
وهذا مذكور في المختصرات من كتب المذاهب الأربعة، بل كفَّروا ببعض الألفاظ التي تجرى على ألسن بعض الجهال وإن صلَّى وصام من جرت على لسانه.
قال ﵀: والصحابة كفَّروا من منع الزكاة وقاتلوهم مع إقرارهم بالشهادتين والإتيان بالصلاة والصوم والحج.
قال ﵀: واجتمعت الأمة على كفر بني عبيد الله القداح مع أنهم كانوا يتكلمون بالشهادتين، ويصلون، ويبنون المساجد في قاهرة مصر وغيرها.
وذكر أن ابن الجوزي صنَّف كتابًا في وجوب غزوهم وقتالهم سمَّاه (النصر على مصر) قال: وهذا يعرفه من له أدنى إلمام بشيء من العلم والدين.
فشبه عبَّاد القبور بأنهم يصلون ويصومون ويؤمنون بالبعث، مجرد تعمية على العوام، وتلبيس لينفق شركهم، ويقال: بإسلامهم وإيمانهم. ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون» (١).
стр. 306
وتحدَّث الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى عن حكم المشرك في الآخرة، أثناء شرحه لكتاب التوحيد فقال:
«قال المصنف رحمه الله تعالى: ولمسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» ....
قوله: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا» قال القرطبي: أي لم يتخذ معه شريكًا في الإلهية، ولا في الخلق، ولا في العبادة.
ومن المعلوم من الشرع المجمع عليه عند أهل السنة: أن من مات على ذلك فلا بد له من دخول الجنة، وإن جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحنة. وأن من مات على الشرك لا يدخل الجنة ولا يناله من الله رحمة، ويخلد في النار أبد الآباد، من غير انقطاع عذاب ولا تصرُّم آماد.
وقال النووي: أما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي اليهودي والنصراني، وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عنادًا وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحده وغير ذلك.
وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به. لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرًا عليها دخل الجنة أولاً، وإن كان صاحب كبيرة مات مصرا عليها فهو تحت المشيئة، فإن عفا الله عنه دخل الجنة أولاً، وإلاَّ عُذب في النار ثم أخرج من النار وأدخل الجنة» (١).
* * *
стр. 307
الفصل السادس
أشهر شبهات المشركين وعلمائهم مع سهام الردود عليها
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الرد على أشهر شبهات المشركين.
المبحث الثاني: الرد على أشهر شبهات علماء المشركين.
стр. 308
المبحث الأول
الرد على أشهر شبهات المشركين
* لقد خان المشركون أنفسهم عندما أوهموها بأن الآيات التي نزلت في ذكر الكفار والمشركين، كانت في قوم قد خلوا، ولم يعقبوا وارثًا، وزين لهم ذلك علماء السوء في قلوبهم، فتأصَّل الشرك بذلك في أفئدتهم، وظنوا بالله ظن السوء، وصاروا قومًا بورًا.
قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعًا نقلاً عن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك، وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه، وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء: ٥٦]، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣].
والقرآن مملوء من أمثال هذه الآية، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا، ولم يعقبوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين المرء وبين فهم القرآن، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية.
وهذا لأنه إذا لم يعرف الشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه، وأقره
стр. 309
وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، فتنتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفَّر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدَّع بتجريد متابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانًا، فالله المستعان» (١).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بعد أن أبان وقرَّر كفر طواغيت عصره:
«فإن جادل منافق، بكون الآية نزلت في الكفار، فقولوا له: هل قال أحد من أهل العلم أولهم وآخرهم: إن هذه الآيات لا تعم من عمل بها من المسلمين؟ من قال هذا قبلك؟
وأيضًا فقولوا له: هذا رد على إجماع المسلمين، فإن استدلالهم بالآيات النازلة في الكفار، على من عمل بها ممن انتسب إلى الإسلام، أكثر من أن تذكر» (٢).
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين:
«وأما من يقول: إن الآيات التي نزلت بحكم المشركين الأولين، فلا تتناول من فعل فعلهم، فهذا كفر عظيم، مع أن هذا قول لا يقوله إلاَّ ثور مرتكس في الجهل.
فهل يقول: إن الحدود المذكورة في القرآن والسنة لأناس كانوا وانقرضوا، فلا يحد الزاني اليوم، ولا تقطع يد السارق، ونحو ذلك، مع أن هذا قول يستحيا من ذكره. أفيقول هذا - أحد المجادلين عن المشركين -:
стр. 310
إن المخاطبين بالصلاة، والزكاة، وسائر شرائع الإسلام، انقرضوا وبطل حكم القرآن؟» (١).
* * *
* لقد استند المشركون إلى الجهال الذين ظهروا لهم بلباس العلماء والصلحاء، وقرَّروا لهم أن المقصود من التوحيد: مجرد التلفظ بالشهادتين، ولا يضر بعد ذلك فعل شيء، ثم حضروا حفلات شركهم ونوادي إفكهم فحسَّنوها لهم، ومن لم يحسنها لم ينكرها، فاطمئن عبَّاد القبور والمشركون إلى ذلك، وثلجت به صدورهم، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من براهين الموحدين، وحجج المتحنِّفين، فعلَت بذلك رايتهم، وارتفع إفكهم، وساد شركهم.
قال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر الإمام العلامة ﵀ في ردِّ هذا الإفك المبين:
وأما قوله - أي أحد المجادلين عن المشركين - ومنها: أن كثيرًا من العلماء الكبار فعلوا هذه الأمور، وفعلت بحضرتهم، ولم تنكر، ومن ذلك تتابعهم على بناء القباب على القبور، واتخاذها أعيادًا في الغالب، فلكل شيخ يوم معروف، في شهر معلوم، يؤتى إليه من النواحي، وقد يحضرهم بعض العلماء فلا ينكر.
فالجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن يقال: قد افترض الله على الخلق طاعة رسول الله ﷺ ، وأخبر أن من أطاعه فقد أطاع الله، فقال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
стр. 311
وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ...﴾ [النساء: ٥٩] الآية.
فإذا اختلف الناس في شيء من أمور الدين، هل هو واجب أو محرَّم أو جائز، وجب رد ما وقع فيه الاختلاف إلى الله والرسول، ويجب على المؤمن إذا دعي إلى ذلك أن يقول: سمعًا وطاعة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، فنحن نحاكم من نازعنا في هذه المسألة وغيرها من المسائل، إلى الله والرسول، لا إلى أقوال الرجال وآرائهم.
فنقول لمن أجاز بناء القباب على القبور بالجص والآجر، وأسرجها وفرشها بالرخام، وعلَّق عليها قناديل الفضة وبيض النعام، وكساها كما يكسى بيت الله الحرام: هل أمر رسول الله ﷺ بهذا وحثَّ عليه؟ أم نهى عنه وأمر بإزالة مع وضع من ذلك عليه؟. فما أمرنا به ائتمرنا، وما نهانا عنه انتهينا، وسنته هي الحاكمة بيننا وبين خصومنا في محل النزاع.
فنقول: قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : «أن لا أدع تمثالاً إلاَّ طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلاَّ سويته». وفي صحيحه أيضًا: عن ثمامة بن شفي الهماني، قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوِّي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ : «يأمر بتسويتها»، وفي صحيحه أيضًا، عن جابر بن عبد الله،
قال: «نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى
عليه». وفي سنن أبي داود، والترمذي، عن جابر ﵁: «أن رسول الله ﷺ -
стр. 312
نهى أن تجصص القبور، وأن يبنى عليها، ويكتب عليها»، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه الإمام أحمد، وأهل السنن.
فنهى رسول الله ﷺ عن البناء عليها، وأمر بهدمه بعدما يبنى، ونهى عن الكتابة عليها، ولعن من أسرجها، فنحن نأمر بما أمر به رسول الله ﷺ من تسويتها، وننهى عن البناء عليها، كما نهى عنه رسول الله ﷺ ، فهو الذي افترض الله علينا طاعته واتباعه ....
(منزلة الصحابة في الاتباع)
الوجه الثاني: أن يقال: إذا لم يقنع ولم يطمئن قلبك بما جاء عن رسول الله ﷺ ، وقلت: العلماء أعلم منا بالسنة، وأطوع لله ولرسوله ﷺ .
فنقول أعلم الناس بما أمر به رسول الله ﷺ وما نهى عنه أصحابه ﵃، فهم أعلم الناس بسنته، وأطوعهم لأمره، وهم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، ورضي عمَّن اتبعهم بإحسان.
وفي حديث العرباض بن سارية ﵁: عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسَّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة».
وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «خير القرون قرني الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: من كان منكم مستنًا فليستنَّ بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ ، أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه،
стр. 313
فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم.
وقال حذيفة بن اليمان ﵁: يا معشر القرَّاء، استقيموا وخذوا طريق من قبلكم، فوالله لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالاً، لقد ضللتم ضلالاً بعيدًا.
فإن احتج أحد علينا بما عليه المتأخرون، قلنا الحجة بما عليه الصحابة والتابعون الذين هم خير القرون، لا بما عليه الخلف، الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ ، هل نقل عنهم: أنهم عقدوا القباب على القبور، وأسرجوها وخلَّقوها وكسوها الحرير؟ أم هذا مما حدث بعدهم من المحدثات، التي هي بدع وضلالات.
ومعلوم: أن عندهم من قبور الصحابة، الذين ماتوا في حياة رسول الله ﷺ وبعد وفاته ما لا يحصى، هل بنوا على قبورهم وعظَّموها، ودعوا عندها، وتمسَّحوا بها فضلاً عن أن يسألوها حوائجهم؟ أو يسألوا الله بأصحابها؟
فمن كان عنده في هذا أثر صحيح أو حسن، فليرشدنا إليه وليدلنا عليه، وأنَّى له بذلك؟ فهذه سنة رسول الله ﷺ في القبور وسنة خلفائه الراشدين» (١).
* * *
* لقد توارثت طوائف المشركين على مختلف العصور والدهور: شبهة الاحتجاج بفعل الآباء للشرك، الذين هم محل الثقة لديهم، ولا يجتمعون - بزعمهم - إلاَّ على هدى ورشاد، ولذا فلزم الاتباع دون الابتداع.
وصدق الله إذ يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن
ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى
شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ *
أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ
стр. 314
الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٤].
قال الشيخ صالح الفوزان رحمه الله تعالى في معرض إيراده لبعض شبه المشركين والرد عليها:
إنه بسبب رواج الشبه والحكايات، التي ضل بها أكثر الناس، وعدوها أدلة يستندون إليها في تبرير ضلالتهم وشركهم، استمرؤوا ما هم عليه، فكان لا بد من كشف زيفها، وبيان بطلانها ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]. وهذه الشبهة منها: ما هو قديم أدلى به المشركون من الأمم السابقة، ومنها: ما أدلى به مشركو هذه الأمة.
ومن هذه الشبه:
أولاً: شبهة تكاد مشتركة بين طوائف المشركين في مختلف الأمم، وهي شبهة الاحتجاج بما كان عليها الآباء والأجداد، وأنهم ورثوا هذه العقيدة خلفًا عن سلف، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].
وهذه حجة يلجأ إليها من يعجز عن إقامة الدليل على دعواه، وهي حجة داحضة، لا يقام لها وزن في سوق المناظرة، فإن هؤلاء الآباء الذين قلَّدوهم ليسوا على هدى، ومن كان كذلك، لا تجوز متابعته والاقتداء به، قال تعالى ردَّا عليهم: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، وقال: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠].
وإنما يكون الاقتداء بالآباء محمودًا إذا كانوا على حق، كما قال تعالى عن يوسف ﵇، أنه قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا
стр. 315
كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١].
وشبهة الاحتجاج بما كان عليه الآباء الضالون متغلغلة في نفوس المشركين، يقابلون بها دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
فقوم نوح لما قال لهم نوح: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٣، ٢٤].
فجعلوا ما عليه آباؤهم حجة يعارضون بها ما جاءهم به نبيهم نوح ﵇.
وقوم صالح يقولون له: ﴿أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٦٢].
وقوم إبراهيم يقولون له: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤].
وفرعون يقول لموسى ﵇: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١].
ومشركو العرب يقولون لمحمد ﷺ لما قال لهم: «قولوا لا إله إلاَّ الله»، قالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاَقٌ﴾ [ص: ٧]» (١).
* * *
стр. 316
المبحث الثاني
الرد على أشهر شبهات علماء المشركين
لقد قطع، وقرَّر بعض علماء المشركين بأن دعاء الموتى، والاستغاثة بهم في الشدائد، من أنواع الشرك العملي الأصغر، الذي لا يكفر به صاحبه إلاَّ أن يستحلَّه، هذا من حيث الفعل والقول، وأما بالنظر إليه من حيث الاعتقاد، فهو كالطيرة التي هي من الشرك الأصغر بغير خلاف.
قال الإمام العلامة الشيخ حمد بن ناصر رحمه الله تعالى في التصدي لبيان هذا الافتراء العظيم:
فيقال لمن أنكر أن يكون دعاء الموتى، والاستغاثة بهم في الشدائد شركًا أكبر: أخبرنا عن هذا الشرك الذي عظمه الله، وأخبر أنه لا يغفره أتظن أن الله يحرمه هذا التحريم، ولا يبينه لنا؟ ومعلوم أن الله سبحانه نزل كتابه تبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين.
(الشرك وبيان حرمته من أعظم الأمور وضوحًا في كتاب الله تعالى)
وقد أخبر في كتابه: أنه أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينًا، فكيف يجوز أن يترك بيان الشرك الذي هو أعظم ذنب عصي الله به سبحانه؟! فإذا أصغى الإنسان إلى كتاب الله وتدبره، وجد فيه الهدى والشفاء ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]، ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٤٠].
وقال أيضًا: قد أمرنا الله سبحانه بدعائه وسؤاله، وأخبر أنه يجيب دعوة الداع إذا دعاه، وأمرنا أن ندعوه خوفًا وطمعًا، فإذا سمع الإنسان قوله تعالى:
стр. 317
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وأطاع الله ودعاه، وأنزل به حاجته، وسأله تضرعًا وخفية، فمعلوم أن هذا عبادة، فيقال: فإن دعا في تلك الحاجة نبيًا، أو ملكًا، أو عبدًا صالحًا، هل أشرك في هذه العبادة؟ فلا بد أن يقر بذلك إلاَّ أن يكابر ويعاند.
ويقال أيضًا: إذا قال الله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وأطعت الله، ونحرت له، هل هذا عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم، فيقال له: فإذا ذبحت لمخلوق نبي أو ملك أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم إلاَّ أن يكابر ويعاند، وكذلك السجود عبادة، فلو سجد لغير الله لكان شركًا.
ومعلوم: أن الله ، ذكر في كتابه النهي عن دعاء غيره، وتكاثرت نصوص القرآن على النهي عن ذلك، أعظم مما ورد في النهي عن السجود لغير الله.
فإذا كان من سجد لقبر نبي، أو ملك أو عبد صالح، لا يشك أحد في كفره، وكذلك لو ذبح له القربان، لم يشك أحد في كفره، لأنه أشرك في عبادة الله غيره، فيقال: السجود عبادة، وذبح القربان عبادة، والدعاء عبادة، فما الفارق بين السجود والذبح، وبين الدعاء إذ الكل عبادة، والدعاء عبادة؟ وما الدليل على أن السجود لغير الله والذبح لغير الله شرك أكبر، وما الدعاء بما لا يقدر عليه إلاَّ الله شرك أصغر؟
ويقال أيضًا: قد ذكر أهل العلم من أهل كل مذهب، باب حكم المرتد، وذكروا فيه أنواعًا كثيرة، كل نوع منها يكفر به الرجل، ويحل دمه وماله، ولم يرد في واحد منها ما ورد في الدعاء، بل لا نعلم نوعًا من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله، بالنهي عنه والتحذير من فعله، والوعيد عليه ....
стр. 318
(الأدلة على كفر من دعا غير الله)
وأما كلام العلماء: فنشير إلي قليل من كثير، ونذكر كلام من حكى الإجماع على ذلك، قال في الإقناع وشرحه: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم، كفر إجماعًا، لأن هذا كفعل عابدي الأصنام، قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين ﵀: وقد سئل عن رجلين تناظراـ فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله، فإنا لا نقدر أن نصل إليه إلاَّ بذلك.
(يجوز إثبات الواسطة بين الخالق والمخلوق باعتبار ولا يجوز باعتبار آخر)
فأجاب بقوله: إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله، فهذا حق.
فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه إلاَّ بالرسل، الذين أرسلهم الله إلى عباده، وهذا مما أجمع عليه أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أوامره ونواهيه، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل.
وإن أراد بالواسطة: أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله، في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد، ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك، ويرجعون إليه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار، لكون الشفاعة لم يأذن الله له فيها ....
قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠]، فبين الله أن اتخاذ
стр. 319
الملائكة والنبيين أربابًا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط، يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين ....
فمن أثبت الوسائط: بين الله وبين خلقه، كالحجَّاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، وأن الله تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، بمعنى: أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك، يسألون الملوك حوائج الناس بقربهم منهم، والناس يسألون أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطلب.
فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلاَّ قتل، وهؤلاء مشبِّهون شبَّهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادًا، وفي القرآن من الرد على هؤلاء، ما لا تتسع له هذه الفتوى ....
وأما قوله الثاني: إن نظر فيه من حيثية القول، فهو كالحلف بغير الله، وقد ورد أنه شرك وكفر، ثم أوَّلوه بالأصغر، وإن نظر فيه من حيثية الاعتقاد، فهو كالطيرة وهي من الأصغر.
(الفرق بين دعاء غير الله، والحلف بغيره سبحانه)
فنقول: هذا كلام باطل، وليس يخفى ما بينهما من الفرق، فأي مشابهة بين من وحَّد الله وعبده، ولم يشرك معه أحدًا من خلقه، وأنزل حاجاته كلها بالله، واستغاث به في تفريج كرباته، وإغاثة لهفاته، لكنه حلف بغير الله يمينًا مجردة لم يقصد بها تعظيمه على ربه، ولم يسأله ولم يستغث به، وبين من
стр. 320
استغاث بغير الله، وسأله جلب الفوائد وكشف الشدائد؟!
فإن هذا صرف مخ العبادة، الذي هو لبها وخالصها لغير الله، وأشرك مع الله غيره في أجلِّ العبادات وأفضل القربات التي أمرنا الله بها في غير موضع من كتابه، وأخبر النبي ﷺ أنه هو العبادة، كما تقدم في حديث النعمان بن بشير «أن الدعاء هو العبادة»، وفي حديث أنس «الدعاء مخ العبادة»، وأخبر النبي ﷺ : أن الله يحب الملحِّين فيه، وأن من لم يسأل الله يغضب عليه.
ففي الترمذي عن ابن مسعود عن النبي ﷺ : «سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يُسأل». وفيه أيضًا: «إن الله يحب الملحِّين في الدعاء». وفيه أيضًا: «من لم يسأل الله يغضب عليه». وفي الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء».
وأما الحلف: فلم يأمرنا الله به، بل أمرنا بحفظه، فقال: ﴿وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، قيل المعنى: لا تحلفوا، وقيل: لا تحنثوا، ولا يرد على هذا ما روي عن النبي ﷺ أنه حلف في مواضع، فاليمين تستحب إذا كان فيها مصلحة راجحة، وعلى هذا حمل العلماء ما روي في ذلك عن النبي ﷺ ، فهو يحلف لمصالح مطلوبة للأمة، كزيادة إيمانهم، وطمأنينة قلوبهم، كما أمره الله بذلك في ثلاثة مواضع من كتابه، وأما الحلف لغير مصلحة فليس مشروعًا، بل يباح إذا كان صادقًا.
وأما الدعاء: فهو محبوب مشروع لله، بل سمَّاه الله في كتابه: الدين، وأمر بإخلاصه له، وسمَّاه رسوله ﷺ العبادة، ومخ العبادة، فكيف يقال: هو الحلف (١)؟