المبحث الثاني
الرد على أشهر شبهات علماء المشركين
لقد قطع، وقرَّر بعض علماء المشركين بأن دعاء الموتى، والاستغاثة بهم في الشدائد، من أنواع الشرك العملي الأصغر، الذي لا يكفر به صاحبه إلاَّ أن يستحلَّه، هذا من حيث الفعل والقول، وأما بالنظر إليه من حيث الاعتقاد، فهو كالطيرة التي هي من الشرك الأصغر بغير خلاف.
قال الإمام العلامة الشيخ حمد بن ناصر رحمه الله تعالى في التصدي لبيان هذا الافتراء العظيم:
فيقال لمن أنكر أن يكون دعاء الموتى، والاستغاثة بهم في الشدائد شركًا أكبر: أخبرنا عن هذا الشرك الذي عظمه الله، وأخبر أنه لا يغفره أتظن أن الله يحرمه هذا التحريم، ولا يبينه لنا؟ ومعلوم أن الله سبحانه نزل كتابه تبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين.
(الشرك وبيان حرمته من أعظم الأمور وضوحًا في كتاب الله تعالى)
وقد أخبر في كتابه: أنه أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينًا، فكيف يجوز أن يترك بيان الشرك الذي هو أعظم ذنب عصي الله به سبحانه؟! فإذا أصغى الإنسان إلى كتاب الله وتدبره، وجد فيه الهدى والشفاء ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣]، ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٤٠].
وقال أيضًا: قد أمرنا الله سبحانه بدعائه وسؤاله، وأخبر أنه يجيب دعوة الداع إذا دعاه، وأمرنا أن ندعوه خوفًا وطمعًا، فإذا سمع الإنسان قوله تعالى:
стр. 317
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وأطاع الله ودعاه، وأنزل به حاجته، وسأله تضرعًا وخفية، فمعلوم أن هذا عبادة، فيقال: فإن دعا في تلك الحاجة نبيًا، أو ملكًا، أو عبدًا صالحًا، هل أشرك في هذه العبادة؟ فلا بد أن يقر بذلك إلاَّ أن يكابر ويعاند.
ويقال أيضًا: إذا قال الله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وأطعت الله، ونحرت له، هل هذا عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم، فيقال له: فإذا ذبحت لمخلوق نبي أو ملك أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم إلاَّ أن يكابر ويعاند، وكذلك السجود عبادة، فلو سجد لغير الله لكان شركًا.
ومعلوم: أن الله ، ذكر في كتابه النهي عن دعاء غيره، وتكاثرت نصوص القرآن على النهي عن ذلك، أعظم مما ورد في النهي عن السجود لغير الله.
فإذا كان من سجد لقبر نبي، أو ملك أو عبد صالح، لا يشك أحد في كفره، وكذلك لو ذبح له القربان، لم يشك أحد في كفره، لأنه أشرك في عبادة الله غيره، فيقال: السجود عبادة، وذبح القربان عبادة، والدعاء عبادة، فما الفارق بين السجود والذبح، وبين الدعاء إذ الكل عبادة، والدعاء عبادة؟ وما الدليل على أن السجود لغير الله والذبح لغير الله شرك أكبر، وما الدعاء بما لا يقدر عليه إلاَّ الله شرك أصغر؟
ويقال أيضًا: قد ذكر أهل العلم من أهل كل مذهب، باب حكم المرتد، وذكروا فيه أنواعًا كثيرة، كل نوع منها يكفر به الرجل، ويحل دمه وماله، ولم يرد في واحد منها ما ورد في الدعاء، بل لا نعلم نوعًا من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله، بالنهي عنه والتحذير من فعله، والوعيد عليه ....
стр. 318
(الأدلة على كفر من دعا غير الله)
وأما كلام العلماء: فنشير إلي قليل من كثير، ونذكر كلام من حكى الإجماع على ذلك، قال في الإقناع وشرحه: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم، كفر إجماعًا، لأن هذا كفعل عابدي الأصنام، قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين ﵀: وقد سئل عن رجلين تناظراـ فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله، فإنا لا نقدر أن نصل إليه إلاَّ بذلك.
(يجوز إثبات الواسطة بين الخالق والمخلوق باعتبار ولا يجوز باعتبار آخر)
فأجاب بقوله: إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله، فهذا حق.
فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه إلاَّ بالرسل، الذين أرسلهم الله إلى عباده، وهذا مما أجمع عليه أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أوامره ونواهيه، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل.
وإن أراد بالواسطة: أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله، في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد، ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك، ويرجعون إليه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار، لكون الشفاعة لم يأذن الله له فيها ....
قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠]، فبين الله أن اتخاذ
стр. 319
الملائكة والنبيين أربابًا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط، يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين ....
فمن أثبت الوسائط: بين الله وبين خلقه، كالحجَّاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، وأن الله تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، بمعنى: أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك، يسألون الملوك حوائج الناس بقربهم منهم، والناس يسألون أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطلب.
فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلاَّ قتل، وهؤلاء مشبِّهون شبَّهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادًا، وفي القرآن من الرد على هؤلاء، ما لا تتسع له هذه الفتوى ....
وأما قوله الثاني: إن نظر فيه من حيثية القول، فهو كالحلف بغير الله، وقد ورد أنه شرك وكفر، ثم أوَّلوه بالأصغر، وإن نظر فيه من حيثية الاعتقاد، فهو كالطيرة وهي من الأصغر.
(الفرق بين دعاء غير الله، والحلف بغيره سبحانه)
فنقول: هذا كلام باطل، وليس يخفى ما بينهما من الفرق، فأي مشابهة بين من وحَّد الله وعبده، ولم يشرك معه أحدًا من خلقه، وأنزل حاجاته كلها بالله، واستغاث به في تفريج كرباته، وإغاثة لهفاته، لكنه حلف بغير الله يمينًا مجردة لم يقصد بها تعظيمه على ربه، ولم يسأله ولم يستغث به، وبين من
стр. 320
استغاث بغير الله، وسأله جلب الفوائد وكشف الشدائد؟!
فإن هذا صرف مخ العبادة، الذي هو لبها وخالصها لغير الله، وأشرك مع الله غيره في أجلِّ العبادات وأفضل القربات التي أمرنا الله بها في غير موضع من كتابه، وأخبر النبي ﷺ أنه هو العبادة، كما تقدم في حديث النعمان بن بشير «أن الدعاء هو العبادة»، وفي حديث أنس «الدعاء مخ العبادة»، وأخبر النبي ﷺ : أن الله يحب الملحِّين فيه، وأن من لم يسأل الله يغضب عليه.
ففي الترمذي عن ابن مسعود عن النبي ﷺ : «سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يُسأل». وفيه أيضًا: «إن الله يحب الملحِّين في الدعاء». وفيه أيضًا: «من لم يسأل الله يغضب عليه». وفي الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء».
وأما الحلف: فلم يأمرنا الله به، بل أمرنا بحفظه، فقال: ﴿وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، قيل المعنى: لا تحلفوا، وقيل: لا تحنثوا، ولا يرد على هذا ما روي عن النبي ﷺ أنه حلف في مواضع، فاليمين تستحب إذا كان فيها مصلحة راجحة، وعلى هذا حمل العلماء ما روي في ذلك عن النبي ﷺ ، فهو يحلف لمصالح مطلوبة للأمة، كزيادة إيمانهم، وطمأنينة قلوبهم، كما أمره الله بذلك في ثلاثة مواضع من كتابه، وأما الحلف لغير مصلحة فليس مشروعًا، بل يباح إذا كان صادقًا.
وأما الدعاء: فهو محبوب مشروع لله، بل سمَّاه الله في كتابه: الدين، وأمر بإخلاصه له، وسمَّاه رسوله ﷺ العبادة، ومخ العبادة، فكيف يقال: هو الحلف (١)؟
стр. 321
فمن صرف الدعاء لغير الله، فقد أشرك في الدين الذي أمر الله بإخلاصه، وفي العبادة التي أمر الله بها.
وأيضًا: فإن الداعي راغب راهب، فالعبد يدعو ربه رغبًا ورهبًا، ويتوكل عليه في حصول مطلوبه، ودفع مرهوبه، فإذا طلب فوائده، وكشف شدائده من غير الله، فقد أشرك مع الله في الرغبة والرهبة، والرجاء والتوكل، فإن هذا من لوازم الدعاء، وهو من العبادة التي أمر الله بها، كقوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨]، وقوله تعالى: ﴿فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١]، وقال: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] ....
(الشرك أسبق تحريمًا من الحلف بغير الله)
ويقال أيضًا: من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، أن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ يدعو إلى التوحيد، وينهى عن الإشراك، فكان أول آية أرسله الله بها ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥].
فأنذر عن الشرك، وهجر الأوثان، وكبَّر الله، وعظمه بالتوحيد.
فاستجاب له من استجاب من المسلمين، وصبروا على الأذى من قومهم، وقاسوا الشدائد العظيمة، فهاجروا وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في الله، وتميز الكافر من المسلم. ومات من المسلمين من استوجب الجنة، ومات من الكفار من استوجب النار، هذا كله قبل النهي عن الحلف بغير الله.
فالاستغاثة بأهل القبور، واستنجادهم واستنصارهم، لم يبح في شرائع الرسل كلهم، بل بعث الله جميع رسله بالنهي عن ذلك، والأمر بعبادته وحده لا شريك له.
وأما الحلف: فكان الصحابة يحلفون بآبائهم، ويحلفون بالكعبة وغير
стр. 322
ذلك، ولم ينهوا عن ذلك إلاَّ بعد مدة طويلة، فقال لهم النبي ﷺ : «إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، وقال: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت».
ومن لا يميز بين دعاء الميت والحلف به، لا يعرف الشرك الذي بعث الله محمدًا ﷺ ، ينهى عنه، ويقاتل أهله.
وأي جامع بين الحلف والاستغاثة؟ فالمستغيث طالب سائل، والحالف لم يطلب ولم يسأل، فإن كان الجامع بينهما عند القائل باتحادهما: أن كلاً منهما قول باللسان.
فيقال له: والإنكار والدعوات، وقول الزور وقذف المحصنات، كل ذلك قول باللسان، ولو قال أحد: إنها ألفاظ متقاربة لعُدَّ من المجانين.
وإن أراد هذا القائل اتحادهما في المعنى، فهذا باطل كما تقدَّم بيانه، وأي مشابهة بين من جعل لله ندا من خلقه، يدعوه ويرجوه، ويستنصره ويستغيث به، وبين من لا يدعو إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأخلص له في عبادته؟
فالأول: أشرك مع الله في قوله وفعله واعتقاده، بخلاف الحالف، بل لو اعتقد الحالف تعظيم المخلوق على الخالق، لصار مشركًا شركًا أكبر كما تقدم ....
(الرد على من سوى بين دعاء غير الله، والطيرة في الحكم)
وأما قوله: وإن نظر فيه من جهة الاعتقاد، فهو كالطيرة، فهذا كلام باطل أيضًا، يظهر بطلانه مما تقدم، فيقال: وأين الجامع بين شرك من جعل بينه وبين الله واسطة يدعوه ويسأله قضاء حاجاته، وكشف كرباته، ويقول: هذا وسيلتي إلى الله، وباب حاجتي إليه، وبين من عبد الله وحده لا شريك له، ودعاه خوفًا وطمعًا، وأنزل به حاجاته كلها، وتبرَّأ من عبادة كل معبود سواه
стр. 323
ولكن وقع في قلبه شيء من الطيرة؟ فالأول: هو دين أبي جهل وأصحابه، وهو دين أعداء الرسل، من لدن نوح إلى يومنا هذا» (١).
* * *
* لقد قرر كثير من أساطين الشرك لأتباعهم ومريديهم، وأصَّلوا لهم: أن زبدة الرسالة تتمثل في مجرد التلفظ بكلمة التوحيد، ولا أدلّ على ذلك من أن النبي ﷺ لم يطالب قومه بتحقيق معناها، بل وعلى ذلك الدرب سار صحابته الكرام في فتوحاتهم لبلاد العجم، فقد قنعوا منهم بمجرَّد النطق دون العلم والعمل، هكذا زعموا!!!
ومن ثم فمن وقع في حقيقة الكفر، وصريح الشرك، ووالى أصحابه، وذبَّ عنهم ... فما زال مسلمًا معصوم الدم والمال، وذلك لعدم مساسه بحقوق الشهادتين، التي لا حق لها إلاَّ مجرَّد التلفظ بها!!!
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥].
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كشف هذه الشبهة الخبيثة:
«لكن: العجب العُجاب، استدلاله (٢): أن رسول الله ﷺ دعا الناس إلى قول: لا إله إلاَّ الله، ولم يطالبهم بمعناها، وكذلك أصحاب رسول الله ﷺ فتحوا بلاد الأعاجم، وقنعوا منهم بلفظها، إلى آخر كلامه، فهل يقول هذا الكلام من يتصور ما يقول؟!
فنقول، أولاً: هو الذي نقض كلامه، وكذبه، بقوله: دعاهم إلى ترك عبادة الأوثان، فإذا كان لم يقنع منهم إلاَّ بترك عبادة الأوثان، تبين أن النطق بها لا ينفع، إلاَّ بالعمل بمقتضاها، وهو: ترك الشرك، وهذا هو المطلوب،
стр. 324
ونحن إنما نهينا عن الأوثان، المجعولة على قبر الزبير وطلحة وغيرهما، في الشام وغيره.
فإن قلتم: ليس هذا من الأوثان، وإن دعاء أهل القبور، والاستغاثة بهم في الشدائد، ليست من الشرك، مع كون المشركين الذين في عهد رسول الله ﷺ ، يخلصون لله في الشدائد، ولا يدعون أوثانهم، فهذا: كفر، وبيننا وبينكم: كلام العلماء، من الأولين، والآخرين، الحنابلة وغيرهم.
وإن أقررتم: أن ذلك كفر، وشرك، وتبيَّن أن قول: لا إله إلاَّ الله، لا ينفع إلاَّ مع ترك الشرك، فهذا هو المطلوب، وهو الذي نقول، وهو الذي أكثرتم النكير فيه، وزعمتم أنه لا يخرج إلاَّ من خراسان، وهذا القول، كما في أمثال العامة: لا وجه سمح، ولا بنت رجال، لا أقول صواب، بل خطأ ظاهر، وسب لدين الله وهو أيضًا: متناقض، يكذب بعضه بعضًا، لا يصدر إلاَّ ممن هو أجهل الناس.
وأما دعواه: أن الصحابة لم يطلبوا من الأعاجم، إلاَّ مجرد هذه الكلمة، ولم يعرفوهم بمعناها، فهذا قول من لا يفرق بين دين المرسلين، ودين المنافقين، الذين هم في الدرك الأسفل من النار، فإن المؤمنين يقولونها، والمنافقين يقولونها، لكن المؤمنين يقولونها، مع معرفة قلوبهم بمعناها، وعمل جوارحهم بمقتضاها، والمنافقون يقولونها من غير فهم لمعناها، ولا عمل بمقتضاها، فمن أعظم المصائب، وأكبر الجهل من لا يعرف الفرق، بين الصحابة والمنافقين» (١).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - رحمهما الله تعالى -:
«ومجرد التلفظ من غير التزام لما دلت عليه كلمة الشهادة، لا يجدي
стр. 325
شيئًا، والمنافقون يقولونها، وهم في الدرك الأسفل من النار، نعم إذا قالها المشرك ولم يتبين منه ما يخالفها، فهو ممن يكف عنه بمجرد القول، ويحكم بإسلامه.
وأما إذا تبين منه وتكرر، عدم التزام ما دلت عليه، من الإيمان بالله وتوحيده، والكفر بما يعبد من دونه، فهذا لا يحكم له بالإسلام، ولا كرامة له، ونصوص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة يدل على هذا» (١).
* * *
* وقرَّر بعضهم أن الشرك إذا وقع مع الخطأ والتأويل فهو مغفور لصاحبه، ويجب على المسلمين أن ينظموه في سبيل الأخوَّة الإيمانية، لعدم إخلاله بحقوقها:
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى:
ثم إن الجاهل المرتاب، قال في أوراقه قولاً، قد تقدم الجواب عنه، ولا بد من ذكره، قال: فإذا قال المسلم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
يقصد من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوَّله، أو قال كفرًا، أو فعله، وهو لا يعلم أنه يضاد الشهادتين، فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان.
فأقول: انظر إلى هذا التهافت والتخليط، والتناقض، ولا ريب أن الكفر ينافي الإيمان، ويبطله، ويحبط الأعمال بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥].
стр. 326
ويقال: وكل كافر قد أخطأ، والمشركون لا بد لهم من تأويلات، ويعتقدون أن شركهم بالصالحين، تعظيم لهم، ينفعهم ويدفع عنهم، فلم يعذروا بذلك الخطأ، ولا بذلك التأويل، بل قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥].
فأين ذهب عقل هذا عن هذه الآيات، وأمثالها من الآيات المحكمات؟!، والعلماء رحمهم الله تعالى سلكوا منهج الاستقامة، وذكروا باب حكم المرتد، ولم يقل أحد منهم: أنه إذا قال كفرًا، أو فعل كفرًا، وهو لا يعلم أنه يضاد الشهادتين، أنه لا يكفر لجهله.
وقد بيَّن الله في كتابه: أن بعض المشركين جهال مقلِّدون فلم يدفع عنهم عقاب الله بجهلهم وتقليدهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، إلى قوله: ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤].
ثم ذكر الصنف الثاني: وهم المبتدعون، بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [الحج: ٨]، فسلبهم العلم والهدى، ومع ذلك فقد اغترَّ بهم الأكثرون، لما عندهم من الشبهات والخيالات، فضلُّوا وأضلوا، كما قال تعالى في آخر السورة: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن
стр. 327
دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١]، وتقرير هذا المقام، قد سلف في كلام العلامة ابن القيم، وكلام شيخ الإسلام» (١).
ولقد نص أعضاء لجنة الفتوى الدائمة على أن:
«المخطئ المعذور: من أخطأ في المسائل النظرية الاجتهادية، لا من أخطأ فيما ثبت بنص صريح، ولا فيما هو معلوم من الدين بالضرورة.
وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم.
اللجنة العلمية للبحوث العلمية والإفتاء
نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز» (٢)
* * *
* وعلَّل بعض علماء المشركين باستحالة وقوع الشرك - لا سيما بين أهل الجزيرة العربية - بقول النبي ﷺ : «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب».
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله تعالى في بيان هذا الاشتباه - في أثناء تصديه لبعض المجادلين عن المشركين -:
وأما قوله ﷺ : «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب» فقد يحتج بهذا الحديث من زعم أن هذه الأمور الشركية التي تفعل عند القبور، ومع الجن مثل سؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والاستعاذة بهم، والتقرب إليهم بالذبح لهم والنذر لهم، وغير ذلك من أنواع
стр. 328
العبادة، ليست عبادة لهم ولا شركًا.
فيقال أولاً: إن النبي ﷺ نسب الإياس إلى الشيطان، ولم يقل: إن الله آيسه، فالإياس الصائر من الشيطان لا يلزم تحقيقه واستمراره، ولكن عدو الله لما رأى ما ساءه من ظهور الإسلام في جزيرة العرب وعلوه، يئس من ترك المسلمين دينهم الذي أكرمهم الله به، ورجوعهم إلى الشرك الأكبر، وهذا كما أخبر الله سبحانه عن الكفار، في قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
قال المفسرون: لما رأى الكفار ظهور الإسلام في أرض العرب وتمكنه فيها، يئسوا من رجوع المسلمين عن الإسلام إلى الكفر، قال ابن عباس وغيره من المفسرين: يئسوا أن يراجعوا دينهم، قال ابن كثير: وعلى هذا يرد الحديث الثابت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم»، يعنى: أن إياس الشيطان مثل إياس الكفار، وأن الكل يئس من ارتداد المسلمين وتركهم دينهم، ولا يلزم من ذلك امتناع وجود الكفر في أرض العرب.
(الأدلة على وقوع الكفر في جزيرة العرب)
ولهذا قال ابن رجب على الحديث: يئس أن تجتمع الأمة على الشرك الأكبر، يوضح ذلك ما حصل من ارتداد أكثر أهل الجزيرة بعد موت النبي ﷺ ، وقتال الصديق والصحابة لهم على اختلاف تنوعهم في الردة، قال أبو هريرة: لما مات النبي ﷺ وكفر من كفر من العرب، وردة بني حنيفة مشهورة.
وقول النبي ﷺ : «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون»، معناه: أنه يئس أن يطيعه المصلون في الكفر بجميع أنواعه، لأن طاعته في ذلك هي
عبادته، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ
стр. 329
مُّبِينٌ﴾ [يس: ٦٠].
ومن استدل بالحديث على امتناع وجود كفر في جزيرة العرب، فهو ضال مضل، فماذا يقول هذا الضال في الذين قاتلهم الصديق ﵁ والصحابة من العرب، وسمُّوهم: مرتدين كفارًا؟! فلازم دعوى هذا الضال: أنه لم يكفر أحد من العرب بعد موته ﷺ ، وأن الصحابة أخطؤوا في قتالهم، والحكم عليهم بالردة.
وقد ثبت في الحديث الصحيح، عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تُعبد اللات والعزى» ومكانهما معلوم، وقال ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس عند ذي الخلصة» وهو صنم لدوس رهط أبي هريرة، بعث رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي وهدمه، وفي الحديث الصحيح من خبر الدجال: أنه لا يدخل المدينة، بل ينزل بالسبخة، فترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج منها كل كافر ومنافق، فأخبر أن في المدينة إذ ذاك كفارًا ومنافقين» (١).
* * *
* وأخيرًا لا آخرًا، نص جمهورهم على أن من نطق بالشهادتين، مريدًا بهما الإسلام. قد يجوز تكفيره بحال:
ورد على الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله تعالى - سؤال جاء فيه: ما حكم من يقول: إن من تكلم بالشهادتين لم يجز تكفيره؟
فأجاب ﵀ بقوله: «وأما قول، من يقول: إن من تكلَّم بالشهادتين ما يجوز تكفيره، وقائل هذا القول لا بد أن يتناقض، ولا يمكنه طرد قوله في
стр. 330
مثل: من أنكر البعث، أو شك فيه مع إتيانه بالشهادتين، أو أنكر نبوة أحد من الأنبياء الذين سماهم الله في كتابه، أو قال: الزنا حلال، أو نحو ذلك، فلا أظن يتوقف في كفر هؤلاء وأمثالهم، إلاَّ من يكابر ويعاند.
فإن كابر وعاند وقال: لا يضر شيء من ذلك، ولا يكفر به من أتى بالشهادتين وصلَّى وصام، لا يجوز تكفيره، وإن عبد غير الله فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر، لأن قائل هذا القول مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين كما قدمنا، ونصوص الكتاب والسنة في ذلك كثيرة، مع الإجماع القطعي، الذي لا يستريب فيه من له أدنى نظر في كلام العلماء، لكن التقليد والهوى يعمي ويصم ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾
[النور: ٤٠]» (١).
* * *
стр. 331
الفصل السابع
الأدلة الجلية من الشريعة الربانية على كفر من عبد غير الله تعالى
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: دلالة الكتاب والسنة والإجماع، بفهم الأئمة العلماء، على كفر من عبد غير الله، وإن صلَّى وصام، وزعم أنه مسلم حرام الدم والمال.
المبحث الثاني: فعل الإنسان في الظاهر دليل على عقيدته في الباطن، ومن ثمّ كانت الأقوال والأعمال والأفعال دلائل منضبطة على وجود الكفر والإيمان، وبها تتكيَّف الأحكام سلبًا وإيجابًا.
стр. 332
المبحث الأول
دلالة الكتاب، والسنة، والإجماع، بفهم الأئمة العلماء، على كفر من عبد غير الله، وإن صلَّى وصام، وزعم أنه مسلم حرام الدم والمال
قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهما الله تعالى:
«فاعلم أن العلماء أجمعوا: على أن من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله، فهو مشرك، ولو قال: لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله، وصلى، وصام، إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلاَّ الله، فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله فما أتى بهما حقيقة، وإن تلفظ بهما كاليهود الذين يقولون: لا إله إلاَّ الله وهم مشركون، ومجرد التلفظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعًا.
ذكر شيء من كلام العلماء في ذلك، وإن كنا غنيين بكتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ عن كل كلام، إلاَّ أنه قد صار بعض أناس منتسبًا إلى طائفة معينة، فلو أتيته بكل آية من كتاب الله وكل سنة عن رسول الله ﷺ لم يقبل حتى تأتيه بشيء من كلام العلماء، أو بشيء من كلام طائفته التي ينتسب إليها.
قال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي صاحب كتاب «الفنون» الذي ألَّفه في نحو أربعمائة مجلد، وغيره من التصانيف. قال في الكتاب المذكور: لما صعبت التكاليف على الجهَّال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا،
стр. 333
أو إلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللاَّت والعُزَّى. نقله غير واحد، مقررين له، راضين به، منهم الإمام أبو الفرج بن الجوزي، والإمام ابن مفلح صاحب كتاب «الفروع» وغيرهما.
وقال شيخ الإسلام في «الرسالة السنية»: فإذا كان على عهد النبي ﷺ من انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان أيضًا قد يمرق أيضًا من الإسلام وذلك بأسباب:
منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ﵇، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلاَّ قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده، ولا يُدعى معه إله آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل المسيح، والملائكة، والأصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم، أو يعبدون صورهم، يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ويقولون: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨]، فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة. انتهى.
وقد نص الحافظ أبو بكر أحمد بن علي المقريزي صاحب كتاب «الخطط» في كتاب له في التوحيد على أن دعاء غير الله شرك.
وقال شيخ الإسلام: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم
стр. 334
يدعوهم ويسألهم، كفر إجماعًا، نقله عنه غير واحد مقررين له، منهم: ابن مفلح في «الفروع»، وصاحب «الإنصاف»، وصاحب «الغاية»، وصاحب «الإقناع» وشارحه وغيرهم، ونقله صاحب «القواطع» في كتابه عن صاحب «الفروع». قلت: وهو إجماع صحيح معلوم بالضرورة من الدين، وقد نص العلماء من أهل المذاهب الأربعة، وغيرهم في باب حكم المرتد، على أن من أشرك بالله فهو كافر، أي: عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادات. وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن دعاء الله عبادة له، فيكون صرفه لغير الله شركًا» (١).
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين:
«قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: «فصل في بيان ما هو من المقالات كفر» إلى أن قال: والفصل البيِّن في هذا أن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية، أو الوحدانية، أو عبادة غير الله، أو مع الله فهي كفر، إلى أن قال: والذين أشركوا بعبادة الأوثان، أو أحد الملائكة، أو الشياطين، أو الشمس، أو النجوم، أو النار، أو أحد غير الله من مشركي العرب، أو أهل الهند، أو السودان، أو غيرهم، إلى أن قال: أو أن ثمّ للعالم صانعًا سوى الله أو مدبرًا فذلك كله كفر بإجماع المسلمين.
فانظر حكاية إجماع المسلمين على كفر من عبد غير الله من الملائكة وغيرهم، وهذا ظاهر ولله الحمد».
وقال أيضًا رحمه الله تعالى:
«قال رحمه الله تعالى: وأما ما سألت عنه من أنه هل يجوز تعيين إنسان بعينه بالكفر إذا ارتكب شيئًا من المكفرات؟
стр. 335
فالأمر الذي دل الكتاب والسنة وإجماع العلماء عليه أنه كفر، مثل الشرك بعبادة غير الله سبحانه، فمن ارتكب شيئًا من هذا النوع، أو حسنه فهذا لا شك في كفره، ولا بأس بمن تحققت منه شيئًا من ذلك أن تقول كفر فلان بهذا الفعل.
يبين هذا أن الفقهاء يذكرون في باب حكم المرتد أشياء كثيرة يصير بها المسلم مرتدًا كافرًا، ويستفتحون هذا الباب بقولهم: من أشرك بالله كفر وحكمه أن يستتاب فإن تاب وإلاَّ قتل، والاستتابة إنما تكون مع معين، ولما قال بعض أهل البدع عند الشافعي: أن القرآن مخلوق قال: كفرت بالله العظيم. وكلام العلماء في تكفير المعيَّن كثير.
وأعظم أنواع الكفر الشرك بعبادة غير الله، وهو كفر بإجماع المسلمين، ولا مانع من تكفير من اتصف بذلك، كما أن من زنى قيل فلان زان، ومن رابى قيل فلان مراب والله أعلم. (منقولة حرفًا بحرف، وصلَّى الله على محمد وصحبه وسلم)» (١).
وسئلت اللجنة الدائمة: «السؤال الأول من الفتوى رقم ٩٣٣٦»:
س: إذا كان إنسان إمام مسجد ويستغيث بالقبور ويقول: هذه قبور ناس أولياء، ونستغيث بهم من أجل الواسطة بيننا وبين الله، هل يجوز لي أن أصلي خلفه وأنا إنسان أدعو إلى التوحيد، وأرجو منكم توضحوا لي كثيرًا في هذا مواضيع النذر والاستغاثة والتوسل.
جـ: من ثبت لديك أنه يستغيث بأصحاب القبور، أو ينذر لهم، فلا يصح أن تصلي خلفه لأنه مشرك، والمشرك لا تصح إمامته، ولا صلاته، ولا يجوز للمسلم أن يصلي خلفه، لقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا
стр. 336
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقوله : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥، ٦٦].
وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز» (١)
* * *
стр. 337
المبحث الثاني
فعل الإنسان في الظاهر دليل على عقيدته في الباطن، ومن ثمّ كانت الأقوال والأعمال والأفعال دلائل منضبطة على وجود الكفر والإيمان، وبها تتكيف الأحكام سلبًا وإيجابًا
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله تعالى:
«فنحن نستدل بفعل الإنسان على عقيدته، فمتى رأينا شخصًا وقف عند قبر إنسان معظَّم في نفسه، وخضع برأسه، وتذلل، وأهطع، وأقنع، وخشع، وخفض صوته، وسكنت جوارحه، وأحضر قلبه ولبه أعظم مما يفعل في الصلاة بين يدي ربه ، وهتف باسم ذلك المقبور، وناداه نداء من وثق منه بالعطاء، وعلق عليه الرجاء ونحو ذلك، فإنا لا نشك أنه والحالة هذه يعتقد أن يعطيه سؤله، ويدفع عنه السوء، وأنه يستطيع التصرف في أمر الله.
ففعله هذا دليل سوء معتقده، فلا حاجة لنا أن نسأله: هل أنت تعتقد أنه يضر وينفع من غير إذن الله؟
فالله تعالى ما كلفنا أن ننقب عن قلوب الناس، وإنما نأخذهم بموجب أفعالهم وأقوالهم الظاهرة، وهذا الشخص قد خالف قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦].
وقد رأينا خشوعه وتذلله أمام هذا المخلوق الميت، وذلك هو عين العبادة كما عرفنا، فنحكم عليه بموجب فعله وقوله، بأنه قد أشرك بالله وتأله سواه.
فإن الإله: هو الذي تألهه القلوب وتعظمه، وتحبه وترجوه، وتخافه
стр. 338
وتعامله بما لا يصلح إلاَّ لله، ولو لم يسمه الفاعل إلهًا، ولو لم يسم فعله تألهًا وتعبدًا، فإن العبرة بالحقائق وما في نفس الأمر بخلاف الأسماء.
فأهل هذا الزمان: لما جهلوا حقيقة العبادة والتأله والدعاء ونحوه - الذي هو من حق الله - ولم يعرفوا معانيها وأصل وضعها صرفوها لغير الله، وسموا: ذلك توسُّلاً واستشفاعًا وتبرُّكًا واحترامًا، وهو عين عبادة ذلك المخلوق، وعين الشرك، الذي توعَّد الله عليه بالنار، وحرمان الجنة» (١).
* * *
стр. 339
الفصل الثامن
علة قتال المشركين، ووجوب البراءة منهم، وحكم الدار إذا غلبت عليها أحكام الشرك
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الآثار الوخيمة الناجمة عن الخروج على أصل الولاء والبراء.
المبحث الثاني: الإجماع على حرمة التحيز للمشركين، ومجامعتهم إلا لمن قدر على إظهار البراءة منهم ومن شركهم.
المبحث الثالث: تعريف دار الشرك، وواجب المسلمين نحوها.
المبحث الرابع: وجوب قتال المشركين حتى يكون الدين كله لله.
стр. 340
المبحث الأول
الآثار الوخيمة الناجمة عن الخروج على أصل الولاء والبراء
أرى - في هذا المقام - أنه من ضرورة البيان، وكمال البلاغ: معاودة التذكير بواجب موالاة المسلمين والبراءة من المشركين، وعقوبة الخروج عن هذا الأصل العظيم، مع بيان آثاره الوخيمة على الإسلام وأهله، حتى نستطيع أن نضع أيدينا على علة وصول الأمة إلى الحالة المزرية من الخيبة والخسار، والانكسار بين يدي الأعداء، جراء التفريط في القيام بحقوق هذا الأصل الأصيل.
قال الشيخ صالح الفوزان يحفظه الله تعالى:
«وهذا وبعد انتهائنا من هذا البيان المختصر لأصول العقيدة الإسلامية نشير إلى أنه يجب على كل مسلم يدين بهذه العقيدة أن يوالي أهلها ويعادي أعداءها، فيحب أهل التوحيد والإخلاص ويواليهم، ويبغض أهل الإشراك ويعاديهم.
وذلك من ملة إبراهيم والذين معه، الذي أمرنا بالاقتداء بهم، حيث يقول : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
وهو من دين محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]، وهذه في تحريم موالاة أهل
стр. 341
الكتاب خصوصًا. وقال في تحريم موالاة الكفار عمومًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء﴾ [الممتحنة: ١].
بل لقد حرم الله على المؤمنين موالاة الكفار، ولو كانوا من أقرب الناس إليه نسبًا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وقد جهل كثير من الناس هذا الأصل العظيم، حتى لقد سمعت بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة في إذاعة عربية يقول عن النصارى: إنهم إخواننا! ويا لها من كلمة خطيرة!
وكما أن الله سبحانه حرم موالاة الكفار أعداء العقيدة الإسلامية، فقد أوجب سبحانه موالاة المؤمنين ومحبتهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥، ٥٦]، وقال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
فالمؤمنون إخوة في الدين والعقيدة، وإن تباعدت أنسابهم وأوطانهم وأزمانهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
فالمؤمنون من أول الخليقة إلى آخرها مهما تباعدت أوطانهم وامتدت أزمانهم إخوة متحابون، يقتدي آخرهم بأولهم، ويدعو بعضهم لبعض،
стр. 342
ويستغفر بعضهم لبعض. وللولاء والبراء مظاهر تدل عليهما.
فمن مظاهر موالاة الكفار:
١ - التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما؛ لأن التشبه بهم في الملبس والكلام وغيرهما يدل على محبة المتشبِّه للمتشبَّه به، ولهذا قال النبي ﷺ : «من تشبه بقوم، فهو منهم»، فيحرم التشبه بالكفار فيما هو من خصائصهم ومن عاداتهم وعبادتهم وسمتهم وأخلاقهم، كحلق اللحى، وإطالة الشوارب، والرطانة بلغتهم إلاَّ عند الحاجة، وفي هيئة اللباس والأكل والشرب وغير ذلك.
٢ - الإقامة في بلادهم، وعدم الانتقال منها إلى بلد المسلمين لأجل الفرار بالدين، لأن الهجرة بهذا المعنى ولهذا الغرض واجبة على المسلم. لأن إقامته في بلاد الكفر تدل على موالاة الكافرين، ومن هنا حرم الله إقامة المسلم بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة ....
٣ - ومن مظاهر موالاة الكفار السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس. والسفر إلى بلاد الكفار محرَّم إلا عند الضرورة، كالعلاج، والتجارة، والتعلم للتخصصات النافعة، التي لا يمكن الحصول عليها إلاَّ بالسفر إليهم، فيجوز بقدر الحاجة، وإذا انتهت الحاجة، وجب الرجوع إلى بلاد المسلمين، ويشترط كذلك لجواز هذا السفر أن يكون مُظْهِرًا لدينه، معتزًا بإسلامه، مبتعدًا عن مواطن الشر، حذرًا من دسائس الأعداء ومكائدهم، وكذلك يجوز السفر أو يجب إلى بلادهم إذا كان لأجل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام.
٤ - ومن مظاهر موالاة الكفار إعانتهم ومناصرتهم على المسلمين، ومدحهم والذب عنهم، وهذا من نواقض الإسلام وأسباب الردة، نعوذ بالله من ذلك.
стр. 343
٥ - ومن مظاهر موالاة الكفار: الاستعانة بهم، والثقة بهم، وتوليتهم المناصب التي فيها أسرار المسلمين، واتخاذهم بطانة ومستشارين ....
٦ - ومن مظاهر موالاة الكفار التأريخ بتأريخهم، خصوصًا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم، كالتاريخ الميلادي، والذي هو عبارة عن ذكرى مولد المسيح ﵇، والذي ابتدعوه من أنفسهم، وليس هو من دين المسيح ﵇، فاستعمال هذا التاريخ فيه مشاركة في إحياء شعارهم وعيدهم ....
٧ - ومن مظاهر موالاة الكفار مشاركتهم في أعيادهم، أو مساعدتهم في إقامتها، أو تهنئتهم بمناسبتها، أو حضور إقامتها، وقد فسر قوله : ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]، أي: من صفات عباد الرحمن: أنهم لا يحضرون أعياد الكفار.
٨ - ومن مظاهر موالاة الكفار: مدحهم، والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة، والإعجاب بأخلاقهم ومهارتهم، دون نظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد ....
٩ - ومن مظاهر موالاة الكفار التسمِّي بأسمائهم، بحيث يسمون أبنائهم وبناتهم بأسماء أجنبية، ويتركون أسماء آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم، والأسماء المعروفة في مجتمعهم، وقد قال النبي ﷺ : «خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن»، وبسبب تغير الأسماء، فقد وجد جيل يحمل أسماء غربية، مما يسب الانفصال بين هذا الجيل والأجيال السابقة، ويقطع التعارف بين الأسر التي كانت تعرف بأسمائها الخاصة.
١٠ - ومن مظاهر موالاة الكفار الاستغفار لهم والترحم عليهم، وقد حرم الله ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ
стр. 344
كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]. لأن هذا يتضمن حبهم وتصحيح ما هم عليه (١).
مظاهر موالاة المؤمنين قد بيَّنها الكتاب والسنة، ومنها:
١ - الهجرة إلى بلاد المسلمين، وهجر بلاد الكافرين، والهجرة هي: الانتقال من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين.
والهجرة بهذا المعنى ولأجل هذا الغرض واجبة وباقية إلى طلوع الشمس من مغربها عند قيام الساعة ....
٢ - مناصرة المسلمين ومعاونتهم بالنفس والمال واللسان فيما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢].
٣ - التألم لألمهمِ والسرور بسرورهم، قال النبي ﷺ : «مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»، وقال أيضًا ﵊: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا (وشبك بين أصابعه ﷺ ).
стр. 345
٤ - النصح لهم ومحبة الخير لهم وعدم غشهم وخديعتهم، قال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وقال: «المسلم أخو المسلم، لا يحقره، ولا يخذله، ولا يسلمه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله وعرضه»، وقال ﵊: «لا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تناجشوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا» (١).
* * *
стр. 346
المبحث الثاني
الإجماع على حرمة التحيز للمشركين، ومجامعتهم، إلاَّ لمن قدر على إظهار البراءة منهم ومن شركهم
قال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق - في الرد على سؤال ورد عليه -:
«وأما الانتقال من بلاد الإسلام، إلى بلاد القبوريين، والتحيز إلى جماعة المشركين، وعدم المبالاة في ذلك، فمن المصائب العظام، والدواهي الكبار، التي وقع فيها كثير من الناس وتساهلوا فيها، واستصغروها وخف شأنها عند كثير من الناس، الذين ضعفت بصائرهم في دين الإسلام، وقلَّ نصيبهم من معرفة ما بعث الله به نبينا محمد ﷺ وما كان عليه الصحابة، ومن تبعهم من الأئمة الأعلام.
وما زال الأمر بالناس، حتى صار النهي عن ذلك، والكلام في ذمِّه، وذم من فعله من المستنكر عند الأكثر، وصاروا لا يرون بذلك بأسًا، وينسبون من ينهى عنه وينكره على من فعله، إلى الغلو في الدين، والتشديد على المسلمين.
(الأدلة على وجوب البراءة من المشركين، وحرمة التحيز إليهم)
وفي القرآن الكريم، والسنة النبوية: ما يدل من في قلبه حياة على المنع من ذلك، وكلام العلماء مرشد إلى ذلك، فإنهم صرَّحوا بالنهي عن إقامة المسلم بين أظهر المشركين، من غير إظهار دينه، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ ...﴾ الآية [هود: ١١٣]، وقال: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [المائدة: ٨٠]، إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠].
стр. 347
قال ابن كثير في الكلام على هذه الآية، وهذه الآية: عامة في كل من أقام بين أظهر المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو مرتكب حرامًا بالإجماع، ونص هذه الآية، والآيات في هذا المعنى كثيرة، يعرفها من قرأ القرآن وتدبَّره.
وفي الأحاديث المأثورة، عن النبي ﷺ ما يدل على ما دل عليه القرآن، مثل قوله ﷺ : «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله»، وقوله ﷺ : «ولا تستضيئوا بنار المشركين»، وحديث بهز بن حكيم: «أن تفر من شاهق إلى شاهق بدينك»، قال ابن كثير معناه: لا تقاربوهم في المنازل، بحيث تكونوا معهم في بلادهم، بل تباعدوهم، وتهاجروا من بلادهم، ولهذا روى أبو داود فقال: «لا تراءى نارهما».
وفي قصة إسلام جرير، لما قال: يا رسول الله، بايعني واشترط، فقال: «أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتفارق المشركين»، وعن عبد الله بن عمرو، أنه قال: من بنى بأرض المشركين، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبَّه بهم حتى يموت، حشر معهم يوم القيامة.
وكلام العلماء في المنع من الإقامة عند المشركين، وتحريم مجامعتهم، ووجوب مباينتهم، كثير معروف، خصوصًا أئمة هذه الدعوة الإسلامية، كالشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأولاده، وأتباعهم من أهل العلم والدين، ففي كتبهم من ذلك ما يكفي ويشفي من ﴿كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
(حكم المقيم في دار تعلوها شعائر الشرك، وتهدم فيها شعائر الإسلام)
فمن ذلك ما قال الشيخ عبد اللطيف، في بعض رسائله: إن الإقامة ببلد يعلو فيها الشرك والكفر، ويظهر فيها دين الإفرنج والروافض، ونحوهم من المعطلة للربوبية والألوهية، وترفع فيها شعائرهم، ويهدم الإسلام والتوحيد،
стр. 348
ويعطل التسبيح والتكبير والتحميد، وتقلع قواعد الملة والإيمان، ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان، ويشتم السابقون من أهل بدر، وبيعة الرضوان.
فالإقامة بين ظهرانيهم - والحالة هذه - لا تصدر عن قلب باشره حقيقة الإسلام والإيمان والدين، وعرف ما يجب من حق الله في الإسلام على المسلمين، بل لا يصدر عن قلب رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، فإن الرضا بهذه الأصول الثلاثة، قطب رحى الدين، وعليه تدور حقائق العلم واليقين، وذلك يتضمن من محبة الله وإيثار مرضاته، والغيرة لدينه والانحياز إلى أوليائه، ما يوجب البراءة كل البراءة، والتباعد كل التباعد، عمن تلك نحلته وذلك دينه، بل نفس الإيمان المطلق في الكتاب والسنة، لا يجامع هذه المنكرات. انتهى كلامه ﵀.
(حكم المقيم في بلاد المشركين)
وأما السؤال عن حكم المقيم في بلدان المشركين، من المنتسبين إلى الإسلام، فهذا الجنس من الناس مشتركون في فعل ما نهى الله عنه ورسوله، إلاَّ من عذره القرآن في قوله: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٨]، ثم هم مختلفون في المراتب، متفاوتون في الدرجات، بحسب أحوالهم، وما يحصل منهم، من موالاة المشركين، والركون إليهم، فإن ذلك قد يكون كفرًا، وقد يكون دونه، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢]» (١).
* * *
стр. 349
المبحث الثالث
تعريف دار الشرك، وواجب المسلمين نحوها
إذا صار الشرك وتوابعه، فاشيًا في بلد، وبات التحاكم والدعوة فيها لغير الكتاب والسنة، أصبحت الدار دار كفر وشرك بإجماع العلماء المستند لقواعد التنزيل.
فالقرآن كله دالّ على ذلك، ومن ثمّ توجَّب على أهلها من المسلمين: البراءة والإنكار لمعتقد أهل الكفر والضلال، وإلاَّ فالفرار الفرار (١).
قال الشيخ حمد بن عتيق في جوابه لمن ناظره في حكم أهل مكة، وما يقال في البلد نفسه؟
فأجاب بقوله: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، جرت المذاكرة في كون مكة بلد كفر، أم بلد إسلام.
فنقول وبالله التوفيق: قد بعث الله محمدًا ﷺ بالتوحيد الذي هو دين جميع الرسل، وحقيقته: هو مضمون شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وهو أن يكون الله معبود الخلائق، فلا يتعبَّدون لغيره بنوع من أنواع العبادة، ومخ العبادة هو: الدعاء، ومنها: الخوف والرجاء والتوكل والإنابة والذبح والصلاة وأنواع العبادة كثيرة، وهذا الأصل العظيم هو شرط في صحة كل عمل.
والأصل الثاني: هو طاعة النبي ﷺ في أمره، وتحكيمه في دقيق الأمور
стр. 350
وجليلها، وتعظيم شرعه ودينه، والإذعان لأحكامه في أصول الدين وفروعه.
(فالأول): ينافي الشرك ولا يصح مع وجوده.
(والثاني): ينافي البدع ولا يستقيم مع حدوثها، فإذا تحقق وجود هذين الأصلين علمًا وعملاً ودعوة، وكان هذا دين أهل البلد، أي بلد كان بأن عملوا به، ودعوا إليه، وكانوا أولياء لمن دان به، ومعادين لمن خالفه فهم موحِّدون.
وأما إذا كان الشرك فاشيًا مثل: دعاء الكعبة والمقام والحطيم، ودعاء الأنبياء والصالحين، وإفشاء توابع الشرك مثل: الزنا والربا وأنواع الظلم ونبذ السنن وراء الظهر، وفشو البدع والضلالات، وصار التحاكم إلى الأئمة الظلمة ونواب المشركين، وصارت الدعوة إلى غير القرآن والسنة، وصار هذا معلومًا في أي بلد كان، فلا يشك من له أدنى علم أن هذه البلاد محكوم عليها بأنها: بلاد كفر وشرك، لا سيما إذا كانوا معادين أهل التوحيد، وساعين في إزالة دينهم وفي تخريب بلاد الإسلام.
وإذا أردت إقامة الدليل على ذلك وجدت القرآن كله، فيه، وقد أجمع عليه العلماء فهو معلوم بالضرورة عند كل عالم.
وأما قول القائل ما ذكرتم من الشرك إنما هو من الأفاقية (١)، لا من أهل البلد.
فيقال له أولاً: هذا إما مكابرة، وإما عدم علم بالواقع.
فمن المتقرر أن أهل الآفاق تبع لأهل تلك البلاد في دعاء الكعبة والمقام والحطيم، كما يسمعه كل سامع ويعرفه كل موحد.
ويقال ثانيًا: إذا تقرر وصار هذا معلومًا فذاك كاف في المسألة، ومن الذي فرق في ذلك، ويا لله العجب إذا كنتم تخفون توحيدكم في بلادكم، ولا تقدرون أن تصرِّحوا بدينكم، وتخافتون بصلاتكم لأنكم علمت عداوتهم
стр. 351
لهذا الدين، وبغضهم لمن دان به، فكيف يقع لعاقل إشكال، أرأيتم لو قال رجل منكم لمن يدعو الكعبة أو المقام أو الحطيم، ويدعو الرسول والصحابة: يا هذا لا تدع غير الله، أو أنت مشرك، هل تراهم يسامحونه أم يكيدونه؟ فليعلم المجادل أنه ليس على توحيد الله، فوالله ما عرف التوحيد ولا تحقق بدين الرسول ﷺ . أرأيت رجلاً عندهم قائلاً لهؤلاء: راجعوا دينكم أو اهدموا البناءات التي على القبور، ولا يحل لكم دعاء غير الله، هل ترى يكفيهم فيه فعل قريش بمحمد ﷺ لا والله لا والله.
وإذا كانت الدار: دار إسلام - لأي شيء - لِمَ تدعوهم إلى الإسلام وتأمرهم بهدم القباب واجتناب الشرك وتوابعه؟
فإن يكن قد غرَّكم أنهم يصلون أو يحجون أو يصومون ويتصدَّقون، فتأملوا: الأمر من أوله، وهو أن التوحيد قد تقرر في مكة بدعوة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉، ومكث أهل مكة عليه مدة من الزمان، ثم إنه فشا فيهم الشرك بسبب عمرو بن لحي، وصاروا مشركين، وصارت البلاد بلاد شرك، مع أنه قد بقي معهم أشياء من الدين، وكما كانوا يحجُّون ويتصدقون على الحاج وغير الحاج.
وقد بلغكم شعر عبد المطلب (١) الذي أخلص فيه في قصة الفيل، وغير
стр. 352
ذلك من البقايا ولم يمنع الزمان - أي: أن وقتهم وقت فترة والله أعلم - ذلك من تكفيرهم وعداوتهم، بل الظاهر عندنا وعند غيرنا أن شركهم اليوم أعظم من ذلك الزمان، بل قبل هذا كله أنه مكث أهل الأرض بعد آدم عشرة قرون على التوحيد، حتى حدث فيهم الغلو في الصالحين فدعوهم مع الله فكفروا، فبعث الله إليهم نوحًا ﵇ يدعو إلى التوحيد.
فتأمل ما قص الله عنهم، وكذا ما ذكر الله عن هود ﵇ أنه دعاهم إلى إخلاص العبادة لله لأنهم لم ينازعوه في أصل العبادة، وكذلك إبراهيم دعا قومه إلى إخلاص التوحيد وإلاَّ فقد أقروا لله بالإلهية.
وجماع الأمر أنه إذا ظهر في بلد دعاء غير الله، وتوابع بذلك، واستمر أهلها عليه، وقاتلوا عليه، وتقررت عندهم عداوة أهل التوحيد، وأبوا عن الانقياد للدين فكيف لا يحكم عليهما بأنها بلد كفر؟
ولو كانوا لا ينتسبون لأهل الكفر، وأنهم منهم بريئون مع مسبتهم لهم، وتخطئتهم لمن دان به، والحكم عليهم بأنهم خوارج أو كفار، فكيف إذا كانت هذه الأشياء كلها موجودة؟ فهذه مسألة عامة كلية.
وأما القضايا الجزئية فنقول: قد دل القرآن والسنَّة على أن المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشرك، والانقياد لهم، ارتد بذلك عن دينه.
فتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥، ٢٦]، مع قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وأمعن النظر في قوله تعالى ﴿فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]» (١).
стр. 353
المبحث الرابع
وجوب قتال المشركين حتى يكون الدين كله لله
يجب قتال المشركين، حتى ينخلعوا من الشرك، ويُخلصوا أعمالهم لله، ويلتزموا أحكامه، فإن أبوا ذلك، أو بعضه قوتلوا إجماعًا، وعلى ذلك جرد النبي ﷺ وأصحابه سيوف الجهاد لقتال المشركين، فالقتال دائر مع الشرك حيث دار، حتى يكون الدين كله لله، ويلنزم العباد دين الله القويم، ويسلكوا صراطه المستقيم.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقال: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
أمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك ويخلصوا أعمالهم لله تعالى، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن أبوا عن ذلك أو بعضه قوتُلوا إجماعًا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها وحسابهم على الله».
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها وحسابهم على الله»، وهذان الحديثان تفسير الآيتين: آية الأنفال، وآية براءة.
стр. 354
وقد أجمع العلماء على أن من قال: «لا إله إلاَّ الله»، ولم يعتقد معناها ولم يعمل بمقتضاها، أنه يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات.
قال أبو سليمان الخطابي ﵀ في قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله»: معلوم أن المراد بهذا أهل عبادة الأوثان، دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: «لا إله إلاَّ الله» ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف.
وقال القاضي عياض: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: «لا إله إلاَّ الله» تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب وأهل الأوثان، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفى في عصمته بقول: «لا إله إلاَّ الله» إذ كان يقولها في كفره. انتهى ملخصًا.
وقال النووي: لا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به الرسول ﷺ كما جاء في الرواية «ويؤمنوا بي وبما جئت به».
وقال شيخ الإسلام، لما سئل عن قتال التتار فقال: كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة من هؤلاء القوم أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين ببعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵁ مانعي الزكاة، وعلى هذا اتفق الفقهاء بعدهم.
قال: فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال أو الخمر أو الميسر أو، نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر
الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة
стр. 355
بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء. قال: وهؤلاء عند المحققين ليسوا بمنزلة البغاة، بل هم خارجون عن الإسلام. انتهى» (١).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
«اعلم وفَّقنا الله وإياك للإيمان بالله ورسوله: أن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾
[التوبة: ٥].
فتأمل هذا الكلام: أن الله أمر بقتلهم وحصرهم، والقعود لهم كل مرصد، إلى أن يتوبوا من الشرك، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وأيضًا فقد قال ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلاَّ بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى».
فهذا كلام رسوله ﷺ ، وقد أجمع العلماء عليه من كل مذهب، وخالف ذلك من هؤلاء الجهال، الذين يسمون العلماء، فقالوا: من قال لا إله إلاَّ الله، فهو المسلم حرام الدم والمال، وقد بيَّن النبي ﷺ الإسلام من حديث جبريل - لما سأله عن الإسلام - فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً» فهذا تفسير رسول الله ﷺ .
وهؤلاء يقولون: إن البدو إسلام، لأنهم يقولون: لا إله إلاَّ الله، فمن سمع كلامهم، وسمع كلام رسول الله ﷺ فلا بد له من أحد أمرين، إما أن يصدق الله ورسوله، ويتبرأ منهم ويكذبهم، وإما أن يصدقهم، ويكذب الله ورسوله، فنعوذ بالله من ذلك، والله أعلم ....