لهذا الدين، وبغضهم لمن دان به، فكيف يقع لعاقل إشكال، أرأيتم لو قال رجل منكم لمن يدعو الكعبة أو المقام أو الحطيم، ويدعو الرسول والصحابة: يا هذا لا تدع غير الله، أو أنت مشرك، هل تراهم يسامحونه أم يكيدونه؟ فليعلم المجادل أنه ليس على توحيد الله، فوالله ما عرف التوحيد ولا تحقق بدين الرسول ﷺ . أرأيت رجلاً عندهم قائلاً لهؤلاء: راجعوا دينكم أو اهدموا البناءات التي على القبور، ولا يحل لكم دعاء غير الله، هل ترى يكفيهم فيه فعل قريش بمحمد ﷺ لا والله لا والله.
وإذا كانت الدار: دار إسلام - لأي شيء - لِمَ تدعوهم إلى الإسلام وتأمرهم بهدم القباب واجتناب الشرك وتوابعه؟
فإن يكن قد غرَّكم أنهم يصلون أو يحجون أو يصومون ويتصدَّقون، فتأملوا: الأمر من أوله، وهو أن التوحيد قد تقرر في مكة بدعوة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉، ومكث أهل مكة عليه مدة من الزمان، ثم إنه فشا فيهم الشرك بسبب عمرو بن لحي، وصاروا مشركين، وصارت البلاد بلاد شرك، مع أنه قد بقي معهم أشياء من الدين، وكما كانوا يحجُّون ويتصدقون على الحاج وغير الحاج.
وقد بلغكم شعر عبد المطلب (١) الذي أخلص فيه في قصة الفيل، وغير
стр. 352
ذلك من البقايا ولم يمنع الزمان - أي: أن وقتهم وقت فترة والله أعلم - ذلك من تكفيرهم وعداوتهم، بل الظاهر عندنا وعند غيرنا أن شركهم اليوم أعظم من ذلك الزمان، بل قبل هذا كله أنه مكث أهل الأرض بعد آدم عشرة قرون على التوحيد، حتى حدث فيهم الغلو في الصالحين فدعوهم مع الله فكفروا، فبعث الله إليهم نوحًا ﵇ يدعو إلى التوحيد.
فتأمل ما قص الله عنهم، وكذا ما ذكر الله عن هود ﵇ أنه دعاهم إلى إخلاص العبادة لله لأنهم لم ينازعوه في أصل العبادة، وكذلك إبراهيم دعا قومه إلى إخلاص التوحيد وإلاَّ فقد أقروا لله بالإلهية.
وجماع الأمر أنه إذا ظهر في بلد دعاء غير الله، وتوابع بذلك، واستمر أهلها عليه، وقاتلوا عليه، وتقررت عندهم عداوة أهل التوحيد، وأبوا عن الانقياد للدين فكيف لا يحكم عليهما بأنها بلد كفر؟
ولو كانوا لا ينتسبون لأهل الكفر، وأنهم منهم بريئون مع مسبتهم لهم، وتخطئتهم لمن دان به، والحكم عليهم بأنهم خوارج أو كفار، فكيف إذا كانت هذه الأشياء كلها موجودة؟ فهذه مسألة عامة كلية.
وأما القضايا الجزئية فنقول: قد دل القرآن والسنَّة على أن المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشرك، والانقياد لهم، ارتد بذلك عن دينه.
فتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥، ٢٦]، مع قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وأمعن النظر في قوله تعالى ﴿فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]» (١).
стр. 353
المبحث الرابع
وجوب قتال المشركين حتى يكون الدين كله لله
يجب قتال المشركين، حتى ينخلعوا من الشرك، ويُخلصوا أعمالهم لله، ويلتزموا أحكامه، فإن أبوا ذلك، أو بعضه قوتلوا إجماعًا، وعلى ذلك جرد النبي ﷺ وأصحابه سيوف الجهاد لقتال المشركين، فالقتال دائر مع الشرك حيث دار، حتى يكون الدين كله لله، ويلنزم العباد دين الله القويم، ويسلكوا صراطه المستقيم.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقال: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
أمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك ويخلصوا أعمالهم لله تعالى، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن أبوا عن ذلك أو بعضه قوتُلوا إجماعًا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها وحسابهم على الله».
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها وحسابهم على الله»، وهذان الحديثان تفسير الآيتين: آية الأنفال، وآية براءة.
стр. 354
وقد أجمع العلماء على أن من قال: «لا إله إلاَّ الله»، ولم يعتقد معناها ولم يعمل بمقتضاها، أنه يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات.
قال أبو سليمان الخطابي ﵀ في قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله»: معلوم أن المراد بهذا أهل عبادة الأوثان، دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: «لا إله إلاَّ الله» ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف.
وقال القاضي عياض: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: «لا إله إلاَّ الله» تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب وأهل الأوثان، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد، فلا يكتفى في عصمته بقول: «لا إله إلاَّ الله» إذ كان يقولها في كفره. انتهى ملخصًا.
وقال النووي: لا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به الرسول ﷺ كما جاء في الرواية «ويؤمنوا بي وبما جئت به».
وقال شيخ الإسلام، لما سئل عن قتال التتار فقال: كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة من هؤلاء القوم أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين ببعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵁ مانعي الزكاة، وعلى هذا اتفق الفقهاء بعدهم.
قال: فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو الأموال أو الخمر أو الميسر أو، نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر
الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة
стр. 355
بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء. قال: وهؤلاء عند المحققين ليسوا بمنزلة البغاة، بل هم خارجون عن الإسلام. انتهى» (١).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
«اعلم وفَّقنا الله وإياك للإيمان بالله ورسوله: أن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾
[التوبة: ٥].
فتأمل هذا الكلام: أن الله أمر بقتلهم وحصرهم، والقعود لهم كل مرصد، إلى أن يتوبوا من الشرك، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وأيضًا فقد قال ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلاَّ بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى».
فهذا كلام رسوله ﷺ ، وقد أجمع العلماء عليه من كل مذهب، وخالف ذلك من هؤلاء الجهال، الذين يسمون العلماء، فقالوا: من قال لا إله إلاَّ الله، فهو المسلم حرام الدم والمال، وقد بيَّن النبي ﷺ الإسلام من حديث جبريل - لما سأله عن الإسلام - فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً» فهذا تفسير رسول الله ﷺ .
وهؤلاء يقولون: إن البدو إسلام، لأنهم يقولون: لا إله إلاَّ الله، فمن سمع كلامهم، وسمع كلام رسول الله ﷺ فلا بد له من أحد أمرين، إما أن يصدق الله ورسوله، ويتبرأ منهم ويكذبهم، وإما أن يصدقهم، ويكذب الله ورسوله، فنعوذ بالله من ذلك، والله أعلم ....
стр. 356
وقال أيضًا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
الذي أقروا أن التوحيد أكبر من كل كبير، واختلفوا هل نقاتل من لم يتركه، وإذا قال لا إله إلاَّ الله وانتسب إلى الملة، فحكم الكتاب بينهم بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾
[التوبة: ٥]» (١).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهما الله تعالى، مبينًا سبب قتال المشركين في أثناء شرحه على كتاب التوحيد:
قوله: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله»، اعلم أن النبي ﷺ في هذا الحديث علق عصمة والمال والدم بأمرين:
الأول: قول لا إله إلاَّ الله.
الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها.
قلت: وقد أجمع العلماء على معنى ذلك، فلا بد في العصمة من الإتيان بالتوحيد، والتزام أحكامه، وترك الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال: ٣٩]، والفتنة هنا: الشرك، فدل على أنه إذا وجد الشرك، فالقتال باق بحاله كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾ [الأنفال: ٣٩].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
فأمر بقتالهم على فعل التوحيد وترك الشرك، وإقامة شعائر الدين
стр. 357
الظاهر، فإذا فعلوها خلي سبيلهم، ومتى أبوا عن فعلها أو فعل شيء منها، فالقتال باق بحاله إجماعًا، ولو قالوا: لا إله إلاَّ الله.
وكذلك النبي ﷺ علَّق العصمة بما علَّقها الله به في كتابه كما في هذا الحديث. وفي «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة مرفوعًا: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها وحسابهم على الله».
وفي «الصحيحين» عنه قال: لما توفي رسول الله وكفر من كفر من العرب، فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن اقتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فمن قال: لا إله إلاَّ الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلاَّ بحقه وحسابه على الله»؟، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلاَّ أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. لفظ مسلم.
فانظر كيف فهم صدِّيق الأمة أن النبي ﷺ لم يرد مجرد اللفظ بهما من غير إلزام لمعناها وأحكامها، فكان ذلك هو الصواب، واتفق عليه الصحابة، ولم يختلف فيه منهم اثنان إلاَّ ما كان من عمر حتى رجع إلى الحق. وكان فهم الصديق هو الموافق لنصوص القرآن والسنة» (١).
* * *
стр. 358
ملخص مفيد لأهم مسائل وفوائد الباب الثاني
- الشرك الأكبر: تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية.
- الشرك الأكبر: جعل شريك لله تعالى فيما يستحقه، ويختص به من العبادة الباطنة والظاهرة.
- شرك التعطيل: هو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون، والشرك ومطلق التعطيل متلازمان.
- الشرك في الإرادات والنيات؛ فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلد من ينجو منه.
- الشرك الأكبر: قبحه مستقر في كل فطرة وعقل، ومن المحال أن تأتي به أي شريعة من الشرائع.
- الشرك الأكبر: سوء ظن بالله، وهو أعظم الذنوب عند الله تعالى.
- الشرك الأكبر: لا يغفره الله بغير توبة، ويوجب الخلود في النيران، وليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه فقط، بل يستحيل على الله أن يشرعه لعباده.
- ما نجا من شَرَك الشرك الأكبر، إلا من جرّد توحيده لله، وتقرب بمقت المشركين إلى الله.
- بعث النبي ﷺ بتكفير من لم يتب من الشرك الأكبر، وقتاله، ومعاداته.
- الشرك: ثلاثة أنواع: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي.
- الشرك الأكبر: هو الذنب الذي لا يغفر، ولا عذر لمكلف في الجهل به، ولا يجوز فيه التقليد، لأن تركه هو أصل الأصول.
- أجمع العلماء: أن المرء لا يكون مسلمًا إلا بالتجرد من الشرك الأكبر، والبراءة منه، وممن فعله.
стр. 359
- مشركو العرب كان شركهم في الإلهية، وأما مشركو هذا الزمان فكان في الإلهية والربوبية.
- حكم الشيء تابع لحقيقته، لا لاسمه, ولا لاعتقاد فاعله. فالمشرك مشرك شاء أم أبى، وإن فر من تسمية شركه: تألها، وعبادة، وشركًا.
- إنما حرم الشرك لقبحه في نفسه، وكونه متضمنًا: مسبة الرب، وتنقصه، وتشبيهه بالمخلوقين ... وهذه المفاسد لا تزول بتغيير اسم الشرك.
- الغلو في الصالحين من أسباب المروق من الدين، والكفر برب العالمين.
- الشرك قرين الجهل، والتوحيد قرين العلم.
- من جعل الملائكة والأنبياء وسائط، يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار، فهو كافر بإجماع المسلمين.
- دين المشركين عباد الأوثان قائم على إثبات وسائط بين الله وخلقه، كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية.
- لبس الحلقة، والخيط، ونحوهما بقصد رفع البلاء أو دفعه، هو من فعل الجاهلية.
- تعليق التمائم غير جائز، ولو كانت من القرآن.
- التبرك بقبور الصالحين كالتبرك باللات، والتبرك بالأحجار والأشجار كالتبرك بالعزّى ومناة.
- السحر عمل شيطاني، وكثير منه لا يتوصل إليه إلا بالشرك، والتقرب إلى الأرواح الخبيثة.
- الكهانة شرك، من ادعاها، أو صدق من يدعيها، فقد جعل لله شريكًا فيما هو من خصائصه.
стр. 360
- التطير من جنس الشرك، لكونه تعلُّق على غير الله.
- التنجيم كفر برب العالمين.
- الاستسقاء بالأنواء من جنس الشرك.
- يجب الابتعاد، والحذر من كل لفظ فيه سوء أدب مع الله، لأن هذا يخل بالعقيدة، وينقص التوحيد.
- اتفق العلماء: على المنع من التمسح بحجرة النبي ﷺ ، وعدم تقبيلها.
- شرار الخلق عند الله: من يتخذون القبور مساجد، وهو من سنن اليهود والنصارى، ومن أعظم أسباب الشرك، وموجبات اللعنة من الله تعالى.
- نهى النبي ﷺ عن: تجصيص القبور، والبناء عليها، والكتابة.
- أجمع العلماء: على حرمة البناء على القبور، ووجوب هدمه.
- التوجه بذات المخلوقين في الدعاء، والإقسام بهم على الله بدعة منكرة، ومحدثة في الدين.
- شفاعة النبي ﷺ لأهل الذنوب - دون الشرك الأكبر - من أمته، متفق عليها بين عامة الأمة، ولم ينكرها إلا أهل البدع.
- المشركون محرومون من الشفاعة بالإجماع.
- أسعد الناس بالشفاعة: أهل التوحيد المجرد من تعلقات الشرك، وشوائبه.
- عبدت الأصنام بواسطة الشفاعة الشركية.
- الفرق بين الشفاعة المثبتة في القرآن والشفاعة المنفية فيه، كالفرق بين التوحيد والشرك، والإيمان والكفر.
- من دعا غير الله - فيما لا يقدر عليه إلا الله - فهو مشرك كافر، وإن لم يقصد إلا مجرد التقرب إلى الله، وطلب الشفاعة عنده.
стр. 361
- المشرك أخل بكل شروط «لا إله إلا الله» إلا مجرد التلفظ بها.
- الشرك يحبط كل قول وعمل، ويبطله، ويضاد الإيمان بالكلية، وذلك ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
- يأبى الله، ورسوله ﷺ والمؤمنون أن يقال: بإسلام عباد القبور.
- من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم، كفر إجماعًا.
- المشركون مخطئون ومتأولون، إلا أنهم لم يعذروا بالخطأ ولا بالتأويل.
- أجمع العلماء: على كفر من عبد غير الله، ولو نطق بالشهادتين، وصلى، وصام.
- الشرك: أعظم أنواع الكفر، ويعين فاعله به، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل.
- المشرك لا تصح إمامته، ولا صلاته، ولا يجوز للمسلم أن يصلي خلفه.
- موالاة المسلمين، والبراءة من المشركين، ركن من أركان هذا الدين.
- موالاة المشركين ردة عن الدين، وكفر برب العالمين.
- يجب قتال المشركين حتى يتوبوا من الشرك إلى التوحيد، ويلتزموا بأحكام الإسلام، فإن أبوا عن ذلك، أو بعضه قوتلوا إجماعًا.
- أجمع العلماء على أن من قال: «لا إله إلا الله»، ولم يعتقد معناها، ولم يعمل بمقتضاها، أنه يقاتل حتى يعمل بما دلّت عليه من النفي والإثبات.
- كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالها حتى تلتزم تلك الشرائع، وإن كانت ناطقة بالشهادتين، وملتزمة ببقية الشرائع، وهذا بغير خلاف بين العلماء.
стр. 362
الباب الثالث
الأحكام المترتبة على مفهوم التوحيد والشرك
وفيه تسعة فصول:
الفصل الأول: شروط عصمة الدم والمال.
الفصل الثاني: حكم الشك في كفر الكافر وصوره.
الفصل الثالث: العذر بالجهل.
الفصل الرابع: العلاقة بين إقامة الحجة، والكفر وأحكامه.
الفصل الخامس: أنواع الكفر وحكم تكفير المعين.
الفصل السادس: أحكام الديار.
الفصل السابع: أحكام القتال، ومشروعية الجهاد.
الفصل الثامن: نواقض الإسلام، وأحكام الردّة والمرتدِّين.
الفصل التاسع: أشهر الشبهات المُثارة على أئمة الدعوة، والردّ الوافر عليها.
стр. 363
الفصل الأول
شروط عصمة الدم والمال
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: شروط عصمة الدم والمال بين أهل السنة، والمرجئة والخوارج.
المبحث الثاني: اللفظ المجرَّد عن المعنى لا يُدخل صاحبه في الإسلام، ومن ثَمَّ كان قتال المشركين مشروعًا حتى الإتيان بالتوحيد مع الانخلاع من الشرك إجماعًا.
المبحث الثالث: اقتران النطق بالشهادتين مع فعل الشرك، لا أثر له.
المبحث الرابع: من أتى بالتوحيد، ولم يأت بما ينافيه، والتزم شرائع الإسلام، وجب الكف عنه، والحكم له بالإسلام في الظاهر، والله يتولَّى السرائر.
стр. 364
المبحث الأول
شروط عصمة الدم والمال بين أهل السنة، والمرجئة والخوارج
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن:
«فلا إله إلاَّ الله، هي: كلمة الإسلام، لا يصح إسلام أحد إلاَّ بمعرفة ما وضعت له، ودلَّت عليه، وقَبوله، والانقياد للعمل به، وهي: كلمة الإخلاص المنافي للشرك، وكلمة التقوى، التي تقي قائلها من الشرك بالله، فلا تنفع قائلها إلاَّ بشروط سبعة:
الأول: العلم بمعناها، نفيًا وإثباتًا.
الثاني: اليقين، وهو كمال العلم بها، المنافي للشك والريب.
الثالث: الإخلاص المنافي للشرك.
الرابع: الصدق المانع من النفاق.
الخامس: المحبة لهذه الكلمة ولما دلَّت عليه، والسرور بذلك.
السادس: القَبول المنافي للرد، فقد يقولها من يعرفها، لكن لا يقبلها ممن دعاه إليها تعصبًا وتكبرًا، كما قد وقع من كثير.
السابع: الانقياد بحقوقها، وهي: الأعمال الواجبة إخلاصًا، وطلبًا لمرضاته» (١).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه على كتاب التوحيد:
«إن النطق بكلمتي الشهادة دليل العصمة لا أنه عصمة، أو يقال: هو العصمة لكن بشرط العمل، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا
стр. 365
ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ ...﴾ [النساء: ٩٤]، ولو كان النطق بالشهادتين عاصمًا لم يكن للتثبت معنى، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة: ١١]، أي: عن الشرك وفعلوا التوحيد ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فدل على أن القتال يكون على هذه الأمور، وفيه أن لله تعالى حقوقًا في الإسلام من لم يأت بها لم يكن مسلمًا، كإخلاص العبادة له والكفر بما يعبد من دونه» (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن الجبرين، مبينًا وشارحًا شروط الشهادتين:
«ذكر العلماء لكلمة الإخلاص سبعة شروط، نَظَمَها بعضهم بقوله:
علم يقين وإخلاص وصدقك مع ... محبة وانقياد والقبول لها
وهذه الشروط مأخوذة بالاستقراء والتتبع للأدلة من الكتاب والسنة، وقد أضاف بعضهم إليها شرطًا ثامنًا، ونظمه بقوله:
وزيد ثامنها الكفران منك بما ... سوى الإله من الأنداد قد ألها
وأخذ هذا الشرط من قوله ﷺ : «من قال لا إله إلاَّ الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه» رواه مسلم.
وذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد ثم قال بعده: وهذا من أعظم ما يبيِّن معنى لا إله إلاَّ الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلاَّ الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه ... إلخ.
ومعنى هذا الشرط: أن يعتقد بطلان عبادة من سوى الله، وأن كل من
стр. 366
صرف شيئًا من خالص حق الله لغيره فهو ضالٌّ مشرك، وأن كل المعبودات سوى الله من قبور وبقاع وغيرها، نشأت من جهل المشركين وخرافاتهم، فمن أقرَّهم على ذلك، أو تردَّد في صوابهم، أو شك في بطلان ما هم عليه فليس بموحِّد، ولو قال: لا إله إلاَّ الله، ولو لم يعبد غير الله» (١).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى:
«وقد غلط كثير من المشركين في هذه الأعصار، وظنوا أن من كفَّر من تلفظ بالشهادتين فهو من الخوارج، وليس كذلك، بل التلفُّظ بالشهادتين لا يكون مانعًا من التكفير إلاَّ لمن عرف معناهما، وعمل بمقتضاهما، وأخلص العبادة لله، ولم يشرك به سواه، فهذا تنفعه الشهادتان.
وأما من قالهما، ولم يحصل منه انقياد لمقتضاهما، بل أشرك بالله، واتخذ الوسائط والشفعاء من دون الله، وطلب منهم ما لا يقدر عليه إلاَّ الله، وقرَّب لهم القرابين، وفعل لهم ما يفعله أهل الجاهلية من المشركين، فهذا لا تنفعه الشهادتان، بل هو كاذب في شهادته، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
ومعنى شهادة أن لا إله إلاَّ الله هو: عبادة الله، وترك عبادة ما سواه، فمن استكبر عن عبادته ولم يعبده، فليس ممن يشهد أن لا إله إلاَّ الله، ومن عبده وعبد معه غيره، فليس هو ممن يشهد أن لا إله إلاَّ الله» (٢).
* * *
стр. 367
المبحث الثاني
اللفظ المجرد عن المعنى لا يدخل صاحبه في الإسلام ومن ثم كان قتال المشركين مشروعًا حتى الإتيان بالتوحيد مع الانخلاع من الشرك إجماعًا
اللفظ المجرد عن المعنى لا يدخل صاحبه في الإسلام، إلاَّ عند من ورثوا: إرث أعتى فرق الإرجاء، وأما الذين نهلوا من معين السلف، وانتهجوا نهجهم: قولاً، وعملاً واعتقادًا، فقد تقرَّر لديهم أن الإيمان والتوحيد، قول وعمل، ومن ثم فمن أتى بالقول في أي واحد منهما دون العمل فلا يكون مسلمًا ولا مؤمنًا. ولقد انعقد الإجماع على وجوب الإتيان بالتوحيد، مع الانخلاع من الشرك، والبراءة منه، ومن أهله حتى تتحقق عصمة الدم والمال، وتلك هي غاية قتال المسلمين للمشركين يدور معها حيث دارت.
قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى:
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «ومجرد الإتيان بلفظ الشهادة من غير علم بمعناها، ولا عمل بمقتضاها، لا يكون به المكلف مسلمًا، بل هو حجة على ابن آدم، خلافًا لمن زعم: أن الإيمان مجرد الإقرار، كالكرَّامية ومجرد التصديق كالجهمية» (١).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى: وقرَّر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
«أن مجرَّد الإتيان بلفظ الشهادة مع مخالفة ما دلت عليه من الأصول المقررة، ومع الشرك الأكبر في العبادة لا يدخل المكلف في الإسلام. إذ
стр. 368
المقصود من الشهادتين: حقيقة الأعمال التي لا يقوم الإيمان بدونها» (١).
وقال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه التوحيد، وحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله في شرحه عليه:
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال لا إله إلاَّ الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله ».
وشرح هذه الترجمة: وما بعدها من الأبواب.
[الشرح]
قوله: «من قال لا إله إلاَّ الله وكفر بما يعبد من دون الله» اعلم أن النبي ﷺ علق عصمة المال والدم في هذا الحديث بأمرين:
الأول: قول «لا إله إلاَّ الله» عن علم ويقين، كما هو قيد في قولها في غير ما حديث كما تقدم.
والثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها.
قلت: وفيه معنى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦].
قال المصنف رحمه الله تعالى: وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلاَّ الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلاَّ الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أجلها ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع». انتهى.
стр. 369
قلت: وهذا هو الشرط المصحح لقوله «لا إله إلاَّ الله» فلا يصح قولها بدون هذه الخمس التي ذكرها المصنف ﵀ أصلاً، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقال: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، أمر بقاتلهم حتى يتوبوا من الشرك ويخلصوا أعمالهم لله تعالى، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإن أبوا عن ذلك أو بعضه قُوتلوا إجماعًا ...
قوله: «وحسابه على الله»، أي: الله ﵎ هو الذي يتولى حساب الذي يشهد بلسانه بهذه الشهادة، فإن كان صادقًا جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقًا عذبه العذاب الأليم. وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر، فمن أتى بالتوحيد ولم يأت بما ينافيه ظاهرًا والتزم شرائع الإسلام وجب الكف عنه.
قلت: وأفاد الحديث أن الإنسان قد يقول «لا إله إلاَّ الله» ولا يكفر بما يُعبد من دون الله فلم يأت بما يعصم دمه وماله، كما دل على ذلك الآيات المحكمات والأحاديث» (١).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه على كتاب التوحيد:
قوله: «من قال لا إله إلاَّ الله وكفر بما يعبد من دون الله». اعلم أن النبي ﷺ في هذا الحديث علق عصمة المال والدم بأمرين:
الأول: قول لا إله إلاَّ الله.
والثاني: الكفر بما يعبد من دون الله.
فلم يكتف باللفظ لمجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها.
قلت: وقد أجمع العلماء على معنى ذلك فلا بد في العصمة من الإتيان بالتوحيد، والتزام أحكامه، وترك الشرك كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ
стр. 370
تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال: ٣٩] ...
وقد أجمع العلماء: على أن من قال لا إله إلاَّ الله، وهو مشرك أنه يقاتل حتى يأتي بالتوحيد» (١).
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀، عمَّن يقول: لا إله إلاَّ الله، ويدعو غير الله، هل يحرم ماله ودمه، بمجرد قولها، أم لا؟
فأجاب: لا إله إلاَّ الله كلمة الإخلاص، وكلمة التقوى، والعروة الوثقى، وهي الحنيفية ملة إبراهيم ﵇، جعلها كلمة باقية في عقبه، وقد تضمنت ثبوت الإلهية لله تعالى، ونفيها عما سواه، والإله هو: الذي تألهه القلوب، محبة وإنابة وتوكلاً، واستعانة ودعاء، وخوفًا ورجاء، ونحو ذلك ...
فمن تحقق بمدلول هذه الكلمة العظيمة، من إخلاص العبادة لله تعالى، والبراءة من عبادة ما سواه؛ بالجَنان والأركان، وعمل بما اقتضته من فرائض الإسلام والإيمان، كان معصوم الدم والمال، ومن لا، فلا.
قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، فدلت هذه الآية الكريمة، على أن عصمة الدم والمال، لا تحصل بدون هذه الثلاث، لترتبها عليها ترتب الجزاء على الشرط» (٢).
وقال بعض علماء نجد: فلا يعصم دم العبد وماله حتى يأتي بهذين الأمرين:
الأول: قول لا إله إلاَّ الله، والمراد: معناها، لا مجرد لفظها، ومعناها: هو توحيد الله بجميع أنواع العبادة.
الأمر الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، والمراد بذلك: تكفير المشركين والبراءة منهم، ومما يعبدون مع الله» (٣).
стр. 371
المبحث الثالث
اقتران النطق بالشهادتين مع فعل الشرك، لا أثر له
من نطق بالشهادتين وهو مقيم على شركه، أو وقع فيه بعد تلفظه بكلمة التوحيد فلا عصمة لدمه وماله، وإن صلَّى وصام، وزعم الإسلام والإيمان ...
لأن ما قام به من الشرك يناقض ما تكلَّم به من كلمة التوحيد، ولأنه تكلم بما لم يعمل به، ولم يعتقد ما دلّ عليه.
قال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر:
«وأما المسألة الثانية، فقالوا: من قال لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله، ولم يصل، ولم يزك، هل يكون مومنًا؟
فنقول: أما من قال لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله، وهو مقيم على شركه، يدعو الموتى، ويسألهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، فهذا كافر مشرك، حلال الدم والمال، وإن قال: لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله، وصلَّى وصام، وزعم أنه مسلم، كما تقدم بيانه.
وأما: إن وحَّد الله تعالى، ولم يشرك به، ولكنه ترك الصلاة، ومنع الزكاة، فإن كان جاحدًا للوجوب، فهو كافر إجماعًا، وأما إن اقر بالوجوب، ولكنه ترك الصلاة تكاسلاً عنها، فهذا قد اختلف العلماء في كفره» (١).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم:
«فإن كثيرًا من الناس ينتسبون إلى الإسلام، وينطقون بالشهادتين، ويؤدون أركان الإسلام الظاهرة، ولا يكتفى بذلك في الحكم بإسلامهم، ولا تحل ذكاتهم، لشركهم بالله في العبادة بدعاء الأنبياء والصالحين والاستغاثة
стр. 372
بهم، وغير ذلك من أسباب الردة عن الإسلام. وهذا التفريق بين المنتسبين إلى الإسلام أمر معلوم بالأدلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها» (١).
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله تعالى:
«فالمقصود من لا إله إلاَّ الله: البراءة من الشرك وعبادة غير الله؛ ومشركو العرب يعرفون المراد منها، لأنهم أهل اللسان؛ فإذا قال أحدهم: لا إله إلاَّ الله، فقد تبرأ من الشرك، وعبادة غير الله. فلو قال: لا إله إلاَّ الله، وهو مصر على عبادة غير الله، لم تعصمه هذه، لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، أي: شرك. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقوله: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِن تَابُواْ﴾، أي: عن الشرك ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وقال النبي ﷺ : «بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له». وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾، أي الطاعة والعبادة (لله) [البقرة: ١٩٣]. وهذا معنى لا إله إلاَّ الله، نسأل الله أن يجعلها آخر كلامنا؛ وصلَّى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين» (٢).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى:
«إن التهليل إذا صدر من المشرك، حال استمراره على شركه غير معتبر، فوجوده كعدمه، وإنما ينفع إذا قاله: عالمًا بمعناه، ملتزمًا لمقتضاه كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. قال ابن جرير كغيره: وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به» (٣).
стр. 373
المبحث الرابع
من أتى بالتوحيد ولم يأت بما ينافيه والتزم شرائع الإسلام وجب الكف عنه والحكم له بالإسلام في الظاهر والله يتولى السرائر
لا يصح الإسلام لأحد، حتى يقوم بكلمة التوحيد: علمًا واعتقادًا وقولاً وعملاً، ويحقق الولاء لأهلها، والبراءة من أعدائها.
ولكننا نقرِّر مع هذا ونؤكد: أن من أتى بالتوحيد، ولم يأت بما ينافيه، والتزم شرائع الإسلام، وجب الكف عنه، والحكم له بالإسلام في الظاهر، والله يتولي السرائر، فإذا قام به ناقض من نواقض الشهادتين، ارتد بذلك، وارتفعت عنه العصمة بالكلية.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى:
«لا يصح لأحد إسلام، إلاَّ بمعرفة مادلَّت عليه هذه الكلمة من: نفي الشرك في العبادة، والبراءة منه، وممن فعله، ومعاداته، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، والموالاة في ذلك» (١).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى:
«وأهل العلم والإيمان لا يختلفون في أن من صدر منه: قول، أو فعل يقتضي كفره، أو شركه، أو فسقه، أنه يحكم عليه بمقتضى ذلك، وإن كان ممن يقر بالشهادتين ويأتي ببعض الأركان.
وإنما يكف عن الكافر الأصلي إذا أتى بهما، ولم يتبين منه خلافهما، ومناقضتهما» (٢).
стр. 374
وقال بعض علماء نجد:
«ومعنى لا إله إلاَّ الله: توحيده في عبادته مع التبري من كل معبود سواه كما أخبر الله عن نبيه إبراهيم ﵇ بقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧] ....
وقال ﷺ : «من قال لا إله إلاَّ الله وكفر بما يعبد من دونه حرم ماله ودمه وحسابه على الله» رواه مسلم.
فحينئذٍ من لا يكفر بكل معبود سوى الله لا يحرم دمه وماله، ولا يكون مسلمًا بمجرد التلفظ بلا إله إلاَّ الله إلاَّ إذا أضاف إليها الكفر بما يعبد من دون الله، ولا بمعرفة معناها مع التلفظ بها، بل ولا كونه لا يدعو إلاَّ الله، ولم يكفر بما يعبد من دون الله، لم يكن مسلمًا بذلك فلا يحرم ماله ودمه.
فهذا أصل لا مرية فيما تضمنه ولا شك فيه، وأنه لا يتم إيمان أحد حتى يعلمه ويعمل له.
فإن قيل: قد أنكر ﷺ على أسامة: قتله لمن قال لا إله إلاَّ الله؟
فالجواب: أنه لا شك أن من قال لا إله إلاَّ الله من الكفار، حقن دمه وماله حتى يتبين منه ما يخالف ما قاله، ولذا أنزل الله في قصته. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية [النساء: ٩٤].
فإن تبين التزامه لمعناها، وهو: إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى، كان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.
وإن تبيَّن خلافه لم يحقن بمجرد التلفظ ماله ودمه، وهكذا كل من أظهر التوحيد، وجب الكف عنه، إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك» (١).
* * *
стр. 375
الفصل الثاني
حكم الشك في كفر الكافر، وصوره
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: تكفير المشركين المستند إلى البرهان والدليل، من أعظم دعائم الدين.
المبحث الثاني: حكم الشك في كفر الكافر، وصوره ومناطاته، وبأدنى نظر فيها نجد أنها ليست على رتبة واحدة، وحكم واحد مطرد فيها.
المبحث الثالث: متى يعذر الشاك في كفر الكافر حتى تقام عليه الحجة، وتبين له الأدلة؟!
المبحث الرابع: عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم، يوجب الجهاد لأهله.
стр. 376
المبحث الأول
تكفير المشركين المستند إلى البرهان والدليل من أعظم دعائم الدين
إن تكفير المشركين، المستند إلى البرهان والدليل من: كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﷺ من أعظم دعائم الدين.
فيه ينقمع الشرك والمشركين، وتعلو وتجلو: أعظم أصول الملة المتمثلة في: الكفر بالطاغوت، والبراءة من الشرك وأهله.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في معرض الحديث عن متى يصح التكفير، ومتى لا يصح:
«وأما إن كان: المكفِّر لأحد من هذه الأمة، يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان، من كتاب الله وسنة نبيه، وقد رأى كفرًا بواحًا، كالشرك بالله، وعبادة ما سواه، والاستهزاء به تعالى، أو بآياته، أو رسله، أو تكذيبهم، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله، ونحو ذلك، فالمكفر بهذا وأمثاله، مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله .... والتكفير: بترك هذه الأصول، وعدم الإيمان بها، من أعظم دعائم الدين، يعرفه كل من كانت له نهمة، في معرفة دين الإسلام (١).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
«ومعنى الكفر بالطاغوت: أن تبرأ من كل ما يعتقد فيه غير الله، من جني، أو إنسي، أو شجر أو حجر، أو غير ذلك، وتشهد عليه بالكفر والضلال، وتبغضه، ولو كان أنه أبوك، أو أخوك، فأما من قال: أنا لا أعبد إلاَّ
стр. 377
الله، وأنا لا أتعرض السادة والقباب على القبور، وأمثال ذلك، فهذا كاذب في قول لا إله إلاَّ الله، ولم يؤمن بالله ولم يكفر بالطاغوت» (١).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى:
«وأنت يا من منَّ الله عليه بالإسلام، وعرف أن ما من إله إلاَّ الله، لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق، وأنا تارك ما سواه، لكن لا أتعرض للمشركين، ولا أقول فيهم شيئًا، لا تظن أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام، بل: لا بد من بغضهم، وبغض من يحبهم، ومسبَّتهم، ومعاداتهم، كما قال أبوك إبراهيم، والذين معه: ﴿إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ ...﴾ الآية [البقرة: ٢٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
ولو يقول رجل: أنا ابتع النبي ﷺ وهو على الحق، لكن: لا أتعرض اللات، والعزى، ولا أتعرض أبا جهل وأمثاله ما عليَّ منه، لم يصح إسلامه» (٢).
وقال الشيخ حسين، والشيخ عبد الله، ابنا الشيخ محمد رحمهم الله تعالى، في أثناء جواب لهما، المسألة الحادية عشرة:
رجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن لا يعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: أنا مسلم لكن لا اقدر أن أكفر أهل لا إله إلاَّ الله، ولو لم يعرفوا معناها، ورجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن يقول: لا أتعرض
стр. 378
للقباب، وأعلم أنها لا تنفع ولا تضر، ولكن ما أتعرضها.
الجواب: أن الرجل لا يكون مسلمًا، إلاَّ إذا عرف التوحيد، ودان به، وعمل بموجبه، وصدق الرسول ﷺ فيما أخبر به، وأطاعه فيما نهى عنه، وأمر به، وآمن به وبما جاء به، فمن قال: لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال لا أتعرض أهل لا إله إلاَّ الله، ولو فعلوا الكفر والشرك وعادوا دين الله، أو قال: لا أتعرض للقباب، فهذا لا يكون مسلمًا، بل هو ممن قال الله فيهم: ﴿وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]» (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى:
«لو عرف العبد معنى: لا إله إلاَّ الله، لعرف أن من شك، أو تردد في كفر من أشرك مع الله غيره، أنه لم يكفر بالطاغوت (٢). اهـ.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين:
«إن فعل مشركي الزمان عند القبور، من دعاء أهل القبور، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والذبح والنذر لهم، وقولنا: إن هذا شرك أكبر، وأن من فعله فهو كافر، والذين يفعلون هذه العبادات عند القبور كفار بلا شك، وقول الجهال: إنكم تكفرون المسلمين فهذا ما عرف الإسلام، ولا التوحيد.
والظاهر: عدم صحة إسلام هذا القائل، فإن لم ينكر هذه الأمور التي يفعلها المشركون اليوم، ولا يراها شيئًا فليس بمسلم» (٣).
стр. 379
المبحث الثاني
حكم الشك في كفر الكافر، وصوره ومناطاته، وبأدنى نظر فيها نجد أنها ليست على رتبة واحدة، وحكم واحد مطرد فيها
قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى في نواقض الإسلام:
«الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحَّح مذهبهم كفر» (١).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى:
«إن المرتدين افترقوا في ردَّتهم، فمنهم من كذب النبي ﷺ ورجعوا إلى عبادة الأوثان وقالوا: لو كان نبيًا ما مات؛ ومنهم من ثبت على الشهادتين، ولكن أقرَّ بنبوة مسيلمة، ظنًا أن النبي ﷺ أشركه في النبوة، لأن مسيلمة أقام شهود زور شهدوا له بذلك، فصدقهم كثير من الناس. ومع هذا: أجمع العلماء أنهم مرتدُّون ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر» (٢).
وقال أيضًا ﵀:
«وما أحسن ما قاله واحد من البوادي، لما قدم علينا، وسمع شيئًا من الإسلام، قال: أشهد أننا كفار - يعني هو وجميع البوادي - وأشهد أن المطوع الذي يسمينا إسلامًا أنه كافر، وصلَّى الله على سيدنا محمد» (٣).
وقال الشيخ أبو بطين رحمه الله تعالى:
«وقد أجمع المسلمون: على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى، أو شك
стр. 380
في كفرهم، ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال.
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى: من سبَّ الصحابة رضوان الله عليهم، أو واحدًا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليًا إله أو نبي، أو أن جبرائيل غلط، فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره.
قال: ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله ﷺ ، إلاَّ نفرًا قليلاً لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر» (١).
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:
«قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال محمد بن سحنون أحد الأئمة من أصحاب مالك: أجمع العلماء على أن شاتم الرسول كافر، وحكمه عند الأئمة القتل، ومن شك في كفره، كفر» (٢).
ونقل أيضًا ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: كفر من لم يكفِّر من دان بغير الإسلام، أو شك في كفرهم (٣). اهـ.
وقال أيضًا رحمه الله تعالى:
وأما قول من يقول: إن تكلم بالشهادتين ما يجوز تكفيره، وقائل هذا القول لابد أن يتناقض، ولا يمكنه طرد قوله، في مثل من أنكر البعث، أو شك فيه مع إتيانه بالشهادتين، أو أنكر نبوة أحد من الأنبياء الذين سمَّاهم الله في كتابه، أو قال الزنا حلال، أو نحو ذل، فلا أظن يتوقف في كفر هؤلاء وأمثالهم إلاَّ من يكابر ويعاند ...
стр. 381
فمن قال: إن التلفظ بالشهادتين لا يضر معهما شيء، أو قال: من أتى بالشهادتين وصلَّى وصام لا يجوز تكفيره، وإن عبد غير الله، فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر، لأن قائل هذا القول مكذب لله ورسوله؛ وإجماع المسلمين كما قدمنا، ونصوص الكتاب والسنَّة في ذلك كثيرة، مع الإجماع القطعي، الذي لا يستريب فيه من له أدنى نظر في كلام العلماء، لكن التقليد والهوى يعمي ويصم، ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٤٠]» (١).
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله تعالى:
«قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: (فصل في بيان ما هو من المقالات كفر) - إلى أن قال -: والفصل البيِّن في هذا: أن كل مقالة صرَّحت بنفي الربوبية، أو الوحدانية، أو عبادة غير الله، أو مع الله، فهي كفر. إلى أن قال: والذين اشركوا بعبادة الأوثان، أو أحد الملائكة، أو الشياطين، أو الشمس، أو النجوم، أو النار، أو أحد غير الله من: مشركي العرب، أو أهل الهند، أو السودان، أو غيرهم. - على أن قال -: أو أن ثمّ للعالم صانعًا سوى الله، أو مدبِّرًا، فذلك كله كفر بإجماع المسلمين، فانظر حكاية إجماع المسلمين على كفر من عبد غير الله من الملائكة، وغيرهم، وهذا ظاهر ولله الحمد.
ونصوص القرآن في ذلك كثيرة، فمن قال: إن من أتى بالشهادتين، وصلَّى وصام لا يجوز تكفيره، أو عبد غير الله، فهذا كافر، ومن شك في كفره فهو كافر - إلى أن قال ـ (٢): على هذا القول: فهو مكذب لله ولرسوله وللإجماع القطعي» (٣).
стр. 382
المبحث الثالث
متى يعذر الشاك في كفر الكافر حتى تقام عليه الحجة، وتبين له الأدلة ؟!
قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إلى الإخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: ما ذكرتم من قول الشيخ، كل من جحد كذا وكذا، وقامت عليه الحجة؛ وأنكم شاكُّون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم، هل قامت عليهم الحجة؛ فهذا من العجب، كيف تشكُّون في هذا وقد أوضحته لكم مرارًا؟!
فإن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد الإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرف.
وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه، فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال، أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة، وبين فهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين، لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقيام الحجة نوع، وبلوغها نوع - وقد قامت عليهم -، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم، وإن لم يفهموها.
إن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قوله ﷺ في الخوارج، «أينما لقيتموهم فاقتلوهم»، وقوله: «شرُّ قتلى تحت أديم السماء»، مع كونهم في عصر
стр. 383
الصحابة، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم، ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين، هو: التشدد والغلو والاجتهاد، وهم يظنون أنهم يطيعون الله، وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها.
وكذلك قتل علي ﵁ الذين اعتقدوا فيه، وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة، ومع عبادتهم وصلاتهم وصيامهم، وهم يظنون أنهم على حق.
وكذلك إجماع السلف، على تكفير غلاة القدرية وغيرهم، مع علمهم وشدة عبادتهم، وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم، لأجل كونهم لم يفهموا، فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا.
إذا علمتم ذلك: فإن هذا الذي أنتم فيه: كفر، الناس يعبدون الطواغيت، ويعادون دين الإسلام، فيزعمون أنه ليس ردة، لعلَّهم ما فهموا الحجة، كل هذا بيِّن.
وأظهر مما تقدم: الذين حرَّقهم علي، فإنه يشابه هذا، وأما إرسال كلام الشافعية وغيرهم، فلا يتصور يأتيكم أكثر مما أتاكم، فإن كان معكم بعض الإشكال، فارغبوا إلى الله تعالى أن يزيله عنكم، والسلام» (١).
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين:
«فالمدعي أن مرتكب الكفر: متأوِّلاً، أو مجتهدًا، أو مخطئًا، أو مقلِّدًا، أو جاهلاً، معذور، مخالف للكتاب والسنَّة والإجماع بلا شك، مع أنه لا بد أن ينقض أصله، فلو طرد أصله، كفر بلا ريب، كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد ﷺ ، ونحو ذلك» (٢).
стр. 384
وسئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف رحمهما الله تعالى عن: حكم الأفعال الشركية التي تفعل عند القبور، والأعياد المقامة عليها؟ فأجاب:
«الجواب وبالله التوفيق: اعلم أن هذه الأفعال، هي من دين الجاهلية، التي بُعث رسول الله ﷺ بإنكارها وإزالتها، ومحو آثارها، لأنها من الشرك الأكبر، التي دلت الآيات المحكمات على تحريمه، وهذه الأعياد، تشبه: أعياد الجاهلية، فمن اعتقد جوازه وحله، وأنه عبادة ودين، فهو من أكفر خلق الله وأضلهم، ومن شك في كفره بعد قيام الحجة عليهم، فهو كافر» (١).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهما الله تعالى:
«وأما قول السائل: فإن كان ما يقدر من نفسه أن يتلفظ بكفرهم وسبِّهم - أي في أهل بلد مرتدين، وهكذا كان نص السؤال - ما حكمه؟
فالجواب: لا يخلو ذلك عن أن يكون شاكًا في كفرهم أو جاهلاً به، أو يقر بأنهم كفرة هم وأشباههم، ولكن لا يقدر على مواجهتهم وتكفيرهم أو يقول: غير كفار، لا أقول إنهم كفار؛ فإن كان شاكًا في كفرهم أو جاهلاً بكفرهم، بينت له الأدلة من كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ على كفرهم، فإن شك بعد ذلك أو تردَّد، فإنه كافر بإجماع العلماء، على أن من شك في كفر الكافر، فهو كافر.
وإن كان يقر بكفرهم، ولا يقدر على مواجهتهم بتكفيرهم، فهو مداهن لهم، ويدخل في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، وله حكم أمثاله من أهل الذنوب.
وإن كان يقول: أقول غيرهم كفار، ولا أقول هم كفار، فهذا حكم منه بإسلامهم، إذ لا واسطة بين الكفر والإسلام، فإن لم يكونوا كفارًا فهم
стр. 385
مسلمون؛ وحينئذ فمن سمى الكفر إسلامًا، أو سمى الكفار مسلمين، فهو كافر فيكون هذا كافرًا» (١).
وقال أعضاء اللجنة الدائمة بعد أن تكلموا عن أحوال المشركين وأحكامهم، وبيَّنوا أن أصل الدين لا يقبل الاجتهاد فيه، وإنما يقع فيما دونه من الفروع العملية الظنية:
«وبذا يعلم أنه لا يجوز لطائفة الموحدين، الذين يعتقدون كفر عباد القبور أن يكفروا إخوانهم الموحدين، الذين توقفوا في كفرهم حتى تقام عليهم الحجة، لأن توقفهم عن تكفيرهم له شبهة، وهي: اعتقادهم أنه لا بد من إقامة الحجة على أولئك القبوريين قبل تكفيرهم، بخلاف من لا شبهة في كفره كاليهود والنصارى والشيوعيين وأشباههم، فهؤلاء لا شبهة في كفرهم ولا في كفر من لم يكفرهم، والله ولي التوفيق.
ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يعيذنا وإياهم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن القول على الله سبحانه وعلى رسوله ﷺ بغير علم إنه ولي ذلك والقادر عليه».
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٢)
стр. 386
المبحث الرابع
عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم، يوجب الجهاد لأهله
إن مما يوجب الجهاد لمن اتصف به: عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم، لأن ذلك من نواقض الإسلام ومبطلاته، ومما تزول به عصمة الدم والمال. ومن ثم كان من أعظم حقوق المسلمين على ولي أمرهم أن يتولى بنفسه: القضاء على فتنة الذين ينهون عن تكفير المشركين، لئلا تتجرأ السفلة من عامة الأمة على الشك، والردة عن أصول الدين، بسبب أمنهم من سيف الشرع المسلول على رءوس المشركين والمرتدين.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى في رسالة بعث بها إلى إمام وقته فيصل بن تركي، يذكره فيها ببعض واجبات الإمامة:
«وكذلك يجب على ولي الأمر أن يقدم على من نسب عنه طعن وقدح في شيء من دين الله ورسوله، أو تشبيه على المسلمين في عقائدهم ودينهم، مثل: من ينهى عن تكفير المشركين، ويجعلهم من خير أمة أخرجت للناس لأنهم يدَّعون الإسلام، ويتكلَّمون بالشهادتين.
وهذا الجنس ضرره على الإسلام خصوصًا على العوام ضرر عظيم يخشى منه الفتنة، وأكثر الناس لا علم له بالحجج التي تنفي شبه المشبهين وزيغ الزائغين، بل تجده والعياذ بالله سلس القياد لكل من قاده أو دعاه، كما قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا على ركن وثيق أقرب شبهًا بهم: الأنعام السارحة» (١).
стр. 387
وقال بعض علماء نجد في بيان بعض الأمور التي يوجب كل واحد منها جهاد أهله:
«الأمر الثاني: مما يوجب الجهاد لمن اتصف به، عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم، فإن ذلك من نواقض الإسلام ومبطلاته، فمن اتصف به فقد كفر، وحل دمه وماله، ووجب قتاله حتى يكفر المشركين.
والدليل على ذلك قوله ﷺ : «من قال لا إله إلاَّ الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه»، فعلق عصمة المال والدم بأمرين:
الأمر الأول: قول: لا إله إلاَّ الله.
الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله.
فلا يعصم دم العبد وماله، حتى يأتي بهذين الأمرين، الأول قوله: لا إله إلاَّ الله، والمراد معناها لا مجرد لفظها، ومعناها: هو توحيد الله بجميع أنواع العبادة؛ الأمر الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، والمراد بذلك تكفير المشركين، والبراءة منهم، ومما يعبدون مع الله.
فمن لم يكفر المشركين من الدولة التركية، وعباد القبور، كأهل مكة وغيرهم، ممن عبد الصالحين، وعدل عن توحيد الله إلى الشرك، وبدل سنَّة رسوله ﷺ بالبدع، فهو كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم، ويبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين؛ فإن الذي لا يكفر المشركين، غير مصدق بالقرآن، فإن القرآن قد كفَّر المشركين، وأمر بتكفيرهم وعداوتهم وقتالهم.
قال الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ﵀ في نواقض الإسلام؛ الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحَّح مذهبهم، كفر؛ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: من دعا علي بن أبي طالب، فقد كفر، ومن شك في كفره فقد كفر» (١).
стр. 388
الفصل الثالث
العذر بالجهل
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: الزمان، زمان فترة.
المبحث الثاني: حكم من مات في الفترة مشركًا، ولم تقم عليه حجة البلاغ.
المبحث الثالث: من عبد غير الله فليس بمسلم، ولو كان جاهلاً ولم تقم عليه حجة البلاغ، مع استعراض لأحكام الناس قبل ظهور دعوة الشيخ في الدارين.
المبحث الرابع: مقتطفات من رسالتين لإمامين من أئمة الدعوة في حكم العذر بالجهل.
المبحث الخامس: الأدلة الصحيحة الصريحة الدالة على ثبوت وصف الشرك، وحكمه لمن وقع في عبادة غير الله، ولو كان جاهلاً أو متأوِّلاً، ولم تقم عليه حجة البلاغ.
المبحث السادس: حرمة الشرك الأكبر وفاقية التحريم، وإجماعية المنع والتأثيم، ولا توجد شبهة سائغة عليها تدرأ حكم الكفر عن أصحابها، ومن ثم انتفى العذر بالجهل فيها.
المبحث السابع: العذر بالخطأ في الشرك الأكبر، يلزم منه عدم تكفير طوائف من الكفار والزنادقة قد أجمعت الأمة على كفرها، وكفر من شك في كفرها، مع بيان أن الحكم بإسلام المشركين الجاهلين ليس عليه دليل إلا مجرد الدعوى المجردة.
стр. 389
المبحث الأول
الزمان، زمان فترة
لقد لحق زمان الإمام محمد بن عبد الوهاب وأحفاده بزمان أهل الفترة، وذلك لبعد العهد، وغربة الدين، وعجمة اللسان، التي حالت دون الفهم والبيان.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في رسالة بعث بها إلى علي بن حمد بن سليمان جاء فيها:
«والزمان: زمان فترة، يشبه زمن الجاهلية، وإن كانت الكتب موجودة، فهي لا تغني ما لم يساعدهم التوفيق، وتؤخذ المعاني والحدود والأحكام، من عالم رباني» (١).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى في رسالة بعث بها إلى بعض إخوانه من المسلمين: «وقد منَّ الله عليكم رحمكم الله في هذا الزمن، الذي غلبت فيه الجهالات، وفشت بين أهله الضلالات، والتحق بعصر الفترات، من يجدد لكم أمر هذا الدين، ويدعو إلى ما جاء به الرسول الأمين، من الهدى الواضح المستبين، وهو شيخ الإسلام والمسلمين، ومجدِّد ما اندرس من معالم الملة والدين، الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فبصَّر العدد العديد من العماية، وهدى بما دعا إليه من الضلالة، وأغنى بما فتح عليكم وعليه من العالة، وحصل من العلم ما يستعبد على أمثالكم في العادة، حتى ظهرت الحجة البيضاء، التي كان عليها صدر هذه الأمة وأئمتها» (٢).
стр. 390
المبحث الثاني
حكم من مات في الفترة مشركًا ولم تقم عليه حجة البلاغ
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين في رسالة بعث بها، إلى عبد الرحمن بن محمد بن نافع:
وأما حكم من مات في زمان الفترات ولم تبلغه دعوة رسول، فالله سبحانه أعلم بهم، واسم الفترة لا يختص بأمة دون أمة كما قال الإمام أحمد في خطبة على الزنادقة والجهمية: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، ويروى هذا اللفظ عن عمر ﵁.
والكلام في حكم أهل الفترة لسنا مكلفين به، والخلاف في المسألة معروف، لما تكلم في الفروع على حكم أطفال المشركين، وكذا من بلغ منهم مجنونًا، قال: ويتوجه مثلهما من لم تبلغه الدعوة وقاله: شيخنا.
وفي الفنون عن أصحابنا: لا يعاقب، وذكر عن ابن حامد يعاقب مطلقًا إلى أن قال القاضي أبو يعلى في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، وفي هذا دليل أن عرفة الله لا تجب عقلاً (١)، وإنما تجب بالشرع، وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك لم يقطع عليه بالنار. انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في طبقات المكلفين:
الطبقة الرابعة عشر (٢): قوم لا طاعة لهم ولا معصية ولا كفر ولا إيمان،