المبحث الرابع
عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم، يوجب الجهاد لأهله
إن مما يوجب الجهاد لمن اتصف به: عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم، لأن ذلك من نواقض الإسلام ومبطلاته، ومما تزول به عصمة الدم والمال. ومن ثم كان من أعظم حقوق المسلمين على ولي أمرهم أن يتولى بنفسه: القضاء على فتنة الذين ينهون عن تكفير المشركين، لئلا تتجرأ السفلة من عامة الأمة على الشك، والردة عن أصول الدين، بسبب أمنهم من سيف الشرع المسلول على رءوس المشركين والمرتدين.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى في رسالة بعث بها إلى إمام وقته فيصل بن تركي، يذكره فيها ببعض واجبات الإمامة:
«وكذلك يجب على ولي الأمر أن يقدم على من نسب عنه طعن وقدح في شيء من دين الله ورسوله، أو تشبيه على المسلمين في عقائدهم ودينهم، مثل: من ينهى عن تكفير المشركين، ويجعلهم من خير أمة أخرجت للناس لأنهم يدَّعون الإسلام، ويتكلَّمون بالشهادتين.
وهذا الجنس ضرره على الإسلام خصوصًا على العوام ضرر عظيم يخشى منه الفتنة، وأكثر الناس لا علم له بالحجج التي تنفي شبه المشبهين وزيغ الزائغين، بل تجده والعياذ بالله سلس القياد لكل من قاده أو دعاه، كما قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا على ركن وثيق أقرب شبهًا بهم: الأنعام السارحة» (١).
стр. 387
وقال بعض علماء نجد في بيان بعض الأمور التي يوجب كل واحد منها جهاد أهله:
«الأمر الثاني: مما يوجب الجهاد لمن اتصف به، عدم تكفير المشركين، أو الشك في كفرهم، فإن ذلك من نواقض الإسلام ومبطلاته، فمن اتصف به فقد كفر، وحل دمه وماله، ووجب قتاله حتى يكفر المشركين.
والدليل على ذلك قوله ﷺ : «من قال لا إله إلاَّ الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه»، فعلق عصمة المال والدم بأمرين:
الأمر الأول: قول: لا إله إلاَّ الله.
الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله.
فلا يعصم دم العبد وماله، حتى يأتي بهذين الأمرين، الأول قوله: لا إله إلاَّ الله، والمراد معناها لا مجرد لفظها، ومعناها: هو توحيد الله بجميع أنواع العبادة؛ الأمر الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، والمراد بذلك تكفير المشركين، والبراءة منهم، ومما يعبدون مع الله.
فمن لم يكفر المشركين من الدولة التركية، وعباد القبور، كأهل مكة وغيرهم، ممن عبد الصالحين، وعدل عن توحيد الله إلى الشرك، وبدل سنَّة رسوله ﷺ بالبدع، فهو كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم، ويبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين؛ فإن الذي لا يكفر المشركين، غير مصدق بالقرآن، فإن القرآن قد كفَّر المشركين، وأمر بتكفيرهم وعداوتهم وقتالهم.
قال الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ﵀ في نواقض الإسلام؛ الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحَّح مذهبهم، كفر؛ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: من دعا علي بن أبي طالب، فقد كفر، ومن شك في كفره فقد كفر» (١).
стр. 388
الفصل الثالث
العذر بالجهل
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: الزمان، زمان فترة.
المبحث الثاني: حكم من مات في الفترة مشركًا، ولم تقم عليه حجة البلاغ.
المبحث الثالث: من عبد غير الله فليس بمسلم، ولو كان جاهلاً ولم تقم عليه حجة البلاغ، مع استعراض لأحكام الناس قبل ظهور دعوة الشيخ في الدارين.
المبحث الرابع: مقتطفات من رسالتين لإمامين من أئمة الدعوة في حكم العذر بالجهل.
المبحث الخامس: الأدلة الصحيحة الصريحة الدالة على ثبوت وصف الشرك، وحكمه لمن وقع في عبادة غير الله، ولو كان جاهلاً أو متأوِّلاً، ولم تقم عليه حجة البلاغ.
المبحث السادس: حرمة الشرك الأكبر وفاقية التحريم، وإجماعية المنع والتأثيم، ولا توجد شبهة سائغة عليها تدرأ حكم الكفر عن أصحابها، ومن ثم انتفى العذر بالجهل فيها.
المبحث السابع: العذر بالخطأ في الشرك الأكبر، يلزم منه عدم تكفير طوائف من الكفار والزنادقة قد أجمعت الأمة على كفرها، وكفر من شك في كفرها، مع بيان أن الحكم بإسلام المشركين الجاهلين ليس عليه دليل إلا مجرد الدعوى المجردة.
стр. 389
المبحث الأول
الزمان، زمان فترة
لقد لحق زمان الإمام محمد بن عبد الوهاب وأحفاده بزمان أهل الفترة، وذلك لبعد العهد، وغربة الدين، وعجمة اللسان، التي حالت دون الفهم والبيان.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في رسالة بعث بها إلى علي بن حمد بن سليمان جاء فيها:
«والزمان: زمان فترة، يشبه زمن الجاهلية، وإن كانت الكتب موجودة، فهي لا تغني ما لم يساعدهم التوفيق، وتؤخذ المعاني والحدود والأحكام، من عالم رباني» (١).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى في رسالة بعث بها إلى بعض إخوانه من المسلمين: «وقد منَّ الله عليكم رحمكم الله في هذا الزمن، الذي غلبت فيه الجهالات، وفشت بين أهله الضلالات، والتحق بعصر الفترات، من يجدد لكم أمر هذا الدين، ويدعو إلى ما جاء به الرسول الأمين، من الهدى الواضح المستبين، وهو شيخ الإسلام والمسلمين، ومجدِّد ما اندرس من معالم الملة والدين، الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فبصَّر العدد العديد من العماية، وهدى بما دعا إليه من الضلالة، وأغنى بما فتح عليكم وعليه من العالة، وحصل من العلم ما يستعبد على أمثالكم في العادة، حتى ظهرت الحجة البيضاء، التي كان عليها صدر هذه الأمة وأئمتها» (٢).
стр. 390
المبحث الثاني
حكم من مات في الفترة مشركًا ولم تقم عليه حجة البلاغ
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين في رسالة بعث بها، إلى عبد الرحمن بن محمد بن نافع:
وأما حكم من مات في زمان الفترات ولم تبلغه دعوة رسول، فالله سبحانه أعلم بهم، واسم الفترة لا يختص بأمة دون أمة كما قال الإمام أحمد في خطبة على الزنادقة والجهمية: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، ويروى هذا اللفظ عن عمر ﵁.
والكلام في حكم أهل الفترة لسنا مكلفين به، والخلاف في المسألة معروف، لما تكلم في الفروع على حكم أطفال المشركين، وكذا من بلغ منهم مجنونًا، قال: ويتوجه مثلهما من لم تبلغه الدعوة وقاله: شيخنا.
وفي الفنون عن أصحابنا: لا يعاقب، وذكر عن ابن حامد يعاقب مطلقًا إلى أن قال القاضي أبو يعلى في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، وفي هذا دليل أن عرفة الله لا تجب عقلاً (١)، وإنما تجب بالشرع، وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك لم يقطع عليه بالنار. انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في طبقات المكلفين:
الطبقة الرابعة عشر (٢): قوم لا طاعة لهم ولا معصية ولا كفر ولا إيمان،
стр. 391
قال: وهؤلاء أصناف: منهم من لم تبلغه الدعوة بحال ولا سمع لها بخبر، ومنهم المجنون الذي لا يعقل شيئًا، ومنهم الأصم الذي لا يسمع شيئًا أبدًا، ومنهم أطفال المشركين، الذين ماتوا قبل أن يميِّزوا شيئًا.
فاختلفت الأمة في حكم هذه الطبقة اختلافًا كثيرًا، وذكر الأقوال واختار ما اختاره شيخه أنهم يكلفون يوم القيامة، واحتج بما رواه أحمد في مسنده عن الأسود بن سريع مرفوعًا قال: «أربعة يمتحنون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة».
أما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وأنا ما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يرمونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام، وما أعقل، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني من رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنَّه، فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار، فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا»، ثم رواه من حديث أبي هريرة بمثله وزاد في آخره، ومن لم يدخلها رد إليها. انتهى.
وذكر ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، قال: وهنا مسألة اختلف الأئمة فيها، وهي مسألة الولدان، الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار، وكذا المجنون والأصم والخرف ومن مات
стр. 392
في الفترة، وقد روي في شأنهم أحاديث أنا ذاكرها بعون الله، وتوفيقه.
ثم ذكر في المسألة: عشرة أحاديث افتتحها بالحديث الذي ذكرناه ثم اشار إلى الخلاف.
ثم قال: ومن العلماء من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيه، ومن عصى دخل النار وانكشف علم الله فيه، وهذا القول يجمع بين الأدلة.
وقد صرَّحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة، الشاهد بعضها لبعض، وهذا قول حكاه الأشعري عن أهل السنة، ثم رد قول من عارض ذلك بأن الآخرة ليست بدار تكليف إلى أن قال: ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة، وقد يتكلم فيها من لا علم عنده، كره جماعة من العلماء الكلام فيها، روي ذلك عن ابن عباس وابن الحنفية والقاسم ابن محمد وغيرهم.
قال: وليعلم أن الخلاف في الولدان مخصوص بأولاد المشركين.
فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء، حكاه القاضي أبو يعلى الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة.
فأما ما ذكره ابن عبد البر أنهم توقفوا في ذلك، وأن الولدان كلهم تحت المشيئة، وهو يشبه ما رسم مالك في موطَّئِه في أبواب القدر فهذا غريب جدًا، وذكر القرطبي في التذكرة نحوه» (١).
* * *
стр. 393
المبحث الثالث
من عَبَد غير الله فليس بمسلم، ولو كان جاهلاً ولم تقم عليه حجة البلاغ، مع استعراض لأحكام الناس قبل ظهور دعوة الشيخ في الدارين
فعل التوحيد وترك الشرك، هو أصل الأصول الاعتقادية، والحجة على الناس فيه قامت بالرسول والقرآن.
عبَّاد القبور، وإن كانوا جاهلين ومتأوِّلين، فليسوا بمسلمين عند شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأحفاده، امتدادًا لمدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام ابن القيم، ولذلك عندما يطلقون القول بالعذر، فهو مقيد بعبَّاد القبور وأمثالهم من المشركين، لعدم دخولهم في عداد المسلمين لديهم.
ولقد كانت أحكام الناس قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، على النحو الآتي:
من كان عاملاً بالإسلام، وتاركًا للشرك، فهو مسلم.
ومن كان واقعًا في عبادة الله سبحانه، فهذا ظاهره الكفر، ونفوِّض حكمه في الباطن (١) إلى الله تعالى، لاحتمال كونه لم تقم عليه حجة البلاغ.
فإن مات على ذلك، فلا يتصدق عنه، ولا يضحَّى له، ولا يُستغفر له، ولا يحكم ببراءة ذمته من الطاعات، كالحج مثلاً، إن قام به حال شركه، لأن تحقيق الإسلام شرط من شروط قبول الطاعات، وهو منتف لديه.
ومن مات منهم مجهول الحال فلا يحكمون بإسلامه، لأنه لم يكن أصلاً لديهم للحكم به على أقوامهم، وكذا لا يحكمون بكفره، لأنهم يعتقدون
стр. 394
أن الله لم يكلفهم بذلك.
فمن كان منهم مسلمًا، أدخل الله الجنة، ومن كان كافرًا في الظاهر والباطن، خلَّده في ناره، ومن لم تقم عليه الحجة، وكان واقعًا في الشرك الأكبر، فحكمه حكم أهل الفترات، وليس بمسلم على أية حال.
وكذلك حكم أئمة الدعوة في أموال أهل زمانهم: بحكم أموال الكفار الأصليين، أي: يستحقون التوارث فيما بينهم، ثم من اسلم منهم على شيء من المال فهو له، ولم يقولوا: بردة أقوامهم، لأن المرتد لا يرث، ولا يورث، لأن طرد ذلك القول: يجعل جميع أمول الكفار في زمانهم مستحقة لبيت المال، لأنهم مرتدون، وورثوها عن آبائهم المرتدين، وكذا الأموال التي بأيدي المسلمين، حتى يُثبت أحدهم أن أباه لم يكن مرتدًا.
وكذلك سلك أئمة الدعوة مع أقوامهم في الدعوة والقتال: مسلك الكفار الأصليين، الذي لم تقم عليهم حجة البلاغ، فلا يقاتلونهم حتى يبلغوهم إياها، فمن قبلها ودان بالإسلام قاتلوا به من وراءه، ومن أباها، قاتلوه قتال المشركين، ولما تحققوا من ظهور دعوتهم، وبلوغها لمن حولهم من الديار لم يتوجب عليهم الدعوة قبل القتال.
ولقد وردت أسئلة على أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحمد ابن ناصر ﵏ جميعًا منها جاء فيها:
«وأما السؤال الثالث، وهو قولكم ورد: «الإسلام يهدم ما قبله» وفي رواية: «يجبُّ ما قبله»، وفي حديث حجة الوداع: «ألا إن دم الجاهلية كله موضوع» إلخ، وظهر لنا من جوابكم: أن المؤمن بالله ورسوله، إذا قال أو فعل ما يكون كفرًا، جهلاً منه بذلك، فلا تكفرونه حتى تقوم عليه الحجة
الرسالية، فهل لو قتل من هذا حاله، قبل ظهور هذه الدعوة، موضوع أو لا؟
стр. 395
فنقول: إذا كان يعمل بالكفر والشرك، لجهله، أو عدم من ينبهه، بل لانحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة، ولكن لا نحكم بأنه مسلم، بل نقول: عمله هذا كفر، يبيح المال والدم، وإن كان لا نحكم على هذا الشخص لعدم قيام الحجة عليه، لا يقال إن لم يكن كافرًا فهو مسلم، بل نقول عمله عمل الكفار، وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه، متوقف على بلوغ الحجة الرسالية، وقد ذكر أهل العلم: أن أصحاب الفترات، يمتحنون يوم القيامة في العرصات، ولم يجعلوا حكمه حكم الكفار، ولا حكم الأبرار.
وأما حكم هذا الشخص إذا قتل، ثم أسلم قاتله، فإنا لا نحكم بديته على قاتله إذا أسلم، بل نقول: الإسلام جبَّ ما قبله، لأن القاتل قتله في حال كفره، والله أعلم ....
وأما قولكم: وهل ينفع هذا المؤمن المذكور، ما معه من أعمال البر، وأفعال الخير، قبل تحقيق التوحيد؟
فيقال لا يطلق على الرجال المذكور اسم الإسلام، فضلاً عن الإيمان، بل يقال: الرجل الذي يفعل الكفر، أو يعتقده في حال جهله، وعدم من ينبهه، إذا فعل شيئًا من أفعال البر، وأفعال الخير، أثابه الله على ذلك، إذا صحح إسلامه وحقق توحيده، كما يدل عليه حديث حكيم بن حزام: «أسلمت على ما أسلفت من خير».
وأما الححج الذي فعله في تلك الحالة، فلا نحكم ببراءة ذمته، بل نأمره بإعادة الحج، لأنا لا نحكم بإسلامه في تلك الحالة، والحج من شرط صحته: الإسلام، فكيف نحكم بصحة حجة وهو يفعل الكفر، أو يعتقده؟
ولكنا لا نكفره إلاَّ بعد قيام الحجة عليه، فإذا قامت عليه الحجة وسلك سبيل المحجة، أمرناه بإعادة الحج، ليسقط الفرض عنه بيقين» (١).
стр. 396
وسئل الشيخ حمد بن ناصر رحمه الله تعالى:
عن قول الفقهاء، إن المرتد لا يرث ولا يورث، فكفار أهل زماننا هل هم مرتدُّون؟ أن حكمهم حكم عبدة الأوثان، وأنهم مشركون؟
فأجاب: «أما من دخل في دين الإسلام ثم ارتد، فهؤلاء مرتدون، وأمرهم عندك واضح، وأما من لم يدخل في دين الإسلام، بل أدركته الدعوة الإسلامية، وهو على كفره، كعبدة الأوثان، فحكمه حكم الكفار الأصلي، لأنا لا نقول الأصل إسلامهم، والكفر طارئ عليهم.
بل نقول: الذين نشؤوا بين الكفار، وأدركوا آباءهم على الشرك بالله، هم كآبائهم، كما دل عليه الحديث الصحيح في قوله «فأبواه يهوِّدانه، أو ينصرِّانه، أو يمجِّسانه»، فإن كان دين آبائهم الشرك بالله، فنشأ هؤلاء واستمروا عليه، فلا نقول الأصل الإسلام والكفر طارئ، بل نقول: هم الكفار الأصليون، ولا يلزمنا على هذا تكفير من مات في الجاهلية قبل ظهور الدين، فإنا لا نكفر الناس بالعموم، كما أنما لا نكفر اليوم بالعموم.
بل نقول: من كان من أهل الجاهلية عاملاً بالإسلام، تاركًا للشرك، فهو مسلم.
وأما من كان يعبد الأوثان، ومات على ذلك قبل ظهور هذا الدين، فهذا ظاهره الكفر، وإن كان يحتمل أنه لم تقم عليه الحجة الرسالية، لجهله وعدم من ينبهه، لأنا نحكم على الظاهر، وأما الحكم على الباطن فذلك إلى الله، والله تعالى لا يعذب أحدًا إلاَّ بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥].
(حكم مجهول الحال)
وأما من مات منهم مجهول الحال، فهذا لا نتعرض له، ولا نحكم
стр. 397
بكفره ولا بإسلامه، وليس ذلك مما كلفنا به، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤].
فمن كان منهم مسلمًا أدخله الله الجنة، ومن كان كافرًا أدخله الله النار.
ومن كان منهم لم تبلغه الدعوة، فأمره إلى الله.
وقد علمت الخلاف في أهل الفترات، ومن لم تبلغهم الحجة الرسالية.
وأيضًا: فإنه لا يمكن أن نحكم في كفار زماننا، بما حكم به الفقهاء في المرتد: أنه لا يرث ولا يورث، لأن من قال لا يرث ولا يورث، يجعل ماله فيئًا لبيت مال المسلمين، وطرد هذا القول، أن يقال: جميع أملاك الكفار اليوم بيت مال، لأنهم ورثوها عن أهليهم، وأهلوهم مرتدون لا يورثون، وكذلك الورثة مرتدون لا يرثون، لأن المرتد لا يرث ولا يورث.
وأما إذا حكمنا فيهم بحكم الكفار الأصليين، لم يلزم شيء من ذلك، بل يتوارثون، فإذا اسلموا فمن أسلم على شيء فهو له، ولا نتعرض لما مضى منهم في جاهليتهم، لا الموارث ولا غيرها» (١).
وقال الشيخ حمد بن ناصر، رحمه الله تعالى، بعد أن بيَّن أن الله أرسل الرسل لئلا تكون للناس حجة عليه سبحانه بعد إرسالهم، وأن عبادة الله وحده لا شريك له، معلومة بالضرورة من الدين، وأن الحجة عليها بلوغ القرآن، فقال رحمه الله تعالى:
«إذا تقرر هذا، فنقول: إن هؤلاء الذين ماتوا قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية، وظاهر حالاهم الشرك، لا نتعرض لهم، ولا نحكم بكفرهم ولا بإسلامهم، بل نقول: من بلغته هذه الدعوة المحمدية، وانقاد لها، ووحَّد الله، وعبده وحده لا شريك له، والتزم شرائع الإسلام، وعمل بما أمر الله به،
стр. 398
وتجنَّب ما نهاه عنه، فهذا من المسلمين الموعودين بالجنة، في كل زمان وفي كل مكان.
وأما من كانت حاله حال أهل الجاهلية، لا يعرف التوحيد الذي بعث الله رسوله يدعو إليه، ولا الشرك الذي بعث الله رسوله ينهى عنه، ويقاتل عليه، فهذا لا يقال إنه مسلم لجهله، بل من كان ظاهر عمله الشرك بالله، فظاهره الكفر، فلا يستغفر له ولا يتصدَّق عنه، ونكل حاله إلى الله الذي يبلو السرائر، ويعلم ما تخفي الصدور.
(تكفير المعين: أي: الكفر المعذب عليه، لا يكون إلاَّ بعد إقامة الحجة)
ولا نقول: «فلان مات كافرًا، لأنا نفرق بين المعين وغيره، فلا نحكم على معين بكفر، لأنا لا نعلم حقيقة حاله وباطن أمره، بل نكل ذلك إلى الله، ولا نسب الأموات، بل نقول أفضوا إلى ما قدَّموا، وليس هذا من الدين الذي أمرنا الله به، بل الذي أمرنا به أن نعبد الله وحده ولا نشرك به، ونقاتل من أبى عن ذلك، بعد ما ندعوه إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، فإذا أصرَّ وعاند كفَّرناه، وقاتلناه» (١).
وقال الشيخان حسين وعبد الله ابنا محمد بن عبد الوهاب رحم الله الجميع، في الجواب على مسألة وردت عليهم، ضمن مسائل عدة:
(المسألة الثالثة عشرة): فيمن مات قبل هذه الدعوة، ولم يدرك الإسلام، وهذه الأفعال التي يفعلها الناس اليوم يفعلها، ولم تقم عليه الحجة ما الحكم فيه؟ وهل يلعن أو يسب أو يكف عنه؟ وهل يجوز لابنه الدعاء له؟ وما الفرق بين من لم يدرك هذه الدعوة، وبين من أدركها، ومات معاديًا لهذا الدين وأهله؟
الجواب: أن من مات من أهل الشرك، قبل بلوغ هذه الدعوة، فالذي يحكم عليه أنه إذا كان معروفًا بفعل الشرك، ويدين به، ومات على ذلك فهذا
стр. 399
ظاهره أنه مات على الكفر، فلا يدعى له، ولا يضحى له، ولا يتصدق عليه.
وأما حقيقة أمره فإلى الله تعالى، فإن كان قد قامت عليه الحجة في حياته، وعاند فهذا كافر في الظاهر والباطن، وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله تعالى.
وأما سبه ولعنه فلا يجوز، بل لا يجوز سبُّ الأموات مطلقًا، كما في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا»، إلاَّ إن كان أحد من أئمة الكفر وقد اغتر الناس به فلا بأس بسبه إذا كان فيه مصلحة دينية، والله أعلم (١).
وقال الشيخ عبد العزيز (قاضي الدرعية)، ومن حوله من العلماء، في رسالتهم المسمَّاة: (المسائل الشرعية إلى علماء الدرعية):
وأما السؤال الثالث وهو قولكم: قد ورد: «الإسلام يهدم ما قبله»، وفي رواية: «يجبُّ ما قبله» وفي حديث حجة الوداع: «ألا إن دم الجاهلية كله موضوع» إلخ ...
وظهر لنا من جوابكم أن المؤمن بالله ورسوله إذا قال أو فعل ما يكون كفرًا جهلاً منه بذلك فلا تكفرونه حتى تقوم عليه الحجة الرسالية، فهل لو قتل من هذا حاله قبل ظهور هذه الدعوة موضوع أو لا؟
فنقول: إذا كان يعمل بالكفر والشرك لجهله وعدم من ينبهه لا نحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة، ولكن نحكم بأنه مسلم (٢)، بل نقول: عمله
стр. 400
هذا كفر يبيح المال والدم.
وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص لعدم قيام الحجة عليه لا يقال: إن لم يكن كافرًا فهو مسلم بل نقول: عمله عمل الكفار وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه متوقف على بلوغ الحجة الرسالية إليه.
وقد ذكر أهل العلم أن أصحاب الفترات يُمتحون يوم القيامة في العرَصات، ولم يجعلوا حكمهم حكم الكفار، ولا حكم الأبرار. وأما حكم هذا الشخص إذا قتل ثم أسلم قاتله فإنا لا نحكم بديته على قاتله إذا أسلم، بل نقول الإسلام يجبُّ ما قبله؛ لأن القاتل قتله في حال كفره، والله أعلم ...
وأما قولكم وهل ينفع هذا المؤمن المذكور ما يصدر منه من أعمال البر وأفعال البر وأفعال الخير قبل تحقيق التوحيد جاهلاً، فيقال: لا يطلق على الرجل المذكور اسم الإسلام فضلاً عن الإيمان، بل يقال: الرجل الذي يفعل الكفر، أو يعتقده في حال جهله وعدم من ينبهه، إذا فعل شيئًا من أفعال البر وأفعال الخير أثابه الله على ذلك إذا صحَّح إسلامه وحقَّق توحيده، كما يدل عليه حديث حكيم بن حزام: «أسلمت على ما أسلفت من خير».
وأما الحج الذي فعله في تلك الحالة فلا نحكم ببراءة ذمته به بل نأمره بإعادة الحج، لأنا لا نحكم بإسلامه في تلك الحالة، والحج من شرط صحته: الإسلام، فكيف يحكم بصحة حجِّه وهو يفعل الكفر أو يعتقده؟
ولكنا لا نكفِّره لعدم قيام الحجة عليه، فإذا قامت عليه الحجة وسلك غير سبيل المحجة، أمرناه بإعادة الحج ليسقط الفرض عنه بيقين» (١).
* * *
стр. 401
المبحث الرابع
مقتطفات من رسالتي لإمامين من أئمة الدعوة في حكم العذر بالجهل
وإليكم: بعض مقتطفات من رسائل أئمة الدعوة، التي سطَّروها بأيديهم ليجلوا فيها: حكم من وقع في الشرك الأكبر بجهل وتأويل، ليتقرَّب به إلى الله زلفى في وقت حال فيه: الجهل، وعجمة اللسان، وخفاء العلم، مع شيوع التلبيس والتحريف، عن إقامة الحجة.
وقرر هؤلاء الأئمة الأعلام: أن القيام بالتوحيد، والانخلاع من الشرك، هو أصل الأصول الاعتقادية، ولقد قامت الحجة فيه على الناس بالرسول والقرآن.
وأن التعريف يكون في: المسائل الخفية دون الجلية. وأن عباد القبور ليسوا بمسلمين، ولا يدخلون في مسمَّى الإسلام، ومن ثم فعندما يطلق الأئمة: النهي عن تكفير المسلمين، فهو مقيد بعبَّاد القبور وأمثالهم من المشركين، لأنهم ليسوا من أهل القبلة، فالشرك الأكبر مناف للتوحيد والإسلام، ومضاد لهما من كل وجه، والعبد يستحيل أن يكون مسلمًا، إلاَّ بفعل التوحيد والتزام أحكامه، مع البراءة والانخلاع من الشرك والمشركين.
وأن المشرك الجاهل من هذه الأمة، الذي لم يتمكن من معرفة الحق لعجزه، ولم تقم عليه حجة البلاغ، فحكمه - على أقل الأحوال - حكم أهل الفترات، وليس بمسلم على أية حال.
وأن عدم إعذار المشرك بجهله وخروجه من عداد المسلمين، مسألة وفاقية، ولا تشكل إلاَّ على مدخول عليه في اعتقاده.
وأنه يلزم من إعذار المشرك بجهله: عدم تكفير اليهود والنصارى.
وأن العذاب في الدارين لا يكون إلاَّ بعد بلوغ الحجة.
стр. 402
مقتطفات من الرسالة الأولى
(حكم تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة)
بقلم: الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلاَّ على الظالمين والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله الأحد الصمد، الذي لا يستغاث في الشدائد ولا يدعى إلاَّ إياه، فمن عبد غيره فهو: المشرك الكفور، بنص القرآن، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، الذي قامت به الحجة على العالمين، فلا نبي بعده ولا رسول، أما بعد:
فقد بلغنا وسمعنا من فريق ممن يدَّعي العلم والدين، وممن هو بزعمه مؤتم بالشيخ محمد بن عبد الوهاب: أن من أشرك بالله وعبد الأوثان لا يطلق عليه الكفر والشرك بعينه. ذلك أن بعض من شافهني منهم بذلك سمع من بعض الإخوان أنه أطلق الشرك والكفر على رجل دعا النبي ﷺ واستغاث به، فقال له الرجل: لا تطلق عليه الكفر حتى تعرفه ...
رغبوا عن رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب - قدَّس الله روحه - ورسائل بنيه، فإنها كفيلة بتبيين جميع هذه الشبه جدًا كما سيمرُّ. ومن له أدنى معرفة إذا رأى حال الناس اليوم، ونزر إلى اعتقاد المشايخ المذكورين تحيَّر جدًا، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وذلك أن بعض من أشرنا إليه، بحثته عن هذه المسألة فقال: نقول لأهل هذه القباب الذين يعبدونها ومن فيها: فعلك هذا شرك وليس هو بمشرك، فانظر ترى، واحمد ربك واسأله العافية. فإن هذا
стр. 403
الجواب من بعض أجوبة العراقي (١)، التي يرد عليها الشيخ عبد اللطيف.
وذكر الذي حدثني عن هذا أنه سأله بعض الطلبة عن ذلك وعن مستدلهم، فقال: نكفر النوع ولا نعين الشخص إلاَّ بعد التعريف، ومستندنا ما رأيناه في بعض رسائل الشيخ محمد - قدَّس الله روحه - على أنه امتنع من تكفير من عبد قبة الكواز وعبد القادر من الجهال لعدم من ينبِّه ...
ونحن نقول: الحمد لله وله الثناء، ونسأله المعونة والسداد، ولا نقول إلاَّ كما قال مشايخنا، الشيخ محمد في إفادة المستفيد، وحفيده في رده على العراقي، وكذلك هو قول أئمة الدين قبلهم، ومما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام: أن المرجع في مسائل أصول الدين إلى الكتاب والسنة وإجماع الأمة المعتبر، وهو ما كان عليه الصحابة، وليس المرجع إلى عالم بعينه في ذلك.
فمن تقرر عنده هذا الأصل تقريرًا لا يدفعه شبهة وأخذ بشراشير قلبه، هان عليه ما قد يراه من الكلام المشتبه في بعض مصنفات أئمته، إذ لا معصوم إلاَّ النبي ﷺ .
ومسألتنا هذه وهي: عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة من عبادة ما سواه، وأن من عبد مع الله غيره فقد أشرك الشرك الأكبر، الذي ينقل عن الملَّة، هي أصل الأصول، وبها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وقامت على الناس الحجة بالرسول وبالقرآن وهكذا تجد الجواب من أئمة الدين في ذلك الأصل عند تكفير من أشرك بالله، فإنه يستتاب فإن تاب وإلاَّ قتل، ولا يذكرون التعريف في مسائل الأصول، إنما يذكرون التعريف في المسائل
стр. 404
الخفية، التي قد يخفي دليلها على بعض المسلمين، كمسائل نازع بها بعض أهل البدع، كالقدرية والمرجئة، أو في مسألة خفية: كالصرف والعطف.
وكيف يعرفون عبَّاد القبور، وهم ليسوا بمسلمين، ولا يدخلون في مسمَّى الإسلام، وهل يبقى مع الشرك عمل والله تعالى يقول: ﴿وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، «ومن يشرك بالله فقد حبط عمله» (١). إلى غير ذلك من الآيات، ولكن هذا المعتقد يلزم منه معتقد قبيح، وهو: أن الحجة لم تقم على هذه الأمة بالرسول والقرآن، نعوذ بالله من سوء الفهم الذي أوجب لهم نسيان الكتاب والرسول. بل أهل الفترة الذين، لم تبلغهم الرسالة والقرآن، وماتوا على الجاهلية لا يسمون مسلمين بالإجماع ولا يستغفر لهم، وإنما اختلف أهل العلم في تعذيبهم في الآخرة ...
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدَّس الله روحه في الرسالة التي كتب إلى أحمد بن عبد الكريم صاحب الأحساء، أحد الصلحاء أولاً، وقبل أن يفتتن، فنذكر منها شيئًا لمشابهة من رددنا عليه كصاحب الرسالة وهذا نصُّها:
«من محمد بن عبد الوهاب إلى أحمد بن عبد الكريم سلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، أما بعد وصل مكتوبك تقرر المسألة التي ذكرت، وتذكر أن عليك إشكال تطلب إزالته، ثم ورد منك رسالة تذكر أنك عثرت على كلام شيخ الإسلام أزال عنك الإشكال، فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام، وعلى أي شيء يدل كلامه على أن من عبد الأوثان عبادة اللاَّت والعزى،
وسبَّ دين الرسول بعد ما شهد به، مثل سب أبي جهل، أنه لا يكفر بعينه، بل
стр. 405
العبارة صريحة واضحة في تفكير مثل: ابن فيروز وصالح بن عبد الله وأمثالهما، كفرًا ظاهرًا ينقل عن الملة فضلاً عن غيرهما، هذا صريح واضح من كلام ابن القيم، وفي كلام الشيخ الذي ذكرت أنه أزال عنك الإشكال في كفر من عبد الوثن، الذي على قبر يوسف وأمثاله، ودعاهم في الشدائد والرخا، وسبَّ دين الرسول، بعدما أقرَّ وشهد به، ودان بعبادة الأوثان بعدما أقرَّ بها ...
ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى في تلك الرسالة بعدما ذكر كثرة من ارتد عن الإسلام بعد النبي ﷺ ، كالذين في زمن أبي بكر ﵁ حكموا عليهم بالردة بمنع الزكاة، وكأصحاب علي وأهل المسجد الذين بالكوفة، وبنو عبيد القدَّاح، كل هؤلاء حكموا عليهم بالردة بأعيانهم، ثم قال: وأما عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية التي لبسوا بها عليك فهي أغلظ من هذا كله، ولو نقول بها لكفرنا كثيرًا من المشاهير بأعيانهم فإنه صرح فيها: بأن المعيَّن لا يكفر إلاَّ إذا قامت عليه الحجة، فإذا كان المعيَّن يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم: أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله، مثل أبي بكر الصديق ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا عن ما يعذر به، فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ [الكهف: ٥٧]، وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢].
(المقالات الخفية، والمسائل الجزئية، هي التي لا يكفر المعيَّن فيها إلاَّ بعد إقامة الحجة)
وإذا كان كلام الشيخ ليس في الردة والشرك، بل في المسائل الجزئيات، ثم قال: يوضح ذلك أن المنافقين إذا أظهروا نفاقهم صاروا مرتدين، فأين نسبتك أنه لا يكفر أحدًا بعينه.؟!
стр. 406
وقال أيضًا في كلامه على المتكلمين، ومن شاكلهم، لما ذكر من أئمتهم شيئًا من أنواع الردة، والكفر قال رحمه الله تعالى: وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن يقع في طوائف منهم في هذه الأمور الظاهرة، التي يعلم المشركون واليهود والنصارى أن محمدًا ﷺ بعث بها وكفَّر من خالفها، مثل: أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من النبيين والملائكة وغيرهم، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام. ثم تجد كثيرًا من رؤسائهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين، وكثير تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة، - إلى أن قال -: وأبلغ من ذلك أن منهم من صنف في الردة، كما صنف: الرازي في عبادة الكواكب، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين.
هذا لفظه بحروفه، فتأمل كلامه في التفرقة بين المقالات الخفية، وبين ما نحن فيه في كفر المعين، وتأمل تكفيره رؤسائهم فلانًا وفلانًا بأعيانهم وردتهم ردة صريحة، وتأمل تصريحه بحكاية الإجماع على ردة الفخر الرازي عن الإسلام، مع كونه من أكابر أئمة الشافعية، هل يناسب هذا من كلامه أن المعين لا يكفر، ولو دعا عبد القادر في الرخا والشدة، ولو أحبَّ عبد الله بن عوف، وزعم أن دينه حسن، مع عبادته لأبي حديدة ....
انتهى كلام الشيخ من الرسالة المذكورة بحروفه مع بعض الاختصار، فراجعها من التاريخ فإنه نافعة جدًا ....
ومن الدليل على مسألتنا ما كتب الشيخ رحمه الله تعالى إلى عيسى بن قاسم وأحمد بن سويلم، لما سألاه عن قول شيخ الإسلام تقي الدين - قدس الله روحه - من جحد ما جاء به الرسول وقامت عليه الحجة فهو كافر.
فأجاب بقوله: إلى الأخوين عيسى بن قاسم وأحمد بن سويلم سلام
стр. 407
عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
ما ذكرتموه من كلام الشيخ كل من جحد كذا وكذا، وأنكم تسألوه عن هؤلاء الطواغيت وأتباعهم هل قامت عليهم الحجة أم لا؟ فهذا من العجب العجاب كيف تشكُّون في هذا، وقد وضحت لكم مرارًا أن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد بالإسلام، أو الذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسائل خفية، مثل: الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرف.
وأما أصول الدين التي وضَّحها الله في كتابه فإن حجة الله هي: القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٤].
وقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمهم إياها نوع آخر ....
وقد ذكر الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله تعالى في شرح التوحيد في مواضع منه: أن من تكلم بكلمة التوحيد وصلَّى وزكى، ولكن خالف ذلك بأفعاله وأقواله من دعاء الصالحين والاستغاثة بهم والذبح لهم، أنه شبيه باليهود والنصارى في تكلمهم بكلمة التوحيد ومخالفتهم.
فعلى هذا يلزم من قال: بالتعريف للمشركين أن يقول: بالتعريف باليهود والنصارى، ولا يكفرهم إلاَّ بعد التعريف، وهذا ظاهر بالاعتبار جدًا.
وأما كلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى على هذه المسألة فكثير جدًا، فنذكر من ذلك شيئًا يسيرًا لأن المسألة وفاقية، والمقام مقام اختصار، فلنذكر من كلامه ما ينبهك على الشبه، التي استدل بها من ذكرنا في الذي يعبد قبة الكواز، وأن الشيخ توقف في تكفيره، ونذكر أولاً
стр. 408
مساق الجواب وما الذي سيق لأجله وهو: أن الشيخ محمد ﵀، ومن حكى عنه هذه القصة يذكرون ذلك معذرة له عن ما يدعيه خصومه عليه من تكفير المسلمين، وإلاَّ فهي نفسها دعوى لا تصلح أن تكون حجة، بل تحتاج لدليل وشاهد من القرآن والسنة، ومن فتح الله بصيرته، وعوفي من التعصب، وكان ممن اعتنى ببيان هذه المسألة بيانًا شافيًا، وجزم بكفر المعين في جميع مصنفاته، ولا يتوقف في شيء منها، ولنرجع إلى مساق الجواب الذي أشرنا إليه.
قال الشيخ عبد اللطيف ﵀ على قول العراقي: قد كفِّرتم الحرمين وأهلها، فذكر كلامه وأجاب عنه إلى أن قال: قال العراقي: ومن المعلوم أن المنع من تكفير المسلمين الذين تكلموا في هذا الباب وإن أخطأوا، من أحق الأغراض الشرعية، وهو إذا اجتهد فله أجران إن اصاب، وإن أخطأ فله أجر واحد. انتهى كلام العراقي. والجواب أن يقال: هذا الكلام من جنس تحريفه الذي قررناه، وفي هذا تحريفين:
أحدهما: أنه أسقط السؤال وفرضه في التكفير، في المسائل التي وقع فيها نزاع وخلاف بين أهل السنة والجماعة والخوارج والروافض، فإنهم كفروا المسلمين وأهل السنة بمخالفتهم فيما ابتدعوه وأصَّلوه ووضعوه وانتحلوه ما سقط (١) هذا خوفًا من أن يقال دعا أهل القبور وسؤالهم والاستغاثة بهم من هذا الباب، ولم يتنازع فيها المسلمون، بل هي مجمع على أنها من الشرك المكفر كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية، وجعلها مما لا خلاف في التكفير بها، فلا يصح حمل كلامه هنا على ما جزم هو بأنه كفر مجمع عليه،
стр. 409
ولو صح حمل هذا العراقي لكان قوله قولاً مختلفًا، وقد نزهه الله وصانه عن هذا، فكلامه متفق يشهد بعضه لبعض.
إذا عرفت هذا عرفت تحريف العراقي في إسقاطه بعض الكلام وحذفه، وأيضًا فالحذف لأصل الكلام يخرجه عن وجهه وإرادة المقصود.
التحريف الثاني: أن الشيخ ﵀ قال: أصل التكفير للمسلمين، وعبارات الشيخ أخرجت عبَّاد القبور من مسمَّى المسلمين، كما سننقل من كلامه في الحكم عليهم بأنهم لا يدخلون في المسلمين في مثل هذا الكلام، فذكر كلامًا فيما أخطأ من المسلمين في بعض الفروع - إلى أن قال -: فمن اعتقد في بشر أنه إله، أو دعا ميتًا وطلب منه الرزق والنصر والهداية وتوكل عليه وسجد له، فإنه يستتاب فإن تاب وإلاَّ ضربت عنقه. انتهى.
فبطل استدلال العراقي وانهدم من أصله كيف يجعل النهي عن تكفير المسلمين متناولاً لمن يدعو الصالحين، ويستغيث بهم مع الله، ويصرف لهم من العبادات ما لا يستحق إلاَّ الله؟! وهذا باطل بنصوص الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة.
ومن عجيب جهل العراقي أنه يحتج على خصمه بنفس الدعوى، والدعوى لا تصلح دليلاً، فإن دعوى العراقي لإسلام عباد القبور تحتاج دليلاً قاطعًا على إسلامهم، فإذا ثبت إسلامهم منع من تكفيرهم، والتفريع ليس مشكلاً ....
وقال - أي الإمام محمد بن عبد الوهاب - وقد سئل عن مثل هؤلاء الجهال، فقرر: أن من قامت عليه الحجة وتأهَّل لمعرفتها يكفر بعبادة القبور، وأما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه فلا أردي ما حاله. وقد سبق من كلامه ما فيه كفاية، مع أن العَلاَّمة ابن القيم ﵀ جزم بكفر المقلدين لمشايخهم في المسائل المكفرة إذا تمكنوا من طلب الحق ومعرفته وتأهَّلوا لذلك،
стр. 410
وأعرضوا، ولم يلتفتوا، ومن لم يتمكن، ولم يتأهل لمعرفة ما جاءت به الرسل، فهو عنده من جنس أهل الفترة، ممن لم تبلغه دعوة لرسول من الرسل.
كلا النوعين لا يحكم بإسلامهم، ولا يدخلون في مسمَّى المسلمين، حتى عند من لم يكفر بعضهم - وسيأتيك كلامه -. وأما الشرك فهو يصدق عليهم، واسمه يتناولهم، وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله وقاعدته الكبرى: شهادة أن لا إله إلاَّ الله ....
قلت - أي الشيخ إسحاق صاحب الرسالة -: وهذا من أعظم ما يبين الجواب عن قوله في الجاهل العابد لقبة الكواز، لأنه لم يستثن في ذلك لا جاهلاً ولا غيره، وهذه طريقة القرآن: تكفير من أشرك مطلقًا وتوقفه ﵀ في بعض الأجوبة، يحمل على أنه لأمر من الأمور، وأيضًا فإنه كما ترى توقف مرة كما في قوله: وأما من أخلد إلى الأرض فلا أدري ما حاله.
فيا لله العجب كيف يترك قول الشيخ في جميع المواضع، مع دليل الكتاب والسنة، وأقوال شيخ الإسلام وابن القيم، كما في قوله من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، ويقبل في موضع واحد من الإجمال ....
ولنذكر كلامًا لابن القيم ذكره في طبقات المكلفين نقله عنه الشيخ «عبد اللطيف» في رده على العراقي مثل التفسير لما ذكرنا لك، ويجلو عنك بقايا هذه الشبهة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب طبقات المكلفين، لما ذكر رءوس الكفار، الذين صدُّوا عن سبيل الله، وأن عذابهم مضاعف، ثم قال: الطبقة السابعة عشر، طبقة المقلِّدين وجهَّال الكفر وأتباعهم وحميرهم، الذين هم معهم تبع، يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة، ولنا أسوة بهم، ومع هذا فهم مسالمون لأهل الإسلام غير محاربين لهم، كنساء المحاربين وخدمهم
стр. 411
وأتباعهم، الذين لم ينصبوا أنفسهم لما نصب له أولئك أنفسهم من السعي في إطفاء نور الله، وهدم دينه، وإخماد كلماته، بل هم بمنزلة الدواب، وقد اتفقت الأمة على أنَّ هذه الطبقة كفار، وإن كانوا جهالاً مقلدين لرؤساءهم وأئمتهم، إلاَّ ما يحكى عن بعض أهل البدع، أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقل به أحد، من أئمة المسلمين ولا الصحابة ولا التابعون ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام.
وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من مولد إلاَّ وهو يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، فأخبر أن أبواه ينقلانه عن الفطرة إلى اليهودية أو النصرانية أو المجوسية، ولم يعتبر في ذلك غير المربى والمُنشأ على ما عليه الأبوان، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الجنة لا يدخلها إلاَّ نفس مسلمة»، وهذا المقلد ليس بمسلم، وهو عاقل مكلف، والعاقل لا يخرج عن الإسلام أو الكفر، وأما من لم تبلغه الدعوة فليس بمكلف في تلك الحال، وهو بمنزلة الأطفال والمجانين، وقد تقدم الكلام عليهم.
- قلت: وهذا الصنف أعني من لم تبلغهم الدعوة، هم الذين استثناهم شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقل العراقي، واستثناهم شيخنا محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
والإسلام: هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان برسوله واتباعه فيما جاء به. فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرًا معاندًا، فهو كافر جاهل، فغاية هذه الطبقة أنهم: كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم، لا يخرجهم عن كونهم كفارًا، فإن الكافر: من جحد توحيد الله تعالى، وكذَّب رسوله، إما عنادًا، وإما جهلاً وتقليدًا لأهل العناد.
стр. 412
فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند، فهو متَّبع لأهل العناد.
وقد أخبر الله تعالى في القرآن في غير موضع: بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار، وأن الأتباع مع متبوعهم، وأنهم يتحاجُّون في النار (ثم ذكر آيات في هذا وأحاديث ثم قال)، وهذا يدل على أن كفر من اتبعهم إنما هو: مجرد اتباعهم وتقليدهم. نعم لا بد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين: ملقد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود، فالمتمكن والمعرض، مفرط تارك للواجب عليه، لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه، فهم قسمان:
أحدهما: مريد للهدى، مؤثر له، محب له، غير قادر عليه، ولا على طلبه لعدم مرشد، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة.
الثاني: مُعرض لا إرادة له ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه.
فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك دينًا خيرًا مما أنا عليه، لدنت به وتركت ما أنا عليه، ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه، ولا اقدر على غيره، فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي.
والثاني: راض بما عو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته. وكلاهما عاجز، وهذا لا يجب أن يلحق الأول لما بينهما من الفرق، فالأول: كما طلب الدين في الفترة فلم يظفر به، فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزًا وجهلاً، والثاني: كمن لم يطلب بل مات على شركه، ولو كان طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المُعرض. والله يقضي بين عباده يوم القيامة بعدله وحكمته، ولا يعذب إلاَّ من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة
стр. 413
الخلق، وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا، فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وعباده فيه.
بل الواجب على العبد أن يعتقد: أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله تعالى لا يعذب أحدًا إلاَّ بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله، وحكمه هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم.
وبهذا التفصيل يزول الإشكال في هذه المسألة وهو مبني على أربعة أصول:
أحدها: أن الله سبحانه لا يعذب أحدًا إلاَّ بعد قيام الحجة عليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وذكر آيات ثم قال: وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦].
والظالم: من عرف ما جاء به الرسول ﷺ ، أو تمكن من معرفته ثم خالفه وأعرض عنه، وأما من لم يكن عنده من الرسول علم أصلاً، ولا تمكن من معرفته بوجه، وعجز عن ذلك فكيف يقال أنه ظالم.
الأصل الثاني: أن العذاب يستحق بشيئين:
أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها.
الثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها.
فالأول: كفر إعراض، والثاني: كفر عناد.
وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها، فهذا هو الذي نفى الله التعذيب عليه حتى تقوم حجته بالرسل.
الأصل الثالث: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة
стр. 414
والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتميزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه لكونه لا يفهم ولم يحضر ترجمان يترجم له، فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئًا، ولا يتمكن من التفهم وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة، كما تقدم في حديث الأسود وأبي هريرة وغيرهما إلى آخره.
ثم قال الشيخ (١) ﵀: فقف هنا وتأمل هذا التفصيل البديع، فإنه ﵀ لم يستثن إلاَّ من عجز عن إدراك الحق، مع شدة طلبه وإرادته له، فهذا الصنف هو المراد في كلام شيخ الإسلام وابن القيم وأمثالهما من المحققين، وأما العراقي وإخوانه المبطلون فشبهوا بأن الشيخ لا يكفر الجاهل، وأنه يقول هو معذور، وأجملوا القول ولم يفصلوا، وجعلوا هذه الشبهة ترسًا يدفعون به الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وصاحوا على عباد الله الموحدين، كما جرى لأسلافهم من عباد القبور والمشركين.
وإلى الله المصير وهو الحاكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون إلى آخر ما ذكر الشيخ ﵀.
فتأمل إن كنت ممن يطلب الحق بدليله، وإن كنت ممن صمَّم على الباطل، وأراد أن يستدل عليه بما أجمل من كلام العلماء، فلا عجب.
وصلَّى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين» (٢).
* * *
стр. 415
مقتطفات من الرسالة الثانية
بقلم الشيخ
عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
اعلم: أيها الطالب للحق، الراغب في معرفة الإخلاص والصدق، أنه ورد علينا أوراق صدرت من رجل سوء، تتضمن التحذير من التكفير، من غير تحقيق ولا تحرير، يقول فيها: قال شيخ الإسلام ابن تيمية، في الرد على أهل الرفض من الخوارج والاعنزال ....
وهذا الرجل قد أخذ بطريقة من يكفِّر بتجريد التوحيد، فإذا قلنا: لا يعبد إلاَّ الله ولا يدعى إلاَّ هو، ولا يرجى سواه ولا يتوكل إلاَّ عليه، ونحو ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلاَّ لله، وأن من توجه بها لغير الله فهو كافر مشرك، قال: ابتدعتم وكفرتم أمة محمد، أنتم خوارج، أنتم مبتدعة.
وأخذ من كلام شيخ الإسلام في أهل البدع، ما كتبه يعرض بأهل التوحيد، ولا يخفى ما قاله شيخ الإسلام: فيمن أشرك بالله.
قال رحمه الله تعالى: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم ويتوكل عليهم، كفر إجماعًا ....
وقال في «الرسالة السَّنية» وكل من غلا في نبي، أو رجلا صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا
стр. 416
شرك، وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلاَّ قتل ....
والمقصود: بيان ما كان عليه شيخ الإسلام، وإخوانه من أهل السنَّة والجماعة من إنكار الشرك ألأكبر الواقع في زمانهم، وذكرهم الأدلة من الكتاب والسنَّة على كفر من فعل هذا الشرك أو اعتقده، فإنه بحمد الله يهدم ما بناه - هذا الجاهل المفتري - على شفا جرف هار ....
ولا ريب: أن الله تعالى لم يعذر أهل الجاهلية، الذين لا كتاب لهم، بهذا الشرك الأكبر، كما في حديث عياض بن حمار: عن النبي ﷺ : «إن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم، إلاَّ بقايا من أهل الكتاب»، فكيف يعذر أمة كتاب الله بين أيديهم، يقرؤونه، ويسمعونه، وهو حجة الله على عباده، كما قال تعالى: ﴿هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢].
كذلك سنَّة رسول الله ﷺ ، التي بيَّن فيها: افتراق الأمة، إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلاَّ واحدة، وهي الجماعة.
ثم يجيء من يموه على الناس، ويفتنهم عن التوحيد، بذكر عبارات لأهل العلم، يزيد فيها وينقص، وحاصلها: الكذب عليهم؛ لأنه في أناس لهم إسلام ودين، وفيهم مقالات كفرهم بها طائفة من أهل العلم، وتوقف بعضهم في تكفيرهم حتى تقوم عليهم الحجة، ولم يذكرهم بعض العلماء في جنس المشركين، وإنما ذكروهم في الفساق، كما ستقف عليه في كلام العلاَّمة ابن القيم، إن شاء الله تعالى ...
(الفرق بين: المشرك والمبتدع)
وقد سلف الوعد: بأن نذكر ما قاله العلاَّمة ابن القيم.
стр. 417
قال ﵀: وفسق الاعتقاد كفسق أهل البدع، الذين يؤمنون بالله ورسوله، واليوم الآخر، ويحرمون ما حرَّمه الله ورسوله، ويوجبون ما أوجبه الله؛ لكن ينفون كثيرًا مما أثبته الله ورسوله، جهلاً وتأويلاً، وتقليدًا للشيوخ، ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك، وهؤلاء كالخوارج المارقة، وكثير من الروافض، والقدرية، والمعتزلة، وكثير من الجهمية، الذين ليسوا غلاة في التجهم.
وأما غالية الجهمية: فكغلاة الرافضة، وليس للطائفتين في الإسلام نصيب؛ ولذلك أخرجهم جماعة من السلف من الثنتين وسبعين فرقة وقالوا: هم مباينون للملَّة ... إلى أن قال: فتوبة هؤلاء الفساق، من جهة الاعتقادات الفاسدة، بمحض اتباع السنَّة، ولا يكتفي منهم بذلك أيضًا، حتى يبينوا فساد ما كانوا عليه من البدعة، إذ التوبة من كل ذنب هي بفعل ضده. انتهى المقصود. فتأمل كيف جعل أهل هذه البدع في جنس الفساق، لأنهم يؤمنون بالله ورسوله، واليوم الآخر ....
وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، في الفتاوى المصرية: قد قال بعض الناس إنه تجوهر، وهذا قول قوم داوموا على الرياضة مدة، فقالوا: لا نبالي بما علمنا (١)، وإنما الأمر والنهي رسم العوام، ولو تجوهروا سقط عنهم، وحاصل النبوة يرجع إلى الحكمة والمصلحة، والمراد منها ضبط العوام، ولسنا من العوام فندخل في التكليف؛ لأنا قد تجوهرنا، وعرفنا الحكمة.
فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى، بل هم أكفر أهل الأرض، فإن اليهود والنصارى آمنوا ببعض، وكفروا ببعض، وهؤلاء كفروا بالجميع، خارجون عن التزام شيء من الحق؛ ثم قال: ومن جحد بعض الواجبات
الظاهرة المتواترة، أو جحد بعض المحرَّمات الظاهرة، كالفواحش والظلم،
стр. 418
والخمر والزنا والربا، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة، كالخبز واللحم والنكاح، فهو كافر مرتد، يستتاب فإن تاب وإلاَّ قتل.
قلت: ولم يقل شيخ الإسلام: إنهم يعذرون بالجهل، بل كفَّرهم، وقال: إنهم ارتدوا؛ قال: ومن أضمره فهو منافق، لا يستتاب عند أكثر العلماء؛ ومن هؤلاء: من يستحل بعض الفواحش، كمواخات النساء الأجانب، والخلوة بهن، والمباشرة لهن، في عامة أن يحصل لهن البركة، بما يفعله معهن، وإن كان محرَّمًا في الشريعة.
وكذلك من يستحل ذلك في المردان، ويزعم أن التمتع بالنظر إليهم، ومباشرتهم، هو طريق لبعض السالكين، حتى يترقى في محبة المخلوق إلى محبة الخالق، ويأمرون بمقدمات الفاحشة الكبرى، كما يستحلها من يقول: إن اللواط مباح بملك اليمين، هؤلاء كلهم كفار باتفاق أئمة المسلمين. انتهى.
قلت: فنحن - بحمد الله - ننكر هذه الكفريات، ونعادي أهلها، فإن أبى المنحرف، إلاَّ أن يطعن علينا بقوله: كفَّرتم أمة محمد؛ قلنا: معاذ الله، لا نكفر مسلمًا، ولا نجحد ما أعطى الله أمة محمد ﷺ من الفضائل، التي لم يعطها أمة قبلها، وهم الأمة الوسط بنص الكتاب ...
(المشرك: أثبت ما نفته لا إله إلا الله، ونفى ما أثبتته، فكيف يكون مسلمًا)؟
وقد اغتر كثير من الناس في أمر الدين، بمجرد التلفظ بلا إله إلاَّ الله، مع الجهل بمدلولها، ومخالفة مضمونها، قولاً وعملاً واعتقادًا، فيثبت ما نفته لا إله إلاَّ الله، ومن الشرك بالله، وينفي ما أثبتته لا إله إلاَّ الله، من إخلاص العبادة لله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
فإذا دعا غير الله، واستغاث به فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله؛ وقال له الموحِّدون:
стр. 419
لا يعبد إلاَّ الله، والعبادة بجميع أنواعها مقصورة على الله؛ قال: تنقَّصتم الصالحين، وأمثال ذلك من العبارات، المتضمنة للكفر بمعنى لا إله إلاَّ الله، والإنكار على من دعا إلى مضمون لا إله إلاَّ الله، وهو إخلاص العبادة لله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥].
فما أشبه هؤلاء بمن نزلت فيهم هذه الآية ....
ثم إن الجاهل المرتاب، قال في أوراقه قولاً، قد تقدَّم الجواب عنه، ولا بد من ذكره، قال: فإذا قال المسلم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. يقصد من سبقه من قرون الأمة بالإيمان، وإن كان قد أخطأ في تأويل تأوله، أو قال كفرًا، أو فعله، وهو لا يعلم أنه يضاد الشهادتين، فإنه من إخوانه الذين سبقوه بالإيمان.
(الأدلة على عدم العذر بالجهل، أو بالخطأ في الشرك الأكبر)
فأقول: انظر إلى هذا التهافت والتخليط، والتناقض، ولا ريب: أن الكفر ينافي الإيمان، ويبطله، ويحبط الأعمال، بالكتاب والسنَّة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥].
ويقال: كل كافر قد أخطأ، والمشركون لا بد لهم من تأويلات، ويعتقدون أن شركهم بالصالحين، تعظيم لهم ينفعهم، ويدفع عنهم، فلم يعذروا بذلك الخطأ، ولا بذلك التأويل، بل قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠].
стр. 420
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥].
فأين ذهب عقل هذا عن هذه الآيات، وأمثالها من الآيات المحكمات؟!
والعلماء رحمهم الله تعالى سلكوا منهج الاستقامة، وذكروا باب حكم المرتد، ولم يقل أحد منهم: أنه إذا قال كفرًا، أو فعل كفرًا، وهو لا يعلم أنه يضاد الشهادتين، أنه لا يكفر لجهله. وقد بيَّن الله في كتابه: أن بعض المشركين جهال مقلدون، فلم يدفع عنهم عقاب الله بجهلهم وتقليدهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٣ - ٤].
ثم ذكر الصنف الثاني: وهم المبتدعون، بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [الحج: ٨]. فسلبهم العلم والهدى، ومع ذلك فقد اغترَّ بهم الأكثرون لما عندهم من الشبهات والخيالات، فضلُّوا وأضلُّوا، كما قال تعالى في آخر السورة: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١].
وقد دلت الآيات المحكمات: على كفر من أِشرك بالله غيره في عبادته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨].
ولها نظائر كثيرة سوى ما تقدَّم، كقوله: ﴿قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٣٧].
ففي هذه الآية من البيان: أن معظم شركهم هو: دعاؤهم، وأنه كفر بالله،
стр. 421
فلا اعتبار بمن أعمى الله بصيرته، عن تدبُّر كتاب الله، وسنَّة رسوله ﷺ .
وهذا الجاهل يدَّعي أنه ينقل من «منهاج السنَّة» لشيخ الإسلام، وقد عرفت ما في ذلك من فساد قصده، ووضعه العبارة في غير من هي له، وما قصد بها. وهذا كلام شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، في المنهاج، يطابق ما قد أسلفناه عنه في هذا الجواب.
قال رحمه الله تعالى: وأشهر الناس بالردَّة: خصوم أبي بكر الصديق ﵁ وأتباعه، كمسيلمة الكذاب، وأتباعه، وغيرهم.
ومن أظهر الناس ردَّة: الغالية الذين حرَّقهم علي ﵁ بالنار، لما ادعوا فيه الإلهية؛ والسبئية أتباع عبد الله بن سبأ، الذي أظهر سب أبي بكر وعمر.
وأول من ظهر عنه دعوة النبوة، من المنتسبين إلى الإسلام: المختار بن أبي عبيد، وكان من الشيعة، فعلم: أن أعظم الناس ردة هم الشيعة أكثر منهم في سائر الطوائف؛ ولهذا لا يعرف أسوأ ردة من ردة الغالية، كالنصيرية، ومن ردة الإسماعيلية الباطنية، ونحوهم. انتهى.
ومن المعلوم: أن كثيرًا من هؤلاء جهَّال، يظنون أنهم على الحق، ومع ذلك حكم شيخ الإسلام بسوء ردتهم.
وقال أيضًا: وأشهر الناس بقتال المرتَّدين، هو أبو بكر الصديق ﵁، فلا يكون المرتدون في طائفة أكثر مما في خصوم أبي بكر. انتهى.
أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي، أو قال من أمتي، فيجلون عن الحوض؛ فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري»، وفي رواية: «فَيُحَلَّئُون» (١).
стр. 422
وللبخاري، قال رسول الله ﷺ : «بيما أنا قائم على الحوض، إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلمَّ؛ فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله؛ قلت: فما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمَّ؛ فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله؛ قلت: فما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم، ولا أرُاه يخلص منهم إلاَّ مثل هملاء النعم» (١).
قلت: فدلَّت الأحاديث، على أن في خير قرون الأمة، من قد ارتد عن الإسلام؛ وذكر شيخ الإسلام: أن ذلك وقع في طوائف، وصرَّح به في منهاج السنَّة وغيره. وأخبار هؤلاء الطوائف، وذكر مقالاتهم، وكفرياتهم، مبسوط في كتب العلماء، وتواريخ الإسلام، لا يخفى ذلك إلاَّ على من هو أجهل الناس بالعلم والعلماء، كهذا الجاهل البليد، الذي أخذ عن أشياخه عداوة التوحيد» (٢).
* * *
стр. 423
المبحث الخامس
الأدلة الصحيحة الصريحة الدالة على ثبوت وصف الشرك وحكمه لمن وقع في عبادة غير الله، وإن كان جاهلاً أو متأولاً ولم تقم عليه حجة البلاغ
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة، يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل بمعناها، فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها، وهو يظن أنها تقرِّبه إلى الله.
خصوصًا: إن ألهمك الله ما قصَّ عن قوم موسى، مع صلاحهم وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
فحينئذٍ: يعظم خوفك، وحرصك على ما يخلصك من هذا أو أمثاله» (١).
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله تعالى:
«ومن العجب أن بعض الناس إذا سمع من يتكلم في معنى هذه الكلمة نفيًا وإثباتًا عاب ذلك، وقال: لسنا مكلَّفين بالناس والقول فيهم. فيقال له: بل أنت مكلَّف بمعرفة التوحيد الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، وأرسل جميع الرسل يدعون إليه، ومعرفة ضده وهو: الشرك الذي لا يغفر ولا عذر لمكلَّف في الجهل بذلك، ولا يجوز فيه التقليد لأنه أصل الأصول. فمن لم يعرف المعروف وينكر المنكر فهو هالك، لا سيما أعظم المعروف وهو التوحيد، وأكبر المنكرات وهو الشرك» (٢).
стр. 424
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين أيضًا ﵀:
«ومما يبيِّن أن الجهل ليس بعذر في الجملة، قوله ﷺ في الخوارج ما قال، مع عبادتهم العظيمة. ومن المعلوم: أنه لم يوقعهم ما وقعوا فيه إلاَّ الجهل، وهل صار الجهل عذرًا لهم؟
يوضح ما ذكرنا: أن العلماء من كل مذهب، يذكرون في كتب الفقه: باب حكم «المرتد» وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه.
وأول شيء يبدأون به من أنواع الكفر: الشرك، يقولون: من اشرك بالله كفر، لأن الشرك عندهم أعظم أنواع الكفر، ولم يقولوا إن كان مثله لا يجهله، كما قالوا فيما دونه، وقد قال النبي ﷺ لما سئل: أي الذنب أعظم إثمًا عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك»، فلو كان الجاهل أو المقلد، غير محكوم بردَّته إذا فعل الشرك، لم يغفلوه، وهذا ظاهر.
(الأدلة على عدم الإعذار بالجهل في الشرك الأكبر)
وقد وصف الله سبحانه أهل النار بالجهل، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤].
وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠].
стр. 425
قال ابن جرير (١) - عند تفسير هذه الآية - وهذا يدل على أن الجاهل غير معذور.
ومن المعلوم: أن أهل البدع الذين كفَّرهم السلف والعلماء بعدهم، أهل علم وعبادة وفهم وزهد. ولم يوقعهم فيما ارتكبوه إلاَّ الجهل. والذين حرَّقهم علي بن أبي طالب بالنار، هل أفنهم إلاَّ الجهل؟ ولو قال إنسان: أنا أشك في البعث بعد الموت، لم يتوقف من له أدنى معرفة في كفره، والشاك جاهل، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢].
وقد قال الله تعالى عن النصارى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].
قال عدي بن حاتم للنبي ﷺ : ما عبدناهم، قال ﷺ : «أليس يحلُّون ما حرم الله فتحلُّونه؟ ويحرِّمونه ما أحل الله فتحرِّمونه؟» قال: بلى، قال: «فتلك عبادتهم» فذمهم الله سبحانه، وسمَّاهم مشركين، مع كونهم لم يعلموا أن فعلهم معهم هذا عبادة لهم، فلم يعذروا بالجهل.
ولو قال إنسان عن الرافضة في هذا الزمان: إنهم معذورون في سبِّهم الشيخين وعائشة، لأنهم جهال مقلِّدون، لأنكر عليه الخاص والعام، وما