← Акыда

Акыда · id 17368

المختصر المفيد في عقائد أئمة التوحيد

مدحت آل فراج

Полный текст (555 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فلا اعتبار بمن أعمى الله بصيرته، عن تدبُّر كتاب الله، وسنَّة رسوله ﷺ . وهذا الجاهل يدَّعي أنه ينقل من «منهاج السنَّة» لشيخ الإسلام، وقد عرفت ما في ذلك من فساد قصده، ووضعه العبارة في غير من هي له، وما قصد بها. وهذا كلام شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، في المنهاج، يطابق ما قد أسلفناه عنه في هذا الجواب. قال رحمه الله تعالى: وأشهر الناس بالردَّة: خصوم أبي بكر الصديق ﵁ وأتباعه، كمسيلمة الكذاب، وأتباعه، وغيرهم. ومن أظهر الناس ردَّة: الغالية الذين حرَّقهم علي ﵁ بالنار، لما ادعوا فيه الإلهية؛ والسبئية أتباع عبد الله بن سبأ، الذي أظهر سب أبي بكر وعمر. وأول من ظهر عنه دعوة النبوة، من المنتسبين إلى الإسلام: المختار بن أبي عبيد، وكان من الشيعة، فعلم: أن أعظم الناس ردة هم الشيعة أكثر منهم في سائر الطوائف؛ ولهذا لا يعرف أسوأ ردة من ردة الغالية، كالنصيرية، ومن ردة الإسماعيلية الباطنية، ونحوهم. انتهى. ومن المعلوم: أن كثيرًا من هؤلاء جهَّال، يظنون أنهم على الحق، ومع ذلك حكم شيخ الإسلام بسوء ردتهم. وقال أيضًا: وأشهر الناس بقتال المرتَّدين، هو أبو بكر الصديق ﵁، فلا يكون المرتدون في طائفة أكثر مما في خصوم أبي بكر. انتهى. أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي، أو قال من أمتي، فيجلون عن الحوض؛ فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري»، وفي رواية: «فَيُحَلَّئُون» (١).

стр. 422

وللبخاري، قال رسول الله ﷺ : «بيما أنا قائم على الحوض، إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلمَّ؛ فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله؛ قلت: فما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمَّ؛ فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله؛ قلت: فما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم، ولا أرُاه يخلص منهم إلاَّ مثل هملاء النعم» (١). قلت: فدلَّت الأحاديث، على أن في خير قرون الأمة، من قد ارتد عن الإسلام؛ وذكر شيخ الإسلام: أن ذلك وقع في طوائف، وصرَّح به في منهاج السنَّة وغيره. وأخبار هؤلاء الطوائف، وذكر مقالاتهم، وكفرياتهم، مبسوط في كتب العلماء، وتواريخ الإسلام، لا يخفى ذلك إلاَّ على من هو أجهل الناس بالعلم والعلماء، كهذا الجاهل البليد، الذي أخذ عن أشياخه عداوة التوحيد» (٢). * * *

стр. 423

المبحث الخامس الأدلة الصحيحة الصريحة الدالة على ثبوت وصف الشرك وحكمه لمن وقع في عبادة غير الله، وإن كان جاهلاً أو متأولاً ولم تقم عليه حجة البلاغ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة، يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل بمعناها، فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها، وهو يظن أنها تقرِّبه إلى الله. خصوصًا: إن ألهمك الله ما قصَّ عن قوم موسى، مع صلاحهم وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. فحينئذٍ: يعظم خوفك، وحرصك على ما يخلصك من هذا أو أمثاله» (١). وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله تعالى: «ومن العجب أن بعض الناس إذا سمع من يتكلم في معنى هذه الكلمة نفيًا وإثباتًا عاب ذلك، وقال: لسنا مكلَّفين بالناس والقول فيهم. فيقال له: بل أنت مكلَّف بمعرفة التوحيد الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، وأرسل جميع الرسل يدعون إليه، ومعرفة ضده وهو: الشرك الذي لا يغفر ولا عذر لمكلَّف في الجهل بذلك، ولا يجوز فيه التقليد لأنه أصل الأصول. فمن لم يعرف المعروف وينكر المنكر فهو هالك، لا سيما أعظم المعروف وهو التوحيد، وأكبر المنكرات وهو الشرك» (٢).

стр. 424

وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين أيضًا ﵀: «ومما يبيِّن أن الجهل ليس بعذر في الجملة، قوله ﷺ في الخوارج ما قال، مع عبادتهم العظيمة. ومن المعلوم: أنه لم يوقعهم ما وقعوا فيه إلاَّ الجهل، وهل صار الجهل عذرًا لهم؟ يوضح ما ذكرنا: أن العلماء من كل مذهب، يذكرون في كتب الفقه: باب حكم «المرتد» وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه. وأول شيء يبدأون به من أنواع الكفر: الشرك، يقولون: من اشرك بالله كفر، لأن الشرك عندهم أعظم أنواع الكفر، ولم يقولوا إن كان مثله لا يجهله، كما قالوا فيما دونه، وقد قال النبي ﷺ لما سئل: أي الذنب أعظم إثمًا عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك»، فلو كان الجاهل أو المقلد، غير محكوم بردَّته إذا فعل الشرك، لم يغفلوه، وهذا ظاهر. (الأدلة على عدم الإعذار بالجهل في الشرك الأكبر) وقد وصف الله سبحانه أهل النار بالجهل، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]. وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٠].

стр. 425

قال ابن جرير (١) - عند تفسير هذه الآية - وهذا يدل على أن الجاهل غير معذور. ومن المعلوم: أن أهل البدع الذين كفَّرهم السلف والعلماء بعدهم، أهل علم وعبادة وفهم وزهد. ولم يوقعهم فيما ارتكبوه إلاَّ الجهل. والذين حرَّقهم علي بن أبي طالب بالنار، هل أفنهم إلاَّ الجهل؟ ولو قال إنسان: أنا أشك في البعث بعد الموت، لم يتوقف من له أدنى معرفة في كفره، والشاك جاهل، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]. وقد قال الله تعالى عن النصارى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. قال عدي بن حاتم للنبي ﷺ : ما عبدناهم، قال ﷺ : «أليس يحلُّون ما حرم الله فتحلُّونه؟ ويحرِّمونه ما أحل الله فتحرِّمونه؟» قال: بلى، قال: «فتلك عبادتهم» فذمهم الله سبحانه، وسمَّاهم مشركين، مع كونهم لم يعلموا أن فعلهم معهم هذا عبادة لهم، فلم يعذروا بالجهل. ولو قال إنسان عن الرافضة في هذا الزمان: إنهم معذورون في سبِّهم الشيخين وعائشة، لأنهم جهال مقلِّدون، لأنكر عليه الخاص والعام، وما

стр. 426

تقدم من حكاية شيخ الإسلام ﵀، إجماع المسلمين على: أن من جعل بينه وبين الله وسائط، يتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، أنه كافر مشرك، يتناول الجاهل وغيره. (الشرك التعبدي لا يقع إلاَّ مع الجهل) لأنه من المعلوم: أنه إذا كان إنسان يقر برسالة محمد ﷺ ويؤمن بالقرآن، ويسمع ما ذكر الله سبحانه في كتابه، من تعظيم أمر الشرك، بأنه لا يغفره، وأن صاحبه مخلد في النار، ثم يقدم عليه وهو يعرف أنه شرك، هذا مما لا يفعله عاقل، وإنما يقع فيه من جهل أنه شرك، وقد قدمنا كلام ابن عقيل في جزمه بكفر الذين وصفهم بالجهل فيما ارتكبوه، من الغلو في القبور، نقله عنه ابن القيم مستحسنًا له. والقرآن يرد على من قال: إن المقلد في الشرك معذور، فقد افترى وكذب على الله، وقد قال الله تعالى عن المقلدين من أهل النار: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]. وقال سبحانه حاكيًا عن الكفار قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. واستدل العلماء بهذه الآية ونحوها، على أنه لا يجوز التقليد في التوحيد، والرسالة، وأصول الدين، وأن فرضًا على كل مكلف أن يعرف التوحيد بدليله، وكذلك الرسالة، وسائر أصول الدين، لأن أدلة هذه الأصول ظاهرة ولله الحمد، لا يختص بمعرفتها العلماء» (١). وقال أيضًا رحمه الله تعالى: «أجمع العلماء: على أنه لا يجوز التقليد في التوحيد والرسالة» (٢).

стр. 427

وقال أيضًا ﵀ مبيِّنًا الفرق بين أهل السنة والمعنزلة في صحة الإيمان المقلِّد: «وفرض على كل أحد: معرفة التوحيد، وأركان الإسلام بالدليل. ولا يجوز التقليد في ذلك، لكن العامي الذي لا يعرف الأدلة إذا كان يعتقد وحدانية الرب سبحانه، ورسالة محمد ﷺ ، ويؤمن بالبعث بعد الموت، وبالجنة والنار، وأن هذه الأمور الشركية التي تفعل عند هذه المشاهد، باطلة وضلال، فإذا كان يعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا لا شك فيه، فهو مسلم وإن لم يترجم بالدليل، لأن عامة المسلمين ولو لقنوا الدليل، فإنهم لا يفهمون المعنى غالبًا. ذكر النووي في شرح مسلم، في الكلام على حديث ضمام بن ثعلبة، قال: قال أبو عمرو بن الصلاح، فيه دلالة لما ذهب إليه أئمة العلماء، من أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق، جزمًا من غير شك وتزلزل، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك لأنه ﷺ قرَّر ضمام (١)

стр. 428

على ما اعتمد عليه في معرفة رسالته، وصدقه، ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال يجب عليك النظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية. انتهى» (١). ولقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى نواقض الإسلام العشرة، ونص على استواء حكم الجاد والهازل والخائف حال الوقوع فيها إلاَّ المكره، ولم يستثن غيره، مثل الجاهل، أو المتأوِّل، أو المخطئ ... فقال رحمه الله تعالى بعد ذكره لها: «ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلاَّ المكره. وبما أنها من أعظم ما يكون خطرًا، وأكثر ما يكون وقوعًا فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، وصلَّى الله على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم» (٢). وقال الشيخ سليمان بن سحمان: إن الشرك الأكبر من عبادة غير الله، وصرفها لمن اشركوا به مع الله، من الأنبياء والأولياء والصالحين، فإن هذا لا يعذر أحد في الجهل به، بل معرفته والإيمان به من ضروريات الإسلام (٣). اهـ.

стр. 429

المبحث السادس حرمة الشرك الأكبر وفاقية التحريم، وإجماعية المنع والتأثيم، ولا توجد شبهة سائغة عليها تدرأ حكم الكفر عن أصحابها، ومن ثم انتفى العذر بالجهل فيها إن الغالب على كل مشرك: وقوع شبهة عرضت له، اقتضت كفره وشركه، فلو أطلقنا العنان للعذر بكل شبهة، لما أمكن تكفير مشركي قريش، ولا اليهود والنصارى وأشباههم. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - رحمهما الله تعالى -: «واحتج العراقي بقول الشيخ: وقد يكون له شبهات يعذره الله فيها. وليس في كلام الشيخ العذر بكل شبهة، ولا العذر بجنس الشبهة، فإن هذا لا يفيده كلام الشيخ، ولا يفهمه منه إلاَّ من لم يمارس شيئًا من العلوم. بل عبارته صريحة في إبطال هذا المفهوم. فإنها تفيد قلة هذا. كما في المسائل التي لا يعرفها إلاَّ الآحاد، بخلاف محل النزاع. فإنه أصل الإسلام وقاعدته، ولو لم يكن من الأدلة إلاَّ ما أقرَّ به من يعبد الأولياء والصالحين من ربوبيته تعالى، وانفراده بالخلق والإيجاد والتدبير لكفى به دليلاً مبطلاً للشبهة، كاشفًا لها، منكرًا لمن أعرض عنه، ولم يعمل بمقتضاه، من عبادة الله وحده لا شريك له. ولذلك حكم على المعينين من المشركين من جاهلية العرب الأميين لوضوح الأدلة، وظهور البراهين. وفي حديث المنتفق: «ما مررت عليه من قبر دوسي أو قرشي فقل له: إن محمدًا يبشرك بالنار». هذا وهم أهل فترة فكيف بمن نشأ من هذه الأمة وهو يسمع الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأحكام الفقهية في إيجاب التوحيد والأمر به،

стр. 430

وتحريم الشرك والنهي عنه؟ فإن كان ممن يقرأ القرآن فالأمر أعظم وأطم، لا سيما إن عاند في إباحة الشرك، ودعا إلى عبادة الصالحين والأولياء، وزعم أنها مستحبة، وأن القرآن دل عليها، فهذا كفره أوضح من الشمس في الظهيرة، ولا يتوقف في تكفيره من عرف الإسلام وأحكامه وقواعده وتحريره. والغالب على كل مشرك أنه عرضت له شبهة اقتضت كفره وشركه، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا ...﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقال: ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]، عرضت لهم شبهة القدرية، فردوا أمره تعالى ودينه وشرعه بمشيئته القدرية الكونية. وعلى إطلاق هذا العراقي وفهمه تكون هذه الشبهة مانعة من تكفير أعيانهم. والنصارى شبهتهم في القول بالنبوة والأقانيم الثلاثة: كون المسيح خلق من غير أب، بل بالكلمة، فاشتبه الأمر عليهم، لأنهم عُرفوا من بين سائر الأمم بالبلادة وعدم الإدراك في المسائل الدينية، ولم يفرقوا بين الخلق والأمر، ولم يعلموا أن الخلق يكون بالكلمة، لا هو نفس الكلمة، وقد أشار تعالى على شبهتهم وردها وأبطلها في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وقوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]. وأكثر أعداء الرسل عرضت لهم شبهات .... وأما مسألة عبادة القبور ودعائهم مع الله، فهي مسألة وفاقية التحريم، وإجماعية المنع والتأثيم، فلم تدخل في كلام الشيخ لظهور برهانها، ووضوح أدلتها، وعدم اعتبار الشبهة فيها» (١). ومن المعلوم بالضرورة من الدين: أن الإسلام، والشرك، نقضيان، لا

стр. 431

يجتمعان، ولا يرتفعان، وعليه يستحيل تحت أي شبهة من الشبه، أن يكون المشرك مسلمًا، لأن ذلك يؤدي إلى اجتماع النقيضين، وقوع المحال. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى: «اعلم: أن من تصور حقيقة أي شيء على ما هو عليه في الخارج وعرف ماهتيه بأوصافها الخاصة، عرف ضرورة ما يناقضه ويضاده. وإنما يقع الخفاء بلبس إحدى الحقيقتين، أو بجهل كلا الماهيتين. ومع انتفاء ذلك وحصول التصور التام لهما لا يخفى ولا يلتبس أحدهما بالآخر، وكم هلك بسبب قصور العلم وعدم معرفة الحدود والحقائق من أمة، وكم وقع بذلك من غلط وريب وغمة. ومثال ذلك: أن الإسلام والشرك نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان. والجهل بالحقيقتين أو إحداهما أوقع كثيرًا من الناس في الشرك وعبادة الصالحين، لعدم معرفة الحقائق وتصورها» (١). وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين رحمه الله تعالى: «وقد أخبر الله سبحانه عن الكفار: أنهم في شك مما تدعوهم إليه الرسل، وأنهم في شك من البعث، وقالوا لرسلهم: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [إبراهيم: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠]، وقال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] .... وقد ذمَّ الله المقلِّدين، بقوله عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. ومع ذلك كفَّرهم، واستدل العلماء بهذه الآية ونحوها، على أنه لا يجوز التقليد في معرفة الله والرسالة، وحجة الله

стр. 432

سبحانه قائمة بإرساله الرسل، وإن لم يفهموا حجج الله وبيناته. قال الشيخ موفق الدين أبو محمد بن قدامة - رحمه الله تعالى - لما أنجز كلامه: هل كل مجتهد مصيب؟ ورجح قول الجمهور، أنه ليس كل مجتهد مصيبًا، بل الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين. قال: وزعم الجاحظ: أن من خالف ملة الإسلام، إذا نظر فعجز عن إدراك الحق، فهو معذور غير آثم، إلى أن قال: أما ما ذهب إليه الجاحظ فباطل يقينًا، وكفر بالله، ورد عليه، وعلى رسوله، فنعلم قطعًا، أن النبي ﷺ أمر اليهود والنصارى بالإسلام وإتباعه، وذمَّهم على الإصرار، وقاتلهم جميعهم، يقتل البالغ منهم، ونعلم: أن المعاند العارف ممن يقل، وإنما الأكثر مقلدة اعتقدوا دين آبائهم تقليدًا، ولم يعرفوا معجزة الرسول وصدقه. والآيات الدالة في القرآن على هذا كثيرة، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ [ص: ٢٧]. وقوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ...﴾ [فصلت: ٢٣]، وقوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨]، وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧]، وقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]. فالمدعي أن مرتكب الكفر: متأوَّلاً، أو مجتهدًا، أو مخطئًا، أو مقلدًا أو جاهلاً، معذور، مخالف للكتاب والسنَّة والإجماع بلا شك، مع أنه لا بد أن ينقض أصله، فلو طرد أصله كفر بلا ريب، كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد ﷺ ، ونحو ذلك» (١). * * *

стр. 433

المبحث السابع العذر بالخطأ في الشرك الأكبر، يلزم منه عدم تكفير طوائف من الكفار والزنادقة، قد أجمعت الأمة على كفرها، وكفر من شكِّ في كفرها، مع بيان أن الحكم بإسلام المشركين الجاهلين ليس عليه دليل إلا مجرد الدعوى المجردة لقد ظن فريق من المنافحين، عن المشركين وإسلامهم المزيف: أن رخصة الخطأ، تدرأ حكم الكفر عمَّن وقع في الشرك جاهلاً، ولم يدر هؤلاء أن لازم هذا الأمر، الهوي في مستنقع عدم تكفير طوائف من الكفار والزنادقة، قد أجمعت الأمة على كفرها، وكفر من شك في كفرها، ولو لم يلتزموه تعذر عليهم أن يقيموا فرقًا بين ما التزموه، وما لم يلتزموه. إذا تمهَّد هذا فنقول: إن رخصة الخطأ لهذه الأمة خاصة بمن كان مؤمنًا موحدًا، تاركًا للشرك على علم وبصيرة، ومن ثمَّ يكون قد حقق وصف الانتساب للقبلة، وحق له التمتع برخص أهلها، من عدم مؤاخذة الجاهل، والمتأوِّل، والمخطئ ... وتارة يدور هذا الفريق من المنافحين دورة أخرى، ويقرروا مقصودهم عن طريق عبارات أئمة الهدى وأعلام الملة التي نصوا فيها: على منع تكفير المسلمين، وإن وقعوا في البدع المغلظة حتى تقوم عليهم الحجة. ولقد نسي هؤلاء القوم، أو تناسوا فيما بينهم: أن عبارات هؤلاء الأئمة قد أخرجت عباد القبور من عداد المسلمين، وعليه فالاستدلال باطل قبل التدليل به، على محل النزاع. فلم يبق لهم بعد ذلك إلاَّ مجرد الدعوى: إن عبَّاد القبور مسلمون لأن عبَّاد القبور مسلمون.

стр. 434

ومن المعلوم بيقين من أوليات كافة العلوم: أن الاحتجاج بمجرد الدعوى على صحتها، دليل على بطلانها، لفقدانها الدليل، لأن الدعوى لا تصلح أن تكون دليلاً، وإلاَّ لكثرت الدعاوي، واستحال إبطال أي منكر مهما طال باعه في الغي والنكران. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في بيان تدليس العراقي أحد المنافحين عن المشركين، وشركهم: «قال العراقي: النقل السادس عشر: قال - أي ابن تيمية - في الفتوى في جواب سؤال ورد من كيلان، في مسألة خلق القرآن: ما نصه، فمسألة تكفير أهل الأهواء والبدع متفرِّعة على هذا الأصل، وفي الأدلة الشرعية ما يوجب أن الله لا يعذب أحدًا من هذه الأمة على خطأ، وإن عذب المخطئ من غيرها - ثم ساق حديث أبي هريرة في الرجل الذي أمر أولاده بتحريقه، وأن يذروه في البحر، وأنه شك في قدرة الله، ومع ذلك غفر الله له لما معه من خوف الله والإيمان به، ثم ذكر كلام الشيخ في الخطأ في الفروع العملية، وأنه قد وقع من بعض السلف - وساق قصة داود وسليمان وحكمهما في الغنم - ثم قال: انظر إلى كلامه وتأمله فإنه أنذر وأعذر، وتحاشى عن تكفير أهل البدع العظام القائلين بنفي قدرة الله أو عدم البعث. هذا كلامه بحروفه، ثم أطال الكلام في قصة داود وسليمان وزعم أنه معنى قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، تصحيح حكم كل منهما. فإن الله أقرِّ حكمهما. والجواب أن يقال: قد أكثر هذا العراقي في التشبيه بعدم تكفير المخطئ وعدم تأثيمه، وقد مرَّ من الجواب عن هذه الشبه ما فيه كفاية، وأكثر كلامه تكرير وإسهاب، يوهم الجهال به أنه قد قرَّر الصواب، وأوضح الخطاب،

стр. 435

ولا يروج هذا إلاَّ على العوام، ومن لا بصيرة له بحقيقة دين الإسلام. وقد قدمنا أن طرد قول العراقي واستدلاله يفيد عدم التأثيم والتكفير في الخطأ في جميع أصول الدين، كالإيمان بوجود الله وربوبيته وإلهيته وقدره وقضائه، والإيمان بصفات كماله الذاتية والفعلية، ومسألة علمه بالحوادث والكائنات قبل كونها، والمنع من التكفير والتأثيم بالخطأ في هذا كله، ردّ على من كفر معطلة الذات، ومعطلة الربوبية، ومعطلة الأسماء والصفات، ومعطلة إفراده تعالى بالإلهية، والقائلين: بأنه لا يعلم الكائنات قبل كونها كغلاة القدرية، ومن قال بإسناد الحوادث إلى الكواكب العلوية، ومن قال بالأصلين النور والظلمة. فإن التزم العراقي هذا كله فهو أكفر وأضل من اليهود والنصارى، وإن زعم أن ثم فارقًا بين هذا وبين مسألة النزاع، التي هي دعاء الأموات والغائبين فيما لا يقدر عليه إلاَّ رب العالمين فليوجدنا هذا الفرق، وليوجدنا دليلاً على صحته. فإن لم يفعل - ولن يفعل - بطل تقريره وتأصيله، وعلم أهل العلم والإيمان أنه مدلس مشبه، ليس من أهل الفقه والدين، ولا ممن يعرف الإسلام والمسلمين، ويفرق بين الموحدين والمشركين، بل هو في ظلمات الطبع والجهل والشرك المبين. (مناطات رخصة الخطأ) وكلام شيخ الإسلام ﵀ إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه، وعرف أصوله، فإنه قد صرح في غير موضع أن الخطأ قد يغفر لمن لم يبلغه الشرع، ولم تقم عليه الحجة في مسائل مخصوصة، إذا اتقى الله ما استطاع واجتهد بحسب طاقته، وأين التقوى، وأين الاجتهاد الذي يدَّعيه عبَّاد القبور والداعون للموتى وللغائبين؟

стр. 436

وكيف والقرآن يُتلى في المساجد والمدارس والبيوت؟ ونصوص السنة النبوية مجموعة مدونة معلومة الصحة والثبوت؟ والحديث الذي ذكره الشيخ في رجل من أهل الفترات قام به من خشية الله وخوفه والإيمان بثوابه وعقابه ما أوجب له أن أمر أهله بتحريقه، فأين هذا من هؤلاء الضلال الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوا الشياطين، على دعاء غير الله، والشرك برب العالمين؟ فسحقًا لهذا الجاهل المفتري، وبعدًا لكل ضال غوي. ومن تأمل كلام الشيخ وسياقه عرف مقصوده، وأن الكلام فيمن كفَّر العصاة وأهل الكبائر، وذكر نزاع الناس في ذلك. (مسألة التكفير، متفرِّعة على ضبط حقيقة الإيمان) ثم قال: وأما السلف والأئمة فاتفقوا على أن الإيمان قول وعمل، فيدخل في القول: قول القلب واللسان، وفي العمل: عمل القلب والأركان، قال: وقال المنتصرون لمذهبهم: إنَّ للإيمان أصول وفروع. وهو مشتمل على أركان وواجبات ومستحبَّات، بمنزلة اسم الحج والصلاة، فإن اسم الحج يتناول كل ما يشرع فيه: من فعل وترك. مثل: الإحرام، وترك محظوراته، والوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى، والطواف والسعي، ثم الحج مع هذا مشتمل على أركان متى تركت لم يصح الحج، كالوقوف بعرفة، وعلى ترك محظور متى فعل فسد حجه وهو الوطء. ومشتمل على واجبات من فعل وترك، يأثم بتركها عمدًا ويجب لتركها العذر أو غيره كالجبران بدم، كالإحرام من المواقيت، والجمع بين الليل والنهار بعرفة، وكرمي الجمار ونحو ذلك. ومشتمل على مستحبات من فعل وترك، يكمل الحج بها ولا يأثم بتركها،

стр. 437

ولا توجب دمًا مثل رفع الصوت بالإهلال، والإكثار منه، وسوق الهدي، وذكر الله في تلك الموضع، وقلة الكلام إلاَّ في أمر ونهي، فمن فعل ذلك الواجب وترك المحظور فقد تمَّ حجه وعمرته. وهو مقتصد من أصحاب اليمين في هذا العمل. لكن من أتى بالمستحب فهو أكمل وأتم حجًا وعملاً، وهو سابق مقرَّب. ومن ترك المأمور وفعل المحظور لكنه أتى بأركانه وترك مفسداته فحجه ناقص، يثاب على ما فعله من الحج ويعاقب على ما تركه، وقد سقط عنه أصل الفرض. إلى أن قال: فمسألة تكفير أهل الأهواء والبدع متفرعة على هذا الأصل. ثم ذكر مذاهب الأئمة في ذلك وذكر تكفير الإمام أحمد للجهمية، وذكر كلام السلف في تكفيرهم وإخراجهم من الثلاث والسبعين فرقة، وغلَّظ القول فيهم، وذكر الروايتين في تكفير من لم يكفرهم. وذكر أن أصول هذه الفرق، هم الخوارج والشيعة، والمرجئة والقدرية، ثم أطال الكلام في عدم تكفير هذه الأصناف، واحتج بحديث أبي هريرة، ثم قال: وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض المسائل إما أن يلحق بالكفار من المشركين وأهل الكتاب، مع مبيانته لهم في عامة أصول الإيمان. فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرَّمات الظاهرة: هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين. وإذا كان لا بد من إلحاق - أي المخطئ - بأحد الصنفين، فإلحاقه بالمؤمنين المخطئين أشد شبهًا من إلحاقه بالمشركين وأهل الكتاب. مع العلم بأن كثيرًا من أهل البدع منافقون النفاق الأكبر، فما أكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم من زنادقة منافقين. وأولئك في الدرك الأسفل من النار.

стр. 438

فتبيَّن بهذا مراد الشيخ، وأنه في طوائف مخصوصة، وأن الجهمية غير داخلين، وكذلك المشركين. وأهل الكتاب لم يدخلوا في هذه القاعدة، فإنه منع إلحاق المخطئ بهذه الأصناف، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، وهذا هو قولنا بعينه. فإنه إذا بقيت معه أصول الإيمان. ولم يقع منه شرك أكبر، وإنما وقع في نوع من البدع فهذا لا نكفره، ولا نخرجه من الملة. وهذا البيان ينفعك فيما يأتي من التشبيه بأن الشيخ لا يكفر المخطئ والمجتهد، وأنه في مسائل مخصوصة، وبين أن الإيمان يزوال بزوال أركانه وقواعده الكبار، كالحج يفسد بترك ركن من أركانه، وهذا عين قولنا. بل هو أبلغ من مسألة النزاع، ومن تأمل كلام الشيخ في هذا الباب عرف المراد، ومن أزاغ الله قلبه فلا حيلة فيه. وحديث الرجل الذي أمر أهله بتحريقه كان موحدًا ليس من أهل الشرك، فقد ثبت من طريق أبي كامل عن حماد عن ثابت عن ابي رافع عن أبي هريرة: «لم يعمل خيرًا قط إلاَّ التوحيد». فبطل الاحتجاج به عن مسألة النزاع. وأما الخطأ في الفروع والمسائل الاجتهادية إذا اتقى المجتهد ما استطاع فلم نقل بتكفير أحد بذلك ولا بتأثيمه. والمسألة ليسة في محل النزاع فإيراد العراقي لها هنا تكثُّر بما ليس له، وتكبير لحجم الكتاب بما لا يغني عنه فتيلاً. وهل أوقع الاتحادية والحلولية فيما هم عليه من الكفر البواح، والشرك العظيم، والتعطيل لحقيقة وجود رب العالمين إلاَّ خطائهم في هذا الباب الذي اجتهدوا فيه، فصلُّوا وأضلُّوا عن سواء السبيل؟ وهل قتل الحلاج - باتفاق أهل الفتوى على قتله - إلاَّ ضلال اجتهاده؟ وهل كفر القرامطة وانتحلوا ما انتحلوه من الفضائح الشنيعة، وخلعوا

стр. 439

ربقة الشريعة إلاَّ باجتهادهم فيما زعموا؟ وهل قالت الرافضة ما قالت، واستباحت، ما استباحت من الكفر والشرك، وعبادة الأئمة الإثنى عشر وغيرهم، ومسبَّة أصحاب الرسول ﷺ ، وأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ﵄، إلاَّ باجتهادهم فيما زعموا؟ وهؤلاء سلف العراقي في قوله: إن كل خطأ مغفور. وهذا لازم له لا محيص عنه هنا. واستصحب ما ذكر هنا في رد ما يأتي، ويمر عليك من نحو هذه الشبهة، وقد تقدم في أول الجواب ما فيه كفاية، وإنما كرَّرنا الجواب لتكرير الشبهة، وإن عادت العقرب فالنعل لها حاضرة» (١). وقال أيضًا رحمه الله تعالى في بيان تلبيس العراقي والرد عليه: «ثم قال العراقي: النقل السابع والثلاثون: قال ابن المقري الشافعي في مختصر الروضة: إن من كان من أهل الشهادة لا يكفر ببدعة على إطلاق. وما استند إلى تأويل يلتبس الأمر على مثله، وهو الذي رجحه شيخنا أبو العباس ابن تيمية. والجواب: إن هذه العبارة يحتج بها على العراقي وأمثاله من القائلين: إن عبادة الأولياء والصالحين شرك أصغر أو مستحبة، كما زعمه هذا الضال، وذلك من وجوه: الأول: أن الكلام في البدعة، والبدعة في عرف الشرع: دون الشرك الأكبر والكفر، فكلامه في أهل البدع. والعراقي تأويله في أهل الشرك ولذلك فرق الفقهاء بين المبتدع ومن يدعو غير الله. ويستغيث به، ويتوكل عليه، كما ذكره ابن القيم وغيره من المصنفين في الكبائر، كابن حجر الهيتمي. الوجه الثاني: أن هذا مقيد بمن كان من أهل الشهادة، وهذا القيد يخرج

стр. 440

عبَّاد القبور. لأن المقصود بالشهادة: التوحيد، كما في حديث عبد القيس: «وآمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا من المغنم الخمس». وأهل الشهادة: هم أهل الإيمان باتفاق المسلمين، ومن عداهم ليس من أهل الشهادة، وإن قالها من قالها بلسانه كاليهود والمنافقين. الثالث: إن قوله: على الإطلاق لا ينافي أنه يكفر ببعض البدع المقيدة. الرابع: إن قوله: وما استند إلى تأويل، يلتبس الأمر على مثله: مخرج لعبَّاد القبور وأهل الردَّة، فإنه لا تأويل معهم يلتبس به الأمر. ولهذا لم يعذر أهل الفترة ونحوهم، ممن اتخذ مع الله إلهًا آخر» (١). وسئل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى: هل يعذر المسلم إذا فعل شيئًا من الشرك، كالذبح، والنذر لغير الله جاهلاً؟ فأجاب رحمه الله تعالى قوله: الأمور قسمان: قسم يعذر فيه بالجهل، وقسم لا يعذر فيه بالجهل. فإذا كان من أتى ذلك بين المسلمين، وأتى الشرك بالله وعبد غير الله، فإنه لا يعذر لأنه مقصر لم يسأل، ولم يتبصر في دينه فيكون غير معذور في عبادته غير الله من: أموات أو أشجار أو أحجار أو أصنام، لإعراضه وغفلته عن دينه، كما قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣]، ولأن النبي ﷺ لما استأذن ربه أن يستغفر لأمه لأنها ماتت في الجاهلية لم يؤذن له ليستغفر لها، لأنها ماتت على دين قومها عبَّاد الأوثان. ولأنه ﷺ قال لشخص سأله عن أبيه، قال: «هو في النار»، فلما رأى ما في وجهه قال: «إني أبي وأباك في النار»؛ لأنه مات على الشرك بالله،

стр. 441

وعلى عبادة غيره ، فكيف بالذي بين المسلمين وهو يعبد البدوي، أو يعبد الحسين، أو يعبد الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو يعبد الرسول محمدًا ﷺ ، أو يعبد عليًا أو يعبد غيرهم؟! فهؤلاء وأِشباههم لا يعذرون من باب أولى، لأنهم أتوا الشرك الأكبر وهم بين المسلمين، والقرآن بين أيديهم، وهكذا سنة رسول الله ﷺ موجودة بينهم ولكنهم عن ذلك معرضون. والقسم الثاني: من يعذر بالجهل، كالذي ينشأ في بلاد بعيدة عن الإسلام في أطراف الدنيا أو لأسباب أخرى، كأهل الفترة، ونحوه، ممن لم تبلغهم الرسالة، فهؤلاء معذورون بجهلهم وأمرهم إلى الله ، والصحيح أنهم يمتحنون يوم القيامة فيؤمرون، فإن أجابوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار لقوله جلَّ وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، ولأحاديث صحيحة وردت في ذلك (١). وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: (السؤال الثاني من الفتوى رقم ٤٤٠٠) س: هناك من يقول: كل من يتقيد برسالة محمد ﷺ واستقبل القبلة بالصلاة، ولو سجد لشيخه لم يكفر، ولم يسمِّه مشركًا حتى قال: إن محمد بن عبد الوهاب الذي يتكلم في المشركين في خلودهم في النار إذا لم يتوبوا قد أخطأ وغلط، وقال: إن المشركين في هذه الأمة يعذبهم ثم يخرجهم إلى الجنة، وقال: إن أمة محمد لم يخلد فيهم أحد في النار. ج: كل من آمن برسالة نبينا محمد ﷺ ، وسائر ما جاء به في الشريعة، إذا سجد بعد ذلك لغير الله من ولي وصاحب قبر أو شيخ طريق يعتبر كافرًا مرتدًا عن الإسلام مشركًا مع الله غيره في العبادة، ولو نطق بالشهادتين وقت

стр. 442

سجوده؛ لإتيانه بما ينقض قوله من سجوده لغير الله، لكنه قد يعذر لجهله فلا تنزل به العقوبة حتى يعلم، وتقام عليه الحجة، ويمهل ثلاثة أيام إعذارًا إليه ليراجع نفسه عسى أن يتوب، فإن أصرَّ على سجوده لغير الله بعد البيان قتل لردته لقول النبي ﷺ : «من بدُل دينه فاقتلوه» أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄. فالبيان وإقامة الحجة للإعذار إليه قبل إنزال العقوبة به، لا ليسمَّى كافرًا بعد البيان، فإنه يسمَّى كافرًا بما حدث منه من سجود لغير الله، أو نذره قربة، أو ذبحه شاة مثلاً لغير الله. وقد دل الكتاب والسنة على أن من مات على الشرك لا يغفر له ويخلد في النار لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، إلى قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧]. وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز» (١) * * *

стр. 443

الفصل الرابع العلاقة بين إقامة الحجة، والكفر، وأحكامه وفيه مبحثان المبحث الأول: عبادة الله وحده لا شريك له، الحجة عليها بلوغ القرآن، مع بيان أصناف الذين لا يكفرون حتى تقام عليهم الحجة، وكذا الفرق بين قيام الحجة وفهمها. المبحث الثاني: العقوبة والمؤاخذة لا تكون إلاَّ بعد قيام الحجة ووضوح المحجَّة، ويكفي في إقامتها مجرَّد بيان التوحيد بدليله.

стр. 444

المبحث الأول عبادة الله وحده لا شريك له، الحجة عليها بلوغ القرآن مع بيان أصناف الذين لا يكفرون حتى تقام عليهم الحجة وكذا الفرق بين قيام الحجة وفهمها إن الذي لم تقم عليه الحجة، هو من كان حديث عهد بالإسلام، أو من نشأ في بادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة من مسائل الدين الخفية، فلا يكفر حتى يعرف. أما أصول الدين الواضحة المحكمة، فإن حجة الله عليها: بلوغ القرآن. وينبغي في هذا المقام: التفريق بين قيام الحجة وفهمها، فقد تقوم الحجة على قوم، مع عدم فقههم لوجه الصواب فيها، ومراد الرب منها. قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إلى الإخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: ما ذكرتم من قول الشيخ، كل من جحد كذا وكذا، وقامت عليه الحجة، وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم، هل قامت عليهم الحجة، فهذا من العجب، كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مرارًا؟ فإن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرف. وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه، فإن حجة الله هو القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال، أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة، وبين فهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين من

стр. 445

المسلمين، لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٤]. وقيام الحجة نوع، وبلوغها نوع، وقد قامت عليهم، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم، وإن لم يفهموها، إن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قوله ﷺ في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم» وقوله: «شر قتلى تحت أديم السماء» مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم، ومع إجماع الناس: أن الذي أخرجهم من الدين، هو التشدد والغلو والاجتهاد، وهم يظنون أنهم يطيعون الله، وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها. وكذلك قتل علي ﵁ الذين اعتقدوا فيه، وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة، ومع عبادتهم وصلاتهم وصيامهم، وهم يظنون أنهم على حق. وكذلك إجماع السلف: على تكفير غلاة القدرية وغيرهم، مع علمهم وشدة عبادتهم، وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل كونهم لم يفهموا، فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا، إذا علمتم ذلك: فإن هذا الذي أنتم فيه كفر. الناس يعبدون الطواغيت، ويعادون دين الإسلام، فيزعمون أنه ليس ردة، لعلهم ما فهموا الحجة، كل هذا بيَّن. وأظهر مما تقدم: الذين حرقهم علي، فإنه يشابه هذا، وأما إرسال كلام الشافعية وغيرهم، فلا يتصور يأتيكم أكثر مما أتاكم، فإن كان معكم بعض الإشكال، فارغبوا إلى الله تعالى أن يزيله عنكم، والسلام» (١). وقال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله تعالى، مفندًا شبهة لأحد المجادلين عن المشركين، يزعم فيها: أن دعاء غير الله شرك أصغر: «أما قوله - أي المجادل عن الشرك والمشركين -: إن سلمنا هذا القول - أي: أن دعاء غير الله شرك أكبر -، وظهر دليله، فالجاهل معذور، لأنه لم

стр. 446

يدر ما الشرك والكفر، ومن مات قبل البيان فليس بكافر، وحكمه حكم المسلمين في الدنيا والآخرة، لأن قصة ذات أنواط، وبني إسرائيل، حين جاوزوا البحر، تدل على ذلك ... إلى آخره. فالجواب أن يقال: إن الله تعالى أرسل الرسل مبشِّرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فكل من بلغه القرآن ودعوة الرسول ﷺ فقد قامت عليه الحجة، قال الله تعالى: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]. وقد أجمع العلماء على أن من بلغته دعوة الرسول ﷺ ، أن حجة الله قائمة عليه، ومعلوم بالاضطرار من الدين: أن الله بعث محمدًا ﷺ ، وأنزل عليه الكتاب ليعبد وحده ولا يشرك معه غيره، فلا يدعى إلاَّ هو، ولا يذبح إلاَّ له، ولا ينذر إلاَّ له، ولا يتوكل إلاَّ عليه، ولا يخاف خوف الشر إلاَّ منه. والقرآن مملوء من هذا، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. وقال: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]، وقال: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وقال: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقال: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقال: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]. والآيات الواردة في هذا المعنى كثيرة. والله تعالى: لا يعذب خلقه إلاَّ بعد الإعذار إليهم، فأرسل رسله وأنزل كتبه، لئلا يقولوا: ﴿وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧].

стр. 447

وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]. وكل من بلغه القرآن فليس بمعذور، فإن الأصول الكبار، التي هي: أصل دين الإسلام،، قد بيَّنها الله تعالى في كتابه، وأوضحها وأقام بها حجته على عباده، وليس المراد بقيام الحجة: أن يفهمها الإنسان فهمًا جليًا، كما يفهمها من هداه الله ووفقه، وانقاد لأمره» (١). وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أو بطين: إنه لا عذر في الجهل بأصول التوحيد، والرسالة ونحوها، بعد بعثته ﷺ وبلوغ حجج الله وبيِّناته، وإن لم يفهمها من بلغته، فحجة الله قائمة على عباده ببلوغ الحجة، لا بفهمها، فبلوغ الحجة شيء، وفهمها شيء آخر، ولهذا لم يعذر الله الكفار بعدم فهمهم، بعد أن بلغتهم حجته وبيناته (٢). اهـ. وقال الشيخ سليمان بن سمحان - رحمه الله تعالى -: فمن بلغته رسالة محمد ﷺ ، وبلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، قال الله تعالى: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. وقال تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. فلا يعذر أحد في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل، وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم، ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم، ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهَّال مقلَّدون، ونعتقد كفرهم وكفر من شك في كفرهم» (٣).

стр. 448

المبحث الثاني العقوبة والمؤاخذة لا تكون إلا بعد إقامة الحجة ويكفي في إقامتها مجرد بيان التوحيد بدليله إن الحجة تقوم من أجل أن يحيا من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة، وتارة تقوم لأداء واجب البيان والبلاغ، وعلى كل حال فالمؤاخذة والعقوبة لا تكون إلاَّ بعد إقامة الحجة ووضوح المحجة. وينبغي الإحاطة في هذا المقام: بأن بيان التوحيد بدليله كاف في إقامة الحجة، وفي هذا الرد الوافر على من يشترط عددًا معينًا لإقامة الحجة، أو تعيين الإمام، أو من يقوم مقامه، حتى تقام على وجهها بزعمه. قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين في أثناء الرد على من زعم أن حجة الله لا تقوم على أصحابها إلا من خلال الإمام أو من يقوم مقامه: «وقولك: حتى تقوم الحجة الرسالية من إمام أو نائبه، معناه: أن الحجة الإسلامية لا تقبل إلاَّ من إمام أو نائبه، وهذا خطأ فاحش، لم يقله أحد من العلماء، بل الواجب على كل أحد قَبول الحق، ممَّن قاله كائنًا من كان. ومقتضى هذا: أن من ارتكب أمرًا محرمًا، شركًا فما دونه بجهل، وبين له من عنده علم بأدلة الشرع: أن ما ارتكبه حرام، وبيَّن له دليله من الكتاب والسنة أنه لا يلزمه قبوله، إلاَّ أن يكون ذلك من إمام أو نائبه، وأن حجة الله لا تقوم عليه، إلاَّ أن يكون ذلك من الإمام أو نائبه. وأظنك: سمعت هذا الكلام من بعض المبطلين، وقلَّدته فيه، ما فطنت لعيبه، وإنما وظيفة الإمام أو نائبه: إقامة الحدود، واستتابة من حكم الشرع بقتله، كالمرتد في بلاد الإسلام.

стр. 449

وأظن هذه العبارة مأخوذة، من قول بعض الفقهاء في تارك الصلاة: أنه لا يقتل حتى يدعوه إمام أو نائبه إلى فعلها، والدعاء إلى فعل شيء، غير بيان الحجة على خطئه أو صوابه، أو كونه حقًا أو باطلاً بأدلة الشرع، فالعالم مثلاً: يقيم الأدلة الشرعية، على وجوب قتل تارك الصلاة، ثم الإمام أو نائبه يدعوه إلى فعلها، ويستتيبه» (١). * * *

стр. 450

الفصل الخامس أنواع الكفر وحكم تكفير المعيّن وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: أنواع الكفر والنفاق الأكبر والأصغر. المبحث الثاني: متى يصح التكفير، وما هي مقوِّمات الحكم به، ومتى لا يصح، مع بيان أن المكفِّر يدور أمره بين الثواب، والعفو، والإثم الشديد. المبحث الثالث: المشرك الجاهل الذي لم تقم عليه حجة البلاغ، لا يكون مسلمًا ولو نطق بالشهادتين واستقبل القبلة وقام ببعض الفرائض، إلاَّ أنه لا يعيَّن بالكفر المستلزم للعقوبة في الدارين إلاَّ بعد إقامة الحجة. المبحث الرابع: فهم وتأويل أئمة الدعوة لموقف الشيخين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، من عدم تكفيرهما للمعيَّن ابتداء حتى تقام الحجة. المبحث الخامس: تكفير لمعيَّنين صادر من أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى.

стр. 451

المبحث الأول أنواع الكفر والنفاق الأكبر والأصغر قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى: «فالكفر كفران: كفر يخرج من الملة وهو خمسة أنواع: (النوع الأول): كفر التكذيب، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨]. (النوع الثاني): كفر الإباء والاستكبار مع التصديق. والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. (النوع الثالث): كفر الشك، وهو كفر الظن، والدليل قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٨]. (النوع الرابع): كفر الإعراض، والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣]. (النوع الخامس): كفر النفاق، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]. وكفر أصغر لا يخرج من الملة وهو كفر النعمة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ

стр. 452

اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. وأما النفاق فنوعان: اعتقادي، وعملي. فأما الاعتقادي: فهو ستة أنواع: تكذيب الرسول ﷺ ، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول، أو بغض الرسول، أو بغض ما جاء به الرسول، أو المسرَّة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية لانتصار دين الرسول، فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار. وأما العملي: فهو خمسة أنواع، والدليل قوله ﷺ : «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذَّب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر». نعوذ بالله من النفاق والشقاق وسوء الأدب، والله أعلم (١). * * *

стр. 453

المبحث الثاني متي يصح التكفير وما هي مقومات الحكم به ومتى لا يصح، مع بيان أن المكفر يدور أمره بين الثواب، والعفو، والإثم الشديد قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - رحمهما الله تعالى -: «إن كان المكفِّر لبعض صلحاء الأمة متأوِّلاً مخطئًا، وهو ممن يسوغ له التأويل، فهذا وأمثاله ممن رفع عنه الحرج والتأثيم، لاجتهاده، وبذل وسعه، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة، فإن عمر ﵁ وصفه بالنفاق، واستأذن رسول الله ﷺ في قتله، فقال له رسول الله ﷺ : «وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». ومع ذلك فلم يعنف عمر، على قوله لحاطب: إنه قد نافق، وقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقد ثبت: أن الرب ﵎، قال بعد نزول هذه الآية، وقراءة المؤمنين لها: «قد فعلت». (التكفير بترك اصول الإيمان، من أعظم دعائم الدين) وأما إن كان المكفِّر لأحد من هذه الأمة، يستند في تكفيره له إلى نصٍّ وبرهان من كتاب الله وسنة نبيِّه، وقد رأى كفرًا بواحًا، كالشرك بالله، وعبادة ما سواه، والاستهزاء به تعالى، أو بآياته، أو رسله، أو تكذيبهم، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله، ونحو ذلك، فالمكفِّر بهذا وأمثاله، مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله .... والتكفير بترك هذه الأصول، وعدم الإيمان بها، من أعظم دعائم الدين، يعرفه كل من كانت له نهمة في معرفة دين الإسلام ....

стр. 454

وقد يصدر التكفير لصلحاء الأمة، من أعداء الله ورسوله، أهل الإشراك له به، والإلحاد في أسمائه، فهؤلاء يكفِّرون المؤمنين بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، ويعيبون أهل الإسلام، ويذمونهم على إخلاص الدين، وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ ، بل قد يقاتلونهم على ذلك، ويستحلُّون دماءهم وأموالهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠]. فمن كفَّر المسلمين أهل التوحيد، أو فتنهم بالقتال أو التعذيب، فهو من شر أصناف الكفار، ومن: ﴿الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩]. وفي الحديث: «من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما». وأما من أطلق لسانه بالتكفير، لمجرد عداوة، أو هوى، أو لمخالفة في المذهب، كما يقع لكثير من الجهَّال، فهذا من الخطأ البيِّن، والتجاسر على التكفير، أو التفسيق والتضليل، لا يسوغ إلاَّ لمن رأى كفرًا بواحًا، عنده فيه من الله برهان. والمخالفة في المسائل الاجتهادية، التي قد يخفى الحكم فيها على كثير من الناس، لا تقتضي كفرًا ولا فسقًا، وقد يكون الحكم فيها قطعيًا جليًا عند بعض الناس، وعند آخرين يكون الحكم فيها مشتبهًا خفيًا، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها .... وبقي قسم خامس، وهم الذين يكفرون بما دون الشرك من الذنوب، كالسرقة والزنا وشرب الخمر، وهؤلاء هم الخوارج، وهم عند أهل السنة ضلاَّل مبتدعة، قاتلهم أصحاب رسول الله ﷺ ، لأن الحديث قد صح بالأمر بقتالهم والترغيب فيه، وفيه: «أنهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم». وقد غلط كثير من المشركين في هذه الأعصار، وظنوا أن من كفَّر من

стр. 455

تلفظ بالشهادتين، فهو من الخوارج، وليس كذلك، بل التلفظ بالشهادتين لا يكون مانعًا من التكفير إلاَّ لمن عرف معناهما، وعمل بمقتضاهما، وأخلص العبادة لله، ولم يشرك به سواه، فهذا تنفعه الشهادتان» (١). وسئل الشيخ أبو بطين عن الذي يروي: «من كفر مسلمًا فقد كفر»: «فأجاب عفا الله عنه: لا أصل لهذا اللفظ فيما نعلم عن النبي ﷺ ، وإنما الحديث المعروف: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» ومن كفر إنسانًا أو فسَّقه، أو نفقه، متأوِّلاً، غضبًا لله تعالى، فيرجى العفو عنه، كما قال عمر ﵁ في شأن حاطب بن أبي بلتعة أنه منافق، وكذا جرى من غيره من الصحابة وغيرهم، وأما من كفَّر شخصًا أو نفَّقه غضبًا لنفسه أو بغير تأويل، فهذا يخاف عليه. وأما من جعل سبيل الكفار أهدى من سبيل المؤمنين، فإن كان مراده: حال أهل الزمان اليوم، كأن يقول: إن فعل مشركي الزمان عند القبور وغيرها، أحسن ممن لا يدعو إلاَّ الله ولا يدعو غيره. فهذا كافر بلا شك، وكذا قولنا: إن فعل مشركي الزمان عند القبور من: دعاء أهل القبور، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والذبح، والنذر لهم، وقولنا: إن هذا شرك أكبر، وأن من فعله فهو كافر، والذين يفعلون هذه العبادات عند القبور كفار بلا شك. وقول الجهَّال: إنكم تكفِّرون المسلمين، فهذا ما عرف الإسلام ولا التوحيد. والظاهر: عدم صحة إسلام هذا القائل، فإن لم ينكر هذه الأمور التي يفعلها المشركون اليوم، ولا يراها شيئًا فليس بمسلم» (٢).

стр. 456

المبحث الثالث المشرك الجاهل، الذي لم تقم عليه حجة البلاغ لا يكون مسلمًا، ولو نطق بالشهادتين، واستقبل القبلة، وقام ببعض الفرائض، إلا أنه لا يعين بالكفر المستلزم للعقوبة إلا بعد إقامة الحجة إذا وقع العبد في عبادة غير الله جاهلاً، ولم تقم عليه حجة البلاغ، في وقت يقاس فيه أهله بأهل الفترات، فهذا العبد لا يحكم عليه بالكفر حتى تقام عليه الحجة، ولكن هذا لا يستلزم الحكم له بالإسلام، لا وكلا، لأن للإسلام حد، من قام به كان من أهله، ومن لم يقم به تحت أي شبهة من الشبهات فهو خارج من عداد المسلمين، وماثل في عداد المشركين. إذا تمهَّد هذا، فنقول: إن هذا العبد لا يكون كافرًا إلاَّ بعد قيام الحجة، لأن الكفر وصف ومعنى متضمن للرد والإنكار والتكذيب المستلزم للعقوبة، وهذا لا يكون إلاَّ بعد بلوغ الرسالة وإقامة الحجة، وكذلك الحكم بالخلود في النيران لمن مات على الكفر دون توبة منه، فهو أيضًا لا يكون إلاَّ بعد قيام الحجة بالرسل. فالمشرك الجاهل الذي لم تقم عليه حجة البلاغ، لا يكون مسلمًا، وإن نطق بالشهادتين، واستقبل القبلة، وقام ببعض الفرائض. وهذا هو المقصود المتعين من كلام الأئمة: كابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب، وأحفاده. ولذلك عندما يطلق هؤلاء الأئمة: القول بعدم تكفير المعين، من الذين وقعوا في عبادة غير الله، حتى تقام عليه الحجة، فمقصودهم الأكيد في هذا

стр. 457

الشأن هو: الكفر المستلزم للعقوبة في الدنيا، والخلود في النيران في الآخرة. وكما قطع هؤلاء الأئمة بعدم تكفير المعيَّن، الذي وقع في عبادة غير الله، حتى تقام عليه الحجة، فنجدهم قد جزموا أيضًا بعدم إسلامه، وأثبتوا له حكم الشرك ووصفه، ولو لم تقم عليه حجة البلاغ. فهؤلاء المشركون الجاهلون يعاملون، معاملة أهل الفترات، سواء بسواء في الدنيا والآخرة. وبهذا التفصيل، يزول الإشكال في هذه المسألة بالكلية، أما الذين يريدون الدفع: في نحر نصوص الشريعة الواضحة الحاكمة بعكازة قضايا الأعيان، والأدلة والأقوال المطلقة من غير تقييد، فشأنهم وما ارتضوه لأنفسهم، إلاَّ أن هذا ليس من الإسلام في شيء، ونقول لهم: أين المفر ... والإله الطالب قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى: «إن كلام الشيخين - أي ابن تيمية وابن القيم - في كل موضع فيه البيان الشافي أن نفي التكفير بالمكفِّرات قولها وفعلها فيما يخفى دليله، ولم تقم الحجة على فاعله، وأن النفي يراد به نفي تكفير الفاعل وعقابه، قبل قيام الحجة، وأن نفي التكفير مخصوص بمسائل النزاع بين الأمة. وأما دعاء الصالحين، والاستغاثة بهم، وقصدهم في الملمَّات والشدائد، فهذا لا ينازع مسلم في تحريمه، أو الحكم بأنه من الشرك الأكبر، وتقدم عن الشيخ أن فاعله يستتاب فإن تاب وإلاَّ قُتل، كما في عبارة الرسالة السنية، وتقدم قوله: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم، كفر إجماعًا، وتقدم قوله في الرد على المتكلمين: وهذا إذا كان في المسائل الخفية، فقد يقال إنه خفي عليهم، ولكنه يقع منهم في مسائل يعلم

стр. 458

الخاصة والعامة أن الرسول قد جاء بها ... إلخ. وهذا عين كلام شيخنا محمد بن عبد الوهاب ضاعف الله لنا وله الثواب، وأدخلنا وإياه الجنة بغير حساب، على رغم كل مبير وكذاب» (١). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى أحمد بن عبد الكريم، سلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. أما بعد: وصل مكتوبك، تقرِّر المسألة التي ذكرت، وتذكر أن عليك إشكالاً تطلب إزالته، ثم ورد منك مراسلة، تذكر أنك عثرت على كلام للشيخ، أزال عنك الإشكال، فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام. وعلى أي شيء يدل كلامه، على أن من عبد الأوثان عبادة، أكبر من عبادة اللاَّت والعزَّى، وسبَّ دين الرسول ﷺ بعدما شهد به، مثل سبَّ أبي جهل، أنه لا يكفر بعينه. بل العبارة صريحة واضحة في تكفيره مثل ابن فيروز، وصالح بن عبد الله، وأمثالهما، كفرًا ظاهرًا ينقل عن الملة، فضلاً عن غيرهما، هذا صريح واضح، في كلام ابن القيم الذي ذكرت، وفي كلام الشيخ الذي أزال عنك الإشكال، في كفر من عبد الوثن، الذي على قبر يوسف وأمثاله، ودعاهم في الشدائد والرخاء، وسب دين الرسل بعد ما أقرَّ به، ودان بعبادة الأوثان بعد ما أقرَّ بها .... وإن كنت تزعم أن الإنسان، إذا أظهر الإسلام لا يكفر، ولو أظهر عبادة الأوثان، وزعم أنها الدين، وأظهر سبَّ دين الأنبياء، وسمَّاه دين أهل العارض، وأفتى بقتل من أخلص لله الدين، وإحراقه، وحل ماله، فهذه مسألتك وقد

стр. 459

قرَّرتها، وذكرت: أن من زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا لم يقتلوا أحدًا، ولم يكفِّروه من أهل الملة. (الأدلة الجلية على كفر وقتل من أتى بناقض من أهل القبلة) أما ذكرت: قول الله تعالى: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾، إلى قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١]. واذكر قوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾ [النساء: ٩١]، إلى قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ ...﴾ [النساء: ٩١]. واذكر قوله في الاعتقاد في الأنبياء: ﴿أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠]. واذكر ما صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه شخص رجلاً معه الراية إلى من تزوج امرأة أبيه، ليقتله ويأخذ ماله. فأي هذين أعظم؟ تزوُّج امرأة الأب؟ أو سب دين الأنبياء بعد معرفته؟ واذكر أنه قد همَّ بغزو المصطلق، لما قيل إنهم منعوا الزكاة، حتى كذَّب الله من نقل ذلك. واذكر قوله في أعبد هذه الأمة، وأشدهم اجتهادًا: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، أينما لقيتموهم فاقتلوها، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة». واذكر قتال الصدِّيق وأصحابه، مانعي الزكاة، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم. واذكر إجماع الصحابة، على قتل أهل مسجد الكوفة، وكفرهم وردَّتهم، لما قالوا كلمة في تقرير نبوة مسيلمة، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا، والمسألة في صحيح البخاري وشرحه في الكفالة. واذكر إجماع الصحابة لما استفتاهم عمر، على أن من زعم: أن الخمر

стр. 460

تحل للخواص، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]، مع كونه من أهل بدر. وأجمع الصحابة على كفر من اعتقد في علي، مثل اعتقاد هؤلاء، في عبد القادر، وردتهم وقتلهم، فأحرقهم علي بن أبي طالب ﵁ وهم أحياء، فخالفه ابن عباس في الإحراق، وقال: يقتلون بالسيف، مع كونهم من أهل القرن الأول، أخذوا العلم عن الصحابة. واذكر إجماع أهل العلم من التابعين وغيرهم، على قتل الجعد بن درهم، وأمثاله، قال ابن القيم: شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان ولو ذهبنا نعدِّد من كفَّره العلماء، مع ادعائه الإسلام، وأفتوا بردِّته وقتله، لطال الكلام، لكن من آخر ما جرى قصة بني عبيد، ملوك مصر وطائفتهم، وهم يدعون أنهم من أهل البيت، ويصلُّون الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة والمفتين، وأجمع العلماء على كفرهم وردتهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، يجب قتالهم ولو كانوا مكرهين، مبغضين لهم. واذكر كلامه في الإقناع وشرحه، في الردة، كيف ذكروا أنواعًا كثيرة، موجودة عندكم، ثم قال منصور: وقد عمَّت البلوى بهذه الفرق، وأفسدوا كثيرًا من عقائد أهل التوحيد، نسأل الله العفو والعافية، هذا لفظه بحروفه، ثم ذكر قتل الواحد منهم، وحكم ماله. هل قال واحد من هؤلاء من الصحابة، إلى زمن منصور، إن هؤلاء: يكفر أنواعهم لا أعيانهم؟! ... - ثم ذكر كلام ابن تيمية في تكفير من ذبح لغير الله، وحكمه بردة بعض المتكلمين، السابق نقله من قبل كثيرًا، ثم قال -:
следующие страницы →