← Акыда

Акыда · id 17368

المختصر المفيد في عقائد أئمة التوحيد

مدحت آل فراج

Полный текст (555 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

المبحث الثالث المشرك الجاهل، الذي لم تقم عليه حجة البلاغ لا يكون مسلمًا، ولو نطق بالشهادتين، واستقبل القبلة، وقام ببعض الفرائض، إلا أنه لا يعين بالكفر المستلزم للعقوبة إلا بعد إقامة الحجة إذا وقع العبد في عبادة غير الله جاهلاً، ولم تقم عليه حجة البلاغ، في وقت يقاس فيه أهله بأهل الفترات، فهذا العبد لا يحكم عليه بالكفر حتى تقام عليه الحجة، ولكن هذا لا يستلزم الحكم له بالإسلام، لا وكلا، لأن للإسلام حد، من قام به كان من أهله، ومن لم يقم به تحت أي شبهة من الشبهات فهو خارج من عداد المسلمين، وماثل في عداد المشركين. إذا تمهَّد هذا، فنقول: إن هذا العبد لا يكون كافرًا إلاَّ بعد قيام الحجة، لأن الكفر وصف ومعنى متضمن للرد والإنكار والتكذيب المستلزم للعقوبة، وهذا لا يكون إلاَّ بعد بلوغ الرسالة وإقامة الحجة، وكذلك الحكم بالخلود في النيران لمن مات على الكفر دون توبة منه، فهو أيضًا لا يكون إلاَّ بعد قيام الحجة بالرسل. فالمشرك الجاهل الذي لم تقم عليه حجة البلاغ، لا يكون مسلمًا، وإن نطق بالشهادتين، واستقبل القبلة، وقام ببعض الفرائض. وهذا هو المقصود المتعين من كلام الأئمة: كابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب، وأحفاده. ولذلك عندما يطلق هؤلاء الأئمة: القول بعدم تكفير المعين، من الذين وقعوا في عبادة غير الله، حتى تقام عليه الحجة، فمقصودهم الأكيد في هذا

стр. 457

الشأن هو: الكفر المستلزم للعقوبة في الدنيا، والخلود في النيران في الآخرة. وكما قطع هؤلاء الأئمة بعدم تكفير المعيَّن، الذي وقع في عبادة غير الله، حتى تقام عليه الحجة، فنجدهم قد جزموا أيضًا بعدم إسلامه، وأثبتوا له حكم الشرك ووصفه، ولو لم تقم عليه حجة البلاغ. فهؤلاء المشركون الجاهلون يعاملون، معاملة أهل الفترات، سواء بسواء في الدنيا والآخرة. وبهذا التفصيل، يزول الإشكال في هذه المسألة بالكلية، أما الذين يريدون الدفع: في نحر نصوص الشريعة الواضحة الحاكمة بعكازة قضايا الأعيان، والأدلة والأقوال المطلقة من غير تقييد، فشأنهم وما ارتضوه لأنفسهم، إلاَّ أن هذا ليس من الإسلام في شيء، ونقول لهم: أين المفر ... والإله الطالب قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى: «إن كلام الشيخين - أي ابن تيمية وابن القيم - في كل موضع فيه البيان الشافي أن نفي التكفير بالمكفِّرات قولها وفعلها فيما يخفى دليله، ولم تقم الحجة على فاعله، وأن النفي يراد به نفي تكفير الفاعل وعقابه، قبل قيام الحجة، وأن نفي التكفير مخصوص بمسائل النزاع بين الأمة. وأما دعاء الصالحين، والاستغاثة بهم، وقصدهم في الملمَّات والشدائد، فهذا لا ينازع مسلم في تحريمه، أو الحكم بأنه من الشرك الأكبر، وتقدم عن الشيخ أن فاعله يستتاب فإن تاب وإلاَّ قُتل، كما في عبارة الرسالة السنية، وتقدم قوله: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم، كفر إجماعًا، وتقدم قوله في الرد على المتكلمين: وهذا إذا كان في المسائل الخفية، فقد يقال إنه خفي عليهم، ولكنه يقع منهم في مسائل يعلم

стр. 458

الخاصة والعامة أن الرسول قد جاء بها ... إلخ. وهذا عين كلام شيخنا محمد بن عبد الوهاب ضاعف الله لنا وله الثواب، وأدخلنا وإياه الجنة بغير حساب، على رغم كل مبير وكذاب» (١). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من محمد بن عبد الوهاب، إلى أحمد بن عبد الكريم، سلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. أما بعد: وصل مكتوبك، تقرِّر المسألة التي ذكرت، وتذكر أن عليك إشكالاً تطلب إزالته، ثم ورد منك مراسلة، تذكر أنك عثرت على كلام للشيخ، أزال عنك الإشكال، فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام. وعلى أي شيء يدل كلامه، على أن من عبد الأوثان عبادة، أكبر من عبادة اللاَّت والعزَّى، وسبَّ دين الرسول ﷺ بعدما شهد به، مثل سبَّ أبي جهل، أنه لا يكفر بعينه. بل العبارة صريحة واضحة في تكفيره مثل ابن فيروز، وصالح بن عبد الله، وأمثالهما، كفرًا ظاهرًا ينقل عن الملة، فضلاً عن غيرهما، هذا صريح واضح، في كلام ابن القيم الذي ذكرت، وفي كلام الشيخ الذي أزال عنك الإشكال، في كفر من عبد الوثن، الذي على قبر يوسف وأمثاله، ودعاهم في الشدائد والرخاء، وسب دين الرسل بعد ما أقرَّ به، ودان بعبادة الأوثان بعد ما أقرَّ بها .... وإن كنت تزعم أن الإنسان، إذا أظهر الإسلام لا يكفر، ولو أظهر عبادة الأوثان، وزعم أنها الدين، وأظهر سبَّ دين الأنبياء، وسمَّاه دين أهل العارض، وأفتى بقتل من أخلص لله الدين، وإحراقه، وحل ماله، فهذه مسألتك وقد

стр. 459

قرَّرتها، وذكرت: أن من زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا لم يقتلوا أحدًا، ولم يكفِّروه من أهل الملة. (الأدلة الجلية على كفر وقتل من أتى بناقض من أهل القبلة) أما ذكرت: قول الله تعالى: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾، إلى قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١]. واذكر قوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾ [النساء: ٩١]، إلى قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ ...﴾ [النساء: ٩١]. واذكر قوله في الاعتقاد في الأنبياء: ﴿أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠]. واذكر ما صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه شخص رجلاً معه الراية إلى من تزوج امرأة أبيه، ليقتله ويأخذ ماله. فأي هذين أعظم؟ تزوُّج امرأة الأب؟ أو سب دين الأنبياء بعد معرفته؟ واذكر أنه قد همَّ بغزو المصطلق، لما قيل إنهم منعوا الزكاة، حتى كذَّب الله من نقل ذلك. واذكر قوله في أعبد هذه الأمة، وأشدهم اجتهادًا: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، أينما لقيتموهم فاقتلوها، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة». واذكر قتال الصدِّيق وأصحابه، مانعي الزكاة، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم. واذكر إجماع الصحابة، على قتل أهل مسجد الكوفة، وكفرهم وردَّتهم، لما قالوا كلمة في تقرير نبوة مسيلمة، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا، والمسألة في صحيح البخاري وشرحه في الكفالة. واذكر إجماع الصحابة لما استفتاهم عمر، على أن من زعم: أن الخمر

стр. 460

تحل للخواص، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]، مع كونه من أهل بدر. وأجمع الصحابة على كفر من اعتقد في علي، مثل اعتقاد هؤلاء، في عبد القادر، وردتهم وقتلهم، فأحرقهم علي بن أبي طالب ﵁ وهم أحياء، فخالفه ابن عباس في الإحراق، وقال: يقتلون بالسيف، مع كونهم من أهل القرن الأول، أخذوا العلم عن الصحابة. واذكر إجماع أهل العلم من التابعين وغيرهم، على قتل الجعد بن درهم، وأمثاله، قال ابن القيم: شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان ولو ذهبنا نعدِّد من كفَّره العلماء، مع ادعائه الإسلام، وأفتوا بردِّته وقتله، لطال الكلام، لكن من آخر ما جرى قصة بني عبيد، ملوك مصر وطائفتهم، وهم يدعون أنهم من أهل البيت، ويصلُّون الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة والمفتين، وأجمع العلماء على كفرهم وردتهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، يجب قتالهم ولو كانوا مكرهين، مبغضين لهم. واذكر كلامه في الإقناع وشرحه، في الردة، كيف ذكروا أنواعًا كثيرة، موجودة عندكم، ثم قال منصور: وقد عمَّت البلوى بهذه الفرق، وأفسدوا كثيرًا من عقائد أهل التوحيد، نسأل الله العفو والعافية، هذا لفظه بحروفه، ثم ذكر قتل الواحد منهم، وحكم ماله. هل قال واحد من هؤلاء من الصحابة، إلى زمن منصور، إن هؤلاء: يكفر أنواعهم لا أعيانهم؟! ... - ثم ذكر كلام ابن تيمية في تكفير من ذبح لغير الله، وحكمه بردة بعض المتكلمين، السابق نقله من قبل كثيرًا، ثم قال -:

стр. 461

فانظر كلامه في التفرقة، بين المقالات الخفية، وبين ما نحن فيه، في كفر المعيَّن، وتأمل تكفيره رءوسهم، فلانًا وفلانًا بأعيانهم، وردتهم ردة صريحة وتأمَّل تصريحه بحكاية الإجماع على ردة الفخر الرازي عن الإسلام، مع كونه عند علمائكم من الأئمة الأربعة، هل يناسب هذا لما فهمت من كلامه: أن المعيَّن لا يكفر، ولا دعا عبد القادر في الرخاء والشدة، ولو أحب عبد الله بن عون، وزعم أن دينه حسن، مع عبادته أبي حديدة، ولو أبغضك واستنجسك - مع أنك أقرب الناس إليه - لما رآك ملتفتًا بعض الالتفات إلى التوحيد، مع كونك توافقهم على شيء من شرطهم، وكفرهم؟! ... فتأمل كلامه، وأعرضه على ما غرَّك به الشيطان، من الفهم الفاسد، الذي كذبت به الله ورسوله، وإجماع الأمة، وتحيَّزت به على عبادة الطواغيت، فإن فهمت هذا، وإلاَّ أشير عليك أنك تكثر من التضرع والدعاء، إلى من الهداية بيده، فإن الخطر عظيم، فإن الخلود في النار جزاء الردة الصريحة، ما يسوى بضيعة تربح تومان أو نصف تومان» (١). ولقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة، بفهم جمهور أهل العلم على أن: من عبد غير الله يكون مشركًا، ويعيَّن بالكفر إذا قامت الحجة عليه، ولقد قطع أئمة الدعوة بخروجه من الملة ولو لم تقم عليه الحجة، وأما ما دون ذلك من القدر فالردة فيه متوقفة على قيام الحجة ووضوح المحجة. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى: «وكيف لا يحكم الشيخان - أي: ابن تيمية وابن القيم - على أحد بالكفر، أو الشرك، وقد حكم به الله ورسوله، وكافة أهل العلم؟ وهذان الشيخان يحكمان: أن من ارتكب ما يوجب الكفر والردة والشرك

стр. 462

يحكم عليه بمقتضى ذلك، وبموجب ما اقترف كفرًا أو شركًا أو فسقًا، إلاَّ أن يقوم مانع شرعي يمنع من الإطلاق، وهذا له صور مخصوصة، لا يدخل فيها من عبد صنمًا أو قبرًا أو بشرًا أو مدرًا لظهور البرهان، وقيام الحجة بالرسل» (١). وقال عبد الله وإبراهيم، ابنا عبد اللطيف، وسليمان ابن سحمان: وأما قول القائل: نقول بأن القول كفر، ولا نحكم بكفر القائل، فإطلاق هذا جهل صرف، لأن هذه العبارة لا تنطبق إلاَّ على المعين، ومسألة تكفير المعيَّن، مسألة معروفة إذا قال قولاً يكون القول به كفرًا، فيقال: من قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة، التي يكفر بها تاركها، وهذا في المسائل الخفية، التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك، فما قاله أهل الأهواء، فإن بعض أقوالهم تتضمن أمورًا كفرية، من رد أدلة الكتاب والسنة المتواترة، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفرًا، ولا يحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل وعدم العلم بنقض النص أو بدلالته، فإن الشرائع لا تلزم إلاَّ بعد بلوغها. ذكر ذلك الله شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، في كثير من كتبه، وذكر أيضًا: تكفير أناس من أعيان المتكلمين، بعد أن قرَّر هذه المسائل، قال: وهذا إذا كان في المسائل الخفية، فقد يقال بعدم التكفير، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة، فهذا لا يتوقف في كفر قائله (٢). اهـ.

стр. 463

(ظاهر الآيات والأحاديث، وكلام جمهور العلماء، يدل على تكفير من عبد مع الله غيره بالتعيين) قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين - رحمه الله تعالى -: نقول في تكفير المعين: ظاهر الآيات، والأحاديث، وكلام جمهور العلماء يدل على كفر من أشرك بالله فعبد معه غيره، ولم تفرق الأدلة بين المعين وغيره. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وهذا عام في كل واحد من المشركين. وجميع العلماء في كتب الفقه، يذكرون حكم المرتد، وأول ما يذكرون من أنواع الكفر والردة، الشرك، فقالوا: إن من أشرك بالله كفر، ولم يستثنوا الجاهل، ومن زعم لله صاحبة أو ولدًا كفر، ولم يستثنوا الجاهل، ومن قذف عائشة كفر، ومن استهزأ بالله أو رسله أو كتبه، كفر إجماعًا، لقوله تعالى: ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]، ويذكرون أنواعًا كثيرة مجمعًا على كفر صاحبها، وَلم يفرِّقوا بين المعين وغيره. ثم يقولون: فمن ارتد عن الإسلام قتل بعد الاستتابة، فحكموا بردته قبل الحكم باستتابته، فالاستتابة بعد الحكم بالردة، والاستتابة إنما تكون لمعين. ويذكرون في هذا الباب: حكم من جحد وجوب واحدة من العبادات الخمس، أو استحلَّ شيئًا من المحرَّمات، كالخمر والخنزير ونحو ذلك، أو شك فيه يكفر، إذا كان مثله لا يجهله. ولم يقولوا ذلك في الشرك (١) ونحوه مما ذكرنا بعضه، بل أطلقوا كفره

стр. 464

ولم يقيِّدوه بالجهل، ولا فرَّقوا بين المعين وغيره، وكما ذكرنا: أن الاستتابة إنما تكون لمعين. وهل يجوز لمسلم أن يشك في كفر من قال إن لله صاحبة أو ولدًا؟ أو أن جبرائيل غلط في الرسالة؟ أو ينكر البعث بعد الموت؟ أو ينكر أحدًا من الأنبياء؟ وهل ويفرق مسلم بين المعين وغيره في ذلك ونحوه؟ وقد قال ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه»، وهذا يعمُّ المعين وغيره» (١). * * *

стр. 465

المبحث الرابع فهم وتأويل أئمة الدعوة لموقف الشيخين ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب من عدم تكفيرهما للمعين ابتداء، حتى تقام عليه الحجة قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى، بعد أن ساق الأدلة الدالة على كفر من عبد غير الله سبحانه: «بقي مسألة حدثت، تكلَّم بها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو: عدم تكفير المعيَّن ابتداء، لسب ذكره رحمه الله تعالى، أوجب له التوقف في تكفيره، قبل إقامة الحجة عليه، قال رحمه الله تعالى: ونحن نعلم بالضرورة، أن النبي ﷺ لم يشرع لأحد، أن يدعو أحدًا من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميِّت، ولا إلى ميِّت، ونحو ذلك، بل نعلم: أنه نهى عن هذه الأمور كلها، وأنَّ ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله ﷺ ، ولكن: لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة، في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يبين ما جاء به الرسول، مما يخالفه. انتهى. قلت: فذكر رحمه الله تعالى، ما أوجب له عدم إطلاق الكفر عليهم، على التعيين خاصة، إلاَّ بعد البيان والإصرار، فإنه قد صار أمة وحده، لأن من العلماء من كفره بنهيه لهم عن الشرك في العبادة، فلا يمكن أن يعاملهم بمثل ما قال، كما جرى لشيخنا محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، في ابتداء دعوته، فإنه إذا سمعهم يدعون زيدًا بن الخطاب، قال: الله خير من زيد، تمرينًا لهم على نفي الشرك، بلين الكلام، نظرًا إلى المصلحة، وعدم

стр. 466

النفرة» (١). وقال الشيخ عبد الله أبو بطين ﵀: «وقولك: إن الشيخ - أي ابن تيمية - يقول، إن من فعل شيئًا من هذه الأمور الشركية، لا يطلق عليه أنه مشرك كافر، حتى تقوم عليه الحجَّة الإسلامية، فهو لم يقل ذلك في الشرك الأكبر، وعبادة غير الله، ونحوه من الكفر، وإنما قال هذا في: المقالات الخفية، كما قدَّمنا من قوله: وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، فلم يجزم بعدم كفره، وإنما قال: قد يقال. وقوله: قد يقع ذلك في طوائف منهم، يعلم العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى، يعلمون: أن محمدًا بُعث بها، وكفَّر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره، فإن هذا أظهر شرائع الإسلام، يعني: فهذا لا يمكن أن يقال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها. والأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة غيره، هو ما نحن فيه، قال تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. وقوله ﵀: بل اليهود والنصارى يعلمون ذلك، حكي لنا من غير واحد من اليهود في البصرة، أنهم عابوا على المسلمين ما يفعلونه عند القبور، قالوا: إن كان نبيكم أمركم بهذا فليس بنبي، وإن لم يأمركم فقد عصيتموه. وعبادة الله وحده لا شريك له، هي أصل الأصول، الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي: يعبدوني وحدي.

стр. 467

وهو الذي أرسل به جميع الرسل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]» (١). وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى: «وقد قال الشيخ - أي ابن تيمية ﵀ في جواب له: فمسألة تكفير أهل الأهواء والبدع متفرِّعة على هذا الأصل، ثم ذكر مذاهب الأئمة في ذلك، وذكر تكفير الإمام أحمد للجهمية، وذكر كلام السلف في تكفيرهم، وإخراجهم من الثلاث والسبعين فرقة، وغلَّظَ القول فيهم، وذكر الروايتين في تكفير من لم يكفِّرهم، وذكر أن أصول هذه الفرق هم: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية، ثم أطال الكلام في عدم تكفير هذه الأصناف، واحتج بحديث أبي هريرة. قال: وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض المسائل إما أن يلحق بالكفار من المشركين وأهل الكتاب مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرَّمات الظاهرة هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، وإذا كان لا بد من إلحاقه - أي المخطئ - بأحد الصنفين، فإلحاقه بالمؤمنين المخطئين أشد شبهًا من إلحاقه بالمشركين وأهل الكتاب، مع العلم بأن كثيرًا من أهل البدع منافقون النفاق الأكبر، فما أكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة، وأولئك في الدرك الأسفل من النار. فتبين بهذا مراد الشيخ، وأن كلامه في طوائف مخصوصة، وأن الجهمية غير داخلين فيه، وكذلك المشركون، وأهل الكتاب لم يدخلوا في هذه القاعدة، فإنه منع إلحاق المخطئ بهذه الأصناف، مع مباينة لهم في عامة

стр. 468

أصول الإيمان. قال شيخنا - أي عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: وهذا هو قولنا بعينه، فإنه إذا بقيت معه أصول الإيمان، ولم يقع منه شرك أكبر، وإنما وقع في نوع من البدع فهذا لا نكفره، ولا نخرجه من الملة، وهذا البيان ينفعك فيما يأتي من التشبيه بأن الشيخ لا يكفِّر المخطئ والمجتهد، وأنه مسائل مخصوصة» (١). * * *

стр. 469

المبحث الخامس تكفير لمعينين صادر من أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى عبد الله بن عيسى، وابنه عبد الوهاب جاء فيها: «ولولا أن الناس إلى الآن، ما عرفوا دين الرسول، وأنهم يستنكرون الأمر الذي لم يألفوه، لكان شأن آخر، بل والله الذي لا إله إلاَّ هو، لو يعرف الناس الأمر على وجهه لأفتيت بحلَّ دم ابن سحيم وأمثاله، ووجوب قتلهم، كما أجمع على ذلك أهل العلم كلهم لا أجد في نفسي حرجًا من ذلك» (١). وقال أيضًا رحمه الله تعالى: «وما أحسن ما قاله واحد من البوادي، لما قدم علينا وسمع شيئًا من الإسلام، قال: أشهد أننا كفار - يعني: هو وجميع البوادي -، وأشهد أن المطوع الذي يسمِّينا: إسلامًا، أنه كافر» (٢). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «وذكر شيخ الإسلام ﵀: أن الفخر الرازي، صنَّف «السر المكتوم، في عبادة النجوم»، فصار مرتدًا إلاَّ أن يكون قد تاب بعد ذلك، فقد كفر الرازي بعينه، لما زيَّن الشرك، وقال بعد أن ذكر العلة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، والنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها. قال: فسدُّ الذريعة أن لا يصلَّى في هذه الساعة، وإن كان المصلي لا

стр. 470

يصلي إلاَّ لله، ولا يدعو إلاَّ الله، لئلا يفضي إلى دعائها والصلاة لها، وهذا من أسباب الشرك، الذي ضلَّ به كثيرمن الأولين والآخرين، حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، وصنف كتابًا على مذهب المشركين، مثل أبي معشر البلخي، وثابت بن قرة، وأمثالهما ممن دخل في الشرك، وآمن بالجبت والطاغوت، وهم ينتسبون إلى الكتاب، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]. انتهى. فانظر إلى هذا الإمام، الذي نسب عنه من أزاغ الله قلبه، عدم تكفير المعيَّن، كيف ذكر عن الفخر الرازي، وأبي معشر، وغيرهما من المصنفين المشهورين، أنهم كفروا وارتدوا عن الإسلام. وتأمل قوله: حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام لتعلم ما وقع في آخر هذه الأمة من الشرك بالله، وقد ذكر الفخر الرازي في ردِّه على المتكلِّمين، وذكر تصنيفه «السر المكتوم»، وقال: فهذه ردَّة صريحة باتفاق المسلمين» (١). وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى: «وقد تقدم كلام الشيخ في الرازي تصنيفه في دين المشركين، وأنها رِدَّة صريحة، وهو معيَّن، وتقدم في كلام الشيخ عبد اللطيف ﵀ حكاية إجماع العلماء على تكفير بشر المريسي، وهو رجل معيَّن، وكذلك الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وكذلك الطوسي نصير الشرك، والتلمساني، وابن سبعين، والفارابي، أئمة الملاحدة، وأهل الوحدة، وأبي معشر البلخي، وغيرهم. وفي إفادة المستفيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في تكفير المعيَّن ما يكفي طالب الحق والهدى» (٢).

стр. 471

وجاء في سؤال ورد على المفتي العام، الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله تعالى: [فتوى برقم ٣٥٤٨ بتاريخ ١٨/ ٣/١٤٠١ هـ]: «السؤال: يقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]. إن ظاهر الآية السابقة يمنع الاستغفار للمشركين ولو كانوا من ذوي القرابة، والكثير منا نحن أعراب البادية من له والدان وأقرباء، وقد اعتادوا الذبح عند القبور، في فكِّ الكربات، وشفاء المرضى، وقد ماتوا على ذلك، ولم يصلهم من يعرفهم معنى التوحيد، ومعنى لا إله إلاَّ الله، ولم يصلهم من يعلمهم أن النذور والدعاء عبادة لا يصح صرفها إلاَّ لله وحده، فهل يصح المشي في جنائزهم، والصلاة عليهم، والدعاء، والاستغفار لهم، وقضاء حجهم والتصدق عليهم؟. الجواب: من مات على الحالة التي وصفت، لا يجوز المشي في جنازته، ولا الصلاة عليه، ولا الدعاء، ولا الاستغفار له، ولا قضاء حجه، ولا التصدق عنه، لأن أعماله المذكورة أعمال شركية وقد قال في الآية السابقة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]، ولما ثبت عنه ﵊ أنه قال: «استأذنت ربي في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في زيارة قبرها فأذن لي». وليسوا معذروين بما يقال عنهم: أنهم لم يأتهم من يبين لهم أن هذه الأمور المذكورة التي يرتكبونها شرك، لأن الأدلة عليها في القرآن الكريم واضحة، وأهل العلم موجدون بين أظهرهم، ففي إمكانهم السؤال عما هم عليه من الشرك لكنهم قد أعرضوا، ورضوا بما هم عليه» (١).

стр. 472

وسئلت اللجنة الدائمة سؤال جاء فيه: س: كنت سألتكم عن حكم صلاة من يصلي مؤتمًا بإمام من المشركين المنتسبين إلى الإسلام مثل: الذين يذبحون للأولياء، ويدعونهم، وينذرون لهم، ويطوفون بالقبور، ويشدون لها الرحال، وغير ذلك. لأنه كان كثيرًا ما نسأل عن هذا السؤال أثناء تجولنا في بعض البلاد الإسلامية، وتكرر السؤال عنه من الإخوان أنصار السنة في السودان لدى زيارتنا للسودان هذه السنة. وقد استحسنتم أن نكتب لكم بهذا السؤال، وها أنا ذا أكتب مذكرًا سماحتكم، راجيًا إصدار الجواب، ونشره مفصلاً، مع التكرم بالكتابة إلينا به، شكر الله مساعيكم وأجزل مثوبتكم. الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد: ج: من نذر لغير الله، أو ذبح لغير الله، أو دعا لغير الله فيما وراء الأسباب العادية، كدعائه لشفاء مريض، أو لإعطائه ذرية، أو نداء غائب لتفريج كربة، أو ميت لدفع بلاء، أو طاف بالقبور، أو شدَّ الرحال لشيء من هذه الأمور، أو الاستعانة بالأصنام ونحوها من الجمادات فهو مشرك شركًا أكبر لا تصح صلاته في نفسه فلا يجوز الائتمام به في الصلاة، ولا تصح الصلاة وراءه لشركه. وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز» (١) وسئلت اللجنة الدائمة أيضًا: [فتوى رقم ١٦٦١] س: إن السائل، وجماعة معه من الحدود الشمالية، مجاورون للمراكز

стр. 473

العراقية، وهناك جماعة على مذهب الجعفرين، ومنهم من امتنع عن أكل ذبائحهم، ومنهم من أكل، ونقول هل يحل لنا أن نأكل منها علمًا بأنهم يدعون عليًا، والحسن، والحسين، وسائر ساداتهم في الشدة والرخاء؟ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد: ج: إذا كان الأمر كما ذكر السائل، من أن الجماعة الذين لديه من الجعفرية يدعون عليًا، والحسن، والحسين، وسادتهم فهم مشركون مرتدون عن الإسلام والعياذ بالله، لا يحل الأكل من ذبائحهم، لأنها ميتة ولو ذكروا عليها اسم الله. وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز» وسئلت اللجنة أيضًا: السؤال الأول من الفتوى رقم [٣٠٠٨] س: أنا من قبيلة تسكن في الحدود الشمالية، ومختلطين نحن وقبائل من العراق، ومذهبهم شيعة وثنية يعبدون قببًا ويسمونها: بالحسن والحسين وعلي، وإذا قام أحدهم قال يا علي يا حسين، وقد خالطهم البعض من قبائلنا في النكاح، وفي كل الأحوال، وقد وعظتهم ولم يسمعوا وهم في القرايا والمناصيب، وأنا ما عندي أعظهم بعلم، ولكن إني أكره ذلك، ولا أخالطهم، وقد سمعت أن ذبحهم لا يؤكل، وهؤلاء يأكلون ذبحهم، ولم يتقيدوا، نطلب من سماحتكم توضيح الواجب نحو ما ذكرنا؟ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ... وبعد:

стр. 474

ج: إذا كان الواقع كما ذكرت، من دعائهم عليًا، والحسن، والحسين، ونحوهم فهم مشركون شركًا أكبر يخرج من ملة الإسلام، فلا يحل أن نزوجهم المسلمات، ولا يحل لنا أن نتزوج من نسائهم، ولا يحل لنا أن نأكل من ذبائحهم، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وبالله التوفيق وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي عبد العزيز بن عبد الله بن باز» (١) * * *

стр. 475

الفصل السادس أحكام الديار وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: تعريف دار الإسلام، ودار الشرك. المبحث الثاني: صفة الدار التي تجب الهجرة منها إلاَّ لمن قدر على إظهار دينه، مع تحرير المراد والمتعيَّن من إظهار الدين. المبحث الثالث: الأدلة الدالة على وجوب التباعد عن المشركين، والردِّ على محاولة إسقاط فرض الهجرة من ديار المشركين. المبحث الرابع: أحكام وأحوال المقيم بين أظهر المشركين.

стр. 476

المبحث الأول تعريف دار الإسلام، ودار الشرك دار الإسلام: هي الدار التي تجري فيها أحكام الإسلام، ولو لم يكن أهلها مسلمين، وما دونها فهي دار الكفر. إذا كان الشرك فاشيًا في بلد، وتوابعه من الانحلال والفجور، وانتشرت به البدع، وصارت الدعوة فيه لغير الكتاب والسنة، فالقرآن كله، والعلم الضروري، مع إجماع العلماء يدلُّون على أن هذا البلد يكون: دار كفر وشرك. قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى مخاطبًا أحد إخوانه، ليدلِّل له على أن بلد الإحساء دار كفر وشرك في وقته فقال ﵀: «ومن له مشاركة فيها قرَّره المحققون، قد اطَّلع على أن البلد، إذا ظهر فيها الشرك، وأعلنت فيها المحرَّمات، وعطلِّت فيها معالم الدين، أنها تكون بلاد كفر، تغنم أموال أهلها، وتستباح دماؤهم، وقد زاد أهل هذه البلد، بإظهار المسبَّة لله ولدينه، ووضعوا قوانين ينفذونها في الرعية، مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وقد علمت أن هذه كافية وحدها، في إخراج من أتى بها من الإسلام» (١). وقال الشيخ عبد الله أبو بطين: «قال الأصحاب: الدار داران، دار إسلام ودار كفر، فدار الإسلام: هي التي تجري أحكام الإسلام فيها، وإن لم يكن أهلها مسلمين، وغيرها دار كفر» (٢).

стр. 477

وقال الشيخ حمد بن عتيق في جوابه لمن ناظره في حكم أهل مكة وما يقال في البلد نفسه - بعد أن ذكر وجوب إفراد الله بالعبادة، ورسوله ﷺ بالمتابعة -: فإذا تحقق وجود هذين الأصلين علمًا وعملاً ودعوة، وكان هذا دين أهل البلد، أي بلد كان، بأن عملوا به، ودعوا إليه، وكانوا أولياء لمن دان به، ومعادين لمن خالفه فهم موحِّدون. وأما إذا كان الشرك فاشيًا مثل: دعاء الكعبة والمقام والحطيم، ودعاء الأنبياء والصالحين، وإفشاء توابع الشرك مثل: الزنا والربا وأنواع المظالم ونبذ السنن وراء الظهر، وفشو البدع والضلالات، وصار التحاكم إلى الأئمة الظلمة، ونواب المشركين، وصارت الدعوة إلى غير القرآن والسنة، وصار هذا معلومًا في أي بلد كان، فلا يشك من له أدنى علم أن هذه البلاد محكوم عليها بأنها بلاد كفر وشرك، لا سيما إذا كانوا معادين أهل التوحيد، وساعين في إزالة دينهم، وتخريب بلاد الإسلام. وإذا أردت إقامة الدليل على ذلك وجدت القرآن كله فيه، وقد أجمع عليه العلماء، فهو معلوم بالضرورة عند كل عالم .... وجماع الأمر أنه إذا ظهر في بلد: دعاء غير الله، وتوابع ذلك، واستمر أهلها عليه، وقاتلوا عليه، وتقرَّرت عندهم عداوة أهل التوحيد، وأبوا عن الانقياد للدين، فكيف لا يحكم عليها بأنها بلد كفر - ولو كانوا لا ينتسبون لأهل الكفر وأنهم منهم بريئون - مع مسبتهم لهم وتخطئتهم لمن دان به، والحكم عليهم بأنهم خوارج أو كفار، فكيف إذا كانت هذه الأشياء كلها موجودة فهذه مسألة عامة كلية» (١).

стр. 478

المبحث الثاني صفة الدار التي تجب الهجرة منها إلاَّ لمن قدر على إظهار دينه مع تحرير المراد والمتعين من إظهار الدين لقد دلَّ الكتاب والسنة، مع صريح العقل: على وجوب الهجرة من الديار التي تظهر فيها أعلام الكفر وتعلوها شعائر الشرك، لا سيما لمن لم يستطع فيها على إظهار دينه، والأمن عليه من الفتنة. وإظهار الدين المبيح للإقامة بين أظهر المشركين يعني: إعلان المخالفة لكل طائفة كافرة بما اشتهر عنها من المعتقد، مع التصريح بالعداوة لها. وبمعنى آخر: القيام بالبراءة من المشركين وآلهتهم المزعومة، وإعلامهم بأن حكم ما هم عليه من الشرك والتنديد: كفر صريح، وضلال مبين، وانسلاخ تام من الدين، لا يمكن أن يجتمع بأي حال مع أصل الإيمان والتوحيد. فإذا جلس المسلم بينهم، وآثر دنياه على آخرته، فقد يقع في موالتهم ونصرتهم، وتكثير سوادهم، وتصحيح ما هم عليه من الاعتقادات الباطلة والأعمال الفاسدة، لا سيما مع طول الأمد، وبُعد العهد بينه وبين المسلمين وديارهم. بل وقد تجب الهجرة والفرار من ديار الإسلام إذا علاها الفساد، وعمل فيها بالبدع والمعاصي دون القدرة على تغييرهما، وإحلال السنة والطاعة محلهما. وها هنا علة عظيمة ميمونة مباركة لمشروعية الهجرة، تتمثل في اعتزال أهل المنكر والفساد وتميز أهل الإيمان والصلاح، ومن ثم انتصاب علم الجهاد لقمع أهل الشرك والفساد. ولولا الهجرة لما قام الدين، ولا عُبد رب العالمين، ولا تمَّت البراءة من المشركين ...

стр. 479

وبهذا نقطع: أن الهجرة والجهاد، ماضيان إلى قيام الساعة، لحتمية الصراع، واستمرار النزال، ودوران النضال بين حزب الرحمن، وحزب الشيطان. قال الشيخ إسحاق بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينًا، ونصب الأدلة على صحِّته وبيَّنها تبيينًا، وأعان من أراد هدايته على طاعته، وكفى بربك هاديًا ومُعينًا. من إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ المكرم: عبد الله آل أحمد، وفقنا الله وإياه لسلوك الطريق الأحمد. أما بعد: فقد كتبت تسألني عن الصواب عندنا، في حكم بلدان المشركين، وهل يجوز السفر إليها لمن أظهر دينه؟ وما إظهار الدين الذي تبرأ به الذمة؟ وأرسلت إليَّ بما أملاه بعض المنتسبين في إباحة ذلك، وأنه صار عندكم مانع ومجيز، ونعوذ بالله من التفرق والاختلاف .... هذا واعلم: أنه بعد التسليم لحكم السنة والقرآن، ووجوب الرد إليهما على كل فرد من افراد نوع هذا الإنسان، فقد أجمع علماء السنة: أنه إذا تواطأ الكتاب والسنة، وصريح العقل على إثبات حكم، فلا يمكن أن يعارض ثبوته بدليل صحيح صريح ألبتة. بل إن كان المعارض سمعيًا كان كذبًا قطعًا، أو كان المعارض به أخطأ في فهمه، أو عقليًا فكذلك. إذا تقرَّر هذا الأصل، فالسؤال عن حكم الدار، ليترتب عليه ما زعم المجيز: فاسد الاعتبار، من وجهين:

стр. 480

(علة وجوب الهجرة) الأول: أن أهل العلم رتَّبوا حكم الهجرة، على وجود الشرك، والبدع، والمعاصي، لمن لا يستطيع إنكارها. ومن المعلوم بالضرورة: أن الشرك بالأموات والغائبين، والتعلق على الأنبياء والصالحين، بل: على المجاذيب والمجانين، قد ظهر في ديارهم شعاره، وتطاير فيها شراره، وثار فيها قتامه وغباره، وعدم فيها للتوحيد أعوانه وأنصاره، مع ما هم عليه من البدع في العبادات والاعتقادات، وأصناف المعاصي، التي تشيب اللمم والنواصي. فالسؤال عن الدار: هل هي دار إسلام أم لا؟ بمعنى أن المقيم فيها، كالمقيم في بلد سالمة من ذلك، خطأ ظاهر، وقد تقرر في عبارات أئمتنا الحنابلة وغيرهم: أنهم يوجبون الهجرة بمشاهدة ما هو دون ذلك، حتى من بلد تظهر فيها عقائد أهل البدع، كالمعتزلة والخوارج والروافض. وقد حكى ابن العربي المالكي، عن ابن القاسم، قال سمعت مالكًا يقول: لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يُسب فيها السلف؛ وقال في الإقناع وشرحه - لما ذكرها - فيخرج منها وجوبًا، إن عجز عن إظهار مذهب أهل السنة فيها، فعلق الحكم: بالوصف الذي هو وجود البدع والمعاصي، لمن لا يستطيع إنكارها، إلا بالدار. (حكم الدار منوط بالوصف القائم بها، مع ذكر بعض الأحكام المترتبة عليها) وإذا كان من المعلوم: أن مصر دار إسلام، فتحها عمرو بن العاص زمن الخليفة الراشد: عمر ﵁، فأين إجماع الناس على أنها دار حرب أيام بني عبيد القداح؟! وكذلك جزيرة العرب أيام الردة، مع أن الدار دار إسلام، لا دار كفر أصلي بالإجماع.

стр. 481

لكن لما قام بهم الوصف الذي يبيح الدم والمال، لم يكن لتسميتها دار إسلام حكم، وصار الحكم لهذا الوصف الطارئ، تعريف على محل طاهر تلوث به المحل، وللشيء حكم نظيره، فكيف بما هو اقبح وأشد؟! فبطل ما طرده المجيز من التعلق باسم الدار .... الوجه الثاني: أن المجيز علَّق حكم إباحة الإقامة فيما نقلت عنه، بما إذا لم يمنعوك عن واجبات دينك، مصرِّحًا بأنها هي النطق بالشهادتين، والصلاة، والعبادات البدنية، التي وافقك عليها المشرك في هذا الزمان، فإذا كان كذلك، فالمدَّعى أوسع من الدليل. إذ عدم المنع من العبادات البدنية، والدعاء بداعي الفلاح، موجود في أكثر أقطار الأرض، فالسؤال مطرَّح من أصله، ولعله السائل جعله بئرًا في الطريق، وعلى نفسها تجني براقش، وعلينا أن نقول الحق، لا تأخذنا في الله لومة لائم، وهذا جوابنا على المسألة الأولى. وأما المسألة الثانية، وهي: ما إظهار الدين؟ فالجواب - وبالله التوفيق -: أن إظهار الدين على الوجه المطلوب شرعًا، تباح به الإقامة بقيد أمن الفتنة، ولا تعارض نصوص الهجرة المنوطة بمجرد المساكنة، إذ هي الأصل وإبطال دليل الإباحة، ودليل التحريم ممتنع قطعًا، فيتعين الجمع بما تقرر في الأصول، من أن العام يبنى على الخاص ولا يعارضه. وإذا كان كذلك، فلا بد من ذكر طرف منها قبل الكلام عليها، فأقول: قد دلَّ الكتاب والسنة والإجماع، مع صريح العقل وأصل الوضع، على وجوب الهجرة من دار الشرك والمعاصي، وتحريم الإقامة فيها. أما الكتاب، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ...﴾ الآية [النساء: ٩٧]، وهذه الآية نص في وجوب الهجرة بإجماع المفسِّرين،

стр. 482

وفيها ترتب الوعيد على مجرد المقام مع المشرك، والقرآن إذا أناط الحكم بعلة أو وصف، فصرفه عنه من التأويل الذي ردَّه السلف، وقد ذم الله من أعرض عنه، فكيف بمن عارضه؟! وقد قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]. قال أبو جعفر ابن جرير، رحمه الله تعالى: يقول الله تعالى للمؤمنين من عباده، يا عبادي الذين وحَّدوني، وآمنوا برسولي، إن أرضي واسعة لم تضق عليكم فتقيموا بموضع منها لا يحل لكم المقام فيه، ولكن إذا عمل بمكان منها بمعاصي الله، فلم تقدروا على تغييره، فاهربوا منه .. فمن غلَّب الحقائق وجعلها نصًا في عدم وجوب الهجرة، على من لم يمنع من عبادة ربه التي هي في زعمه: الصلاة، وما يتعلَّق بالبدن، وحمل إظهار الدين على ذلك، وفهم من قوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، أي: في كل مكان من دار إسلام أو كفر، فقد عكس القضية وأخطأ في فهمه. والحق: أن الحكم فيها منوط بمجرد المقام مع المشركين، ومشاهدة المحرمات، قال ابن كثير رحمه الله تعالى، في تفسيره على قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]، وإذا فارقتموهم، وخالفتموهم بأدياتكم، في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضًا بأبدانكم، فحينئذٍ هربوا إلى الكهف. وقال في تفسير آية النساء، لما ذكر أقوال السلف في سبب نزولها: فهذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، أي: بترك الهجرة: ﴿قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ﴾ [النساء: ٩٧]، أي لم مكثتم ههنا، وتركتم

стр. 483

الهجرة؟ ﴿قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧] الآية. انتهى. والدين كلمة جامعة لخصال الخير، أعلاها وأغلاها التوحيد ولوازمه، فمن قصره على العبادات التي يوافق فيها المشرك، بل يواليك عليها، فقد أخطأ. وأما الأحاديث فكثير جدًا، منها: ما رواه أبو داود والحاكم، عن سمرة مرفوعًا: «من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله»، ولفظ الحاكم: «وساكنهم أو جامعهم فليس منا»، وقال: صحيح على شرط البخاري. ومنها: ما رواه أبو داود والنسائي والترمذي عن جرير بن عبد الله مرفوعًا: «أنا برئ من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين، لا تراءى ناراهما» رواه ابن ماجه أيضًا، ورجال إسناده ثقات، وهو إن صح مرسلاً، فهو حجة من وجوه متعددة، يعرفها علماء أصول الحديث، منها: أن المرسل إذا اعتضد بشاهد واحد، فهو حجة. وقد اعتضد هذا الحديث بأكثر من عشرين شاهدًا، وتشهد له الآيات المحكمات، مع الكليات من الشرع، وأصول يسلمها أهل العلم. ومنها حديث جرير الذي رواه النسائي وغيره: «أنه بايع النبي ﷺ أن يعبد الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويفارق المشركين»، وفي لفظ: «وعلى فراق المشركين»، ولو لم يكن إلاَّ هذا الحديث لكفى، لتأخر إسلام جرير. ومنها: ما روى الطبراني والبيهقي، عن جرير مرفوعًا: «من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة»، قال المناوي: حديث حسن، يقصر عن رتبة الصحيح، وصححه بعضهم. ومنها: ما رواه النسائي وغيره، من حديث بَهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «لا يقبل الله من مشرك عملاً بعد ما أسلم أو يفارق المشركين». ومنها: ما رواه النسائي وغيره، عن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: «لا تنقطع

стр. 484

الهجرة ما قوتل الكفار»، وفي معناه حديث معاوية: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة» الحديث، وما رواه سعيد بن منصور وغيره: «لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد». ففي هذه الأحاديث مع تباين مخارجها، واختلاف طرقها، هيئة اجتماعية يقطع معها بهذا الحكم العظيم، الذي هو من أعظم من مصالح الشريعة. قال أبو عبد الله الحليمي في المجالس، وهو من أجلِّ علماء الشافعية، وأئمة الحديث في وقته، وهو في طبقة الحاكم، لما ذكر بقاء الهجرة قال: إنها انتقال من الكفر إلى الإيمان، ومن دار الحرب إلى دار الإسلام، ومن السيئات إلى الحسنات، وهذه الأشياء باقية ما بقي التكليف. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: وقد أفصح ابن عمر بالمراد، فيما ذكره الإسماعيلي بلفظ: انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله ﷺ ، ولا تنقطع ما قوتل الكفار، أي: ما دام في الدنيا دار كفر. انتهى .... وقد بنى العلاَّمة ابن قدامة، وابن أبي عمر وغيرهما، كالحافظ وغيره، حكم الإباحة على مقدمتين: إظهار الدين، وأداء الواجبات، والحكم إذا علِّق بوصفين لم يتم بدونهما، خصوصًا إذا أعيدت الأداة، وتكررت الصيغة، وقد أعيدت الأداة وتكرَّرت، وأعيدت الصيغة، هنا: حيث قالوا: ولا يمكنه إظهار دينه، ولا يمكنه إقامة واجبات دينه، وهذا يدل على أن لكل جملة معنى غير الذي للأخرى .... قال في الإقناع وشرحه: وتجب الهجرة على من يعجز عن إظهار دينه بدار الحرب، وهو ما يغلب عليها حكم الكفر، زاد جماعة وجزم في المنتهى أو بلد بغاة، أو بدع مضلَّة، كالرافضة والخوارج، فيخرج منها إلى دار أهل السنة وجوبًا، إن عجز عن إظهار مذهب أهل السنة فيها.

стр. 485

فعلم: أن إظهار الدين في عبارة الموفق ومن قبله ومن بعده من الأصحاب، هو: إظهار التوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة، في بلد يخفى فيه، بل يجعل ضده هو الدين، ومن تكلَّم به هو الوهَّابي الخارجي، صاحب المذهب الخامس، الذي يكفر الأمة. (إظهار الدين يعني: مخالفة كل طائفة عاصية، بما اشتهر عنها، مع التصريح لها بشدة العداوة) وقال الشيخ العلامة حمد بن عتيق: وأما مسألة إظهار الدين، فكثير من الناس قد ظن: أنه إذا قدر أن يتلفظ بالشهادتين، وأن يصلي الصلاة ولا يرد عن المساجد، فقد أظهر دينه، وإن كان ببلد المشركين، وقد غلط في ذلك أقبح الغلط. قال: ولا يكون المسلم مُظهرًا للدين، حتى يخالف كل طائفة بما اشتهر عنها، ويصرِّح لها بعداوته، فمن كان كفره بالشرك فإظهار الدين له، أن يصرح بالتوحيد والنهي عن الشرك، والتحذير منه، ومن كان كفره بجحد الرسالة، فإظهار الدين عنده التصريح عنده، بأن محمدًا رسول الله، ومن كان كفره بترك الصلاة، فإظهار الدين عنده بفعل الصلاة. ومن كان كفره بموالاة المشركين، والدخول في طاعتهم، فإظهار الدين التصريح بعداوته وبراءته منه، ومن المشركين إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى، وقد مرَّ لك هذا صريحًا في كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، في المواضع التي نقلها من السيرة، وسمَّاه العلامة عبد اللطيف واجبًا، قال فيه: وأي رجل نقل عنه، ما هو دون هذا الواجب؟! فالحاصل: هو ما قدَّمناه، من أن إظهار الدين الذي تبرأ به الذمة، هو الامتياز عن عبَّاد الأوثان بإظهار المعتقد، والتصريح بما هم عليه، والبعد

стр. 486

عن الشرك، ووسائله، فمن كان بهذه المثابة إن عرف الدين بدليله وأمن الفتنة، جاز له الإقامة. والله أعلم. بقي مسألة العاجز عن الهجرة: ما يصنع؟ قال الوالد ﵀، لما سئل عنه: وأما إذا كان الموحِّد بين ظهراني أناس من المبتدعة والمشركين، ويعجز عن الهجرة، فعليه بتقوى الله، ويعتزلهم ما استطاع، ويعمل بما وجب عليه في نفسه، ومع من يوافقه على دينه، وعليهم أن يصبروا على أذى من يؤذيهم في الدين، ومن قدر على الهجرة وجب عليه، وبالله التوفيق. انتهى جوابه. وبه انتهى الجواب عن المسألة، وبالله التوفيق» (١). * * *

стр. 487

المبحث الثالث الأدلة الدالة على وجوب التباعد عن المشركين والرد على محاولة إسقاط فرض الهجرة من ديار المشركين لقد آل الأمر ببعض المنتفعين والمرتزقة، وبعض الجهَّال، إلى محاولة إسقاط فرض الهجرة من ديار المشركين، والطعن في علة الفرار بالدين عند خوف الفتنة عليه، ومن ثم مسخ مشروعيتها، وتوهين الأمر بها. ولقد راج باطل هؤلاء على كثير من عوام المسلمين، بل وأقاموا لهم المعاذير التي تحول دون قيامهم بفرض الهجرة، الذي هو من أعظم شعب الإيمان. فتصدَّى لإفك هؤلاء: أئمة الدعوة فسطَّروا الرسائل النافعة، والأجوبة الباهرة في بيان: أن الإيمان بالله، يستلزم البراءة من المشركين، وأن تكثير سواد المشركين قد يؤول إلى الكفر المبين والانسلاخ من الدين، وساقوا الأدلة والبراهين من الكتاب والسنة، الدالة على وجوب التباعد عن المشركين وعدم مساكنتهم ومجامعتهم، وأبانوا رحمهم الله تعالى: فوائد الهجرة، وعواقبها الطيبة في الدين والدنيا والآخرة، وإبراءً للذمة ونصحًا للأمة، فصَّلوا رحمهم الله تعالى أحكام وأحوال المقيمين بين أظهر المشركين. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله تعالى: قال الإمام أبو جعفر: محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١، ٢]، قال معناه: أظنَّ الذين جزعوا يا محمد من أصحابك، من

стр. 488

أذى المشركين إياهم أن نتركهم من غير اختبار، ولا ابتلاء وامتحان بأن قالوا: آمنا بك يا محمد، وصدقنك بما جئتنا به من عند الله؟ كلا لنختبرنهم، ليتبين الصادق من الكاذب. وقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]، قال: نزلت من أجل قوم، كانوا قد أظهروا الإسلام بمكة، وتخلَّفوا عن الهجرة. والفتنة التي فتن بها هؤلاء، هي: الهجرة التي امتحنوا بها، ذكر من قال ذلك، ثم ذكر بسنده عن الشعبي، قال: إنها نزلت: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ الآيتين [العنكبوت: ١، ٢]، في أناس بمكة، قد أقرُّوا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب نبي الله ﷺ : أنه لا يقبل منكم إسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة، فتبعهم المشركون فردُّوهم، فنزلت فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم أنه قد نزلت فيكم هذه الآية، آية كذا وكذا. فقالوا: نخرج، فإن تبعنا أحد قاتلناه، قال: فخرجوا، فاتبعهم المشركون، فقاتلوهم، فمنهم من قتل، ومنهم من نجا، فأنزل الله فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ...﴾ إلى آخر الآية [العنكبوت: ١٠]، قال: نزلت في قوم من أهل الإيمان، كانوا بمكة فخرجوا مهاجرين، فأدركوا وأخذوا، فأعطوا المشركين لما نالهم أذاهم ما أرادوا منهم، ذكر الخبر بذلك. ثم ذكر بسنده عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستفتحون بإسلامهم، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحاب هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ ...﴾

стр. 489

[النساء: ٩٧]. قال: فكتبوا إلى من بقي من المسلمين بمكة بهذه الآية: أن لا عذر لهم، فخرجوا، فلحقم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ...﴾ إلى آخر الآية [العنكبوت: ١٠]، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا وأيسوا من كل خير. ثم نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فكتبوا إليهم بذلك: أن الله قد جعل لكم مخرجًا، فخرجوا فأدركهم المشركون، فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقتل من قتل. فانظر قول المسلمين: كان أصحاب هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاسغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ...﴾ الآية [النساء: ٩٧]، وظاهرها أنهم نهوا عن الاستغفار الدعاء، لمن قد مات مع سواد المشركين، ولو كان مسلمًا، فما أعز من يتفطن لهذه المسألة، بل ما أعز من يعتقدها دينًا .... (وجوب تولي المؤمنين، والبراءة من المشركين) وقال ابن كثير أيضًا، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]. وهذا هو الصنف الثالث من المؤمنين، وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا، نهى الله نبيه أن يجعلهم كالمهاجرين في المغنم وغير ذلك، مما يقتضي الولاية. ثم قال: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]. لما ذكر تعالى أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، وحذَّرهم من توليهم، والقيام بين أظهرهم. ثم ذكر بسنده عن أسامة، عن النبي ﷺ قال: «لا يتوارث أهل ملَّتين،

стр. 490

ولا يرث مسلم كافرًا، ولا كافر مسلمًا، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]». ثم ذكر عن الزهري، أن رسول الله ﷺ : أخذ على رجل دخل في الإسلام، فقال: «تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، وإنك لا ترى نار مشرك إلاَّ وأنت له حرب»، وهذا مرسل من هذا الوجه، وقد روي متصلاً من وجه آخر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين، لا تتراءا نارهما». ثم ذكر عن سمُرة بن جندب، أما بعد: قال رسول الله ﷺ : «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله»، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]، أي: إن لم تجانبوا المشركين، وتوالوا المؤمنين، وإلاَّ وقعت الفتنة في الناس، وهو التباس الأمر، واختلاط المسلم بالكافر، وفي ذلك ضعف للدِّين، وقوة للكافرين. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء﴾ [التوبة: ٢٣]، إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]. قال: يقول تعالى: لا تتخذوا بطانة وأصدقاء، تفشون إليهم أسراركم، وتؤثرون المقام معهم على الهجرة. قال ابن عباس ﵁: لما أمر النبي ﷺ بالهجرة إلى المدينة، فمنهم من نفر وبادر، ومنهم من تعلَّق به أهله وأولاده، يقولون له: ننشدك بالله أن لا تضيعنا، فيرق لهم فيقيم عليهم ويدع الهجرة، فأنزل الله هذه الآية، فنهوا عن القيام مع المشركين، وتكثير سوادهم، وأخبر أن إيثار هذه الأصناف الثمانية، على ما أمر الله به من الهجرة، معصية لله ورسوله، فقال: ﴿فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].

стр. 491

قلت: ظاهر هذا الخطاب، لمن ثبت إسلامه، ولم يصدر منه ما يناقضه، من الموالاة والنصرة، والإعانة بالنفس والمال، والدلالة على عورات المسلمين، وتمجيد المشركين في المنابر والمحافل، والانحناء، وخضع الرأس عند رؤيتهم، كل هذه الأشياء، أعظم مما نحن فيه، ويحكم على من فعلها بحكم الله فيه» (١). وبيَّن الشيخ سليمان بن سحمان: وجوب الهجرة على العبد من ديار المشركين، والبعد عنهم، وعدم مساكنتهم ومجامعتهم، ثم أخذ ﵀ يصف أحوالاً لكثير من مشركي زمانه، ثم جزم بأن هذه الأوصاف متى علت دارًا من الديار، تكون دار شرك يحرم السفر إليها، ومساكنة أهلها ومجامعتهم، ثم أعقب ذلك بذكر شبهة في هذا الشأن لبعض المنتسبين لطلب العلم، ثم استعرض الردود عليها، فقال ﵀: «وقد نقل إلينا عن بعض من ينتسب إلى طلب العلم: أن يبيح السفر مطلقًا إلى من هذا دينه، وهذه نحلته، وهذه حال بلده، مستدلاً بسفر أبي بكر ﵁ إلى بُصرى في عهد النبي ﷺ ، وأن النبي ﷺ لم ينكر عليه سفره، وأن أبا بكر ﵁ لم يكن يظهر دينه، وليس هذا الجهل بغريب ممن لم يعرف كفر هؤلاء، وأن أبا جهل وأشياعه ما وصل كفرهم إلى ساحل هذا الكفر العظيم، ولا عرف أن بلادهم بلاد كفر والحالة هذه. ولكن الذي يعلم به من نصح نفسه، وأراد نجاتها: أن الاستدلال لجواز سفر عوام الناس، الذين لا يعرفون ما أوجب الله عليهم، من معاداة المشركين، ومباداتهم بالعداوة والبغضاء، والتصريح لهم بالبراءة منهم، ومما يعبدون، بسفر أبي بكر ﵁، من دسائس الشيطان، فإن من المعلوم عند الخاص

стр. 492

والعام، ولا ينكره إلاَّ مكابر مبخوس الحظ: أن الصحابة يظهرون دينهم، وقد بايعوا رسول الله ﷺ على أن لا تأخذهم في الله لومة لائم، وإنكارهم ﵃ وأرضاهم باللسان، على من أحدث حدثًا أو فعل منكرًا معروف مشهور .... (قيد مهم في الفرق بين السفر إلى ديار المشركين الأصليين، وديار المشركين المرتدين) ومن المعلوم: أن النصارى والمجوس يعلمون أن العرب على غير دينهم، حتى في الجاهلية، والعرب يعلمون أن هؤلاء على غير دين، فالكل منهم متميز عن الآخر بدينه، خصوصًا بعد البعثة، فإنه من المعلوم: أن أهل الإسلام يكفِّرونهم، لا يشك في ذلك أهل الكتاب ولا غيرهم، بخلاف عباد القبور اليوم وأشياعهم. فإنهم ينتسبون إلى الإسلام، ويتلفَّظون بالشهادتين، وغالبهم يصلي ويصوم ويحج، ومن لا يفعل ذلك قد يعظم من يفعل ذلك ويرى فضله، ومع هذا كله، فحالهم كما تقدم قريبًا، من صرفهم خالص حق الله لمعبوداتهم، ولو علموا ممن يسافر إلى ديارهم، أنهم على غير دينهم، وأنهم يكفِّرونهم، لأوقعوا بهم الفتنة، ولآذوهم، فقياس هؤلاء الكفرة على أولئك، من القياس الباطل المردود، مع أن السفر إلى ديار هؤلاء وهؤلاء ممنوع، لكن أهل الكتاب والمجوس، يعلمون أنهم على غير دينهم، بخلاف عباد القبور، فإنهم يظنون أن من سافر إلى بلادهم على دينهم. إذا تبين هذا، وعلمته، فسفر أبي بكر ﵁، كان مع إظهار دينه، ومن أظهر دينه كما ينبغي، فلا مانع من سفره إن أمن على نفسه ودينه» (١).

стр. 493

المبحث الرابع أحكام وأحوال المقيم بين أظهر المشركين قال الشيخ أبو بطين في جواب سؤال ورد عليه: «وما ذكرت من حال من يكون بين ظهراني المشركين، فإن كان يقدر على إظهار التوحيد، بحيث يظهر لهم القول، بأن هذه الأمور الشركية، التي تفعل عند القبور وغيرها، باطل وضلالة، وأنا بريء منه وممن يفعله، فمثل هذا لا تجب عليه الهجرة، وإن كان لا يقدر على إظهار ذلك، مع اعتقاد بطلانه، وأنه الشرك العظيم، فهذا ترك واجبًا عليه، ولا يكفر بذلك» (١). وسئل الشيخان حسين وعبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعًا عن: رجل دخل الدِّين وأحبه ويحب من دخل فيه، ويبغض الشرك وأهله، ولكن أهل بلده يصرِّحون بعداوة أهل الإسلام، ويقاتلون أهله، ويعتذر أن ترك الوطن يشق عليه، ولم يهاجر عنهم، فهل يكون مسلمًا أو كافرًا؟ وهل يعذر بعدم الهجرة؟ الجواب: أما الرجل الذي عرف التوحيد وآمن به، وأحبه وأحب أهله، وعرف الشرك وأبغضه، وأبغض أهله، ولكن أهل بلده على الكفر والشرك، ولم يهاجر، فهذا فيه تفصيل: فإن كان يقدر على إظهار دينه عندهم، ويتبرأ مما هم عليه من الكفر والشرك، ويظهر لهم كفرهم وعدواتهم، ولا يفتنونه عن دينه، لأجل عشيرته أو ماله، أو غير ذلك، فهذا لا يحكم بكفره، ولكنه إذا قدر على الهجرة ولم يهاجر، ومات بين أظهر المشركين، فيخاف عليه أن يكون قد دخل في أهل

стр. 494

هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]. فلم يعذر الله إلاَّ من لا يستطع حيلة ولا يهتدي سبيلاً، ولكن قلَّ أن يوجد اليوم من هو كذلك، إلاَّ أن يشاء الله، بل الغالب: أن المشركين لا يدعونه بين أظهرهم، بل إما قتلوه، وإما أخرجوه إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً. وأما إن لم يكن له عذر، وجلس بين أظهرهم، وأظهر لهم أنه منهم، وأن دينهم حق، ودين الإسلام باطل، فهذا كافر مرتد، ولو عرف الدين بقلبه، لأنه يمنعه عن الهجرة محبة الدنيا على الآخرة، ويتكلَّم بكلام الكفر من غير إكراه، فدخل في قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٦، ١٠٧]» (١). وسئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف: «ما يقال في الهجرة من بين ظهراني المشركين من البادية والحاضرة، وفضلها، وما الواجب منها، وما المستحب، وهل بين بادية نجد وغيرهم كعنزة والظفير، ومن والاهم من بادية الشمال ومن جنوب إلى ما لا يخفى على المسؤول. الجواب: الهجرة من واجبات الدين ومن أفضل الأعمال الصالحة، وهي سبب لسلامة دين العبد وحفظ لإيمانه وهي أقسام: الأول: هجر المحرَّمات التي حرَّمها الله في كتابه وحرمها رسوله ﷺ على جميع المكلَّفين، وأخبر أن من هجرها فقد هجر ما حرَّمه الله عليه. وقد

стр. 495

أخبر ﷺ فيما صح عنه: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، وهذا أمر مجمل شامل لجميع المحرمات القولية والفعلية. القسم الثاني: الهجرة من كل بلد تظهر فيها شعائر الشرك وأعلام الكفر ويعلن فيها بالمحرَّمات، والمقيم فيها لا يقدر على إظهار دينه والتصريح بالبراءة من المشركين وعداوتهم، ومع هذا يعتقد: كفرهم وبطلان ما هم عليه، لكن إنما جلس بين ظهرانيهم شحًا بالمال والوطن فهذا عاص ومرتكب محرمًا وداخل في حكم الوعيد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]. إلى قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩]. فلم يعذر الله إلاَّ المستعضف الذي لا يقدر على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدر ما عرف سلوك الطريق وهدايته إلى غير ذلك من الأعذار. وقال ﷺ : «من جامع المشرك أو سكن معه فإنه مثله» فلا يقال إنه بمجرد المجامعة والمساكنة يكون كافرًا، بل المراد أنه من عجز عن الخروج من بين ظهراني المشركين وأخرجوه معهم كرهًا فحكمه حكمهم في القتل وأخذ المال لا في الكفر. وأما إن خرج معهم لقتال المسلمين طوعًا واختيارًا وأعانهم ببدنه وماله فلا شك أن حكمه حكمهم في الكفر. ومن الهجرة الواجبة أيضًا: الهجرة من بين ظهراني الأعراب المتظاهرين بالكفر والشرك وارتكاب بعض المحرَّمات وهو عاجز عن إظهار دينه ولا قدرة له على الإنكار عليهم، فهذا هجرته فرض إذا قدر عليها، فإن تركها مع قدرته واستطاعته فحكمه حكم من هو في بلدان المشركين المتقدم ذكرهم» (١).
следующие страницы →