← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الدّعاء ما شاء , يكون بعد هذه الاستعاذة وقبل السّلام. وقد استشكل دعاؤه ﷺ بما ذكر مع أنه معصوم مغفور له ما تقدم وما تأخر. وأجيب بأجوبة: أحدها: أنه قصد التعليم لأمته. ثانيها: أن المراد السؤال منه لأمته. فيكون المعنى هنا أعوذ بك لأمتي. ثالثها: سلوك طريق التواضع وإظهار العبودية وإلزام خوف الله وإعظامه والافتقار إليه وامتثال أمره في الرغبة إليه , ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقق الإجابة , لأنَّ ذلك يحصِّل الحسنات ويرفع الدرجات. وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك , لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة لا يترك التضرع. فمن لَم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة. وأما الاستعاذة من فتنة الدجال مع تحققه أنه لا يدركه. فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين. وقيل: على الثالث يحتمل أن يكون ذلك قبل تحقق عدم إدراكه. ويدل عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه. الحديث. والله أعلم

стр. 1017

الحديث الثامن والسبعون ١٢٧ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص , عن أبي بكرٍ الصّدّيق ﵃ , أنّه قال لرسول الله ﷺ : علّمني دعاءً أدعو به في صلاتي. قال: قل اللهمّ إنّي ظلمت نفسي ظلماً كثيراً , ولا يغفر الذّنوب إلاَّ أنت , فاغفر لي مغفرةً من عندك , وارحمني , إنّك أنت الغفور الرّحيم. (١) قوله: (عن أبي بكر) (٢) هذه رواية الليث عن يزيد بن أبي حبيب , ومقتضاها أنّ الحديث من مسند الصّدّيق ﵁. وفيه تابعيّ عن تابعيّ وهو يزيد عن أبي الخير، وصحابيّ عن صحابيّ , وهو عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصّدّيق ﵁ , وأوضح من ذلك رواية أبي الوليد الطّيالسيّ عن الليث. فإنّ لفظه عن أبي بكر قال: قلت: يا رسولَ الله. أخرجه البزّار من طريقه. وخالف عمرو بنُ الحارث الليثَ فجعله من مسند عبد الله بن عمرو. ولفظه عن أبي الخير , أنّه سمع عبد الله بن عمرو يقول: إنّ أبا بكر قال للنّبيّ ﷺ . هكذا رواه ابن وهب عن عمرو، ولا يقدح هذا الاختلاف في صحّة الحديث. وقد أخرج البخاري طريق عمرو معلقةً في الدّعوات وموصولةً في

стр. 1018

التّوحيد، وكذلك أخرج مسلم الطّريقين طريق الليث وطريق ابن وهب , وزاد مع عمرو بن الحارث رجلاً مبهماً، وبيّن ابن خزيمة في روايته أنّه ابن لهيعة. قوله: (ظلمت نفسي) أي: بملابسة ما يستوجب العقوبة أو ينقص الحظّ. وفيه أنّ الإنسان لا يعرى عن تقصير ولو كان صدّيقاً. قوله: (ولا يغفر الذّنوب إلاَّ أنت) فيه إقرار بالوحدانيّة واستجلاب للمغفرة، وهو كقوله تعالى (والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم) الآية، فأثنى على المستغفرين , وفي ضِمْن ثنائه عليهم بالاستغفار , لوّح بالأمر به كما قيل: إنّ كلّ شيء أثنى الله على فاعله فهو آمر به، وكلّ شيء ذمّ فاعله فهو ناهٍ عنه. قوله: (مغفرة من عندك) قال الطّيبيّ: دلَّ التّنكير على أنّ المطلوب غفران عظيم لا يدرك كنهه، ووصفه بكونه من عنده مريداً لذلك العظم , لأنّ الذي يكون من عند الله لا يحيط به وصف. وقال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين: أحدهما: الإشارة إلى التّوحيد المذكور , كأنّه قال: لا يفعل هذا إلاَّ أنت , فافعله لي أنت. الثّاني: وهو أحسن أنّه إشارة إلى طلب مغفرة متفضّل بها لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره. انتهى. وبهذا الثّاني جزم ابن الجوزيّ. فقال: المعنى هب لي المغفرة تفضّلاً

стр. 1019

, وإن لَم أكن لها أهلاً بعملي. قوله: (إنّك أنت الغفور الرّحيم) هما صفتان ذكرتا ختماً للكلام على جهة المقابلة لِمَا تقدّم، فالغفور مقابل لقوله اغفر لي، والرّحيم مقابل لقوله ارحمني، وهي مقابلة مرتّبة. وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً. استحباب طلب التّعليم من العالم، خصوصاً في الدّعوات المطلوب فها جوامع الكلم. ولَم يصرّح في الحديث بتعيين محلّه. قال ابن دقيق العيد: هذا يقتضي الأمر بهذا الدّعاء في الصّلاة من غير تعيين محلّه، ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين - السّجود أو التّشهّد - لأنّهما أمر فيهما بالدّعاء، قال: ولعله ترجّح كونه فيما بعد التّشهّد لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحلّ. ونازعه الفاكهانيّ فقال: الأولى الجمع بينهما في المحلين المذكورين، أي السّجود والتّشهّد. وقال النّوويّ: استدلال البخاريّ صحيح بقوله " باب الدعاء قبل السلام "، لأنّ قوله " في صلاتي " يعمّ جميعها، ومن مظانّه هذا الموطن. قلت: ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر عن ذلك , كان عند قوله لَمّا علمهم التّشهّد " ثمّ ليتخيّر من الدّعاء ما شاء " , ومن ثَمَّ أعقب البخاري التّرجمة بذلك. قال الطّبريّ: في حديث أبي بكر دلالة على ردّ قول من زعم: أنّه لا

стр. 1020

يستحقّ اسم الإيمان إلاَّ من لا خطيئة له ولا ذنب؛ لأنّ الصّدّيق من أكبر أهل الإيمان. وقد علَّمه النّبيّ ﷺ أن يقول " إنّي ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذّنوب إلاَّ أنت ". وقال الكرمانيّ: هذا الدّعاء من الجوامع؛ لأنّ فيه الاعتراف بغاية التّقصير وطلب غاية الإنعام، فالمغفرة ستر الذّنوب ومحوها، والرّحمة إيصال الخيرات، ففي الأوّل طلب الزّحزحة عن النّار , وفي الثّاني طلب إدخال الجنّة. وهذا هو الفوز العظيم. وقال ابن أبي حمزة ما ملخّصه: في الحديث مشروعيّة الدّعاء في الصّلاة، وفضل الدّعاء المذكور على غيره، وطلب التّعليم من الأعلى وإن كان الطّالب يعرف ذلك النّوع، وخصّ الدّعاء بالصّلاة لقوله ﷺ : أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد. (١) وفيه أنّ المرء ينظر في عبادته إلى الأرفع فيتسبّب في تحصيله. وفي تعليم النّبيّ ﷺ لأبي بكر هذا الدّعاء إشارة إلى إيثار أمر الآخرة على أمر الدّنيا، ولعله فهم ذلك من حال أبي بكر وإيثاره أمر الآخرة. قال: وفي قوله " ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذّنوب إلاَّ أنت " أي: ليس لي حيلة في دفعه فهي حالة افتقار، فأشبه حال المضطرّ الموعود بالإجابة، وفيه هضم النّفس والاعتراف بالتّقصير. تنبيهٌ: المشهور في الرّوايات " ظلماً كثيراً " بالمثلثة , ووقع هنا للقابسيّ بالموحّدة.

стр. 1021

فائدة: محصّل ما ثبت عنه ﷺ من المواضع التي كان يدعو فيها داخل الصّلاة ستّة مواطن: الأوّل: عقب تكبيرة الإحرام. ففيه حديث أبي هريرة في الصّحيحين " اللهمّ باعد بيني وبين خطاياي " الحديث. الثّاني: في الاعتدال. ففيه حديث ابن أبي أوفى عند مسلم , أنّه كان يقول بعد قوله من شيء بعد: اللهمّ طهّرني بالثّلج والبرد والماء البارد. الثّالث: في الرّكوع. وفيه حديث عائشة: كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك اللهمّ اغفر لي. أخرجاه. الرّابع: في السّجود. وهو أكثر ما كان يدعو فيه وقد أمر به فيه. الخامس: بين السّجدتين. " اللهمّ اغفر لي ". السّادس: في التّشهّد. وكان أيضاً يدعو في القنوت وفي حال القراءة إذا مرّ بآية رحمة سأل، وإذا مرّ بآية عذاب استعاذ.

стр. 1022

الحديث التاسع والسبعون ١٢٨ - عن عائشة ﵂ قالت: ما صلَّى رسول الله ﷺ بعد أن نزلت عليه (إذا جاء نصر الله والفتح) إلاَّ يقول فيها: سبحانك ربّنا وبحمدك , اللهمّ اغفر لي. (١) وفي لفظٍ: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك , اللهمّ اغفر لي. (٢) قوله: (ما صلَّى رسول الله ﷺ ) فيه التّصريح بالمواظبة على ذلك بعد نزول السّورة , قيل: اختار النّبيّ ﷺ الصّلاة لهذا القول , لأنّ حالها أفضل من غيرها. وليس في الحديث أنّه لَم يكن يقول ذلك خارج الصّلاة أيضاً، بل في بعض طرقه عند مسلم ما يشعر بأنّه ﷺ كان يواظب على ذلك داخل الصّلاة وخارجها، وفي هذه الرواية بيان المحلّ الذي كان ﷺ يقول فيه من الصّلاة وهو الرّكوع والسّجود. قوله: (بعد أن نزلت عليه " إذا جاء نصر الله والفتح ") أخرج النّسائيّ من حديث ابن عبّاس أنّها آخر سورة نزلت من القرآن، وقد أخرج البخاري عن البراء ﵁ أن براءة آخر سورة نزلت.

стр. 1023

والجمع بينهما: أنّ آخريّة سورة النّصر نزولها كاملة، بخلاف براءة. فقد قيل: إنَّ المراد بعضها فقل قوله (فإن تابوا وأقاموا الصلاة). وقيل: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) , ويقال: إنّ (إذا جاء نصر الله) نزلت يوم النّحر وهو بمنىً في حجّة الوداع. وقيل: عاش بعدها أحداً وثمانين يوماً، وليس منافياً للذي قبله بناء على بعض الأقوال في وقت الوفاة النّبويّة. وعند ابن أبي حاتم من حديث ابن عبّاس " عاش بعدها تسع ليالٍ " , وعن مقاتل: سبعاً، وعن بعضهم ثلاثاً، وقيل: ثلاث ساعات. وهو باطل. وأخرج ابن أبي داود في " كتاب المصاحف " بإسنادٍ صحيح عن ابن عبّاس , أنّه كان يقرأ (إذا جاء فتح الله والنّصر). قوله: (سبحانك ربّنا وبحمدك) زادا في رواية لهما " يتأول القرآن " أي: يفعل ما أمر به فيه، وقد تبيّن من هذه الرواية , أنّ المراد بالقرآن بعضه وهو السّورة المذكورة والذّكر المذكور. ووقع في رواية ابن السّكن عن الفربريّ: قال البخاري: يعني قوله تعالى (فسبّح بحمد ربّك) الآية. وفي هذا تعيين أحد الاحتمالين في قوله تعالى (فسبّح بحمد ربّك) لأنّه يحتمل: أن يكون المراد بسبّح , نفس الحمد لِمَا تضمّنه الحمد من معنى التّسبيح الذي هو التّنزيه لاقتضاء الحمد نسبة الأفعال المحمود

стр. 1024

عليها إلى الله ، فعلى هذا يكفي في امتثال الأمر الاقتصار على الحمد. ويحتمل: أن يكون المراد , فسبّح متلبّساً بالحمد , فلا يمتثل حتّى يجمعهما وهو الظّاهر. ومعنى قوله " يتأوّل القرآن " يجعل ما أمر به من التّسبيح والتّحميد والاستغفار في أشرف الأوقات والأحوال. وقد أخرجه ابن مردويه من طريق أخرى عن مسروق عن عائشة. فزاد فيه " علامة في أمّتي أمرني ربّي إذا رأيتها أكثر من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتُ جاء نصر الله، والفتح فتح مكّة , ورأيتُ النّاس يدخلون في دين الله أفواجاً. وقال ابن القيّم في " الهدي ": كأنّه أخذه من قوله تعالى (واستغفره) , لأنّه كان يجعل الاستغفار في خواتم الأمور، فيقول إذا سلم من الصّلاة: أستغفر الله ثلاثاً , وإذا خرج من الخلاء قال: غفرانك. وورد الأمر بالاستغفار عند انقضاء المناسك (ثمّ أفيضوا من حيث أفاض النّاس واستغفروا الله) الآية. قلت: ويؤخذ أيضاً من قوله تعالى (إنّه كان توّاباً) , فقد كان يقول عند انقضاء الوضوء: اللهمّ اجعلني من التّوّابين. قوله: (اللهمّ اغفر لي) فيه الرّدّ على من كره الدّعاء في الرّكوع كمالك. وأمّا التّسبيح فلا خلاف فيه، فاهتمّ هنا بذكر الدّعاء لذلك. وحجّة المخالف. الحديث الذي أخرجه مسلم من رواية ابن عبّاسٍ

стр. 1025

مرفوعاً. وفيه " فأمّا الرّكوع فعظّموا فيه الرّبّ، وأمّا السّجود فاجتهدوا في الدّعاء، فقِمن أن يستجاب لكم ". لكنّه لا مفهوم له، فلا يمتنع الدّعاء في الرّكوع كما لا يمتنع التّعظيم في السّجود. وظاهر حديث عائشة أنّه كان يقول هذا الذّكر كلّه في الرّكوع. وكذا في السّجود. قال ابن دقيق العيد: يؤخذ من هذا الحديث إباحة الدّعاء في الرّكوع وإباحة التّسبيح في السّجود، ولا يعارضه قوله ﷺ : أمّا الرّكوع فعظّموا فيه الرّبّ , وأمّا السّجود فاجتهدوا فيه من الدّعاء. قال: ويمكن أن يُحمل حديث الباب على الجواز، وذلك على الأولويّة , ويحتمل: أن يكون أمر في السّجود بتكثير الدّعاء لإشارة قوله " فاجتهدوا " والذي وقع في الرّكوع من قوله " اللهمّ اغفر لي " ليس كثيراً فلا يعارض ما أمر به في السّجود، انتهى. واعترضه الفاكهانيّ: بأنّ قول عائشة: كان يكثر أن يقول " صريح في كون ذلك وقع منه كثيراً فلا يعارض ما أمر به في السّجود. هكذا نقله عنه شيخنا ابن الملقّن في " شرح العمدة "، وقال: فليتأمّل. وهو عجيب، فإنّ ابن دقيق العيد أراد بنفي الكثرة عدم الزّيادة على قوله " اللهمّ اغفر لي " في الرّكوع الواحد، فهو قليل بالنّسبة إلى السّجود المأمور فيه بالاجتهاد في الدّعاء المشعر بتكثير الدّعاء، ولَم يرد أنّه كان يقول ذلك في بعض

стр. 1026

تنبيهٌ: الحديث الذي ذكره ابن دقيق العيد " أمّا الرّكوع إلخ " أخرجه مسلم وأبو داود والنّسائيّ، وفيه بعد قوله " فاجتهدوا في الدّعاء: فقمن أن يستجاب لكم ". وقَمِنٌ. بفتح القاف والميم. وقد تكسر , معناه حقيق. وجاء الأمر بالإكثار من الدّعاء في السّجود، وهو أيضاً عند مسلم وأبي داود والنّسائيّ من حديث أبي هريرة بلفظ: أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد، فأكثروا فيه من الدّعاء. والأمر بإكثار الدّعاء في السّجود يشمل الحثّ على تكثير الطّلب لكل حاجة كما جاء في حديث أنس: ليسأل أحدكم ربّه حاجته كلّها حتّى شسع نعله. أخرجه التّرمذيّ. ويشمل التّكرار للسّؤال الواحد , والاستجابة تشمل استجابة الدّاعي بإعطاء سؤله واستجابة المثني بتعظيم ثوابه.

стр. 1027

باب الوتر الوتر بالكسر الفرد، وبالفتح الثّأر، وفي لغة مترادفان فائدةٌ: قال ابن التّين (١): اختلف في الوتر في سبعة أشياء: في وجوبه، وعدده، واشتراط النّيّة فيه، واختصاص بقراءةٍ، واشتراط شفع قبله، وفي آخر وقته، وصلاته في السّفر على الدّابّة. قلت: وفي قضائه، والقنوت فيه، وفي محلّ القنوت منه، وفيما يقال فيه، وفي فصله ووصله، وهل تسنّ ركعتان بعده؟، وفي صلاته من قعود. لكن هذا الأخير ينبني على كونه مندوباً أو لا. وقد اختلفوا في أوّل وقته أيضاً، وفي كونه أفضل صلاة التّطوّع، أو الرّواتب أفضل منه، أو خصوص ركعتي الفجر. وقد ترجم البخاريّ لبعض ما ذكرناه.

стр. 1028

الحديث الثمانون ١٢٩ - عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: سأل رجلٌ النّبيّ ﷺ وهو على المنبر: ما ترى في صلاة الليل؟ قال: مثنى مثنى. فإذا خشي أحدُكم الصّبحَ صلَّى واحدةً. فأوْتَرَتْ له ما صلَّى , وإنّه كان يقول: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً. (١) قوله: (سأل رجلٌ) لَم أقف على اسمه. ووقع في المعجم الصّغير للطبرانيّ , أنّ السّائل هو ابن عمر، لكن يعكّر عليه رواية عبد الله بن شقيق عن ابن عمر , أنّ رجلاً سأل النّبيّ ﷺ , وأنا بينه وبين السّائل. فذكر الحديث، وفيه. ثمّ سأله رجلٌ على رأس الحول , وأنا بذلك المكان منه , قال: فما أدري أهو ذلك الرّجل أو غيره. (٢) وعند النّسائيّ من هذا الوجه , أنّ السّائل المذكور من أهل البادية. وعند محمّد بن نصر في " كتاب أحكام الوتر " - وهو كتاب نفيس في مجلدة - من رواية عطيّة عن ابن عمر , أنّ أعرابيّاً سأل. فيحتمل: أن يجمع بتعدّد من سأل، فأنّ السّؤال المذكور وقع في

стр. 1029

المسجد , والنّبيّ ﷺ على المنبر (١). قوله: (في صلاة الليل) في رواية أيّوب عن نافع عند البخاري: أنّ رجلاً جاء إلى النّبيّ ﷺ وهو يخطب فقال: كيف صلاة الليل " ونحوه في رواية سالم عن أبيه. وقد تبيّن من الجواب: أنّ السّؤال وقع عن عددها أو عن الفصل والوصل، وفي رواية محمّد بن نصر من طريق أيّوب عن نافع عن ابن عمر , قال: قال رجل: يا رسولَ الله كيف تأمرنا أن نُصلِّي من الليل؟. وأمّا قول ابن بزيزة جوابه بقوله " مثنى " يدلّ على أنّه فهم من السّائل طلب كيفيّة العدد لا مطلق الكيفيّة , ففيه نظرٌ، وأولى ما فسّر به الحديث من الحديث. واستدل بمفهومه: على أنّ الأفضل في صلاة النّهار أن تكون أربعاً , وهو عن الحنفيّة وإسحاق. وتعقّب: بأنّه مفهوم لقب , وليس بحجّةٍ على الرّاجح، وعلى تقدير الأخذ به فليس بمنحصرٍ في أربع، وبأنّه خرج جواباً للسّؤال عن صلاة الليل , فقيّد الجواب بذلك مطابقة للسّؤال، وبأنّه قد تبيّن عن رواية أخرى أنّ حكم المسكوت عنه حكم المنطوق به، ففي

стр. 1030

السّنن وصحّحه ابن خزيمة وغيره من طريق على الأزديّ عن ابن عمر مرفوعاً: صلاة الليل والنّهار مثنى مثنى. وقد تعقّب هذا الأخير: بأنّ أكثر أئمّة الحديث أعلّوا هذه الزّيادة. وهي قوله " والنّهار " بأنّ الحفّاظ من أصحاب ابن عمر لَم يذكروها عنه , وحكم النّسائيّ على راويها بأنّه أخطأ فيها. وقال يحيى بن معين: مَن عليّ الأزديّ حتّى أقبل منه؟. وادّعى يحيى بن سعيد الأنصاريّ عن نافع , أنّ ابن عمر كان يتطوّع بالنّهار أربعاً لا يفصل بينهنّ , ولو كان حديث الأزديّ صحيحاً لَمَا خالفه ابن عمر، يعني مع شدّة اتّباعه. رواه عنه محمّد بن نصر في " سؤالاته ". لكن روى ابن وهب بإسناد قويّ عن ابن عمر قال: صلاة الليل والنّهار مثنى مثنى. موقوف. أخرجه ابن عبد البرّ من طريقه. فلعل الأزديّ اختلط عليه الموقوف بالمرفوع , فلا تكون هذه الزّيادة صحيحة على طريقة من يشترط في الصّحيح أن لا يكون شاذّاً. وقد روى ابن أبي شيبة عن وجه آخر عن ابن عمر , أنّه كان يُصلِّي بالنّهار أربعاً أربعاً , وهذا موافق لِمَا نقله ابن معين. قوله: (مثنى مثنى) أي: اثنين اثنين، وهو غير منصرف لتكرار العدل فيه. قاله صاحب الكشّاف. وقال آخرون: للعدل والوصف. وأمّا إعادة مثنى. فللمبالغة في التّأكيد، وقد فسّره ابن عمر راوي الحديث فعند مسلم عن طريق عقبة بن حريث قال: قلت لابن عمر:

стр. 1031

ما معنى مثنى مثنى؟ قال: تُسلّم من كلّ ركعتين. وفيه ردّ على من زعم من الحنفيّة: أنّ معنى مثنى أن يتشهّد بين كلّ ركعتين , لأنّ راوي الحديث أعلم بالمراد به، وما فسّره به هو المتبادر إلى الفهم , لأنّه لا يقال في الرّباعيّة مثلاً إنّها مثنى. واستدل بهذا على تعيّن الفصل بين كلّ ركعتين من صلاة الليل. قال ابن دقيق العيد: وهو ظاهر السّياق لحصر المبتدأ في الخبر، وحمله الجمهور على أنّه لبيان الأفضل لِمَا صحّ من فعله ﷺ بخلافه، ولَم يتعيّن أيضاً كونه لذلك، بل يحتمل أن يكون للإرشاد إلى الأخفّ، إذ السّلام بين كلّ ركعتين أخفّ على المُصلِّي من الأربع فما فوقها , لِمَا فيه من الرّاحة غالباً وقضاء ما يعرض من أمر مهمّ، ولو كان الوصل لبيان الجواز فقط لَم يواظب عليه ﷺ . ومن ادّعى اختصاصه به فعليه البيان. وقد صحّ عنه ﷺ الفصل كما صحّ عنه الوصل، فعند أبي داود ومحمّد بن نصر من طريقي الأوزاعيّ وابن أبي ذئب كلاهما عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة , أنّ النّبيّ ﷺ كان يُصلِّي ما بين أن يفرغ من العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة , يُسلِّم من كلّ ركعتين. وإسنادهما على شرط الشّيخين. واستدل به أيضاً على عدم النّقصان عن ركعتين في النّافلة ما عدا الوتر. قال ابن دقيق العيد: والاستدلال به أقوى من الاستدلال بامتناع

стр. 1032

قصر الصّبح في السّفر إلى ركعة. يشير بذلك إلى الطّحاويّ , فإنّه استدل على منع التّنفّل بركعةٍ بذلك. واستدل بعض الشّافعيّة للجواز بعموم قوله ﷺ : الصّلاة خير موضوع، فمن شاء استكثر ومن شاء استقل. صحّحه ابن حبّان. وقد اختلف السّلف في الفصل والوصل في صلاة الليل أيّهما أفضل: وقال الأثرم عن أحمد: الذي اختاره في صلاة الليل مثنى مثنى، فإن صلَّى بالنّهار أربعاً فلا بأس. وقال محمّد بن نصر نحوه في " صلاة الليل " قال: وقد صحّ عن النّبيّ ﷺ , أنّه أوتر بخمسٍ لَم يجلس إلاَّ في آخرها (١) , إلى غير ذلك من الأحاديث الدّالة على الوصل، إلاَّ أنّا نختار أن يسلم من كلّ ركعتين , لكونه أجاب به السّائل ولكون أحاديث الفصل أثبت وأكثر طرقاً. وقد تضمّن كلامه الرّدّ على الدّاوديّ (٢) الشارح ومن تبعه , في دعواهم أنّه لَم يثبت عن النّبيّ ﷺ أنّه صلَّى النّافلة أكثر من ركعتين ركعتين. قوله: (فإذا خشي أحدُكم الصّبحَ) استدل به على خروج وقت الوتر بطلوع الفجر، وأصرح منه ما رواه أبو داود والنّسائيّ وصحّحه

стр. 1033

أبو عوانة وغيره من طريق سليمان بن موسى عن نافع أنّه حدّثه , أنّ ابن عمر كان يقول: من صلَّى من الليل فليجعل آخر صلاته وتراً , فإنّ رسول الله ﷺ كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر فقد ذهب كلّ صلاة الليل والوتر. وفي صحيح ابن خزيمة من طريق قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعاً: من أدركه الصّبح ولَم يوتر , فلا وتر له. وهذا محمول على التّعمّد , أو على أنّه لا يقع أداء، لِمَا رواه من حديث أبي سعيد أيضاً مرفوعاً: من نسي الوتر أو نام عنه , فليصله إذا ذكره. وقيل معنى قوله " إذا خشي أحدكم الصّبح " , أي: وهو في شفع , فلينصرف على وتر. وهذا ينبني على أنّ الوتر لا يفتقر إلى نيّة. وحكى ابن المنذر عن جماعة من السّلف: أنّ الذي يخرج بالفجر وقته الاختياريّ , ويبقى وقت الضّرورة إلى قيام صلاة الصّبح، وحكاه القرطبيّ عن مالك والشّافعيّ وأحمد، وإنّما قاله الشّافعيّ في القديم. وقال ابن قدامة: لا ينبغي لأحدٍ أن يتعمّد ترك الوتر حتّى يصبح. واختلف السّلف في مشروعيّة قضائه. فنفاه الأكثر، وفي مسلم وغيره عن عائشة , أنّه ﷺ كان إذا نام من الليل من وجع أو غيره , فلم يقم من الليل , صلَّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة.

стр. 1034

وقال محمّد بن نصر: لَم نجد عن النّبيّ ﷺ في شيء من الأخبار أنّه قضى الوتر , ولا أمر بقضائه، ومن زعم أنّه ﷺ في ليلة نومهم عن الصّبح في الوادي قضى الوتر فلم يصب. وعن عطاء والأوزاعيّ: يقضي ولو طلعت الشّمس، وهو وجه عند الشّافعيّة. حكاه النّوويّ في شرح مسلم. وعن سعيد بن جبير: يقضي من القابلة. وعن الشّافعيّة: يقضي مطلقاً، ويستدلّ لهم بحديث أبي سعيد المتقدّم. والله أعلم فائدةٌ: يؤخذ من سياق هذا الحديث. أنّ ما بين طلوع الفجر وطلوع الشّمس من النّهار شرعاً، وقد روى ابن دريد في أماليه بسندٍ جيّد , أنّ الخليل بن أحمد سئل عن حدّ النّهار , فقال: من الفجر المستطير إلى بداءة الشّفق. وحكي عن الشّعبيّ , أنّه وقت منفرد لا من الليل ولا من النّهار. (١) قوله: (صلَّى واحدة) في رواية لهما " صلَّى ركعة واحدة " , وفي رواية الشّافعيّ وعبد الله بن وهب ومكّيِّ بن إبراهيم ثلاثتهم عن مالك " فليصل ركعة " أخرجه الدّارقطنيّ في " الموطّآت ". هكذا بصيغة الأمر.

стр. 1035

وللبخاري بصيغة الأمر أيضاً من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن ابن عمر: فإذا أردت أن تنصرف، فاركع ركعة توتر لك ما صليت , قال القاسم (١): ورأينا أناسا منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإنَّ كلاً لواسع أرجو أن لا يكون بشيء منه. ولمسلمٍ من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه مرفوعاً نحوه. واستدل بهذا على أنّه لا صلاة بعد الوتر، وقد اختلف السّلف في ذلك في موضعين. أحدهما: في مشروعيّة ركعتين بعد الوتر عن جلوس. الثّاني: فيمن أوتر , ثمّ أراد أن يتنفّل في الليل , هل يكتفي بوتره الأوّل وليتنفّل ما شاء. أو يشفع وتره بركعةٍ ثمّ يتنفّل , ثمّ إذا فعل ذلك. هل يحتاج إلى وتر آخر أو لا؟ فأمّا الأوّل: فوقع عند مسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة , أنّه ﷺ كان يُصلِّي ركعتين بعد الوتر وهو جالس. وقد ذهب إليه بعض أهل العلم , وجعلوا الأمر في قوله " اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً " مختصّاً بمن أوتر آخر الليل. وأجاب من لَم يقل بذلك: بأنّ الرّكعتين المذكورتين هما ركعتا الفجر. وحمله النّوويّ: على أنّه ﷺ فعله لبيان جواز التّنفّل بعد الوتر

стр. 1036

وجواز التّنفّل جالساً. وأمّا الثّاني: فذهب الأكثر إلى أنّه يُصلِّي شفعاً ما أراد , ولا ينقض وتره. عملاً بقوله ﷺ : لا وتران في ليلة. وهو حديث حسن. أخرجه النّسائيّ وابن خزيمة وغيرهما من حديث طلق بن عليٍّ. وإنّما يصحّ نقض الوتر عند من يقول بمشروعيّة التّنفّل بركعةٍ واحدة غير الوتر. وروى محمّد بن نصر من طريق سعيد بن الحارث , أنّه سأل ابن عمر عن ذلك فقال: إذا كنت لا تخاف الصّبح , ولا النّوم فاشفع , ثمّ صلِّ ما بدا لك , ثمّ أوتر، وإلا فصلِّ واترك على الذي كنت أوترت. ومن طريق أخرى عن ابن عمر , أنّه سئل عن ذلك فقال: أمّا أنا فأصلي مثنى، فإذا انصرفت ركعت ركعة واحدة. فقيل: أرأيت إن أوترت قبل أن أنام ثمّ قمت من الليل فشفعت حتّى أصبح؟ قال: ليس بذلك بأس. واستدل بقوله ﷺ " صلِّ ركعة واحدة " على أنّ فصل الوتر أفضل من وصله. وتعقّب: بأنّه ليس صريحاً في الفصل، فيحتمل أن يريد بقوله " صلِّ ركعة واحدة " أي: مضافة إلى ركعتين ممّا مضى. واحتجّ بعض الحنفيّة لِمَا ذهب إليه من تعيين الوصل والاقتصار على ثلاث: بأنّ الصّحابة أجمعوا على أنّ الوتر بثلاثٍ موصولة حسنٌ جائزٌ، واختلفوا فيما عداه، قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه وتركنا ما

стр. 1037

اختلفوا فيه. وتعقّبه محمّد بن نصر المروزيّ: بما رواه من طريق عراك بن مالك عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً: لا توتروا بثلاثٍ تشبهوا بصلاة المغرب. وقد صحّحه الحاكم من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة والأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه، وإسناده على شرط الشّيخين، وقد صحّحه ابن حبّان والحاكم. ومن طريق مقسم عن ابن عبّاس وعائشة كراهية الوتر بثلاثٍ، وأخرجه النّسائيّ أيضاً. وعن سليمان بن يسار , أنّه كره الثّلاث في الوتر , وقال: لا يشبه التّطوّع الفريضة. فهذه الآثار تقدح في الإجماع الذي نقله. وأمّا قول محمّد بن نصر: لَم نجد عن النّبيّ ﷺ خبراً ثابتاً صريحاً أنّه أوتر بثلاثٍ موصولة. نعم. ثبت عنه أنّه أوتر بثلاثٍ، لكن لَم يبيّن الرّاوي. هل هي موصولة أو مفصولة. انتهى. فيردّ عليه ما رواه الحاكم من حديث عائشة , أنّه كان ﷺ يوتر بثلاثٍ لا يقعد إلاَّ في آخرهنّ. وروى النّسائيّ من حديث أبيّ بن كعب نحوه. ولفظه: يوتر (بسبّح اسم ربّك الأعلى) و (قل يا أيّها الكافرون) و (قل هو الله أحد) , ولا يُسلِّم إلاَّ في آخرهنّ. وبيّن في عدّة طرق أنّ السّور الثّلاث بثلاث ركعات. ويجاب عنه: باحتمال أنّهما لَم يثبتا عنده. والجمع بين هذا وبين ما تقدّم من النّهي عن التّشبّه بصلاة المغرب.

стр. 1038

أنْ يُحمل النّهي على صلاة الثّلاث بتشهّدين. وقد فعله السّلف أيضاً. فروى محمّد بن نصر من طريق الحسن , أنّ عمر كان ينهض في الثّالثة من الوتر بالتّكبير، ومن طريق المسور بن مخرمة , أنّ عمر أوتر بثلاثٍ لَم يسلم إلاَّ في آخرهنّ، ومن طريق ابن طاوسٍ عن أبيه , أنّه كان يوتر بثلاثٍ لا يقعد بينهنّ، ومن طريق قيس بن سعد عن عطاء وحمّاد بن زيد عن أيّوب مثله. وروى محمّد بن نصر عن ابن مسعود وأنس وأبي العالية , أنّهم أوتروا بثلاثٍ كالمغرب. وكأنّهم لَم يبلغهم النّهي المذكور، ولكنّ النّزاع في تعيّن ذلك فإنّ الأخبار الصّحيحة تأباه. وقوله في رواية القاسم " فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة " فيه دفعٌ لقول من ادّعى: أنّ الوتر بواحدةٍ مختصّ بمن خشي طلوع الفجر , لأنّه علَّقه بإرادة الانصراف , وهو أعمّ من أن يكون لخشية طلوع الفجر أو غير ذلك. وقوله فيه " منذ أدركنا " أي بلغنا الحلم أو عقلنا، وقوله " يوترون بثلاثٍ وإنَّ كلاً لواسعٌ " , يقتضي أنّ القاسم فهم من قوله " فاركع ركعة " أي: منفردة منفصلة، ودلَّ ذلك على أنّه لا فرق عنده بين الوصل والفصل في الوتر. والله أعلم. قوله: (فأوترتْ له ما صلَّى) استدل به على أنّ الرّكعة الأخيرة هي الوتر , وأنّ كلّ ما تقدّمها شفع. وادّعى بعض الحنفيّة: أنّ هذا إنّما يشرع لمن طرقه الفجر قبل أن

стр. 1039

يوتر , فيكتفي بواحدة لقوله " فإذا خشي الصّبح " , فيحتاج إلى دليل تعيّن الثّلاث. وذكرنا ما فيه من رواية القاسم الماضية. واستدل به على تعيّن الشّفع قبل الوتر , وهو عن المالكيّة بناء على أنّ قوله " ما قد صلَّى " أي: من النّفل. وحمله من لا يشترط سبق الشّفع على ما هو أعمّ من النّفل والفرض , وقالوا: إنّ سبقَ الشّفعِ شرطٌ في الكمال لا في الصّحّة. ويؤيّده حديث أبي أيّوب مرفوعاً: الوتر حقّ، فمن شاء أوتر بخمسٍ , ومن شاء بثلاثٍ , ومن شاء بواحدةٍ. أخرجه أبو داود والنّسائيّ وصحّحه ابن حبّان والحاكم. وصحّ عن جماعة من الصّحابة , أنّهم أوتروا بواحدةٍ من غير تقدّم نفل قبلها. ففي كتاب محمّد بن نصر وغيره بإسنادٍ صحيح عن السّائب بن يزيد , أنّ عثمان قرأ القرآن ليلة في ركعة لَم يصلِّ غيرها. وأخرج البخاري من حديث عبد الله بن ثعلبة , أنّ سعداً أوتر بركعةٍ، ولمحمد بن نصر في كتاب الوتر عن معاوية , أنّه أوتر بركعةٍ وأنّ ابن عبّاس استصوبه. وفي كلّ ذلك ردّ على ابن التّين في قوله: إنّ الفقهاء لَم يأخذوا بعمل معاوية في ذلك، وكأنّه أراد فقهاءهم. تكميلٌ. زاد البخاري عن نافع , أنَّ عبد الله بن عمر كان يسلم بين

стр. 1040

الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته. ظاهره أنّه كان يُصلِّي الوتر موصولاً فإنْ عرضت له حاجة فَصَلَ , ثمّ بنى على ما مضى، وفي هذا دفع لقول مَن قال: لا يصحّ الوتر إلاَّ مفصولاً. وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح عن بكر بن عبد الله المزنيّ قال: صلَّى ابن عمر ركعتين , ثمّ قال: يا غلام أرْحِل لنا، ثمّ قام فأوتر بركعةٍ. وروى الطّحاويّ من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه , أنّه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمةٍ، وأخبر أنّ النّبيّ ﷺ كان يفعله. وإسناده قويّ. ولَم يعتذر الطّحاويّ عنه إلاَّ باحتمال أن يكون المراد بقوله " بتسليمةٍ " أي: التّسليمة التي في التّشهّد , ولا يخفى بعد هذا التّأويل. والله أعلم

стр. 1041

الحديث الواحد والثمانون ١٣٠ - عن عائشة ﵂ , قالت: مِنْ كلِّ الليل أوتر رسول الله ﷺ , من أوّلِ الليلِ , وأوسطِه , وآخرِه. وانتهى وترُه إلى السّحر (١) قوله: (مِنْ كلِّ الليل) في رواية لهما " كلَّ الليل " بنصب كل على الظّرفيّة , وبالرّفع على أنّه مبتدأٌ , والجملة خبره , والتّقدير أوتر فيه. والليل كلّه وقت للوتر، لكن أجمعوا على أنّ ابتداءه مغيب الشّفق بعد صلاة العشاء، كذا نقله ابن المنذر. لكن أطلق بعضهم: أنّه يدخل بدخول العشاء، قالوا: ويظهر أثر الخلاف فيمن صلَّى العشاء وبان أنّه كان بغير طهارة ثمّ صلَّى الوتر متطهّراً , أو ظنّ أنّه صلَّى العشاء فصلَّى الوتر , فإنّه يجزئ على هذا القول دون الأوّل. ولا معارضة بين وصيّة أبي هريرة بالوتر قبل النّوم (٢) وبين قول عائشة " وانتهى وتره إلى السّحر " , لأنّ الأوّل لإرادة الاحتياط، والآخر لمن علم من نفسه قوّة، كما ورد في حديث جابر عند مسلم ولفظه: من طَمِع منكم أن يقوم آخر الليل فليوتر من آخره، فإنّ

стр. 1042

صلاة آخر الليل مشهودة. وذلك أفضل. ومن خاف منكم أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر من أوّله. قوله: (إلى السّحر) زاد أبو داود والتّرمذيّ " حين مات " , ويحتمل: أن يكون اختلاف وقت الوتر باختلاف الأحوال. فحيث أوتر في أوّله لعله كان وجعاً. وحيث أوتر وسطه لعله كان مسافراً. وأمّا وتره في آخره , فكأنّه كان غالب أحواله لِمَا عرف من مواظبته على الصّلاة في أكثر الليل. والله أعلم والسّحر. قُبيل الصّبح. وحكى الماورديّ: أنّه السّدس الأخير. وقيل: أوّله الفجر الأوّل , وفي رواية طلحة بن نافعٍ عن ابن عبّاس عند ابن خزيمة: فلمّا انفجر الفجر قام فأوتر بركعةٍ. قال ابن خزيمة: المراد به الفجر الأوّل. وروى أحمد من حديث معاذٍ مرفوعاً: زادني ربّي صلاةً , وهي الوتر , وقتها من العشاء إلى طلوع الفجر. وفي إسناده ضعفٌ. (١) وكذا في حديث خارجة بن حذافة في السّنن , وهو الذي احتجّ به مَن قال بوجوب الوتر , وليس صريحاً في الوجوب. والله أعلم.

стр. 1043

وأمّا حديث بريدة رفعه: الوتر حقٌّ , فمن لَم يوتر فليس منّا , وأعاد ذلك ثلاثاً. ففي سنده أبو المنيب , وفيه ضعفٌ. وعلى تقدير قبوله. فيحتاج من احتجّ به إلى أن يثبت أنّ لفظ " حقٍّ " بمعنى واجب في عرف الشّارع , وأنّ لفظ واجبٍ بمعنى ما ثبت من طريق الاحاد. (١)

стр. 1044

الحديث الثاني والثمانون ١٣١ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يُصلِّي من الليل ثلاث عشرة ركعةً يوتر من ذلك بخمسٍ , لا يجلس في شيءٍ إلاَّ في آخرها. (١) قوله: (يُصلِّي من الليل ثلاث عشرة ركعةً) وللبخاري عن مسروق، قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل؟ فقالت: سبع وتسع وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر " , وما أجابت به مسروقاً فمرادها , أنّ ذلك وقع منه في أوقات مختلفة، فتارة كان يُصلِّي سبعاً وتارة تسعاً وتارة إحدى عشرة. وأمّا حديث القاسم عنها عند البخاري " كان يُصلِّي من الليل ثلاث عشرة , منها الوتر وركعتا الفجر , وفي رواية مسلم من هذا

стр. 1045

الوجه " كانت صلاته عشر ركعات , ويوتر بسجدة , ويركع ركعتي الفجر , فتلك ثلاث عشرة " , فمحمولٌ على أنّ ذلك كان غالب حاله. وللبخاري ومسلم من رواية أبي سلمة عنها , أنّ ذلك كان أكثر ما يصليه في الليل، ولفظه " ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة " الحديث، وفيه ما يدلّ على أنّ ركعتي الفجر من غيرها , فهو مطابق لرواية القاسم. وأمّا ما رواه الزّهريّ عن عروة عنها كما في البخاري بلفظ: كان يُصلِّي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثمّ يُصلِّي إذا سمع النّداء بالصّبح ركعتين خفيفتين. فظاهره يخالف ما تقدّم. فيحتمل: أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سنّة العشاء , لكونه كان يُصلِّيها في بيته. أو: ما كان يفتتح به صلاة الليل , فقد ثبت عند مسلم من طريق سعد بن هشام عنها , أنّه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين. وهذا أرجح في نظري , لأنّ رواية أبي سلمة التي دلَّت على الحصر في إحدى عشرة جاء في صفتها عند البخاري وغيره: يُصلِّي أربعاً ثمّ أربعاً ثمّ ثلاثاً. فدلَّ على أنّها لَم تتعرّض للرّكعتين الخفيفتين , وتعرّضت لهما في رواية الزّهريّ.

стр. 1046

والزّيادة من الحافظ مقبولة، وبهذا يجمع بين الرّوايات. وينبغي أن يستحضر هنا ذكر الرّكعتين بعد الوتر , والاختلاف هل هما الرّكعتان بعد الفجر أو صلاة مفردة بعد الوتر؟. ويؤيّده ما وقع عند أحمد وأبي داود من رواية عبد الله بن أبي قيس عن عائشة بلفظ " كان يوتر بأربعٍ وثلاث، وستّ وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولَم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة , ولا أنقص من سبع. وهذا أصحُّ ما وقفت عليه من ذلك، وبه يجمع بين ما اختلف عن عائشة من ذلك. والله أعلم. قال القرطبيّ: أشْكلَتْ روايات عائشة على كثير من أهل العلم , حتّى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب، وهذا إنّما يتمّ لو كان الرّاوي عنها واحداً أو أخبرت عن وقت واحد: والصّواب أنّ كلّ شيء ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعدّدة وأحوال مختلفة بحسب النّشاط وبيان الجواز. والله أعلم. وظهر لي أنّ الحكمة في عدم الزّيادة على إحدى عشرة. أنّ التّهجّد والوتر مختصّ بصلاة الليل، وفرائض النّهار - الظّهر وهي أربع , والعصر وهي أربع , والمغرب وهي ثلاث وتر النّهار - فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النّهار في العدد جملة وتفصيلاً وأمّا مناسبة ثلاث عشرة , فبضمّ صلاة الصّبح , لكونها نهاريّة إلى ما بعدها

стр. 1047

قوله: (يوتر من ذلك بخمسٍ , لا يجلس في شيءٍ إلاَّ في آخرها) (١).

стр. 1048

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1049

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1050

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1051

باب الذكر عقب الصّلاة الحديث الثالث والثمانون ١٣٢ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁: أنّ رفع الصّوت بالذّكر حين ينصرف النّاس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ . قال ابن عبّاسٍ: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته. (١) وفي لفظٍ: ما كنّا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ , إلاَّ بالتّكبير. (٢) قوله: (كان على عهد رسول الله ﷺ ) فيه أنّ مثل هذا عند البخاريّ يُحكم له بالرّفع خلافاً لمن شذّ ومنع ذلك، وقد وافقه مسلم والجمهور على ذلك. وفيه دليل على جواز (٣) الجهر بالذّكر عقب الصّلاة. قال الطّبريّ: فيه الإبانة عن صحّة ما كان يفعله بعض الأمراء من التّكبير عقب الصّلاة. وتعقّبه ابن بطّال: بأنّه لَم يقف على ذلك عن أحد من السّلف إلاَّ ما

стр. 1052

حكاه ابن حبيب في " الواضحة " أنّهم كانوا يستحبّون التّكبير في العساكر عقب الصّبح والعشاء تكبيراً عالياً ثلاثاً، قال: وهو قديم من شأن النّاس. قال ابن بطّال: وفي " العتبيّة " عن مالك أنّ ذلك محدث. قال: وفي السّياق إشعار بأنّ الصّحابة لَم يكونوا يرفعون أصواتهم بالذّكر في الوقت الذي قال فيه ابن عبّاسٍ ما قال. قلت: في التّقييد بالصّحابة نظر، بل لَم يكن حينئذٍ من الصّحابة إلاَّ القليل. وقال النّوويّ: حمل الشّافعيُّ هذا الحديث على أنّهم جهروا به وقتاً يسيراً لأجل تعليم صفة الذّكر، لا أنّهم داوموا على الجهر به، والمختار أنّ الإمام والمأموم يخفيان الذّكر إلاَّ إن احتيج إلى التّعليم. قوله: (قال ابن عباس: كنت أعلم) فيه إطلاق العلم على الأمر المستند إلى الظّنّ الغالب. قوله: (إذا انصرفوا) أي: أعلم انصرافهم بذلك. أي: برفع الصّوت إذا سمعته. أي: الذّكر، والمعنى كنت أعلم بسماع الذّكر انصرافهم. قوله: (ما كنّا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلاَّ بالتّكبير) بصيغة الحصر كذا أخرجه مسلم , وللبخاري: كنت أعرف انقضاء صلاة النّبيّ ﷺ بالتّكبير. واختلف في كون ابن عبّاسٍ قال ذلك.

стр. 1053

فقال عياض: الظّاهر أنّه لَم يكن يحضر الجماعة , لأنّه كان صغيراً ممّن لا يواظب على ذلك ولا يلزم به، فكان يعرف انقضاء الصّلاة بما ذكر. وقال غيره: يحتمل أن يكون حاضراً في أواخر الصّفوف , فكان لا يعرف انقضاءها بالتّسليم، وإنّما كان يعرفه بالتّكبير. وقال ابن دقيق العيد: يؤخذ منه أنّه لَم يكن هناك مبلِّغ جهير الصّوت يُسمع من بعُد. قوله: (بالتّكبير) هو أخصّ من رواية " الذكر " التي قبلها، لأنّ الذّكر أعمّ من التّكبير. ويحتمل: أن تكون هذه مفسّرة لذلك , فكان المراد أنّ رفع الصّوت بالذّكر. أي: بالتّكبير، وكأنّهم كانوا يبدءون بالتّكبير بعد الصّلاة قبل التّسبيح والتّحميد (١)

стр. 1054

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1055

الحديث الرابع والثمانون ١٣٣ - عن ورّادٍ مولى المغيرة بن شعبة , قال: أملى عليَّ المغيرة بن شعبة من كتابٍ إلى معاوية: إنّ النّبيّ ﷺ كان يقول في دُبر كل صلاةٍ مكتوبةٍ: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد , وهو على كل شيءٍ قديرٍ. اللهمّ لا مانع لِمَا أعطيتَ ولا معطي لِمَا منعتَ , ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ. ثمّ وفدتُ بعد ذلك على معاوية فسمعتُه يأمر النّاس بذلك. وفي لفظٍ: كان ينهى عن قيل وقال , وإضاعة المال , وكثرة السّؤال , وكان ينهى عن عقوق الأمّهات , ووأدِ البنات , ومنعٍ وهات. (١) قوله: (أملى عليَّ المغيرة بن شعبة من كتاب إلى معاوية) كان المغيرة إذ ذاك أميراً على الكوفة من قِبَل معاوية , وللبخاري من وجه آخر عن ورّاد بيان السّبب في ذلك، وهو أنّ معاوية كتب إليه: اكتب لي بحديثٍ سمعته من رسول الله ﷺ . وللبخاري في القدر من رواية عبدة بن أبي لبابة عن ورّاد قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت النّبيّ ﷺ يقول خلف الصّلاة. قد قيّدها في رواية الباب بالمكتوبة , فكأنّ المغيرة فهم ذلك من قرينة في السّؤال.
следующие страницы →