← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

إبراهيم , شهدت له يوم القيامة وشفعت له. ورجال سنده رجال الصّحيح إلاَّ سعيد بن سليمان مولى سعيد بن العاص الرّاوي له عن حنظلة بن عليّ فإنّه مجهول. تنبيه: هذا كلّه فيما يقال مضموماً إلى السّلام أو الصّلاة. وقد وافق ابن العربيُّ الصّيدلانيَّ من الشّافعيّة على المنع، وقال أبو القاسم الأنصاريّ شارح " الإرشاد ": يجوز ذلك مضافاً إلى الصّلاة , ولا يجوز مفرداً. ونقل عياض عن الجمهور الجواز مطلقاً. وقال القرطبيّ في " المفهم ": إنّه الصّحيح لورود الأحاديث به. وخالفه غيره: ففي " الذّخيرة " من كتب الحنفيّة عن محمّد: يكره ذلك لإيهامه النّقص , لأنّ الرّحمة غالباً إنّما تكون عن فعل ما يلام عليه. وجزم ابن عبد البرّ بمنعه , فقال: لا يجوز لأحدٍ إذا ذكر النّبيّ ﷺ أن يقول: ﵀ , لأنّه قال من صلَّى عليّ، ولَم يقل من ترحّم عليّ , ولا من دعا لي، وإن كان معنى الصّلاة الرّحمة، ولكنّه خصّ هذا اللفظ تعظيماً له فلا يعدل عنه إلى غيره، ويؤيّده قوله تعالى (لا تجعلوا دعاء الرّسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) انتهى. وهو بحث حسن , لكن في التّعليل الأوّل نظرٌ، والمعتمد الثّاني، والله أعلم. قوله: (وعلى آل محمّد) قيل: أصل " آل " أهل , قلبت الهاء همزة

стр. 982

ثمّ سهّلت ولهذا إذا صغّر ردّ إلى الأصل فقالوا: أهيل. وقيل: بل أصله أول من آل إذا رجع، سُمِّي بذلك من يئول إلى الشّخص ويضاف إليه، ويقوّيه أنّه لا يضاف إلاَّ إلى معظّم , فيقال: آل القاضي , ولا يقال: آل الحجّام بخلاف أهل، ولا يضاف آل أيضاً غالباً إلى غير العاقل ولا إلى المضمر عند الأكثر، وجوّزه بعضهم بقلةٍ، وقد ثبت في شعر عبد المطّلب في قوله في قصّة أصحاب الفيل من أبيات: وانصر على آل الصّليب وعابديه اليوم آلك. وقد يطلق آل فلان على نفسه وعليه وعلى من يضاف إليه جميعاً. وضابطه أنّه إذا قيل: فعل آل فلان كذا , دخل هو فيهم إلاَّ بقرينةٍ، ومن شواهده قوله ﷺ للحسن بن عليّ: إنّا آل محمّد لا تحلّ لنا الصّدقة (١). وإن ذكرا معاً فلا، وهو كالفقير والمسكين، وكذا الإيمان والإسلام والفسوق والعصيان. ولَمّا اختلفت ألفاظ الحديث في الإتيان بهما معاً وفي إفراد أحدهما , كان أولى المحامل أن يحمل على أنّه ﷺ قال ذلك كلّه، ويكون بعض الرّواة حفظ ما لَم يحفظ الآخر. وأمّا التّعدّد فبعيد , لأنّ غالب الطّرق تصرّح بأنّه وقع جواباً عن قولهم " كيف نُصلِّي عليك " , ويحتمل: أن يكون بعض من اقتصر

стр. 983

على آل إبراهيم بدون ذكر إبراهيم , رواه بالمعنى بناء على دخول إبراهيم في قوله " آل إبراهيم " كما تقدّم. واختلف في المراد بآل محمّد في هذا الحديث. القول الأول: الرّاجح أنّهم من حرّمت عليهم الصّدقة، وهذا نصّ عليه الشّافعيّ واختاره الجمهور. ويؤيّده. قول النّبيّ ﷺ للحسن بن عليّ: إنّا آل محمّد لا تحلّ لنا الصّدقة " وقد تقدّم من حديث أبي هريرة، ولمسلمٍ من حديث عبد المطّلب بن ربيعة في أثناء حديث مرفوع " إنّ هذه الصّدقة إنّما هي أوساخ النّاس , وإنّها لا تحلّ لمحمّدٍ , ولا لآلِ محمّد ". القول الثاني: قال أحمد: المراد بآل محمّد في حديث التّشهّد أهل بيته. وعلى هذا فهل يجوز أن يقال: أهل عِوَض آل؟ روايتان عندهم. القول الثالث: المراد بآل محمّد أزواجه وذرّيّته , لأنّ أكثر طرق هذا الحديث جاء بلفظ " وآل محمّد " وجاء في حديث أبي حميدٍ موضعه " وأزواجه وذرّيّته " فدلَّ على أنّ المراد بالآل الأزواج والذّرّيّة. وتعقّب: بأنّه ثبت الجمع بين الثّلاثة كما في حديث أبي هريرة، فيحمل على أنّ بعض الرّواة حفظ ما لَم يحفظ غيره , فالمراد بالآل في التّشهّد الأزواج ومن حرّمت عليهم الصّدقة , ويدخل فيهم الذّرّيّة، فبذلك يجمع بين الأحاديث. وقد أطلق على أزواجه ﷺ آل محمّد في حديث عائشة: ما شبع آل

стр. 984

محمّد من خبز مأدوم ثلاثاً. أخرجه البخاري، وفيه أيضاً من حديث أبي هريرة " اللهمّ اجعل رزقَ آلِ محمّدٍ قوتاً " , وكأنّ الأزواج أفردوا بالذّكر تنويهاً بهم. وكذا الذّرّيّة. القول الرابع: المراد بالآل ذرّيّة فاطمة خاصّة. حكاه النّوويّ في " شرح المهذّب " القول الخامس: هم جميع قريش. حكاه ابن الرّفعة في " الكفاية ". القول السادس: المراد بالآل جميع الأمّة أمّة الإجابة. وقال ابن العربيّ: مال إلى ذلك مالك. واختاره الأزهريّ , وحكاه أبو الطّيّب الطّبريّ عن بعض الشّافعيّة , ورجّحه النّوويّ في شرح مسلم، وقيّده القاضي حسين والرّاغب بالأتقياء منهم، وعليه يحمل كلام من أطلق. ويؤيّده قوله تعالى (إنْ أولياؤه إلاَّ المتّقون) , وقوله ﷺ : إنّ أوليائي منكم المتّقون (١). وفي " نوادر أبي العيناء " إنّه غضّ من بعض الهاشميّين , فقال له: أتغضّ منّي وأنت تصلّي عليّ في كلّ صلاة في قولك: اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد، فقال: إنّي أريد الطّيّبين الطّاهرين , ولست منهم.

стр. 985

ويمكن أن يُحمل كلام من أطلق , على أنّ المراد بالصّلاة الرّحمة المطلقة فلا تحتاج إلى تقييد. وقد استدل لهم بحديث أنس رفعه " آل محمّد كلّ تقيّ " أخرجه الطّبرانيّ , ولكن سنده واهٍ جدّاً، وأخرج البيهقيّ عن جابر نحوه من قوله بسندٍ ضعيف. قوله: (كما صلَّيت على آل إبراهيم) اشتهر السّؤال عن موقع التّشبيه مع أنّ المقرّر أنّ المشبّه دون المشبّه به، والواقع هنا عكسه. لأنّ محمّداً ﷺ وحده أفضل من آل إبراهيم ومن إبراهيم , ولا سيّما قد أضيف إليه آل محمّد. وقضيّة كونه أفضل أن تكون الصّلاة المطلوبة أفضل من كلّ صلاة حصلت أو تحصل لغيره، وأجيب عن ذلك بأجوبة: الجواب الأوّل: أنّه قال ذلك قبل أن يعلم أنّه أفضل من إبراهيم. وقد أخرج مسلم من حديث أنس , أنّ رجلاً قال للنّبيّ ﷺ : يا خير البريّة، قال: ذاك إبراهيم. أشار إليه ابن العربيّ , وأيّده بأنّه سأل لنفسه التّسوية مع إبراهيم وأمر أمّته أن يسألوا له ذلك , فزاده الله تعالى بغير سؤال أن فضّله على إبراهيم. وتعقّب: بأنّه لو كان كذلك لغيّر صفة الصّلاة بعد أن علم أنّه أفضل. الجواب الثّاني: أنّه قال ذلك تواضعاً وشرع ذلك لأمّته ليكتسبوا بذلك الفضيلة.

стр. 986

الجواب الثّالث: أنّ التّشبيه إنّما هو لأصل الصّلاة بأصل الصّلاة , لا للقدر بالقدر , فهو كقوله تعالى (إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح) وقوله (كتب عليكم الصّيام كما كتب على الذين من قبلكم) , وهو كقول القائل: أحسن إلى ولدك كما أحسنت إلى فلان. ويريد بذلك أصل الإحسان لا قدره، ومنه قوله تعالى (وأحسن كما أحسن الله إليك). ورجّح هذا الجوابَ القرطبيّ في " المفهم " الجواب الرّابع: أنّ الكاف للتّعليل كما في قوله (كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم) وفي قوله تعالى (فاذكروه كما هداكم)، وقال بعضهم: الكاف على بابها من التّشبيه ثمّ عدل عنه للإعلام بخصوصيّة المطلوب. الجواب الخامس: أنّ المراد أن يجعله خليلاً كما جعل إبراهيم، وأن يجعل له لسان صدق كما جعل لإبراهيم مضافاً إلى ما حصل له من المحبّة، ويرِدُ عليه ما ورد على الأوّل. وقرّبه بعضهم: بأنّه مثل رجلين يملك أحدهما ألفاً ويملك الآخر ألفين , فسأل صاحب الألفين أن يعطى ألفاً أخرى نظير الذي أعطيها الأوّل , فيصير المجموع للثّاني أضعاف ما للأوّل. الجواب السّادس: أنّ قوله " اللهمّ صلِّ على محمّد " مقطوع عن التّشبيه , فسيكون التّشبيه متعلقاً بقوله " وعلى آل محمّد ". وتعقّب: بأنّ غير الأنبياء لا يمكن أن يساووا الأنبياء , فكيف

стр. 987

تطلب لهم صلاة مثل الصّلاة التي وقعت لإبراهيم والأنبياء من آله؟. ويمكن الجواب عن ذلك: بأنّ المطلوب الثّواب الحاصل لهم لا جميع الصّفات التي كانت سبباً للثّواب، وقد نقل العمرانيّ في " البيان " عن الشّيخ أبي حامد أنّه نقل هذا الجواب عن نصّ الشّافعيّ. واستبعد ابن القيّم صحّة ذلك عن الشّافعيّ , لأنّه مع فصاحته ومعرفته بلسان العرب لا يقول هذا الكلام الذي يستلزم هذا التّركيب الرّكيك المعيب من كلام العرب. كذا قال، وليس التّركيب المذكور بركيكٍ , بل التّقدير: اللهمّ صلِّ على محمّد وصل على آل محمّد كما صليت إلى آخره , فلا يمتنع تعلّق التّشبيه بالجملة الثّانية. الجواب السّابع: أنّ التّشبيه إنّما هو للمجموع بالمجموع , فإنّ في الأنبياء من آل إبراهيم كثرة، فإذا قوبلت تلك الذّوات الكثيرة من إبراهيم وآل إبراهيم بالصّفات الكثيرة التي لمحمّدٍ , أمكن انتفاء التّفاضل. قلت: ويعكّر على هذا الجواب , أنّه وقع في حديث أبي سعيد عند البخاري مقابلة الاسم فقط بالاسم فقط. ولفظه " اللهمّ صلِّ على محمّد كما صليت على إبراهيم ". الجواب الثّامن: أنّ التّشبيه بالنّظر إلى ما يحصل لمحمّدٍ وآل محمّد من صلاة كلّ فرد فرد، فيحصل من مجموع صلاة المُصلِّين من أوّل التّعليم إلى آخر الزّمان أضعاف ما كان لآل إبراهيم.

стр. 988

وعبّر ابن العربيّ عن هذا بقوله: المراد دوام ذلك واستمراره. الجواب التّاسع: أنّ التّشبيه راجع إلى المُصلِّي فيما يحصل له من الثّواب. لا بالنّسبة إلى ما يحصل للنّبيّ ﷺ . وهذا ضعيف , لأنّه يصير كأنّه قال: اللهمّ أعطني ثواباً على صلاتي على النّبيّ ﷺ كما صليت على آل إبراهيم. ويمكن أن يجاب: بأنّ المراد مثل ثواب المُصلِّي على آل إبراهيم. الجواب العاشر: دفع المقدّمة المذكورة أوّلاً , وهي أنّ المشبّه به يكون أرفع من المشبّه، وأنّ ذلك ليس مطّرداً، بل قد يكون التّشبيه بالمثل بل وبالدّون كما في قوله تعال (مثل نوره كمشكاة) , وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى؟. ولكن لَمّا كان المراد من المشبّه به أن يكون شيئاً ظاهراً واضحاً للسّامع حسن تشبيه النّور بالمشكاة، وكذا هنا لَمّا كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصّلاة عليهم مشهوراً واضحاً عند جميع الطّوائف حسن أن يطلب لمحمّدٍ وآل محمّد بالصّلاة عليهم مثل ما حصل لإبراهيم وآل إبراهيم. ويؤيّد ذلك ختم الطّلب المذكور بقوله " في العالمين " أي: كما أظهرت الصّلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، ولهذا لَم يقع قوله " في العالمين " إلاَّ في ذكر آل إبراهيم دون ذكر آل محمّد , على ما وقع في الحديث الذي ورد فيه , وهو حديث أبي مسعود فيما أخرجه مالك ومسلم وغيرهما.

стр. 989

وعبّر الطّيبيّ عن ذلك بقوله: ليس التّشبيه المذكور من باب إلحاق النّاقص بالكامل , بل من باب إلحاق ما لَم يشتهر بما اشتهر. وقال الْحَلِيميّ: سبب هذا التّشبيه أنّ الملائكة قالت في بيت إبراهيم (رحمةُ الله وبركاته عليكم أهلَ البيت إنّه حميد مجيد) , وقد علم أنّ محمّداً وآل محمّد من أهل بيت إبراهيم فكأنّه قال: أجب دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك في محمّد وآل محمّد كما أجبتها عندما قالوها في آل إبراهيم الموجودين حينئذٍ، ولذلك ختم بما ختمت به الآية , وهو قوله " إنّك حميد مجيد ". وقال النّوويّ بعد أن ذكر بعض هذه الأجوبة: أحسنها ما نُسب إلى الشّافعيّ , والتّشبيه لأصل الصّلاة بأصل الصّلاة أو للمجموع بالمجموع. وقال ابن القيّم بعد أن زيّف أكثر الأجوبة إلاَّ تشبيه المجموع بالمجموع: وأحسن منه أن يقال: هو ﷺ من آل إبراهيم، وقد ثبت ذلك عن ابن عبّاس في تفسير قوله تعالى (إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) قال: محمّد من آل إبراهيم , فكأنّه أمرنا أن نُصلِّي على محمّد وعلى آل محمّد خصوصاً بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم عموماً , فيحصل لآله ما يليق بهم ويبقى الباقي كلّه له، وذلك القدر أزيد ممّا لغيره من آل إبراهيم قطعاً، ويظهر حينئذٍ فائدة التّشبيه، وأنّ المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من

стр. 990

المطلوب بغيره من الألفاظ. الجواب الحادي عشر: وجدت في مصنّف لشيخنا مجد الدّين الشّيرازيّ اللّغويّ جواباً آخر نقله عن بعض أهل الكشف , حاصله أنّ التّشبيه لغير اللفظ المشبّه به لا لعينه، وذلك أنّ المراد بقولنا " اللهمّ صلِّ على محمّد " اجعل من أتباعه من يبلغ النّهاية في أمر الدّين كالعلماء بشرعه بتقريرهم أمر الشّريعة " كما صليت على إبراهيم " بأن جعلت في أتباعه أنبياء يقرّرون الشّريعة. والمراد بقوله " وعلى آل محمّد " اجعل من أتباعه ناساً محدّثين - بالفتح - يخبرون بالمغيّبات كما صليت على إبراهيم بأن جعلت فيهم أنبياء يخبرون بالمغيّبات. والمطلوب حصول صفات الأنبياء لآل محمّد وهم أتباعه في الدّين كما كانت حاصلة بسؤال إبراهيم. وهذا محصّل ما ذكره، وهو جيّد إن سلم أنّ المراد بالصّلاة هنا ما ادّعاه، والله أعلم الجواب الثاني عشر: نحو هذه الدّعوى: المراد. اللهمّ استجب دعاء محمّد في أمّته كما استجبت دعاء إبراهيم في بنيه. ويعكّر على هذا عطف الآل في الموضعين. قوله: (على آل إبراهيم) هم ذرّيّته من إسماعيل وإسحاق كما جزم به جماعة من الشّرّاح، وإن ثبت أنّ إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجر فهم داخلون لا محالة. ثمّ إنّ المراد المسلمون منهم بل المتّقون، فيدخل فيهم الأنبياء

стр. 991

والصّدّيقون والشّهداء والصّالحون دون من عداهم، وفيه ما تقدّم في آل محمّد. قوله: (وبارك) المراد بالبركة هنا الزّيادة من الخير والكرامة. وقيل: المراد التّطهير من العيوب والتّزكية. وقيل: المراد إثبات ذلك واستمراره من قولهم بركت الإبل. أي ثبتت على الأرض، وبه سُمّيت بركة الماء - بكسر أوّله وسكون ثانيه - لإقامة الماء فيها. والحاصل أنّ المطلوب أن يعطوا من الخير أوفاه، وأن يثبت ذلك ويستمرّ دائماً. والمراد بالعالمين فيما رواه أبو مسعود في حديثه أصناف الخلق. وفيه أقوال أخرى: قيل: ما حواه بطن الفلك، وقيل: كلّ محدث، وقيل: ما فيه روح، وقيل: بقيد العقلاء، وقيل: الإنس والجنّ فقط. قوله: (إنّك حميد مجيد) أمّا الحميد فهو فعيل من الحمد بمعنى محمود، وأبلغ منه. وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها. وقيل: هو بمعنى الحامد. أي يحمد أفعال عباده. وأمّا المجيد فهو من المجد. وهو صفة من كمل في الشّرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال كما أنّ الحمد يدلّ على صفة الإكرام. ومناسبة ختم هذا الدّعاء بهذين الاسمين العظيمين. الأول: أنّ المطلوب تكريم الله لنبيّه وثناؤه عليه والتّنويه به وزيادة

стр. 992

تقريبه، وذلك ممّا يستلزم طلب الحمد والمجد ففي ذلك إشارة إلى أنّهما كالتّعليل للمطلوب. الثاني: أو هو كالتّذييل له، والمعنى إنّك فاعل ما تستوجب به الحمد من النّعم المترادفة، كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك. واستدل بهذا الحديث على إيجاب الصّلاة على النّبيّ ﷺ في كلّ صلاة لِمَا وقع في هذا الحديث من الزّيادة في بعض الطّرق عن أبي مسعود، وهو ما أخرجه أصحاب السّنن وصحّحه التّرمذيّ وابن خزيمة والحاكم كلّهم من طريق محمّد بن إسحاق عن محمّد بن إبراهيم التّيميّ عن محمّد بن عبد الله بن زيد عنه بلفظ " فكيف نُصلِّي عليك إذا نحن صلّينا عليك في صلاتنا؟. وقال الدّارقطنيّ: إسناده حسن متّصل. وقال البيهقيّ: إسناده حسن صحيح. وتعقّبه ابن التّركمانيّ: بأنّه قال في " باب تحريم قتل ما له روح " بعد ذكر حديث فيه ابن إسحاق: الحفّاظ يتوقّون ما ينفرد به. قلت: وهو اعتراض متّجه , لأنّ هذه الزّيادة تفرّد بها ابن إسحاق، لكن ما ينفرد به. وإن لَم يبلغ درجة الصّحيح فهو في درجة الحسن إذا صرّح بالتّحديث وهو هنا كذلك، وإنّما يصحّح له من لا يفرّق بين الصّحيح والحسن , ويجعل كلّ ما يصلح للحجّة صحيحاً. وهذه طريقة ابن حبّان ومن ذكر معه. وقد احتجّ بهذه الزّيادة جماعةٌ من الشّافعيّة كابن خزيمة والبيهقيّ

стр. 993

لإيجاب الصّلاة على النّبيّ ﷺ في التّشهّد بعد التّشهّد وقبل السّلام. وتعقّب: بأنّه لا دلالة فيه على ذلك، بل إنّما يفيد إيجاب الإتيان بهذه الألفاظ على من صلَّى على النّبيّ ﷺ في التّشهّد. وعلى تقدير أن يدلّ على إيجاب أصل الصّلاة فلا يدلّ على هذا المحلّ المخصوص، ولكن قرّب البيهقيّ ذلك بما تقدّم أنّ الآية لَمّا نزلت. وكان النّبيّ ﷺ قد علَّمهم كيفيّة السّلام عليه في التّشهّد، والتّشهّد داخل الصّلاة فسألوا عن كيفيّة الصّلاة فعلمهم، فدلَّ على أنّ المراد بذلك إيقاع الصّلاة عليه في التّشهّد بعد الفراغ من التّشهّد الذي تقدّم تعليمه لهم. وأمّا احتمال أن يكون ذلك خارج الصّلاة فهو بعيدٌ كما قال عياض وغيره. وقال ابن دقيق العيد: ليس فيه تنصيص على أنّ الأمر به مخصوص بالصّلاة، وقد كثر الاستدلال به على وجوب الصّلاة، وقرّر بعضهم الاستدلال: بأنّ الصّلاة عليه واجبة بالإجماع , وليست الصّلاة عليه خارج الصّلاة واجبة بالإجماع , فتعيّن أن تجب في الصّلاة. قال: وهذا ضعيف؛ لأنّ قوله لا تجب في غير الصّلاة بالإجماع إن أراد به عيناً فهو صحيح , لكن لا يفيد المطلوب , لأنّه يفيد أن تجب في أحد الموضعين لا بعينه. وزعم القرافيّ في " الذّخيرة " أنّ الشّافعيّ هو المستدلّ بذلك، وردّه بنحو ما ردّ به ابن دقيق العيد.

стр. 994

ولَم يصب في نسبة ذلك للشّافعيّ. والذي قاله الشّافعيّ في " الأمّ ": فرض الله الصّلاة على رسوله بقوله (إنّ الله وملائكته يصلّون على النّبيّ يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلموا تسليماً) فلم يكن فرض الصّلاة عليه في موضع أولى منه في الصّلاة، ووجدنا الدّلالة عن النّبيّ ﷺ بذلك: أخبرنا إبراهيم بن محمّد حدّثني صفوان بن سليمٍ عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن عن أبي هريرة , أنّه قال: يا رسولَ الله كيف نُصلِّي عليك - يعني في الصّلاة؟ قال: تقولون اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم " الحديث، أخبرنا إبراهيم بن محمّد حدّثني سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عُجْرة عن النّبيّ ﷺ , أنّه كان يقول في الصّلاة: اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم " الحديث. قال الشّافعيّ: فلمّا روي أنّ النّبيّ ﷺ كان يعلمهم التّشهّد في الصّلاة، وروي عنه أنّه علَّمهم كيف يصلّون عليه في الصّلاة، لَم يجز أن نقول التّشهّد في الصّلاة واجب والصّلاة عليه فيه غير واجبة. وقد تعقّب بعضُ المخالفين هذا الاستدلال من أوجهٍ: أحدها: ضعف إبراهيم بن أبي يحيى. والكلام فيه مشهور. الثّاني: على تقدير صحّته فقوله في الأوّل " يعني في الصّلاة " لَم يصرّح بالقائل. يعني ". الثّالث: قوله في الثّاني: إنّه كان يقول في الصّلاة " , وإن كان

стр. 995

ظاهره أنّ الصّلاة المكتوبة , لكنّه يحتمل أن يكون المراد بقوله في الصّلاة , أي: في صفة الصّلاة عليه، وهو احتمال قويّ؛ لأنّ أكثر الطّرق عن كعب بن عُجْرة كما قدّم تدلّ على أنّ السّؤال وقع عن صفة الصّلاة لا عن محلها. الرّابع: ليس في الحديث ما يدلّ على تعيّن ذلك في التّشهّد خصوصاً بينه وبين السّلام من الصّلاة. وقد أطنب قومٌ في نسبة الشّافعيّ في ذلك إلى الشّذوذ، منهم أبو جعفر الطّبريّ وأبو جعفر الطّحاويّ وأبو بكر بن المنذر والخطّابيّ، وأورد عياض في " الشّفاء " مقالاتهم , وعاب عليه ذلك غير واحد , لأنّ موضوع كتابه يقتضي تصويب ما ذهب إليه الشّافعيّ , لأنّه من جملة تعظيم المصطفى. وقد استحسن هو القول بطهارة فضلاته , مع أنّ الأكثر على خلافه , لكنّه استجاده لِمَا فيه من الزّيادة في تعظيمه. وانتصر جماعة للشّافعيّ , فذكروا أدلة نقليّة ونظريّة، ودفعوا دعوى الشّذوذ. فنقلوا القول بالوجوب عن جماعة من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم. وأصحّ ما ورد في ذلك عن الصّحابة والتّابعين. ما أخرجه الحاكم بسندٍ قويٍّ عن ابن مسعود قال: يتشهّد الرّجل , ثمّ يُصلِّي على النّبيّ , ثمّ يدعو لنفسه. وهذا أقوى شيء يحتجّ به للشّافعيّ، فإنّ ابن مسعود ذكر أنّ النّبيّ

стр. 996

- ﷺ علمهم التّشهّد في الصّلاة. وأنّه قال: ثمّ ليتخيّر من الدّعاء ما شاء. فلمّا ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصّلاة عليه قبل الدّعاء دلَّ على أنّه اطّلع على زيادة ذلك بين التّشهّد والدّعاء، واندفعتْ حجّة من تمسّك بحديث ابن مسعود في دفع ما ذهب إليه الشّافعيّ مثل ما ذكر عياض. قال: وهذا تشهّد ابن مسعود الذي علّمه له النّبيّ ﷺ ليس فيه ذكر الصّلاة عليه. وكذا قول الخطّابيّ إنّ في آخر حديث ابن مسعود " إذا قلتَ هذا فقد قضيتَ صلاتك " , لكن ردّ عليه بأنّ هذه الزّيادة مدرجة، وعلى تقدير ثبوتها فتحمل على أنّ مشروعيّة الصّلاة عليه وردت بعد تعليم التّشهّد. ويتقوّى ذلك بما أخرجه التّرمذيّ عن عمر موقوفاً: الدّعاء موقوف بين السّماء والأرض لا يصعد منه شيء حتّى يُصلِّي على النّبيّ ﷺ . قال ابن العربيّ: ومثل هذا لا يقال من قِبَل الرّأي. فيكون له حكم الرّفع. انتهى وورد له شاهد مرفوع في " جزء الحسن بن عرفة " , وأخرج العمريّ في " عمل يوم وليلة " عن ابن عمر بسندٍ جيّد , قال: لا تكون صلاة إلاَّ بقراءةٍ وتشهّدٍ وصلاة عليّ. وأخرج البيهقيّ في " الخلافيّات " بسندٍ قويٍّ عن الشّعبيّ - وهو من كبار التّابعين - قال: من لَم يصلِّ على النّبيّ ﷺ في التّشهّد , فليعد

стр. 997

صلاته. وأخرج الطّبريّ بسندٍ صحيح عن مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير - وهو من كبار التّابعين - قال: كنّا نعلم التّشهّد , فإذا قال: وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله يحمد ربّه ويثني عليه ثمّ يُصلِّي على النّبيّ ﷺ ثمّ يسأل حاجته. وأمّا فقهاء الأمصار فلم يتّفقوا على مخالفة الشّافعيّ في ذلك بل جاء عن أحمد روايتان، وعن إسحاق الجزم به في العمد , فقال: إذا تركها يعيد. والخلاف أيضاً عند المالكيّة ذكرها ابن الحاجب في سنن الصّلاة , ثمّ قال: على الصّحيح، فقال شارحه ابن عبد السّلام: يريد أنّ في وجوبها قولين، وهو ظاهر كلام ابن الموّاز منهم. وأمّا الحنفيّة. فألزم بعض شيوخنا مَن قال بوجوب الصّلاة عليه كما ذكر كالطّحاويّ. ونقله السّروجيّ في " شرح الهداية " عن أصحاب " المحيط " و " العقد " و " التّحفة " و " المغيث " من كتبهم أن يقولوا بوجوبها في التّشهّد لتقدّم ذكره في آخر التّشهّد، لكن لهم أن يلتزموا ذلك , لكن لا يجعلونه شرطاً في صحّة الصّلاة. وروى الطّحاويّ , أنّ حرملة انفرد عن الشّافعيّ بإيجاب ذلك بعد التّشهّد وقبل سلام التّحلّل , قال: لكنّ أصحابه قبلوا ذلك وانتصروا له وناظروا عليه. انتهى. واستدل له ابن خزيمة ومن تبعه: بما أخرجه أبو داود والنّسائيّ

стр. 998

والتّرمذيّ وصحّحه، وكذا ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد , قال: سمع النّبيّ ﷺ رجلاً يدعو في صلاته لَم يحمد الله , ولَم يصلِّ على النّبيّ , فقال: عَجِل هذا، ثمّ دعاه , فقال: إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بتحميد ربّه والثّناء عليه , ثمّ يصلِّ على النّبيّ ﷺ , ثمّ يدعو بما شاء. وهذا ممّا يدلّ على أنّ قول ابن مسعود المذكور قريباً مرفوع فإنّه بلفظه. وقد طعن ابن عبد البرّ في الاستدلال بحديث فضالة للوجوب , فقال: لو كان كذلك لأمر المُصلِّي بالإعادة كما أمر المسيء صلاته، وكذا أشار إليه ابن حزم. وأجيب: باحتمال أن يكون الوجوب وقع عند فراغه , ويكفي التّمسّك بالأمر في دعوى الوجوب. وقال جماعة منهم الجرجانيّ من الحنفيّة: لو كانت فرضاً للزم تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنّه علمهم التّشهّد , وقال " فيتخيّر من الدّعاء ما شاء " ولَم يذكر الصّلاة عليه. وأجيب: باحتمال أن لا تكون فرضت حينئذٍ. وقال شيخنا في " شرح التّرمذيّ ": قد ورد هذا في الصّحيح بلفظ " ثمّ ليتخيّر " و " ثمّ " للتّراخي فدلَّ على أنّه كان هناك شيء بين التّشهّد والدّعاء. واستدل بعضهم بما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة

стр. 999

رفعه: إذا فرغ أحدكم من التّشهّد الأخير , فليستعذ بالله من أربع. الحديث. وعلى هذا عوّل ابن حزم في إيجاب هذه الاستعاذة في التّشهّد , وفي كون الصّلاة على النّبيّ ﷺ مستحبّة عقب التّشهّد لا واجبة، وفيه ما فيه، والله أعلم. وقد انتصر ابن القيّم للشّافعيّ , فقال: أجمعوا على مشروعيّة الصّلاة عليه في التّشهّد، وإنّما اختلفوا في الوجوب والاستحباب، وفي تمسّك من لَم يوجبه بعمل السّلف الصّالح نظرٌ , لأنّ عملهم كان بوفاقه، إلاَّ إن كان يريد بالعمل الاعتقاد فيحتاج إلى نقل صريح عنهم بأنّ ذلك ليس بواجبٍ وأنّى يوجد ذلك؟. قال: وأمّا قول عياض: إنّ النّاس شنّعوا على الشّافعيّ. فلا معنى له، فأيّ شناعة في ذلك , لأنّه لَم يخالف نصّاً ولا إجماعاً ولا قياساً ولا مصلحة راجحة؟. بل القول بذلك من محاسن مذهبه. وأمّا نقله للإجماع فقد تقدّم ردّه. وأمّا دعواه أنّ الشّافعيّ اختار تشهّد ابن مسعود , فيدلّ على عدم معرفة باختيارات الشّافعيّ , فإنّه إنّما اختار تشهّد ابن عبّاس. وأمّا ما احتجّ به جماعة من الشّافعيّة من الأحاديث المرفوعة الصّريحة في ذلك فإنّها ضعيفة كحديث سهل بن سعد وعائشة وأبي مسعود وبريدة وغيرهم. وقد استوعبها البيهقيّ في " الخلافيّات " ولا بأس بذكرها للتّقوية

стр. 1000

لا أنّها تنهض بالحجّة. قلت: ولَم أر عن أحد من الصّحابة والتّابعين التّصريحَ بعدم الوجوب إلاَّ ما نقل عن إبراهيم النّخعيّ، ومع ذلك فلفظ المنقول عنه كما تقدّم يشعر بأنّ غيره كان قائلاً بالوجوب , فإنّه عبّر بالإجزاء. واستدل بهذا الحديث على تعين هذا اللفظ الذي علمه النبي ﷺ لأصحابه في امتثال الأمر. سواء قلنا بالوجوب مطلقاً أو مقيداً بالصلاة. وأما تعينه في الصلاة فعن أحمد في رواية، والأصح عند أتباعه لا تجب. واختلف في الأفضل: فعن أحمد: أكمل ما ورد، وعنه: يتخير، وأما الشافعية فقالوا: يكفي أن يقول " اللهم صل على محمد ". واختلفوا: هل يكفي الإتيان بما يدل على ذلك. كأن يقوله بلفظ الخبر فيقول: صلى الله على محمد مثلاً. والأصح إجزاؤه. وذلك أن الدعاء بلفظ الخبر آكد فيكون جائزا بطريق الأولى. ومن منع وقف عند التعبد. وهو الذي رجحه ابن العربي. بل كلامه يدل على أنَّ الثواب الوارد لِمن صلَّى على النبي ﷺ إنما يحصل لمن صلى عليه بالكيفية المذكورة. واتفق أصحابنا على أنه لا يجزئ أن يقتصر على الخبر. كأن يقول الصلاة على محمد، إذ ليس فيه إسناد الصلاة إلى الله تعالى. واختلفوا في تعين لفظ محمد، لكن جوزوا الاكتفاء بالوصف دون

стр. 1001

الاسم كالنبي ورسول الله , لأنَّ لفظ محمد وقع التعبد به فلا يجزئ عنه إلاَّ ما كان أعلى منه، ولهذه قالوا لا يجزئ الإتيان بالضمير ولا بأحمد مثلاً في الأصح فيهما مع تَقدُّم ذكره في التشهد بقوله النبي , وبقوله محمد. وذهب الجمهور: إلى الاجتزاء بكل لفظ أدى المراد بالصلاة عليه ﷺ . حتى قال بعضهم: ولو قال في أثناء التشهد الصلاة والسلام عليك أيها النبي أجزأ، وكذا لو قال أشهد أنَّ محمداً ﷺ عبده ورسوله، بخلاف ما إذا قدم عبده ورسوله. وهذا ينبغي أنْ ينبني على أنَّ ترتيب ألفاظ التشهد لا يشترط وهو الأصح، ولكن دليل مقابله قوي لقولهم " كما يعلمنا السورة " وقول ابن مسعود " عدهنَّ في يدي " (١). ورأيتُ لبعض المتأخرين فيه تصنيفاً. وعمدة الجمهور في الاكتفاء بما ذكر أن الوجوب ثبت بنص القرآن بقوله تعالى (صلُّوا عليه وسلِّموا تسليماً) فلمَّا سأل الصحابةُ عن

стр. 1002

الكيفية وعلَّمها لهم النبي ﷺ , واختلف النقل لتلك الألفاظ اقتصر على ما اتفقت عليه الروايات , وترك ما زاد على ذلك كما في التشهد، إذ لو كان المتروك واجباً لَما سكت عنه انتهى. وقد استشكل ذلك ابن الفركاح في " الإقليد " فقال: جعلهم هذا هو الأقل يحتاج إلى دليل على الاكتفاء بمسمى الصلاة، فإنَّ الأحاديث الصحيحة ليس فيها الاقتصار، والأحاديث التي فيها الأمر بمطلق الصلاة ليس فيها ما يشير إلى ما يجب من ذلك في الصلاة، وأقل ما وقع في الروايات " اللهم صلِّ على محمد كما صليت على إبراهيم ". ومن ثَمَّ حكى الفورانيُّ عن صاحب الفروع في إيجاب ذكر إبراهيم وجهين. واحتج لمن لم يوجبه بأنه ورد بدون ذكره في حديث زيد بن خارجة عند النسائي بسند قوي ولفظه " صلوا عليَّ وقولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد. وفيه نظرٌ. لأنه من اختصار بعض الرواة , فإنَّ النسائيَّ أخرجه من هذا الوجه بتمامه، وكذا الطحاوي. واختلف في إيجاب الصلاة على الآل. ففي تعينها أيضاً عند الشافعية والحنابلة روايتان، والمشهور عندهم لا، وهو قول الجمهور. وادعى كثير منهم فيه الإجماع , وأكثر من أثبت الوجوب من الشافعية

стр. 1003

نسبوه إلى التُربُجي (١). ونقل البيهقي في " الشعب " عن أبي إسحاق المروزي - وهو من كبار الشافعية - قال: أنا أعتقد وجوبها. قال البيهقي: وفي الأحاديث الثابتة دلالةٌ على صحة ما قال. قلت: وفي كلام الطحاوي في " مشكله " ما يدلُّ على أنَّ حرملة نقله عن الشافعي , واستدل به على مشروعية الصلاة على النبي وآله في التشهد الأول , والمصحح عند الشافعية استحباب الصلاة عليه فقط , لأنه مبني على التخفيف وأما الأول فبناه الأصحاب على حكم ذلك في التشهد الأخير إن قلنا بالوجوب. قلت: واستدل بتعليمه ﷺ لأصحابه الكيفية بعد سؤالهم عنها بأنها أفضل كيفيات الصلاة عليه؛ لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف الأفضل , ويترتب على ذلك لو حلف أن يصلي عليه أفضل الصلاة فطريق البر أن يأتي بذلك. هكذا صوبه النووي في " الروضة " بعد ذِكر حكاية الرافعي عن إبراهيم المروزي أنه قال: يبَرُّ إذا قال: كلَّما ذكره الذاكرون، وكلَّما سها عن ذكره الغافلون. قال النووي: وكأنه أخذ ذلك من كون الشافعي ذكر هذه الكيفية. قلت: وهي في خطبة الرسالة، لكن بلفظ غفل بدل سها.

стр. 1004

وقال الأذرعي: إبراهيم المذكور كثيرُ النقل من تعليقة القاضي حسين، ومع ذلك فالقاضي قال: في طريق البر يقول: اللهمَّ صلِّ على محمَّد كما هو أهله ومستحقه، وكذا نقله البغوي في تعليقه. قلت: ولو جمع بينها فقال ما في الحديث. وأضاف إليه أثر الشافعي , وما قاله القاضي لكان أشمل. ويحتمل أن يقال: يعمد إلى جميع ما اشتملت عليه الروايات الثابتة فيستعمل منها ذكراً يحصل به البر. وذكر شيخنا مجد الدين الشيرازي في جزء له في فضل الصلاة على النبي ﷺ عن بعض العلماء أنه قال: أفضل الكيفيات أن يقول: اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وأزواجه وذريته وسلّم عدد خلقك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك. وعن آخر نحوه , لكن قال: عدد الشفع والوتر وعدد كلماتك التامة. ولم يُسم قائلها. والذي يرشد إليه الدليل أن البر يحصل بما في حديث أبي هريرة لقوله ﷺ : من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلَّى علينا فليقل: اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم " الحديث (١) والله أعلم. تنبيه: إن كان مستند المروزي ما قاله الشافعي فظاهر كلام الشافعي أن الضمير لله تعالى، فإن لفظه " وصلَّى الله على نبيه كلَّما

стр. 1005

ذكره الذاكرون " فكان حق من غير عبارته أن يقول: اللهمَّ صلّ على محمد كلَّما ذكرك الذاكرون .. إلخ. واستدل به على جواز الصلاة على غير الأنبياء. واستدل به على أن الواو لا تقتضي الترتيب , لأنَّ صيغة الأمر وردت بالصلاة والتسليم بالواو في قوله تعالى (صلُّوا عليه وسلّموا) وقدم تعليم السلام قبل الصلاة كما قالوا " علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك ". واستدل به على رد قول النخعي: يجزئ في امتثال الأمر بالصلاة قوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته في التشهد؛ لأنه لو كان كما قال لأرشد النبي ﷺ أصحابه إلى ذلك ولَما عدل إلى تعليمهم كيفية أخرى. واستدلّ به على أن إفراد الصلاة عن التسليم لا يكره , وكذا العكس؛ لأن تعليم التسليم تقدم قبل تعليم الصلاة كما تقدم. فأفرد التسليم مدة في التشهد قبل الصلاة عليه. وقد صرح النووي بالكراهة، واستدل بورود الأمر بهما معا في الآية، وفيه نظر. نعم: يكره أن يفرد الصلاة , ولا يسلم أصلاً. أمَّا لو صلَّى في وقت وسلَّم في وقت آخر فإنه يكون ممتثلاً. واستدل به على فضيلة الصلاة على النبي ﷺ من جهة ورود الأمر بها واعتناء الصحابة بالسؤال عن كيفيتها. وقد ورد في التصريح

стр. 1006

بفضلها أحاديث قوية لم يخرج البخاري منها شيئاً. منها ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رفعه " من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا " وله شاهد عن أنس عند أحمد والنسائي وصحَّحه ابن حبان. وعن أبي بردة بن نيار وأبي طلحة كلاهما عند النسائي ورواتهما ثقات، ولفظ أبي بردة " من صلَّى عليَّ من أمتي صلاة مخلصاً من قلبه صلى الله عليه بها عشر صلوات , ورفعه بها عشر درجات , وكتب له بها عشر حسنات , ومحا عنه عشر سيئات " ولفظ أبي طلحة عنده نحوه , وصحَّحه ابن حبان. ومنها حديث ابن مسعود رفعه " إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة " وحسنه الترمذي وصحَّحه ابن حبان، وله شاهد عند البيهقي عن أبي أمامة بلفظ " صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة " ولا بأس بسنده. وورد الأمر بإكثار الصلاة عليه يوم الجمعة من حديث أوس بن أوس. وهو عند أحمد وأبي داود وصحَّحه ابن حبان والحاكم، ومنها حديث " البخيل من ذُكرت عنده فلم يصلِّ علي " أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم وإسماعيل القاضي , وأطنب في تخريج طرقه وبيان الاختلاف فيه من حديث علي , ومن حديث ابنه الحسين , ولا يقصر عن درجة الحسن.

стр. 1007

ومنها حديث " من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة " أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس , والبيهقي في " الشعب " من حديث أبي هريرة , وابن أبي حاتم من حديث جابر , والطبراني من حديث حسين بن علي، وهذه الطرق يشدُّ بعضها بعضاً. وحديث " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي " أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة بلفظ " من ذكرت عنده ولم يصلِّ علي فمات فدخل النار فأبعده الله " وله شاهد عنده، وصحَّحه الحاكم، وله شاهد من حديث أبي ذر في الطبراني , وآخر عن أنس عند ابن أبي شيبة , وآخر مرسل عن الحسن عند سعيد بن منصور، وأخرجه ابن حبان من حديث أبي هريرة , ومن حديث مالك بن الحويرث , ومن حديث عبد الله بن عباس عند الطبراني , ومن حديث عبد الله بن جعفر عند الفريابي. وعند الحاكم من حديث كعب بن عجرة بلفظ " بعد من ذكرت عنده فلم يصلّ عليَّ " وعند الطبراني من حديث جابر رفعه " شقى عبد ذكرت عنده فلم يصل عليَّ " وعند عبد الرزاق من مرسل قتادة " من الجفاء أن أُذكر عند رجل فلا يصلي علي ". ومنها حديث أبي بن كعب " أن رجلا قال: يا رسول الله إني أكثر الصلاة فما أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت. قال: الثلث؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير " إلى أن قال " أجعل لك كل صلاتي؟ قال: إذا تكفى همك " الحديث أخرجه أحمد وغيره بسند حسن.

стр. 1008

فهذا الجيد من الأحاديث الواردة في ذلك، وفي الباب أحاديث كثيرة ضعيفة وواهية، وأما ما وضعه القصاص في ذلك فلا يحصى كثرة وفي الأحاديث القوية غنية عن ذلك. قال الحليمي: المقصود بالصلاة على النبي ﷺ التقرب إلى الله بامتثال أمره وقضاء حق النبي ﷺ علينا. وتبعه ابن عبد السلام فقال: ليست صلاتنا على النبي ﷺ شفاعة له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا الله لَمَّا علم عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه. وقال ابن العربي: فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يُصلي عليه لدلالة ذلك على نصوع العقيدة وخلوص النية وإظهار المحبة والمداومة على الطاعة والاحترام للواسطة الكريمة ﷺ ، وقد تمسك بالأحاديث المذكورة من أوجب الصلاة عليه كلما ذكر؛ لأن الدعاء بالرغم والإبعاد والشقاء والوصف بالبخل والجفاء يقتضي الوعيد والوعيد على الترك من علامات الوجوب، ومن حيث المعنى أن فائدة الأمر بالصلاة عليه مكافأته على إحسانه وإحسانه مستمر فيتأكد إذا ذكر وتمسكوا أيضا بقوله (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) فلو كان إذا ذكر لا يصلى عليه لكان كآحاد الناس. ويتأكد ذلك إذا كان المعنى بقوله (دعاء الرسول) الدعاء المتعلق بالرسول.

стр. 1009

وأجاب من لم يوجب ذلك بأجوبة: منها: أنه قول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين فهو قول مخترع، ولو كان ذلك على عمومه للزم المؤذن إذا أذن , وكذا سامعه وللزم القارئ إذا مر ذكره في القرآن , وللزم الداخل في الإسلام إذا تلفظ بالشهادتين , ولكان في ذلك من المشقة , والحرج ما جاءت الشريعة السمحة بخلافه، ولكان الثناء على الله كلما ذكر أحق بالوجوب ولم يقولوا به. وقد أطلق القدوري وغيره من الحنفية , أن القول بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله؛ لأنه لا يُحفظ عن أحدٍ من الصحابة أنه خاطب النبي ﷺ فقال: يا رسول الله صلى الله عليك، ولأنه لو كان كذلك لم يتفرغ السامع لعبادة أخرى. وأجابوا عن الأحاديث بأنها خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه. وفي حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنا. وفي الجملة لا دلالة على وجوب تكرر ذلك بتكرر ذكره ﷺ في المجلس الواحد. واحتج الطبري لعدم الوجوب أصلاً - مع ورود صيغة الأمر بذلك - بالاتفاق من جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأُمَّة على أن ذلك غير لازم فرضاً حتى يكون تاركه عاصياً. قال: فدل ذلك على أن الأمر فيه للندب ويحصل الامتثال لمن قاله ولو كان خارج الصلاة.

стр. 1010

وما ادعاه من الإجماع مُعارَض بدعوى غيره الإجماع على مشروعية ذلك في الصلاة. إما بطريق الوجوب. وإما بطريق الندب. ولا يعرف عن السلف لذلك مخالف إلاَّ ما أخرجه ابن أبي شيبة والطبري عن إبراهيم , أنه كان يرى أنَّ قول المصلي في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته يجزئ عن الصلاة. ومع ذلك لم يخالف في أصل المشروعية , وإنما ادعى إجزاء السلام عن الصلاة، والله أعلم. ومن المواطن التي اختلف في وجوب الصلاة عليه فيها. التشهد الأول , وخطبة الجمعة وغيرها من الخطب , وصلاة الجنازة. ومما يتأكد ووردت فيه أخبار خاصة أكثرها بأسانيد جيدة. عقب إجابة المؤذن , وأول الدعاء وأوسطه وآخره. وفي أوله آكد , وفي آخر القنوت , وفي أثناء تكبيرات العيد , وعند دخول المسجد والخروج منه , وعند الاجتماع والتفرق , وعند السفر والقدوم , وعند القيام لصلاة الليل , وعند ختم القرآن , وعند الهم والكرب , وعند التوبة من الذنب , وعند قراءة الحديث تبليغ العلم والذكر وعند نسيان الشيء، وورد ذلك أيضاً في أحاديث ضعيفة , وعند استلام الحجر , وعند طنين الأذن , وعند التلبية , وعقب الوضوء , وعند الذبح والعطاس، وورد المنع منها عندهما أيضاً. وورد الأمر بالإكثار منها يوم الجمعة في حديث صحيح عند أبي

стр. 1011

داود والنسائي , وصحَّحه ابن خزيمة وغيره عن أوس بن أوس رفعه. في فضل يوم الجمعة: فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه. فإنَّ صلاتكم معروضة عليَّ , قالوا: يا رسول الله. وكيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أَرمْت؟ قال: إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.

стр. 1012

الحديث السابع والسبعون ١٢٦ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: اللهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر , وعذاب النّار , ومن فتنة المحيا والممات , ومن فتنة المسيح الدّجّال. (١) وفي لفظٍ لمسلمٍ: إذا تشهّد أحدكم فليستعذ بالله من أربعٍ , يقول: اللهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب جهنّم. (٢) قوله: (من عذاب القبر) فيه ردّ على من أنكره مطلقاً من الخوارج وبعض المعتزلة كضرار بن عمرو وبشر المريسيّ ومن وافقهما. وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السّنّة وغيرهم , وأكثروا من الاحتجاج له. وذهب بعض المعتزلة كالجيّانيّ: إلى أنّه يقع على الكفّار دون المؤمنين. قوله: (وعذاب النّار) وللبخاري عن عائشة " ومن فتنة النار " هي سؤال الخزنة على سبيل التّوبيخ، وإليه الإشارة بقوله تعالى (كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها أَلَم يأتكم نذير).

стр. 1013

قوله: (فتنة المحيا والممات) قال ابن دقيق العيد: فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدّة حياته من الافتتان بالدّنيا والشّهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت. وفتنة الممات. يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك. ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقد صحّ يعني في حديث أسماء في البخاري " إنّكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدّجّال " , ولا يكون مع هذا الوجه متكرّراً مع قوله " عذاب القبر " , لأنّ العذاب مرتّب عن الفتنة والسّبب غير المسبّب. وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصّبر، وبفتنة الممات السّؤال في القبر مع الحيرة، وهذا من العامّ بعد الخاصّ، لأنّ عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدّجّال داخلة تحت فتنة المحيا. وأخرج الحكيم التّرمذيّ في " نوادر الأصول " عن سفيان الثّوريّ , أنّ الميّت إذا سئل من ربّك؟ تراءى له الشّيطان فيشير إلى نفسه إنّي أنا ربّك، فلهذا ورد سؤال التّثبّت له حين يسأل. ثمّ أخرج بسندٍ جيّد إلى عمرو بن مرّة: كانوا يستحبّون إذا وضع الميّت في القبر أن يقولوا: اللهمّ أعذه من الشّيطان. قوله: (من فتنة المسيح الدّجّال) قال أهل اللّغة: الفتنة الامتحان والاختبار.

стр. 1014

قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يكره. انتهى. وتُطلق على القتل والإحراق والنّميمة وغير ذلك. قوله: (المسيح) بفتح الميم وتخفيف المهملة المكسورة وآخره حاء مهملة , يطلق على الدّجّال , وعلى عيسى ابن مريم ﵇، لكن إذا أريد الدّجّال قيّد به. وقال أبو داود في السّنن: المسيح مثقّل الدّجّال ومخفّف عيسى، والمشهور الأوّل. وأمّا ما نقل الفربريّ في رواية المستملي وحده عنه عن خلف بن عامر - وهو الهمدانيّ أحد الحفّاظ - أنّ المسيح بالتّشديد والتّخفيف واحد يقال للدّجّال , ويقال: لعيسى. وأنّه لا فرق بينهما بمعنى لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين , فهو رأي ثالث. وقال الجوهريّ: مَن قاله بالتّخفيف فلمسحه الأرض، ومَن قاله بالتّشديد فلكونه ممسوح العين. وحكى بعضهم , أنّه قال: بالخاء المعجمة في الدّجّال. ونسب قائله إلى التّصحيف. واختلف في تلقيب الدّجّال بذلك. فقيل: لأنّه ممسوح العين، وقيل: لأنّ أحد شقّي وجهه خلق ممسوحاً لا عين فيه ولا حاجب، وقيل: لأنّه يمسح الأرض إذا خرج. وأمّا عيسى ﵇. فقيل: سُمِّي بذلك لأنّه خرج من بطن أمّه ممسوحاً بالدّهن، وقيل

стр. 1015

: لأنّ زكريّا مسحه، وقيل: لأنّه كان لا يمسح ذا عاهة إلاَّ برئ، وقيل: لأنّه كان يمسح الأرض بسياحته. وقيل: لأنّ رجله كانت لا أخمص لها، وقيل: للبسه المسوح، وقيل: هو بالعبرانيّة ماشيخا فعرّب المسيح، وقيل: المسيح الصّدّيق. وذكر شيخنا الشّيخ مجد الدّين الشّيرازيّ صاحب القاموس , أنّه جمع في سبب تسمية عيسى بذلك خمسين قولاً. أوردها في شرح المشارق. قوله: (إذا تشهّد أحدكم) ولمسلمٍ أيضاً من رواية الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية حدثني محمد بن أبي عائشة، أنه سمع أبا هريرة بلفظ " إذا فرغ أحدكم من التّشهّد الأخير " فذكره، وصرّح بالتّحديث في جميع الإسناد. ثمّ قد أخرج ابن خزيمة من رواية ابن جريجٍ أخبرني عبد الله بن طاوسٍ عن أبيه (١) , أنّه كان يقول بعد التّشهّد كلمات يعظّمهنّ جدّاً. قلت: في المثنى كليهما؟ قال: بل في التّشهّد الأخير، قلت: ما هي؟ قال: أعوذ بالله من عذاب القبر " الحديث. قال ابن جريجٍ: أخبرنيه عن أبيه عن عائشة مرفوعاً. فهذا فيه تعيين هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التّشهّد، فيكون سابقاً على غيره من الأدعية. وما ورد الإذن فيه أنّ المُصلِّي يتخيّر من

стр. 1016

الدّعاء ما شاء , يكون بعد هذه الاستعاذة وقبل السّلام. وقد استشكل دعاؤه ﷺ بما ذكر مع أنه معصوم مغفور له ما تقدم وما تأخر. وأجيب بأجوبة: أحدها: أنه قصد التعليم لأمته. ثانيها: أن المراد السؤال منه لأمته. فيكون المعنى هنا أعوذ بك لأمتي. ثالثها: سلوك طريق التواضع وإظهار العبودية وإلزام خوف الله وإعظامه والافتقار إليه وامتثال أمره في الرغبة إليه , ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقق الإجابة , لأنَّ ذلك يحصِّل الحسنات ويرفع الدرجات. وفيه تحريض لأمته على ملازمة ذلك , لأنه إذا كان مع تحقق المغفرة لا يترك التضرع. فمن لَم يتحقق ذلك أحرى بالملازمة. وأما الاستعاذة من فتنة الدجال مع تحققه أنه لا يدركه. فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين. وقيل: على الثالث يحتمل أن يكون ذلك قبل تحقق عدم إدراكه. ويدل عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه. الحديث. والله أعلم

стр. 1017

الحديث الثامن والسبعون ١٢٧ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص , عن أبي بكرٍ الصّدّيق ﵃ , أنّه قال لرسول الله ﷺ : علّمني دعاءً أدعو به في صلاتي. قال: قل اللهمّ إنّي ظلمت نفسي ظلماً كثيراً , ولا يغفر الذّنوب إلاَّ أنت , فاغفر لي مغفرةً من عندك , وارحمني , إنّك أنت الغفور الرّحيم. (١) قوله: (عن أبي بكر) (٢) هذه رواية الليث عن يزيد بن أبي حبيب , ومقتضاها أنّ الحديث من مسند الصّدّيق ﵁. وفيه تابعيّ عن تابعيّ وهو يزيد عن أبي الخير، وصحابيّ عن صحابيّ , وهو عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصّدّيق ﵁ , وأوضح من ذلك رواية أبي الوليد الطّيالسيّ عن الليث. فإنّ لفظه عن أبي بكر قال: قلت: يا رسولَ الله. أخرجه البزّار من طريقه. وخالف عمرو بنُ الحارث الليثَ فجعله من مسند عبد الله بن عمرو. ولفظه عن أبي الخير , أنّه سمع عبد الله بن عمرو يقول: إنّ أبا بكر قال للنّبيّ ﷺ . هكذا رواه ابن وهب عن عمرو، ولا يقدح هذا الاختلاف في صحّة الحديث. وقد أخرج البخاري طريق عمرو معلقةً في الدّعوات وموصولةً في

стр. 1018

التّوحيد، وكذلك أخرج مسلم الطّريقين طريق الليث وطريق ابن وهب , وزاد مع عمرو بن الحارث رجلاً مبهماً، وبيّن ابن خزيمة في روايته أنّه ابن لهيعة. قوله: (ظلمت نفسي) أي: بملابسة ما يستوجب العقوبة أو ينقص الحظّ. وفيه أنّ الإنسان لا يعرى عن تقصير ولو كان صدّيقاً. قوله: (ولا يغفر الذّنوب إلاَّ أنت) فيه إقرار بالوحدانيّة واستجلاب للمغفرة، وهو كقوله تعالى (والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم) الآية، فأثنى على المستغفرين , وفي ضِمْن ثنائه عليهم بالاستغفار , لوّح بالأمر به كما قيل: إنّ كلّ شيء أثنى الله على فاعله فهو آمر به، وكلّ شيء ذمّ فاعله فهو ناهٍ عنه. قوله: (مغفرة من عندك) قال الطّيبيّ: دلَّ التّنكير على أنّ المطلوب غفران عظيم لا يدرك كنهه، ووصفه بكونه من عنده مريداً لذلك العظم , لأنّ الذي يكون من عند الله لا يحيط به وصف. وقال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين: أحدهما: الإشارة إلى التّوحيد المذكور , كأنّه قال: لا يفعل هذا إلاَّ أنت , فافعله لي أنت. الثّاني: وهو أحسن أنّه إشارة إلى طلب مغفرة متفضّل بها لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره. انتهى. وبهذا الثّاني جزم ابن الجوزيّ. فقال: المعنى هب لي المغفرة تفضّلاً

стр. 1019

, وإن لَم أكن لها أهلاً بعملي. قوله: (إنّك أنت الغفور الرّحيم) هما صفتان ذكرتا ختماً للكلام على جهة المقابلة لِمَا تقدّم، فالغفور مقابل لقوله اغفر لي، والرّحيم مقابل لقوله ارحمني، وهي مقابلة مرتّبة. وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً. استحباب طلب التّعليم من العالم، خصوصاً في الدّعوات المطلوب فها جوامع الكلم. ولَم يصرّح في الحديث بتعيين محلّه. قال ابن دقيق العيد: هذا يقتضي الأمر بهذا الدّعاء في الصّلاة من غير تعيين محلّه، ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين - السّجود أو التّشهّد - لأنّهما أمر فيهما بالدّعاء، قال: ولعله ترجّح كونه فيما بعد التّشهّد لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحلّ. ونازعه الفاكهانيّ فقال: الأولى الجمع بينهما في المحلين المذكورين، أي السّجود والتّشهّد. وقال النّوويّ: استدلال البخاريّ صحيح بقوله " باب الدعاء قبل السلام "، لأنّ قوله " في صلاتي " يعمّ جميعها، ومن مظانّه هذا الموطن. قلت: ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر عن ذلك , كان عند قوله لَمّا علمهم التّشهّد " ثمّ ليتخيّر من الدّعاء ما شاء " , ومن ثَمَّ أعقب البخاري التّرجمة بذلك. قال الطّبريّ: في حديث أبي بكر دلالة على ردّ قول من زعم: أنّه لا

стр. 1020

يستحقّ اسم الإيمان إلاَّ من لا خطيئة له ولا ذنب؛ لأنّ الصّدّيق من أكبر أهل الإيمان. وقد علَّمه النّبيّ ﷺ أن يقول " إنّي ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذّنوب إلاَّ أنت ". وقال الكرمانيّ: هذا الدّعاء من الجوامع؛ لأنّ فيه الاعتراف بغاية التّقصير وطلب غاية الإنعام، فالمغفرة ستر الذّنوب ومحوها، والرّحمة إيصال الخيرات، ففي الأوّل طلب الزّحزحة عن النّار , وفي الثّاني طلب إدخال الجنّة. وهذا هو الفوز العظيم. وقال ابن أبي حمزة ما ملخّصه: في الحديث مشروعيّة الدّعاء في الصّلاة، وفضل الدّعاء المذكور على غيره، وطلب التّعليم من الأعلى وإن كان الطّالب يعرف ذلك النّوع، وخصّ الدّعاء بالصّلاة لقوله ﷺ : أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد. (١) وفيه أنّ المرء ينظر في عبادته إلى الأرفع فيتسبّب في تحصيله. وفي تعليم النّبيّ ﷺ لأبي بكر هذا الدّعاء إشارة إلى إيثار أمر الآخرة على أمر الدّنيا، ولعله فهم ذلك من حال أبي بكر وإيثاره أمر الآخرة. قال: وفي قوله " ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذّنوب إلاَّ أنت " أي: ليس لي حيلة في دفعه فهي حالة افتقار، فأشبه حال المضطرّ الموعود بالإجابة، وفيه هضم النّفس والاعتراف بالتّقصير. تنبيهٌ: المشهور في الرّوايات " ظلماً كثيراً " بالمثلثة , ووقع هنا للقابسيّ بالموحّدة.
следующие страницы →