باب الذكر عقب الصّلاة
الحديث الثالث والثمانون
١٣٢ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁: أنّ رفع الصّوت بالذّكر حين ينصرف النّاس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ .
قال ابن عبّاسٍ: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته. (١)
وفي لفظٍ: ما كنّا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ , إلاَّ بالتّكبير. (٢)
قوله: (كان على عهد رسول الله ﷺ ) فيه أنّ مثل هذا عند البخاريّ يُحكم له بالرّفع خلافاً لمن شذّ ومنع ذلك، وقد وافقه مسلم والجمهور على ذلك.
وفيه دليل على جواز (٣) الجهر بالذّكر عقب الصّلاة.
قال الطّبريّ: فيه الإبانة عن صحّة ما كان يفعله بعض الأمراء من التّكبير عقب الصّلاة.
وتعقّبه ابن بطّال: بأنّه لَم يقف على ذلك عن أحد من السّلف إلاَّ ما
стр. 1052
حكاه ابن حبيب في " الواضحة " أنّهم كانوا يستحبّون التّكبير في العساكر عقب الصّبح والعشاء تكبيراً عالياً ثلاثاً، قال: وهو قديم من شأن النّاس.
قال ابن بطّال: وفي " العتبيّة " عن مالك أنّ ذلك محدث.
قال: وفي السّياق إشعار بأنّ الصّحابة لَم يكونوا يرفعون أصواتهم بالذّكر في الوقت الذي قال فيه ابن عبّاسٍ ما قال.
قلت: في التّقييد بالصّحابة نظر، بل لَم يكن حينئذٍ من الصّحابة إلاَّ القليل.
وقال النّوويّ: حمل الشّافعيُّ هذا الحديث على أنّهم جهروا به وقتاً يسيراً لأجل تعليم صفة الذّكر، لا أنّهم داوموا على الجهر به، والمختار أنّ الإمام والمأموم يخفيان الذّكر إلاَّ إن احتيج إلى التّعليم.
قوله: (قال ابن عباس: كنت أعلم) فيه إطلاق العلم على الأمر المستند إلى الظّنّ الغالب.
قوله: (إذا انصرفوا) أي: أعلم انصرافهم بذلك. أي: برفع الصّوت إذا سمعته. أي: الذّكر، والمعنى كنت أعلم بسماع الذّكر انصرافهم.
قوله: (ما كنّا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلاَّ بالتّكبير) بصيغة الحصر كذا أخرجه مسلم , وللبخاري: كنت أعرف انقضاء صلاة النّبيّ ﷺ بالتّكبير.
واختلف في كون ابن عبّاسٍ قال ذلك.
стр. 1053
فقال عياض: الظّاهر أنّه لَم يكن يحضر الجماعة , لأنّه كان صغيراً ممّن لا يواظب على ذلك ولا يلزم به، فكان يعرف انقضاء الصّلاة بما ذكر.
وقال غيره: يحتمل أن يكون حاضراً في أواخر الصّفوف , فكان لا يعرف انقضاءها بالتّسليم، وإنّما كان يعرفه بالتّكبير.
وقال ابن دقيق العيد: يؤخذ منه أنّه لَم يكن هناك مبلِّغ جهير الصّوت يُسمع من بعُد.
قوله: (بالتّكبير) هو أخصّ من رواية " الذكر " التي قبلها، لأنّ الذّكر أعمّ من التّكبير.
ويحتمل: أن تكون هذه مفسّرة لذلك , فكان المراد أنّ رفع الصّوت بالذّكر. أي: بالتّكبير، وكأنّهم كانوا يبدءون بالتّكبير بعد الصّلاة قبل التّسبيح والتّحميد (١)
стр. 1054
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1055
الحديث الرابع والثمانون
١٣٣ - عن ورّادٍ مولى المغيرة بن شعبة , قال: أملى عليَّ المغيرة بن شعبة من كتابٍ إلى معاوية: إنّ النّبيّ ﷺ كان يقول في دُبر كل صلاةٍ مكتوبةٍ: لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد , وهو على كل شيءٍ قديرٍ. اللهمّ لا مانع لِمَا أعطيتَ ولا معطي لِمَا منعتَ , ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ. ثمّ وفدتُ بعد ذلك على معاوية فسمعتُه يأمر النّاس بذلك.
وفي لفظٍ: كان ينهى عن قيل وقال , وإضاعة المال , وكثرة السّؤال , وكان ينهى عن عقوق الأمّهات , ووأدِ البنات , ومنعٍ وهات. (١)
قوله: (أملى عليَّ المغيرة بن شعبة من كتاب إلى معاوية) كان المغيرة إذ ذاك أميراً على الكوفة من قِبَل معاوية , وللبخاري من وجه آخر عن ورّاد بيان السّبب في ذلك، وهو أنّ معاوية كتب إليه: اكتب لي بحديثٍ سمعته من رسول الله ﷺ .
وللبخاري في القدر من رواية عبدة بن أبي لبابة عن ورّاد قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت النّبيّ ﷺ يقول خلف الصّلاة. قد قيّدها في رواية الباب بالمكتوبة , فكأنّ المغيرة فهم ذلك من قرينة في السّؤال.
стр. 1056
واستدل به على العمل بالمكاتبة وإجرائها مجرى السّماع في الرّواية , ولو لَم تقترن بالإجازة. وعلى الاعتماد على خبر الشّخص الواحد. وللبخاري في آخره أنّ ورّاداً قال: ثمّ وفدت بعد على معاوية , فسمعته يأمر النّاس بذلك.
وزعم بعضهم: أنّ معاوية كان قد سمع الحديث المذكور، وإنّما أراد استثبات المغيرة. (١)
واحتجّ بما في الموطّأ من وجه آخر عن معاوية , أنّه كان يقول على المنبر: أيّها النّاس، إنّه لا مانع لِمَا أعطى الله، ولا معطي لِمَا منع الله، ولا ينفع ذا الجدّ منه الجدّ. من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدّين. ثمّ يقول: سمعته من رسول الله ﷺ على هذه الأعواد.
قوله: (معاوية) أي ابن أبي سفيان. واسمه صخر , ويكنى أيضاً أبا حنظلة بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أسلم قبل الفتح، وأسلم أبواه بعده.
وصحب النبي ﷺ وكتب له. وولي إمرةَ دمشق عن عمر بعد موت أخيه يزيد بن أبي سفيان سنة تسع عشرة , واستمر عليها بعد ذلك إلى
стр. 1057
خلافة عثمان، ثم زمان محاربته لعلي وللحسن، ثم اجتمع عليه الناس في سنة إحدى وأربعين إلى أن مات سنة ستين. فكانت ولايته بين إمارة ومحاربة ومملكة أكثر من أربعين سنة متوالية.
قوله: (في دبر كل صلاةٍ) أخرج السّرّاج والطّبرانيّ وابن حبّان من طريق شعبة عن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن وراد. ولفظه كلفظ عبد الملك (١) إلاَّ أنّه قال فيه " كان إذا قضى صلاته وسلَّم , قال: فذكره، ووقع نحو هذا التّصريح لمسلمٍ من طريق المسيّب بن رافع عن ورّاد به.
قوله: (له الملك وله الحمد) زاد الطّبرانيّ من طريق أخرى عن المغيرة " يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت، بيده الخير .. إلى .. قدير " ورواته موثّقون. وثبت مثله عند البزّار من حديث عبد الرّحمن بن عوف بسندٍ ضعيف، لكن في القول " إذا أصبح وإذا أمسى ".
قوله: (ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ) قال الخطّابيّ: الجدّ الغنى , ويقال: الحظّ، قال: و " من " في قوله " منك " بمعنى البدل، قال الشّاعر: فليت لنا من ماء زمزم شربة ... مبرّدةً باتت على الطّهيان.
يريد ليت لنا بدل ماء زمزم. انتهى.
وفي الصّحاح: معنى " منك " هنا عندك، أي: لا ينفع ذا الغنى عندك غناه، إنّما ينفعه العمل الصّالح.
وقال ابن التّين: الصّحيح عندي أنّها ليست بمعنى البدل ولا عند
стр. 1058
، بل هو كما تقول: ولا ينفعك منّي شيء إن أنا أردتك بسوءٍ. ولَم يظهر من كلامه معنىً، ومقتضاه أنّها بمعنى عند أو فيه حذف تقديره من قضائي أو سطوتي أو عذابي. واختار الشّيخ جمال الدّين في المغني الأوّل.
قال ابن دقيق العيد: قوله " منك " يجب أن يتعلق بينفع، وينبغي أن يكون ينفع قد ضمّن معنى يمنع وما قاربه، ولا يجوز أن يتعلق منك بالجدّ كما يقال حظّي منك كثير لأنّ ذلك نافع. انتهى.
والجدّ مضبوط في جميع الرّوايات بفتح الجيم , ومعناه الغنى. كما نقله البخاري عن الحسن، أو الحظّ.
وحكى الرّاغب: أنّ المراد به هنا أبو الأب، أي: لا ينفع أحداً نسبه.
قال القرطبيّ: حكي عن أبي عمرو الشّيبانيّ , أنّه رواه بالكسر , وقال: معناه لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده. وأنكره الطّبريّ.
وقال القزّاز في توجيه إنكاره: الاجتهاد في العمل نافع , لأنّ الله قد دعا الخلق إلى ذلك، فكيف لا ينفع عنده؟.
قال: فيحتمل أن يكون المراد أنّه لا ينفع الاجتهاد في طلب الدّنيا وتضييع أمر الآخرة.
وقال غيره: لعل المراد أنّه لا ينفع بمجرّده ما لَم يقارنه القبول، وذلك لا يكون إلاَّ بفضل الله ورحمته، كما في قوله " لا يدخل أحداً منكم الجنّة عمله "
стр. 1059
وقيل: المراد على رواية الكسر السّعي التّامّ في الحرص أو الإسراع في الهرب.
قال النّوويّ: الصّحيح المشهور الذي عليه الجمهور , أنّه بالفتح. وهو الحظّ في الدّنيا بالمال أو الولد أو العظمة أو السّلطان، والمعنى لا ينجّيه حظّه منك، وإنّما ينجّيه فضلك ورحمتك.
وفي الحديث استحباب هذا الذّكر عقب الصّلوات لِمَا اشتمل عليه من ألفاظ التّوحيد , ونسبة الأفعال إلى الله والمنع والإعطاء وتمام القدرة، وفيه المبادرة إلى امتثال السّنن وإشاعتها.
فائدةٌ: اشتهر على الألسنة في الذّكر المذكور زيادة " ولا رادّ لِمَا قضيت " وهي في مسند عبد بن حميدٍ من رواية معمر عن عبد الملك بن عمير بهذا الإسناد، لكن حذف قوله " ولا معطي لِمَا منعت " , ووقع عند الطّبرانيّ من وجه آخر من طريق مسعر عن عبد الملك بن عمير بسند صحيح عنه.
ووقع عند أحمد والنّسائيّ وابن خزيمة من طريق هشيمٍ عن عبد الملك عن وراد , أنّه كان يقول الذّكر المذكور أوّلاً ثلاث مرّات.
قوله: (وكان ينهى عن قيل وقال) في رواية لهما " وكره لكم قيل وقال " كذا للأكثر في جميع المواضع بغير تنوين، ووقع في رواية الكشميهنيّ (١) هنا (٢) " قيلاً وقالاً " والأوّل أشهر. وفيه تعقّب: على
стр. 1060
من زعم أنّه جائز ولَم تقع به الرّواية.
قال الجوهريّ: قيل وقال اسمان، يقال كثير القيل والقال.
كذا جزم بأنّهما اسمان، وأشار إلى الدّليل على ذلك بدخول الألف واللام عليهما.
وقال ابن دقيق العيد: لو كانا اسمين بمعنىً واحد كالقول لَم يكن لعطف أحدهما على الآخر فائدة، فأشار إلى ترجيح الأوّل.
وقال المحبّ الطّبريّ: في " قيل وقال " ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّهما مصدران للقول، تقول قلت قولاً وقيلاً وقالاً , والمراد في الأحاديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام لأنّها تؤوّل إلى الخطأ، قال: وإنّما كرّره للمبالغة في الزّجر عنه.
ثانيها: إرادة حكاية أقاويل النّاس , والبحث عنها ليخبر عنها فيقول: قال فلان كذا وقيل كذا، والنّهي عنه إمّا للزّجر عن الاستكثار منه، وإمّا لشيءٍ مخصوص منه وهو ما يكرهه المحكيّ عنه.
ثالثها: أنّ ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدّين كقوله: قال فلان كذا وقال فلان كذا، ومحلّ كراهة ذلك أن يكثر من ذلك بحيث لا يؤمن مع الإكثار من الزّلل، وهو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبّت، ولكن يقلد من سمعه ولا يحتاط له.
قلت: ويؤيّد ذلك الحديث الصّحيح: كفى بالمرء إثماً أن يحدّث بكل ما سمع. أخرجه مسلم.
стр. 1061
وفي " شرح المشكاة " قوله " قيل وقال ": من قولهم قيل كذا وقال كذا، وبناؤهما على كونهما فعلين محكيّين متضمّنين للضّمير والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء خلوين من الضّمير، ومنه قوله: " إنّما الدّنيا قيل وقال " وإدخال حرف التّعريف عليهما في قوله: ما يعرف القال القيل لذلك.
قوله: (وإضاعة المال) قال الجمهور: إنَّ المراد به السرف في إنفاقه , وعن سعيد بن جبير: إنفاقه في الحرام.
والأقوى: أنّه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعاً سواء كانت دينيّة أو دنيويّة فمنع منه؛ لأنّ الله تعالى جعل المال قياماً لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح، إمّا في حقّ مضيّعها وإمّا في حقّ غيره، ويستثنى من ذلك كثرة إنفاقه في وجوه البرّ لتحصيل ثواب الآخرة ما لَم يفوّت حقّاً أخرويّاً أهمّ منه.
والحاصل في كثرة الإنفاق ثلاثة أوجه:
الأوّل: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعاً , فلا شكّ في منعه. والثّاني: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعاً , فلا شكّ في كونه مطلوباً بالشّرط المذكور.
والثّالث: إنفاقه في المباحات بالأصالة كملاذّ النّفس، فهذا ينقسم إلى قسمين.
القسم الأول: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله، فهذا ليس بإسرافٍ.
стр. 1062
القسم الثّاني: ما لا يليق به عرفاً، وهو ينقسم أيضاً إلى قسمين:
أحدهما: ما يكون لدفع مفسدة إمّا ناجزة أو متوقّعة، فهذا ليس بإسرافٍ.
والثّاني: ما لا يكون في شيء من ذلك , فالجمهور على أنّه إسراف.
وذهب بعض الشّافعيّة. إلى أنّه ليس بإسرافٍ , قال: لأنّه تقوم به مصلحة البدن وهو غرض صحيح، وإذا كان في غير معصية فهو مباح له.
قال ابن دقيق العيد: وظاهر القرآن يمنع ما قال. انتهى.
وقد صرّح بالمنع القاضي حسين , فقال في كتاب قسم الصّدقات: هو حرام، وتبعه الغزاليّ، وجزم به الرّافعيّ في الكلام على المغارم، وصحّح في باب الحجر من الشّرح وفي المحرّر , أنّه ليس بتبذيرٍ، وتبعه النّوويّ.
والذي يترجّح أنّه ليس مذموماً لذاته؛ لكنّه يفضي غالباً إلى ارتكاب المحذور كسؤال النّاس، وما أدّى إلى المحذور فهو محذور.
وقد ذكرنا البحث في جواز التّصدّق بجميع المال , وأنّ ذلك يجوز لمن عرف من نفسه الصّبر على المضايقة (١).
стр. 1063
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1064
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1065
وجزم الباجيّ من المالكيّة: بمنع استيعاب جميع المال بالصّدقة , قال: ويكره كثرة إنفاقه في مصالح الدّنيا، ولا بأس به إذا وقع نادراً لحادثٍ يحدث كضيفٍ أو عيد أو وليمة.
وممّا لا خلاف في كراهته. مجاوزة الحدّ في الإنفاق على البناء زيادة على قدر الحاجة، ولا سيّما إن أضاف إلى ذلك المبالغة في الزّخرفة , ومنه احتمال الغبن الفاحش في البياعات بغير سبب.
وأمّا إضاعة المال في المعصية فلا يختصّ بارتكاب الفواحش، بل يدخل فيها سوء القيام على الرّقيق والبهائم حتّى يهلكوا، ودفع مال من لَم يؤنس منه الرّشد إليه، وقسمه ما لا ينتفع بجزئه كالجوهرة النّفيسة.
وقال السّبكيّ الكبير في " الحلبيّات ": الضّابط في إضاعة المال أن لا يكون لغرضٍ دينيّ ولا دنيويّ، فإن انتفيا حرم قطعاً، وإن وجد
стр. 1066
أحدهما وجوداً له بال وكان الإنفاق لائقاً بالحال ولا معصية فيه جاز قطعاً، وبين الرّتبتين وسائط كثيرة لا تدخل تحت ضابط. فعلى المفتي أن يرى فيما تيسّر منها رأيه، وأمّا ما لا يتيسّر فقد تعرّض له؛ فالإنفاق في المعصية حرام كلّه، ولا نظر إلى ما يحصل في مطلوبه من قضاء شهوة ولذّة حسنة.
وأمّا إنفاقه في الملاذّ المباحة فهو موضع الاختلاف، فظاهر قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لَم يسرفوا ولَم يقتروا وكان بين ذلك قواماً) أنّ الزّائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف. ثمّ قال: ومن بذل مالاً كثيراً في غرض يسير تافه عدّه العقلاء مضيّعاً، بخلاف عكسه، والله أعلم.
قال الطّيبيّ: هذا الحديث أصل في معرفة حسن الخلق، وهو تتبّع جميع الأخلاق الحميدة والخلال الجميلة.
قوله: (وكثرة السّؤال) اختلف في المراد منه , وهل هو سؤال المال، أو السّؤال عن المشكلات والمعضلات، أو أعمّ من ذلك؟.
والأولى حمله على العموم.
وقد ذهب بعض العلماء: إلى أنّ المراد به كثرة السّؤال عن أخبار النّاس وأحداث الزّمان، أو كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله، فإنّ ذلك ممّا يكره المسئول غالباً.
وقد ثبت النّهي عن الأغلوطات. أخرجه أبو داود من حديث معاوية، وثبت عن جمع من السّلف كراهة تكلّف المسائل التي
стр. 1067
يستحيل وقوعها عادة أو يندر جدّاً، وإنّما كرهوا ذلك لِمَا فيه من التّنطّع والقول بالظّنّ، إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ.
وأمّا ما سيأتي في اللعان " فكره النّبيّ ﷺ المسائل وعابها " (١)، وكذا في التّفسير في قوله تعالى: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) (٢) , فذلك خاصّ بزمان نزول الوحي، ويشير إليه حديث " أعظم النّاس جرماً عند الله من سأل عن شيء لَم يحرّم فحرّم من أجل مسألته " (٣).
وثبت أيضاً ذمّ السّؤال للمال ومدح من لا يلحف فيه كقوله تعالى: (لا يسألون النّاس إلحافاً) وجاء في الصحيحين من حديث ابن عمر: لا تزال المسألة بالعبد حتّى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم , وفي صحيح مسلم: إنّ المسألة لا تحلّ إلاَّ لثلاثةٍ: لذي فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو جائحة.
وفي السّنن قوله ﷺ لابن عبّاس: إذا سألت فاسأل الله. وفي سنن
стр. 1068
أبي داود: إن كنت لا بدّ سائلاً فاسأل الصّالحين.
وقد اختلف العلماء في ذلك.
والمعروف عند الشّافعيّة أنّه جائز , لأنّه طلب مباح فأشبه العاريّة، وحملوا الأحاديث الواردة على من سأل من الزّكاة الواجبة ممّن ليس من أهلها.
لكن قال النّوويّ في " شرح مسلم ": اتّفق العلماء على النّهي عن السّؤال من غير ضرورة.
قال: واختلف أصحابنا في سؤال القادر على الكسب على وجهين.
أصحّهما: التّحريم لظاهر الأحاديث.
والثّاني: يجوز مع الكراهة بشروطٍ ثلاثة:
الأول: أن لا يلحّ , الثاني: ولا يذلّ نفسه زيادة على ذلّ نفس السّؤال، الثالث: ولا يؤذي المسئول. فإن فُقد شرط من ذلك حرُم.
وقال الفاكهانيّ: يتعجّب ممن قال بكراهة السّؤال مطلقاً مع وجود السُّؤال في عصر النّبيّ ﷺ , ثمّ السّلف الصّالح من غير نكير، فالشّارع لا يقرّ على مكروه.
قلت: لعلَّ من كره مطلقاً أراد أنّه خلاف الأولى، ولا يلزم من وقوعه أن تتغيّر صفته ولا من تقريره أيضاً، وينبغي حمل حال أولئك على السّداد، وأنّ السّائل منهم غالباً ما كان يسأل إلاَّ عند الحاجة الشّديدة.
وفي قوله: " من غير نكير " نظرٌ ففي الأحاديث الكثيرة الواردة في
стр. 1069
ذمّ السّؤال كفاية في إنكار ذلك.
تنْبيه: جميع ما تقدّم فيما سأل لنفسه، وأمّا إذا سأل لغيره فالذي يظهر أيضاً أنّه يختلف باختلاف الأحوال.
قوله: (وكان ينهى عن عقوق الأمّهات) في رواية لهما عن المغيرة , أنَّ النبي ﷺ قال: إن الله حرَّم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات ومنعاً وهات.
قيل: خصّ الأمّهات بالذّكر , لأنّ العقوق إليهنّ أسرع من الآباء لضعف النّساء , ولينبّه على أنّ برّ الأمّ مقدّم على برّ الأب في التّلطّف والحنوّ ونحو ذلك , وهو من تخصيص الشّيء بالذّكر إظهاراً لعظم موقعه.
والأمّهات: جمع أمّهة وهي لمن يعقل، بخلاف لفظ الأمّ فإنّه أعمّ.
والعقوق: بضمّ العين المهملة مشتقّ من العقّ وهو القطع، والمراد به صدور ما يتأذّى به الوالد من ولده من قول أو فعل إلاَّ في شرك أو معصية ما لَم يتعنّت الوالد.
وضبَطَه ابن عطيّة , بوجوب طاعتهما في المباحات فعلاً وتركاً واستحبابها في المندوبات، وفروض الكفاية كذلك، ومنه تقديمهما عند تعارض الأمرين , وهو كمن دعته أمّه ليمرّضها مثلاً بحيث يفوت عليه فعل واجب إن استمرّ عندها , ويفوت ما قصدته من تأنيسه لها , وغير ذلك لو تركها وفعله , وكان ممّا يمكن تداركه مع فوات الفضيلة كالصّلاة أوّل الوقت أو في الجماعة.
стр. 1070
قوله: (ووأد البنات) بسكون الهمزة هو دفن البنات بالحياة، وكان أهل الجاهليّة يفعلون ذلك كراهة فيهنّ.
ويقال: إنّ أوّل من فعل ذلك قيس بن عاصم التّميميّ، وكان بعض أعدائه أغار عليه فأسر بنته فاتّخذها لنفسه , ثمّ حصل بينهم صلح فخيّر ابنته فاختارت زوجها، فآلى قيس على نفسه أن لا تولد له بنت إلاَّ دفنها حيّة، فتبعه العرب في ذلك.
وكان من العرب فريق ثانٍ يقتلون أولادهم مطلقاً، إمّا نفاسة منه على ما ينقصه من ماله، وإمّا من عدم ما ينفقه عليه، وقد ذكر الله أمرهم في القرآن في عدّة آيات.
وكان صعصعة بن ناجية التّميميّ أيضاً - وهو جدّ الفرزدق همّام بن غالب بن صعصعة - أوّل من فدى الموءودة، وذلك أنّه كان يعمد إلى من يريد أن يفعل ذلك فيفدي الولد منه بمالٍ يتّفقان عليه، وإلى ذلك أشار الفرزدق بقوله:
وجدّي الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم يوأد
وهذا محمول على الفريق الثّاني، وقد بقي كلٌّ من قيس وصعصعة إلى أن أدركا الإسلام ولهما صحبة، وإنّما خصّ البنات بالذّكر , لأنّه كان الغالب من فعلهم، لأنّ الذّكور مظنّة القدرة على الاكتساب.
وكانوا في صفة الوأد على طريقين:
أحدهما: أن يأمر امرأته إذا قرب وضعها أن تطلق بجانب حفيرة، فإذا وضعت ذكراً أبقته , وإذا وضعت أنثى طرحتها في الحفيرة، وهذا
стр. 1071
أليق بالفريق الأوّل.
الثاني: من كان إذا صارت البنت سداسيّة قال لأمّها: طيّبيها وزيّنيها لأزور بها أقاربها، ثمّ يبعد بها في الصّحراء حتّى يأتي البئر , فيقول لها: انظري فيها ويدفعها من خلفها ويطمّها، وهذا اللائق بالفريق الثّاني، والله أعلم.
قوله: (ومنعٍ وهاتٍ) وللبخاري " ومنع " بغير تنوين، وهي في الموضعين بسكون النّون مصدر منع يمنع، وتقدم ما يتعلق به في الكلام على " قيل وقال ".
وأمّا هات: فبكسر المثنّاة فعل أمر من الإيتاء.
قال الخليل: أصل هات آت فقلبت الألف هاء.
والحاصل من النّهي منع ما أمر بإعطائه وطلب ما لا يستحقّ أخذه.
ويحتمل: أن يكون النّهي عن السّؤال مطلقاً كما تقدّم بسط القول فيه قريباً، ويكون ذكره هنا مع ضدّه ثمّ أعيد تأكيداً للنّهي عنه.
ثمّ هو محتمل أن يدخل في النّهي ما يكون خطاباً لاثنين كما يُنهى الطّالب عن طلب ما لا يستحقّه , ويُنهى المطلوب منه عن إعطاء ما لا يستحقّه الطّالب , لئلا يعينه على الإثم.
стр. 1072
الحديث الخامس والثمانون
١٣٤ - عن سُميٍّ مولى أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشامٍ عن أبي صالحٍ السّمّان عن أبي هريرة ﵁: أنّ فقراء المسلمين أتوا رسول الله ﷺ , فقالوا: يا رسولَ الله , قد ذهب أهل الدُّثور بالدّرجات العلى والنّعيم المقيم. قال: وما ذاك؟ قالوا: يصلّون كما نُصلِّي , ويصومون كما نصوم , ويتصدّقون ولا نتصدّق. ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله ﷺ : أفلا أعلمكم شيئاً تُدركون به من سبقكم , وتسبقون من بعدكم. ولا يكون أحدٌ أفضل منكم , إلاَّ من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى , يا رسولَ الله. قال: تسبّحون وتكبّرون وتحمدون دبر كل صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين مرّةً.
قال أبو صالحٍ: فرجع فقراء المهاجرين , فقالوا: سَمِع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا , ففعلوا مثله. فقال رسول الله ﷺ : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قال سُمي: فحدَّثت بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وهِمْت، إنما قال: تسبح الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبّر الله ثلاثاً وثلاثين.
فرجعت إلى أبي صالح , فقلت له ذلك، فأخذ بيدي. فقال: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثة وثلاثين (١)
стр. 1073
قوله: (سُمي) بضم أوله. بلفظ التصغير. وأبو بكر أحد الفقهاء السبعة.
قوله: (عن أبي صالحٍ السّمّان) هو ذكوان السمان.
قوله: (جاء فقراء المهاجرين) سُمِّيَ منهم في رواية محمّد بن أبي عائشة عن أبي هريرة. أبو ذرّ الغفاريّ. أخرجه أبو داود , وأخرجه جعفر الفريابيّ في كتاب " الذّكر " له من حديث أبي ذرّ نفسه، وسُمِّيَ منهم أبو الدّرداء عند النّسائيّ وغيره من طرق عنه.
ولمسلمٍ من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنّهم قالوا: يا رسولَ الله. فذكر الحديث، والظّاهر أنّ أبا هريرة منهم.
وفي رواية النّسائيّ عن زيد بن ثابت قال: أمرنا أن نسبّح. الحديث كما سيأتي لفظه، وهذا يمكن أن يقال فيه إنّ زيد بن ثابت كان منهم، ولا يعارضه قوله في رواية ابن عجلان عن سميٍّ عند مسلم " جاء فقراء المهاجرين " لكون زيد بن ثابت من الأنصار لاحتمال التّغليب.
قوله: (الدّثور) ضمّ المهملة والمثلثة جمع دثر - بفتحٍ ثمّ سكون - هو المال الكثير، وللبخاري " ذهب أهل الدثور من الأموال " , و " مِن " في قوله " من الأموال " للبيان.
стр. 1074
ووقع عند الخطّابيّ " ذهب أهل الدُّور من الأموال " وقال: كذا وقع الدُّور جمع دار , والصّواب الدّثور. انتهى.
وذكر صاحب المطالع عن رواية أبي زيد المروزيّ أيضاً: الدّور.
قوله: (بالدّرجات العلى) ضمّ العين جمع العلياء وهي تأنيث الأعلى، ويحتمل: أن تكون حسّيّة، والمراد درجات الجنّات، أو معنويّة , والمراد علوّ القدر عند الله.
قوله: (والنّعيم المقيم) وصفه بالإقامة إشارة إلى ضدّه وهو النّعيم العاجل، فإنّه قلَّ ما يصفو، وإن صفا فهو بصدد الزّوال. وفي رواية محمّد بن أبي عائشة المذكورة " ذهب أصحاب الدّثور بالأجور " وكذا لمسلمٍ من حديث أبي ذرّ.
قوله: (ويصومون كما نصوم) زاد في حديث أبي الدّرداء المذكور " ويذكرون كما نذكر " , وللبزّار من حديث ابن عمر " صدَّقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا ".
زاد البخاري " ولهم فضل أموال " كذا للأكثر بالإضافة، وفي رواية الأصيليّ (١) " فضل الأموال " , وللكشميهنيّ " فضل من أموال ". وزاد أيضاً " يحجّون بها " أي: ولا نحجّ. يشكل عليه ما وقع في رواية جعفر الفريابيّ من حديث أبي الدّرداء " ويحجّون كما نحجّ " , ونظيره ما وقع للبخاري " ويجاهدون " , ووقع عند البخاري من رواية ورقاء عن سميٍّ: وجاهدوا كما جاهدنا.
стр. 1075
لكنّ الجواب عن هذا الثّاني ظاهر , وهو التّفرقة بين الجهاد الماضي فهو الذي اشتركوا فيه , وبين الجهاد المتوقّع فهو الذي تقدر عليه أصحاب الأموال غالباً. ويمكن أن يقال مثله في الحجّ.
ويحتمل: أن يقرأ " يحجّون بها " بضمّ أوّله من الرّباعيّ. أي: يعينون غيرهم على الحجّ بالمال.
قوله: (أفلا أعلمكم شيئاً) وللبخاري " فقال: ألا أحدّثكم بما إن أخذتم به " , في رواية الأصيليّ " بأمرٍ إن أخذتم " , وكذا للإسماعيليّ.
وسقط قوله " بما " من أكثر الرّوايات، وكذا قوله " به " , وقد فسّر السّاقط في الرّواية الأخرى , وفي رواية أبي داود " فقال: يا أبا ذرّ ألا أعلمك كلمات تقولهنّ ".
قوله: (تُدركون به من سبقكم) أي: من أهل الأموال الذين امتازوا عليكم بالصّدقة.
والسّبقيّة هنا: يحتمل: أن تكون معنويّة. وأن تكون حسّيّة.
قال الشّيخ تقيّ الدّين: والأوّل أقرب.
وسقط قوله " من سبقكم " من رواية الأصيليّ.
قوله: (ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم) وللبخاري " وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم " بفتح النّون وسكون التّحتانيّة، وفي رواية كريمة وأبي الوقت " ظهرانيه " بالإفراد، وكذا للإسماعيليّ.
قيل: ظاهره يخالف ما سبق , لإنّ الإدراك ظاهره المساواة، وهذا
стр. 1076
ظاهره الأفضليّة
وأجاب بعضهم: بأنّ الإدراك لا يلزم منه المساواة فقد يدرك ثمّ يفوق، وعلى هذا فالتّقرّب بهذا الذّكر راجح على التّقرّب بالمال.
ويحتمل: أن يقال: الضّمير في " كنتم " للمجموع من السّابق والمدرك، وكذا قوله " إلاَّ من عمل مثل عملكم " أي: من الفقراء فقال الذّكر، أو من الأغنياء فتصدّق , أو أنّ الخطاب للفقراء خاصّة , لكن يشاركهم الأغنياء في الخيريّة المذكورة فيكون كلّ من الصّنفين خيراً ممّن لا يتقرّب بذكرٍ ولا صدقة.
ويشهد له قوله في حديث ابن عمر عند البزّار " أدركتم مثل فضلهم " ولمسلمٍ في حديث أبي ذرّ " أوليس قد جعل لكم ما تتصدّقون؟ إنّ بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة " الحديث.
واستُشكل تساوي فضل هذا الذّكر بفضل التّقرّب بالمال مع شدّة المشقّة فيه.
وأجاب الكرمانيّ: بأنّه لا يلزم أن يكون الثّواب على قدر المشقّة في كلّ حالة، واستدل لذلك بفضل كلمة الشّهادة مع سهولتها على كثير من العبادات الشّاقّة.
قوله: (قال أبو صالحٍ: فرجع فقراء المهاجرين .. إلى قوله .. فضل الله يؤتيه من يشاء) زادها مسلم في رواية ابن عجلان عن سميٍّ قال أبو صالح. ثمّ ساقه مسلم من رواية روح بن القاسم عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة. فذكر طرفاً منه. ثمّ قال: بمثل حديث قتيبة، قال:
стр. 1077
إلاَّ أنّه أدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: فرجع فقراء المهاجرين.
قلت: وكذا رواه أبو معاوية عن سهيل مدرجاً. أخرجه جعفر الفريابيّ، وتبيّن بهذا أنّ الزّيادة المذكورة مرسلة.
وقد روى الحديث البزّار من حديث ابن عمر. وفيه " فرجع الفقراء " فذكره موصولاً , لكن قد قدّمت أنّ إسناده ضعيف.
ورواه جعفر الفريابيّ من رواية حرام بن حكيم - وهو بحاءٍ وراءٍ مهملتين - عن أبي ذرّ. وقال فيه: فقال أبو ذرّ: يا رسولَ الله إنّهم قد قالوا مثل ما نقول. فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ونقل الخطيب: أنّ حرام بن حكيم يرسل الرّواية عن أبي ذرّ.
فعلى هذا لَم يصحّ بهذه الزّيادة إسناد، إلاَّ أنّ هذين الطّريقين يقوى بهما مرسل أبي صالح.
قوله: (وتسبّحون وتكبّرون وتحمدون) كذا في رواية ابن عجلان. تقديم التّكبير على التّحميد خاصّة، وفيه أيضاً قول أبي صالح " يقول: الله أكبر وسبحان الله والحمد لله " , ومثله لأبي داود من حديث أمّ الحكم، وله من حديث أبي هريرة " تكبّر وتحمد وتسبّح " , وكذا في حديث ابن عمر.
ووقع في أكثر الأحاديث تقديم التّسبيح على التّحميد وتأخير التّكبير , وهذا الاختلاف دالٌّ على أن لا ترتيب فيها، ويستأنس لذلك بقوله في حديث الباقيات الصّالحات " لا يضرّك بأيّهنّ
стр. 1078
بدأت " (١).
لكن يمكن أن يقال: الأولى البداءة بالتّسبيح لأنّه يتضمّن نفي النّقائض عن الباري ، ثمّ التّحميد , لأنّه يتضمّن إثبات الكمال له، إذ لا يلزم من نفي النّقائض إثبات الكمال. ثمّ التّكبير إذ لا يلزم من نفي النّقائض وإثبات الكمال أن يكون هنا كبير آخر، ثمّ يختم بالتّهليل الدّالّ على انفراده بجميع ذلك.
قوله: (دبر كلّ صلاة) وللبخاري " خلف كلّ صلاة " , وهذه الرّواية مفسّرة للرّواية. وهي قوله " دبر كلّ صلاة " , ولجعفرٍ الفريابيّ في حديث أبي ذرّ " إثر كلّ صلاة ".
وأمّا رواية " دبر " فهي بضمّتين، قال الأزهريّ: دبر الأمر. يعني: بضمّتين , ودبره. يعني: بفتحٍ ثمّ سكون: آخره.
وادّعى أبو عمرو الزّاهد: أنّه لا يقال بالضّمّ إلاَّ للجارحة، ورد بمثل قولهم أعتق غلامه عن دبر.
ومقتضى الحديث. أنّ الذّكر المذكور يقال عند الفراغ من الصّلاة، فلو تأخّر ذلك عن الفراع , فإن كان يسيراً بحيث لا يعدّ معرضاً , أو كان ناسياً أو متشاغلاً بما ورد أيضاً بعد الصّلاة كآية الكرسيّ فلا
стр. 1079
يضرّ.
وظاهر قوله " كلّ صلاة " يشمل الفرض والنّفل، لكن حمله أكثر العلماء على الفرض، وقد وقع في حديث كعب بن عُجْرة عند مسلم التّقييد بالمكتوبة (١)، وكأنّهم حملوا المطلقات عليها، وعلى هذا. هل يكون التّشاغل بعد المكتوبة بالرّاتبة بعدها فاصلاً بين المكتوبة والذّكر , أو لا؟ محلّ النّظر، والله أعلم
قوله: (ثلاثاً وثلاثين) يحتمل: أن يكون المجموع للجميع. فإذا وزّع كان لكل واحد إحدى عشرة، وهو الذي فهمه سهيل بن أبي صالح. كما رواه مسلم من طريق روح بن القاسم عنه.
لكن لَم يتابع سهيل على ذلك، بل لَم أر في شيء من طرق الحديث كلّها التّصريح بإحدى عشرة إلاَّ في حديث ابن عمر عند البزّار. وإسناده ضعيف.
والأظهر: أنّ المراد أنّ المجموع لكل فرد فرد، فعلى هذا ففيه تنازع أفعال في ظرف ومصدر , والتّقدير تسبّحون خلف كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثين وتحمدون وتكبّرون كذلك.
قوله: (قال سُمَيٌ: فحدثتُ بعض أهلي هذا الحديث فقال: وهمت) وللبخاري " فاختلفنا بيننا " , وظاهره أنّ أبا هريرة هو القائل، وكذا قوله " فرجعت إليه " وأنّ الذي رجع أبو هريرة إليه
стр. 1080
هو النّبيّ ﷺ ، وعلى هذا فالخلاف في ذلك وقع بين الصّحابة.
لكن بيّن مسلم في رواية ابن عجلان عن سميٍّ , أنّ القائل " فاختلفنا " هو سُميٌّ، وأنّه هو الذي رجع إلى أبي صالح، وأنّ الذي خالفه بعض أهله. ولفظه " قال سُميٌّ: فحدّثت بعض أهل هذا. الحديث، قال: وهمت، فذكر كلامه. قال: فرجعت إلى أبي صالح.
وعلى رواية مسلم اقتصر صاحب العمدة، لكن لَم يوصِل مسلمٌ هذه الزّيادة، فإنّه أخرج الحديث عن قتيبة عن الليث عن ابن عجلان , ثمّ قال: زاد غير قتيبة في هذا الحديث عن الليث، فذكرها.
والغير المذكور , يحتمل أن يكون شعيب بن الليث أو سعيد بن أبي مريم، فقد أخرجه أبو عوانة في " مستخرجه " عن الرّبيع بن سليمان عن شعيب، وأخرجه الجوزقيّ والبيهقيّ من طريق سعيد.
وتبيّن بهذا. أنّ في رواية عبيد الله بن عمر عن سميٍّ في حديث الباب إدراجاً، وقد روى ابن حبّان هذا الحديث من طريق المعتمر بن سليمان بالإسناد المذكور. فلم يذكر قوله " فاختلفنا إلخ ".
قوله: (وتكبّر ثلاثا وثلاثين) وللبخاري " ونكبِّر أربعاً وثلاثين " وهو قول بعض أهل سُميٍّ كما تقدّم التّنبيه عليه من رواية مسلم، وقد تقدّم احتمال كونه من كلام بعض الصّحابة.
وقد جاء مثله في حديث أبي الدّرداء عند النّسائيّ، وكذا عنده من حديث ابن عمر بسندٍ قويٍّ، ومثله لمسلمٍ من حديث كعب بن عُجْرة، ونحوه لابن ماجه من حديث أبي ذرّ , لكن شكّ بعض رواته في
стр. 1081
أنّهنّ أربع وثلاثون.
ويخالف ذلك ما في رواية محمّد بن أبي عائشة عن أبي هريرة عند أبي داود ففيه " ويختم المائة بلا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له إلخ "، وكذا لمسلمٍ في رواية عطاء بن يزيد عن أبي هريرة، ومثله لأبي داود في حديث أمّ الحكم، ولجعفرٍ الفريابيّ في حديث أبي ذرّ.
قال النّوويّ: ينبغي أن يجمع بين الرّوايتين بأن يكبّر أربعاً وثلاثين , ويقول معها: لا إله إلاَّ الله وحده. إلخ.
وقال غيره: بل يجمع بأن يختم مرّة بزيادة تكبيرة , ومرّة بلا إله إلاَّ الله على وفق ما وردت به الأحاديث.
قوله: (حتى تبلغ من جميعهن ثلاثة وثلاثين) وللبخاري " حتّى يكون منهنّ كلّهنّ ثلاث وثلاثون " بكسر اللام تأكيداً للضّمير المجرور. قوله: (ثلاث وثلاثون) بالرّفع وهو اسم كان.
وفي رواية كريمة والأصيليّ وأبي الوقت (١) " ثلاثاً وثلاثين " , وتوجّه بأنّ اسم كان محذوف , والتّقدير حتّى يكون العدد منهنّ كلّهنّ ثلاثاً وثلاثين.
وفي قوله " منهنّ كلّهنّ " الاحتمال المتقدّم: هل العدد للجميع أو المجموع؟
وفي رواية ابن عجلان ظاهرها أنّ العدد للجميع , لكن يقول ذلك مجموعاً، وهذا اختيار أبي صالح.
стр. 1082
لكنّ الرّواية الثّابتة عن غيره الإفراد، قال عياض: وهو أولى. ورجّح بعضهم الجمع للإتيان فيه بواو العطف.
والذي يظهر أنّ كلاً من الأمرين حسنٌ، إلاَّ أنّ الإفراد يتميّز بأمرٍ آخر , وهو أنّ الذّاكر يحتاج إلى العدد، وله على كلّ حركة لذلك - سواء كان بأصابعه أو بغيرها - ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلاَّ الثّلث.
تنبيه: وقع في رواية ورقاء عن سُميٍّ عند البخاري في الدّعوات في هذا الحديث " تسبّحون عشراً وتحمدون عشراً وتكبّرون عشراً ".
ولَم أقف في شيء من طرق حديث أبي هريرة على من تابع ورقاءَ على ذلك. لا عن سميٍّ ولا عن غيره.
ويحتمل: أن يكون تأوّل ما تأوّل سهيل من التّوزيع، ثمّ ألغى الكسر.
ويعكّر عليه: أنّ السّياق صريح في كونه كلام النّبيّ ﷺ .
وقد وجدت لرواية العشر شواهد:
منها عن عليّ عند أحمد، وعن سعد بن أبي وقّاص عند النّسائيّ، وعن عبد الله بن عمرو عنده، وعن أبي داود والتّرمذيّ، وعن أمّ سلمة عند البزّار، وعن أمّ مالك الأنصاريّة عند الطّبرانيّ.
وجمع البغويّ في " شرح السّنّة " بين هذا الاختلاف باحتمال أن يكون ذلك صدر في أوقات متعدّدة. أوّلها عشراً عشراً , ثمّ إحدى عشرة إحدى عشرة , ثمّ ثلاثاً وثلاثين ثلاثاً وثلاثين.
стр. 1083
ويحتمل: أن يكون ذلك على سبيل التّخيير، أو يفترق بافتراق الأحوال.
وقد جاء من حديث زيد بن ثابت وابن عمر , أنّه ﷺ أمرهم أن يقولوا كلّ ذكر منها خمساً وعشرين. ويزيدوا فيها لا إله إلاَّ الله خمساً وعشرين.
ولفظ زيد بن ثابت: أمرنا أن نسبّح في دبر كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثين ونحمد ثلاثاً وثلاثين ونكبّر أربعاً وثلاثين، فأُتي رجلٌ في منامه , فقيل له: أمركم محمّد أن تسبّحوا - فذكره - قال: نعم. قال: اجعلوها خمساً وعشرين، واجعلوا فيها التّهليل. فلمّا أصبح أتى النّبيّ ﷺ وأخبره , فقال: فافعلوه. أخرجه النّسائيّ وابن خزيمة وابن حبّان.
ولفظ ابن عمر: رأى رجلٌ من الأنصار فيما يرى النّائم - فذكر نحوه. وفيه فقيل له: سبّح خمساً وعشرين واحمد خمساً وعشرين وكبّر خمساً وعشرين وهلَّل خمساً وعشرين فتلك مائة. فأمرهم النّبيّ ﷺ أن يفعلوا كما قال. أخرجه النّسائيّ وجعفر الفريابيّ.
واستنبط من هذا أنّ مراعاة العدد المخصوص في الأذكار معتبرة , وإلاَّ لكان يمكن أن يقال لهم: أضيفوا لها التّهليل ثلاثاً وثلاثين.
وقد كان بعض العلماء يقول: إنّ الأعداد الواردة كالذّكر عقب الصّلوات إذا رتّب عليها ثواب مخصوص فزاد الآتي بها على العدد المذكور لا يحصل له ذلك الثّواب المخصوص. لاحتمال أن يكون
стр. 1084
لتلك الأعداد حكمة وخاصّيّة تفوت بمجاوزة ذلك العدد.
قال شيخنا الحافظ أبو الفضل في " شرح التّرمذيّ ": وفيه نظرٌ، لأنّه أتى بالمقدار الذي رتّب الثّواب على الإتيان به فحصل له الثّواب بذلك، فإذا زاد عليه من جنسه كيف تكون الزّيادة مزيلة لذلك الثّواب بعد حصوله؟. انتهى.
ويمكن أن يفترق الحال فيه بالنّيّة، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد ثمّ أتى بالزّيادة فالأمر كما قال شيخنا لا محالة، وإن زاد بغير نيّة بأن يكون الثّواب رتّب على عشرة مثلاً فرتّبه هو على مائة فيتّجه القول الماضي.
وقد بالغ القرافيّ في " القواعد ". فقال: من البدع المكروهة الزّيادة في المندوبات المحدودة شرعاً، لأنّ شأن العظماء إذا حدّوا شيئاً أن يوقف عنده ويعدّ الخارج عنه مسيئاً للأدب. انتهى.
وقد مثّله بعض العلماء بالدّواء يكون مثلاً فيه أوقيّة سكّر فلو زيد فيه أوقيّة أخرى لتخلف الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقيّة في الدّواء ثمّ استعمل من السّكّر بعد ذلك ما شاء لَم يتخلف الانتفاع.
ويؤيّد ذلك أنّ الأذكار المتغايرة إذا ورد لكلٍّ منها عدد مخصوص مع طلب الإتيان بجميعها متوالية لَم تحسن الزّيادة على العدد المخصوص , لِمَا في ذلك من قطع الموالاة , لاحتمال أن يكون للموالاة في ذلك حكمة خاصّة تفوت بفواتها، والله أعلم.
стр. 1085
قال ابن بطّال عن المُهلَّب (١): في هذا الحديث فضل الغنيّ نصّاً لا تأويلاً، إذا استوت أعمال الغنيّ والفقير فيما افترض الله عليهما، فللغنيّ حينئذٍ فضل عمل البرّ من الصّدقة ونحوها ممّا لا سبيل للفقير إليه.
قال: ورأيت بعض المتكلمين ذهب إلى أنّ هذا الفضل يخصّ الفقراء دون غيرهم، أي: الفضل المترتّب على الذّكر المذكور، وغفل عن قوله في نفس الحديث " إلاَّ من صنع مثل ما صنعتم " , فجعل الفضل لقائله كائناً من كان.
وقال القرطبيّ: تأوّل بعضهم قوله " ذلك فضل الله يؤتيه " بأن قال: الإشارة راجعة إلى الثّواب المترتّب على العمل الذي يحصل به التّفضيل عند الله، فكأنّه قال: ذاك الثّواب الذي أخبرتكم به لا يستحقّه أحد بحسب الذّكر ولا بحسب الصّدقة، وإنّما هو بفضل الله.
قال: وهذا التّأويل فيه بُعدٌ، ولكن اضطرّه إليه ما يعارضه.
وتعقّب: بأنّ الجمع بينه وبين ما يعارضه ممكن من غير احتياج إلى التّعسّف.
وقال ابن دقيق العيد: ظاهر الحديث القريب من النّصّ أنّه فضّل الغنيّ، وبعض النّاس تأوّله بتأويلٍ مستكره كأنّه يشير إلى ما تقدّم.
قال: والذي يقتضيه النّظر أنّهما إن تساويا وفضّلت العبادة الماليّة
стр. 1086
أنّه يكون الغنيّ أفضل، وهذا لا شكّ فيه، وإنّما النّظر إذا تساويا وانفرد كلّ منهما بمصلحةٍ ما هو فيه أيّهما أفضل؟.
إن فُسّر الفضل بزيادة الثّواب , فالقياس يقتضي أنّ المصالح المتعدّية أفضل من القاصرة فيترجّح الغنيّ.
وإن فُسّر بالأشرف بالنّسبة إلى صفات النّفس , فالذي يحصل لها من التّطهير بسبب الفقر أشرف فيترجّح الفقر، ومن ثَمَّ ذهب جمهور الصّوفيّة إلى ترجيح الفقير الصّابر.
وقال القرطبيّ: للعلماء في هذه المسألة خمسة أقوال.
ثالثها: الأفضل الكفاف، رابعها: يختلف باختلاف الأشخاص، خامسها: التّوقّف.
وقال الكرمانيّ: قضيّة الحديث أنّ شكوى الفقر تبقى بحالها. وأجاب: بأنّ مقصودهم كان تحصيل الدّرجات العلا والنّعيم المقيم لهم أيضاً لا نفي الزّيادة عن أهل الدّثور مطلقاً. انتهى.
والذي يظهر أنّ مقصودهم إنّما كان طلب المساواة.
ويظهر أنّ الجواب وقع قبل أن يعلم النّبيّ ﷺ أنّ متمنّي الشّيء يكون شريكاً لفاعله في الأجر كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود الذي أوّله " لا حسد إلاَّ في اثنتين " , فإنّ في رواية التّرمذيّ من وجه آخر التّصريح: بأنّ المنفق والمتمنّي إذا كان صادق النّيّة في الأجر سواء (١).
стр. 1087
وكذا قوله ﷺ : من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من يعمل بها من غير أن ينقص من أجره شيء " (١) فإنّ الفقراء في هذه القصّة كانوا السّبب في تعلّم الأغنياء الذّكر المذكور، فإذا استووا معهم في قوله , امتاز الفقراء بأجر السّبب مضافاً إلى التّمنّي، فلعل ذلك يقاوم التّقرّب بالمال.
وتبقى المقايسة بين صبر الفقير على شظف العيش , وشكر الغنيّ على التّنعّم بالمال، ومن ثَمَّ وقع التّردّد في تفضيل أحدهما على الآخر.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدّم.
أنّ العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف أن يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل، ولا يجيب بنفس، الفاضل لئلا يقع الخلاف، كذا قال ابن بطّال
وكأنّه أخذه من كونه ﷺ أجاب بقوله " أَلا أدلّكم على أمر تساوونهم فيه " وعدل عن قوله: نعم هم أفضل منكم بذلك.
وفيه التّوسعة في الغبطة، وهي تمنّي المرء أن يكون له نظير ما للآخر
стр. 1088
من غير أن يزول عنه، والفرق بينها وبين الحسد المذموم.
وفيه المسابقة إلى الأعمال المحصّلة للدّرجات العالية لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلغهم، ولَم ينكر عليهم ﷺ فيؤخذ منه أنّ قوله " إلاَّ من عمل " عامّ للفقراء والأغنياء خلافاً لمن أوّله بغير ذلك
وفيه أنّ العمل السّهل قد يدرك به صاحبه فضل العمل الشّاقّ. وفيه فضل الذّكر عقب الصّلوات.
واستدل به البخاريّ على فضل الدّعاء عقيب الصّلاة لأنّه في معناها، ولأنّها أوقات فاضلة يرتجى فيها إجابة الدّعاء.
وزعم بعضهم: أنّ الدّعاء بعد الصّلاة لا يشرع، متمسّكاً بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن الحارث عن عائشة: كان النّبيّ ﷺ إذا سلَّم لا يثبت إلاَّ قدر ما يقول: اللهمّ أنت السّلام ومنك السّلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
والجواب: أنّ المراد بالنّفي المذكور نفي استمراره جالساً على هيئته قبل السّلام إلاَّ بقدر أن يقول ما ذُكر، فقد ثبت , أنّه كان إذا صلَّى أقبل على أصحابه (١) , فيُحمل ما ورد من الدّعاء بعد الصّلاة على أنّه كان يقوله بعد أن يقبل بوجهه على أصحابه.
وقد ثبت عن معاذ بن جبل , أنّ النّبيّ ﷺ قال له: يا معاذ. إنّي والله لأحبّك، فلا تدع دبر كلّ صلاة أن تقول: اللهمّ أعنّي على
стр. 1089
ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. أخرجه أبو داود والنّسائيّ وصحّحه ابن حبّان والحاكم.
وحديث أبي بكرة في قول: اللهمّ إنّي أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر، كان النّبيّ ﷺ يدعو بهنّ دبر كلّ صلاة. أخرجه أحمد والتّرمذيّ والنّسائيّ وصحّحه الحاكم.
وحديث سعد , أنَّ رسول الله ﷺ كان يتعوذ منهن دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر. أخرجه البخاري.
وحديث زيد بن أرقم. سمعت رسول الله ﷺ يدعو في دبر كلّ صلاة: اللهمّ ربّنا وربّ كلّ شيء. الحديث أخرجه أبو داود والنّسائيّ.
وحديث صهيب رفعه " كان يقول إذا انصرف من الصّلاة: اللهمّ أصلح لي ديني. الحديث. أخرجه النّسائيّ , وصحّحه ابن حبّان وغير ذلك.
فإن قيل: المراد بدبر كلّ صلاة قرب آخرها وهو التّشهّد.
قلنا: قد ورد الأمر بالذّكر دبر كلّ صلاة، والمراد به بعد السّلام إجماعاً، فكذا هذا حتّى يثبت ما يخالفه.
وقد أخرج التّرمذيّ من حديث أبي أُمامة: قيل: يا رسولَ الله. أيّ الدّعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير ودبر الصّلوات المكتوبات.
стр. 1090
وقال: حسن.
وأخرج الطّبريّ من رواية جعفر بن محمّد الصّادق قال: الدّعاء بعد المكتوبة أفضل من الدّعاء بعد النّافلة. كفضل المكتوبة على النّافلة.
ومناسبة ذِكر البخاري لحديث المغيرة وأبي هريرة في " باب الذكر بعد الدعاء " أنّ الذّاكر يحصل له ما يحصل للدّاعي إذا شغله الذّكر عن الطّلب كما في حديث ابن عمر رفعه: يقول الله تعالى: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السّائلين. أخرجه الطّبرانيّ بسندٍ ليّن.
وحديث أبي سعيد بلفظ: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي. الحديث أخرجه التّرمذيّ وحسّنه.
وفيه أنّ العمل القاصر قد يساوي المتعدّي خلافاً لِمَن قال: إنّ المتعدّي أفضل مطلقاً، نبّه على ذلك الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السّلام.