أنّه يكون الغنيّ أفضل، وهذا لا شكّ فيه، وإنّما النّظر إذا تساويا وانفرد كلّ منهما بمصلحةٍ ما هو فيه أيّهما أفضل؟.
إن فُسّر الفضل بزيادة الثّواب , فالقياس يقتضي أنّ المصالح المتعدّية أفضل من القاصرة فيترجّح الغنيّ.
وإن فُسّر بالأشرف بالنّسبة إلى صفات النّفس , فالذي يحصل لها من التّطهير بسبب الفقر أشرف فيترجّح الفقر، ومن ثَمَّ ذهب جمهور الصّوفيّة إلى ترجيح الفقير الصّابر.
وقال القرطبيّ: للعلماء في هذه المسألة خمسة أقوال.
ثالثها: الأفضل الكفاف، رابعها: يختلف باختلاف الأشخاص، خامسها: التّوقّف.
وقال الكرمانيّ: قضيّة الحديث أنّ شكوى الفقر تبقى بحالها. وأجاب: بأنّ مقصودهم كان تحصيل الدّرجات العلا والنّعيم المقيم لهم أيضاً لا نفي الزّيادة عن أهل الدّثور مطلقاً. انتهى.
والذي يظهر أنّ مقصودهم إنّما كان طلب المساواة.
ويظهر أنّ الجواب وقع قبل أن يعلم النّبيّ ﷺ أنّ متمنّي الشّيء يكون شريكاً لفاعله في الأجر كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود الذي أوّله " لا حسد إلاَّ في اثنتين " , فإنّ في رواية التّرمذيّ من وجه آخر التّصريح: بأنّ المنفق والمتمنّي إذا كان صادق النّيّة في الأجر سواء (١).
стр. 1087
وكذا قوله ﷺ : من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من يعمل بها من غير أن ينقص من أجره شيء " (١) فإنّ الفقراء في هذه القصّة كانوا السّبب في تعلّم الأغنياء الذّكر المذكور، فإذا استووا معهم في قوله , امتاز الفقراء بأجر السّبب مضافاً إلى التّمنّي، فلعل ذلك يقاوم التّقرّب بالمال.
وتبقى المقايسة بين صبر الفقير على شظف العيش , وشكر الغنيّ على التّنعّم بالمال، ومن ثَمَّ وقع التّردّد في تفضيل أحدهما على الآخر.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدّم.
أنّ العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف أن يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل، ولا يجيب بنفس، الفاضل لئلا يقع الخلاف، كذا قال ابن بطّال
وكأنّه أخذه من كونه ﷺ أجاب بقوله " أَلا أدلّكم على أمر تساوونهم فيه " وعدل عن قوله: نعم هم أفضل منكم بذلك.
وفيه التّوسعة في الغبطة، وهي تمنّي المرء أن يكون له نظير ما للآخر
стр. 1088
من غير أن يزول عنه، والفرق بينها وبين الحسد المذموم.
وفيه المسابقة إلى الأعمال المحصّلة للدّرجات العالية لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلغهم، ولَم ينكر عليهم ﷺ فيؤخذ منه أنّ قوله " إلاَّ من عمل " عامّ للفقراء والأغنياء خلافاً لمن أوّله بغير ذلك
وفيه أنّ العمل السّهل قد يدرك به صاحبه فضل العمل الشّاقّ. وفيه فضل الذّكر عقب الصّلوات.
واستدل به البخاريّ على فضل الدّعاء عقيب الصّلاة لأنّه في معناها، ولأنّها أوقات فاضلة يرتجى فيها إجابة الدّعاء.
وزعم بعضهم: أنّ الدّعاء بعد الصّلاة لا يشرع، متمسّكاً بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن الحارث عن عائشة: كان النّبيّ ﷺ إذا سلَّم لا يثبت إلاَّ قدر ما يقول: اللهمّ أنت السّلام ومنك السّلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
والجواب: أنّ المراد بالنّفي المذكور نفي استمراره جالساً على هيئته قبل السّلام إلاَّ بقدر أن يقول ما ذُكر، فقد ثبت , أنّه كان إذا صلَّى أقبل على أصحابه (١) , فيُحمل ما ورد من الدّعاء بعد الصّلاة على أنّه كان يقوله بعد أن يقبل بوجهه على أصحابه.
وقد ثبت عن معاذ بن جبل , أنّ النّبيّ ﷺ قال له: يا معاذ. إنّي والله لأحبّك، فلا تدع دبر كلّ صلاة أن تقول: اللهمّ أعنّي على
стр. 1089
ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. أخرجه أبو داود والنّسائيّ وصحّحه ابن حبّان والحاكم.
وحديث أبي بكرة في قول: اللهمّ إنّي أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر، كان النّبيّ ﷺ يدعو بهنّ دبر كلّ صلاة. أخرجه أحمد والتّرمذيّ والنّسائيّ وصحّحه الحاكم.
وحديث سعد , أنَّ رسول الله ﷺ كان يتعوذ منهن دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر. أخرجه البخاري.
وحديث زيد بن أرقم. سمعت رسول الله ﷺ يدعو في دبر كلّ صلاة: اللهمّ ربّنا وربّ كلّ شيء. الحديث أخرجه أبو داود والنّسائيّ.
وحديث صهيب رفعه " كان يقول إذا انصرف من الصّلاة: اللهمّ أصلح لي ديني. الحديث. أخرجه النّسائيّ , وصحّحه ابن حبّان وغير ذلك.
فإن قيل: المراد بدبر كلّ صلاة قرب آخرها وهو التّشهّد.
قلنا: قد ورد الأمر بالذّكر دبر كلّ صلاة، والمراد به بعد السّلام إجماعاً، فكذا هذا حتّى يثبت ما يخالفه.
وقد أخرج التّرمذيّ من حديث أبي أُمامة: قيل: يا رسولَ الله. أيّ الدّعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير ودبر الصّلوات المكتوبات.
стр. 1090
وقال: حسن.
وأخرج الطّبريّ من رواية جعفر بن محمّد الصّادق قال: الدّعاء بعد المكتوبة أفضل من الدّعاء بعد النّافلة. كفضل المكتوبة على النّافلة.
ومناسبة ذِكر البخاري لحديث المغيرة وأبي هريرة في " باب الذكر بعد الدعاء " أنّ الذّاكر يحصل له ما يحصل للدّاعي إذا شغله الذّكر عن الطّلب كما في حديث ابن عمر رفعه: يقول الله تعالى: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السّائلين. أخرجه الطّبرانيّ بسندٍ ليّن.
وحديث أبي سعيد بلفظ: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي. الحديث أخرجه التّرمذيّ وحسّنه.
وفيه أنّ العمل القاصر قد يساوي المتعدّي خلافاً لِمَن قال: إنّ المتعدّي أفضل مطلقاً، نبّه على ذلك الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السّلام.
стр. 1091
الحديث السادس والثمانون
١٣٥ - عن عائشة ﵂: أنّ النّبيّ ﷺ صلَّى في خميصةٍ لَها أعلامٌ. فنظر إلى أعلامها نظرةً , فلمّا انصرف , قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهمٍ , وأتوني بأنبجانيّة أبي جهمٍ. فإنّها ألْهتني آنفاً عن صلاتي. (١)
قال المصنِّف: الخميصة كساء مربع له أعلام. والأنبجانية: كساء غليظ
قوله: (خميصة) بفتح المعجمة وكسر الميم وبالصّاد المهملة، وهي كساء من صوف أسود أو خزّ مربّعة لها أعلام، ولا يُسمّى الكساء خميصة إلاَّ إن كان لها علم.
والأنبجانيّة: بفتح الهمزة وسكون النّون وكسر الموحّدة وتخفيف الجيم وبعد النّون ياء النّسبة , كساء غليظ لا علم له.
وقال ثعلب: يجوز فتح همزته وكسرها، وكذا الموحّدة، يقال كبش أنبجانيّ إذا كان ملتفّاً، كثير الصّوف وكساء أنبجانيّ كذلك.
وأنكر أبو موسى المدينيّ على من زعم أنّه منسوب إلى منبج البلد المعروف بالشّام.
قال صاحب الصّحاح: إذا نسبت إلى منبج فتحت الباء. فقلتَ:
стр. 1092
كساء منبجانيّ أخرجوه مخرج منظرانيّ.
وفي الجمهرة: منبج موضع أعجميّ تكلمت به العرب , ونسبوا إليه الثّياب المنبجانيّة.
وقال أبو حاتم السّجستانيّ: لا يقال كساء أنبجانيّ. وإنّما يقال منبجانيّ، قال: وهذا ممّا تخطئ فيه العامّة.
وتعقّبه أبو موسى كما تقدّم. فقال: الصّواب أنّ هذه النّسبة إلى موضع يقال له أنبجان، والله أعلم.
قوله: (إلى أبي جهم) كذا للأكثر وهو الصحيح. وللكشمهني " جهيم " بالتصغير. وهو عبيد الله , ويقال عامر بن حذيفة القرشيّ العدويّ صحابيّ مشهور.
وإنّما خصّه ﷺ بإرسال الخميصة؛ لأنّه كان أهداها للنّبيّ ﷺ كما رواه مالك في " الموطّأ " من طريق أخرى عن عائشة قالت: أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله ﷺ خميصة لها علم فشهد فيها الصّلاة، فلمّا انصرف , قال: ردّي هذه الخميصة إلى أبي جهم.
ووقع عند الزّبير بن بكّارٍ ما يخالف ذلك، فأخرج من وجه مرسل , أنّ النّبيّ ﷺ أتي بخميصتين سوداوين فلبس إحداهما , وبعث الأخرى إلى أبي جهم.
ولأبي داود من طريق أخرى " وأخذ كرديّاً لأبي جهم، فقيل: يا رسولَ الله ﷺ الخميصة كانت خيراً من الكرديّ.
قال ابن بطّالٍ: إنّما طلب منه ثوباً غيرها ليعلمه أنّه لَم يردّ عليه
стр. 1093
هديّته استخفافاً به، قال: وفيه أنّ الواهب إذا ردّت عليه عطيّته من غير أن يكون هو الرّاجع فيها. فله أن يقبلها من غير كراهة.
قلت: وهذا مبنيّ على أنّها واحدة، ورواية الزّبير والتي بعدها تصرّح بالتّعدّد
قوله: (بأنبجانيّة أبي جهمٍ) وللبخاري " بأنبجانية أبى جهم بنِ حذيفةَ بن غانم من بنى عدى بن كعب ". وبقية نسبِه مُدرج في الخبر من كلام ابن شهاب
قوله: (ألهتني) في رواية لهما " شغلتني ". يقال لَهِي بالكسر إذا غفل، ولَهَا بالفتح إذا لعب.
قوله: (آنفاً) أي: قريباً، وهو مأخوذٌ من ائتناف الشّيء. أي: ابتدائه.
قوله: (عن صلاتي) أي: عن كمال الحضور فيها، كذا قيل.
والطّريق التي علَّقها البخاري عقب الحديث , وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال النبي ﷺ : كنت أنظر إلى علِمها، وأنا في الصلاة فأخاف أن تفتنني. تدلّ على أنّه لَم يقع له شيء من ذلك , وإنّما خشي أن يقع لقوله " فأخاف ". وكذا في رواية مالك " فكاد " فلتؤوّل الرّواية الأولى.
وطريق هشام بن عروة. أخرجه أحمد وابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود من طريقه، ولَم أر في شيء من طرقهم هذا اللفظ.
نعم. اللفظ الذي ذكرناه عن الموطّأ قريب من هذا اللفظ المعلَّق،
стр. 1094
ولفظه: " فإنّي نظرت إلى علمها في الصّلاة فكاد يفتنني ".
والجمع بين الرّوايتين بحمل قوله " ألهتني " على قوله " كادت " فيكون إطلاق الأولى للمبالغة في القرب لا لتحقّق وقوع الإلهاء.
قال ابن دقيق العيد: فيه مبادرة الرّسول ﷺ إلى مصالح الصّلاة، ونفي ما لعله يخدش فيها. وأمّا بعثه بالخميصة إلى أبي جهم فلا يلزم منه أن يستعملها في الصّلاة. ومثله قوله في حلة عطارد حيث بعث بها إلى عمر " إنّي لَم أبعث بها إليك لتلبسها " , ويحتمل: أن يكون ذلك من جنس قوله " كل فإنّي أناجي من لا تناجي ".
ويستنبط منه كراهية كلّ ما يشغل عن الصّلاة من الأصباغ والنّقوش ونحوها. وفيه قبول الهديّة من الأصحاب والإرسال إليهم والطّلب منهم.
واستدل به الباجيّ على صحّة المعاطاة لعدم ذكر الصّيغة.
وقال الطّيبيّ: فيه إيذانٌ بأنّ للصّور والأشياء الظّاهرة تأثيراً في القلوب الطّاهرة والنّفوس الزّكيّة، يعني فضلاً عمّن دونها.
تنبيهٌ: قوله " فأخاف أن تفتنّي " في روايتنا بكسر المثنّاة وتشديد النّون، وفي رواية الباقين بإظهار النّون الأولى وهو بفتح أوّله من الثّلاثيّ.
تكميل: قال البخاري: باب الالتفات في الصلاة. ثم روى حديث عائشة , قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد. ثم أورد حديث
стр. 1095
الباب.
لَم يبين البخاري حكمَه؛ لكن الحديث الذي أورده دلَّ على الكراهة وهو إجماع؛ لكن الجمهور على أنها للتنزيه.
وقال المتولي: يحرم إلا للضرورة، وهو قول أهل الظاهر.
وورد في كراهية الالتفات صريحاً على غير شرط البخاري عدة أحاديث.
منها: عند أحمد وابن خزيمة من حديث أبي ذر رفعه: لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لَم يلتفت، فإذا صرف وجهه عنه انصرف " ومن حديث الحارث الأشعري نحوه. وزاد " فإذا صليتم فلا تلتفتوا ". وأخرج الأول أيضاً أبو داود والنسائي.
والمراد بالالتفات المذكور ما لَم يستدبر القبلة بصدره أو عنقه كله.
وسبب كراهة الالتفات. يحتمل: أن يكون لنقص الخشوع، أو لترك استقبال القبلة ببعض البدن.
قوله: (هو اختلاس) أي: اختطاف بسرعة. قال الطيبي: سُمي اختلاسا تصويراً لقبح تلك الفعلة بالمختلس؛ لأنَّ المصلي يقبل عليه الرب ، والشيطان مرتصد له ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلك الحالة.
ثم أورد البخاري حديث عائشة في قصة أنبجانية أبي جهم، ووجه دخوله في الترجمة أنَّ أعلام الخميصة إذا لَحَظَها المصلِّي وهي على عاتقه كان قريباً من الالتفات , ولذلك خلعها معللاً بوقوع بصره على
стр. 1096
أعلامها , وسَمَّاه شغلاً عن صلاته.
وكأن البخاري أشار إلى أنَّ علة كراهة الالتفات كونه يؤثر في الخشوع كما وقع في قصة الخميصة. ويحتمل: أن يكون أراد أن ما لا يستطاع دفعه معفو عنه؛ لأنَّ لَمْح العين يغلب الإنسان , ولهذا لَم يُعِد النبي ﷺ تلك الصلاة.
стр. 1097
باب الجمع بين الصلاتين في السفر
الحديث السابع والثمانون
١٣٦ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: كان رسول الله ﷺ يجمع في السّفر بين صلاة الظّهر والعصر , إذا كان على ظهر سيرٍ , ويَجمع بين المغرب والعشاء (١)
قوله: (يجمع في السّفر بين صلاة الظّهر والعصر) أورد البخاري ثلاثة أحاديث. حديثَ ابن عمر: كان النبي ﷺ يجمع بين المغرب والعشاء إذا جد به السير. وهو مقيّد بما إذا جدّ السّير.
стр. 1098
وحديثَ الباب. وهو مقيّد بما إذا كان سائراً.
وحديثَ أنس: كان النبي ﷺ يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر. وهو مطلق.
واستعمل البخاري الترجمة (١) مطلقة إشارة إلى العمل بالمطلق , لأنَّ المقيدَ فردٌ من أفراده، وكأنّه رأى جواز الجمع بالسّفر. سواء كان سائراً أم لا، وسواء كان سيره مُجدّاً أم لا.
وهذا ممّا وقع فيه الاختلاف بين أهل العلم.
القول الأول: قال بالإطلاق كثيرٌ من الصّحابة والتّابعين , ومن الفقهاء الثّوريّ والشّافعيّ وأحمد وإسحاق وأشهب.
القول الثاني: قال قوم: لا يجوز الجمع مطلقاً إلاَّ بعرفة ومزدلفة , وهو قول الحسن والنّخعيّ وأبي حنيفة وصاحبيه، ووقع عند النّوويّ أنّ الصّاحبين خالفا شيخهما , وردّ عليه السّروجيّ في شرح الهداية وهو أعرف بمذهبه.
وأجابوا عمّا ورد من الأخبار في ذلك: بأنّ الذي وقع جمع صوريّ، وهو أنّه أخّر المغرب مثلاً إلى آخر وقتها وعجّل العشاء في أوّل وقتها.
وتعقّبه الخطّابيّ وغيره: بأنّ الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقاً من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأنّ أوائل الأوقات وأواخرها ممّا لا يدركه أكثر الخاصّة فضلاً عن العامّة.
стр. 1099
ومن الدّليل على أنّ الجمع رخصةٌ , قول ابن عبّاس: أراد أن لا يحرج أمّته. أخرجه مسلم.
وأيضاً فإنّ الأخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصّلاتين , وذلك هو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع كما في حديث ابن عمر في البخاري: رأيت رسول الله ﷺ إذا أعجله السير في السفر، يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء , قال سالم: وكان عبد الله بن عمر ﵁ يفعله إذا أعجله السير , ويقيم المغرب، فيُصلِّيها ثلاثاً، ثم يسلّم، ثم قلَّما يلبث حتى يقيم العشاء، فيُصلِّيها ركعتين، ثم يسلم.
لَم يعيّن غاية التّأخير. وبيّنه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بأنّه بعد أن يغيب الشّفق، وفي رواية عبد الرّزّاق عن معمر عن أيّوب وموسى بن عقبة عن نافع: فأخّر المغرب بعد ذهاب الشّفق حتّى ذهب هوى من الليل.
وللبخاري من طريق أسلم مولى عمر عن ابن عمر في هذه القصّة: حتّى كان بعد غروب الشّفق نزل فصلَّى المغرب والعشاء جمعاً بينهما , ولأبي داود من طريق ربيعة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر في هذه القصّة: فسار حتّى غاب الشّفق وتصوّبت النّجوم نزل فصلَّى الصّلاتين جمعاً.
وجاءت عن ابن عمر روايات أخرى , أنّه صلَّى المغرب في آخر الشّفق، ثمّ أقام الصّلاة وقد توارى الشّفق، فصلَّى العشاء. أخرجه
стр. 1100
أبو داود من طريق عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر عن نافع.
ولا تعارض بينه وبين ما سبق , لأنّه كان في واقعة أخرى.
وممّا يردّ الحمل على الجمع الصّوريّ. جمع التّقديم , فروى البخاري ومسلم عن قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلَّى الظهر ثم ركب.
كذا فيه الظهر فقط، وهو المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة، ومقتضاه أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلاَّ في وقت الثانية منهما.
وبه احتج من أَبَى جمعَ التقديم (١).
ولكن روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث عن شبابة فقال: كان إذا كان في سفر فزالت الشمس. صلَّى الظهر والعصر جميعاً , ثم ارتحل. أخرجه الإسماعيلي.
وأُعلَّ بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة , ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق. وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان حافظان.
وقد وقع نظيره في " الأربعين " للحاكم قال: حدثنا محمد بن يعقوب هو الأصم حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني - هو أحد شيوخ مسلم - قال: حدثنا محمد بن عبد الله الواسطي. فذكر الحديث. وفيه: فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلَّى الظهر والعصر ثم ركب.
стр. 1101
قال الحافظ صلاح الدين العلائي: هكذا وجدته بعد التتبع في نسخ كثيرة من الأربعين بزيادة العصر، وسند هذه الزيادة جيد. انتهى.
قلت: وهي متابعة قوية لرواية إسحاق بن راهويه - إن كانت ثابتة - لكن في ثبوتها نظرٌ، لأنَّ البيهقي أخرج هذا الحديث عن الحاكم بهذا الإسناد مقروناً برواية أبي داود عن قتيبة. وقال: إن لفظهما سواء، إلاَّ أن في رواية قتيبة: كان رسول الله ﷺ . وفي رواية حسان: أن رسول الله ﷺ .
والمشهور في جمع التقديم. ما أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل (١). وقد أعلَّه جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث، وأشار البخاري إلى أنَّ بعض الضعفاء أدخله على قتيبة، حكاه الحاكم في " علوم الحديث ".
وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل. أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل، وهشام مختلف فيه.
стр. 1102
وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير كمالك والثوري وقرة بن خالد وغيرهم. فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم (١).
وورد في جمع التقديم حديث آخر عن ابن عباس. أخرجه أحمد , وذكره أبو داود تعليقاً. والترمذي في بعض الروايات عنه. وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي. وهو ضعيف.
لكن له شواهد من طريق حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس. لا أعلمه إلاَّ مرفوعاً: أنه كان إذا نزل منزلاً في السفر فأعجبه أقام فيه , حتى يجمع بين الظهر والعصر ثم يرتحل، فإذا لَم يتهيأ له المنزل مدَّ في السير فسار حتى ينزل فيجمع بين الظهر والعصر.
أخرجه البيهقي ورجاله ثقات، إلاَّ أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف. وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر مجزوماً بوقفه على ابن عباس. ولفظه: إذا كنتم سائرين. فذكر نحوه.
القول الثالث: يختصّ الجمع بمن يجدّ في السّير. قاله الليث، وهو القول المشهور عن مالك.
القول الرابع: يختصّ بالمسافر دون النّازل , وهو قول ابن حبيب.
القول الخامس: يختصّ بمن له عذر. حكي عن الأوزاعيّ.
القول السادس: يجوز جمع التّأخير دون التّقديم , وهو مرويّ عن
стр. 1103
مالك وأحمد واختاره ابن حزم.
قوله: (على ظهر سير) كذا للأكثر بالإضافة، وفي رواية الكشميهنيّ " على ظهرٍ - بالتّنوين - يسير " بلفظ المضارع بتحتانيّةٍ مفتوحة في أوّله.
قال الطّيبيّ: الظّهر في قوله " ظهر سير " للتّأكيد كقوله الصّدقة عن ظهر غنىً، ولفظ الظّهر يقع في مثل هذا اتّساعاً للكلام , كأنّ السّير كان مستنداً إلى ظهر قويّ من المطيّ مثلاً.
وقال غيره: حصل للسّير ظهر, لأنّ الرّاكب ما دام سائراً فكأنّه راكب ظهر.
قلت: وفيه جناس التّحريف بين الظُّهر والظَّهر.
واستُدل به على جواز جمع التّأخير، وقيّد الجمع فيه بما إذا كان على ظهر السّير، ولا قائل بأنّه يصليهما وهو راكب , فتعيّن أنّ المراد به جمع التّأخير.
ويؤيّده رواية يحيى بن عبد الحميد الحماني في " مسنده " من طريق مقسم عن ابن عبّاس ففيها التّصريح بذلك وإن كان في إسناده مقال، لكنّه يصلح للمتابعة.
وللبخاري عن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت صلَّى الظهر ثم ركب.
وقد استدل به على اختصاص الجمع بمن جدّ به السّير، لكن وقع
стр. 1104
التّصريح في حديث معاذ بن جبل في الموطّأ. ولفظه: أنّ النّبيّ ﷺ أخّر الصّلاة في غزوة تبوك، ثمّ خرج فصلَّى الظّهر والعصر جميعاً، ثمّ دخل، ثمّ خرج فصلَّى المغرب والعشاء جميعاً. (١)
قال الشّافعيّ في " الأمّ ". قوله " دخل ثمّ خرج ": لا يكون إلاَّ وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلاً ومسافراً.
وقال ابن عبد البرّ: في هذا أوضح دليل على الرّدّ على مَن قال لا يجمع إلاَّ من جدّ به السّير، وهو قاطع للالتباس. انتهى.
وحكى عياض: أنّ بعضهم أوّل قوله " ثمّ دخل " أي: في الطّريق مسافراً " ثمّ خرج " أي: عن الطّريق للصّلاة، ثمّ استبعده.
ولا شكّ في بُعده، وكأنّه ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته ما دلَّ عليه حديث أنس. والله أعلم.
ومن ثَمَّ قال الشّافعيّة: ترك الجمع أفضل , وعن مالك رواية أنّه مكروه.
وفي هذه الأحاديث تخصيص لحديث الأوقات التي بيّنها جبريل للنّبيّ ﷺ وبيّنها النّبيّ ﷺ للأعرابيّ حيث قال في آخرها: الوقت ما بين هذين.
قال إمام الحرمين (٢): ثبت في الجمع أحاديث نصوص لا يتطرّق
стр. 1105
إليها تأويل، ودليله من حيث المعنى الاستنباط من الجمع بعرفة ومزدلفة، فإنّ سببه احتياج الحاجّ إليه لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كلّ الأسفار ولَم تتقيّد الرّخص كالقصر والفطر بالنّسك.
إلى أن قال: ولا يخفى على منصف أنّ الجمع أرفق من القصر، فإنّ القائم إلى الصّلاة لا يشقّ عليه ركعتان يضمّهما إلى ركعتيه، ورفق الجمع واضح لمشقّة النّزول على المسافر.
стр. 1106
باب قصر الصلاة في السفر
تقول: قصَرَت الصلاة بفتحتين مخففاً قصْرا، وقصَّرتها بالتشديد تقصيراً، وأقصرتها إقصاراً، والأول أشهر في الاستعمال.
والمراد به تخفيف الرباعية إلى ركعتين.
ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن لا تقصير في صلاة الصبح ولا في صلاة المغرب.
وقال النووي: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح. وذهب بعض السلف إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة، وعن أبي حنيفة والثوري في كل سفر سواء كان طاعة أو معصية. انتهى
وروى الشيخان عن حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ , قال: صلى بنا النبي ﷺ ونحن أكثر ما كنا قط وآمنه بمنى ركعتين.
وفيه ردٌّ على من زعم أنَّ القصر مختصٌ بالخوف، والذي قال ذلك تمسك بقوله تعالى (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا).
ولَم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم.
فقيل: لأنَّ شرط مفهوم المخالفة أن لا يكون خرج مخرج الغالب.
وقيل: هو من الأشياء التي شرع الحكم فيها بسبب ثم زال السبب , وبقي الحكم كالرمل.
стр. 1107
وقيل: المراد بالقصر في الآية قصر الصلاة في الخوف إلى ركعة.
وفيه نظر لما رواه مسلم من طريق يعلى بن أمية - وله صحبة - أنه سأل عمر عن قصر الصلاة في السفر , فقال إنه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك , فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم. فهذا ظاهر في أنَّ الصحابة فهموا من ذلك قصر الصلاة في السفر مطلقاً لا قصرها في الخوف خاصة.
وفي جواب عمر إشارة إلى القول الثاني.
وروى السراج من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي حنظلة - وهو الحذاء لا يُعرف اسمه - قال: سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر , فقال: ركعتان، فقلت إن الله قال (إن خفتم) ونحن آمنون، فقال: سنة النبي ﷺ .
وهذا يرجح القول الثاني أيضا.
стр. 1108
الحديث الثامن والثمانون
١٣٧ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , قال: صحِبتُ رسولَ الله ﷺ فكان لا يزيد في السّفر على ركعتين , وأبا بكرٍ وعمر وعثمان كذلك. (١)
قوله: (فكان لا يزيد في السفر على ركعتين) في رواية لهما " صحبت النبي ﷺ فلم أره يسبح في السفر " , والمقصود أنّه مطلق , أي: يتنفّل الرّواتب التي قبل الفريضة وبعدها، وذلك مستفاد من قوله في رواية الباب " وكان لا يزيد في السّفر على ركعتين ".
قال ابن دقيق العيد: وهذا اللفظ يحتمل: أن يريد أن لا يزيد في عدد ركعات الفرض فيكون كناية عن نفي الإتمام، والمراد به الإخبار عن المداومة على القصر، ويحتمل: أن يريد لا يزيد نفلاً، ويمكن أن يريد ما هو أعمّ من ذلك.
قلت: ويدلّ على هذا الثّاني رواية مسلم. ولفظه: عن حفص بن
стр. 1109
عاصم قال: صحِبتُ ابن عمر في طريق مكّة فصلَّى لنا الظّهر ركعتين، ثمّ أقبل وأقبلنا معه حتّى جاء رحلَه وجلسنا معه، فحانتْ منه التفاتة , فرأى ناساً قياماً , فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبّحون. قال: لو كنت مسبّحاً لأتممت. فذكر المرفوع.
قال النّوويّ: أجابوا عن قول ابن عمر هذا. بأنّ الفريضة محتّمة، فلو شرعت تامّة لتحتّم إتمامها، وأمّا النّافلة فهي إلى خيرة المُصلِّي، فطريق الرّفق به أن تكون مشروعة ويخيّر فيها. انتهى.
وتعقّب: بأنّ مراد ابن عمر بقوله " لو كنت مسبّحاً لأتممت " يعني: أنّه لو كان مخيّراً بين الإتمام وصلاة الرّاتبة لكان الإتمام أحبّ إليه، لكنّه فهم من القصر التّخفيف، فلذلك كان لا يُصلِّي الرّاتبة ولا يتمّ.
قوله: (وأبا بكر) معطوف على قوله " صحبت رسول الله ﷺ ".
قوله: (وعمر وعثمان) أي: أنّه كذلك صحبهم، وكانوا لا يزيدون في السّفر على ركعتين.
وفي ذِكْر عثمان إشكال لأنّه كان في آخر أمره يتمّ الصّلاة (١).
стр. 1110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1111
فيحمل على الغالب. أو المراد به أنّه كان لا يتنفّل في أوّل أمره ولا في آخره، وأنّه إنّما كان يتمّ إذا كان نازلاً، وأمّا إذا كان سائراً فيقصر، فلذلك قيّده في هذه الرّواية بالسّفر، وهذا أولى.
стр. 1112
مسائل:
المسألة الأولى: أخذ بظاهر قول عائشة: فرض الله الصلاةَ حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقرِّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر " متفق عليه. الحنفيةُ وبنوا عليه أنَّ القصر في السفر عزيمة لا رخصة. ووافقهم القاضي إسماعيل من المالكية وهي رواية عن مالك وعن أحمد.
قال ابن قدامة: المشهور عن أحمد أنه على الاختيار والقصرُ عنده أفضل، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين.
واحتج الشافعي على عدم الوجوب بأن المسافر إذا دخل في صلاة المقيم صلى أربعاً باتفاقهم، ولو كان فرضه القصر لَم يأتَمَّ مسافرٌ بمقيم.
وقال الطحاوي: لما كان الفرض لا بد لمن هو عليه أن يأتي به , ولا يتخير في الإتيان ببعضه. وكان التخيير مختصاً بالتطوع دلَّ على أنَّ المصلي لا يتخير في الاثنتين والأربع.
وتعقبه ابن بطال: بأنا وجدنا واجباً يتخير بين الإتيان بجميعه أو ببعضه وهو الإقامة بمنى. انتهى
ونقل الداودي عن ابن مسعود , أنه كان يرى القصر فرضاً.
وفيه نظر. فروى الشيخان عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلَّى بنا عثمان بن عفان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود. فاسترجع , ثم قال: صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين،
стр. 1113
وصليت مع أبى بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظِّي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان.
وهذا يدلُّ على أنه كان يرى الإتمام جائزاً. وإلاَّ لَمَا كان له حظ من الأربع ولا من غيرها. فإنها كانت تكون فاسدة كلها.
وإنما استرجع ابن مسعود لِما وقع عنده من مخالفة الأولى.
ويؤيده ما روى أبو داود , أنَّ ابن مسعود صلَّى أربعا، فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعاً؟!. فقال: الخلاف شر. وفي رواية البيهقي " إني لأكره الخلاف " ولأحمد من حديث أبي ذر مثل الأول.
وهذا يدل على أنه لَم يكن يعتقد أنَّ القصر واجب.
واحتج مخالفوهم بقوله (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) لأنَّ نفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه. ويدل على أنه رخصة أيضاً قوله ﷺ : صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم.
وأجابوا عن حديث الباب: بأنه من قول عائشة غير مرفوع , وبأنها لَم تشهد زمان فرض الصلاة، قاله الخطابي وغيره.
وفي هذا الجواب نظر.
أما أولاً: فهو مما لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع.
وأما ثانياً: فعلى تقدير تسليم أنها لَم تُدرك القصة يكون مرسل صحابي وهو حجة؛ لأنه يحتمل أن تكون أخذته عن النبي ﷺ , أو عن صحابي آخر أدرك ذلك.
стр. 1114
وأما قول إمام الحرمين: لو كان ثابتاً لنقل متواتراً. ففيه أيضاً نظر؛ لأنَّ التواتر في مثل هذا غير لازم.
وقالوا أيضاً: يعارض حديث عائشة هذا حديث ابن عباس: فرضت الصلاة في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين. أخرجه مسلم.
والجواب: أنه يمكن الجمع بين حديث عائشة وابن عباس كما سيأتي فلا تعارض.
وألزموا الحنفية على قاعدتهم فيما إذا عارض رأي الصحابي روايته بأنهم يقولون: العبرة بما رأى لا بما روى، وخالفوا ذلك هنا، فقد ثبت عن عائشة أنها كانت تُتم في السفر. فدلَّ ذلك على أنَّ المروي عنها غير ثابت.
والجواب عنهم: أنَّ عروة الراوي عنها قد قال لَمَّا سئل عن إتمامها في السفر: إنها تأوَّلت كما تأوَّل عثمان، فعلى هذا لا تعارض بين روايتها وبين رأيها، فروايتها صحيحة ورأيها مبنيٌ على ما تأوَّلت.
والذي يظهر لي - وبه تجتمع الأدلة السابقة - أنَّ الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلاَّ المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة عقِب الهجرة إلاَّ الصبح، كما روى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة. قالت: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة واطمأنَّ زِيْد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب؛ لأنها وتر النهار. انتهى.
стр. 1115
ثم بعد أن استقرَّ فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة وهي قوله تعالى (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة). ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في شرح المسند. أنَّ قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ مما ذكره غيره أنَّ نزول آية الخوف كان فيها.
وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية. ذكره الدولابي , وأورده السهيلي بلفظ " بعد الهجرة بعام أو نحوه.
وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوماً.
فعلى هذا المراد بقول عائشة " فأقرت صلاة السفر " أي: باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف، لا أنها استمرت منذ فرضت، فلا يلزم من ذلك أنَّ القصر عزيمة.
ويظهر أثر الخلاف فيما إذا قام إلى الثالثة عمداً فصلاته عند الجمهور صحيحة، وعند الحنفية فاسدة ما لَم يكن جلس للتشهد.
المسألة الثانية:
قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ لمن يريد السفر أن يقصر إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي يخرج منها. واختلفوا فيما قبل الخروج عن البيوت: فذهب الجمهور. إلى أنه لا بد من مفارقة جميع البيوت. وذهب بعض الكوفيين. إلى أنه إذا أراد السفر يُصلي ركعتين ولو كان في منزله. ومنهم من قال: إذا ركب قصر إن شاء.
ورجّح ابن المنذر الأول بأنهم اتفقوا على أنه يقصر إذا فارق البيوت
стр. 1116
، واختلفوا فيما قبل ذلك، فعليه الإتمام على أصل ما كان عليه حتى يثبت أنَّ له القصر. قال: ولا أعلم النبي ﷺ قصر في شيء من أسفاره إلا بعد خروجه عن المدينة.
المسألة الثالثة:
اختلف السلف في المقيم بِمنىً هل يقصر أو يتم، بناء على أنَّ القصر بها للسفر أو للنسك؟ واختار الثاني مالك.
وتعقبه الطحاوي: بأنه لو كان كذلك لكان أهل منى يتمون ولا قائل بذلك.
وقال بعض المالكية: لو لَم يجز لأهل مكة القصر بِمنىً. لقال لهم النبي ﷺ أَتِمُّوا، وليس بين مكة ومِنىً مسافة القصر، فدلَّ على أنهم قصروا للنسك.
وأجيب: بأن الترمذي روى من حديث عمران بن حصين , أنه ﷺ كان يصلي بمكة ركعتين , ويقول: يا أهل مكة أَتِمُّوا فإنا قوم سفر.
وكأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى استغناء بما تقدم بمكة.
قلت: وهذا ضعيف، لأنَّ الحديث من رواية علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، ولو صحَّ فالقصة كانت في الفتح، وقصة منى في حجة الوداع، وكان لا بدَّ من بيان ذلك لبُعد العهد.
ولا يخفى أنَّ أصل البحث مبنيٌ على تسليم أنَّ المسافة التي بين مكة ومنى لا يقصر فيها، وهو من محالِّ الخلاف.
стр. 1117
باب الجمعة
الجمعة بضمّ الميم على المشهور، وقد تسكّن وقرأ بها الأعمش، وحكى الواحديّ عن الفرّاء فتحها، وحكى الزّجّاج الكسر أيضاً.
واختلف في تسمية اليوم بذلك , مع الاتّفاق على أنّه كان يسمّى في الجاهليّة العروبة بفتح العين المهملة وضمّ الرّاء وبالموحّدة.
فقيل: سُمِّي بذلك لأنّ كمال الخلائق جمع فيه، ذكره أبو حذيفة النّجّاريّ في المبتدأ عن ابن عبّاسٍ وإسناده ضعيف.
وقيل: لأنّ خلق آدم جمع فيه , ورد ذلك من حديث سلمان. أخرجه أحمد وابن خزيمة وغيرهما في أثناء حديثٍ، وله شاهد عن أبي هريرة. ذكره ابن أبي حاتم موقوفاً بإسنادٍ قويّ، وأحمد مرفوعاً بإسنادٍ ضعيف.
وهذا أصحّ الأقوال.
ويليه. ما أخرجه عبد بن حميدٍ عن ابن سيرين بسندٍ صحيح إليه. في قصّة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة، وكانوا يسمّون يوم الجمعة يوم العروبة، فصلَّى بهم وذكّرهم فسمّوه الجمعة حين اجتمعوا إليه، ذكره ابن أبي حاتم موقوفاً.
وقيل: لأنّ كعب بن لؤيّ كان يجمع قومه فيه فيذكّرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم بأنّه سيبعث منه نبيّ، روى ذلك الزّبير في " كتاب النّسب " عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن بن عوف مقطوعاً , وبه جزم الفرّاء وغيره. وقيل: إنّ قصيّاً هو الذي كان يجمعهم. ذكره
стр. 1118
ثعلب في أماليه.
وقيل: سُمّي بذلك لاجتماع النّاس للصّلاة فيه، وبهذا جزم ابن حزم , فقال: إنّه اسم إسلاميّ لَم يكن في الجاهليّة. وإنّما كان يسمّى العروبة. انتهى
وفيه نظر، فقد قال أهل اللّغة: إنّ العروبة اسم قديم كان للجاهليّة، وقالوا في الجمعة هو يوم العروبة، فالظّاهر أنّهم غيّروا أسماء الأيّام السّبعة بعد أن كانت تسمّى: أوّل، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شيار.
وقال الجوهريّ: كانت العرب تسمّي يوم الاثنين أهون في أسمائهم القديمة، وهذا يشعر بأنّهم أحدثوا لها أسماء، وهي هذه المتعارفة الآن كالسّبت والأحد إلى آخرها.
وقيل: إنّ أوّل من سمّى الجمعة العروبة كعب بن لؤيّ , وبه جزم الفرّاء وغيره، فيحتاج مَن قال إنّهم غيّروها إلاَّ الجمعة فأبقوه على تسمية العروبة إلى نقل خاصّ.
وذكر ابن القيّم في الهدي ليوم الجمعة اثنين وثلاثين خصوصيّة، وفيها أنّها يوم عيد ولا يُصام منفرداً، وقراءة الم تنزيل وهل أتى في صبيحتها والجمعة والمنافقين فيها، والغسل لها والطّيب والسّواك ولبس أحسن الثّياب، وتبخير المسجد والتّبكير والاشتغال بالعبادة حتّى يخرج الخطيب، والخطبة والإنصات، وقراءة الكهف، ونفي كراهية النّافلة وقت الاستواء، ومنع السّفر قبلها، وتضعيف أجر
стр. 1119
الذّاهب إليها بكل خطوة أجر سنة، ونفي تسجير جهنّم في يومها، وساعة الإجابة، وتكفير الآثام، وأنّها يوم المزيد والشّاهد المدّخر لهذه الأمّة، وخير أيّام الأسبوع، وتجتمع فيه الأرواح إن ثبت الخبر فيه. انتهى ملخّصاً
وذكر أشياء أخر فيها نظر، وترك أشياء يطول تتبّعها. والله أعلم
стр. 1120
الحديث التاسع والثمانون
١٣٨ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: مَنْ جاءَ منكم الجمعةَ فليغتسل. (١)
قوله: (من جاء منكم الجمعة) وللبخاري من رواية نافع عن ابن عمر " إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل "
قوله: (فليغتسل) الفاء للتّعقيب، وظاهره أنّ الغسل يعقب المجيء، وليس ذلك المراد وإنّما التّقدير إذا أراد أحدكم.
وقد جاء مصرّحاً به في رواية الليث عن نافع عند مسلم. ولفظه " إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل "
ونظير ذلك قوله تعالى (إذا ناجيتم الرّسول فقدّموا بين يدي نجواكم صدقةً) , فإنّ المعنى إذا أردتم المناجاة بلا خلاف.
ويقوّي رواية الليث حديث أبي هريرة الآتي قريباً بلفظ " من اغتسل يوم الجمعة ثمّ راح " (٢) فهو صريح في تأخير الرّواح عن الغسل، وعرف بهذا فساد قول من حمله على ظاهره.
стр. 1121
واحتجّ به على أنّ الغسل لليوم لا للصّلاة، لأنّ الحديث واحد ومخرّجه واحد، وقد بيّن الليث في روايته المراد، وقوّاه حديث أبي هريرة.
ورواية نافع عن ابن عمر لهذا الحديث مشهورة جدّاً. فقد اعتنى بتخريج طرقه أبو عوانة في " صحيحه ". فساقه من طريق سبعين نفساً رووه عن نافع.
وقد تتبّعت ما فاته , وجمعت ما وقع لي من طرقه في جزء مفرد لغرضٍ اقتضى ذلك , فبلغتْ أسماء من رواه عن نافع مائةً وعشرين نفساً.
فما يستفاد منه هنا ذكر سبب الحديث.
ففي رواية إسماعيل بن أُميَّة عن نافع عند أبي عوانة وقاسم بن أصبغ: كان النّاس يغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة جاءوا وعليهم ثياب متغيّرة، فشكوا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: من جاء منكم الجمعة فليغتسل.
ومنها ذكر محلّ القول.
ففي رواية الحكم بن عتيبة عن نافع عن ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ على أعواد هذا المنبر بالمدينة يقول. أخرجه يعقوب الجصّاص في " فوائده " من رواية اليسع بن قيس عن الحكم.
وطريق الحكَم عند النّسائيّ وغيره من رواية شعبة عنه. بدون هذا السّياق , بلفظ حديث الباب إلاَّ قوله " جاء " فعنده " راح " وكذا
стр. 1122
رواه النّسائيّ من رواية إبراهيم بن طهمان عن أيّوب ومنصور ومالك ثلاثتهم عن نافع.
ومنها ما يدلّ على تكرار ذلك.
ففي رواية صخر بن جويرية عن نافع عند أبي مسلم الكجّيّ بلفظ " كان إذا خطب يوم الجمعة قال. الحديث.
ومنها زيادة في المتن.
ففي رواية عثمان بن واقد عن نافع عند أبي عوانة وابن خزيمة وابن حبّان في صحاحهم بلفظ: من أتى الجمعة من الرّجال والنّساء فليغتسل، ومن لَم يأتها فليس عليه غسل.
ورجاله ثقات، لكن قال البزّار: أخشى أن يكون عثمان بن واقد وهم فيه.
ومنها زيادة في المتن والإسناد أيضاً.
أخرجه أبو داود والنّسائيّ وابن خزيمة وابن حبّان وغيرهم من طرق عن مفضّل بن فضالة عن عيّاش بن عبّاسٍ القتبانيّ عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ عن نافع عن ابن عمر عن حفصة , قالت: قال رسول الله ﷺ : الجمعة واجبة على كلّ محتلم، وعلى من راح إلى الجمعة الغسل.
قال الطّبرانيّ في " الأوسط ": لَم يروه عن نافع بزيادة حفصة إلاَّ بكير، ولا عنه إلاَّ عيّاش تفرّد به مفضّل.
قلت: رواته ثقات - فإن كان محفوظاً فهو حديث آخر - ولا مانع
стр. 1123
أن يسمعه ابن عمر من النّبيّ ﷺ ومن غيره من الصّحابة، ففي الصحيحين من رواية ابن عمر عن أبيه عن النّبيّ ﷺ , ولا سيّما مع اختلاف المتون.
قال ابن دقيق العيد: في الحديث دليل على تعليق الأمر بالغسل بالمجيء إلى الجمعة، واستدل به لمالكٍ في أنّه يعتبر أن يكون الغسل متّصلاً بالذّهاب، ووافقه الأوزاعيّ والليث.
والجمهور قالوا: يجزئ من بعد الفجر.
ويشهد لهم حديث ابن عبّاسٍ: اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤوسكم. وإن لَم تكونوا جنباً. أخرجه البخاري. وطلوع الفجر أول اليوم شرعاً.
وقال الأثرم: سمعت أحمد سئل عمّن اغتسل ثمّ أحدث. هل يكفيه الوضوء؟ فقال: نعم. ولَم أسمع فيه أعلى من حديث ابن أبزى.
يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن عبد الرّحمن بن أبزى عن أبيه - وله صحبة - أنّه كان يغتسل يوم الجمعة , ثمّ يحدث فيتوضّأ , ولا يعيد الغسل.
ومقتضى النّظر أن يقال: إذا عرف أنّ الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة والتّنظيف رعاية الحاضرين من التّأذّي بالرّائحة الكريهة، فمن خشي أن يصيبه في أثناء النّهار ما يزيل تنظيفه استحبّ له أن يؤخّر الغسل لوقت ذهابه، ولعل هذا هو الذي لحظه مالك. فشرط اتّصال
стр. 1124
الذّهاب بالغسل ليحصل الأمن ممّا يغاير التّنظيف. والله أعلم
قال ابن دقيق العيد: ولقد أبعد الظّاهريّ إبعاداً يكاد أن يكون مجزوماً ببطلانه. حيث لَم يشترط تقدّم الغسل على إقامة صلاة الجمعة حتّى لو اغتسل قبل الغروب كفى عنده , تعلّقاً بإضافة الغسل إلى اليوم، يعني كما تقدّم في حديث ابن عباس.
وقد تبيّن من بعض الرّوايات أنّ الغسل لإزالة الرّوائح الكريهة. كما روى البخاري في حديث عائشة , قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في الغبار يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم وهو عندي، فقال النبي ﷺ : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا.
قال: وفهم منه أنّ المقصود عدم تأذّي الحاضرين. وذلك لا يتأتّى بعد إقامة الجمعة، وكذلك أقول لو قدّمه بحيث لا يتحصّل هذا المقصود لَم يعتدّ به. والمعنى إذا كان معلوماً كالنّصّ قطعاً أو ظنّاً مقارناً للقطع فاتّباعه وتعليق الحكم به أولى من اتّباع مجرّد اللفظ.
قلت: وقد حكى ابن عبد البرّ الإجماع على أنّ من اغتسل بعد الصّلاة لَم يغتسل للجمعة ولا فعل ما أمر به.
وادّعى ابن حزم أنّه قول جماعة من الصّحابة والتّابعين. وأطال في تقرير ذلك بما هو بصدد المنع، والرّدّ يفضي إلى التّطويل بما لا طائل تحته.
ولَم يُورد عن أحدٍ ممّن ذكر التّصريح بإجزاء الاغتسال بعد صلاة
стр. 1125
الجمعة، وإنّما أورد عنهم ما يدلّ على أنّه لا يشترط اتّصال الغسل بالذّهاب إلى الجمعة، فأخذ هو منه أنّه لا فرق بين ما قبل الزّوال أو بعده. والفرق بينهما ظاهر كالشّمس، والله أعلم
واستدل من مفهوم الحديث على أنّ الغسل لا يشرع لمن لَم يحضر الجمعة، وقد تقدّم التّصريح بمقتضاه في آخر رواية عثمان بن واقد عن نافع، وهذا هو الأصحّ عند الشّافعيّة، وبه قال الجمهور خلافاً لأكثر الحنفيّة.
وقوله فيه " الجمعة " المراد به الصّلاة أو المكان الذي تقام فيه، وذكر المجيء لكونه الغالب , وإلا فالحكم شامل لمن كان مجاوراً للجامع أو مقيماً به.
واستدل بقوله " واجب " (١).
وهو القول الأول: على فرضيّة غسل الجمعة.
وقد حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمّار بن ياسرٍ وغيرهما، وهو قول أهل الظّاهر وإحدى الرّوايتين عن أحمد، وحكاه ابن حزم عن عمر وجمعٍ جمٍّ من الصّحابة ومن بعدهم، ثمّ ساق الرّواية عنهم , لكن ليس فيها عن أحد منهم التّصريح بذلك إلاَّ نادراً، وإنّما اعتمد في ذلك على أشياء محتملة كقول سعد: ما كنت أظنّ مسلماً يدع غسل