واحتجّ به على أنّ الغسل لليوم لا للصّلاة، لأنّ الحديث واحد ومخرّجه واحد، وقد بيّن الليث في روايته المراد، وقوّاه حديث أبي هريرة.
ورواية نافع عن ابن عمر لهذا الحديث مشهورة جدّاً. فقد اعتنى بتخريج طرقه أبو عوانة في " صحيحه ". فساقه من طريق سبعين نفساً رووه عن نافع.
وقد تتبّعت ما فاته , وجمعت ما وقع لي من طرقه في جزء مفرد لغرضٍ اقتضى ذلك , فبلغتْ أسماء من رواه عن نافع مائةً وعشرين نفساً.
فما يستفاد منه هنا ذكر سبب الحديث.
ففي رواية إسماعيل بن أُميَّة عن نافع عند أبي عوانة وقاسم بن أصبغ: كان النّاس يغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة جاءوا وعليهم ثياب متغيّرة، فشكوا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: من جاء منكم الجمعة فليغتسل.
ومنها ذكر محلّ القول.
ففي رواية الحكم بن عتيبة عن نافع عن ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ على أعواد هذا المنبر بالمدينة يقول. أخرجه يعقوب الجصّاص في " فوائده " من رواية اليسع بن قيس عن الحكم.
وطريق الحكَم عند النّسائيّ وغيره من رواية شعبة عنه. بدون هذا السّياق , بلفظ حديث الباب إلاَّ قوله " جاء " فعنده " راح " وكذا
стр. 1122
رواه النّسائيّ من رواية إبراهيم بن طهمان عن أيّوب ومنصور ومالك ثلاثتهم عن نافع.
ومنها ما يدلّ على تكرار ذلك.
ففي رواية صخر بن جويرية عن نافع عند أبي مسلم الكجّيّ بلفظ " كان إذا خطب يوم الجمعة قال. الحديث.
ومنها زيادة في المتن.
ففي رواية عثمان بن واقد عن نافع عند أبي عوانة وابن خزيمة وابن حبّان في صحاحهم بلفظ: من أتى الجمعة من الرّجال والنّساء فليغتسل، ومن لَم يأتها فليس عليه غسل.
ورجاله ثقات، لكن قال البزّار: أخشى أن يكون عثمان بن واقد وهم فيه.
ومنها زيادة في المتن والإسناد أيضاً.
أخرجه أبو داود والنّسائيّ وابن خزيمة وابن حبّان وغيرهم من طرق عن مفضّل بن فضالة عن عيّاش بن عبّاسٍ القتبانيّ عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ عن نافع عن ابن عمر عن حفصة , قالت: قال رسول الله ﷺ : الجمعة واجبة على كلّ محتلم، وعلى من راح إلى الجمعة الغسل.
قال الطّبرانيّ في " الأوسط ": لَم يروه عن نافع بزيادة حفصة إلاَّ بكير، ولا عنه إلاَّ عيّاش تفرّد به مفضّل.
قلت: رواته ثقات - فإن كان محفوظاً فهو حديث آخر - ولا مانع
стр. 1123
أن يسمعه ابن عمر من النّبيّ ﷺ ومن غيره من الصّحابة، ففي الصحيحين من رواية ابن عمر عن أبيه عن النّبيّ ﷺ , ولا سيّما مع اختلاف المتون.
قال ابن دقيق العيد: في الحديث دليل على تعليق الأمر بالغسل بالمجيء إلى الجمعة، واستدل به لمالكٍ في أنّه يعتبر أن يكون الغسل متّصلاً بالذّهاب، ووافقه الأوزاعيّ والليث.
والجمهور قالوا: يجزئ من بعد الفجر.
ويشهد لهم حديث ابن عبّاسٍ: اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤوسكم. وإن لَم تكونوا جنباً. أخرجه البخاري. وطلوع الفجر أول اليوم شرعاً.
وقال الأثرم: سمعت أحمد سئل عمّن اغتسل ثمّ أحدث. هل يكفيه الوضوء؟ فقال: نعم. ولَم أسمع فيه أعلى من حديث ابن أبزى.
يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن عبد الرّحمن بن أبزى عن أبيه - وله صحبة - أنّه كان يغتسل يوم الجمعة , ثمّ يحدث فيتوضّأ , ولا يعيد الغسل.
ومقتضى النّظر أن يقال: إذا عرف أنّ الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة والتّنظيف رعاية الحاضرين من التّأذّي بالرّائحة الكريهة، فمن خشي أن يصيبه في أثناء النّهار ما يزيل تنظيفه استحبّ له أن يؤخّر الغسل لوقت ذهابه، ولعل هذا هو الذي لحظه مالك. فشرط اتّصال
стр. 1124
الذّهاب بالغسل ليحصل الأمن ممّا يغاير التّنظيف. والله أعلم
قال ابن دقيق العيد: ولقد أبعد الظّاهريّ إبعاداً يكاد أن يكون مجزوماً ببطلانه. حيث لَم يشترط تقدّم الغسل على إقامة صلاة الجمعة حتّى لو اغتسل قبل الغروب كفى عنده , تعلّقاً بإضافة الغسل إلى اليوم، يعني كما تقدّم في حديث ابن عباس.
وقد تبيّن من بعض الرّوايات أنّ الغسل لإزالة الرّوائح الكريهة. كما روى البخاري في حديث عائشة , قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في الغبار يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم وهو عندي، فقال النبي ﷺ : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا.
قال: وفهم منه أنّ المقصود عدم تأذّي الحاضرين. وذلك لا يتأتّى بعد إقامة الجمعة، وكذلك أقول لو قدّمه بحيث لا يتحصّل هذا المقصود لَم يعتدّ به. والمعنى إذا كان معلوماً كالنّصّ قطعاً أو ظنّاً مقارناً للقطع فاتّباعه وتعليق الحكم به أولى من اتّباع مجرّد اللفظ.
قلت: وقد حكى ابن عبد البرّ الإجماع على أنّ من اغتسل بعد الصّلاة لَم يغتسل للجمعة ولا فعل ما أمر به.
وادّعى ابن حزم أنّه قول جماعة من الصّحابة والتّابعين. وأطال في تقرير ذلك بما هو بصدد المنع، والرّدّ يفضي إلى التّطويل بما لا طائل تحته.
ولَم يُورد عن أحدٍ ممّن ذكر التّصريح بإجزاء الاغتسال بعد صلاة
стр. 1125
الجمعة، وإنّما أورد عنهم ما يدلّ على أنّه لا يشترط اتّصال الغسل بالذّهاب إلى الجمعة، فأخذ هو منه أنّه لا فرق بين ما قبل الزّوال أو بعده. والفرق بينهما ظاهر كالشّمس، والله أعلم
واستدل من مفهوم الحديث على أنّ الغسل لا يشرع لمن لَم يحضر الجمعة، وقد تقدّم التّصريح بمقتضاه في آخر رواية عثمان بن واقد عن نافع، وهذا هو الأصحّ عند الشّافعيّة، وبه قال الجمهور خلافاً لأكثر الحنفيّة.
وقوله فيه " الجمعة " المراد به الصّلاة أو المكان الذي تقام فيه، وذكر المجيء لكونه الغالب , وإلا فالحكم شامل لمن كان مجاوراً للجامع أو مقيماً به.
واستدل بقوله " واجب " (١).
وهو القول الأول: على فرضيّة غسل الجمعة.
وقد حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمّار بن ياسرٍ وغيرهما، وهو قول أهل الظّاهر وإحدى الرّوايتين عن أحمد، وحكاه ابن حزم عن عمر وجمعٍ جمٍّ من الصّحابة ومن بعدهم، ثمّ ساق الرّواية عنهم , لكن ليس فيها عن أحد منهم التّصريح بذلك إلاَّ نادراً، وإنّما اعتمد في ذلك على أشياء محتملة كقول سعد: ما كنت أظنّ مسلماً يدع غسل
стр. 1126
يوم الجمعة.
وحكاه ابن المنذر والخطّابيّ عن مالك، وقال القاضي عياض وغيره: ليس ذلك بمعروفٍ في مذهبه.
قال ابن دقيق العيد: قد نصّ مالك على وجوبه , فحَمَلَه مَن لَم يمارس مذهبه على ظاهره , وأبى ذلك أصحابه. انتهى
والرّواية عن مالك بذلك في التّمهيد. وفيه أيضاً من طريق أشهب عن مالك أنّه سئل عنه. فقال: حسن , وليس بواجبٍ.
وحكاه بعض المتأخّرين عن ابن خزيمة من أصحابنا، وهو غلطٌ عليه. فقد صرّح في " صحيحه " بأنّه على الاختيار، واحتجّ لكونه مندوباً بعدّة أحاديث في عدّة تراجم.
وحكاه شارح الغنية لابن سريج قولاً للشّافعيّ. واستغرب.
وقد قال الشّافعيّ في الرّسالة بعد أن أورد حديثَي ابن عمر وأبي سعيد:
احتمل قوله " واجب " معنيين، الظّاهر منهما أنّه واجبٌ فلا تجزي الطّهارة لصلاة الجمعة إلاَّ بالغسل. واحتمل: أنّه واجبٌ في الاختيار وكرم الأخلاق والنّظافة.
ثمّ استدل للاحتمال الثّاني بقصّة عثمان مع عمر (١).
стр. 1127
قال: فلمّا لَم يترك عثمان الصّلاة للغسل , ولَم يأمره عمر بالخروج للغسل دلَّ ذلك على أنّهما قد علما أنّ الأمر بالغسل للاختيار. انتهى.
وعلى هذا الجواب عوّل أكثر المصنّفين في هذه المسألة. كابن خزيمة والطّبريّ والطّحاويّ وابن حبّان وابن عبد البرّ وهلمّ جرّاً.
وزاد بعضهم فيه: أنّ من حضر من الصّحابة وافقوهما على ذلك فكان إجماعاً منهم. على أنّ الغسل ليس شرطاً في صحّة الصّلاة , وهو استدلال قويّ.
وقد نقل الخطّابيّ وغيره الإجماع على أنّ صلاة الجمعة بدون الغسل مجزئة، لكن حكى الطّبريّ عن قوم: أنّهم قالوا بوجوبه , ولَم يقولوا إنّه شرط , بل هو واجبٌ مستقلٌّ تصحّ الصّلاة بدونه , كأنّ أصله قصد التّنظيف وإزالة الرّوائح الكريهة التي يتأذّى بها الحاضرون من الملائكة والنّاس، وهو موافق لقول مَن قال: يحرم أكل الثّوم على من قصد الصّلاة في الجماعة.
ويردّ عليهم: أنّه يلزم من ذلك تأثيم عثمان.
والجواب: أنّه كان معذوراً , لأنّه إنّما تركه ذاهلاً عن الوقت.
مع أنّه يحتمل أن يكون قد اغتسل في أوّل النّهار، لِمَا ثبت في صحيح مسلم عن حمران , أنّ عثمان لَم يكن يمضي عليه يوم حتّى يفيض عليه الماء، وإنّما لَم يعتذر بذلك لعمر كما اعتذر عن التّأخّر , لأنّه لَم يتّصل غسله بذهابِه إلى الجمعة كما هو الأفضل.
стр. 1128
القول الثاني: عن بعض الحنابلة: التّفصيل بين ذي النّظافة وغيره، فيجب على الثّاني دون الأوّل نظراً إلى العلة، حكاه صاحب الهدي.
وحكى ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه. أنّ قصّة عمر وعثمان تدلّ على وجوب الغسل لا على عدم وجوبه , من جهة ترك عمر الخطبة واشتغاله بمعاتبة عثمان وتوبيخ مثله على رءوس النّاس، فلو كان ترك الغسل مباحاً لَمَا فعل عمر ذلك، وإنّما لَم يرجع عثمان للغسل لضيق الوقت , إذ لو فعل لفاتته الجمعة , أو لكونه كان اغتسل كما تقدّم.
القول الثالث: قال ابن دقيق العيد: ذهب الأكثرون إلى استحباب غسل الجمعة , وهم محتاجون إلى الاعتذار عن مخالفة هذا الظّاهر، وقد أوّلوا صيغة الأمر على النّدب وصيغة الوجوب على التّأكيد كما يقال: إكرامك عليّ واجبٌ، وهو تأويل ضعيف إنّما يصار إليه إذا كان المعارض راجحاً على هذا الظّاهر.
وأقوى ما عارضوا به هذا الظّاهر حديث " من توضّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل " ولا يعارض سنده سند هذه الأحاديث، قال: وربّما تأوّلوه تأويلاً مستكرهاً كمن حمل لفظ الوجوب على السّقوط. انتهى.
فأمّا الحديث فعوّل على المعارضة به كثيرٌ من المصنّفين، ووجه الدّلالة منه قوله " فالغسل أفضل " , فإنّه يقتضي اشتراك الوضوء والغسل في أصل الفضل، فيستلزم إجزاء الوضوء.
стр. 1129
ولهذا الحديث طرق.
أشهرها وأقواها رواية الحسن عن سمرة أخرجها أصحاب السّنن الثّلاثة وابن خزيمة وابن حبّان، وله علتان:
إحداهما: أنّه من عنعنة الحسن. والأخرى: أنّه اختلف عليه فيه.
وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس، والطّبرانيّ من حديث عبد الرّحمن بن سمرة، والبزّار من حديث أبي سعيد، وابن عديّ من حديث جابر. وكلّها ضعيفة.
وعارضوا أيضاً بأحاديث.
منها حديث أبي سعيد , قال: أشهد على رسول الله ﷺ قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيباً إن وجد. أخرجه البخاري. فإنّ فيه " وأن يستنّ، وأن يمسّ طيباً ".
قال القرطبيّ: ظاهره وجوب الاستنان والطّيب لذكرهما بالعاطف، فالتّقدير الغسل واجبٌ والاستنان والطّيب كذلك، قال: وليسا بواجبين اتّفاقاً، فدلَّ على أنّ الغسل ليس بواجبٍ، إذ لا يصحّ تشريك ما ليس بواجبٍ مع الواجب بلفظٍ واحد. انتهى.
وقد سبق إلى ذلك الطّبريّ والطّحاويّ.
وتعقّبه ابن الجوزيّ: بأنّه لا يمتنع عطف ما ليس بواجبٍ على الواجب، لا سيّما ولَم يقع التّصريح بحكم المعطوف.
стр. 1130
وقال ابن المنير (١) في الحاشية: إن سلم أنّ المراد بالواجب الفرض لَم ينفع دفعه بعطف ما ليس بواجبٍ عليه , لأنّ للقائل أن يقول: أخرج بدليلٍ فبقي ما عداه على الأصل، وعلى أنّ دعوى الإجماع في الطّيب مردودة، فقد روى سفيان بن عيينة في " جامعه " عن أبي هريرة , أنّه كان يوجب الطّيب يوم الجمعة. وإسناده صحيح، وكذا قال بوجوبه بعض أهل الظّاهر.
ومنها حديث أبي هريرة مرفوعاً: من توضّأ فأحسن الوضوء , ثمّ أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له. أخرجه مسلم.
قال القرطبيّ: ذكر الوضوء وما معه مرتّباً عليه الثّواب المقتضي للصّحّة، فدلَّ على أنّ الوضوء كافٍ.
وأجيب: بأنّه ليس فيه نفي الغسل. وقد ورد من وجه آخر في الصّحيحين بلفظ " من اغتسل " , فيحتمل أن يكون ذكر الوضوء لمن تقدّم غسله على الذّهاب فاحتاج إلى إعادة الوضوء.
ومنها حديث ابن عبّاسٍ , أنّه سئل عن غسل يوم الجمعة أواجبٌ هو؟ فقال: لا، ولكنّه أطهر لمن اغتسل، ومن لَم يغتسل فليس بواجبٍ عليه. وسأخبركم عن بدء الغسل: كان النّاس مجهودين يلبسون الصّوف ويعملون، وكان مسجدهم ضيّقاً، فلمّا آذى بعضهم بعضاً قال النّبيّ ﷺ : أيّها النّاس، إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا , قال ابن عبّاسٍ: ثمّ جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصّوف، وكُفُوا العمل،
стр. 1131
ووسع المسجد. أخرجه أبو داود والطّحاويّ. وإسناده حسنٌ.
لكنّ الثّابت عن ابن عبّاسٍ خلافه كما سيأتي قريباً.
وعلى تقدير الصّحّة فالمرفوع منه ورد بصيغة الأمر الدّالة على الوجوب، وأمّا نفي الوجوب. فهو موقوف لأنّه من استنباط ابن عبّاسٍ، وفيه نظرٌ. إذ لا يلزم من زوال السّبب زوال المسبّب كما في الرّمل والجمار، على تقدير تسليمه فلمن قصر الوجوب على من به رائحة كريهة أن يتمسّك به.
ومنها حديث طاوسٍ , قلت لابن عبّاسٍ: زعموا أنّ رسول الله ﷺ قال: اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رءوسكم إلاَّ أن تكونوا جنباً. الحديث.
قال ابن حبّان بعد أن أخرجه: فيه أنّ غسل الجمعة يجزئ عنه غسل الجنابة، وأنّ غسل الجمعة ليس بفرضٍ، إذ لو كان فرضاً لَم يجز عنه غيره. انتهى.
وهذه الزّيادة " إلاَّ أن تكونوا جنباً " تفرّد بها ابن إسحاق عن الزّهريّ، وقد رواه شعيب عن الزّهريّ بلفظ " وإن لَم تكونوا جنباً " وهذا هو المحفوظ عن الزّهريّ كما أخرجه البخاري.
ومنها حديث عائشة عند البخاري " كان الناس مهنة أنفسهم , وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم , فقيل لهم: لو اغتسلتم ".
ففيه عرض وتنبيهٌ لا حتم ووجوب.
стр. 1132
وأجيب: بأنّه ليس فيه نفي الوجوب، وبأنّه سابقٌ على الأمر به والإعلام بوجوبه.
ونقل الزين بن المنير بعد قول الطّحاويّ لَمّا ذكر حديث عائشة: فدلَّ على أنّ الأمر بالغسل لَم يكن للوجوب، وإنّما كان لعلةٍ ثمّ ذهبت تلك العلة فذهب الغسل، وهذا من الطّحاويّ يقتضي سقوط الغسل أصلاً , فلا يعدّ فرضاً ولا مندوباً , لقوله: زالت العلة إلخ، فيكون مذهباً ثالثاً في المسألة. انتهى.
ولا يلزم من زوال العلة سقوط النّدب تعبّداً، ولا سيّما مع احتمال وجود العلة المذكورة. ثمّ إنّ هذه الأحاديث كلّها لو سلمت لَمَا دلَّت إلاَّ على نفي اشتراط الغسل لا على الوجوب المجرّد كما تقدّم.
وأمّا ما أشار إليه ابن دقيق العيد. من أنّ بعضهم أوّله بتأويلٍ مستكره , فقد نقله ابن دحية عن القدوريّ من الحنفيّة , وأنّه قال: قوله " واجب " أي: ساقط، وقوله " على " بمعنى عن، فيكون المعنى أنّه غير لازمٍ.
ولا يخفى ما فيه من التّكلّف.
وقال الزين بن المنير: أصل الوجوب في اللّغة السّقوط، فلمّا كان في الخطاب على المكلف عِبءٌ ثقيل كان كلّ ما أكّد طلبه منه يسمّى واجباً كأنّه سقط عليه، وهو أعمّ من كونه فرضاً أو ندباً.
وهذا سبقه ابن بزيزة إليه، ثمّ تعقّبه: بأنّ اللفظ الشّرعيّ خاصّ بمقتضاه شرعاً لا وضعاً.
стр. 1133
وكأنّ الزّين استشعر هذا الجواب فزاد أنّ تخصيص الواجب بالفرض اصطلاح حادثٌ.
وأجيب: بأنّ " وجب " في اللّغة لَم ينحصر في السّقوط، بل ورد بمعنى مات، وبمعنى اضطرب، وبمعنى لزم وغير ذلك. والذي يتبادر إلى الفهم منها في الأحاديث أنّها بمعنى لزم، لا سيّما إذا سيقت لبيان الحكم.
وقد تقدّم في بعض طرق حديث ابن عمر " الجمعة واجبة على كلّ محتلم " وهو بمعنى اللّزوم قطعاً , ويؤيّده أنّ في بعض طرق حديث الباب " واجب كغسل الجنابة " أخرجه ابن حبّان من طريق الدّراورديّ عن صفوان بن سليمٍ، وظاهره اللّزوم.
وأجاب عنه بعض القائلين: بالنّدبيّة بأنّ التّشبيه في الكيفيّة لا في الحكم.
وقال ابن الجوزيّ: يحتمل أن تكون لفظة " الوجوب " مغيّرة من بعض الرّواة أو ثابتة ونسخ الوجوب.
وردّ: بأنّ الطّعن في الرّوايات الثّابتة بالظّنّ الذي لا مستند له لا يقبل، والنّسخ لا يصار إليه إلاَّ بدليلٍ، ومجموع الأحاديث يدلّ على استمرار الحكم، فإنّ في حديث عائشة , أنّ ذلك كان في أوّل الحال حيث كانوا مجهودين، وأبو هريرة وابن عبّاسٍ إنّما صحبا النّبيّ ﷺ بعد أن حصل التّوسّع بالنّسبة إلى ما كانوا فيه أوّلاً، ومع ذلك فقد سمع كلٌّ منهما منه ﷺ الأمر بالغسل والحثّ عليه والتّرغيب فيه.
стр. 1134
فكيف يدعى النّسخ بعد ذلك؟.
فائدةٌ: حكى ابن العربيّ وغيره أنّ بعض أصحابهم , قالوا: يجزئ عن الاغتسال للجمعة التّطيّب , لأنّ المقصود النّظافة.
وقال بعضهم: لا يشترط له الماء المطلق , بل يجزئ بماء الورد ونحوه.
وقد عاب ابن العربيّ ذلك , وقال: هؤلاء وقفوا مع المعنى وأغفلوا المحافظة على التّعبّد بالمعيّن، والجمع بين التّعبّد والمعنى أولى. انتهى.
وعكس ذلك قول بعض الشّافعيّة بالتّيمّم، فإنّه تعبّد دون نظر إلى المعنى، أمّا الاكتفاء بغير الماء المطلق فمردود , لأنّها عبادة لثبوت التّرغيب فيها فيحتاج إلى النّيّة ولو كان لمحض النّظافة لَم تكن كذلك. والله أعلم.
تكميلٌ: بوَّب عليه البخاري " باب فضل الغسل يوم الجمعة، وهل على الصبي شهود يوم الجمعة، أو على النساء ".
اعترض أبو عبد الملك فيما حكاه ابن التين على هذا الشق الثاني من الترجمة , فقال: ترجم. هل على الصبي أو النساء جمعة؟ وأورد " إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل " وليس فيه ذكر وجوب شهود ولا غيره.
وأجاب ابن التين: بأنه أراد سقوط الوجوب عنهم، أما الصبيان فبالحديث الثالث في الباب حيث قال " على كل محتلم " فدلَّ على أنها
стр. 1135
غير واجبة على الصبيان.
قال: وقال الداودي: فيه دليل على سقوطها عن النساء , لأنَّ الفروض تجب عليهن في الأكثر بالحيض لا بالاحتلام.
وتعقب: بأن الحيض في حقهن علامة للبلوغ كالاحتلام، وليس الاحتلام مختصاً بالرجال , وإنما ذكر في الخبر لكونه الغالب , وإلا فقد لا يحتلم الإنسان أصلاً , ويبلغ بالإنزال أو السن. وحكمه حكم المحتلم.
وقال الزين بن المنير: إنما أشار إلى أنَّ غسل الجمعة شرع للرواح إليها كما دلت عليه الأخبار، فيحتاج إلى معرفة من يطلب رواحه فيطلب غسله، واستعمل الاستفهام في الترجمة للإشارة إلى وقوع الاحتمال في حق الصبي في عموم قوله " أحدكم " لكن تقيده بالمحتلم في الحديث الآخر يخرجه.
وأما النساء فيقع فيهن الاحتمال بأن يدخلن في " أحدكم " بطريق التبع، وكذا احتمال عموم النهي في منعهن المساجد، لكن تقيده بالليل يخرج الجمعة. انتهى.
ولعلَّ البخاري أشار بذكر النساء إلى ما تقدَّم قريباً في بعض طرق حديث نافع، وإلى الحديث المصرِّح " بأن لا جمعة على امرأة ولا صبي " لكونه ليس على شرطه , وإن كان الإسناد صحيحاً , وهو عند أبي داود من حديث طارق بن شهاب عن النبي ﷺ . ورجاله ثقات.
لكن قال أبو داود: لَم يسمع طارق من النبي ﷺ إلاَّ أنه رآه.
стр. 1136
انتهى. وقد أخرجه الحاكم في " المستدرك " من طريق طارق عن أبي موسى الأشعري.
قال الزين بن المنير: ونقل عن مالك أنَّ من يحضر الجمعة من غير الرجال إن حضرها لابتغاء الفضل شرع له الغسل وسائر آداب الجمعة، وإن حضرها لأمر اتفاقي فلا.
стр. 1137
الحديث التسعون
١٣٩ - عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخطب خطبتين وهو قائمٌ , يفصل بينهما بجلوسٍ. (١)
قوله: (وهو قائمٌ) قال ابن المنذر: الذي حمل عليه جلّ أهل العلم من علماء الأمصار ذلك.
ونقل غيرُه عن أبي حنيفة: أنّ القيام في الخطبة سنّة وليس بواجبٍ، وعن مالك رواية: أنّه واجب، فإن تركه أساء وصحّت الخطبة، وعند الباقين: أنّ القيام في الخطبة يشترط للقادر كالصّلاة.
واستدل للأوّل بحديث أبي سعيد في البخاري , أنّ النّبيّ ﷺ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله , وبحديث سهل: مُري غلامك يعمل لي أعواداً أجلس عليها. (٢)
وأجيب: عن الأوّل , أنّه كان في غير خطبة الجمعة. وعن الثّاني , باحتمال أن تكون الإشارة إلى الجلوس أوّل ما يصعد وبين الخطبتين.
واستدل للجمهور بحديث جابر بن سمرة الآتي , وبحديث كعب
стр. 1138
بن عُجْرة , أنّه دخل المسجد , وعبد الرّحمن بن أبي الحكم يخطب قاعداً، فأنكر عليه. وتلا (وتركوك قائماً) , وفي رواية ابن خزيمة: ما رأيت كاليوم قطّ إماماً يؤمّ المسلمين يخطب وهو جالس، يقول ذلك مرّتين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوسٍ: خطب رسول الله ﷺ قائماً وأبو بكر وعمر وعثمان، وأوّل من جلس على المنبر معاوية.
وبمواظبة النّبيّ ﷺ على القيام، وبمشروعيّة الجلوس بين الخطبتين، فلو كان القعود مشروعاً في الخطبتين ما احتيج إلى الفصل بالجلوس.
ولأنّ الذي نقل عنه القعود كان معذوراً. فعند ابن أبي شيبة من طريق الشّعبيّ , أنّ معاوية إنّما خطب قاعداً لَمّا كثر شحم بطنه ولحمه.
وأمّا من احتجّ: بأنّه لو كان شرطاً ما صلَّى من أنكر ذلك مع القاعد.
فجوابه: أنّه محمول على أنّ من صنع ذلك خشي الفتنة، أو أنّ الذي قعد قعد باجتهادٍ كما قالوا في إتمام عثمان الصّلاة في السّفر، وقد أنكر ذلك ابن مسعود , ثمّ إنّه صلَّى خلفه فأتمّ معه. واعتذر بأنّ الخلاف شرّ (١).
وفي الباب حديث جابر بن سمرة , أنّ رسول الله ﷺ كان يخطب قائماً ثمّ يجلس ثمّ يقوم فيخطب قائماً، فمن نبّأك أنّه كان يخطب جالساً فقد كذب. أخرجه مسلم.
стр. 1139
وهو أصرح في المواظبة من حديث ابن عمر. إلاَّ أنّ إسناده ليس على شرط البخاريّ.
وروى ابن أبي شيبة من طريق طاوسٍ قال: أوّل من خطب قاعداً معاوية حين كثر شحم بطنه. وهذا مرسل. يعضده ما روى سعيد بن منصور عن الحسن قال: أوّل من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان , وكان إذا أعيا جلس ولَم يتكلم حتّى يقوم، وأوّل من خطب جالساً معاوية.
وروى عبد الرّزّاق عن معمر عن قتادة , أنّ النّبيّ ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يخطبون يوم الجمعة، حتّى شقّ على عثمان القيام فكان يخطب قائماً ثمّ يجلس، فلمّا كان معاوية خطب الأولى جالساً والأخرى قائماً.
ولا حجّة في ذلك لمن أجاز الخطبة قاعداً , لأنّه تبيّن أنّ ذلك للضّرورة.
قوله: (يفصل بينهما بجلوسٍ) وللبخاري من رواية بشر بن المفضل عن عبيد الله عن نافع " يخطب خطبتين يقعد بينهما " , مقتضاه أنه كان يخطبهما قائماً. وصرَّح به في رواية خالد بن الحارث عن عبيد الله. ولفظه " كان يخطب قائماً ثم يقعد ثم يقوم " (١).
وللنّسائيّ والدّارقطنيّ من هذا الوجه (٢) " كان يخطب خطبتين
стр. 1140
قائماً يفصل بينهما بجلوسٍ ".
وغفل صاحب العمدة فعزا هذا اللفظ للصّحيحين.
ورواه أبو داود بلفظ " كان يخطب خطبتين: كان يجلس إذا صعد المنبر حتّى يفرغ المؤذّن، ثمّ يقوم فيخطب، ثمّ يجلس فلا يتكلم، ثمّ يقوم فيخطب "
واستفيد من هذا أنّ حال الجلوس بين الخطبتين لا كلام فيه، لكن ليس فيه نفي أن يذكر الله أو يدعوه سرّاً.
واستدل به الشّافعيّ في إيجاب الجلوس بين الخطبتين. لمواظبته ﷺ على ذلك مع قوله " صلّوا كما رأيتموني أصلي ".
قال ابن دقيق العيد: يتوقّف ذلك على ثبوت أنّ إقامة الخطبتين داخل تحت كيفيّة الصّلاة، وإلا فهو استدلال بمجرّد الفعل.
وزعم الطّحاويّ: أنّ الشّافعيّ تفرّد بذلك.
وتعقّب: بأنّه محكيّ عن مالك أيضاً في رواية، وهو المشهور عن أحمد نقله شيخنا في شرح التّرمذيّ.
وحكى ابن المنذر: أنّ بعض العلماء عارض الشّافعيّ: بأنّه ﷺ واظب على الجلوس قبل الخطبة الأولى، فإن كانت مواظبته دليلاً على شرطيّة الجلسة الوسطى فلتكن دليلاً على شرطيّة الجلسة الأولى.
وهذا متعقّب: بأنّ جلّ الرّوايات عن ابن عمر ليست فيها هذه الجلسة الأولى. وهي من رواية عبد الله العمريّ المضعّف فلم تثبت المواظبة عليها، بخلاف التي بين الخطبتين.
стр. 1141
وقال صاحب " المغني ": لَم يوجبها أكثر أهل العلم , لأنّها جلسة ليس فيها ذكر مشروع فلم تجب، وقدّرها مَن قال بوجوبها بقدر جلسة الاستراحة وبقدر ما يقرأ سورة الإخلاص.
واختلف في حكمتها.
فقيل: للفصل بين الخطبتين، وقيل: للرّاحة.
وعلى الأوّل - وهو الأظهر - يكفي السّكوت بقدرها، ويظهر أثر الخلاف أيضاً فيمن خطب قاعداً لعجزه عن القيام.
وقد ألزم الطّحاويّ مَن قال بوجوب الجلوس بين الخطبتين. أن يُوجب القيام في الخطبتين، لأنّ كلاًّ منهما اقتصر على فعل شيء واحد.
وتعقّبه الزين بن المنير. وبالله التّوفيق.
стр. 1142
الحديث الواحد والتسعون
١٤٠ - عن جابر بن عبد الله ﵁ , قال: جاء رجلٌ. والنّبيّ ﷺ يخطب النّاس يوم الجمعة. فقال: صلَّيتَ يا فلان؟. قال: لا. قال: قم فاركع ركعتين. وفي روايةٍ: فصلِّ ركعتين. (١)
قوله: (جاء رجل) هو سليك بمهملةٍ مصغّراً ابن هدبة , وقيل: ابن عمرو الغطفانيّ - بفتح المعجمة ثمّ المهملة بعدها فاء - من غطفان بن سعد بن قيس عيلان.
ووقع مسمّىً في هذه القصّة عند مسلم من رواية الليث بن سعد عن أبي الزّبير عن جابر بلفظ: جاء سليك الغطفانيّ يوم الجمعة. ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فقعد سليك قبل أن يُصلِّي، فقال له: أصليتَ ركعتين؟ فقال: لا. فقال: قم فاركعهما.
ومن طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر نحوه. وفيه " فقال له: يا سليك، قم فاركع ركعتين وتجوّز فيهما. هكذا رواه حفّاظ أصحاب الأعمش عنه، ووافقه الوليد أبو بشر عن أبي سفيان. عند أبي داود والدّارقطنيّ.
وشذّ منصور بن أبي الأسود عن الأعمش بهذا الإسناد. فقال: جاء النّعمان بن نوفل .. فذكر الحديث. أخرجه الطّبرانيّ.
стр. 1143
قال أبو حاتم الرّازيّ: وهِم فيه منصور. يعني في تسمية الآتي.
وقد رواه الطّحاويّ من طريق حفص بن غياث عن الأعمش قال: سمعت أبا صالح يحدّث بحديث سليك الغطفانيّ، ثمّ سمعت أبا سفيان يحدّث به عن جابر، فتحرّر أنّ هذه القصّة لسليك.
وروى الطّبرانيّ أيضاً من طريق أبي صالح عن أبي ذرّ , أنّه أتى النّبيّ ﷺ وهو يخطب , فقال لأبي ذرّ: صليت ركعتين؟ قال: لا. الحديث.
وفي إسناده ابن لهيعة.
وشذّ بقوله " وهو يخطب " فإنّ الحديث مشهور عن أبي ذرّ , أنّه جاء إلى النّبيّ ﷺ وهو جالس في المسجد. أخرجه ابن حبّان وغيره.
وأمّا ما رواه الدّارقطنيّ من حديث أنس قال: دخل رجلٌ من قيس المسجد. فذكر نحو قصّة سليك، فلا يخالف كونه سليكاً فإنّ غطفان من قيس كما تقدّم، وإن كان بعض شيوخنا غاير بينهما , وجوّز أن تكون الواقعة تعدّدت. فإنّه لَم يتبيّن لي ذلك.
واختلف فيه على الأعمش اختلافاً آخر. رواه الثّوريّ عنه عن أبي سفيان عن جابر عن سليك فجعل الحديث من مسند سليك.
قال ابن عديّ: لا أعلم أحداً قاله عن الثّوريّ هكذا غير الفريابيّ وإبراهيم بن خالد. انتهى.
وقد قاله عنه أيضاً عبد الرّزّاق، أخرجه هكذا في " مصنّفه " وأحمد عنه وأبو عوانة والدّارقطنيّ من طريقه.
ونقل ابن عديّ عن النّسائيّ أنّه قال: هذا خطأ.
стр. 1144
والذي يظهر لي أنّه ما عنى أنّ جابراً حمل القصّة عن سليك، وإنّما معناه أنّ جابراً حدّثهم عن قصّة سليك، ولهذا نظيرٌ كما في حديث أبي مسعود في قصّة أبي شعيب اللحّام (١).
ومن المستغربات ما حكاه ابن بشكوال في المبهمات , أنّ الدّاخل المذكور يقال له أبو هديّة، فإن كان محفوظاً فلعلها كنية سليك صادفت اسم أبيه.
قوله: (فقال: صليت؟) كذا للأكثر بحذف همزة الاستفهام , وثبت في رواية الأصيليّ. (٢)
قوله: (قم فاركع ركعتين) واستدل به على أنّ الخطبة لا تمنع الدّاخل من صلاة تحيّة المسجد.
وتعقّب: بأنّها واقعة عين لا عموم لها.
فيحتمل اختصاصها بسليك، ويدلّ عليه قوله في حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب السّنن وغيرهم " جاء رجل والنّبيّ ﷺ يخطب
стр. 1145
والرّجل في هيئة بذّة، فقال له: أصليت؟ قال: لا. قال: صلِّ ركعتين، وحضّ النّاس على الصّدقة .. الحديث. فأمره أن يُصلِّي ليراه بعض النّاس وهو قائم فيتصدّق عليه.
ويؤيّده أنّ في هذا الحديث عند أحمد , أنّ النّبيّ ﷺ قال: إنّ هذا الرّجل دخل المسجد في هيئة بذّة فأمرتُه أن يُصلِّي ركعتين , وأنا أرجو أن يفطن له رجلٌ فيتصدّق عليه.
وعرف بهذه الرّواية الرّدّ على من طعن في هذا التّأويل , فقال: لو كان كذلك لقال لهم: إذا رأيتم ذا بذّة فتصدّقوا عليه، أو إذا كان أحدٌ ذا بذّة فليقم فليركع حتّى يتصدّق النّاس عليه.
والذي يظهر أنّه ﷺ كان يعتني في مثل هذا بالإجمال دون التّفصيل كما كان يصنع عند المعاتبة، وممّا يضعف الاستدلال به أيضاً على جواز التّحيّة في تلك الحال أنّهم أطلقوا أنّ التّحيّة تفوت بالجلوس.
وورد أيضاً ما يؤكّد الخصوصيّة. وهو قوله ﷺ لسليك في آخر الحديث: لا تعودنّ لمثل هذا. أخرجه ابن حبّان.
انتهى ما اعتلَّ به مَن طعن في الاستدلال بهذه القصّة على جواز التّحيّة.
وكلّه مردود، لأنّ الأصل عدم الخصوصيّة. والتّعليل بكونه ﷺ قصد التّصدّق عليه لا يمنع القول بجواز التّحيّة، فإنّ المانعين منها لا يجيزون التّطوّع لعلة التّصدّق.
قال ابن المنير في الحاشية: لو ساغ ذلك لساغ مثله في التّطوّع عند
стр. 1146
طلوع الشّمس وسائر الأوقات المكروهة ولا قائل به، وممّا يدلّ على أنّ أمره بالصّلاة لَم ينحصر في قصد التّصدّق , معاودته ﷺ بأمره بالصّلاة أيضاً في الجمعة الثّانية بعد أن حصل له في الجمعة الأولى ثوبين فدخل بهما في الثّانية فتصدّق بأحدهما فنهاه النّبيّ ﷺ عن ذلك. أخرجه النّسائيّ وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضاً.
ولأحمد وابن حبّان , أنّه كرّر أمره بالصّلاة ثلاث مرّات في ثلاث جُمَع، فدلَّ على أنّ قصد التّصدّق عليه جزء عِلَّة لا عِلَّة كاملة.
وأمّا إطلاق من أطلق أنّ التّحيّة تفوت بالجلوس. فقد حكى النّوويّ في " شرح مسلم " عن المحقّقين: أنّ ذلك في حقّ العامد العالم، أمّا الجاهل أو النّاسي فلا، وحال هذا الدّاخل محمولة في الأولى على أحدهما وفي المرّتين الأخريين على النّسيان.
والحامل للمانعين على التّأويل المذكور أنّهم زعموا أنّ ظاهره معارِض للأمر بالإنصات والاستماع للخطبة.
قال ابن العربيّ: عارض قصّةَ سُليكٍ ما هو أقوى منها كقوله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) وقوله ﷺ : إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت. متّفق عليه، قال: فإذا امتنع الأمر بالمعروف وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه. فمنع التّشاغل بالتّحيّة مع طول زمنها أولى.
وعارضوا أيضاً بقوله ﷺ وهو يخطب للذي دخل يتخطّى رقاب النّاس: اجلس فقد آذيت. أخرجه أبو داود والنّسائيّ وصحّحه ابن
стр. 1147
خزيمة وغيره من حديث عبد الله بن بُسر، قالوا: فأمره بالجلوس ولَم يأمره بالتّحيّة.
وروى الطّبرانيّ من حديث ابن عمر رفعه: إذا دخل أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتّى يفرغ الإمام.
والجواب عن ذلك كلّه:
أنّ المعارضة التي تئول إلى إسقاط أحد الدّليلين إنّما يعمل بها عند تعذّر الجمع، والجمع هنا ممكن. أمّا الآية فليست الخطبة كلّها قرآناً، وأمّا ما فيها من القرآن فالجواب عنه كالجواب عن الحديث وهو تخصيص عمومه بالدّاخل.
وأيضاً فمصلي التّحيّة يجوز أن يطلق عليه أنّه منصت، فقد تقدّم من حديث أبي هريرة أنّه قال: يا رسولَ الله سكوتك بين التّكبير والقراءة ما تقول فيه؟. فأطلق على القول سرّاً السّكوت.
وأمّا حديث ابن بشر. فهو أيضاً واقعة عين لا عموم فيها.
فيحتمل: أن يكون ترك أمره بالتّحيّة قبل مشروعيّتها، وقد عارض بعضهم في قصّة سليك بمثل ذلك.
ويحتمل أن يجمع بينهما: أن يكون قوله له " اجلس " أي: بشرطه، وقد عرف قوله للدّاخل " فلا تجلس حتّى تصلي ركعتين " فمعنى قوله " اجلس " أي: لا تتخطّ. أو ترك أمره بالتّحيّة لبيان الجواز فإنّها ليست واجبة.
أو لكون دخوله وقع في أواخر الخطبة , بحيث ضاق الوقت عن
стр. 1148
التّحيّة. وقد اتّفقوا على استثناء هذه الصّورة.
ويحتمل: أن يكون صلَّى التّحيّة في مؤخّر المسجد , ثمّ تقدّم ليقرب من سماع الخطبة فوقع منه التّخطّي فأنكر عليه.
والجواب عن حديث ابن عمر: بأنّه ضعيف فيه أيّوب بن نهيك وهو منكر الحديث، قاله أبو زرعة وأبو حاتم الأحاديث الصّحيحة لا تعارض بمثله.
وأمّا قصّة سليك. فقد ذكر التّرمذيّ: أنّها أصحّ شيء روي في هذا الباب وأقوى.
وأجاب المانعون أيضاً بأجوبةٍ غير ما تقدّم، اجتمع لنا منها زيادة على عشرة. أوردتها ملخّصة مع الجواب عنها لتستفاد:
الجواب الأوّل: قالوا: إنّه ﷺ لَمّا خاطب سليكاً سكت عن خطبته حتّى فرغ سليك من صلاته، فعلى هذا فقد جمع سليك بين سماع الخطبة وصلاة التّحيّة، فليس فيه حجّة لمن أجاز التّحيّة والخطيب يخطب.
والجواب: أنّ الدّارقطنيّ الذي أخرجه من حديث أنس قد ضعّفه وقال: إنّ الصّواب أنّه من رواية سليمان التّيميّ مرسلاً أو معضلاً.
وقد تعقّبه ابن المنير في الحاشية: بأنّه لو ثبت لَم يسغ على قاعدتهم، لأنّه يستلزم جواز قطع الخطبة لأجل الدّاخل، والعمل عندهم لا يجوز قطعه بعد الشّروع فيه لا سيّما إذا كان واجباً.
الجواب الثّاني: قيل لَمّا تشاغل النّبيّ ﷺ بمخاطبة سليك سقط
стр. 1149
فرض الاستماع عنه، إذ لَم يكن منه حينئذٍ خطبة لأجل تلك المخاطبة، قاله ابن العربيّ. وادّعى أنّه أقوى الأجوبة.
وتعقّب: بأنّه من أضعفها , لأنّ المخاطبة لَمّا انقضت رجع رسول الله ﷺ إلى خطبته، وتشاغل سليك بامتثال ما أمره به من الصّلاة، فصحّ أنّه صلَّى في حال الخطبة.
الجواب الثّالث: قيل كانت هذه القصّة قبل شروعه ﷺ في الخطبة، ويدلّ عليه قوله في رواية الليث عند مسلم " والنّبيّ ﷺ قاعد على المنبر ".
وأجيب: بأنّ القعود على المنبر لا يختصّ بالابتداء، بل يحتمل: أن يكون بين الخطبتين أيضاً، فيكون كلمه بذلك وهو قاعد، فلمّا قام ليصلي قام النّبيّ ﷺ للخطبة لأنّ زمن القعود بين الخطبتين لا يطول.
ويحتمل أيضاً: أن يكون الرّاوي تجوّز في قوله " قاعد " , لأنّ الرّوايات الصّحيحة كلّها مطبقة على أنّه دخل والنّبيّ ﷺ يخطب.
الجواب الرّابع: قيل كانت هذه القصّة قبل تحريم الكلام في الصّلاة.
وتعقّب: بأنّ سليكاً متأخّر الإسلام جدّاً , وتحريم الكلام متقدّم جدّاً كما تقدّم في الصّلاة (١)، فكيف يدّعى نسخ المتأخّر بالمتقدّم مع أنّ النّسخ لا يثبت بالاحتمال.
وقيل: كانت قبل الأمر بالإنصات، وقد تقدّم الجواب عنه.
стр. 1150
وعورض هذا الاحتمال بمثله في الحديث الذي استدلّوا به. وهو ما أخرجه الطّبرانيّ عن ابن عمر: إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام. لاحتمال أن يكون ذلك قبل الأمر بصلاة التّحيّة. والأولى في هذا أن يقال على تقدير تسليم ثبوت رفعه: يخصّ عمومه بحديث الأمر بالتّحيّة خاصّة كما تقدّم.
الجواب الخامس: قيل: اتّفقوا على أنّ منع الصّلاة في الأوقات المكروهة يستوي فيه من كان داخل المسجد أو خارجه، وقد اتّفقوا على أنّ من كان داخل المسجد يمتنع عليه التّنفّل حال الخطبة فليكن الآتي كذلك. قاله الطّحاويّ
وتعقّب: بأنّه قياس في مقابلة النّصّ فهو فاسد، وما نقله من الاتّفاق وافقه عليه الماورديّ وغيره، وقد شذّ بعض الشّافعيّة فقال: ينبني على وجوب الإنصات، فإن قلنا به امتنع التّنفّل وإلا فلا.
الجواب السّادس: قيل اتّفقوا على أنّ الدّاخل والإمام في الصّلاة تسقط عنه التّحيّة، ولا شكّ أنّ الخطبة صلاة فتسقط عنه فيها أيضاً.
وتعقّب: بأنّ الخطبة ليست صلاة من كلّ وجه , والفرق بينهما ظاهر من وجوه كثيرة، والدّاخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصّلاة قبل جلوسه، بخلاف الدّاخل في حال الصّلاة فإنّ إتيانه بالصّلاة التي أقيمت يحصّل المقصود، هذا مع تفريق الشّارع بينهما فقال: إذا أقيمت الصّلاة فلا صلاة إلاَّ المكتوبة (١).
стр. 1151
وقد وقع في بعض طرقه " فلا صلاة إلاَّ التي أقيمت " (١) ولَم يقل ذلك في حال الخطبة بل أمرهم فيها بالصّلاة.
الجواب السّابع: قيل اتّفقوا على سقوط التّحيّة عن الإمام مع كونه يجلس على المنبر مع أنّ له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم، فيكون ترك المأموم التّحيّة بطريق الأولى.
وتعقّب: بأنّه أيضاً قياس في مقابلة النّصّ فهو فاسد، ولأنّ الأمر وقع مقيّداً بحال الخطبة فلم يتناول الخطيب
وقال الزين بن المنير: منع الكلام إنّما هو لمن شهد الخطبة لا لمن خطب، فكذلك الأمر بالإنصات واستماع الخطبة.
الجواب الثّامن: قيل لا نُسلِّم أنّ المراد بالرّكعتين المأمور بهما تحيّة المسجد، بل يحتمل أن تكون صلاة فائتة كالصّبح مثلاً. قاله بعض الحنفيّة.
وقوّاه ابن المنير في الحاشية , وقال: لعله ﷺ كان كشف له عن
стр. 1152
ذلك، وإنّما استفهمه ملاطفة له في الخطاب، قال: ولو كان المراد بالصّلاة التّحيّة لَم يحتج إلى استفهامه لأنّه قد رآه لَمّا دخل.
وقد تولى ردّه ابن حبّان في " صحيحه " فقال: لو كان كذلك لَم يتكرّر أمره له بذلك مرّة بعد أخرى. ومن هذه المادّة قولهم: إنّما أمره بسنّة الجمعة التي قبلها.
ومستندهم قوله في قصّة سليك عند ابن ماجه " أصليت قبل أن تجيء " لأنّ ظاهره قبل أن تجيء من البيت، ولهذا قال الأوزاعيّ: إن كان صلَّى في البيت قبل أن يجيء فلا يُصلِّي إذا دخل المسجد.
وتعقّب: بأنّ المانع من صلاة التّحيّة لا يجيز التّنفّل حال الخطبة مطلقاً، ويحتمل أن يكون معنى " قبل أن تجيء " أي: إلى الموضع الذي أنت به الآن.
وفائدة الاستفهام احتمال أن يكون صلاها في مؤخّر المسجد ثمّ تقدّم ليقرب من سماع الخطبة. كما تقدّم في قصّة الذي تخطّى.
ويؤكّده أنّ في رواية لمسلمٍ " أصليت الرّكعتين؟ " بالألف واللام وهو للعهد. ولا عهد هناك أقرب من تحيّة المسجد.
وأمّا سنّة الجمعة التي قبلها فلم يثبت فيها شيء (١).
الجواب التّاسع: قيل لا نسلم أنّ الخطبة المذكورة كانت للجمعة، ويدلّ على أنّها كانت لغيرها قوله للدّاخل " أصليت؟ " لأنّ وقت الصّلاة لَم يكن دخل. انتهى
стр. 1153
وهذا ينبني على أنّ الاستفهام وقع عن صلاة الفرض فيحتاج إلى ثبوت ذلك، وقد وقع في حديث الباب. أنّ ذلك كان يوم الجمعة فهو ظاهر في أنّ الخطبة كانت لصلاة الجمعة.
الجواب العاشر: قال جماعة منهم القرطبيّ: أقوى ما اعتمده المالكيّة في هذه المسألة عمل أهل المدينة خلفاً عن سلف من لدن الصّحابة إلى عهد مالك , أنّ التّنفّل في حال الخطبة ممنوع مطلقاً.
وتعقّب: بمنع اتّفاق أهل المدينة على ذلك، فقد ثبت فعل التّحيّة عن أبي سعيد الخدريّ - وهو من فقهاء الصّحابة من أهل المدينة -. وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة أيضاً، فروى التّرمذيّ وابن خزيمة وصحّحاه عن عياض بن أبي سرح , أنّ أبا سعيد الخدريّ دخل ومروان يخطب فصلَّى الرّكعتين، فأراد حرس مروان أن يمنعوه فأبى حتّى صلاهما , ثمّ قال: ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يأمر بهما.
ولَم يثبت عن أحد من الصّحابة صريحاً ما يخالف ذلك.
وأمّا ما نقله ابن بطّال عن عمر وعثمان وغير واحد من الصّحابة من المنع مطلقاً فاعتماده في ذلك على روايات عنهم فيها احتمال، كقول ثعلبة بن أبي مالك: أدركت عمر وعثمان - وكان الإمام - إذا خرج تركنا الصّلاة.
ووجه الاحتمال أن يكون ثعلبة عنى بذلك مَن كان داخل المسجد خاصّة.
стр. 1154
قال شيخنا الحافظ أبو الفضل في شرح التّرمذيّ: كلّ من نقل عنه - يعني من الصّحابة - منع الصّلاة والإمام يخطب محمولٌ على من كان داخل المسجد , لأنّه لَم يقع عن أحد منهم التّصريح بمنع التّحيّة، وقد ورد فيها حديث يخصّها فلا تترك بالاحتمال، انتهى.
ولَم أقف على ذلك صريحاً عن أحد من الصّحابة.
وأمّا ما رواه الطّحاويّ عن عبد الله بن صفوان , أنّه دخل المسجد وابن الزّبير يخطب فاستلم الرّكن ثمّ سلَّم عليه , ثمّ جلس ولَم يركع.
وعبد الله بن صفوان وعبد الله بن الزّبير صحابيّان صغيران , فقد استدل به الطّحاويّ فقال: لَمّا لَم ينكر ابن الزّبير على ابن صفوان ولا من حضرهما من الصّحابة ترك التّحيّة دلَّ على صحّة ما قلناه.
وتعقّب: بأنّ تركهم النّكير لا يدلّ على تحريمها بل يدلّ على عدم وجوبها، ولَم يقل به مخالفوهم.
وسيأتي في أواخر الكلام على هذا الحديث البحث في أنّ صلاة التّحيّة. هل تعمّ كلّ مسجد، أو يستثنى المسجد الحرام , لأنّ تحيّته الطّواف؟ فلعلَّ ابنَ صفوان كان يرى أنّ تحيّته استلام الرّكن فقط.
وهذه الأجوبة التي قد قدّمناها تندفع من أصلها بعموم قوله ﷺ في حديث أبي قتادة: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتّى يُصلِّي ركعتين. متّفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه. (١)
وورد أخصّ منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة عن عمرو بن
стр. 1155
دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ وهو يخطب: إذا جاء أحدكم والإمام يخطب أو قد خرج فليصل ركعتين. متّفق عليه أيضاً.
ولمسلمٍ من طريق أبي سفيان عن جابر , أنّه قال ذلك في قصّة سليك. ولفظه بعد قوله. فاركعهما: وتجوّز فيهما. ثمّ قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما.
قال النّوويّ: هذا نصّ لا يتطرّق إليه التّأويل , ولا أظنّ عالماً يبلغه هذا اللفظ ويعتقده صحيحاً فيخالفه.
وقال أبو محمّد بن أبي جمرة: هذا الذي أخرجه مسلم نصٌّ في الباب لا يحتمل التّأويل.
وحكى ابن دقيق العيد: أنّ بعضهم تأوّل هذا العموم بتأويلٍ مستكرهٍ، وكأنّه يشير إلى بعض ما تقدّم من ادّعاء النّسخ أو التّخصيص.
وقد عارض بعض الحنفيّة الشّافعيّة: بأنّهم لا حجّة لهم في قصّة سليك، لأنّ التّحيّة عندهم تسقط بالجلوس، وقد تقدّم جوابه. وعارض بعضهم بحديث أبي سعيد رفعه: لا تصلّوا والإمام يخطب (١).
стр. 1156
وتعقّب: بأنّه لا يثبت، وعلى تقدير ثبوته فيخصّ عمومه بالأمر بصلاة التّحيّة. وبعضهم: بأنّ عمر لَم يأمر عثمان بصلاة التّحيّة مع أنّه أنكر عليه الاقتصار على الوضوء.
وأجيب: باحتمال أن يكون صلاهما.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم.
جواز صلاة التّحيّة في الأوقات المكروهة، لأنّها إذا لَم تسقط في الخطبة مع الأمر بالإنصات لها فغيرها أولى. وفيه أنّ التّحيّة لا تفوت بالقعود، لكن قيّده بعضهم بالجاهل أو النّاسي كما تقدّم، وأنّ للخطيب أن يأمر في خطبته وينهى ويبيّن الأحكام المحتاج إليها، ولا يقطع ذلك التّوالي المشترط فيها، بل لقائلٍ أن يقول كلّ ذلك يعدّ من الخطبة.
واستدل به على أنّ المسجد شرط للجمعة للاتّفاق على أنّه لا تشرع التّحيّة لغير المسجد. وفيه نظرٌ.
واستدل به على جواز ردّ السّلام وتشميت العاطس في حال الخطبة لأنّ أمرهما أخفّ وزمنهما أقصر , ولا سيّما ردّ السّلام فإنّه واجب.
وسيأتي البحث في ذلك في الحديث بعده.
стр. 1157
فائدةٌ: قيل: يخصّ عموم حديث الباب بالدّاخل في آخر الخطبة كما تقدّم.
قال الشّافعيّ: أرى للإمام أن يأمر الآتي بالرّكعتين. ويزيد في كلامه ما يمكنه الإتيان بهما قبل إقامة الصّلاة، فإن لَم يفعل كرهت ذلك.
وحكى النّوويّ عن المحقّقين: أنّ المختار إن لَم يفعل أن يقف حتّى تقام الصّلاة , لئلا يكون جالساً بغير تحيّة أو متنفّلاً حال إقامة الصّلاة.
واستثنى المحامليّ المسجد الحرام , لأنّ تحيّته الطّواف.
وفيه نظرٌ. لطول زمن الطّواف بالنّسبة إلى الرّكعتين.
والذي يظهر من قولهم إنّ تحيّة المسجد الحرام الطّواف إنّما هو في حقّ القادم ليكون أوّل شيء يفعله الطّواف.
وأمّا المقيم فحكم المسجد الحرام وغيره في ذلك سواء، ولعل قول من أطلق أنّه يبدأ في المسجد الحرام بالطّواف لكون الطّواف يعقبه صلاة الرّكعتين فيحصل شغل البقعة بالصّلاة غالباً وهو المقصود، ويختصّ المسجد الحرام بزيادة الطّواف. والله أعلم
стр. 1158
الحديث الثاني والتسعون
١٤١ - عن أبي هريرة ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة. والإمام يخطب , فقد لغوت. (١)
قوله: (إذا قلت لصاحبك) المراد بالصّاحب من يخاطبه بذلك مطلقاً، وإنّما ذكر الصّاحب لكونه الغالب.
قوله: (أنصت) قال الأزهريّ: يقال أنصت ونصت وانتصت.
قال ابن خزيمة: المراد بالإنصات السّكوت عن مكالمة النّاس دون ذكر الله.
وتعقّب: بأنّه يلزم منه جواز القراءة والذّكر حال الخطبة، فالظّاهر أنّ المراد السّكوت مطلقاً , ومن فرّق احتاج إلى دليل، ولا يلزم من تجويز التّحيّة لدليلها الخاصّ جواز الذّكر مطلقاً.
قوله: (يوم الجمعة) مفهومه أنّ غير يوم الجمعة (٢) بخلاف ذلك،
стр. 1159
وفيه بحثٌ.
قوله: (والإمام يخطب) أشار البخاري في ترجمته (١) إلى الرّدّ على من جعل وجوب الإنصات من خروج الإمام، لأنّ قوله في الحديث " والإمام يخطب " جملة حاليّة , يخرج ما قبل خطبته من حين خروجه وما بعده إلى أن يشرع في الخطبة , لأنَّ الاستماع لا يتجه إلاَّ إذا تكلم: نعم الأولى أن ينصت.
وقالت الحنفية: يحرم الكلام من ابتداء خروج الإمام. وورد فيه حديث ضعيف. (٢)
وأمّا حال الجلوس بين الخطبتين.
فحكى صاحب " المغني " عن العلماء فيه قولين. بناءً على أنّه غير خاطب، أو أنّ زمن سكوته قليل فأشبه السّكوت للتّنفّس
قوله: (فقد لغوت) قال الأخفش: اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه، وقال ابن عرفة: اللغو السّقط من القول، وقيل: الميل عن الصّواب، وقيل: اللغو الإثم كقوله تعالى (وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراماً).
وقال الزين بن المنير: اتّفقت أقوال المفسّرين على أنّ اللغو ما لا يحسن من الكلام.
стр. 1160
وأغرب أبو عبيد الهرويّ في " الغريب " فقال: معنى لغا تكلم، كذا أطلق. والصّواب التّقييد.
وقال النّضر بن شميلٍ: معنى لغوت خبت من الأجر، وقيل: بطلت فضيلة جمعتك، وقيل: صارت جمعتك ظهراً.
قلت: أقوال أهل اللّغة متقاربة المعنى.
ويشهد للقول الأخير ما رواه أبو داود وابن خزيمة من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً: ومن لغا وتخطّى رقاب النّاس كانت له ظهراً. قال ابن وهب أحد رواته: معناه أجزأت عنه الصّلاة , وحُرِم فضيلة الجمعة.
ولأحمد من حديث عليّ مرفوعاً: مَن قال صهٍ فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له.
ولأبي داود نحوه، ولأحمد والبزّار من حديث ابن عبّاسٍ مرفوعاً: من تكلَّم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت ليست له جمعة.
وله شاهد قويّ في جامع حمّاد بن سلمة عن ابن عمر موقوفاً.
قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة. للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه.
وحكى ابن التّين: عن بعض من جوّز الكلام في الخطبة أنّه تأوّل قوله " فقد لغوت " أي: أمرت بالإنصات من لا يجب عليه.
وهو جمود شديد، لأنّ الإنصات لَم يختلف في مطلوبيّته. فكيف