← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بفرضٍ، فعلى هذا فالإجمال في المسند إليه لا في الأصل. قال القرطبيّ: الباء للتّعدية يجوز حذفها وإثباتها كقولك مسحت رأس اليتيم ومسحت برأسه. وقيل: دخلت الباء لتفيد معنىً آخر وهو أنّ الغسل لغة يقتضي مغسولاً به، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحاً به، فلو قال وامسحوا رءوسكم , لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنّه قال: وامسحوا برءوسكم الماء فهو على القلب، والتّقدير امسحوا رءوسكم بالماء. وقال الشّافعيّ: احتمل قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم) جميع الرّأس أو بعضه، فدلَّتِ السّنّة على أنّ بعضه يجزئ. والفرق بينه وبين قوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم) في التّيمّم أنّ المسح فيه بدَلٌ عن الغسل , ومسح الرّأس أصل فافترقا، ولا يرد كون مسح الخفّ بدلاً عن غسل الرّجل , لأنّ الرّخصة فيه ثبتت بالإجماع. فإن قيل: فلعلَّه اقتصر على مسح النّاصية لعذرٍ , لأنّه كان في سفر وهو مظنّة العذر، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح النّاصية. كما هو ظاهر من سياق مسلم في حديث المغيرة بن شعبة.

стр. 107

قلنا: قد روي عنه مسح مقدّم الرّأس من غير مسح على العمامة ولا تعرّض لسفرٍ، وهو ما رواه الشّافعيّ من حديث عطاء , أنّ رسول الله ﷺ توضّأ فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدّم رأسه. وهو مرسل , لكنّه اعتضد بمجيئه من وجه آخر موصولاً. أخرجه أبو داود من حديث أنس. (١) وفي إسناده أبو معقل لا يُعرف حاله، فقد اعتضد كلّ من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت القوّة من الصّورة المجموعة، وهذا مثال لِمَا ذكره الشّافعيّ من أنّ المرسل يعتضد بمرسلٍ آخر أو مسند. وظهر بهذا جواب مَن أورد أنّ الحجّة حينئذٍ بالمسند فيقع المرسل لغواً، وقد قرّرت جواب ذلك فيما كتبته على علوم الحديث لابن الصّلاح. وفي الباب أيضاً عن عثمان في صفة الوضوء قال: ومسح مقدّم رأسه. أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك مختلف فيه. وصحّ عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرّأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولَم يصحّ عن أحد من الصّحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزم.

стр. 108

وهذا كلّه ممّا يقْوَى به المرسل المتقدّم ذكره. تكميل: قال سعيد بن المسيّب: الرّجل والمرأة في المسح سواء. أخرجه ابن أبي شيبة. ونقل عن أحمد , أنّه قال: يكفي المرأة مسح مقدّم رأسها. والله أعلم قوله: (بدأ بمقدّم رأسه) الظّاهر أنّه من الحديث وليس مدرجاً من كلام مالك، ففيه حجّة على مَن قال: السّنّة أن يبدأ بمؤخّر الرّأس إلى أن ينتهي إلى مقدّمه لظاهر قوله " أقبل وأدبر ". ويرِدُ عليه أنّ الواو لا تقتضي التّرتيب، وللبخاري ومسلم من رواية سليمان بن بلال " فأدبر بيديه وأقبل " فلم يكن في ظاهره حجّة , لأنّ الإقبال والإدبار من الأمور الإضافيّة، ولَم يعيّن ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه. ومخرج الطّريقين متّحد، فهما بمعنىً واحد , وعيّنتْ روايةُ مالك البداءةَ بالمقدّم فيحمل قوله " أقبل " على أنّه من تسمية الفعل بابتدائه، أي: بدأ بقبل الرّأس، وقيل في توجيهه غير ذلك. والحكمة في هذا الإقبال والإدبار. استيعاب جهتي الرّأس بالمسح، فعلى هذا يختصّ ذلك بمن له شعر، والمشهور عمّن أوجب التّعميم أنّ الأولى واجبة والثّانية سنّة، ومن هنا يتبيّن ضعف الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التّعميم، والله أعلم قوله: (ثمّ غسل رجليه) زاد في رواية وهيب " إلى الكعبين " والبحث فيه كالبحث في قوله إلى المرفقين.

стр. 109

والمشهور. أنّ الكعب هو العظم النّاشز عند ملتقى السّاق والقدم. وحكى محمّد بن الحسن عن أبي حنيفة , أنّه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشّراك، وروي عن ابن القاسم عن مالك مثله. والأوّل هو الصّحيح الذي يعرفه أهل اللّغة، وقد أكثر المتقدّمون من الرّدّ على من زعم ذلك، ومن أوضح الأدلة فيه حديث النّعمان بن بشير الصّحيح في صفة الصّفّ في الصّلاة " فرأيت الرّجل منّا يلزق كعبه بكعب صاحبه " (١) وهو الذي يمكن أن يلزق بالذي بجنبه. وقيل: إنّ محمّداً إنّما رأى ذلك في حديث قطع المحرم الخُفّين إلى الكعبين إذا لَم يجد النّعلين. (٢) وفي هذا الحديث من الفوائد. الإفراغ على اليدين معاً في ابتداء الوضوء، وأنّ الوضوء الواحد يكون بعضه بمرّةٍ وبعضه بمرّتين وبعضه بثلاثٍ. وفيه مجيء الإمام إلى بيت بعض رعيّته وابتداؤهم إيّاه بما يظنّون أنّ له به حاجة، وجواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة، والتّعليم بالفعل، وأنّ الاغتراف من الماء القليل للتّطهّر لا يصيّر الماء

стр. 110

مستعملاً لقوله في رواية وهيب وغيره " ثمّ أدخل يده فغسل وجهه ... إلخ ". وأمّا اشتراط نيّة الاغتراف فليس في هذا الحديث ما يثبتها ولا ما ينفيها. واستدل به أبو عوانة في " صحيحه ". على جواز التّطهّر بالماء المستعمل، وتوجيهه أنّ النّيّة لَم تذكر فيه، وقد أدخل يده للاغتراف بعد غسل الوجه وهو وقت غسلها. وقال الغزاليّ: مجرّد الاغتراف لا يصيّر الماء مستعملاً , لأنّ الاستعمال إنّما يقع من المغترف منه، وبهذا قطع البغويّ. واستدل به البخاري على استيعاب مسح الرّأس، وقد قدّمنا أنّه يدلّ لذلك ندباً لا فرضاً، وعلى أنّه لا يندب تكريره كما تقدم. وعلى الجمع بين المضمضة والاستنشاق من غرفة كما تقدّم أيضاً، وعلى جواز التّطهّر من آنية النّحاس وغيره. تكميل: روى البخاري من حديث ابن عباس , أنَّ النبي ﷺ توضأ مرة مرة. وهو بيان بالفعل لمجمل الآية. إذ الأمر يفيد طلب إيجاد الحقيقة ولا يتعين بعدد. فبين الشارع أنَّ المرة الواحدة للإيجاب وما زاد عليها للاستحباب. وأمَّا حديث أُبي بن كعب , أنَّ النبي ﷺ دعا بماء فتوضأ مرة مرة , وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاَّ به. ففيه بيان الفعل والقول معاً. لكنه حديث ضعيف. أخرجه ابن ماجه. وله طرق أخرى كلها ضعيفة.

стр. 111

الحديث العاشر ١٠ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسولُ الله ﷺ يُعجبه التّيمّن في تنعّله , وترجّله , وطهوره , وفي شأنِه كلِّه. (١) قوله: (كان يعجبه التّيمّن) وفي رواية لهما " يحب التيمّن " والتّيمّن لفظ مشترك بين الابتداء باليمين وتعاطي الشّيء باليمين والتّبرّك وقصد اليمين , قيل: لأنّه كان يحبّ الفأل الحسن إذ أصحاب اليمين أهل الجنّة. زاد البخاري عن سليمان بن حرب عن شعبة عن أشعث عن أبيه " ما استطاع " فنبّه على المحافظة على ذلك ما لَم يمنع مانع. قوله: (في تنعّله) أي: لبس نعله. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة , أنَّ النبي ﷺ قال: إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، ليكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع. قال الْحَلِيمِي: وجه الابتداء بالشمال عند الخلع أنَّ اللبسَ كرامةٌ لأنه وقاية للبدن. فلمَّا كانت اليمنى أكرم من اليسرى بدىء بها في اللبس وأخرت في الخلع لتكون الكرامة لها أدوم وحظها منها أكثر. قال ابن عبد البر: من بدأ بالانتعال في اليسرى أساء لمخالفة السنة ,

стр. 112

ولكن لا يحرم عليه لبس نعله. وقال غيره: ينبغي له أن ينزع النعل من اليسرى ثم يبدأ باليمنى , ويمكن أن يكون مراد ابن عبد البر ما إذا لبسهما معاً فبدأ باليسرى فإنه لا يشرع له أن ينزعهما ثم يلبسهما على الترتيب المأمور به إذ قد فات محله , ونقل عياض وغيره الإجماع على أنَّ الأمر فيه للاستحباب والله أعلم قوله: (وترجّله) أي: ترجيل شعره. وهو تسريحه ودهنه. قال في المشارق: رجّل شعره إذا مشّطه بماءٍ أو دهن لِيَلِين ويرسل الثّائر ويمدّ المنقبض، زاد أبو داود عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة " وسواكه ". والتّيمّن في التّرجّل أن يبدأ بالجانب الأيمن وأن يفعله باليمنى. قال ابن بطّال: التّرجيل تسريح شعر الرّأس واللحية ودهنه، وهو من النّظافة وقد ندب الشّرع إليها، وقال الله تعالى: (خذوا زينتكم عند كلّ مسجد) , وأمّا حديث " النّهي عن التّرجّل إلاَّ غبّاً " (١) فالمراد به ترك المبالغة في التّرفّه , وقد روى أبو أمامة بن ثعلبة رفعه: البذاذة من الإيمان. انتهى

стр. 113

وهو حديث صحيح. أخرجه أبو داود. والبذاذة - بموحّدةٍ ومعجمتين - رثاثة الهيئة، والمراد بها هنا ترك التّرفّه والتّنطّع في اللباس والتّواضع فيه مع القدرة لا بسبب جحد نعمة الله تعالى. وقد أخرج النسائي بسند صحيح عن حميد بن عبد الرحمن , لقيتُ رجلاً صحبَ النبيَّ ﷺ كما صحبه أبو هريرة أربع سنين , قال: نهانا رسول الله ﷺ أن يمشط أحدنا كل يوم. ولأصحاب السنن وصحَّحه ابن حبان من حديث عبد الله بن مغفل , أنَّ النبي ﷺ كان ينهى عن الترجُّل إلاَّ غباً. وفي الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار , أنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلاً ثائر الرأس واللحية. فأشار إليه بإصلاح رأسه ولحيته. وهو مرسلٌ صحيحُ السند , وله شاهد من حديث جابر. أخرجه أبو داود والنسائي بسند حسن وأخرج النّسائيّ من طريق عبد الله بن بريدة , أنّ رجلاً من الصّحابة يقال له عبيد , قال: كان رسول الله ﷺ ينهى عن كثير من الإرفاه , قال ابن بريدة: الإرفاه التّرجّل. (١) قلت: الإرفاه - بكسر الهمزة وبفاءٍ وآخره هاء - التّنعّم والرّاحة، ومنه الرّفه بفتحتين , وقيّده في الحديث بالكثير إشارة إلى أنّ الوسط

стр. 114

المعتدل منه لا يذمّ، وبذلك يُجمع بين الأخبار. وقد أخرج أبو داود بسندٍ حسن عن أبي هريرة رفعه: من كان له شعرٌ فليكرمه. وله شاهد من حديث عائشة في " الغيلانيّات " وسنده حسن أيضاً قوله: (وفي شأنه كلّه) كذا في رواية أبي الوقت (١) بإثبات الواو. وهي التي اعتمدها صاحب العمدة، وأكثر الرّواة بغير واو. قال الشّيخ تقيّ الدّين (٢): هو عامّ مخصوص؛ لأنّ دخول الخلاء والخروج من المسجد ونحوهما يبدأ فيهما باليسار، انتهى. وتأكيد " الشّأن " بقوله " كلّه " يدلّ على التّعميم؛ لأنّ التّأكيد يرفع المجاز فيمكن أن يقال: حقيقة الشّأن ما كان فعلاً مقصوداً، وما يستحبّ فيه التّياسر ليس من الأفعال المقصودة بل هي إمّا تروك وإمّا غير مقصودة، وهذا كلّه على تقدير إثبات الواو. وأمّا على إسقاطها فقوله " في شأنه كلّه " متعلق بيعجبه لا بالتّيمّن. أي: يعجبه في شأنه كلّه التّيمّن في تنعّله إلخ، أي: لا يترك ذلك سفراً

стр. 115

ولا حضراً ولا في فراغه ولا شغله ونحو ذلك. وقال الطّيبيّ قوله " في شأنه " بدل من قوله " في تنعّله " بإعادة العامل. قال: وكأنّه ذكر التّنعّل لتعلّقه بالرّجل، والتّرجّل لتعلّقه بالرّأس، والطّهور لكونه مفتاح أبواب العبادة، فكأنّه نبّه على جميع الأعضاء فيكون كبدل الكلّ من الكلّ. قلت: ووقع في رواية مسلم بتقديم قوله " في شأنه كلّه " على قوله " في تنعّله إلخ " وعليها شرح الطّيبيّ. وجميع ما قدّمناه مبنيّ على ظاهر السّياق الوارد هنا، لكن بيّن البخاري من طريق عبد الله بن المبارك عن شعبة , أنّ أشعث شيخه كان يحدّث به تارة مقتصراً على قوله " في شأنه كلّه " وتارة على قوله " في تنعّله إلخ ". وزاد الإسماعيليّ من طريق غندر عن شعبة , أنّ عائشة أيضاً كانت تجمله تارة وتبيّنه أخرى، فعلى هذا يكون أصل الحديث ما ذكر من التّنعّل وغيره، ويؤيّده رواية مسلم من طريق أبي الأحوص وابن ماجه من طريق عمرو بن عبيد كلاهما عن أشعث بدون قوله " في شأنه كلّه "، وكأنّ الرّواية المقتصرة على " في شأنه كلّه " من الرّواية بالمعنى. ووقع في رواية لمسلمٍ " في طهوره ونعله " بفتح النّون وإسكان العين أي: هيئة تنعّله، وفي رواية ابن ماهان في مسلم " ونعله " بفتح العين.

стр. 116

وفي الحديث استحباب البداءة بشقّ الرّأس الأيمن في التّرجّل والغسل والحلق، ولا يقال: هو من باب الإزالة فيبدأ فيه بالأيسر، بل هو من باب العبادة والتّزيين، وقد ثبت الابتداء بالشّقّ الأيمن في الحلق. (١) وفيه البداءة بالرّجل اليمنى في التّنعّل وفي إزالتها باليسرى , وفيه البداءة باليد اليمنى في الوضوء وكذا الرّجل، وبالشّقّ الأيمن في الغسل. واستدل به. على استحباب الصّلاة عن يمين الإمام. وفي ميمنة المسجد. وفي الأكل والشّرب باليمين، وقد أورده البخاري في هذه المواضع كلّها. قال النّوويّ: قاعدة الشّرع المستمرّة استحباب البداءة باليمين في كلّ ما كان من باب التّكريم والتّزيين، وما كان بضدّهما استحبّ فيه التّياسر. قال: وأجمع العلماء على أنّ تقديم اليمين في الوضوء سنّة من خالفها فاته الفضل وتمّ وضوءه. انتهى.

стр. 117

ومراده بالعلماء أهل السّنّة، وإلاَّ فمذهب الشّيعة الوجوب، وغلط المرتضى منهم فنسبه للشّافعيّ، وكأنّه ظنّ أنّ ذلك لازم من قوله بوجوب التّرتيب؛ لكنّه لَم يقل بذلك في اليدين ولا في الرّجلين لأنّهما بمنزلة العضو الواحد؛ ولأنّهما جمعا في لفظ القرآن. لكن يُشكل على أصحابه حكمهم على الماء بالاستعمال إذا انتقل من يد إلى يد أخرى، مع قولهم بأنّ الماء ما دام متردّداً على العضو لا يسمّى مستعملاً، وفي استدلالهم على وجوب التّرتيب بأنّه لَم ينقل أحدٌ في صفة وضوء النّبيّ ﷺ أنّه توضّأ مُنكّساً، وكذلك لَم يَنقُل أحدٌ أنّه قدّم اليسرى على اليمنى. ووقع في البيان للعمرانيّ والتّجريد للبندنيجيّ نسبة القول بالوجوب إلى الفقهاء السّبعة، وهو تصحيف من الشّيعة. وفي كلام الرّافعيّ ما يُوهم أنّ أحمد قال بوجوبه، ولا يُعرف ذلك عنه، بل قال الشّيخ الموفّق في المغني: لا نعلم في عدم الوجوب خلافاً. (١)

стр. 118

تكميل: قال البخاري: باب التيمن في دخول المسجد وغيره. وكان ابن عمر: يبدأ برجله اليمنى فإذا خرج بدأ برجله اليسرى. ثم أورد حديث الباب. قوله: (باب التيمن) أي: البداءة باليمين. (في دخول المسجد وغيره) بالخفض عطفاً على الدخول. ويجوز أن يُعطف على المسجد. لكن الأول أفيد. وقوله (وكان ابن عمر) أي: في دخول المسجد. ولَم أره موصولاً عنه. لكن في " المستدرك " للحاكم من طريق معاوية بن قرة عن أنس , أنه كان يقول: من السنة إذا دخلتَ المسجد أنْ تبدأ برجلك اليمنى , وإذا خرجتَ أنْ تبدأ برجلك اليسرى. والصحيح أنَّ قول الصحابي: من السنة كذا. محمولٌ على الرفع , لكن لَمَّا لَم يكن حديث أنس على شرط البخاري أشار إليه بأثر ابن عمر. وعموم حديث عائشة يدلُّ على البداءة باليمين في الخروج من المسجد أيضاً. ويحتمل: أن يقال في قولها " ما استطاع " احترازٌ عما لا يستطاع فيه التيمن شرعاً كدخول الخلاء والخروج من المسجد , وكذا تعاطي الأشياء المستقذرة باليمين كالاستنجاء والتمخط. وعلِمَتْ عائشة ﵂ حبَّه ﷺ لِمَا ذكرتْ. إما بإخباره لَها بذلك. وإما بالقرائن.

стр. 119

الحديث الحادي عشر ١١ - عن نعيمٍ الْمُجمِر عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ , أنّه قال: إنّ أمّتي يُدعون يوم القيامة غُرّاً مُحجّلين من آثارِ الوضوء , فمن استطاع منكم أن يُطيل غُرّته فليفعل. (١) وفي لفظٍ لمسلمٍ: رأيت أبا هريرة يتوضّأ , فغسل وجهه ويديه حتّى كاد يبلغ المنكبين , ثمّ غسل رجليه حتّى رفع إلى السّاقين , ثمّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنّ أمّتي يدعون يوم القيامة غُرّاً مُحجّلين من آثار الوضوء , فمن استطاع منكم أن يطيل غُرّته وتَحجيله فليفعل. الحديث الثاني عشر ١٢ - وفي لفظٍ لمسلمٍ: سمعت خليلي ﷺ يقول: تبلغ الحليةُ من المؤمن حيث يبلغ الوضوء. (٢) قوله: (عن نعيمٍ المجمر) بضمّ الميم وإسكان الجيم هو ابن عبد الله المدنيّ، وُصف هو وأبوه بذلك لكونهما كانا يبخِّران مسجد النّبيّ

стр. 120

- ﷺ , وزعم بعض العلماء أنّ وصف عبد الله بذلك حقيقة , ووصفَ ابنِه نعيم بذلك مجاز. وفيه نظر. فقد جزم إبراهيم الحربيّ , بأنّ نعيماً كان يباشر ذلك. قوله: (أمّتي) أي: أمّة الإجابة وهم المسلمون، وقد تطلق أمّة محمّد ويراد بها أمّة الدّعوة , وليست مرادة هنا قوله: (يُدعون) بضمّ أوّله. أي: ينادون أو يسمّون. قوله: (غرّاً) بضمّ المعجمة وتشديد الرّاء. جمع أغرّ. أي: ذو غرّة، وأصل الغرّة لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثمّ استعملت في الجمال والشّهرة وطيب الذّكر، والمراد بها هنا النّور الكائن في وجوه أمّة محمّد ﷺ . وغرّاً منصوب على المفعوليّة ليُدعون أو على الحال، أي: أنّهم إذا دعوا على رءوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف , وكانوا على هذه الصّفة. قوله: (مُحجّلين) بالمهملة والجيم من التّحجيل. وهو بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس، وأصله من الْحِجل - بكسر المهملة - وهو الخلخال، والمراد به هنا أيضاً النّور. واستدل الْحَلِيمِيُّ بهذا الحديث على أنّ الوضوء من خصائص هذه الأمّة. وفيه نظرٌ. لأنّه ثبت عند البخاري في قصّة سارة ﵂ مع الملك الذي أعطاها هاجر , أنّ سارة لَمّا همّ الملك بالدّنوّ منها قامت

стр. 121

تتوضّأ وتصلي، وفي قصّة جريجٍ الرّاهب أيضاً , أنّه قام فتوضّأ وصلَّى , ثمّ كلَّم الغلام. فالظّاهر أنّ الذي اختصّت به هذه الأمّة هو الغرّة والتّحجيل لا أصل الوضوء، وقد صرّح بذلك في رواية لمسلمٍ عن أبي هريرة أيضاً مرفوعاً قال: سِيما ليست لأحدٍ غيركم. وله من حديث حذيفة نحوه. و" سيما " بكسر المهملة وإسكان الياء الأخيرة. أي: علامة. وقد اعترض بعضهم على الحليميّ بحديث " هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي " (١). وهو حديث ضعيف لا يصحّ الاحتجاج به لضعفه؛ ولاحتمال أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلاَّ هذه الأمّة. قوله: (من آثار الوضوء) بضمّ الواو، ويجوز فتحها على أنّه الماء , قاله ابن دقيق العيد. قوله: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرّته وتَحجيله فليفعل) أي: فليطل الغرّة والتّحجيل. وفي رواية لهما " غرّته فليفعل " واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى. نحو قوله تعالى (سرابيل تقيكم الحرّ).

стр. 122

واقتصر على ذكر الغرّة وهي مؤنّثة دون التّحجيل وهو مذكّر , لأنّ محلّ الغرّة أشرف أعضاء الوضوء، وأوّل ما يقع عليه النّظر من الإنسان. على أنّ في رواية مسلم من طريق عمارة بن غزيّة ذكر الأمرين، ولفظه " فليطل غرّته وتحجيله ". وقال ابن بطّال: كنّى أبو هريرة بالغرّة عن التّحجيل , لأنّ الوجه لا سبيل إلى الزّيادة في غسله. وفيما قال نظرٌ. لأنّه يستلزم قلب اللّغة، وما نفاه ممنوع لأنّ الإطالة ممكنة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلاً. ونقل الرّافعيّ عن بعضهم , أنّ الغرّة تطلق على كلّ من الغرّة والتّحجيل. ثمّ إنّ ظاهره أنّه بقيّة الحديث، لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيمٍ. وفي آخره: قال نعيم: لا أدري قوله من استطاع .. إلخ. من قول النّبيّ ﷺ , أو من قول أبي هريرة. ولَم أر هذه الجملة في رواية أحدٍ ممّن روى هذا الحديث من الصّحابة - وهم عشرة - ولا ممّن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيمٍ هذه (١). والله أعلم

стр. 123

واختلف العلماء في القدر المستحبّ من التّطويل في التّحجيل. القول الأول: إلى المنكب والرّكبة، وقد ثبت عن أبي هريرة روايةً ورأياً. وعن ابن عمر من فعله. أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد بإسنادٍ حسن. القول الثاني: المستحبّ الزّيادة إلى نصف العضد والسّاق. القول الثالث: إلى فوق ذلك. القول الرابع: قال ابن بطّال وطائفة من المالكيّة: لا تستحبّ الزّيادة على الكعب والمرفق لقوله ﷺ : من زاد على هذا , فقد أساء وظلم. وكلامهم مُعتَرض من وجوه، ورواية مسلم صريحة في الاستحباب , فلا تُعارَض بالاحتمال. وأمّا دعواهم اتّفاق العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك , فهي مردودة بما نقلناه عن ابن عمر، وقد صرّح باستحبابه جماعة من السّلف وأكثر الشّافعيّة والحنفيّة. وأمّا تأويلهم الإطالة المطلوبة بالمداومة على الوضوء , فمُعتَرض بأنّ الرّاوي أدرى بمعنى ما روى، كيف وقد صرّح برفعه إلى الشّارع

стр. 124

- ﷺ .؟! وفي الحديث معنى ما ترجم له البخاري من فضل الوضوء؛ لأنّ الفضل الحاصل بالغرّة والتّحجيل من آثار الزّيادة على الواجب، فكيف الظّنّ بالواجب؟ وقد وردت فيه أحاديث صحيحة صريحة. أخرجها مسلم وغيره. وفيه جواز الوضوء على ظهر المسجد , لكن إذا لَم يحصل منه أذىً للمسجد أو لمن فيه. والله أعلم قوله: (رأيت أبا هريرة يتوضّأ) وزاد الإسماعيليّ فيه " فغسل وجهه ويديه فرفع في عضديه، وغسل رجليه فرفع في ساقيه " , وكذا لمسلمٍ من طريق عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم نحوه. ومن طريق عمارة بن غزيّة عن نعيمٍ. وزاد في هذه: أنّ أبا هريرة قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضّأ. فأفاد رفعه، وفيه ردّ على من زعم أنّ ذلك من رأي أبي هريرة , بل من روايته ورأيه معاً. قوله: (تبلغ الحليةُ) وللبخاري عن أبي زرعة، قال: دخلتُ مع أبي هريرة داراً بالمدينة. وفيه " ثم دعا بتور من ماء، فغسل يديه حتى بلغ إبطه، فقلت: يا أبا هريرة، أشيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: منتهى الحلية. قوله (فغسل يديه حتى بلغ إبطه) في هذه الرواية اختصارٌ. وبيانه في رواية جرير بلفظ " فتوضأ أبو هريرة فغسل يده حتى بلغ إبطه

стр. 125

وغسل رجليه حتى بلغ ركبتيه " أخرجها الإسماعيلي. وقوله (منتهى الحلية) في رواية جرير " إنه منتهى الحلية " كأنه يشير إلى الحديث المتقدم في فضل الغرة والتحجيل في الوضوء. ويؤيده حديثه الآخر " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء "

стр. 126

باب دخول الخلاء والاستطابة الحديث الثالث عشر ١٣ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا دخل الخلاءَ , قال: اللهمّ إنّي أعوذ بك من الْخُبث والْخَبائث. (١) قوله: (عن أنس بن مالك) أبو حمزة أخرج الشخان عن أنس " قالت أمي يا رسول الله خادمك ادع الله له، قال: اللهم أكثر ماله وولده " الحديث. وللبخاري في " الأدب المفرد " من وجه آخر عن أنس قال " قالت أم سليم - وهي أم أنس - خويدمك ألا تدعو له؟ فقال: اللهم أكثر ماله وولده وأطل حياته واغفر له ". فأما كثرة ولد أنس وماله. فوقع عند مسلم في آخر هذا الحديث. قال أنس: فوالله إنَّ مالي لكثير، وإنَّ ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم ". وأخرج البخاري عن أنس قال: أخبرتني ابنتي أمينة أنه دفن من صلبي إلى يوم مقدم الحجاج البصرة مائة وعشرون. وقال النووي في ترجمته: كان أكثر الصحابة أولاداً. وقد قال ابن قتيبة في " المعارف ": كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى

стр. 127

رأى كلُّ واحد منهم من ولده مائةَ ذكر لصلبه: أبو بكرة وأنس وخليفة بن بدر، وزاد غيره رابعاً. وهو المهلب بن أبي صفرة. وأخرج الترمذي عن أبي العالية في ذكر أنس: وكان له بستان يأتي في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحانٌ يجيء منه ريح المسك، ورجاله ثقات. وأما طول عمر أنس فقد ثبت في الصحيح , أنه كان في الهجرة ابن تسع سنين , وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل. وقيل: سنة ثلاث. وله مائة وثلاث سنين. قاله خليفة. وهو المعتمد. وأكثر ما قيل في سنِّه أنه بلغ مائة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه تسعاً وتسعين سنة. قوله: (كان إذا دخل الخلاء) أي: عند إرادة الدّخول في الخلاء إن كان معدّاً لذلك , وإلاَّ فلا تقدير. وللبخاري معلَّقاً , وقال سعيد بن زيد: حدّثنا عبد العزيز " إذا أراد أن يدخل " وروايته هذه وصلها البخاري في الأدب المفرد , قال: حدّثنا أبو النّعمان حدّثنا سعيد بن زيد حدّثنا عبد العزيز بن صهيب قال: حدّثني أنس قال: كان النّبيّ ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال .. فذكر مثل حديث الباب. وأفادت هذه الرّواية تبيين المراد من قوله: " إذا دخل الخلاء " أي: كان يقول هذا الذّكر عند إرادة الدّخول لا بعده. والله أعلم. وهذا في الأمكنة المعدّة لذلك بقرينة الدّخول، ولهذا قال ابن بطّال.

стр. 128

رواية " إذا أتى " (١) أعمّ لشمولها. انتهى. والخلاء. هو بالمد، وحقيقته المكان الخالي، واستُعمل في المكان الْمُعَدُّ لقضاء الحاجة مجازاً. والكلام هنا في مقامين: أحدهما: هل يختصّ هذا الذّكر بالأمكنة المعدّة لذلك لكونها تحضرها الشّياطين , كما ورد في حديث زيد بن أرقم في " السّنن " (٢). أو يشمل حتّى لو بال في إناء مثلاً في جانب البيت؟. الأصحّ الثّاني , ما لَم يشرع في قضاء الحاجة. الثّاني: متى يقول ذلك؟ فمن يكره ذكر الله في تلك الحالة يفصّل: أمّا في الأمكنة المعدّة لذلك فيقوله قبيل دخولها، وأمّا في غيرها فيقوله

стр. 129

في أوّل الشّروع كتشمير ثيابه مثلاً. وهذا مذهب الجمهور، وقالوا فيمن نسي: يستعيذ بقلبه لا بلسانه. ومن يجيز مطلقاً كما نقل عن مالك. لا يحتاج إلى تفصيل. تنبيه: سعيد بن زيد - أخو حماد بن زيد - الذي أتى بالرّواية المبيّنة صدوق تكلم بعضهم في حفظه، وليس له في البخاريّ غير هذا الموضع المعلق، لكن لَم ينفرد بهذا اللفظ، فقد رواه مسدّد عن عبد الوارث عن عبد العزيز مثله، وأخرجه البيهقيّ من طريقه وهو على شرط البخاريّ. قوله: (الْخُبث) بضمّ المعجمة والموحّدة كذا في الرّواية. وقال الخطّابيّ: إنّه لا يجوز غيره. وتعقّب: بأنّه يجوز إسكان الموحّدة كما في نظائره ممّا جاء على هذا الوجه ككتبٍ وكتب. قال النّوويّ: وقد صرّح جماعة من أهل المعرفة , بأنّ الباء هنا ساكنة منهم أبو عبيدة، إلاَّ أن يقال: إنّ ترك التّخفيف أولى لئلا يشتبه بالمصدر، والخبث جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة، يريد ذكران الشّياطين وإناثهم , قاله الخطّابيّ وابن حبّان وغيرهما. ووقع في نسخة ابن عساكر: قال أبو عبد الله - يعني البخاريّ -: ويقال الخبث. أي: بإسكان الموحّدة، فإن كانت مخفّفة عن الحركة فقد تقدّم توجيهه، وإن كان بمعنى المفرد فمعناه كما قال ابن الأعرابيّ: المكروه، قال: فإن كان من الكلام فهو الشّتم، وإن كان من الملل

стр. 130

فهو الكفر، وإن كان من الطّعام فهو الحرام، وإن كان من الشّراب فهو الضّارّ. وعلى هذا فالمراد بالخبائث المعاصي أو مطلق الأفعال المذمومة ليحصل التّناسب؛ ولهذا وقع في رواية التّرمذيّ وغيره " أعوذ بالله من الخبث والخبيث , أو الخبث والخبائث " هكذا على الشّكّ، الأوّل بالإسكان مع الإفراد، والثّاني بالتّحريك مع الجمع، أي: من الشّيء المكروه ومن الشّيء المذموم، أو من ذكران الشّياطين وإناثهم. وكان ﷺ يستعيذ إظهاراً للعبوديّة، ويجهر بها للتّعليم. وقد روى العمريّ هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر قال: إذا دخلتم الخلاء. فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث. وإسناده على شرط مسلم. وفيه زيادة التّسمية , ولَم أرها في غير هذه الرّواية.

стр. 131

الحديث الرابع عشر ١٤ - عن أبي أيّوب الأنصاريّ ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أتيتم الغائط , فلا تستقبلوا القبلةَ بغائطٍ ولا بولٍ , ولا تستدْبِروها , ولكن شرّقوا أو غرّبوا. قال أبو أيّوب: فقدمنا الشّام , فوجدنا مراحيض قد بُنِيتْ نحو الكعبة , فننحرف عنها , ونستغفر الله . (١) الحديث الخامس عشر ١٥ - عن عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵁ , قال: رَقِيتُ يوماً على بيت حفصة , فرأيتُ النّبيّ ﷺ يقضي حاجته مستقبلَ الشّام , مستدبرَ الكعبة. وفي روايةٍ: مستقبلاً بيت المقدس. (٢) قوله: (عن أبي أيوب) (٣) هو خالد بن زيد بن كليب من بني النجار. وبنو النجار من الخزرج بن حارثة.

стр. 132

ويقال: إنَّ تُبَّعاً لَمَّا غزا الحجاز واجتاز يثرب خرج إليه أربعمائة حبرٍ فأخبروه بما يجب من تعظيم البيت , وأن نبياً سيبعث يكون مسكنه يثرب فأكرمهم وعظَّم البيت بأن كساه. وهو أول من كساه , وكتب كتاباً وسلَّمه لرجل من أولئك الأحبار , وأوصاه أن يسلمه للنبي ﷺ إن أدركه. فيقال: إنَّ أبا أيوب من ذرية ذلك الرجل. حكاه ابن هشام في التيجان , وأورده ابن عساكر في ترجمة تُبَّع. قوله: (إذا أتيتم الغائط) هُو المكان المطمئنُّ من الأرض الذي كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة. قوله: (فلا تستقبلوا القبلة بغائطٍ ولا بولٍ) بوّب عليه البخاري " باب لا تستقبل القبلة بغائط ولا بول إلاَّ عند البناء جدار أو نحوه " أي: كالأحجار الكبار والسّواري والخشب وغيرها من السّواتر. قال الإسماعيليّ: ليس في حديث الباب دلالة على الاستثناء المذكور. وأجيب بثلاثة أجوبة: أحدها: أنّه تمسّك بحقيقة الغائط لأنّه المكان المطمئن من الأرض في الفضاء، وهذه حقيقته اللّغويّة، وإن كان قد صار يطلق على كلّ مكان أعدّ لذلك مجازاً فيختصّ النّهي به، إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة، وهذا الجواب للإسماعيليّ. وهو أقواها. ثانيها: أنّ استقبال القبلة إنّما يتحقّق في الفضاء، وأمّا الجدار

стр. 133

والأبنية فإنّها إذا استقبلت أضيف إليها الاستقبال عرفاً. قاله ابن المنير. ويتقوّى. بأنّ الأمكنة المعدّة ليست صالحة لأنْ يُصلَّى فيها , فلا يكون فيها قبلة بحالٍ. وتعقّب: بأنّه يلزم منه أن لا تصحّ صلاة من بينه وبين الكعبة مكان لا يصلح للصّلاة، وهو باطل. ثالثها: الاستثناء مستفاد من حديث ابن عمر الذي بعده؛ لأنّ حديث النّبيّ ﷺ كلّه كأنّه شيء واحد. قاله ابن بطّال. وارتضاه ابن التّين (١) وغيره، لكنّ مقتضاه أن لا يبقى لتفصيل التّراجم معنىً. فإن قيل , لِمَ حملتم الغائط على حقيقته , ولَم تحملوه على ما هو أعمّ من ذلك ليتناول الفضاء والبنيان , لا سيّما والصّحابيّ راوي الحديث قد حمله على العموم فيهما , لأنّه قال: فقدمنا الشّام فوجدنا مراحيض بنيت قبل القبلة فننحرف ونستغفر؟. فالجواب: أنّ أبا أيّوب أعمل لفظ الغائط في حقيقته ومجازه وهو المعتمد، وكأنّه لَم يبلغه حديث التّخصيص، ولولا أنّ حديث ابن

стр. 134

عمر دلَّ على تخصيص ذلك بالأبنية لقلنا بالتّعميم؛ لكنّ العمل بالدّليلين أولى من إلغاء أحدهما. وقد جاء عن جابر فيما رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وغيرهم تأييد ذلك، ولفظه عند أحمد: كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا هرقنا الماء. قال: ثمّ رأيته قبل موته بعامٍ يبول مستقبل القبلة. والحقّ أنّه ليس بناسخٍ لحديث النّهي. خلافاً لمن زعمه، بل هو محمول على أنّه رآه في بناء أو نحوه؛ لأنّ ذلك هو المعهود من حاله ﷺ لمبالغته في التّستّر. ورؤية ابن عمر له. كانت عن غير قصد كما سيأتي , فكذا رواية جابر. ودعوى خصوصيّة ذلك بالنّبيّ ﷺ لا دليل عليها. إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال. ودلَّ حديث ابن عمر الآتي على جواز استدبار القبلة في الأبنية، وحديث جابر على جواز استقبالها، ولولا ذلك لكان حديث أبي أيّوب لا يُخصّ من عمومه بحديث ابن عمر إلاَّ جواز الاستدبار فقط، ولا يقال: يلحق به الاستقبال قياساً؛ لأنّه لا يصحّ إلحاقه به لكونه فوقه. وقد تمسّك به قومٌ , فقالوا: بجواز الاستدبار دون الاستقبال , حكي عن أبي حنيفة وأحمد.

стр. 135

القول الثاني: التّفريق بين البنيان والصّحراء مطلقاً. قاله الجمهور: وهو مذهب مالك والشّافعيّ وإسحاق. وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة. ويؤيّده من جهة النّظر ما تقدّم عن ابن المنير أنّ الاستقبال في البنيان مضاف إلى الجدار عرفاً، وبأنّ الأمكنة المعدّة لذلك مأوى الشّياطين فليست صالحة لكونها قبلة، بخلاف الصّحراء فيهما. القول الثالث: قال قوم بالتّحريم مطلقاً: وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد، وقال به أبو ثور صاحب الشّافعيّ، ورجّحه من المالكيّة ابن العربيّ، ومن الظّاهريّة ابن حزم. وحجّتهم: أنّ النّهي مقدّم على الإباحة، ولَم يصحّح حديث جابر الذي أشرنا إليه. القول الرابع: قال قوم بالجواز مطلقاً: وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود. واعتلّوا بأنّ الأحاديث تعارضت فليرجع إلى أصل الإباحة. فهذه المذاهب الأربعة مشهورة عن العلماء، ولَم يحك النّوويّ في " شرح المهذّب " غيرها. وفي المسألة ثلاثة مذاهب أخرى: منها: جواز الاستدبار في البنيّان فقط تمسّكاً بظاهر حديث ابن عمر، وهو قول أبي يوسف. ومنها: التّحريم مطلقاً حتّى في القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس

стр. 136

، وهو محكيّ عن إبراهيم وابن سيرين عملاً بحديث معقل الأسديّ: نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببولٍ أو بغائطٍ. رواه أبو داود وغيره، وهو حديث ضعيف , لأنّ فيه راوياً مجهول الحال. وعلى تقدير صحّته فالمراد بذلك أهل المدينة ومَن على سمتها؛ لأنّ استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة , فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس. وقد ادّعى الخطّابيّ الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة. وفيه نظرٌ. لِمَا ذكرناه عن إبراهيم وابن سيرين، وقد قال به بعض الشّافعيّة أيضاً. حكاه ابن أبي الدّم. ومنها: أنّ التّحريم مختصّ بأهل المدينة ومن كان على سمتها، فأمّا من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقاً. لعموم قوله " شرّقوا أو غرّبوا ". قاله أبو عوانة صاحب المزنيّ. وعكَسَه البخاريّ فاستدل به على أنّه ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة. كما في كتاب الصلاة (باب قبلة أهل المدينة وأهل الشّام والمشرق (١) ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة).

стр. 137

وقول البخاري " ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة " هذه جملة مستأنفة من تفقّه البخاري، وقد نوزع في ذلك؛ لأنّه يحمل الأمر في قوله " شرّقوا أو غرّبوا " على عمومه، وإنّما هو مخصوص بالمخاطبين وهم أهل المدينة، ويلحق بهم من كان على مثل سمتهم ممّن إذا استقبل المشرق أو المغرب لَم يستقبل القبلة ولَم يستدبرها، أمّا من كان في المشرق فقبلته في جهة المغرب وكذلك عكسه. وهذا معقول لا يخفى مثله على البخاريّ. فيتعيّن تأويل كلامه بأن يكون مراده: ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة، أي: لأهل المدينة والشّام، ولعل هذا هو السّرّ في تخصيصه المدينة والشّام بالذّكر. وقال ابن بطّالٍ: لَم يذكر البخاريّ مغرب الأرض اكتفاء بذكر المشرق، إذ العلة مشتركة، ولأنّ المشرق أكثر الأرض المعمورة، ولأنّ بلاد الإسلام في جهة مغرب الشّمس قليلة. قوله: (ولا تستدبروها) وللبخاري " ولا يولها ظهره " ولمسلمٍ " ببولٍ أو بغائطٍ " والغائط الثّاني غير الأوّل، أطلق على الخارج من الدّبر مجازاً من إطلاق اسم المحلّ على الحالّ كراهية لذكره بصريح اسمه، وحصل من ذلك جناس تامّ.

стр. 138

والظّاهر من قوله " ببولٍ " اختصاص النّهي بخروج الخارج من العورة , ويكون مثاره إكرام القبلة عن المواجهة بالنّجاسة. ويؤيّده قوله في حديث جابر " إذا هرقنا الماء ". وقيل: مثار النّهي كشف العورة، وعلى هذا فيطّرد في كلّ حالة تكشف فيها العورة كالوطء مثلاً، وقد نقله ابن شاسٍ المالكيّ قولاً في مذهبهم. وكأنّ قائله تمسّك بروايةٍ في الموطّأ " لا تستقبلوا القبلة بفروجكم " ولكنّها محمولة على المعنى الأوّل. أي: حال قضاء الحاجة جمعاً بين الرّوايتين. والله أعلم. قوله: (عن عبد الله بن عمر) وهو أحد العبادلة وفقهاء الصحابة والمكثرين منهم , وأمه زينب , ويقال: رائطة بنت مظعون أخت عثمان وقدامة ابني مظعون للجميع صحبة. وكان مولده في السنة الثانية أو الثالثة من المبعث لأنه ثبت أنه كان يوم بدر بن ثلاث عشرة سنة. وكانت بدر بعد البعثة بخمس عشرة سنة. وقد روى البخاري وفاته. وأنها كانت بسبب مَنْ دسَّه عليه الحجاج فمسَّ رجله بحربة مسمومة فمرض بها إلى أن مات أوائل سنة أربع وسبعين. قوله: (رقيت) بفتح الرّاء وكسر القاف. أي: صعدت قوله: (على بيت حفصة) أي: أخته كما صرّح به في رواية مسلم،

стр. 139

ولابن خزيمة " دخلت على حفصة بنت عمر فصعدت ظهر البيت " وللبخاري " على ظهرِ بيتٍ لنا " وله أيضاً " على ظهر بيتنا ". وطريق الجمع أن يقال: إضافته البيت إليه على سبيل المجاز لكونها أخته فله منه سبب، وحيث أضافه إلى حفصة كان باعتبار أنّه البيت الذي أسكنها النّبيّ ﷺ فيه , واستمرّ في يدها إلى أن ماتت فورث عنها. وحيث أضافه إلى نفسه كان باعتبار ما آل إليه الحال , لأنّه ورث حفصة دون إخوته , لكونها كانت شقيقته ولَم تترك من يحجبه عن الاستيعاب. قوله: (فرأيت النّبيّ ﷺ يقضي حاجته) وفي رواية للبخاري ومسلم " على لَبِنَتَيْن " - بفتح اللام وكسر الموحّدة وفتح النّون - تثنية لبنة , وهي ما يصنع من الطّين أو غيره للبناء قبل أن يحرق , ولابن خزيمة " فأشرفت على رسول الله ﷺ وهو على خلائه " وفي رواية له: فرأيته يقضي حاجته محجوباً عليه بلبنٍ. وللحكيم التّرمذيّ بسندٍ صحيح " فرأيته في كنيف " وهو بفتح الكاف وكسر النون بعدها ياء تحتانيّة ثمّ فاء. وانتفى بهذا إيراد مَن قال ممّن يرى الجواز مطلقاً: يحتمل أن يكون رآه في الفضاء وكونه رآه على لبنتين لا يدلّ على البناء لاحتمال أن يكون جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض. ويردّ هذا الاحتمال أيضاً , أنّ ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال

стр. 140

في الفضاء إلاَّ بساترٍ. كما رواه أبو داود والحاكم بسندٍ لا بأس به (١). ولَم يقصد ابن عمر الإشراف على النّبيّ ﷺ في تلك الحالة , وإنّما صعد السّطح لضرورةٍ له كما في رواية البخاري " ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة لبعض حاجتي ". فحانت منه التفاتة. كما في رواية للبيهقيّ من طريق نافع عن ابن عمر. نعم. لَمّا اتّفقت له رؤيته في تلك الحالة عن غير قصد , أحبّ أن لا يخلي ذلك من فائدة فحفظ هذا الحكم الشّرعيّ، وكأنّه إنّما رآه من جهة ظهره حتّى ساغ له تأمّل الكيفيّة المذكورة من غير محذور، ودلّ ذلك على شدّة حرص الصّحابيّ على تتبّع أحوال النّبيّ ﷺ ليتّبعها، وكذا كان ﵁.

стр. 141

الحديث السادس عشر ١٦ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , أنّه قال: كان رسولُ الله ﷺ يدخل الخلاءَ , فأحمل أنا وغلامٌ نحوي إداوةً من ماءٍ وعنزةً , فيستنجي بالماء. (١) قال المصنف: العنزة: الحربة الصغيرة. والأداوة: إناء صغير من الجلد. قوله: (يدخل الخلاء) المراد به هنا الفضاء. لقوله في الرّواية الأخرى " كان إذا خرج لحاجته " ولقرينة حمل العنزة مع الماء , فإنّ الصّلاة إليها إنّما تكون حيث لا سترة غيرها. وأيضاً فإنّ الأخلية التي في البيوت كان خدمته فيها متعلقة بأهله. وفهم بعضهم من تبويب (٢) البخاريّ , أنّها كانت تحمل ليستتر بها عند قضاء الحاجة. وفيه نظرٌ , لأنّ ضابط السّترة في هذا ما يستر الأسافل , والعنزة ليست كذلك. نعم يحتمل: أن يركزها أمامه ويضع عليها الثّوب السّاتر. أو يركزها بجنبه لتكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه.

стр. 142

أو تُحمل لنبش الأرض الصّلبة. أو لمنع ما يعرض من هوامّ الأرض، لكونه ﷺ كان يبعد عند قضاء الحاجة. أو تُحمل لأنّه كان إذا استنجى توضّأ، وإذا توضّأ صلَّى. وهذا أظهر الأوجه، وقد بوّب عليه البخاري (باب الصلاة إلى العنزة). وفيه جواز استخدام الأحرار خصوصاً إذا أرصدوا لذلك ليحصل لهم التّمرّن على التّواضع. وفيه أنّ في خدمة العالم شرفاً للمتعلم. وفيه حجّة على ابن حبيب حيث منع الاستنجاء بالماء لأنّه مطعوم , لأنّ ماء المدينة كان عذْبا. واستدل به بعضهم على استحباب التّوضّؤ من الأواني دون الأنهار والبرك، ولا يستقيم. إلاَّ لو كان النّبيّ ﷺ وجد الأنهار والبرك فعدل عنها إلى الأواني. قوله: (أنا وغلام) زاد البخاري عقبها " منّا " أي: من الأنصار، وصرّح به الإسماعيليّ في روايته، ولمسلمٍ " نحوي " أي: مقارب لي في السّنّ. والغلام هو المترعرع , قاله أبو عبيد، وقال في المحكم: من لدن الفطام إلى سبع سنين. وحكى الزّمخشريّ في أساس البلاغة: أنّ الغلام هو الصّغير إلى حدّ الالتحاء، فإن قيل له بعد الالتحاء غلام , فهو مجاز.

стр. 143

وإيراد البخاري لحديث أنس مع قول أبي الدّرداء معلَّقاً: أليس فيكم صاحب النّعلين والطّهور والوساد (١) يعني ابن مسعود , يشعر إشعاراً قويّاً بأنّ الغلام المذكور من حديث أنس هو ابن مسعود. وقد قدّمنا أنّ لفظ الغلام يطلق على غير الصّغير مجازاً، وقد قال النّبيّ ﷺ لابن مسعود بمكّة وهو يرعى الغنم: إنّك لغلام معلّم. وعلى هذا فقول أنس " وغلام منّا " أي: من الصّحابة , أو من خدم النّبيّ ﷺ . وأمّا رواية الإسماعيليّ التي فيها " من الأنصار " فلعلَّها من تصرّف الرّاوي حيث رأى في الرّواية " منّا " فحملها على القبليّة فرواها بالمعنى , فقال من الأنصار، أو إطلاق الأنصار على جميع الصّحابة سائغ , وإن كان العرف خصّه بالأوس والخزرج. وروى أبو داود من حديث أبي هريرة قال: كان النّبيّ ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماءٍ في ركوة فاستنجى. فيحتمل أن يفسّر به الغلام المذكور في حديث أنس. ويؤيّده ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة , أنّه كان يحمل مع النّبيّ ﷺ الإداوة لوضوئه وحاجته. وأيضاً فإنّ في رواية أخرى لمسلمٍ , أنّ أنساً وصفه بالصّغر في ذلك

стр. 144

الحديث، فيبعد لذلك أن يكون هو ابن مسعود. والله أعلم. ويكون المراد بقوله أصغرنا. أي: في الحال لقرب عهده بالإسلام. وعند مسلم في حديث جابر الطّويل الذي في آخر الكتاب " أنّ النّبيّ ﷺ انطلق لحاجته فاتّبعه جابر بإداوةٍ " فيحتمل أن يفسّر به المبهم، لا سيّما وهو أنصاريّ. ووقع في رواية الإسماعيليّ من طريق عاصم بن عليّ عن شعبة " فأتبعه وأنا غلام " بتقديم الواو فتكون حاليّة. لكن تعقّبه الإسماعيليّ , بأنّ الصّحيح " أنا وغلام " أي: بواو العطف. قوله: (إداوة) بكسر الهمزة إناء صغير من جلد. قوله: (من ماء) أي: مملوءة من ماء. قوله: (وعنزة) العنزة بفتح النّون عصاً أقصر من الرّمح لها سنان، وقيل: هي الحربة القصيرة. ووقع في رواية كريمة في آخر الحديث في " باب الصلاة إلى العنزة " العنزة. عصاً عليها زجّ بزايٍ مضمومة ثمّ جيم مشدّدة. أي: سنان. وفي " الطّبقات " لابن سعد: أنّ النّجاشيّ كان أهداها للنّبيّ ﷺ . وهذا يؤيّد كونها كانت على صفة الحربة , لأنّها من آلات الحبشة. وعند البخاري في الصّلاة ولفظه " ومعنا عكّازة أو عصاً أو عنزة " والظّاهر أنّ " أو " شكّ من الرّاوي لتوافق الرّوايات على ذكر العنزة. والله أعلم

стр. 145

قوله: (فيستنجي بالماء) وللبخاري عن هشام بن عبد الملك عن شعبة " يعني يستنجي بالماء " وقائل يعني. هو هشام. وقد رواه البخاري عن سليمان بن حرب فلم يذكرها، لكنّه رواه عقِبَه من طريق محمّد بن جعفر عن شعبة فقال: يستنجي بالماء. والإسماعيليّ من طريق ابن مرزوق عن شعبة " فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء يستنجي منها النّبيّ ﷺ ". وللبخاري من طريق روح بن القاسم عن عطاء بن أبي ميمونة " إذا تبرّز (١) لحاجته أتيته بماءٍ فيغسل به "، ولمسلمٍ من طريق خالد الحذّاء عن عطاء عن أنس " فخرج علينا وقد استنجى بالماء ". وقد بان بهذه الرّوايات أنّ حكاية الاستنجاء من قول أنس راوي الحديث، ففيه الرّدّ على الأصيليّ حيث تعقّب على البخاريّ استدلاله بهذا الحديث على الاستنجاء بالماء. قال: لأنّ قوله " يستنجي به " ليس هو من قول أنس , إنّما هو من قول أبي الوليد أي: أحد الرّواة عن شعبة، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة فلم يذكرها، قال: فيحتمل أن يكون الماء لوضوئه. انتهى. وقد انتفى هذا الاحتمال بالرّوايات التي ذكرناها.
следующие страницы →