← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الحديث السادس عشر ١٦ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , أنّه قال: كان رسولُ الله ﷺ يدخل الخلاءَ , فأحمل أنا وغلامٌ نحوي إداوةً من ماءٍ وعنزةً , فيستنجي بالماء. (١) قال المصنف: العنزة: الحربة الصغيرة. والأداوة: إناء صغير من الجلد. قوله: (يدخل الخلاء) المراد به هنا الفضاء. لقوله في الرّواية الأخرى " كان إذا خرج لحاجته " ولقرينة حمل العنزة مع الماء , فإنّ الصّلاة إليها إنّما تكون حيث لا سترة غيرها. وأيضاً فإنّ الأخلية التي في البيوت كان خدمته فيها متعلقة بأهله. وفهم بعضهم من تبويب (٢) البخاريّ , أنّها كانت تحمل ليستتر بها عند قضاء الحاجة. وفيه نظرٌ , لأنّ ضابط السّترة في هذا ما يستر الأسافل , والعنزة ليست كذلك. نعم يحتمل: أن يركزها أمامه ويضع عليها الثّوب السّاتر. أو يركزها بجنبه لتكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه.

стр. 142

أو تُحمل لنبش الأرض الصّلبة. أو لمنع ما يعرض من هوامّ الأرض، لكونه ﷺ كان يبعد عند قضاء الحاجة. أو تُحمل لأنّه كان إذا استنجى توضّأ، وإذا توضّأ صلَّى. وهذا أظهر الأوجه، وقد بوّب عليه البخاري (باب الصلاة إلى العنزة). وفيه جواز استخدام الأحرار خصوصاً إذا أرصدوا لذلك ليحصل لهم التّمرّن على التّواضع. وفيه أنّ في خدمة العالم شرفاً للمتعلم. وفيه حجّة على ابن حبيب حيث منع الاستنجاء بالماء لأنّه مطعوم , لأنّ ماء المدينة كان عذْبا. واستدل به بعضهم على استحباب التّوضّؤ من الأواني دون الأنهار والبرك، ولا يستقيم. إلاَّ لو كان النّبيّ ﷺ وجد الأنهار والبرك فعدل عنها إلى الأواني. قوله: (أنا وغلام) زاد البخاري عقبها " منّا " أي: من الأنصار، وصرّح به الإسماعيليّ في روايته، ولمسلمٍ " نحوي " أي: مقارب لي في السّنّ. والغلام هو المترعرع , قاله أبو عبيد، وقال في المحكم: من لدن الفطام إلى سبع سنين. وحكى الزّمخشريّ في أساس البلاغة: أنّ الغلام هو الصّغير إلى حدّ الالتحاء، فإن قيل له بعد الالتحاء غلام , فهو مجاز.

стр. 143

وإيراد البخاري لحديث أنس مع قول أبي الدّرداء معلَّقاً: أليس فيكم صاحب النّعلين والطّهور والوساد (١) يعني ابن مسعود , يشعر إشعاراً قويّاً بأنّ الغلام المذكور من حديث أنس هو ابن مسعود. وقد قدّمنا أنّ لفظ الغلام يطلق على غير الصّغير مجازاً، وقد قال النّبيّ ﷺ لابن مسعود بمكّة وهو يرعى الغنم: إنّك لغلام معلّم. وعلى هذا فقول أنس " وغلام منّا " أي: من الصّحابة , أو من خدم النّبيّ ﷺ . وأمّا رواية الإسماعيليّ التي فيها " من الأنصار " فلعلَّها من تصرّف الرّاوي حيث رأى في الرّواية " منّا " فحملها على القبليّة فرواها بالمعنى , فقال من الأنصار، أو إطلاق الأنصار على جميع الصّحابة سائغ , وإن كان العرف خصّه بالأوس والخزرج. وروى أبو داود من حديث أبي هريرة قال: كان النّبيّ ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماءٍ في ركوة فاستنجى. فيحتمل أن يفسّر به الغلام المذكور في حديث أنس. ويؤيّده ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة , أنّه كان يحمل مع النّبيّ ﷺ الإداوة لوضوئه وحاجته. وأيضاً فإنّ في رواية أخرى لمسلمٍ , أنّ أنساً وصفه بالصّغر في ذلك

стр. 144

الحديث، فيبعد لذلك أن يكون هو ابن مسعود. والله أعلم. ويكون المراد بقوله أصغرنا. أي: في الحال لقرب عهده بالإسلام. وعند مسلم في حديث جابر الطّويل الذي في آخر الكتاب " أنّ النّبيّ ﷺ انطلق لحاجته فاتّبعه جابر بإداوةٍ " فيحتمل أن يفسّر به المبهم، لا سيّما وهو أنصاريّ. ووقع في رواية الإسماعيليّ من طريق عاصم بن عليّ عن شعبة " فأتبعه وأنا غلام " بتقديم الواو فتكون حاليّة. لكن تعقّبه الإسماعيليّ , بأنّ الصّحيح " أنا وغلام " أي: بواو العطف. قوله: (إداوة) بكسر الهمزة إناء صغير من جلد. قوله: (من ماء) أي: مملوءة من ماء. قوله: (وعنزة) العنزة بفتح النّون عصاً أقصر من الرّمح لها سنان، وقيل: هي الحربة القصيرة. ووقع في رواية كريمة في آخر الحديث في " باب الصلاة إلى العنزة " العنزة. عصاً عليها زجّ بزايٍ مضمومة ثمّ جيم مشدّدة. أي: سنان. وفي " الطّبقات " لابن سعد: أنّ النّجاشيّ كان أهداها للنّبيّ ﷺ . وهذا يؤيّد كونها كانت على صفة الحربة , لأنّها من آلات الحبشة. وعند البخاري في الصّلاة ولفظه " ومعنا عكّازة أو عصاً أو عنزة " والظّاهر أنّ " أو " شكّ من الرّاوي لتوافق الرّوايات على ذكر العنزة. والله أعلم

стр. 145

قوله: (فيستنجي بالماء) وللبخاري عن هشام بن عبد الملك عن شعبة " يعني يستنجي بالماء " وقائل يعني. هو هشام. وقد رواه البخاري عن سليمان بن حرب فلم يذكرها، لكنّه رواه عقِبَه من طريق محمّد بن جعفر عن شعبة فقال: يستنجي بالماء. والإسماعيليّ من طريق ابن مرزوق عن شعبة " فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء يستنجي منها النّبيّ ﷺ ". وللبخاري من طريق روح بن القاسم عن عطاء بن أبي ميمونة " إذا تبرّز (١) لحاجته أتيته بماءٍ فيغسل به "، ولمسلمٍ من طريق خالد الحذّاء عن عطاء عن أنس " فخرج علينا وقد استنجى بالماء ". وقد بان بهذه الرّوايات أنّ حكاية الاستنجاء من قول أنس راوي الحديث، ففيه الرّدّ على الأصيليّ حيث تعقّب على البخاريّ استدلاله بهذا الحديث على الاستنجاء بالماء. قال: لأنّ قوله " يستنجي به " ليس هو من قول أنس , إنّما هو من قول أبي الوليد أي: أحد الرّواة عن شعبة، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة فلم يذكرها، قال: فيحتمل أن يكون الماء لوضوئه. انتهى. وقد انتفى هذا الاحتمال بالرّوايات التي ذكرناها.

стр. 146

وكذا فيه الرّدّ على من زعم أنّ قوله " يستنجي بالماء " مُدرج من قول عطاءٍ الرّاوي عن أنس فيكون مرسلاً. فلا حجّة فيه كما حكاه ابن التّين عن أبي عبد الملك البونيّ (١) فإنّ رواية خالد التي ذكرناها تدلّ على أنّه قول أنس حيث قال: فخرج علينا. وفي الحديث الرّدّ على من كره الاستنجاء بالماء، وعلى من نفى وقوعه من النّبيّ ﷺ . وقد روى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن حذيفة بن اليمان ﵁ , أنّه سئل عن الاستنجاء بالماء , فقال: إذاً لا يزال في يدي نتن. وعن نافع , أنّ ابن عمر كان لا يستنجي بالماء. وعن ابن الزّبير قال: ما كنّا نفعله. ونقل ابن التّين عن مالك , أنّه أنكر أن يكون النّبيّ ﷺ استنجى بالماء. وعن ابن حبيب من المالكيّة , أنّه منع الاستنجاء بالماء , لأنّه مطعوم.

стр. 147

الحديث السابع عشر ١٧ - عن أبي قتادة الحارث بن رِبْعيٍّ الأنصاريّ ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ قال: لا يُمسكنّ أحدُكم ذكرَه بيمينه وهو يبول , ولا يتمسَّح من الخلاء بيمينه , ولا يتنفّس في الإناء. (١) قوله: (عن أبي قتادة) الحارث , وقيل: عمرو , وقيل: النّعمان الأنصاريّ، والأول أشهر. فارس رسول الله ﷺ أوّل مشاهده أُحدٌ , ومات سنة أربع وخمسين على الصّحيح فيهما. وربعي - بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة - اسمٌ بلفظ النسب. قوله: (لا يُمسكنّ أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول) النّهي المطلق عن مسّ الذّكر باليمين كما في الرواية الأخرى " إذا أتى الخلاء فلا يمسّ ذكره بيمينه ". ولمسلم " أنّ النّبيّ ﷺ نهى أن يتنفّس في الإناء، وأن يمسّ ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه " محمولٌ على المقيّد بحالة البول , فيكون ما عداه مباحاً. وقال بعض العلماء: يكون ممنوعاً أيضاً من باب الأولى , لأنّه نهي عن ذلك مع مظنّة الحاجة في تلك الحالة.

стр. 148

وتعقّبه أبو محمّد بن أبي جمرة: بأنّ مظنّة الحاجة لا تختصّ بحالة الاستنجاء، وإنّما خصّ النّهي بحالة البول من جهة أنّ مجاور الشّيء يعطى حكمه، فلمّا منع الاستنجاء باليمين منع مسّ آلته حسماً للمادّة. ثمّ استدل على الإباحة بقوله ﷺ لطلق بن عليّ حين سأله عن مسّ ذكره: إنّما هو بضعة منك. فدلَّ على الجواز في كلّ حال، فخرجت حالة البول بهذا الحديث الصّحيح , وبقي ما عداها على الإباحة. انتهى. والحديث الذي أشار إليه صحيح أو حسن (١) , وقد يقال حمل المطلق على المقيّد غير متّفق عليه بين العلماء، ومَن قال به يشترط فيه شروطاً. لكن نبّه ابن دقيق العيد على أنّ محلّ الاختلاف إنّما هو حيث تتغاير مخارج الحديث بحيث يعدّ حديثين مختلفين، فأمّا إذا اتّحد المخرج - وكان الاختلاف فيه من بعض الرّواة - فينبغي حمل المطلق على المقيّد بلا خلاف؛ لأنّ التّقييد حينئذٍ يكون زيادة من عدل فتقبل. واستنبط منه بعضهم. منع الاستنجاء باليد التي فيها الخاتم المنقوش فيه اسم الله تعالى لكون النّهي عن ذلك لتشريف اليمين فيكون ذلك من باب الأولى.

стр. 149

وما وقع في العتبيّة عن مالك من عدم الكراهة قد أنكره حذّاق أصحابه. وقيل: الحكمة في النّهي لكون اليمين معدّة للأكل بها , فلو تعاطى ذلك بها لأمكن أن يتذكّره عند الأكل فيتأذّى بذلك. والله أعلم. قوله: (ولا يتمسّح) أي: لا يستنج قوله: (من الخلاء بيمينه) أي: باليد اليمنى. وهل النهي للتّحريم أو للتّنزيه للقرينة الصّارفة للنّهي عن التّحريم. وهي أنّ ذلك أدب من الآداب؟. القول الأول: للتّنزيه , قاله الجمهور. القول الثاني: ذهب أهل الظّاهر: إلى أنّه للتّحريم، وفي كلام جماعة من الشّافعيّة ما يشعر به، لكن قال النّوويّ: مراد مَن قال منهم لا يجوز الاستنجاء باليمين. أي: لا يكون مباحاً يستوي طرفاه، بل هو مكروه راجح التّرك. ومع القول بالتّحريم فمن فعله أساء وأجزأه. وقال أهل الظّاهر وبعض الحنابلة: لا يجزئ. ومحلّ هذا الاختلاف , حيث كانت اليد تباشر ذلك بآلةٍ غيرها كالماء وغيره، أمّا بغير آلة فحرام غير مجزئ بلا خلاف، واليسرى في ذلك كاليمنى. والله أعلم. وقد أثار الخطّابيّ هنا بحثاً , وبالغ في التّبجّح به , وحكى عن أبي عليّ بن أبي هريرة , أنّه ناظر رجلاً من الفقهاء الخراسانيّين. فسأله عن

стр. 150

هذه المسألة فأعياه جوابها. ثمّ أجاب الخطّابيّ عنه بجوابٍ فيه نظر. ومحصّل الإيراد. أنّ المستجمر متى استجمر بيساره استلزم مسّ ذكره بيمينه، ومتى أمسكه بيساره استلزم استجماره بيمينه وكلاهما قد شمله النّهي. ومحصّل الجواب: أنّه يقصد الأشياء الضّخمة التي لا تزول بالحركة كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة فيستجمر بها بيساره، فإن لَم يجد فليلصق مقعدته بالأرض ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه أو إبهامي رجليه ويستجمر بيساره , فلا يكون متصرّفاً في شيء من ذلك بيمينه. انتهى وهذه هيئة منكرة بل يتعذّر فعلها في غالب الأوقات. وقد تعقّبه الطّيبيّ: بأنّ النّهي عن الاستجمار باليمين مختصّ بالدّبر، والنّهي عن المسّ مختصّ بالذّكر فبطل الإيراد من أصله. كذا قال. وما ادّعاه من تخصيص الاستنجاء بالدّبر مردود، والمسّ وإن كان مختصّاً بالذّكر لكن يلحق به الدّبر قياساً، والتّنصيص على الذّكر لا مفهوم له بل فرج المرأة كذلك، وإنّما خصّ الذّكر بالذّكر لكون الرّجال في الغالب هم المخاطبون والنّساء شقائق الرّجال في الأحكام إلاَّ ما خصّ. والصّواب في الصّورة التي أوردها الخطّابيّ ما قاله إمام الحرمين ومن بعده كالغزاليّ في الوسيط والبغويّ في التّهذيب , أنّه يمرّ العضو

стр. 151

بيساره على شيء يمسكه بيمينه وهي قارّة غير متحرّكة فلا يعدّ مستجمراً باليمين ولا ماسّاً بها. ومن ادّعى أنّه في هذه الحالة يكون مستجمراً بيمينه فقد غلط، وإنّما هو كمن صبّ بيمينه الماء على يساره حال الاستنجاء. قوله: (ولا يتنفّس) بالجزم , و " لا " ناهية في الثّلاثة، وروي بالضّمّ فيها على أنّ " لا " نافية. قوله: (في الإناء) أي داخله، وأمّا إذا أبانه وتنفّس فهي السّنّة كما في الصحيحين عن أنس , أنّ رسول الله ﷺ كان يتنفّس في الإناء ثلاثاً. وظاهرهما التّعارض، إذ الأوّل صريح في النّهي عن التّنفّس في الإناء , والثّاني يثبت التّنفّس، فيُحمل على حالتين: الحالة الأولى: حالة النّهي على التّنفّس داخل الإناء. الحالة الثانية: حالة الفعل على من تنفّس خارجه. فالأوّل: على ظاهره من النّهي، والثّاني: تقديره كان يتنفّس في حالة الشّرب من الإناء. وهذا النّهي للتّأدّب لإرادة المبالغة في النّظافة، إذ قد يخرج مع النّفس بصاق أو مخاط أو بخار رديء فيكسبه رائحة كريهة فيتقذّر بها هو أو غيره عن شربه. وقوله " ولا يتنفّس في الإناء " جملة خبريّة مستقلة إن كانت لا نافية، وإن كانت ناهية فمعطوفة، لكن لا يلزم من كون المعطوف عليه

стр. 152

مقيّداً بقيدٍ أن يكون المعطوف مقيّداً به؛ لأنّ التّنفّس لا يتعلق بحالة البول وإنّما هو حكم مستقلّ. ويحتمل: أن تكون الحكمة في ذكرها هنا أنّ الغالب من أخلاق المؤمنين التّأسّي بأفعال النّبيّ ﷺ . وقد كان إذا بال توضّأ، وثبت أنّه شُرب فضل وضوئه، فالمؤمن بصدد أن يفعل ذلك، فعلمه أدب الشّرب مطلقاً لاستحضاره، والتّنفّس في الإناء مختصّ بحالة الشّرب كما دلَّ عليه سياق الرّواية التي قبله. وللحاكم من حديث أبي هريرة: لا يتنفّس أحدكم في الإناء إذا كان يشرب منه. والله أعلم. تكميل: زاد ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: النّهي عن النّفخ في الإناء. وله شاهد من حديث ابن عبّاس عند أبي داود والتّرمذيّ , أنّ النّبيّ ﷺ نهى أن يتنفّس في الإناء، وأن ينفخ فيه. وجاء في النّهي عن النّفخ في الإناء عدّة أحاديث، وكذا النّهي عن التّنفّس في الإناء , لأنّه ربّما حصل له تغيّر من النّفس. إمّا لكون المتنفّس كان متغيّر الفم بمأكولٍ مثلاً. أو لبعد عهده بالسّواك والمضمضة. أو لأنّ النّفس يصعد ببخار المعدة. والنّفخ في هذه الأحوال كلّها أشدّ من التّنفّس.

стр. 153

الحديث الثامن عشر ١٨ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: مرّ النّبيّ ﷺ بقبرين , فقال: إنّهما ليُعذّبان , وما يُعذّبان في كبيرٍ , أمّا أحدهما: فكان لا يستتر من البول , وأمّا الآخر: فكان يمشي بالنّميمة , فأخذ جريدةً رطبةً فشقّها نصفين , فغَرَزَ في كل قبرٍ واحدةً، فقالوا: يا رسولَ الله , لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: لعلَّه يخفّف عنهما ما لَم ييبسا. (١) قوله: (عن عبد الله بن عباس) بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم النبي ﷺ يكنى أبا العباس. ولد قبل الهجرة بثلاث سنين , ومات بالطائف سنة ثمان وستين , وكان من علماء الصحابة حتى كان عمر يقدمه مع الأشياخ وهو شابٌّ. وروى البخاري عنه قال: ضمَّني النبي ﷺ إليه , وقال: اللهم علّمه الحكمة , وفي لفظ " علّمه الكتاب ". وهو يؤيد من فسَّر

стр. 154

الحكمة هنا بالقرآن. وهذه الفظة اشتهرت على الألسنة " اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل " حتى نسبها بعضهم للصحيحين ولم يصب. والحديث عند أحمد بهذا اللفظ من طريق ابن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعند الطبراني من وجهين آخرين، وأوله في هذا الصحيح من طريق عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس دون قوله: " وعلّمه التأويل ". وأخرجها البزار من طريق شعيب بن بشر عن عكرمة بلفظ " اللهم علمه تأويل القرآن " وعند أحمد من وجه آخر عن عكرمة " اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلّمه التأويل ". واختلف في المراد بالحكمة هنا. فقيل: الإصابة في القول، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب بالصواب، وقيل غير ذلك. وكان ابن عباس من أعلم الصحابة بتفسير القرآن. وروى يعقوب بن سفيان في " تاريخه " بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجلٌ. وكان يقول: نِعم ترجمان القرآن ابن عباس. وروى هذه الزيادة ابن سعد من وجه آخر عن عبد الله بن مسعود. وروى أبو زرعة الدمشقي في " تاريخه " عن ابن عمر قال: هو أعلم

стр. 155

الناس بما أنزل الله على محمد. وأخرج ابن أبي خيثمة نحوه بإسناد حسن. وروى يعقوب أيضاً بإسناد صحيح عن أبي وائل قال: قرأ ابن عباس سورة النور ثم جعل يفسرها، فقال رجلٌ: لو سمعتْ هذا الديلم لأسلمت. ورواه أبو نعيم في " الحلية " من وجه آخر بلفظ " سورة البقرة " وزاد أنه " كان على الموسم " يعني سنة خمس وثلاثين، كان عثمان أرسله لما حُصر. قوله: (مرّ النّبيّ ﷺ ) وللبخاري في الأدب (١) " خرج النّبيّ ﷺ من بعض حيطان المدينة " أي بستان , وله أيضا " مر بحائط " فيحمل على أنّ الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مرّ به. وفي الأفراد للدّارقطنيّ من حديث جابر , أنّ الحائط كان لأمّ مبشّر الأنصاريّة، وهو يقوّي رواية الأدب لجزمها بالمدينة من غير شكّ , والشّكّ في رواية البخاري " المدينة أو مكّة " من جرير (٢). قوله: (بقبرين) زاد ابن ماجه " جديدين فقال: إنّهما ليعذّبان " فيحتمل أن يقال: أعاد الضّمير على غير مذكور , لأنّ سياق الكلام يدلّ عليه، وأن يقال أعاده على القبرين مجازاً , والمراد من فيهما. وللبخاري " فسمع صوت إنسانين يعذّبان في قبورهما ".

стр. 156

قال ابن مالك: في قوله " صوت إنسانين " شاهد على جواز إفراد المضاف المثنّى إذا كان جزء ما أضيف إليه. نحو أكلت رأس شاتين، وجمعه أجود نحو (فقد صغت قلوبكما) وقد اجتمع التّثنية والجمع في قوله: ظهرُاهما مثل ظُهور التُّرسين فإن لَم يكن المضاف جزء ما أضيف إليه، فالأكثر مجيئه بلفظ التّثنية، فإن أمن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع. وقوله " يعذّبان في قبورهما " شاهد لذلك. قوله: (يُعذّبان وما يُعذّبان في كبير) وللبخاري " ثمّ قال: بلى. " أي: إنّه لكبير. وصرّح بذلك في الأدب من طريق عبد بن حميدٍ عن منصور فقال: وما يعذّبان في كبير. وإنّه لكبير. وهذا من زيادات رواية منصور على الأعمش , ولَم يخرجها مسلم. واستدل ابن بطّال برواية الأعمش , على أنّ التّعذيب لا يختصّ بالكبائر بل قد يقع على الصّغائر، قال: لأنّ الاحتراز من البول لَم يرد فيه وعيد، يعني: قبل هذه القصّة. وتعقّب: بهذه الزّيادة، وقد ورد مثلها من حديث أبي بكرة عند أحمد والطّبرانيّ ... ولفظه " وما يعذّبان في كبير، بلى ". وقال ابن مالك: في قوله " في كبير " شاهد على ورود " في " للتّعليل، وهو مثل قوله ﷺ : عذّبت امرأة في هرّة. قال: وخفي ذلك على أكثر النّحويّين مع وروده في القرآن كقول الله تعالى (لمسّكم فيما أخذتم) وفي الحديث كما تقدّم، وفي الشّعر فذكر شواهد. انتهى. وقد اختلف في معنى قوله " وإنّه لكبير ".

стр. 157

فقال أبو عبد الملك البونيّ: يحتمل أنّه ﷺ ظنّ أنّ ذلك غير كبير، فأوحي إليه في الحال بأنّه كبير، فاستدرك. وتعقّب: بأنّه يستلزم أن يكون نسخاً , والنّسخ لا يدخل الخبر. وأجيب: بأنّ الحكم بالخبر يجوز نسخه فقوله " وما يعذّبان في كبير " إخبار بالحكم، فإذا أوحي إليه أنّه كبير فأخبر به كان نسخاً لذلك الحكم. وقيل: يحتمل أنّ الضّمير في قوله " وإنّه " يعود على العذاب، لِمَا ورد في صحيح ابن حبّان من حديث أبي هريرة " يعذّبان عذاباً شديداً في ذنب هيّن ". وقيل: الضّمير يعود على أحد الذّنبين , وهو النّميمة لأنّها من الكبائر بخلاف كشف العورة، وهذا مع ضعفه غير مستقيم , لأنّ الاستتار المنفيّ ليس المراد به كشف العورة فقط كما سيأتي. وقال الدّاوديّ وابن العربيّ: " كبير " المنفيّ بمعنى أكبر، والمثبت واحد الكبائر، أي: ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثلاً، وإن كان كبيراً في الجملة. وقيل: المعنى ليس بكبيرٍ في الصّورة , لأنّ تعاطي ذلك يدلّ على الدّناءة والحقارة، وهو كبير الذّنب. وقيل: ليس بكبيرٍ في اعتقادهما , أو في اعتقاد المخاطبين , وهو عند الله كبير كقوله تعالى (وتحسبونه هيّناً وهو عند الله عظيم). وقيل: ليس بكبيرٍ في مشقّة الاحتراز، أي: كان لا يشقّ عليهما

стр. 158

الاحتراز من ذلك. وهذا الأخير جزم به البغويّ وغيره. ورجّحه ابن دقيق العيد وجماعة. وقيل: ليس بكبيرٍ بمجرّده وإنّما صار كبيراً بالمواظبة عليه، ويرشد إلى ذلك السّياق فإنّه وصف كلاًّ منهما بما يدلّ على تجدّد ذلك منه واستمراره عليه للإتيان بصيغة المضارعة بعد حرف كان. والله أعلم. قوله: (لا يستتر) كذا في أكثر الرّوايات بمثنّاتين من فوق الأولى مفتوحة والثّانية مكسورة. وفي رواية ابن عساكر " يستبرئ " بموحّدةٍ ساكنة من الاستبراء. ولمسلمٍ وأبي داود في حديث الأعمش " يستنزه " بنونٍ ساكنة بعدها زاي ثمّ هاء. فعلى رواية الأكثر معنى الاستتار , أنّه لا يجعل بينه وبين بوله سترة يعني: لا يتحفّظ منه، فتوافق رواية " لا يستنزه " لأنّها من التّنزّه. وهو الإبعاد. وقد وقع عند أبي نعيمٍ في " المستخرج " من طريق وكيع عن الأعمش " كان لا يتوقّى " وهي مفسّرة للمراد. وأجراه بعضهم على ظاهره , فقال: معناه لا يستر عورته. وضُعّف: بأنّ التّعذيب لو وقع على كشف العورة لاستقل الكشف بالسّببيّة , واطّرح اعتبار البول فيترتّب العذاب على الكشف سواء وجد البول أم لا. ولا يخفى ما فيه. وسيأتي كلام ابن دقيق العيد قريباً. وأمّا رواية الاستبراء فهي أبلغ في التّوقّي.

стр. 159

وتعقّب الإسماعيليّ رواية الاستتار , بما يحصل جوابه ممّا ذكرنا. قال ابن دقيق العيد: لو حمل الاستتار على حقيقته للزم أنّ مجرّد كشف العورة كان سبب العذاب المذكور، وسياق الحديث يدلّ على أنّ للبول بالنّسبة إلى عذاب القبر خصوصيّة، يشير إلى ما صحَّحه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة مرفوعاً " أكثر عذاب القبر من البول " أي: بسبب ترك التّحرّز منه. قال: ويؤيّده أنّ لفظ " من " في هذا الحديث لَمّا أضيف إلى البول اقتضى نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول، بمعنى أنّ ابتداء سبب العذاب من البول، فلو حمل على مجرّد كشف العورة زال هذا المعنى، فتعيّن الحمل على المجاز لتجتمع ألفاظ الحديث على معنىً واحد , لأنّ مخرجه واحد. ويؤيّده أنّ في حديث أبي بكرة عند أحمد وابن ماجه " أمّا أحدهما فيعذّب في البول " ومثله للطّبرانيّ عن أنس قوله: (من البول) قال ابن بطَّال: أراد البخاري (١) أن المراد بقوله " كان لا يستتر من البول " أي: بول النّاس لا بول سائر الحيوان، فلا يكون فيه حجّة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان. وكأنّه أراد الرّدّ على الخطّابيّ حيث قال: فيه دليل على نجاسة

стр. 160

الأبوال كلّها. ومحصّل الرّدّ: أنّ العموم في رواية " من البول " أريد به الخصوص. لقوله " من بوله " (١) والألف واللام بدل من الضّمير، لكن يلتحق ببوله بول من هو في معناه من النّاس لعدم الفارق، قال: وكذا غير المأكول، وأمّا المأكول فلا حجّة في هذا الحديث لِمَن قال بنجاسة بوله، ولِمَن قال بطهارته حجج أخرى. وقال القرطبيّ: قوله " من البول " اسم مفرد لا يقتضي العموم، ولو سلم فهو مخصوص بالأدلة المقتضية لطهارة بول ما يؤكل. (٢) قوله: (يمشي بالنّميمة) صحّح ابن حبّان من حديث أبي هريرة بلفظ: وكان الآخر يؤذي النّاس بلسانه ويمشي بينهم بالنّميمة. قال ابن دقيق العيد: النميمة هي نقل كلام النّاس. والمراد منه هنا ما كان بقصد الإضرار، فأمّا ما اقتضى فعل مصلحة أو ترك مفسدة فهو مطلوب. انتهى وهو تفسير للنّميمة بالمعنى الأعمّ. قال النّوويّ: وهي نقل كلام الغير بقصد الإضرار، وهي من أقبح القبائح. وتعقّبه الكرمانيّ فقال: هذا لا يصحّ على قاعدة الفقهاء، فإنّهم

стр. 161

يقولون: الكبيرة هي الموجبة للحدّ ولا حدّ على المشي بالنّميمة، إلاَّ أن يقال: الاستمرار هو المستفاد منه جعله كبيرة؛ لأنّ الإصرار على الصّغيرة حكمه حكم الكبيرة. أو أنّ المراد بالكبيرة معنىً غير المعنى الاصطلاحيّ. انتهى. وما نقله عن الفقهاء ليس هو قول جميعهم؛ لكنّ كلام الرّافعيّ يشعر بترجيحه حيث حكى في تعريف الكبيرة وجهين: أحدهما: هذا. والثّاني: ما فيه وعيد شديد. قال: وهم إلى الأوّل أميل. والثّاني أوفق لِمَا ذكروه عند تفصيل الكبائر. انتهى. ولا بدّ من حمل القول الأوّل على أنّ المراد به غير ما نصّ عليه في الأحاديث الصّحيحة؛ وإلاَّ لزم أن لا يعدّ عقوق الوالدين وشهادة الزّور من الكبائر، مع أنّ النّبيّ ﷺ عدّهما من أكبر الكبائر. وعرف بهذا الجواب عن اعتراض الكرمانيّ , بأنّ النّميمة قد نصّ في الصّحيح على أنّها كبيرة كما تقدم. قال الغزاليّ ما ملخّصه: ينبغي لمن حملت إليه نميمة أن لا يصدّق من نمّ له. ولا يظنّ بمن نمّ عنه ما نقل عنه , ولا يبحث عن تحقيق ما ذكر له , وأن ينهاه ويقبّح له فعله , وأن يبغضه إن لَم ينزجر , وأن لا يرضى لنفسه ما نهي النّمّام عنه , فينمّ هو على النّمّام فيصير نمّاماً. قال النّوويّ: وهذا كلّه إذا لَم يكن في النّقل مصلحة شرعيّة , وإلا فهي مستحبّة أو واجبة، كمن اطّلع من شخص أنّه يريد أن يؤذي شخصاً ظلماً فحذّره منه، وكذا من أخبر الإمام أو من له ولاية بسيرة

стр. 162

نائبه مثلاً فلا منع من ذلك. وقال الغزاليّ ما ملخّصه: النّميمة في الأصل نقل القول إلى المقول فيه، ولا اختصاص لها بذلك بل ضابطها كشف ما يكره كشفه , سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو غيرهما، وسواء كان المنقول قولاً أم فعلاً، وسواء كان عيباً أم لا، حتّى لو رأى شخصاً يخفي ما له فأفشى كان نميمة. واختلف في الغيبة والنّميمة. هل هما متغايرتان أو متّحدتان؟. والرّاجح التّغاير، وأنّ بينهما عموماً وخصوصاً وجهيّاً، وذلك لأنّ النّميمة نقل حال الشّخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه سواء كان بعلمه أم بغير علمه، والغيبة ذكره في غيبته بما لا يرضيه، فامتازت النّميمة بقصد الإفساد، ولا يشترط ذلك في الغيبة، وامتازت الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه، واشتركتا فيما عدا ذلك. ومن العلماء من يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائباً، والله أعلم. لطيفة: أبدى بعضهم للجمع بين هاتين الخصلتين مناسبة. وهي أنَّ البرزخ مقدمة الآخرة , وأول ما يقضى فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة ومن حقوق العباد الدماء , ومفتاح الصلاة التطهر من الحدث والخبث , ومفتاح الدماء الغيبة والسعي بين الناس بالنميمة بنشر الفتن التي يسفك بسببها الدماء. قوله: (فأخذ جريدةً رطبةً) ولهما من رواية الأعمش " فدعا

стр. 163

بعسيبٍ رطب " والعسيب - بمهملتين بوزن فعيل - هي الجريدة التي لَم ينبت فيها خوص، فإن نبت فهي السّعفة. وقيل: إنّه خصّ الجريد بذلك لأنّه بطيء الجفاف. وروى النّسائيّ من حديث أبي رافع بسندٍ ضعيف , أنّ الذي أتاه بالجريدة بلال، ولفظه: كنّا مع النّبيّ ﷺ في جنازة إذ سمع شيئاً في قبر , فقال لبلالٍ: ائتني بجريدةٍ خضراء. الحديث. قوله: (فشقها نصفين) وللبخاري " فكسرها كسرتين " بكسر الكاف، والكسرة القطعة من الشّيء المكسور، وقد تبيّن من رواية الباب أنّها كانت نصفاً. وفي رواية جرير عنه " باثنتين " قال النّوويّ: الباء زائدة للتّوكيد والنّصب على الحال , وفي حديث أبي بكرة عند أحمد والطّبرانيّ , أنّه الذي أتى بها إلى النّبيّ ﷺ . وأمّا ما رواه مسلم في حديث جابر الطّويل المذكور في أواخر الكتاب أنّه الذي قطع الغصنين، فهو في قصّة أخرى غير هذه. فالمغايرة بينهما من أوجه: منها: أنّ هذه كانت في المدينة. وكان معه ﷺ جماعة، وقصّة جابر كانت في السّفر. وكان خرج لحاجته فتبعه جابرٌ وحده. ومنها: أنّ في هذه القصّة , أنّه ﷺ غرس الجريدة بعد أن شقّها نصفين كما في الباب، وفي حديث جابر , أنّه ﷺ أمر جابراً بقطع غصنين من شجرتين , كان النّبيّ ﷺ استتر بهما عند قضاء حاجته، ثمّ أمر جابراً فألقى الغصنين عن يمينه وعن يساره حيث كان النّبيّ ﷺ -

стр. 164

جالساً، وأنّ جابراً سأله عن ذلك فقال: إنّي مررت بقبرين يعذّبان فأحببت بشفاعتي أن يرفع عنهما ما دام الغصنان رطبين. ولَم يذكر في قصّة جابر أيضاً السّبب الذي كانا يعذّبان به، ولا التّرجّي الآتي في قوله " لعله "، فبان تغاير حديث ابن عبّاس وحديث جابر وأنّهما كانا في قصّتين مختلفتين، ولا يبعد تعدّد ذلك. وقد روى ابن حبّان في " صحيحه " من حديث أبي هريرة , أنّه ﷺ مرّ بقبرٍ فوقف عليه , فقال: ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه , والأخرى عند رجليه. فيحتمل أن تكون هذه قصّة ثالثة. ويؤيّده أنّ في حديث أبي رافع كما تقدّم " فسمع شيئاً في قبر " وفيه " فكسرها باثنين ترك نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه " وفي قصّة الواحد حمل نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه، وفي قصّة الاثنين " جعل على كلّ قبر جريدة ". قوله: (فغرز) وفي رواية لهما " فغرس " وهما بمعنىً، وأفاد سعد الدّين الحارثيّ , أنّ ذلك كان عند رأس القبر. وقال: إنّه ثبت بإسنادٍ صحيح. وكأنّه يشير إلى حديث أبي هريرة , عند ابن حبّان. وقد قدّمنا لفظه، ثمّ وجدته في " مسند عبد بن حميدٍ " من طريق عبد الواحد بن زياد عن الأعمش في حديث ابن عبّاس صريحاً. قوله: (قالوا له: يا رسولَ الله) أي: الصّحابة، ولَم نقف على تعيين السّائل منهم.

стр. 165

قوله: (لعلَّه) قال ابن مالك: يجوز أن تكون الهاء ضمير الشّأن، وجاز تفسيره بأن وصلتها لأنّها في حكم جملة لاشتمالها على مسند ومسند إليه. قال: ويحتمل أن تكون " أن " زائدة مع كونها ناصبة كزيادة الباء مع كونها جارّة. انتهى وقد ثبت في رّواية البخاري بحذف " أن " فقوّى الاحتمال الثّاني. وقال الكرمانيّ: شبّه لعل بعسى فأتى بأن في خبره. قوله: (يخفّف) بالضّمّ وفتح الفاء، أي: العذاب عن المقبورين. قوله: (ما لَم ييبسا) أي: العودان، وللبخاري " تيبسا " أي: الكسرتان وللكشميهنيّ " إلاَّ أن تيبسا " بحرف الاستثناء. قال المازريّ: يحتمل أن يكون أوحي إليه أنّ العذاب يخفّف عنهما هذه المدّة. انتهى وعلى هذا فـ " لعلَّ " هنا للتّعليل، قال: ولا يظهر له وجه غير هذا. وتعقّبه القرطبيّ: بأنّه لو حصل الوحي لَمَا أتى بحرف التّرجّي، كذا قال. ولا يرد عليه ذلك إذا حملناها على التّعليل. قال القرطبيّ: وقيل إنّه شفع لهما هذه المدّة كما صرّح به في حديث جابر؛ لأنّ الظّاهر أنّ القصّة واحدة. وكذا رجّح النّوويّ كون القصّة واحدة. وفيه نظر. لِمَا أوضحنا من المغايرة بينهما.

стр. 166

وقال الخطّابيّ: هو محمول على أنّه دعا لهما بالتّخفيف مدّة بقاء النّداوة، لا أنّ في الجريدة معنىً يخصّه، ولا أنّ في الرّطب معنىً ليس في اليابس. قال: وقد قيل: إنّ المعنى فيه أنّه يسبّح ما دام رطباً فيحصل التّخفيف ببركة التّسبيح، وعلى هذا فيطّرد في كلّ ما فيه رطوبة من الأشجار وغيرها؛ وكذلك فيما فيه بركة الذّكر وتلاوة القرآن من باب الأولى. وقال الطّيبيّ: الحكمة في كونهما ما دامتا رطبتين تمنعان العذاب , يحتمل أن تكون غير معلومة لنا كعدد الزّبانية. وقد استنكر الخطّابيّ ومن تبعه وضع النّاس الجريد ونحوه في القبر عملاً بهذا الحديث. قال الطّرطوشيّ: لأنّ ذلك خاصّ ببركة يده. وقال القاضي عياض: لأنّه علَّل غرزهما على القبر بأمرٍ مغيّب , وهو قوله " ليعذّبان ". قلت: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذّب أم لا؟ أن لا نتسبّب له في أمر يخفّف عنه العذاب أن لو عذّب، كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا؟. أن لا ندعو له بالرّحمة. وليس في السّياق ما يقطع على أنّه باشر الوضع بيده الكريمة، بل يحتمل أن يكون أمر به. وقد تأسّى بريدة بن الحصيب الصّحابيّ بذلك فأوصى أن يُوضع

стр. 167

على قبره جريدتان (١) وهو أولى أن يتّبع من غيره (٢). قال ابن المرابط وغيره. يحتمل: أن يكون بريدة أمر أن يُغرزا في ظاهر القبر. اقتداء بالنّبيّ ﷺ في وضعه الجريدتين في القبرين. ويحتمل: أن يكون أمر أن يُجعلا في داخل القبر لِمَا في النّخلة من البركة. لقوله تعالى (كشجرةٍ طيّبةٍ). والأوّل أظهر، ويؤيّده إيراد البخاري حديث القبرين في آخر باب " الجريد على القبر "، وكأنّ بريدة حمل الحديث على عمومه , ولَم يره خاصّاً بذينك الرّجلين. قال ابن رشيد: ويظهر من تصرّف البخاريّ , أنّ ذلك خاصّ بهما , فلذلك عقّبه بقول ابن عمر: انزعه يا غلام إنّما يظلّه عمله. لَمّا رأى فسطاطاً على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر. (٣)

стр. 168

تنبيه: لَم يُعرف اسم المقبورين ولا أحدهما، والظّاهر أنّ ذلك كان على عمد من الرّواة لقصد السّتر عليهما، وهو عمل مستحسن. وينبغي أن لا يبالغ في الفحص عن تسمية من وقع في حقّه ما يذمّ به. وما حكاه القرطبيّ (١) في " التّذكرة " وضعّفه عن بعضهم , أنّ أحدهما سعد بن معاذ , فهو قولٌ باطلٌ لا ينبغي ذكره إلاَّ مقروناً ببيانه. وممّا يدلّ على بطلان الحكاية المذكورة , أنّ النّبيّ ﷺ حضر دفن سعد بن معاذ كما ثبت في الحديث الصّحيح، وأمّا قصّة المقبورين ففي حديث أبي أمامة , عند أحمد أنّه ﷺ قال لهم: مَن دفنتم اليوم هاهنا؟ " فدلَّ على أنّه لَم يحضرهما. وإنّما ذكرتُ هذا ذبّاً عن هذا السّيّد الذي سَمّاه النّبيّ ﷺ سيّداً , وقال لأصحابه: قوموا إلى سيّدكم. وقال: إنّ حكمه قد وافق حكم الله. وقال: إنّ عرش الرّحمن اهتزّ لموته. إلى غير ذلك من مناقبه

стр. 169

الجليلة، خشية أن يغترّ ناقص العلم بما ذكره القرطبيّ , فيعتقد صحّة ذلك. وهو باطل. وقد اختلف في المقبورَين. فقيل: كانا كافرين، وبه جزم أبو موسى المدينيّ، واحتجّ بما رواه من حديث جابر بسندٍ فيه ابن لهيعة , أنّ النّبيّ ﷺ مرّ على قبرين من بني النّجّار هلكا في الجاهليّة، فسمعهما يعذّبان في البول والنّميمة. قال أبو موسى: هذا وإن كان ليس بقويٍّ , لكنّ معناه صحيح؛ لأنّهما لو كانا مسلمين لَمَا كان لشفاعته إلى أن تيبس الجريدتان معنىً؛ ولكنّه لَمّا رآهما يعذّبان لَم يستجز للطفه وعطفه حرمانهما من إحسانه فشفع لهما إلى المدّة المذكورة. وجزم ابن العطّار في شرح العمدة. بأنّهما كانا مسلمين. وقال: لا يجوز أن يقال إنّهما كانا كافرين , لأنّهما لو كانا كافرين لَم يدع لهما بتخفيف العذاب , ولا ترجّاه لهما، ولو كان ذلك من خصائصه لبيّنه، يعني كما في قصّة أبي طالب. قلت: وما قاله أخيراً هو الجواب، وما طالب به من البيان قد حصل، ولا يلزم التّنصيص على لفظ الخصوصيّة. لكنّ الحديث الذي احتجّ به أبو موسى ضعيف كما اعترف به، وقد رواه أحمد بإسنادٍ صحيح على شرط مسلم , وليس فيه سبب التّعذيب، فهو من تخليط ابن لهيعة، وهو مطابق لحديث جابر الطّويل الذي قدّمنا أنّ مسلماً أخرجه، واحتمال كونهما كافرين فيه ظاهر.

стр. 170

وأمّا حديث الباب , فالظّاهر من مجموع طرقه أنّهما كانا مسلمين، ففي رواية ابن ماجه " مرّ بقبرين جديدين " فانتفى كونهما في الجاهليّة، وفي حديث أبي أمامة عند أحمد , أنّه ﷺ مرّ بالبقيع , فقال: من دفنتم اليوم هاهنا؟. فهذا يدلّ على أنّهما كانا مسلمين؛ لأنّ البقيع مقبرة المسلمين، والخطاب للمسلمين مع جريان العادة بأنّ كلّ فريق يتولاه من هو منهم. ويقوّي كونهما كانا مسلمين , رواية أبي بكرة عند أحمد والطّبرانيّ بإسنادٍ صحيح " يعذّبان، وما يعذّبان في كبير , وبلى. وما يعذّبان إلاَّ في الغيبة والبول ". فهذا الحصر ينفي كونهما كانا كافرين؛ لأنّ الكافر - وإن عذّب على ترك أحكام الإسلام - فإنّه يعذّب مع ذلك على الكفر بلا خلاف. قال الكرمانيّ: الغيبة نوع من النّميمة لأنّه لو سمع المنقول عنه ما نقل عنه لغمّه. قلت: الغيبة قد توجد في بعض صور النّميمة، وهو أن يذكره في غيبته بما فيه ممّا يسوؤه قاصداً بذلك الإفساد، فيحتمل أن تكون قصّة الذي كان يعذّب في قبره كانت كذلك. وورد في بعض طرقه بلفظ الغيبة صريحاً، وهو ما أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " من حديث جابر قال: كنّا مع ﷺ فأتى على قبرين. فذكر فيه نحو حديث الباب. وقال فيه: أمّا أحدهما فكان

стр. 171

يغتاب النّاس. الحديث. ولأحمد والطّبرانيّ أيضاً من حديث يعلى بن شبابة , أنّ النّبيّ ﷺ مرّ على قبر يعذّب صاحبه , فقال: إنّ هذا كان يأكل لحوم النّاس , ثمّ دعا بجريدةٍ رطبة. الحديث، ورواته موثّقون. ولأبي داود الطّيالسيّ عن ابن عبّاس بسندٍ جيّد مثله. وأخرجه الطّبرانيّ , وله شاهد عن أبي أمامة عند أبي جعفر الطّبريّ في " التّفسير ". وأكل لحوم النّاس يصدق على النّميمة والغيبة. والظّاهر اتّحاد القصّة، ويحتمل التّعدّد. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم. إثبات عذاب القبر، وفيه التّحذير من ملابسة البول، ويلتحق به غيره من النّجاسات في البدن والثّوب. ويستدلّ به على وجوب إزالة النّجاسة، خلافاً لمن خصّ الوجوب بوقت إرادة الصّلاة. والله أعلم.

стр. 172

باب السواك هو بكسر السين على الأفصح , ويطلق على الآلة , وعلى الفعل وهو المراد هنا. الحديث التاسع عشر ١٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ , قال: لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتُهم بالسّواك عند كل صلاةٍ. (١) قوله: (لولا أن أشقّ على أمتي) وللبخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك " على أمّتي. أو على النّاس " هو شكّ من الرّاوي، ولَم أقف عليه بهذا اللفظ في شيء من الرّوايات عن مالك ولا عن غيره. ورواه أكثرهم بلفظ " المؤمنين " بدل " أمّتي " ورواه يحيى بن يحيى الليثيّ بلفظ " على أمّتي " دون الشّكّ. قوله: (لأمرتهم بالسّواك) أي: باستعمال السّواك، لأنّ السّواك هو الآلة، وقد قيل: إنّه يطلق على الفعل أيضاً فعلى هذا لا تقدير.

стр. 173

والسّواك مذكّر على الصّحيح، وحكى في الحكم تأنيثه، وأنكر ذلك الأزهريّ قوله: (عند كلّ صلاة) وللبخاري " مع كل صلاة " لَم أرها (١) أيضاً في شيء من روايات الموطّأ , إلاَّ عن معن بن عيسى , لكن بلفظ " عند كلّ صلاة " وكذا النّسائيّ عن قتيبة عن مالك، وكذا رواه مسلم من طريق ابن عيينة عن أبي الزّناد، وخالفه سعيد بن أبي هلال عن الأعرج فقال " مع الوضوء " بدل الصّلاة. أخرجه أحمد من طريقه. قال القاضي البيضاويّ (٢): " لولا " كلمة تدلّ على انتفاء الشّيء

стр. 174

لثبوت غيره، والحقّ أنّها مركّبة من " لو " الدّالة على انتفاء الشّيء لانتفاء غيره. و " لا " النّافية، فدلَّ الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقّة , لأنّ انتفاء النّفي ثبوت , فيكون الأمر منفيّاً لثبوت المشقّة. وفيه دليل على أنّ الأمر للوجوب من وجهين: أحدهما: أنّه نفي الأمر مع ثبوت النّدبيّة، ولو كان للنّدب لَمَا جاز النّفي. ثانيهما: أنّه جعل الأمر مشقّة عليهم. وذلك إنّما يتحقّق إذا كان الأمر للوجوب، إذ النّدب لا مشقّة فيه لأنّه جائز التّرك. وقال الشّيخ أبو إسحاق في " اللّمع ": في هذا الحديث دليل على أنّ الاستدعاء على جهة النّدب ليس بأمرٍ حقيقةً , لأنّ السّواك عند كلّ صلاة مندوب إليه، وقد أخبر الشّارع أنّه لَم يأمر به. انتهى ويؤكّده قوله في رواية سعيد المقبريّ عن أبي هريرة عند النّسائيّ بلفظ " لفرضت عليهم " بدل لأمرتهم. وقال الشّافعيّ: فيه دليل على أنّ السّواك ليس بواجبٍ , لأنّه لو كان واجباً لأمرهم شقّ عليهم به أو لَم يشقّ. انتهى. وإلى القول بعدم وجوبه صار أكثر أهل العلم، بل ادّعى بعضهم فيه الإجماع، لكن حكى الشّيخ أبو حامد وتبعه الماورديّ عن إسحاق

стр. 175

بن راهويه , قال: هو واجب لكل صلاة، فمن تركه عامداً بطلت صلاته. وعن داود. أنّه قال: وهو واجب , لكن ليس شرطاً. واحتجّ مَن قال بوجوبه: بورود الأمر به، فعند ابن ماجه من حديث أبي أمامة مرفوعاً: تسوّكوا. ولأحمد نحوه من حديث العبّاسٍ، وفي الموطّأ في أثناء حديث: عليكم بالسّواك. ولا يثبت شيء منها. وعلى تقدير الصّحّة , فالمنفيّ في مفهوم حديث الباب , الأمر به مقيّداً بكل صلاة لا مطلق الأمر، ولا يلزم من نفي المقيّد نفي المطلق ولا من ثبوت المطلق التّكرار. واستدل بقوله " كلّ صلاة " على استحبابه للفرائض والنّوافل، ويحتمل أن يكون المراد الصّلوات المكتوبة وما ضاهاها من النّوافل التي ليست تبعاً لغيرها كصلاة العيد، وهذا اختاره أبو شامة. ويتأيّد بقوله في حديث أمّ حبيبة عند أحمد بلفظ " لأمرتهم بالسّواك عند كلّ صلاة كما يتوضّئون " , وله من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ " لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم عند كلّ صلاة بوضوءٍ، ومع كلّ وضوء بسواكٍ " فسوّى بينهما. وكما أنّ الوضوء لا يندب للرّاتبة التي بعد الفريضة إلاَّ إن طال الفصل مثلاً، فكذلك السّواك. ويمكن أن يفرّق بينهما , بأنّ الوضوء أشقّ من السّواك. ويتأيّد بما رواه ابن ماجه من حديث ابن عبّاسٍ قال: كان رسول الله ﷺ يُصلِّي ركعتين، ثمّ ينصرف فيستاك. وإسناده صحيح، لكنّه مختصر من حديث طويل أورده أبو داود، وبيّن فيه أنّه تخلل بين

стр. 176

الانصراف والسّواك نوم. وأصل الحديث في مسلم مبيّناً أيضاً. (١) واستدل به على أنّ الأمر يقتضي التّكرار، لأنّ الحديث دلَّ على كون المشقّة هي المانعة من الأمر بالسّواك، ولا مشقّة في وجوبه مرّة، وإنّما المشقّة في وجوب التّكرار. وفي هذا البحث نظرٌ، لأنّ التّكرار لَم يؤخذ هنا من مجرّد الأمر، وإنّما أخذ من تقييده بكل صلاة. وقال المُهلَّب: فيه أنّ المندوبات ترتفع إذا خشي منها الحرج. وفيه ما كان النّبيّ ﷺ عليه من الشّفقة على أمّته. وفيه جواز الاجتهاد منه فيما لَم ينزل عليه فيه نصّ، لكونه جعل المشقّة سبباً لعدم أمره، فلو كان الحكم متوقّفاً على النّصّ لكان سبب انتفاء الوجوب عدم ورود النّصّ لا وجود المشقّة. قال ابن دقيق العيد: وفيه بحثٌ، وهو كما قال، ووجهه أنّه يجوز أن يكون إخباراً منه ﷺ بأنّ سبب عدم ورود النّصّ وجود المشقّة، فيكون معنى قوله " لأمرتهم " أي: عن الله بأنّه واجب. واستدل به النّسائيّ على استحباب السّواك للصّائم بعد الزّوال،

стр. 177

لعموم قوله " كلّ صلاة "، فإنّه يقتضي إباحته في كل وقتٍ وعلى كلّ حالٍ فائدةٌ: قال ابن دقيق العيد: الحكمة في استحباب السّواك عند القيام إلى الصّلاة كونها حال تقرّب إلى الله، فاقتضى أن تكون حال كمالٍ ونظافة إظهاراً لشرف العبادة. وقد ورد من حديث عليّ عند البزّار ما يدلّ على أنّه لأمرٍ يتعلق بالملك الذي يستمع القرآن من المصلي، فلا يزال يدنو منه حتّى يضع فاه على فيه (١)، لكنّه لا ينافي ما تقدّم.

стр. 178

الحديث العشرون ٢٠ - عن حذيفة بن اليمان ﵁ , قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يشُوصُ فاه بالسّواك. (١) قوله: (عن حذيفة بن اليمان) بن جابر بن عمرو العبسي بالموحدة. حليف بني عبد الأشهل من الأنصار، وأسلم هو وأبوه اليمان، وولي حذيفة بعض أمور الكوفة لعمر، وولي إمرة المدائن. ومات بعد قتل عثمان بيسير بها. وكان حذيفة من القدماء في الإسلام. واسم اليمان حِسل - بمهملتين وكسر أوله وسكون ثانيه ثم لامٌ - ابن جابر قوله: (يشوص) بضمّ المعجمة وسكون الواو بعدها مهملةٌ , والشّوص بالفتح الغسل والتّنظيف. كذا في الصّحاح. وفي المحكم , الغَسل عن كُراعٍ (٢) , والتّنقية عن أبي عبيدٍ , والدَّلك

стр. 179

عن ابن الأنباريّ. وقيل: الإمرار على الأسنان من أسفل إلى فوق , واستدل قائله بأنّه مأخوذٌ من الشّوصة , وهي ريحٌ ترفع القلب عن موضعه. وعكَسَه الخطّابيّ , فقال: هو دلك الأسنان بالسّواك أو الأصابع عرضاً. قال بن دقيق العيد: فيه استحباب السّواك عند القيام من النّوم , لأنّ النّوم مقتضٍ لتغيّر الفم لِمَا يتصاعد إليه من أبخرة المعدة , والسّواك آلة تنظيفه فيستحبّ عند مقتضاه. قال: وظاهر قوله " من الليل " عامٌّ في كل حالةٍ , ويحتمل: أن يخصّ بما إذا قام إلى الصّلاة. قلت: ويدلّ عليه رواية البخاري بلفظ " إذا قام للتّهجّد " , ولمسلمٍ نحوه. وحديث ابن عبّاسٍ (١) يشهد له.

стр. 180

الحديث الواحد والعشرون ٢١ - عن عائشة ﵂ , قالت: دخل عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ الصّدّيق ﵁ على النّبيّ ﷺ وأنا مُسنِدته إلى صدري , ومع عبد الرّحمن سواكٌ رطبٌ يستنّ به , فأبدَّه رسول الله ﷺ بصرَه. فأخذت السّواك فقضَمْتُه , فطيّبته , ثمّ دفعته إلى النّبيّ ﷺ فاستنّ به , فما رأيت رسول الله ﷺ استنّ استناناً أحسن منه , فما عدا أنْ فرغ رسول الله ﷺ , رفع يده أو إصبعه , ثمّ قال: في الرّفيق الأعلى ثلاثاً ثمّ قضى. وكانت تقول: مات بين حاقِنَتي وذاقِنَتي. وفي لفظٍ: فرأيته ينظر إليه , وعرفت أنّه يحبّ السّواك , فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم. هذا لفظ البخاريّ (١) , ولمسلمٍ نحوه. (٢) قوله: (عن عائشة) هي الصّدّيقة بنت الصّدّيق , وأمّها أمّ رومان , وكان مولدها في الإسلام قبل الهجرة بثمان سنين أو نحوها. ومات النّبيّ ﷺ ولها نحو ثمانية عشر عاماً، وقد حفظتْ عنه شيئاً كثيراً , وعاشتْ بعده قريباً من خمسين سنة، فأكثر النّاس الأخذ عنها،
следующие страницы →