← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وتعقّب: بأنّه لا يثبت، وعلى تقدير ثبوته فيخصّ عمومه بالأمر بصلاة التّحيّة. وبعضهم: بأنّ عمر لَم يأمر عثمان بصلاة التّحيّة مع أنّه أنكر عليه الاقتصار على الوضوء. وأجيب: باحتمال أن يكون صلاهما. وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم. جواز صلاة التّحيّة في الأوقات المكروهة، لأنّها إذا لَم تسقط في الخطبة مع الأمر بالإنصات لها فغيرها أولى. وفيه أنّ التّحيّة لا تفوت بالقعود، لكن قيّده بعضهم بالجاهل أو النّاسي كما تقدّم، وأنّ للخطيب أن يأمر في خطبته وينهى ويبيّن الأحكام المحتاج إليها، ولا يقطع ذلك التّوالي المشترط فيها، بل لقائلٍ أن يقول كلّ ذلك يعدّ من الخطبة. واستدل به على أنّ المسجد شرط للجمعة للاتّفاق على أنّه لا تشرع التّحيّة لغير المسجد. وفيه نظرٌ. واستدل به على جواز ردّ السّلام وتشميت العاطس في حال الخطبة لأنّ أمرهما أخفّ وزمنهما أقصر , ولا سيّما ردّ السّلام فإنّه واجب. وسيأتي البحث في ذلك في الحديث بعده.

стр. 1157

فائدةٌ: قيل: يخصّ عموم حديث الباب بالدّاخل في آخر الخطبة كما تقدّم. قال الشّافعيّ: أرى للإمام أن يأمر الآتي بالرّكعتين. ويزيد في كلامه ما يمكنه الإتيان بهما قبل إقامة الصّلاة، فإن لَم يفعل كرهت ذلك. وحكى النّوويّ عن المحقّقين: أنّ المختار إن لَم يفعل أن يقف حتّى تقام الصّلاة , لئلا يكون جالساً بغير تحيّة أو متنفّلاً حال إقامة الصّلاة. واستثنى المحامليّ المسجد الحرام , لأنّ تحيّته الطّواف. وفيه نظرٌ. لطول زمن الطّواف بالنّسبة إلى الرّكعتين. والذي يظهر من قولهم إنّ تحيّة المسجد الحرام الطّواف إنّما هو في حقّ القادم ليكون أوّل شيء يفعله الطّواف. وأمّا المقيم فحكم المسجد الحرام وغيره في ذلك سواء، ولعل قول من أطلق أنّه يبدأ في المسجد الحرام بالطّواف لكون الطّواف يعقبه صلاة الرّكعتين فيحصل شغل البقعة بالصّلاة غالباً وهو المقصود، ويختصّ المسجد الحرام بزيادة الطّواف. والله أعلم

стр. 1158

الحديث الثاني والتسعون ١٤١ - عن أبي هريرة ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة. والإمام يخطب , فقد لغوت. (١) قوله: (إذا قلت لصاحبك) المراد بالصّاحب من يخاطبه بذلك مطلقاً، وإنّما ذكر الصّاحب لكونه الغالب. قوله: (أنصت) قال الأزهريّ: يقال أنصت ونصت وانتصت. قال ابن خزيمة: المراد بالإنصات السّكوت عن مكالمة النّاس دون ذكر الله. وتعقّب: بأنّه يلزم منه جواز القراءة والذّكر حال الخطبة، فالظّاهر أنّ المراد السّكوت مطلقاً , ومن فرّق احتاج إلى دليل، ولا يلزم من تجويز التّحيّة لدليلها الخاصّ جواز الذّكر مطلقاً. قوله: (يوم الجمعة) مفهومه أنّ غير يوم الجمعة (٢) بخلاف ذلك،

стр. 1159

وفيه بحثٌ. قوله: (والإمام يخطب) أشار البخاري في ترجمته (١) إلى الرّدّ على من جعل وجوب الإنصات من خروج الإمام، لأنّ قوله في الحديث " والإمام يخطب " جملة حاليّة , يخرج ما قبل خطبته من حين خروجه وما بعده إلى أن يشرع في الخطبة , لأنَّ الاستماع لا يتجه إلاَّ إذا تكلم: نعم الأولى أن ينصت. وقالت الحنفية: يحرم الكلام من ابتداء خروج الإمام. وورد فيه حديث ضعيف. (٢) وأمّا حال الجلوس بين الخطبتين. فحكى صاحب " المغني " عن العلماء فيه قولين. بناءً على أنّه غير خاطب، أو أنّ زمن سكوته قليل فأشبه السّكوت للتّنفّس قوله: (فقد لغوت) قال الأخفش: اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه، وقال ابن عرفة: اللغو السّقط من القول، وقيل: الميل عن الصّواب، وقيل: اللغو الإثم كقوله تعالى (وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراماً). وقال الزين بن المنير: اتّفقت أقوال المفسّرين على أنّ اللغو ما لا يحسن من الكلام.

стр. 1160

وأغرب أبو عبيد الهرويّ في " الغريب " فقال: معنى لغا تكلم، كذا أطلق. والصّواب التّقييد. وقال النّضر بن شميلٍ: معنى لغوت خبت من الأجر، وقيل: بطلت فضيلة جمعتك، وقيل: صارت جمعتك ظهراً. قلت: أقوال أهل اللّغة متقاربة المعنى. ويشهد للقول الأخير ما رواه أبو داود وابن خزيمة من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً: ومن لغا وتخطّى رقاب النّاس كانت له ظهراً. قال ابن وهب أحد رواته: معناه أجزأت عنه الصّلاة , وحُرِم فضيلة الجمعة. ولأحمد من حديث عليّ مرفوعاً: مَن قال صهٍ فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له. ولأبي داود نحوه، ولأحمد والبزّار من حديث ابن عبّاسٍ مرفوعاً: من تكلَّم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت ليست له جمعة. وله شاهد قويّ في جامع حمّاد بن سلمة عن ابن عمر موقوفاً. قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة. للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه. وحكى ابن التّين: عن بعض من جوّز الكلام في الخطبة أنّه تأوّل قوله " فقد لغوت " أي: أمرت بالإنصات من لا يجب عليه. وهو جمود شديد، لأنّ الإنصات لَم يختلف في مطلوبيّته. فكيف

стр. 1161

يكون من أمر بما طلبه الشّرع لاغياً؟ بل النّهي عن الكلام مأخوذ من حديث الباب بدلالة الموافقة، لأنّه إذا جعل قوله " أنصت " مع كونه أمراً بمعروفٍ لغواً فغيره من الكلام أولى أن يسمّى لغواً. وقد وقع عند أحمد من رواية الأعرج عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث بعد قوله " فقد لغوت , عليك بنفسك ". واستدل به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة، وبه قال الجمهور في حقّ من سمعها، وكذا الحكم في حقّ من لا يسمعها عند الأكثر. قالوا: وإذا أراد الأمر بالمعروف فليجعله بالإشارة. وأغرب ابن عبد البرّ. فنقل الإجماع على وجوب الإنصات على من سمعها إلاَّ عن قليل من التّابعين. ولفظه: لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها في الجمعة. وأنّه غير جائز أن يقول لمن سمعه من الجهّال يتكلم والإمام يخطب: أنصت، ونحوها، أخذاً بهذا الحديث. وروي عن الشّعبيّ وناسٍ قليلٍ أنّهم كانوا يتكلَّمون إلاَّ في حين قراءة الإمام في الخطبة خاصّة. قال: وفعلهم في ذلك مردودٌ عند أهل العلم، وأحسن أحوالهم أن يقال: إنّه لَم يبلغهم الحديث. قلت: للشّافعيّ في المسألة قولان مشهوران , وبناهما بعض الأصحاب على الخلاف في أنّ الخطبتين بدلٌ عن الرّكعتين أم لا؟. فعلى الأوّل يحرم. لا على الثّاني، والثّاني هو الأصحّ عندهم، فمن

стр. 1162

ثمّ أطلق من أطلق منهم إباحة الكلام حتّى شنّع عليهم من شنّع من المخالفين. وعن أحمد: أيضاً روايتان. وعنهما: أيضاً التّفرقة بين من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها. ولبعض الشّافعيّة: التّفرقة بين من تنعقد بهم الجمعة , فيجب عليهم الإنصات دون من زاد. فجعله شبيهاً بفروض الكفاية. واختلف السّلف إذا خطب بما لا ينبغي من القول، وعلى ذلك يُحمل ما نُقل عن السّلف من الكلام حال الخطبة. والذي يظهر: أنّ من نفى وجوبه أراد أنّه لا يشترط في صحّة الجمعة، بخلاف غيره. ويدلّ على الوجوب في حقّ السّامع أنّ في حديث عليٍّ المشار إليه آنفاً " ومن دنا فلم ينصت , كان عليه كفلان من الوزر " , لأنّ الوزر لا يترتّب على من فعل مباحاً. ولو كان مكروهاً كراهة تنزيه. وأمّا ما استدلَّ به من أجاز مطلقاً من قصّة السّائل في الاستسقاء (١) ونحوه. ففيه نظرٌ. لأنّه استدلال بالأخصّ على الأعمّ، فيمكن أن يخصّ عموم الأمر بالإنصات بمثل ذلك كأمرٍ عارض في مصلحة عامّة، كما خصّ بعضهم منه ردّ السّلام لوجوبه. ونقل صاحب " المغني " الاتّفاق على أنّ الكلام الذي يجوز في

стр. 1163

الصّلاة. يجوز في الخطبة كتحذير الضّرير من البئر. وعبارة الشّافعيّ: وإذا خاف على أحد لَم أر بأساً إذا لَم يفهم عنه بالإيماء أن يتكلم. وقد استثنى من الإنصات في الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى كلّ ما لَم يُشرع مثل الدّعاء للسّلطان مثلاً. بل جزم صاحب التّهذيب بأنّ الدّعاء للسّلطان مكروه. وقال النّوويّ: محلّه ما إذا جازف. وإلاَّ فالدّعاء لولاة الأمور مطلوب. انتهى ومحلّ التّرك إذا لَم يخف الضّرر، وإلاَّ فيباح للخطيب إذا خشي على نفسه، والله أعلم الحديث الثالث والتسعون ١٤٢ - عن سهل بن سعدٍ السّاعديّ ﵁ , أنّ رجالاً تَمَاروا في منبر رسول الله ﷺ من أيِّ عودٍ هو؟ فقال سهلٌ: من طرفاء الغابة , وقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه فكبّر , وكبّر النّاس وراءه , وهو على المنبر. ثمّ رفع فنزل القهقرى , حتّى سجد في أصل المنبر , ثمّ عاد حتّى فرغ من آخر صلاته , ثمّ أقبل على النّاس , فقال: أيّها النّاس , إنّما صنعت هذا لتأتَمّوا بي , ولتعلموا صلاتي. وفي لفظٍ: صلَّى عليها. ثمّ كبّر عليها. ثمّ ركع وهو عليها , فنزل القهقرى. (١)

стр. 1164

قوله: (عن سهل بن سعدٍ السّاعديّ ﵁) سعد بن مالك. (١) قوله: (أنّ رجالاً) وللبخاري " أنَّ رجالاً أتوا سهل بن سعد " لَم أقف على أسمائهم. قوله: (تماروا) وللبخاري " امتروا " من المماراة. وهي المجادلة. وقال الكرمانيّ: من الامتراء وهو الشّكّ. ويؤيّد الأوّل قوله في رواية الباب " تَماروا " فإنّ معناه تجادلوا. قال الرّاغب: الامتراء والمماراة المجادلة، ومنه (فلا تمار فيهم إلاَّ مراءً ظاهراً) وقال أيضاً: المرية التّردّد في الشّيء، ومنه (فلا تكن في مريةٍ من لقائه) .. قوله: (فقال سهلٌ: من طرفاء الغابة) في رواية لهما " والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله ﷺ ، أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة - امرأة من الأنصار قد سماها سهل - مُري غلامك النجار، أن يعمل لي أعواداً أجلس

стр. 1165

عليهن إذا كلمت الناس , فأمرته فعملها من طرفاء الغابة ". فيه القسم على الشّيء لإرادة تأكيده للسّامع، وفي قوله " ولقد رأيته أوّل يوم وضع، وأوّل يوم جلس عليه " زيادة على السّؤال، لكنّ فائدته إعلامهم بقوّة معرفته بما سألوه عنه، وللبخاري أنّ سهلاً قال: ما بقي أحد أعلم به منّي. وفي رواية سفيان عن أبي حازم عن سهل عند البخاري " من أثل الغابة " , ولا مغايرة بينهما فإنّ الأثل هو الطّرفاء , وقيل: يشبه الطّرفاء وهو أعظم منه. والغابة: بالمعجمة وتخفيف الموحّدة موضع من عوالي المدينة جهة الشّام، وهي اسم قرية بالبحرين أيضاً، وأصلها كلّ شجر ملتفّ. وقوله " إلى فلانة امرأة من الأنصار " في رواية أبي غسّان عن أبي حازم عند البخاري في الهبة " امرأة من المهاجرين "، وهو وهْمٌ من أبي غسّان , لإطباق أصحاب أبي حازم على قولهم " من الأنصار "، وكذا قال أيمن عن جابر كما في البخاري. ويحتمل: أن تكون أنصارية حالفت مهاجرياً وتزوجت به أو بالعكس. وقد ساقه ابن بطال في هذا الموضع بلفظ " امرأة من الأنصار " والذي في النسخ التي وقفت عليها من البخاري ما وصفته. قوله: (في أصل المنبر) أي: على الأرض إلى جنب الدّرجة السّفلى منه.

стр. 1166

قوله: (ولِتعلَّموا) بكسر اللام وفتح المثنّاة وتشديد اللام. أي: لتتعلموا. وعرف منه أنّ الحكمة في صلاته في أعلى المنبر ليراه من قد يخفى عليه رؤيته إذا صلَّى على الأرض. ويستفاد منه أنّ من فعل شيئاً يخالف العادة أن يبيّن حكمته لأصحابه. وفيه مشروعيّة الخطبة على المنبر لكل خطيب خليفةً كان أو غيره. وفيه جواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصّلاة بالفعل وجواز العمل اليسير في الصّلاة، وكذا الكثير إن تفرّق، وقد تقدّم البحث فيه (١). وفيه جواز اختلاف موقف الإمام والمأموم في العلو والسّفل، وقد صرّح بذلك البخاري في حكايته عن شيخه عليّ بن المدينيّ عن أحمد بن حنبل (٢). ولابن دقيق العيد في ذلك بحثٌ، فإنّه قال: من أراد أن يستدلّ به

стр. 1167

على جواز الارتفاع من غير قصد التّعليم لَم يستقم؛ لأنّ اللفظ لا يتناوله، ولانفراد الأصل بوصفٍ معتبرٍ تقتضي المناسبة اعتباره فلا بدّ منه. وللبخاري معلقاً ووصله ابن أبي شيبة من طريق صالح مولى التّوأمة قال: صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام. وصالح فيه ضعف، لكن رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن أبي هريرة. فاعتضد. وفيه استحباب اتّخاذ المنبر لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسّماع منه، واستحباب الافتتاح بالصّلاة في كلّ شيء جديد إمّا شكراً وإمّا تبرّكاً. وقال ابن بطّال: إن كان الخطيب هو الخليفة فسنّته أن يخطب على المنبر، وإن كان غيره يخيّر بين أن يقوم على المنبر أو على الأرض. وتعقّبه الزين بن المنير: بأنّ هذا خارج عن مقصود التّرجمة , ولأنّه إخبار عن شيء أحدثه بعض الخلفاء، فإن كان من الخلفاء الرّاشدين فهو سنّة متّبعة، وإن كان من غيرهم فهو بالبدعة أشبه منه بالسّنّة. قلت: ولعل هذا هو حكمة هذه التّرجمة، أشار بها إلى أنّ هذا التّفصيل غير مستحبّ، ولعل مراد من استحبّه أنّ الأصل أن لا يرتفع الإمام عن المأمومين. ولا يلزم من مشروعيّة ذلك للنّبيّ ﷺ , ثمّ لمن ولي الخلافة أن يشرع لمن جاء بعدهم، وحجّة الجمهور وجود الاشتراك في وعظ السّامعين وتعليمهم بعض أمور الدّين.

стр. 1168

وفي الحديث جواز الصّلاة على الخشب، وكره ذلك الحسن وابن سيرين، أخرجه ابن أبي شيبة عنهما. وأخرج أيضاً عن ابن مسعود وابن عمر نحوه , وعن مسروق , أنّه كان يحمل لبنةً ليسجد عليها إذا ركب السّفينة، وعن ابن سيرين نحوه. والقول بالجواز هو المعتمد. والله الموفّق. قوله: (وفي لفظ. فصلَّى وهو عليها) أي: على الأعواد، وكانت صلاته على الدّرجة العليا من المنبر, وللبخاري " فأمر بها فوُضعتْ " أنَّثَ لإرادة الأعواد والدّرجات، ففي رواية مسلم من طريق عبد العزيز بن أبي حازم " فعمل له هذا الدّرجات الثّلاث " قوله: (ثم كبّر وهو عليها , ثمّ ركع وهو عليها , ثمّ نزل القهقرى) لَم يذكر القيام بعد الرّكوع في هذه الرّواية. وكذا لَم يذكر القراءة بعد التّكبيرة، وقد تبيّن ذلك في رواية سفيان عن أبي حازم عند البخاري. ولفظه " كبّر فقرأ وركع , ثمّ رفع رأسه , ثمّ رجع القهقرى. والقهقرى بالقصر المشي إلى خلف. والحامل عليه المحافظة على استقبال القبلة، وفي رواية هشام بن سعد عن أبي حازم عند الطّبرانيّ " فخطب النّاس عليه , ثمّ أقيمت الصّلاة فكبّر وهو على المنبر " , فأفادت هذه الرّواية تقدّم الخطبة على الصّلاة. تكميلٌ: الغلام النجّار سمّاه عبّاسٍ بن سهل عن أبيه. فيما أخرجه قاسم بن أصبغ وأبو سعد في " شرف المصطفى " جميعاً من طريق يحيى بن بكير عن ابن لهيعة حدّثني عمارة بن غزيّة عنه. ولفظه: كان

стр. 1169

رسول الله ﷺ يخطب إلى خشبة، فلمّا كثر النّاس قيل له: لو كنت جعلت منبراً. قال: وكان بالمدينة نجّار واحد يقال له ميمون. فذكر الحديث، وأخرجه ابن سعد من رواية سعيد بن سعد الأنصاريّ عن ابن عبّاسٍ نحو هذا السّياق , ولكن لَم يُسمِّه. وفي الطّبرانيّ من طريق أبي عبد الله الغفاريّ سمعت سهل بن سعد يقول: كنت جالساً مع خالٍ لي من الأنصار. فقال له النّبيّ ﷺ : اخرج إلى الغابة وأتني من خشبها فاعمل لي منبراً. الحديث. وجاء في صانع المنبر أقوال أخرى: أحدها: اسمه إبراهيم، أخرجه الطّبرانيّ في " الأوسط " عن جابر. وفي إسناده العلاء بن مسلمة الرّوّاس وهو متروك. ثانيها: باقول بموحّدةٍ وقاف مضمومة، رواه عبد الرّزّاق بإسنادٍ ضعيف منقطع، ووصله أبو نعيمٍ في المعرفة , لكن قال: باقوم آخره ميم. وإسناده ضعيف أيضاً. ثالثها: صباح بضمّ المهملة بعدها موحّدة خفيفة وآخره مهملة أيضاً. ذكره ابن بشكوال بإسنادٍ شديد الانقطاع. رابعها: قبيصة أو قبيصة المخزوميّ مولاهم، ذكره عمر بن شبّة في " الصّحابة " بإسنادٍ مرسل. خامسها: كلاب مولى العبّاسٍ كما سيأتي. سادسها: تميم الدّاريّ رواه أبو داود مختصراً والحسن بن سفيان والبيهقيّ من طريق أبي عاصم عن عبد العزيز بن أبي روّادٍ عن نافع

стр. 1170

عن ابن عمر , أنّ تميماً الدّاريّ قال لرسول الله ﷺ لَمّا كثر لحمه: ألا نتّخذ لك منبراً يحمل عظامك؟ قال: بلى، فاتّخذ له منبراً. الحديث. وإسناده جيّد. وروى ابن سعد في " الطّبقات " من حديث أبي هريرة , أنّ النّبيّ ﷺ كان يخطب وهو مستند إلى جذع , فقال: إنّ القيام قد شقّ عليّ. فقال له تميم الدّاريّ: ألا أعمل لك منبراً كما رأيت يصنع بالشّام؟ فشاور النّبيّ ﷺ المسلمين في ذلك فرأوا أن يتّخذه، فقال العبّاسٍ بن عبد المطّلب: إنّ لي غلاماً يقال له كلاب أعمل النّاس، فقال: مُره أن يعمل ". الحديث رجاله ثقات إلاَّ الواقديّ. سابعها: ميناء. ذكره ابن بشكوال عن الزّبير بن بكّار حدّثني إسماعيل - هو ابن أبي أويس - عن أبيه قال: عمل المنبرَ غلامٌ لامرأةٍ من الأنصار من بني سلمة - أو من بني ساعدة أو امرأة لرجلٍ منهم , يقال له: ميناء. انتهى. وهذا يحتمل أن يعود الضّمير فيه على الأقرب , فيكون ميناء اسم زوج المرأة. وأغرب الكرماني هنا , فزعم: أنَّ اسم المرأة مينا وهو وهمٌ، وإنما قيل ذلك في اسم النجار. وليس في جميع هذه الرّوايات التي سُمِّي فيها النّجّار شيء قويّ السّند إلاَّ حديث ابن عمر، وليس فيه التّصريح بأنّ الذي اتّخذ المنبر تميم الدّاريّ، بل قد تبيّن من رواية ابن سعد أنّ تميماً لَم يعمله.

стр. 1171

وأشبه الأقوال بالصّواب. قول مَن قال: هو ميمون لكون الإسناد من طريق سهل بن سعد أيضاً , وأمّا الأقوال الأخرى فلا اعتداد بها لوهائها. ويبعد جدّاً أن يجمع بينها بأنّ النّجّار كانت له أسماء متعدّدة. وأمّا احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله. فيمنع منه قوله في كثير من الرّوايات السّابقة " لَم يكن بالمدينة إلاَّ نجّار واحد " إلاَّ إن كان يحمل على أنّ المراد بالواحد الماهر في صناعته والبقيّة أعوانه فيمكن. والله أعلم. ووقع عند التّرمذيّ وابن خزيمة وصحّحاه من طريق عكرمة بن عمّار عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس: كان النّبيّ ﷺ يقوم يوم الجمعة فيسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يخطب، فجاء إليه روميّ , فقال: ألا أصنع لك منبراً. الحديث، ولَم يسمّه. يحتمل: أن يكون المراد بالرّوميّ تميم الدّاريّ , لأنّه كان كثير السّفر إلى أرض الرّوم. وقد عرف ممّا تقدّم سبب عمل المنبر. وجزم ابن سعد: بأنّ ذلك كان في السّنة السّابعة. وفيه نظرٌ لذكر العبّاسٍ وتميم فيه , وكان قدوم العبّاسٍ بعد الفتح في آخر سنة ثمانٍ، وقدوم تميم سنة تسع. وجزم ابن النّجّار: بأنّ عمله كان سنة ثمانٍ. وفيه نظرٌ أيضاً. لِمَا ورد في حديث الإفك في الصّحيحين عن عائشة قالت: فثار الحيّان الأوس والخزرج حتّى كادوا أن يقتتلوا , ورسول الله ﷺ على المنبر، فنزل فخفّضهم حتّى سكتوا.

стр. 1172

فإن حُمل على التّجوّز في ذكر المنبر , وإلا فهو أصحّ ممّا مضى. وحكى بعض أهل السّير: أنّه ﷺ كان يخطب على منبر من طين قبل أن يتّخذ المنبر الذي من خشب. ويعكّر عليه أنّ في الأحاديث الصّحيحة , أنّه كان يستند إلى الجذع إذا خطب، ولَم يزل المنبر على حاله ثلاث درجات حتّى زاده مروان في خلافة معاوية ستّ درجات من أسفله. وكان سبب ذلك ما حكاه الزّبير بن بكّار في " أخبار المدينة " بإسناده إلى حميد بن عبد الرّحمن بن عوف قال: بعث معاوية إلى مروان - وهو عامله على المدينة - أن يحمل إليه المنبر، فأمر به فقلع، فأظلمت المدينة، فخرج مروان فخطب , وقال: إنّما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، فدعا نجّاراً، وكان ثلاث درجات. فزاد فيه الزّيادة التي هي عليها اليوم، ورواه من وجه آخر قال: فكسفت الشّمس حتّى رأينا النّجوم , وقال: فزاد فيه ستّ درجات , وقال: إنّما زدت فيه حين كثر النّاس. قال ابن النّجّار وغيره: استمرّ على ذلك إلاَّ ما أصلح منه إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستّمائةٍ فاحترق، ثمّ جدّد المظفّر صاحب اليمن سنة ستّ وخمسين منبراً، ثمّ أرسل الظّاهر بيبرس بعد عشر سنين منبراً فأزيل منبر المظفّر، فلم يزل إلى هذا العصر , فأرسل الملك المؤيّد سنة عشرين وثمانمائةٍ منبراً جديداً، وكان أرسل في سنة ثماني عشرة منبراً جديداً إلى مكّة أيضاً، شكر الله له

стр. 1173

صالح عمله آمين.

стр. 1174

الحديث الرابع والتسعون ١٤٣ - عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ , قال: من اغتسل يوم الجمعة , غسل الجنابة , ثمّ راح في الساعة الأولى (١) فكأنّما قرّب بدنةً , ومن راح في السّاعة الثّانية فكأنّما قرّب بقرةً , ومن راح في السّاعة الثّالثة فكأنّما قرّب كبشاً أقرن , ومن راح في السّاعة الرّابعة فكأنّما قرّب دجاجةً , ومن راح في السّاعة الخامسة فكأنّما قرّب بيضةً , فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذّكر. (٢) قوله: (من اغتسل) يدخل فيه كلّ من يصحّ التّقرّب منه , من ذكر أو أنثى حرّ أو عبد. قوله: (غسلَ الجنابة) بالنّصب على أنّه نعت لمصدرٍ محذوف , أي: غسلاً كغسل الجنابة، وهو كقوله تعالى (وهي تمرّ مرّ السّحاب) , وفي رواية ابن جريجٍ عن سُميٍّ عند عبد الرّزّاق " فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة " , وظاهره أنّ التّشبيه للكيفيّة لا للحكم , وهو قول الأكثر.

стр. 1175

وقيل: فيه إشارة إلى الجماع يوم الجمعة ليغتسل فيه من الجنابة، والحكمة فيه أن تسكن نفسه في الرّواح إلى الصّلاة. ولا تمتدّ عينه إلى شيء يراه، وفيه حمل المرأة أيضاً على الاغتسال ذلك اليوم، وعليه حمل قائل ذلك حديث: من غسَّل واغتسل. المخرّج في السّنن على رواية مَن روى غسّل بالتّشديد. قال النّوويّ: ذهب بعض أصحابنا إلى هذا وهو ضعيف أو باطل، والصّواب الأوّل. انتهى وقد حكاه ابن قدامة عن الإمام أحمد، وثبت أيضاً عن جماعة من التّابعين. وقال القرطبيّ: إنّه أنسب الأقوال فلا وجه لادّعاء بطلانه , وإن كان الأوّل أرجح. ولعله عنى أنّه باطلٌ في المذهب. قوله: (ثمّ راح) زاد أصحاب الموطّأ عن مالك " في السّاعة الأولى ". قوله: (فكأنّما قرّب بدنة) أي: تصدّق بها متقرّباً إلى الله. وقيل: المراد أنّ للمبادر في أوّل ساعة نظير ما لصاحب البدنة من الثّواب ممّن شرع له القربان، لأنّ القربان لَم يشرع لهذه الأمّة على الكيفيّة التي كانت للأمم السّالفة. وفي رواية ابن جريجٍ المذكورة " فله من الأجر مثل الجزور " , وظاهره أنّ المراد أنّ الثّواب لو تجسّد لكان قدر الجزور (١).

стр. 1176

وقيل: ليس المراد بالحديث إلاَّ بيان تفاوت المبادرين إلى الجمعة، وأنّ نسبة الثّاني من الأوّل نسبة البقرة إلى البدنة في القيمة مثلاً. ويدلّ عليه أنّ في مرسل طاوسٍ عند عبد الرّزّاق " كفضل صاحب الجزور على صاحب البقرة ". ووقع في رواية الزّهريّ عن الأغر عن أبي هريرة عند البخاري بلفظ " كمثل الذي يُهدي بدنة " , فكأنّ المراد بالقربان في رواية الباب الإهداء إلى الكعبة. قال الطّيبيّ: في لفظ الإهداء إدماج بمعنى التّعظيم للجمعة، وأنّ المبادر إليها كمن ساق الهدي، والمراد بالبدنة البعير ذكراً كان أو أنثى، والهاء فيها للوحدة لا للتّأنيث، وكذا في باقي ما ذكر. وحكى ابن التّين عن مالك: أنّه كان يتعجّب ممّن يخصّ البدنة بالأنثى. وقال الأزهريّ في شرح ألفاظ المختصر: البدنة لا تكون إلاَّ من الإبل، وصحّ ذلك عن عطاء، وأمّا الهدي فمن الإبل والبقر والغنم، هذا لفظه. وحكى النّوويّ عنه أنّه قال: البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم، وكأنّه خطأ نشأ عن سقط. وفي الصّحاح: البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكّة، سُمّيت بذلك , لأنّهم كانوا يسمّنونها. انتهى.

стр. 1177

والمراد بالبدنة هنا النّاقة بلا خلاف. واستُدلّ به على أنّ البدنة تختصّ بالإبل لأنّها قوبلت بالبقرة عند الإطلاق، وقسم الشّيء لا يكون قسيمه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد. وقال إمام الحرمين: البدنة من الإبل، ثمّ الشّرع قد يقيم مقامها البقرة وسبعاً من الغنم. وتظهر ثمرة هذا فيما إذا قال: لله عليّ بدنة، وفيه خلاف، الأصحّ تعيّن الإبل إن وجدت، وإلا فالبقرة أو سبع من الغنم. وقيل: تتعيّن الإبل مطلقاً، وقيل: يتخيّر مطلقاً. قوله: (كأنّما قرب بقرة) البقر اسم جنس يكون للمذكر والمؤنث، اشتُقَّ من بقرتُ الشيء إذا شققته , لأنها تبقر الأرض بالحراثة. قوله: (دجاجة) بالفتح، ويجوز الكسر، وحكى الليث الضّمّ أيضاً. وعن محمّد بن حبيب: أنّها بالفتح من الحيوان وبالكسر من النّاس. واستشكل التّعبير في الدّجاجة والبيضة بقوله في رواية الزّهريّ " كالذي يهدي " لأنّ الهدي لا يكون منهما. وأجاب القاضي عياض تبعاً لابن بطّال: بأنّه لَمّا عطفه على ما قبله أعطاه حكمه في اللفظ , فيكون من الاتّباع كقوله: متقلداً سيفاً ورمحاً. وتعقّبه ابن المنير في الحاشية: بأنّ شرط الاتّباع أن لا يصرّح باللفظ في الثّاني , فلا يسوغ أن يقال متقلداً سيفاً ومتقلداً رمحاً. والذي يظهر

стр. 1178

أنّه من باب المشاكلة، وإلى ذلك أشار ابن العربيّ بقوله: هو من تسمية الشّيء باسم قرينه. وقال ابن دقيق العيد: قوله " قرّب بيضة " وفي الرّواية الأخرى " كالذي يهدي " يدلّ على أنّ المراد بالتّقريب الهدي، وينشأ منه أنّ الهدي يطلق على مثل هذا حتّى لو التزم هدياً هل يكفيه ذلك أو لا؟. انتهى. والصّحيح عند الشّافعيّة الثّاني، وكذا عند الحنفيّة والحنابلة، وهذا ينبني على أنّ النّذر. هل يسلك به مسلك جائز الشّرع أو واجبه.؟ فعلى الأوّل: يكفي أقلّ ما يتقرّب به، وعلى الثّاني: يُحمل على أقلّ ما يتقرّب به من ذلك الجنس. ويقوّي الصّحيح أيضاً. أنّ المراد بالهدي هنا التّصدّق كما دلَّ عليه لفظ التّقرّب، والله أعلم. قوله: (فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذّكر) استنبط منه الماورديّ , أنّ التّبكير لا يستحبّ للإمام، قال: ويدخل للمسجد من أقرب أبوابه إلى المنبر. وما قاله غير ظاهرٍ لإمكان أن يجمع الأمرين بأن يبكّر ولا يخرج من المكان المعدّ له في الجامع إلاَّ إذا حضر الوقت، أو يحمل على من ليس له مكان معدّ. وزاد في رواية الزّهريّ " طووا صحفهم " ولمسلمٍ من طريقه " فإذا جلس الإمام طووا الصّحف وجاءوا يستمعون الذّكر " , وكأنّ ابتداء

стр. 1179

طيّ الصّحف عند ابتداء خروج الإمام وانتهائه بجلوسه على المنبر، وهو أوّل سماعهم للذّكر. والمراد به ما في الخطبة من المواعظ وغيرها. وأوّل حديث الزّهريّ " إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأوّل فالأوّل " , ونحوه في رواية ابن عجلان عن سميٍّ عند النّسائيّ. وفي رواية العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عند ابن خزيمة " على كلّ بابٍ من أبواب المسجد ملكان يكتبان الأوّل فالأوّل " , فكأنّ المراد بقوله في رواية الزّهريّ " على باب المسجد " جنس الباب، ويكون من مقابلة المجموع بالمجموع، فلا حجّة فيه لمن أجاز التّعبير عن الاثنين بلفظ الجمع. ووقع في حديث ابن عمر صفة الصّحف المذكورة، أخرجه أبو نعيمٍ في " الحلية " مرفوعاً بلفظ: إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكة بصحفٍ من نورٍ وأقلام من نورٍ. الحديث، وهو دالٌّ على أنّ الملائكة المذكورين غير الحفظة. والمراد بطيّ الصّحف طيّ صحف الفضائل المتعلقة بالمبادرة إلى الجمعة دون غيرها من سماع الخطبة وإدراك الصّلاة والذّكر والدّعاء والخشوع ونحو ذلك، فإنّه يكتبه الحافظان قطعاً، ووقع في رواية ابن عيينة عن الزّهريّ في آخر حديثه المشار إليه عند ابن ماجه " فمن جاء بعد ذلك فإنّما يجيء لحقّ الصّلاة ". وفي رواية ابن جريجٍ عن سُميٍّ من الزّيادة في آخره " ثمّ إذا استمع

стр. 1180

وأنصت غفر له ما بين الجمعتين , وزيادة ثلاثة أيّام ". وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عند ابن خزيمة " فيقول بعض الملائكة لبعضٍ: ما حبس فلاناً؟ فتقول: اللهمّ إن كان ضالاً فاهده، وإن كان فقيراً فأغنه، وإن كان مريضاً فعافه ". وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم. الحضّ على الاغتسال يوم الجمعة وفضله، وفضل التّبكير إليها، وأنّ الفضل المذكور إنّما يحصل لمن جمعهما. وعليه يحمل ما أطلق في باقي الرّوايات من ترتّب الفضل على التّبكير من غير تقييد بالغسل. وفيه أنّ مراتب النّاس في الفضل بحسب أعمالهم، وأنّ القليل من الصّدقة غير محتقر في الشّرع. وفيه أنّ التّقرّب بالإبل أفضل من التّقرّب بالبقر وهو بالاتّفاق في الهدي، واختلف في الضّحايا، والجمهور على أنّها كذلك. وقال الزين بن المنير: فرّق مالك بين التّقرّبين باختلاف المقصودين، لأنّ أصل مشروعيّة الأضحيّة التّذكير بقصّة الذّبيح، وهو قد فُدي بالغنم. والمقصود بالهدي التّوسعة على المساكين فناسب البدن. واستدل به على أنّ الجمعة تصحّ قبل الزّوال كما سيأتي نقل الخلاف فيه (١). ووجه الدّلالة منه تقسيم السّاعة إلى خمس. ثمّ عقّب بخروج الإمام، وخروجه عند أوّل وقت الجمعة، فيقتضي أنّه يخرج في أوّل السّاعة

стр. 1181

السّادسة وهي قبل الزّوال. والجواب: أنّه ليس في شيء من طرق هذا الحديث ذكر الإتيان من أوّل النّهار، فلعل السّاعة الأولى منه جعلت للتّأهّب بالاغتسال وغيره، ويكون مبدأ المجيء من أوّل الثّانية فهي أولى بالنّسبة للمجيء ثانية بالنّسبة للنّهار، وعلى هذا فآخر الخامسة أوّل الزّوال فيرتفع الإشكال. وإلى هذا أشار الصّيدلانيّ شارح المختصر حيث قال: إنّ أوّل التّبكير يكون من ارتفاع النّهار، وهو أوّل الضّحى، وهو أوّل الهاجرة. ويؤيّده الحثّ على التّهجير إلى الجمعة. ولغيره من الشّافعيّة في ذلك وجهان اختلف فيهما التّرجيح. فقيل: أوّل التّبكير طلوع الشّمس. وقيل: طلوع الفجر، ورجّحه جمع. وفيه نظرٌ. إذ يلزم منه أن يكون التّأهّب قبل طلوع الفجر، وقد قال الشّافعيّ: يجزئ الغسل إذا كان بعد الفجر. فأشعر بأنّ الأولى أن يقع بعد ذلك. ويحتمل: أن يكون ذكر السّاعة السّادسة لَم يذكره الرّاوي. وقد وقع في رواية ابن عجلان عن سميٍّ عند النّسائيّ من طريق الليث عنه زيادة مرتبة بين الدّجاجة والبيضة وهي العصفور، وتابعه صفوان بن عيسى عن ابن عجلان، أخرجه محمّد بن عبد السّلام

стр. 1182

الخشنيّ. وله شاهدٌ من حديث أبي سعيد أخرجه حميد بن زنجويه في " التّرغيب " له بلفظ " فكمهدي البدنة إلى البقرة إلى الشّاة إلى علية الطّير إلى العصفور " الحديث، ونحوه في مرسل طاوسٍ عند سعيد بن منصور. ووقع عند النّسائيّ أيضاً في حديث الزّهريّ من رواية عبد الأعلى عن معمر زيادة (البطّة) بين الكبش والدّجاجة، لكن خالفه عبد الرّزّاق، وهو أثبت منه في معمر فلم يذكرها، وعلى هذا فخروج الإمام يكون عند انتهاء السّادسة. وهذا كلّه مبنيّ على أنّ المراد بالسّاعات ما يتبادر الذّهن إليه من العرف فيها، وفيه نظرٌ. إذ لو كان ذلك المراد لاختلف الأمر في اليوم الشّاتي والصّائف، لأنّ النّهار ينتهي في القصر إلى عشر ساعات وفي الطّول إلى أربع عشرة، وهذا الإشكال للقفّال. وأجاب عنه القاضي حسين: بأنّ المراد بالسّاعات ما لا يختلف عدده بالطّول والقصر، فالنّهار اثنتا عشرة ساعة لكن يزيد كلٌّ منها وينقص والليل كذلك، وهذه تسمّى السّاعات الآفاقيّة عند أهل الميقات وتلك التّعديليّة. وقد روى أبو داود والنّسائيّ وصحّحه الحاكم من حديث جابر مرفوعاً: يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة. وهذا - وإن لَم يرد في حديث التّبكير - فيستأنس به في المراد

стр. 1183

بالسّاعات. وقيل: المراد بالسّاعات بيان مراتب المبكّرين من أوّل النّهار إلى الزّوال. وأنّها تنقسم إلى خمس. وتجاسر الغزاليّ فقسّمها برأيه , فقال: الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس، والثّانية إلى ارتفاعها، والثّالثة إلى انبساطها، والرّابعة إلى أن ترمض الأقدام، والخامسة إلى الزّوال. واعترضه ابن دقيق العيد: بأنّ الرّدّ إلى السّاعات المعروفة أولى وإلا لَم يكن لتخصيص هذا العدد بالذّكر معنىً لأنّ المراتب متفاوتة جدّاً. وأولى الأجوبة الأوّل إن لَم تكن زيادة ابن عجلان محفوظة، وإلا فهي المعتمدة. وانفصل المالكيّة إلاَّ قليلاً منهم , وبعض الشّافعيّة عن الإشكال: بأنّ المراد بالسّاعات الخمس لحظات لطيفة أوّلها زوال الشّمس وآخرها قعود الخطيب على المنبر. واستدلّوا على ذلك: بأنّ السّاعة تطلق على جزء من الزّمان غير محدود، تقول جئت ساعة كذا، وبأنّ قوله في الحديث " ثمّ راح " يدلّ على أنّ أوّل الذّهاب إلى الجمعة من الزّوال، لأنّ حقيقة الرّواح من الزّوال إلى آخر النّهار، والغدوّ من أوّله إلى الزّوال. قال المازريّ: تمسّك مالك بحقيقة الرّواح , وتجوّز في السّاعة وعكس غيره. انتهى وقد أنكر الأزهريّ على من زعم أنّ الرّواح لا يكون إلاَّ بعد

стр. 1184

الزّوال، ونقل أنّ العرب تقول " راح " في جميع الأوقات بمعنى ذهب، قال: وهي لغة أهل الحجاز، ونقل أبو عبيد في " الغريبين " نحوه. قلت: وفيه ردّ على الزين بن المنير. حيث أطلق أنّ الرّواح لا يستعمل في المضيّ في أوّل النّهار بوجهٍ، وحيث قال: إنّ استعمال الرّواح بمعنى الغدوّ لَم يسمع ولا ثبت ما يدلّ عليه. ثمّ إنّي لَم أر التّعبير بالرّواح في شيء من طرق هذا الحديث إلاَّ في رواية مالك هذه عن سُمَيٍّ، وقد رواه ابن جريجٍ عن سُمَيٍّ بلفظ " غدا " , ورواه أبو سلمة عن أبي هريرة بلفظ " المتعجّل إلى الجمعة كالمهدي بدنة. الحديث " وصحّحه ابن خزيمة، وفي حديث سمرة: ضرب رسول الله ﷺ مثل الجمعة في التّبكير كناحر البدنة. الحديث، أخرجه ابن ماجه. ولأبي داود من حديث عليّ مرفوعاً: إذا كان يوم الجمعة غدت الشّياطين براياتها إلى الأسواق، وتغدو الملائكة فتجلس على باب المسجد فتكتب الرّجل من ساعة والرّجل من ساعتين. الحديث. فدلَّ مجموع هذه الأحاديث على أنّ المراد بالرّواح الذّهاب. وقيل: النّكتة في التّعبير بالرّواح. الإشارة إلى أنّ الفعل المقصود إنّما يكون بعد الزّوال، فيسمّى الذّاهب إلى الجمعة رائحاً وإن لَم يجيء وقت الرّواح، كما سُمِّي القاصد إلى مكّة حاجّاً. وقد اشتدّ إنكار أحمد وابن حبيب من المالكيّة ما نُقل عن مالك من

стр. 1185

كراهية التّبكير إلى الجمعة , وقال أحمد: هذا خلاف حديث رسول الله ﷺ . واحتجّ بعض المالكيّة أيضاً بقوله في رواية الزّهريّ " مثل المهجّر " , لأنّه مشتقّ من التّهجير , وهو السّير في وقت الهاجرة. وأجيب: بأنّ المراد بالتّهجير هنا التّبكير كما تقدّم نقله عن الخليل في المواقيت. وقال ابن المنير في الحاشية: يحتمل: أن يكون مشتقّاً من الْهِجِّير - بالكسر وتشديد الجيم - وهو ملازمة ذكر الشّيء، وقيل: هو من هجر المنزل وهو ضعيف , لأنّ مصدره الهجر لا التّهجير. وقال القرطبيّ: الحقّ أنّ التّهجير هنا من الهاجرة وهو السّير وقت الحرّ، وهو صالح لِمَا قبل الزّوال وبعده، فلا حجّة فيه لمالكٍ. وقال التّوربشتيّ: جعل الوقت الذي يرتفع فيه النّهار ويأخذ الحرّ في الازدياد من الهاجرة تغليباً، بخلاف ما بعد زوال الشّمس فإنّ الحرّ يأخذ في الانحطاط، وممّا يدلّ على استعمالهم التّهجير في أوّل النّهار ما أنشد ابن الأعرابيّ في " نوادره " لبعض العرب: تهجرون تهجير الفجر. واحتجّوا أيضاً: بأنّ السّاعة لو لَم تطل لزم تساوي الآتين فيها، والأدلة تقتضي رجحان السّابق، بخلاف ما إذا قلنا إنّها لحظة لطيفة. والجواب ما قاله النّوويّ في " شرح المهذّب " تبعاً لغيره. أنّ التّساوي وقع في مسمّى البدنة والتّفاوت في صفاتها.

стр. 1186

ويؤيّده أنّ في رواية ابن عجلان تكرير كلّ من المتقرّب به مرّتين حيث قال " كرجلٍ قدّم بدنة، وكرجلٍ قدّم بدنة " الحديث ولا يرِدُ على هذا أنّ في رواية ابن جريجٍ " وأوّل السّاعة وآخرها سواء " , لأنّ هذه التّسوية بالنّسبة إلى البدنة كما تقرّر. واحتجّ من كره التّبكير أيضاً: بأنّه يستلزم تخطّي الرّقاب في الرّجوع لمن عرضت له حاجة فخرج لها ثمّ رجع. وتعقّب: بأنّه لا حرج عليه في هذه الحالة لأنّه قاصد للوصول لحقّه. وإنّما الحرج على من تأخّر عن المجيء ثمّ جاء فتخطّى، والله أعلم

стр. 1187

الحديث الخامس والتسعون ١٤٤ - عن سلمة بن الأكوع - وكان من أصحاب الشّجرة ﵁ , قال: كنّا نُصلِّي مع رسول الله ﷺ الجمعة , ثمّ ننصرف. وليس للحيطان ظلٌّ نستظلّ به. (١) وفي لفظٍ: كنّا نجمّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشّمس , ثمّ نرجع فنتتبّع الفيء. (٢) قوله: (عن سلمة بن الأكوع) واسم الأكوع سنان. وموت سلمة سنة أربع وسبعين على الصحيح. قوله: (وكان من أصحاب الشجرة) أي: التي كانت بيعة الرضوان تحتها. (٣) قوله: (ثمّ ننصرف. وليس للحيطان ظلٌّ نستظلّ به) استدل به لمن يقول بأنّ صلاة الجمعة تجزئ قبل الزّوال، لأنّ الشّمس إذا زالت ظهرت الظّلال. وأجيب: بأنّ النّفي إنّما تسلط على وجود ظلٍّ يستظلّ به لا على وجود الظّل مطلقاً، والظّلّ الذي يستظلّ به لا يتهيّأ لا بعد الزّوال بمقدارٍ يختلف في الشّتاء والصّيف.

стр. 1188

وأغرب ابن العربيّ. فنقل الإجماع على أنّها لا تجب حتّى تزول الشّمس، إلاَّ ما نقل عن أحمد. أنّه إن صلاها قبل الزّوال أجزأ. انتهى. وقد نقله ابن قدامة وغيره عن جماعة من السّلف كما سيأتي. وروى أبو نعيمٍ شيخ البخاريّ في " كتاب الصّلاة " له. وابن أبي شيبة من رواية عبد الله بن سيدان قال: شهدتُ الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النّهار، وشهدتها مع عمر ﵁ فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد انتصف النّهار. رجاله ثقات إلاَّ عبد الله بن سيدان - وهو بكسر المهملة بعدها تحتانيّة ساكنة - فإنّه تابعيّ كبير إلاَّ أنّه غير معروف العدالة. قال ابن عديّ: شبه المجهول. وقال البخاريّ: لا يُتابع على حديثه. بل عارضه ما هو أقوى منه. فروى ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة , أنّه صلَّى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشّمس. إسناده قويّ. وفي الموطّأ عن مالك بن أبي عامر قال: كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب تطرح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربيّ، فإذا غشيها ظلّ الجدار خرج عمر. إسناده صحيح. وهو ظاهر في أنّ عمر كان يخرج بعد زوال الشّمس. وفهم منه بعضهم عكس ذلك، ولا يتّجه إلاَّ إن حمل على أنّ

стр. 1189

الطّنفسة كانت تفرش خارج المسجد وهو بعيد، والذي يظهر أنّها كانت تفرش له داخل المسجد، وعلى هذا فكان عمر يتأخّر بعد الزّوال قليلاً. وفي حديث السّقيفة عن ابن عبّاسٍ قال: فلمّا كان يوم الجمعة وزالت الشّمس , خرج عمر فجلس على المنبر. (١) وأمّا عليّ. فروى ابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق , أنّه صلَّى خلف عليّ الجمعة بعدما زالت الشّمس. إسناده صحيح. وروى أيضاً من طريق أبي رزين قال: كنّا نُصلِّي مع عليّ الجمعة فأحياناً نجد فيئاً وأحياناً لا نجد. وهذا محمول على المبادرة عند الزّوال أو التّأخير قليلاً. وأمّا النّعمان بن بشير. فروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن سماك بن حرب قال: كان النّعمان بن بشير يُصلِّي بنا الجمعة بعدما تزول الشّمس. قلت: وكان النّعمان أميراً على الكوفة في أوّل خلافة يزيد بن معاوية. وأمّا عمرو بن حريثٍ. فأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً من طريق الوليد بن العيزار , قال: ما رأيت إماماً كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو

стр. 1190

بن حريثٍ، فكان يُصلِّيها إذا زالت الشّمس. إسناده صحيح أيضاً، وكان عمروٌ ينوب عن زياد , وعن ولده في الكوفة أيضاً. وأمّا ما يعارض ذلك عن الصّحابة. فروى ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن سلِمة - وهو بكسر اللام - قال: صلَّى بنا عبد الله - يعني ابن مسعود - الجمعة ضحىً , وقال: خشيت عليكم الحرّ. وعبد الله صدوق إلاَّ أنّه ممّن تغيّر لَمّا كبر. قاله شعبة وغيره. ومن طريق سعيد بن سويدٍ قال: صلَّى بنا معاوية الجمعة ضحىً. وسعيد ذكره ابن عديّ في الضّعفاء. واحتجّ بعض الحنابلة: بقوله ﷺ : إنّ هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين. قال: فلمّا سمّاه عيداً جازت الصّلاة فيه وقت العيد كالفطر والأضحى. وتعقّب: بأنّه لا يلزم من تسمية يوم الجمعة عيداً أن يشتمل على جميع أحكام العيد، بدليل أنّ يوم العيد يحرم صومه مطلقاً سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة باتّفاقهم. قوله: (كنّا نجمّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشّمس) وللبخاري عن أنس بن مالك ﵁ , أنَّ النبي ﷺ كان يُصلِّي الجمعة حين تميل الشمس. فيه إشعار بمواظبته ﷺ على صلاة الجمعة إذا زالت الشّمس.

стр. 1191

أمّا رواية حميدٍ عن أنس عند البخاري: كنّا نبكّر بالجمعة , ونقيل بعد الجمعة. فظاهره أنّهم كانوا يصلّون الجمعة باكر النّهار، لكنّ طريق الجمع أولى من دعوى التّعارض. وقد تقرّر فيما تقدّم أنّ التّبكير يطلق على فعل الشّيء في أوّل وقته أو تقديمه على غيره وهو المراد هنا. والمعنى أنّهم كانوا يبدءون بالصّلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظّهر في الحرّ فإنّهم كانوا يقيلون ثمّ يصلّون لمشروعيّة الإبراد تنبيهٌ: لَم يقع التّصريح عند البخاري برفع حديث أنس الثّاني. وقد أخرجه الطّبرانيّ في " الأوسط " من طريق فضيل بن عياض عن حميدٍ فزاد فيه " مع النّبيّ ﷺ " وكذا أخرجه ابن حبّان في " صحيحه " من طريق محمّد بن إسحاق حدّثني حميدٌ الطّويل. وله شاهد من حديث سهل بن سعد في الصحيحين قال: كُنا نقيل ونتغدَّى بعد الجمعة (١). وفيه ردٌّ على من زعم أنَّ الساعات المطلوبة في الذهاب إلى الجمعة من عند الزوال , لأنهم كانوا يتبادرون إلى الجمعة قبل القائلة. واستُدلّ بحديث سهل لأحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال , وترجم عليه ابن أبي شيبة " باب من كان يقول الجمعة أول النهار "

стр. 1192

وأورد فيه حديث سهل هذا. وحديث أنس: كنا نبكر إلى الجمعة، ثم نقيل (١). وعن ابن عمر مثله , وعن عمر وعثمان وسعد وابن مسعود مثله من قولهم. وتعقّب: بأنه لا دلالة فيه على أنهم كانوا يصلّون الجمعة قبل الزوال , بل فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة ثم بالصلاة , ثم ينصرفون فيتداركون ذلك. بل ادعى الزين بن المنير. أنه يؤخذ منه أنَّ الجمعة تكون بعد الزوال , لأنَّ العادة في القائلة أن تكون قبل الزوال فأخبر الصحابي أنهم كانوا يشتغلون بالتهيؤ للجمعة عن القائلة ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة.

стр. 1193

الحديث السادس والتسعون ١٤٥ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: كان النّبيّ ﷺ يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: الَم تنزيل السّجدة , وهل أتى على الإنسان. (١) قوله: (الَم تنزيل) بضمّ اللام على الحكاية، وقوله " السّجدة " بالنّصب. قال ابن بطّال: أجمعوا على السّجود فيها، وإنّما اختلفوا في السّجود بها في الصّلاة. انتهى قوله: (وهل أتى على الإنسان) زاد الأصيليّ في روايته " حينٌ من الدّهر " (٢) والمراد أن يقرأ في كلّ ركعة بسورةٍ، وكذا بيّنه مسلم من طريق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن أبيه بلفظ " الم تنزيل، في الرّكعة الأولى، وفي الثّانية: هل أتى على الإنسان ". وفيه دليل على استحباب قراءة هاتين السّورتين في هذه الصّلاة من هذا اليوم. لِمَا تشعر الصّيغة به من مواظبته ﷺ على ذلك أو إكثاره منه. بل ورد من حديث ابن مسعود التّصريح بمداومته ﷺ على ذلك، أخرجه الطّبرانيّ ولفظه " يديم ذلك " , وأصله في ابن ماجه بدون

стр. 1194

هذه الزّيادة ورجاله ثقات، لكن صوّب أبو حاتم إرساله. وكأنّ ابن دقيق العيد لَم يقف عليه , فقال في الكلام على حديث الباب: ليس في الحديث ما يقتضي فعل ذلك دائماً اقتضاء قويّاً. وهو كما قال بالنّسبة لحديث الباب، فإنّ الصّيغة ليست نصّاً في المداومة , لكنّ الزّيادة التي ذكرناها نصّ في ذلك. وقد أشار أبو الوليد الباجيّ في رجال البخاريّ: إلى الطّعن في سعد بن إبراهيم لروايته لهذا الحديث، وأنّ مالكاً امتنع من الرّواية عنه لأجله، وأنّ النّاس تركوا العمل به لا سيّما أهل المدينة. انتهى. وليس كما قال، فإنّ سعداً لَم ينفرد به مطلقاً، فقد أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عبّاسٍ مثله، وكذا ابن ماجه والطّبرانيّ من حديث ابن مسعود، وابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقّاص، والطّبرانيّ في " الأوسط " من حديث عليّ. وأمّا دعواه أنّ النّاس تركوا العمل به فباطلة، لأنّ أكثر أهل العلم من الصّحابة والتّابعين قد قالوا به كما نقله ابن المنذر وغيره، حتّى إنّه ثابتٌ عن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف والد سعد وهو من كبار التّابعين من أهل المدينة , أنّه أمّ النّاس بالمدينة بهما في الفجر يوم الجمعة. أخرجه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ. وكلام ابن العربيّ يشعر بأنّ ترك ذلك أمر طرأ على أهل المدينة , لأنّه قال: وهو أمر لَم يعلم بالمدينة، فالله أعلم بمن قطعه كما قطع غيره. انتهى.

стр. 1195

وأمّا امتناع مالك من الرّواية عن سعد فليس لأجل هذا الحديث، بل لكونه طعن في نسب مالك، كذا حكاه ابن البرقيّ عن يحيى بن معين، وحكى أبو حاتم عن عليّ بن المدينيّ قال: كان سعد بن إبراهيم لا يحدّث بالمدينة فلذلك لَم يكتب عنه أهلها. وقال السّاجيّ: أجمع أهل العلم على صدقه. وقد روى مالك عن عبد الله بن إدريس عن شعبة عنه، فصحّ أنّه حجّة باتّفاقهم. قال: ومالك إنّما لَم يرو عنه لمعنىً معروف، فأمّا أن يكون تكلم فيه فلا أحفظ ذلك. انتهى. وقد اختلف تعليل المالكيّة بكراهة قراءة السّجدة في الصّلاة. فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض. قال القرطبيّ: وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث. وقيل: لخشية التّخليط على المُصلِّين، ومن ثَمَّ فرّق بعضهم بين الجهريّة والسّريّة , لأنّ الجهريّة يؤمن معها التّخليط، لكن صحّ من حديث ابن عمر (١) أنّه ﷺ قرأ سورة فيها سجدة في صلاة الظّهر فسجد بهم فيها، أخرجه أبو داود والحاكم، فبطلت التّفرقة. ومنهم: من علَّلَ الكراهة بخشية اعتقاد العوامّ أنّها فرض. قال ابن دقيق العيد: أمّا القول بالكراهة مطلقاً فيأباه الحديث،
следующие страницы →