← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

أمّا رواية حميدٍ عن أنس عند البخاري: كنّا نبكّر بالجمعة , ونقيل بعد الجمعة. فظاهره أنّهم كانوا يصلّون الجمعة باكر النّهار، لكنّ طريق الجمع أولى من دعوى التّعارض. وقد تقرّر فيما تقدّم أنّ التّبكير يطلق على فعل الشّيء في أوّل وقته أو تقديمه على غيره وهو المراد هنا. والمعنى أنّهم كانوا يبدءون بالصّلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظّهر في الحرّ فإنّهم كانوا يقيلون ثمّ يصلّون لمشروعيّة الإبراد تنبيهٌ: لَم يقع التّصريح عند البخاري برفع حديث أنس الثّاني. وقد أخرجه الطّبرانيّ في " الأوسط " من طريق فضيل بن عياض عن حميدٍ فزاد فيه " مع النّبيّ ﷺ " وكذا أخرجه ابن حبّان في " صحيحه " من طريق محمّد بن إسحاق حدّثني حميدٌ الطّويل. وله شاهد من حديث سهل بن سعد في الصحيحين قال: كُنا نقيل ونتغدَّى بعد الجمعة (١). وفيه ردٌّ على من زعم أنَّ الساعات المطلوبة في الذهاب إلى الجمعة من عند الزوال , لأنهم كانوا يتبادرون إلى الجمعة قبل القائلة. واستُدلّ بحديث سهل لأحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال , وترجم عليه ابن أبي شيبة " باب من كان يقول الجمعة أول النهار "

стр. 1192

وأورد فيه حديث سهل هذا. وحديث أنس: كنا نبكر إلى الجمعة، ثم نقيل (١). وعن ابن عمر مثله , وعن عمر وعثمان وسعد وابن مسعود مثله من قولهم. وتعقّب: بأنه لا دلالة فيه على أنهم كانوا يصلّون الجمعة قبل الزوال , بل فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة ثم بالصلاة , ثم ينصرفون فيتداركون ذلك. بل ادعى الزين بن المنير. أنه يؤخذ منه أنَّ الجمعة تكون بعد الزوال , لأنَّ العادة في القائلة أن تكون قبل الزوال فأخبر الصحابي أنهم كانوا يشتغلون بالتهيؤ للجمعة عن القائلة ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة.

стр. 1193

الحديث السادس والتسعون ١٤٥ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: كان النّبيّ ﷺ يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: الَم تنزيل السّجدة , وهل أتى على الإنسان. (١) قوله: (الَم تنزيل) بضمّ اللام على الحكاية، وقوله " السّجدة " بالنّصب. قال ابن بطّال: أجمعوا على السّجود فيها، وإنّما اختلفوا في السّجود بها في الصّلاة. انتهى قوله: (وهل أتى على الإنسان) زاد الأصيليّ في روايته " حينٌ من الدّهر " (٢) والمراد أن يقرأ في كلّ ركعة بسورةٍ، وكذا بيّنه مسلم من طريق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن أبيه بلفظ " الم تنزيل، في الرّكعة الأولى، وفي الثّانية: هل أتى على الإنسان ". وفيه دليل على استحباب قراءة هاتين السّورتين في هذه الصّلاة من هذا اليوم. لِمَا تشعر الصّيغة به من مواظبته ﷺ على ذلك أو إكثاره منه. بل ورد من حديث ابن مسعود التّصريح بمداومته ﷺ على ذلك، أخرجه الطّبرانيّ ولفظه " يديم ذلك " , وأصله في ابن ماجه بدون

стр. 1194

هذه الزّيادة ورجاله ثقات، لكن صوّب أبو حاتم إرساله. وكأنّ ابن دقيق العيد لَم يقف عليه , فقال في الكلام على حديث الباب: ليس في الحديث ما يقتضي فعل ذلك دائماً اقتضاء قويّاً. وهو كما قال بالنّسبة لحديث الباب، فإنّ الصّيغة ليست نصّاً في المداومة , لكنّ الزّيادة التي ذكرناها نصّ في ذلك. وقد أشار أبو الوليد الباجيّ في رجال البخاريّ: إلى الطّعن في سعد بن إبراهيم لروايته لهذا الحديث، وأنّ مالكاً امتنع من الرّواية عنه لأجله، وأنّ النّاس تركوا العمل به لا سيّما أهل المدينة. انتهى. وليس كما قال، فإنّ سعداً لَم ينفرد به مطلقاً، فقد أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عبّاسٍ مثله، وكذا ابن ماجه والطّبرانيّ من حديث ابن مسعود، وابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقّاص، والطّبرانيّ في " الأوسط " من حديث عليّ. وأمّا دعواه أنّ النّاس تركوا العمل به فباطلة، لأنّ أكثر أهل العلم من الصّحابة والتّابعين قد قالوا به كما نقله ابن المنذر وغيره، حتّى إنّه ثابتٌ عن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف والد سعد وهو من كبار التّابعين من أهل المدينة , أنّه أمّ النّاس بالمدينة بهما في الفجر يوم الجمعة. أخرجه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ. وكلام ابن العربيّ يشعر بأنّ ترك ذلك أمر طرأ على أهل المدينة , لأنّه قال: وهو أمر لَم يعلم بالمدينة، فالله أعلم بمن قطعه كما قطع غيره. انتهى.

стр. 1195

وأمّا امتناع مالك من الرّواية عن سعد فليس لأجل هذا الحديث، بل لكونه طعن في نسب مالك، كذا حكاه ابن البرقيّ عن يحيى بن معين، وحكى أبو حاتم عن عليّ بن المدينيّ قال: كان سعد بن إبراهيم لا يحدّث بالمدينة فلذلك لَم يكتب عنه أهلها. وقال السّاجيّ: أجمع أهل العلم على صدقه. وقد روى مالك عن عبد الله بن إدريس عن شعبة عنه، فصحّ أنّه حجّة باتّفاقهم. قال: ومالك إنّما لَم يرو عنه لمعنىً معروف، فأمّا أن يكون تكلم فيه فلا أحفظ ذلك. انتهى. وقد اختلف تعليل المالكيّة بكراهة قراءة السّجدة في الصّلاة. فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض. قال القرطبيّ: وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث. وقيل: لخشية التّخليط على المُصلِّين، ومن ثَمَّ فرّق بعضهم بين الجهريّة والسّريّة , لأنّ الجهريّة يؤمن معها التّخليط، لكن صحّ من حديث ابن عمر (١) أنّه ﷺ قرأ سورة فيها سجدة في صلاة الظّهر فسجد بهم فيها، أخرجه أبو داود والحاكم، فبطلت التّفرقة. ومنهم: من علَّلَ الكراهة بخشية اعتقاد العوامّ أنّها فرض. قال ابن دقيق العيد: أمّا القول بالكراهة مطلقاً فيأباه الحديث،

стр. 1196

لكن إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة فينبغي أن تُترك أحياناً لتندفع، فإنّ المستحبّ قد يترك لدفع المفسدة المتوقّعة، وهو يحصل بالتّرك في بعض الأوقات. انتهى. وإلى ذلك أشار ابن العربيّ بقوله: ينبغي أن يفعل ذلك في الأغلب للقدرة، ويقطع أحياناً , لئلا تظنّه العامّة سنّة. انتهى. وهذا على قاعدتهم في التّفرقة بين السّنّة والمستحبّ. وقال صاحب المحيط من الحنفيّة: يستحبّ قراءة هاتين السّورتين في صبح يوم الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحياناً , لئلا يظنّ الجاهل أنّه لا يجزئ غيره. وأمّا صاحب الهداية منهم. فذكر أنّ عِلَّة الكراهة: هجران الباقي وإيهام التّفضيل. وقول الطّحاويّ يناسب قول صاحب المحيط، فإنّه خصّ الكراهة بمن يراه حتماً لا يجزئ غيره , أو يرى القراءة بغيره مكروهة. فائدتان. الأولى: لَم أر في شيء من الطّرق التّصريح بأنّه ﷺ سجد لَمّا قرأ سورة تنزيل السّجدة في هذا المحلّ , إلاَّ في كتاب الشّريعة لابن أبي داود من طريق أخرى عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاسٍ قال: غدوتُ على النّبيّ ﷺ يوم الجمعة في صلاة الفجر , فقرأ سورة فيها سجدة. فسجد. الحديث، وفي إسناده من ينظر في حاله. وللطّبرانيّ في الصّغير من حديث عليّ , أنّ النّبيّ ﷺ سجد في صلاة

стр. 1197

الصّبح. في تنزيل السّجدة " لكن في إسناده ضعف. الثّانية: قيل: الحكمة في اختصاص يوم الجمعة بقراءة سورة السّجدة , قصد السّجود الزّائد حتّى أنّه يستحبّ لمن لَم يقرأ هذه السّورة بعينها أن يقرأ سورة غيرها فيها سجدة، وقد عاب ذلك على فاعله غير واحدٍ من العلماء. ونسبهم صاحب الهدي إلى قلة العلم ونقص المعرفة. لكن عند ابن أبي شيبة بإسنادٍ قويّ عن إبراهيم النّخعيّ أنّه قال: يستحبّ أن يقرأ في الصّبح يوم الجمعة بسورةٍ فيها سجدة. وعنده من طريقه أيضاً , أنّه فعل ذلك فقرأ سورة مريم. ومن طريق ابن عون , قال: كانوا يقرءون في الصّبح يوم الجمعة بسورةٍ فيها سجدة. وعنده من طريقه أيضاً قال: وسألت محمّداً - يعني ابن سيرين - عنه فقال: لا أعلم به بأساً. فهذا قد ثبت عن بعض علماء الكوفة والبصرة. فلا ينبغي القطع بتزييفه. وقد ذكر النّوويّ في زيادات الرّوضة هذه المسألة وقال: لَم أر فيها كلاماً لأصحابنا، ثمّ قال: وقياس مذهبنا أنّه يكره في الصّلاة إذا قصده. انتهى. وقد أفتى ابن عبد السّلام قبله بالمنع وببطلان الصّلاة بقصد ذلك، قال صاحب المهمّات: مقتضى كلام القاضي حسين الجواز. وقال الفارقيّ في فوائد المهذّب: لا تستحبّ قراءة سجدة غير

стр. 1198

تنزيل، فإن ضاق الوقت عن قراءتها قرأ بما أمكن منها ولو بآية السّجدة منها. ووافقه ابن أبي عصرون في كتاب الانتصار. وفيه نظرٌ. تكملة: قيل: إنّ الحكمة في هاتين السّورتين الإشارة إلى ما فيهما من ذكر خلق آدم وأحوال يوم القيامة، لأنّ ذلك كان وسيقع يوم الجمعة، ذكره ابن دحية في العلم المشهور , وقرّره تقريراً حسناً.

стр. 1199

باب صلاة العيدين العيد مشتق من العود , وقيل له ذلك , لأنه يعود في كل عام. وقد نقل الكرماني عن الزمخشري: أنَّ العيد هو السرور العائد. وأقرَّ ذلك. فالمعنى أنَّ كل يوم شُرع تعظيمه يسمى عيداً. انتهى فوائد الفائدة الأولى: روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا بكر، إنَّ لكل قوم عيداً وهذا عيدنا. قوله " لكل قوم " أي من الطوائف وقوله عيد أي كالنيروز والمهرجان وفي النسائي وبن حبان بإسناد صحيح عن أنس قدم النبي ﷺ المدينة - ولهم يومان يلعبون فيهما - فقال: قد أبدلكم الله تعالى بهما خيراً منهما. يوم الفطر والأضحى. واستنبط منه كراهة الفرح في أعياد المشركين والتشبه بهم , وبالغ الشيخ أبو حفص الكبير النسفي من الحنفية فقال من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيماً لليوم فقد كفر بالله تعالى. الفائدة الثانية: روى ابن عدي من حديث واثلة , أنه لقي رسول الله ﷺ يوم عيد فقال: تقبل الله منا ومنك. فقال: نعم. تقبل الله منا

стр. 1200

ومنك. وفي إسناده محمد بن إبراهيم الشامي وهو ضعيف , وقد تفرد به مرفوعاً , وخولف فيه. فروى البيهقي من حديث عبادة بن الصامت , أنه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك. فقال: ذلك فعل أهل الكتابين. وإسناده ضعيف أيضاً. وروينا في المحامليات بإسناد حسن عن جبير بن نفير قال كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك الفائدة الثالثة: روى بن أبي الدنيا والبيهقي بإسناد صحيح إلى بن عمر , أنه كان يلبس أحسن ثيابه في العيدين.

стр. 1201

الحديث السابع والتسعون ١٤٦ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , قال: كان النّبيّ ﷺ وأبو بكرٍ وعمر يصلّون العيدين قبل الخطبة. (١) قوله: (يصلّون العيدين قبل الخطبة) صريح وظاهر في المسألة. واختلف في أوّل من غيّر ذلك. فرواية طارق بن شهابٍ عن أبي سعيدٍ عند مسلمٍ صريحةٌ في أنّه مروان قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان. فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد تُرك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رأى منكم منكراً .. الحديث. وقيل: بل سبقه إلى ذلك عثمان، وروى ابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ إلى الحسن البصريّ قال: أوّل من خطب قبل الصّلاة عثمان، صلَّى بالنّاس ثمّ خطبهم - يعني على العادة - فرأى ناساً لَم يدركوا الصّلاة، ففعل ذلك. أي: صار يخطب قبل الصّلاة. وهذه العلة غير التي اعتلَّ بها مروان (٢). لأنّ عثمان رأى مصلحة

стр. 1202

الجماعة في إدراكهم الصّلاة، وأمّا مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم الخطبة، لكن قيل: إنّهم كانوا في زمن مروان يتعمّدون ترك سماع خطبته لِمَا فيها من سبِّ من لا يستحقّ السبَّ والإفراط في مدح بعض النّاس، فعلى هذا إنّما راعى مصلحة نفسه. ويحتمل: أن يكون عثمان فعل ذلك أحياناً، بخلاف مروان فواظب عليه، فلذلك نسب إليه. وقد روي عن عمر مثل فعل عثمان، قال عياضٌ ومن تبعه: لا يصحّ عنه. وفيما قالوه نظرٌ، لأنّ عبد الرّزّاق وابن أبي شيبة روياه جميعاً عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ عن يوسف بن عبد الله بن سلامٍ، وهذا إسنادٌ صحيحٌ. لكن يعارضه حديث ابن عبّاسٍ: شهدت العيد مع رسول الله ﷺ -

стр. 1203

وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فكلّهم كانوا يصلون قبل الخطبة. متفق عليه، وكذا حديث الباب. فإن جُمع بوقوع ذلك منه نادراً , وإلا فما في الصّحيحين أصحّ. وقد أخرج الشّافعيّ عن عبد الله بن يزيد نحو حديث ابن عبّاسٍ. وزاد: حتّى قدم معاوية فقدّم الخطبة , فهذا يشير إلى أنّ مروان إنّما فعل ذلك تبعاً لمعاوية , لأنّه كان أمير المدينة من جهته. وروى عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ عن الزّهريّ قال: أوّل من أحدث الخطبة قبل الصّلاة في العيد معاوية. وروى ابن المنذر عن ابن سيرين , أنّ أوّل من فعل ذلك زيادٌ بالبصرة. قال عياضٌ: ولا مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان، لأنّ كلاًّ من مروان وزيادٍ كان عاملاً لمعاوية , فيحمل على أنّه ابتدأ ذلك وتبعه عمّاله، والله أعلم.

стр. 1204

الحديث الثامن والتسعون ١٤٧ - عن البراء بن عازبٍ ﵁ قال: خطبنا النّبيّ ﷺ يوم الأضحى بعد الصّلاة , فقال: من صلَّى صلاتنا ونسك نسكنا. فقد أصاب النّسك , ومن نسك قبل الصّلاة فلا نسك له. فقال أبو بُرْدة بن نيارٍ - خال البراء بن عازبٍ -: يا رسولَ الله , إنّي نسكْتُ شاتي قبل الصّلاة. وعرفت أنّ اليوم يوم أكلٍ وشربٍ , وأحببت أن تكون شاتي أوّل ما يذبح في بيتي , فذبحت شاتي , وتغذّيت قبل أن آتي الصّلاة. فقال: شاتك شاة لحمٍ. قال: يا رسولَ الله , فإنّ عندنا عناقاً هي أحبّ إليّ من شاتين. أفتجزي عنّي؟ قال: نعم , ولن تَجزي عن أحدٍ بعدك. (١) قوله: (خطبنا النّبيّ ﷺ يوم الأضحى بعد الصّلاة) تقدم في الحديث قبله. قوله: (من صلَّى صلاتنا ونسك نسكنا) وللبخاري " من صلَّى صلاتنا واستقبل قبلتنا , فلا يذبح حتى ينصرف ". وفي رواية لهما " أوّل ما نبدأ به في يومنا هذا أن نُصلِّي , ثمّ نرجع

стр. 1205

فننحر ". فيه إشعار بأنّ الصّلاة ذلك اليوم هي الأمر المهمّ، وأنّ ما سواها من الخطبة والنّحر والذّكر وغير ذلك من أعمال البرّ يوم النّحر فبطريق التّبع، وهذا القدر مشتركٌ بين العيدين. وهو مشعرٌ أيضاً بأنّ هذا الكلام وقع قبل إيقاع الصّلاة فيستلزم تقديم الخطبة على الصّلاة بناءً على أنّ هذا الكلام من الخطبة، ولأنّه عقّب الصّلاة بالنّحر. والجواب: أنّ المراد أنّه ﷺ صلَّى العيد ثمّ خطب فقال هذا الكلام (١) وأراد بقوله " إنّ أوّل ما نبدأ به " , أي: في يوم العيد تقديم الصّلاة في أيّ عيدٍ كان. والتّعقيب بثمّ لا يستلزم عدم تخلّل أمرٍ آخر بين الأمرين. قال ابن بطّالٍ: غلط النّسائيّ فترجم بحديث البراء فقال " باب الخطبة قبل الصّلاة " قال: وخفي عليه أنّ العرب قد تضع الفعل المستقبل مكان الماضي، وكأنّه قال ﵊: أوّل ما يكون به الابتداء في هذا اليوم الصّلاة التي قدّمنا فعلها. قال: وهو

стр. 1206

مثل قوله تعالى (وما نقموا منهم إلاَّ أن يؤمنوا) أي: الإيمان المتقدّم منهم. انتهى والمعتمد في صحّة ما تأوّلناه رواية محمّد بن طلحة عن زبيدٍ عن الشعبي عند البخاري في هذا الحديث بعينه بلفظ: خرج النّبيّ ﷺ يوم أضحى إلى البقيع فصلَّى ركعتين، ثمّ أقبل علينا بوجهه , وقال: إنّ أوّل نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصّلاة ثمّ نرجع فننحر. الحديث. فتبيّن أنّ ذلك الكلام وقع منه بعد الصّلاة , لأنّه عقّب الخروج إليها بالفاء. ورواية الباب صريحة فيه. فيتعيّن التّأويل الذي قدّمناه. والله أعلم. ووقع في بعض الرّوايات " في يومنا هذا نُصلِّي " بحذف " أن ". وعليها شرح الكرمانيّ , فقال: هو مثل " تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه " وهو على تنزيل الفعل منزلة المصدر، والمراد بالسّنّة هنا في الحديثين معاً الطّريقة لا السّنّة بالاصطلاح التي تقابل الوجوب، والطّريقة أعمّ من أن تكون للوجوب أو للنّدب، فإذا لَم يقم دليل على الوجوب بقي النّدب. قوله: (ونَسك نُسكنا فقد أصاب النُّسك , ومن نَسك قبل الصّلاة فلا نُسك له) في رواية لهما " من ضحَّى قبل الصلاة، فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين ". والنّسك يطلق ويراد به الذّبيحة , ويستعمل في نوع خاصّ من الدّماء المراقة، ويستعمل بمعنى العبادة وهو أعمّ , يقال فلان ناسك.

стр. 1207

أي: عابد، وقد استعمل في حديث البراء بالمعنى الثّالث وبالمعنى الأوّل أيضاً في قوله " من نسك قبل الصّلاة فلا نسك له ". أي: من ذبح قبل الصّلاة فلا ذبح له. أي: لا يقع عن الأضحيّة. قوله: (فقال أبو بُرْدة بن نيار) وهو بكسر النّون وتخفيف الياء المثنّاة من تحت وآخره راء. واسمه هانئ , واسم جدّه عمرو بن عبيد وهو بلويّ من حلفاء الأنصار، وقد قيل: إنّ اسمه الحارث بن عمرو , وقيل: مالك بن هبيرة. والأوّل هو الأصحّ. وأخرج ابن منده من طريق جابر الجعفيّ عن الشّعبيّ عن البراء قال: كان اسم خالي قليلاً فسمّاه النّبيّ ﷺ كثيراً، وقال: يا كثير إنّما نسكنا بعد صلاتنا. ثمّ ذكر حديث الباب بطوله، وجابر ضعيف. وأبو بُرْدة ممّن شهد العقبة وبدراً والمشاهد , وعاش إلى سنة اثنتين , وقيل: خمس وأربعين، وله في البخاريّ حديث في الحدود. (١) قوله: (وعرفت أنّ اليومَ يومُ أكلٍ وشربٍ) فيه أنّ أبا بُرْدة أكل قبل الصّلاة يوم النّحر، فبيّن له ﷺ أنّ التي ذبحها لا تجزئ عن الأضحيّة. وأقرّه على الأكل منها. وأمّا ما ورد في التّرمذيّ والحاكم من حديث بريدة , قال: كان النّبيّ ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتّى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتّى يُصلِّي , ونحوه عند البزّار عن جابر بن سمرة. وروى الطّبرانيّ والدارقطنيّ من حديث ابن عبّاسٍ قال: من السّنّة

стр. 1208

أن لا يخرج يوم الفطر حتّى يخرج الصّدقة , ويطعم شيئاً قبل أن يخرج. وفي كلٍّ من الأسانيد الثّلاثة مقالٌ، وقد أخذ أكثر الفقهاء بما دلَّت عليه. قال الزين بن المنير: وقع أكله ﷺ في كلٍّ من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصّة بهما. فإخراج صدقة الفطر قبل الغدوّ إلى المصلى. وإخراج صدقة الأضحيّة بعد ذبحها. فاجتمعا من جهةٍ , وافترقا من جهةٍ أخرى. واختار بعضهم تفصيلاً آخر فقال: من كان له ذبحٌ استحبّ له أن يبدأ بالأكل يوم النّحر منه، ومن لَم يكن له ذبحٌ تخيّر. قوله: (فقال: شاتك شاة لحمٍ) أي: ليست أضحيّة بل هو لحم ينتفع به كما وقع في رواية زبيد " فإنّما هو لحم يقدّمه لأهله " , وفي رواية فراس عن الشعبي عن البراء عند مسلم , قال: ذاك شيء عجّلته لأهلك. وقد استشكلت الإضافة في قوله " شاة لحم "، وذلك أنّ الإضافة قسمان: معنويّة ولفظيّة. فالمعنويّة: إمّا مقدّرة بمن. كخاتم حديد أو باللام. كغلام زيد أو بفي. كضرب اليوم معناه ضرب في اليوم. وأمّا اللفظيّة: فهي صفة مضافة إلى معمولها. كضارب زيد وحسن الوجه، ولا يصحّ شيء من الأقسام الخمسة في شاة لحم.

стр. 1209

قال الفاكهيّ: والذي يظهر لي أنّ أبا بُرْدة لَمّا اعتقد أنّ شاته شاة أضحيّة , أوقع ﷺ في الجواب قوله " شاة لحم " موقع قوله شاة غير أضحيّة. قوله: (فإنّ عندنا عناقاً لنا جذعةً) ولمسلم " عناق لبن " , وللبخاري " إنّ عندي داجناً جذعاً من المعز " , والدّاجن التي تألف البيوت وتستأنس. وليس لها سنّ معيّن، ولَمّا صار هذا الاسم علماً على ما يألف البيوت اضمحلَّ الوصف عنه. فاستوى فيه المذكّر والمؤنّث. والجذعة. بفتح الجيم والذّال المعجمة , هو وصف لسنٍّ معيّن من بهيمة الأنعام، فمن الضّأن ما أكمل السّنة وهو قول الجمهور. وقيل: دونها. ثمّ اختلف في تقديره. فقيل: ابن ستّة أشهر , وقيل: ثمانية , وقيل: عشرة، وحكى التّرمذيّ عن وكيع , أنّه ابن ستّة أشهر أو سبعة أشهر. وعن ابن الأعرابيّ , أنّ ابن الشّابّين يجذع لستّة أشهر إلى سبعة , وابن الهرمين يجذع لثمانيةٍ إلى عشرة، قال: والضّأن أسرع إجذاعاً من المعز، وأمّا الجذع من المعز فهو ما دخل في السّنة الثّانية , ومن البقر ما أكمل الثّالثة , ومن الإبل ما دخل في الخامسة، وقد بيّن في هذه الرّواية أنّها من المعز. والعناق. بفتح العين وتخفيف النّون الأنثى من ولد المعز عند أهل

стр. 1210

اللّغة، ولَم يصب الدّاوديّ في زعمه أنّ العناق هي التي استحقّت أن تحمل , وأنّها تطلق على الذّكر والأنثى. وأنّه بيّن بقوله " لبن " أنّها أنثى. قال ابن التّين: غلط في نقل اللّغة وفي تأويل الحديث، فإنّ معنى " عناق لبن " أنّها صغيرة سنّ ترضع أمّها. ووقع عند الطّبرانيّ من طريق سهل بن أبي حثمة , أنّ أبا بُرْدة ذبح ذبيحته بسحرٍ، فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ فقال: إنّما الأضحيّة ما ذبح بعد الصّلاة، اذهب فضحّ، فقال: ما عنديّ إلاَّ جذعة من المعز. الحديث. قوله: (هي أحبّ إليّ من شاتين) في رواية لمسلمٍ " من شاتي لحم ". والمعنى: أنّها أطيب لحماً وأنفع للآكلين لسمنها ونفاستها. وقد استشكل هذا بما ذُكر أنّ عتق نفسين أفضل من عتق نفس واحدة ولو كانت أنفس منهما. وأجيب: بالفرق بين الأضحيّة والعتق. أنّ الأضحيّة يطلب فيها كثرة اللحم , فتكون الواحدة السّمينة أولى من الهزيلتين. والعتق يطلب فيه التّقرّب إلى الله بفكّ الرّقبة , فيكون عتق الاثنين أولى من عتق الواحدة. نعم. إن عرض للواحد وصف يقتضي رفعته على غيره - كالعلم وأنواع الفضل المتعدّي - فقد جزم بعض المحقّقين بأنّه أولى. لعموم نفعه للمسلمين.

стр. 1211

ووقع في الرّواية الأخرى في البخاري وهي " خير من مسنّة ". وحكى ابن التّين عن الدّاوديّ: أنّ المسنّة التي سقطت أسنانها للبدل، وقال أهل اللّغة: المسنّ الثّنيّ الذي يلقي سنّه، ويكون في ذات الخفّ في السّنة السّادسة , وفي ذات الظّلف والحافر في السّنة الثّالثة. وقال ابن فارس: إذا دخل ولد الشّاة في الثّالثة. فهو ثنيّ ومسنّ. قوله: (قال: نعم , ولن تجزي عن أحدٍ بعدك) في رواية لهما " قال: اذبحها , ولا تصلح لغيرك " ولمسلم " أعد نسكاً , فقال: إن عندي عناقَ لبن هي خير من شاتَي لحم. قال: هي خير نسيكتيك. ولا تجزي جذعة عن أحد بعدك. في رواية فراس عند البخاري " أأذبحها؟ قال: نعم، ثمّ لا تجزي عن أحد بعدك " وله أيضاً " اجعلها مكانها , ولن تجزي عن أحد بعدك " , وفي حديث سهل بن أبي حثمة " وليست فيها رخصة لأحدٍ بعدك " , وللبخاري " ولن تجزي أو توفي ". شكٌّ من الرّاوي. ومعنى تُوفي. أي: تكمل الثّواب , وعند أحمد من طريق يزيد بن البراء عن أبيه " ولن تفي " بغير واو ولا شكٍّ، يقال: وفى إذا أنجز فهو بمعنى تجزي بفتح أوّله. وقوله " تجزي " بفتح أوّله غير مهموز , أي: تقضي، يقال جزا عنّي فلان كذا أي: قضى، ومنه (لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً) أي: لا تقضي عنها. قال ابن برّيّ: الفقهاء يقولون: لا تجزئ بالضّمّ والهمز في موضع

стр. 1212

لا تقضي , والصّواب بالفتح وترك الهمز، قال: لكن يجوز الضّمّ والهمز بمعنى الكفاية، يقال أجزأ عنك. وقال صاحب " الأساس ": بنو تميم يقولون: البدنة تجزي عن سبعة بضمّ أوّله، وأهل الحجاز تجزي بفتح أوّله، وبهما قرئ (لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً) وفي هذا تعقّب على من نقل الاتّفاق على منع ضمّ أوّله. وفي هذا الحديث تخصيص أبي بُرْدة بإجزاء الجذع من المعز في الأضحيّة، لكن وقع في عدّة أحاديث التّصريح بنظير ذلك لغير أبي بُرْدة، ففي حديث عقبة بن عامر , أنَّ النبي ﷺ أعطاه غنماً يقسمها على صحابته ضحايا، فبقي عتود، فذكره للنبي ﷺ فقال: ضح أنت به " (١) , زاد البيهقيّ " ولا رخصة فيها لأحدٍ بعدك ". قال البيهقيّ: إن كانت هذه الزّيادة محفوظة. كان هذا رخصة لعقبة كما رخّص لأبي بُرْدة. قلت: وفي هذا الجمع نظرٌ، لأنّ في كلّ منهما صيغة عموم، فأيّهما تقدّم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثّاني. وأقرب ما يقال فيه: إنّ ذلك صدر لكلٍّ منهما في وقت واحد، أو تكون خصوصيّة الأوّل نسخت بثبوت الخصوصيّة للثّاني، ولا مانع من ذلك , لأنّه لَم يقع في السّياق استمرار المنع لغيره صريحاً.

стр. 1213

وقد انفصل ابن التّين - وتبعه القرطبيّ - عن هذا الإشكال باحتمال أن يكون العتود كان كبير السّنّ بحيث يجزي، لكنّه قال ذلك بناء على أنّ الزّيادة التي في آخره لَم تقع له. ولا يتمّ مراده مع وجودها مع مصادمته لقول أهل اللّغة في العتود. وتمسّك بعض المتأخّرين بكلام ابن التّين فضعّف الزّيادة، وليس بجيّدٍ، فإنّها خارجة من مخرج الصّحيح، فإنّها عند البيهقيّ من طريق عبد الله البوشنجيّ - أحد الأئمّة الكبار في الحفظ والفقه وسائر فنون العلم - رواها عن يحيى بن بكير عن الليث بالسّند الذي ساقه البخاريّ. ولكنّي رأيت الحديث في " المتّفق للجوزقيّ " من طريق عبيد بن عبد الواحد , ومن طريق أحمد بن إبراهيم بن ملحان كلاهما عن يحيى بن بكير. وليست الزّيادة فيه، فهذا هو السّرّ في قول البيهقيّ: إن كانت محفوظة، فكأنّه لَمّا رأى التّفرّد خشي أن يكون دخل على راويها حديث في حديث. وقد وقع في كلام بعضهم. أنّ الذين ثبتت لهم الرّخصة أربعة أو خمسة، واستشكل الجمع وليس بمشكلٍ، فإنّ الأحاديث التي وردت في ذلك ليس فيها التّصريح بالنّفي إلاَّ في قصّة أبي بُرْدة في الصّحيحين , وفي قصّة عقبة بن عامر في البيهقيّ. وأمّا عدا ذلك. فقد أخرج أبو داود وأحمد. وصحّحه ابن حبّان من حديث زيد بن خالد , أنّ النّبيّ ﷺ أعطاه عتوداً جذعاً , فقال: ضحّ

стр. 1214

به، فقلت: إنّه جذع أفأضحّي به؟ قال: نعم. ضحّ به، فضحّيت به. لفظ أحمد. وفي صحيح ابن حبّان وابن ماجه من طريق عبّاد بن تميم عن عويمر بن أشقر , أنّه ذبح أضحيّته قبل أن يغدو يوم الأضحى، فأمره النّبيّ ﷺ أن يعيد أضحيّة أخرى. وفي الطّبرانيّ " الأوسط " من حديث ابن عبّاس , أنّ النّبيّ ﷺ أعطى سعد بن أبي وقّاص جذعاً من المعز , فأمره أن يضحّي به. وأخرجه الحاكم من حديث عائشة. وفي سنده ضعف ولأبي يعلى والحاكم من حديث أبي هريرة , أنّ رجلاً قال: يا رسولَ الله. هذا جذع من الضّأن مهزول , وهذا جذع من المعز سمين وهو خيرهما. أفأضحّي به؟ قال: ضحّ به فإنّ لله الخير. وفي سنده ضعف. والحقّ أنّه لا منافاة بين هذه الأحاديث وبين حديثي أبي بُرْدة وعقبة، لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر ثمّ قرّر الشّرع بأنّ الجذع من المعز لا يجزي، واختصّ أبو بُرْدة وعقبة بالرّخصة في ذلك. وإنّما قلتُ ذلك , لأنّ بعض النّاس زعم أنّ هؤلاء شاركوا عقبة وأبا بُرْدة في ذلك، والمشاركة إنّما وقعت في مطلق الإجزاء لا في خصوص منع الغير. ومنهم: من زاد فيهم عويمر بن أشقر , وليس في حديثه إلاَّ مطلق الإعادة لكونه ذبح قبل الصّلاة.

стр. 1215

وأمّا ما أخرجه ابن ماجه من حديث أبي زيد الأنصاريّ , أنّ رسول الله ﷺ قال لرجلٍ من الأنصار: اذبحها. ولن تجزي جذعة عن أحد بعدك. فهذا يُحمل على أنّه أبو بُرْدة بن نيار فإنّه من الأنصار، وكذا ما أخرجه أبو يعلى والطّبرانيّ من حديث أبي جحيفة , أنّ رجلاً ذبح قبل الصّلاة , فقال رسول الله ﷺ : لا تجزي عنك، قال: إنّ عندي جذعة، فقال: تجزي عنك , ولا تجزي بعد. فلم يثبت الإجزاء لأحدٍ ونفيه عن الغير إلاَّ لأبي بُرْدة وعقبة، وإن تعذّر الجمع الذي قدّمته. فحديث أبي بُرْدة أصحّ مخرجاً. والله أعلم. قال الفاكهيّ: ينبغي النّظر في اختصاص أبي بُرْدة بهذا الحكم وكشف السّرّ فيه، وأجيب بأنّ الماورديّ قال: إنّ فيه وجهين. أحدهما: أنّ ذلك كان قبل استقرار الشّرع فاستثني. والثّاني: أنّه علم من طاعته وخلوص نيّته ما ميّزه عمّن سواه. قلت: وفي الأوّل نظرٌ، لأنّه لو كان سابقاً لامتنع وقوع ذلك لغيره بعد التّصريح بعدم الإجزاء لغيره، والفرض ثبوت الإجزاء لعددٍ غيره كما تقدّم. وفي الحديث. وهو القول الأول: أنّ الجذع من المعز لا يجزي. وهو قول الجمهور. القول الثاني: عن عطاء وصاحبه الأوزاعيّ يجوز مطلقاً، وهو

стр. 1216

وجه لبعض الشّافعيّة حكاه الرّافعيّ. وقال النّوويّ: وهو شاذّ أو غلط. وأغرب عياض فحكى الإجماع على عدم الإجزاء، قيل: والإجزاء مصادم للنّصّ. ولكن يحتمل أن يكون قائله قيّد ذلك بمن لَم يجد غيره، ويكون معنى نفي الإجزاء عن غير من أذن له في ذلك محمولاً على من وجد. وأمّا الجَذَعُ من الضّأن. فقال التّرمذيّ: إنّ العمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النّبيّ ﷺ وغيرهم، لكن حكى غيره عن ابن عمر والزّهريّ: أنّ الجذع لا يجزي مطلقاً. سواء كان من الضّأن أم من غيره. وممّن حكاه عن ابن عمر ابنُ المنذر في " الأشراف " , وبه قال ابن حزم وعزاه لجماعةٍ من السّلف , وأطنب في الرّدّ على من أجازه. ويحتمل: أن يكون ذلك أيضاً مقيّداً بمن لَم يجد. وقد صحّ فيه حديث جابر رفعه: لا تذبحوا إلاَّ مسنّة إلاَّ أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضّأن. أخرجه مسلم وأبو داود والنّسائيّ وغيرهم. لكن نقل النّوويّ عن الجمهور. أنّهم حملوه على الأفضل، والتّقدير يستحبّ لكم أن لا تذبحوا إلاَّ مسنّة، فإن عجزتم فاذبحوا جذعة من الضّأن. قال: وليس فيه تصريح بمنع الجذعة من الضّأن وأنّها لا تجزي، قال: وقد أجمعت الأمّة على أنّ الحديث ليس على ظاهره، لأنّ

стр. 1217

الجمهور يجوّزون الجذع من الضّأن مع وجود غيره وعدمه، وابن عمر والزّهريّ. يمنعانه مع وجود غيره وعدمه، فتعيّن تأويله. قلت: ويدلّ للجمهور الأحاديث الماضية قريباً. وكذا حديث أمّ هلال بنت هلال عن أبيها رفعه: يجوز الجذع من الضّأن أضحيّة. أخرجه ابن ماجه، وحديث رجل من بني سليمٍ يقال له مجاشع , أنّ النّبيّ ﷺ قال: إنّ الجذع يوفّي ما يوفّي منه الثّنيّ. أخرجه أبو داود وابن ماجه، وأخرجه النّسائيّ من وجه آخر، لكن لَم يسمّ الصّحابيّ، بل وقع عنده أنّه رجل من مزينة. وحديث معاذ بن عبد الله بن حبيب عن عقبة بن عامر: ضحّينا مع رسول الله ﷺ بجذعٍ من الضّأن. أخرجه النّسائيّ بسندٍ قويّ، وحديث أبي هريرة رفعه: نعمت الأضحيّة الجذعة من الضّأن. أخرجه التّرمذيّ. وفي سنده ضعف. واختلف القائلون بإجزاء الجذع من الضّأن - وهم الجمهور - في سنِّه على آراء. أحدها: أنّه ما أكمل سنة ودخل في الثّانية. وهو الأصحّ عند الشّافعيّة , وهو الأشهر عند أهل اللّغة. ثانيها: نصف قول الحنفيّة والحنابلة. ثالثها: سبعة أشهر. وحكاه صاحب " الهداية " من الحنفيّة عن الزّعفرانيّ. رابعها: ستّة أو سبعة حكاه التّرمذيّ عن وكيع.

стр. 1218

خامسها: التّفرقة بين ما تولد بين شابّين. فيكون له نصف سنة , أو بين هرمين فيكون ابن ثمانية. سادسها: ابن عشر. سابعها: لا يجزي حتّى يكون عظيماً. حكاه ابن العربيّ , وقال: إنّه مذهب باطل. كذا قال، وقد قال صاحب " الهداية ": إنّه إذا كانت عظيمة بحيث لو اختلطت بالثّنيّات اشتبهت على النّاظر من بعيدٍ. أجزأت. وقال العبّاديّ من الشّافعيّة: لو أجذع قبل السّنة , أي: سقطت أسنانه أجزأ كما لو تمّت السّنة قبل أن يجذع , ويكون ذلك كالبلوغ إمّا بالسّنّ وإمّا بالاحتلام. وهكذا قال البغويّ: الجذع ما استكمل السّنة أو جذع قبلها، والله أعلم. واستدل بالحديث على وجوب الأضحيّة على من التزم الأضحيّة فأفسد ما يضحّي به. وردّه الطّحاويّ: بأنّه لو كان كذلك لتعرّض إلى قيمة الأولى ليلزم بمثلها، فلمّا لَم يعتبر ذلك دلَّ على أنّ الأمر بالإعادة كان على جهة النّدب , وفيه بيان ما يجري في الأضحيّة لا على وجوب الإعادة. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدّم. أنّ المرجع في الأحكام إنّما هو إلى النّبيّ ﷺ ، وأنّه قد يخصّ بعض أمّته بحكمٍ ويمنع غيره منه ولو كان بغير عذر.

стр. 1219

وفيه أنّ خطابه للواحد يعمّ جميع المكلفين حتّى يظهر دليل الخصوصيّة، لأنّ السّياق يشعر بأنّ قوله لأبي بُرْدة ضحّ به. أي: بالجذع، ولو كان يفهم منه تخصيصه بذلك لَمَا احتاج إلى أن يقول له " ولن تجزي عن أحد بعدك ". ويحتمل: أن تكون فائدة ذلك قطع إلحاق غيره به في الحكم المذكور. لا أنّ ذلك مأخوذ من مجرّد اللفظ , وهو قويّ. واستدل بقوله " اذبح مكانها أخرى " وفي لفظ " أعد نسكاً " وفي لفظ " ضحّ بها " وغير ذلك من الألفاظ المصرّحة بالأمر بالأضحيّة على وجوب الأضحيّة. قال القرطبيّ في " المفهم ": ولا حجّة في شيء من ذلك، وإنّما المقصود بيان كيفيّة مشروعيّة الأضحيّة لمن أراد أن يفعلها , أو من أوقعها على غير الوجه المشروع خطأ أو جهلاً، فبيّن له وجه تدارك ما فرّط منه، وهذا معنى قوله " لا تجزي عن أحد بعدك " أي: لا يحصل له مقصود القربة ولا الثّواب، كما يقال في صلاة النّفل: لا تجزي إلاَّ بطهارةٍ وستر عورة. قال: وقد استدل بعضهم للوجوب بأنّ الأضحيّة من شريعة إبراهيم الخليل وقد أمرنا باتّباعه، ولا حجّة فيه لأنّا نقول بموجبه، ويلزمهم الدّليل على أنّها كانت في شريعة إبراهيم واجبة ولا سبيل إلى علم ذلك، ولا دلالة في قصّة الذّبيح للخصوصيّة التي فيها، والله أعلم.

стр. 1220

وفيه أنّ الإمام يعلم النّاس في خطبة العيد أحكام النّحر. وفي الحديث: وهو القول الأول: جواز الاكتفاء في الأضحيّة بالشّاة الواحدة عن الرّجل وعن أهل بيته، وبه قال الجمهور. القول الثاني: عن أبي حنيفة والثّوريّ: يكره. وقال الخطّابيّ: لا يجوز أن يضحّى بشاةٍ واحدة عن اثنين، وادّعى نسخ ما دلَّ عليه حديث عائشة , أنَّ النبي ﷺ ضحّى عن نساءه بالبقر , متفق عليه. وتعقّب: بأنّ النّسخ لا يثبت بالاحتمال. قال الشّيخ أبو محمّد بن أبي جمرة: وفيه أنّ العمل - وإن وافق نيّة حسنة - لَم يصحّ إلاَّ إذا وقع على وفق الشّرع. وفيه جواز أكل اللحم يوم العيد من غير لحم الأضحيّة لقوله " إنّما هو لحم قدّمه لأهله ". وفيه كرم الرّبّ لكونه شرع لعبيده الأضحيّة مع ما لهم فيها من الشّهوة بالأكل والادّخار. ومع ذلك فأثبت لهم الأجر في الذّبح، ثمّ من تصدّق أثيب وإلا لَم يأثم وفي قوله " أول ما نبدأ به .. الحديث , دليل على أنّه لا ينبغي الاشتغال في يوم العيد بشيءٍ غير التّأهّب للصّلاة والخروج إليها، ومن لازمه أن لا يُفعل قبلها شيءٌ غيرها. فاقتضى ذلك التّبكير إليها. وروى أحمد من طريق يزيد بن خميرٍ - وهو بالمعجمة مصغّرٌ - قال

стр. 1221

: خرج عبد الله بن بسرٍ - صاحب النّبيّ ﷺ مع النّاس يوم عيدٍ فطرٍ أو أضحى فأنكر إبطاء الإمام , وقال: إنْ كنّا مع النّبيّ ﷺ وقد فرغنا ساعتنا هذه , وذلك حين التّسبيح. وكذا رواه أبو داود عن أحمد والحاكم من طريق أحمد أيضاً وصحّحه. وقوله " وذلك حين التّسبيح " أي: وقت صلاة السّبحة وهي النّافلة، وذلك إذا مضى وقت الكراهة. وفي روايةٍ صحيحةٍ للطبرانيّ " وذلك حين تسبيح الضّحى ". قال ابن بطّالٍ: أجمع الفقهاء على أنّ العيد لا تُصلَّى قبل طلوع الشّمس ولا عند طلوعها، وإنّما تجوز عند جواز النّافلة. ويعكّر عليه: إطلاق من أطلق أنّ أوّل وقتها عند طلوع الشّمس، واختلفوا هل يمتدّ وقتها إلى الزّوال أو لا؟. واستدل ابن بطّالٍ على المنع بحديث عبد الله بن بسرٍ هذا، وليس دلالته على ذلك بظاهرةٍ. ومن الفوائد: تأكيد أمر الأضحيّة، وأنّ المقصود منها طيّب اللحم وإيثار الجار على غيره. وأنّ المفتي إذا ظهرت له من المستفتي أمارة الصّدق كان له أن يسهّل عليه، حتّى لو استفتاه اثنان في قضيّةٍ واحدةٍ جاز أن يفتي كلاًّ منهما بما يناسب حاله. وجواز إخبار المرء عن نفسه بما يستحقّ الثّناء به عليه بقدر الحاجة. تمسّك الشّافعيّة بقوله " فلا يذبح حتى ينصرف " في أنّ أوّل وقت

стр. 1222

الأضحيّة قدر فراغ الصّلاة والخطبة. وإنّما شرطوا فراغ الخطيب , لأنّ الخطبتين مقصودتان مع الصّلاة في هذه العبادة، فيعتبر مقدار الصّلاة والخطبتين على أخفّ ما يجزي بعد طلوع الشّمس، فإذا ذبح بعد ذلك أجزأه الذّبح عن الأضحيّة، سواء صلَّى العيد أم لا، وسواء ذبح الإمام أضحيّته أم لا. ويستوي في ذلك أهل المصر والحاضر والبادي. ونقل الطّحاويّ عن مالك والأوزاعيّ والشّافعيّ: لا تجوز أضحيّة قبل أن يذبح الإمام، وهو معروف عن مالك والأوزاعيّ. لا الشّافعيّ. قال القرطبيّ: ظواهر الأحاديث تدلّ على تعليق الذّبح بالصّلاة، لكن لَمّا رأى الشّافعيّ أنّ من لا صلاة عيد عليه مخاطب بالتّضحية حمل الصّلاة على وقتها. وقال أبو حنيفة والليث: لا ذبح قبل الصّلاة، ويجوز بعدها ولو لَم يذبح الإمام، وهو خاصٌ بأهل المصر. فأمّا أهل القرى والبوادي. فيدخل وقت الأضحيّة في حقّهم إذا طلع الفجر الثّاني. وقال مالك: يذبحون إذا نحر أقرب أئمّة القرى إليهم، فإن نحروا قبل أجزأهم. وقال عطاء وربيعة: يذبح أهل القرى بعد طلوع الشّمس. وقال أحمد وإسحاق: إذا فرغ الإمام من الصّلاة جازت الأضحيّة، وهو وجه للشّافعيّة قويّ من حيث الدّليل. وإن ضعّفه بعضهم.

стр. 1223

ومثله قول الثّوريّ: يجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته وفي أثنائها. ويحتمل: أن يكون قوله " حتّى ينصرف " أي: من الصّلاة، كما في الرّوايات الأخر. وأصرح من ذلك ما وقع عند أحمد من طريق يزيد بن البراء عن أبيه رفعه " إنّما الذّبح بعد الصّلاة " , ووقع في حديث جندب عند مسلم " من ذبح قبل أن يُصلِّي فليذبح مكانها أخرى ". قال ابن دقيق العيد: هذا اللفظ أظهر في اعتبار فعل الصّلاة من حديث البراء، أي: حيث جاء فيه " من ذبح قبل الصّلاة " قال: لكن إن أجريناه على ظاهره اقتضى أن لا تجزئ الأضحيّة في حقّ من لَم يصلِّ العيد، فإن ذهب إليه أحدٌ فهو أسعد النّاس بظاهر هذا الحديث، وإلاَّ وجب الخروج عن الظّاهر في هذه الصّورة , ويبقى ما عداها في محلّ البحث. وتعقّب: بأنّه قد وقع في صحيح مسلم في رواية أخرى " قبل أن يُصلِّي أو نُصلِّي " بالشّكّ. قال النّوويّ: الأولى بالياء والثّانية بالنّون، وهو شكٌّ من الرّاوي، فعلى هذا إذا كان بلفظ " يُصلِّي " ساوى لفظ حديث البراء في تعليق الحكم بفعل الصّلاة. قلت: وقد وقع عند البخاريّ في حديث جندب في الذّبائح بمثل لفظ البراء، وهو خلاف ما يوهمه سياق صاحب العمدة، فإنّه ساقه على لفظ مسلم، وهو ظاهر في اعتبار فعل الصّلاة، فإنّ إطلاق لفظ

стр. 1224

الصّلاة وإرادة وقتها خلاف الظّاهر، وأظهر من ذلك قوله " قبل أن نُصلِّي " بالنّون، وكذا قوله " قبل أن ننصرف " سواء قلنا من الصّلاة أم من الخطبة. وادّعى بعض الشّافعيّة: أنّ معنى قوله ﷺ " من ذبح قبل أن يُصلِّي فليذبح مكانها أخرى " أي: بعد أن يتوجّه من مكان هذا القول، لأنّه خاطب بذلك من حضره فكأنّه قال: من ذبح قبل فعل هذا من الصّلاة والخطبة فليذبح أخرى، أي: لا يعتدّ بما ذبحه , ولا يخفى ما فيه. وأورد الطّحاويّ ما أخرجه مسلم من حديث ابن جريجٍ عن أبي الزّبير عن جابر بلفظ , أنّ النّبيّ ﷺ صلَّى يوم النّحر بالمدينة، فتقدّم رجالٌ فنحروا , وظنّوا أنّ النّبيّ ﷺ قد نحر فأمرهم أن يعيدوا. قال: ورواه حمّاد بن سلمة عن أبي الزّبير عن جابر بلفظ: أنّ رجلاً ذبح قبل أن يُصلِّي رسول الله ﷺ فنهى أن يذبح أحدٌ قبل الصّلاة. وصحّحه ابن حبّان. ويشهد لذلك قوله في حديث البراء " إنّ أوّل ما نصنع أن نبدأ بالصّلاة، ثمّ نرجع فننحر ". فإنّه دالٌّ على أنّ وقت الذّبح يدخل بعد فعل الصّلاة، ولا يشترط التّأخير إلى نحر الإمام. ويؤيّده من طريق النّظر: أنّ الإمام لو لَم ينحر لَم يكن ذلك مسقطاً عن النّاس مشروعيّة النّحر، ولو أنّ الإمام نحر قبل أن يُصلِّي لَم يجزئه نحره، فدلَّ على أنّه هو والنّاس في وقت الأضحيّة سواء.

стр. 1225

وقال المُهلَّب: إنّما كره الذّبح قبل الإمام لئلا يشتغل النّاس بالذّبح عن الصّلاة. تنبيه: وقع في البخاري في " الأيمان والنذور " من طريق ابن عون عن الشعبي قال: قال البراء بن عازب: وكان عندهم ضيف لهم، فأمر أهله أن يذبحوا قبل أن يرجع، ليأكل ضيفهم، فذبحوا قبل الصلاة، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فأمره أن يعيد الذبح , فقال: يا رسولَ الله، عندي عناق جذع، عناق لبن، هي خير من شاتَي لحم. قوله (فقال: يا رسولَ الله) في رواية الإسماعيليّ " قال البراء: يا رسولَ الله " وهذا صريح في أنّ القصّة وقعت للبراء، فلولا اتّحاد المخرج لأمكن التّعدّد، لكنّ القصّة متّحدةٌ والسّند متّحدٌ من رواية الشّعبيّ عن البراء. والاختلاف من الرّواة عن الشّعبيّ، فكأنّه وقع في هذه الرّواية اختصار وحذف. ويحتمل: أن يكون البراء شارك خاله في سؤال النّبيّ ﷺ عن القصّة , فنسبت كلّها إليه تجوّزاً. قال الكرمانيّ: كان البراء وخاله أبو بُرْدة أهل بيتٍ واحدٍ , فنسب القصّة تارة لخاله وتارة لنفسه. انتهى. والمتكلم في القصّة الواحدة أحدهما فتكون نسبة القول للآخر مجازيّة. والله أعلم

стр. 1226

الحديث التاسع والتسعون ١٤٨ - عن جندب بن عبد الله البجليّ ﵁ , قال: صلَّى النّبيّ ﷺ يوم النّحر , ثمّ خطب , ثمّ ذبح , وقال: من ذبح قبل أن يُصلِّي فليذبح أخرى مكانها , ومن لَم يذبح فليذبح باسم الله. (١) قوله: (عن جندب بن عبد الله البجليّ ﵁) هو جندب بن عبد الله بن سفيان العلقي البجلي نُسب إلى جده. الصحابي المشهور. وهو من صغار الصحابة. وكان من أهل الكوفة ثم تحوَّل إلى البصرة. قاله الكلاباذي. (٢) قوله: (وقال: من ذبح) هو من جملة الخطبة , وليس معطوفاً على

стр. 1227

قوله " ثمّ ذبح " لئلا يلزم تخلّل الذّبح بين الخطبة وهذا القول، وليس الواقع ذلك على ما بيّنه حديث البراء الذي قبله. قوله: (ومن لَم يذبح فليذبح باسم الله) أي: فليذبح قائلاً بسم الله أو مسمّياً، والمجرور متعلق بمحذوفٍ، وهو حال من الضّمير في قوله " فليذبح " وهذا أولى ما حمل عليه الحديث. وصحّحه النّوويّ. ويؤيّده ما في حديث أنس " وسَمّى وكبّر " (١) , وفي رواية للبخاري " ومن كان لَم يذبح حتّى صلّينا فليذبح على اسم الله ". وقال عياض: يحتمل: أن يكون معناه فليذبح لله، والباء تجيء بمعنى اللام، ويحتمل: أن يكون معناه بتسمية الله، ويحتمل: أن يكون معناه متبرّكاً باسمه كما يقال: سر على بركة الله، ويحتمل: أن يكون معناه فليذبح بسنّة الله. قال: وأمّا كراهة بعضهم. افعل كذا على اسم الله , لأنّه اسمه على كلّ شيء. فضعيفٌ. قلت: ويحتمل وجهاً خامساً: أن يكون معنى قوله " بسم الله " مطلق الإذن في الذّبيحة حينئذٍ، لأنّ السّياق يقتضي المنع قبل ذلك والإذن بعد ذلك، كما يقال للمستأذن بسم الله , أي: ادخل. وقد استدل بهذا الأمر في قوله " فليذبح مكانها أخرى " مَن قال بوجوب الأضحيّة. قال ابن دقيق العيد: صيغة " من " في قوله " من ذبح " صيغة

стр. 1228

عموم في حقّ كلّ من ذبح قبل أن يُصلِّي، وقد جاءت لتأسيس قاعدة، وتنزيل صيغة العموم إذا وردت لذلك على الصّورة النّادرة يستنكر، فإذا بعُد تخصيصه بمن نذر أضحيّة معيّنة. بقي التّردّد. هل الأولى حمله على من سبقت له أضحيّة معيّنة , أو حمله على ابتداء أضحيّة من غير سبق تعيين؟. فعلى الأولى: يكون حجّة لِمَن قال بالوجوب على من اشترى الأضحيّة كالمالكيّة، فإنّ الأضحيّة عندهم تجب بالتزام اللسان وبنيّة الشّراء وبنيّة الذّبح. وعلى الثّاني: يكون لا حجّة لمن أوجب الضّحيّة مطلقاً، لكن حصل الانفصال ممّن لَم يقل بالوجوب بالأدلة الدّالة على عدم الوجوب فيكون الأمر للنّدب. واستَدلَّ به من اشترط تقدُّم الذّبح من الإمام بعد صلاته وخطبته، لأنّ قوله " من ذبح قبل أن يُصلِّي فليذبح مكانها أخرى " إنّما صدر منه بعد صلاته وخطبته وذبحه فكأنّه قال: من ذبح قبل فعل هذه الأمور فليعد، أي: فلا يعتدّ بما ذبحه. قال ابن دقيق العيد: وهذا استدلال غير مستقيم، لمخالفته التّقييد بلفظ الصّلاة والتّعقيب بالفاء. قال نعيم بن حمّاد في " الرّدّ على الجهميّة ": دلَّت الأحاديث يعني الواردة في الاستعاذة بأسماء الله وكلماته، والسّؤال بها مثل حديث الباب، وحديث عائشة، وأبي سعيد " بسم الله أرقيك " وكلاهما عند

стр. 1229

مسلم. وفي الباب عن عبادة وميمونة وأبي هريرة وغيرهم عند النّسائيّ وغيره بأسانيد جياد، على أنّ القرآن غير مخلوق. إذ لو كان مخلوقاً لَم يستعذ بها. إذ لا يستعاذ بمخلوقٍ، قال الله تعالى (فاستعذ بالله) وقال النّبيّ ﷺ " وإذا استعذت فاستعذ بالله ". (١) وقال الإمام أحمد في " كتاب السّنّة " قالت الجهميّة لِمَن قال: إنّ الله لَم يزل بأسمائه وصفاته، قلتم بقول النّصارى حيث جعلوا معه غيره، فأجابوا: بأنّا نقول إنّه واحد بأسمائه وصفاته، فلا نصِف إلاَّ واحداً بصفاته كما قال تعالى (ذرني ومن خلقت وحيداً) وصفه بالوحدة مع أنّه كان له لسان وعينان وأذنان وسمع وبصر , ولَم يخرج بهذه الصّفات عن كونه واحداً. ولله المثل الأعلى.

стр. 1230

الحديث المائة ١٤٩ - عن جابرٍ ﵁ , قال: شهدت مع النّبيّ ﷺ يوم العيد. فبدأ بالصّلاة قبل الخطبة , بلا أذانٍ ولا إقامةٍ. ثمّ قام متوكّئاً على بلالٍ , فأمر بتقوى الله تعالى , وحثّ على طاعته , ووعظ النّاس وذكّرهم , ثمّ مضى حتّى أتى النّساء فوعظهنّ وذكّرهنّ , وقال: يا معشر النّساء , تصدّقن. فإنّكنّ أكثر حطب جهنّم , فقامت امرأةٌ من سِطَة النّساء , سفعاء الخدّين , فقالت: لِمَ يا رسولَ الله؟ فقال: لأنّكنّ تكثرن الشّكاة , وتكفرن العشير. قال: فجعلن يتصدّقن من حليّهنّ. يلقين في ثوب بلالٍ من أقرطتهنَّ وخواتيمهنّ. (١) قوله: (فبدأ بالصّلاة قبل الخطبة) تقدّم الكلام عليه , وللبخاري " فبدأ بالصلاة ثمّ خطب، فلمّا فرغ نزل فأتى النساء ". فيه إشعارٌ بأنّه ﷺ كان يخطب على مكانٍ مرتفعٍ لِمَا يقتضيه قوله " نزل " , وقد كان ﷺ يخطب في المصلَّى على الأرض (٢). فلعل الرّاوي ضمّن النّزول
следующие страницы →