الحديث التاسع والتسعون
١٤٨ - عن جندب بن عبد الله البجليّ ﵁ , قال: صلَّى النّبيّ ﷺ يوم النّحر , ثمّ خطب , ثمّ ذبح , وقال: من ذبح قبل أن يُصلِّي فليذبح أخرى مكانها , ومن لَم يذبح فليذبح باسم الله. (١)
قوله: (عن جندب بن عبد الله البجليّ ﵁) هو جندب بن عبد الله بن سفيان العلقي البجلي نُسب إلى جده. الصحابي المشهور. وهو من صغار الصحابة. وكان من أهل الكوفة ثم تحوَّل إلى البصرة. قاله الكلاباذي. (٢)
قوله: (وقال: من ذبح) هو من جملة الخطبة , وليس معطوفاً على
стр. 1227
قوله " ثمّ ذبح " لئلا يلزم تخلّل الذّبح بين الخطبة وهذا القول، وليس الواقع ذلك على ما بيّنه حديث البراء الذي قبله.
قوله: (ومن لَم يذبح فليذبح باسم الله) أي: فليذبح قائلاً بسم الله أو مسمّياً، والمجرور متعلق بمحذوفٍ، وهو حال من الضّمير في قوله " فليذبح " وهذا أولى ما حمل عليه الحديث. وصحّحه النّوويّ.
ويؤيّده ما في حديث أنس " وسَمّى وكبّر " (١) , وفي رواية للبخاري " ومن كان لَم يذبح حتّى صلّينا فليذبح على اسم الله ".
وقال عياض: يحتمل: أن يكون معناه فليذبح لله، والباء تجيء بمعنى اللام، ويحتمل: أن يكون معناه بتسمية الله، ويحتمل: أن يكون معناه متبرّكاً باسمه كما يقال: سر على بركة الله، ويحتمل: أن يكون معناه فليذبح بسنّة الله.
قال: وأمّا كراهة بعضهم. افعل كذا على اسم الله , لأنّه اسمه على كلّ شيء. فضعيفٌ.
قلت: ويحتمل وجهاً خامساً: أن يكون معنى قوله " بسم الله " مطلق الإذن في الذّبيحة حينئذٍ، لأنّ السّياق يقتضي المنع قبل ذلك والإذن بعد ذلك، كما يقال للمستأذن بسم الله , أي: ادخل.
وقد استدل بهذا الأمر في قوله " فليذبح مكانها أخرى " مَن قال بوجوب الأضحيّة.
قال ابن دقيق العيد: صيغة " من " في قوله " من ذبح " صيغة
стр. 1228
عموم في حقّ كلّ من ذبح قبل أن يُصلِّي، وقد جاءت لتأسيس قاعدة، وتنزيل صيغة العموم إذا وردت لذلك على الصّورة النّادرة يستنكر، فإذا بعُد تخصيصه بمن نذر أضحيّة معيّنة. بقي التّردّد. هل الأولى حمله على من سبقت له أضحيّة معيّنة , أو حمله على ابتداء أضحيّة من غير سبق تعيين؟.
فعلى الأولى: يكون حجّة لِمَن قال بالوجوب على من اشترى الأضحيّة كالمالكيّة، فإنّ الأضحيّة عندهم تجب بالتزام اللسان وبنيّة الشّراء وبنيّة الذّبح.
وعلى الثّاني: يكون لا حجّة لمن أوجب الضّحيّة مطلقاً، لكن حصل الانفصال ممّن لَم يقل بالوجوب بالأدلة الدّالة على عدم الوجوب فيكون الأمر للنّدب.
واستَدلَّ به من اشترط تقدُّم الذّبح من الإمام بعد صلاته وخطبته، لأنّ قوله " من ذبح قبل أن يُصلِّي فليذبح مكانها أخرى " إنّما صدر منه بعد صلاته وخطبته وذبحه فكأنّه قال: من ذبح قبل فعل هذه الأمور فليعد، أي: فلا يعتدّ بما ذبحه.
قال ابن دقيق العيد: وهذا استدلال غير مستقيم، لمخالفته التّقييد بلفظ الصّلاة والتّعقيب بالفاء.
قال نعيم بن حمّاد في " الرّدّ على الجهميّة ": دلَّت الأحاديث يعني الواردة في الاستعاذة بأسماء الله وكلماته، والسّؤال بها مثل حديث الباب، وحديث عائشة، وأبي سعيد " بسم الله أرقيك " وكلاهما عند
стр. 1229
مسلم.
وفي الباب عن عبادة وميمونة وأبي هريرة وغيرهم عند النّسائيّ وغيره بأسانيد جياد، على أنّ القرآن غير مخلوق. إذ لو كان مخلوقاً لَم يستعذ بها. إذ لا يستعاذ بمخلوقٍ، قال الله تعالى (فاستعذ بالله) وقال النّبيّ ﷺ " وإذا استعذت فاستعذ بالله ". (١)
وقال الإمام أحمد في " كتاب السّنّة " قالت الجهميّة لِمَن قال: إنّ الله لَم يزل بأسمائه وصفاته، قلتم بقول النّصارى حيث جعلوا معه غيره، فأجابوا: بأنّا نقول إنّه واحد بأسمائه وصفاته، فلا نصِف إلاَّ واحداً بصفاته كما قال تعالى (ذرني ومن خلقت وحيداً) وصفه بالوحدة مع أنّه كان له لسان وعينان وأذنان وسمع وبصر , ولَم يخرج بهذه الصّفات عن كونه واحداً. ولله المثل الأعلى.
стр. 1230
الحديث المائة
١٤٩ - عن جابرٍ ﵁ , قال: شهدت مع النّبيّ ﷺ يوم العيد. فبدأ بالصّلاة قبل الخطبة , بلا أذانٍ ولا إقامةٍ. ثمّ قام متوكّئاً على بلالٍ , فأمر بتقوى الله تعالى , وحثّ على طاعته , ووعظ النّاس وذكّرهم , ثمّ مضى حتّى أتى النّساء فوعظهنّ وذكّرهنّ , وقال: يا معشر النّساء , تصدّقن. فإنّكنّ أكثر حطب جهنّم , فقامت امرأةٌ من سِطَة النّساء , سفعاء الخدّين , فقالت: لِمَ يا رسولَ الله؟ فقال: لأنّكنّ تكثرن الشّكاة , وتكفرن العشير.
قال: فجعلن يتصدّقن من حليّهنّ. يلقين في ثوب بلالٍ من أقرطتهنَّ وخواتيمهنّ. (١)
قوله: (فبدأ بالصّلاة قبل الخطبة) تقدّم الكلام عليه , وللبخاري " فبدأ بالصلاة ثمّ خطب، فلمّا فرغ نزل فأتى النساء ". فيه إشعارٌ بأنّه ﷺ كان يخطب على مكانٍ مرتفعٍ لِمَا يقتضيه قوله " نزل " , وقد كان ﷺ يخطب في المصلَّى على الأرض (٢). فلعل الرّاوي ضمّن النّزول
стр. 1231
معنى الانتقال.
وزعم عياضٌ. أنّ وعظه للنّساء كان في أثناء الخطبة , وأنّ ذلك كان في أوّل الإسلام , وأنّه خاصٌّ به ﷺ .
وتعقّبه النّوويّ: بهذه المصرّحة بأنّ ذلك كان بعد الخطبة , وهو قوله " فلمّا فرغ نزل فأتى النّساء " والخصائص لا تثبت بالاحتمال.
قوله: (بلا أذانٍ ولا إقامةٍ) وللبخاري عن عطاء عن ابن عباس وجابر قالا: لَم يكن يُؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى. بفتح الذّال
стр. 1232
على البناء للمجهول , والضّمير ضمير الشّأن.
ولمسلم من طريق عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ عن جابرٍ قال: لا أذان للصّلاة يوم العيد ولا إقامة ولا شيء. وفي رواية يحيى القطّان عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ , أنّ ابن عبّاسٍ قال لابن الزّبير: لا تؤذّن لها ولا تقم. أخرجه ابن أبي شيبة عنه. (١)
ولأبي داود من طريق طاوسٍ عن ابن عبّاسٍ , أنّ رسول الله ﷺ صلَّى العيد بلا أذانٍ ولا إقامةٍ. إسناده صحيحٌ.
وفي الحديث عن جابر بن سمرة عند مسلمٍ , وعن سعد بن أبي وقّاصٍ عند البزّار , وعن البراء عند الطّبرانيّ في " الأوسط ".
وقال مالكٌ في " الموطّأ ": سمعت غير واحدٍ من علمائنا يقول: لَم يكن في الفطر ولا في الأضحى نداءٌ ولا إقامةٌ منذ زمن رسول الله ﷺ إلى اليوم , وتلك السّنّة التي لا اختلاف فيها عندنا.
واستدل بقول جابرٍ " ولا إقامة ولا شيء " على أنّه لا يقال أمام صلاتها شيءٌ من الكلام، لكن روى الشّافعيّ عن الثّقة عن الزّهريّ قال: كان رسول الله ﷺ يأمر المؤذّن في العيدين أن يقول: الصّلاة جامعةٌ.
стр. 1233
وهذا مرسلٌ يعضده القياس (١) على صلاة الكسوف لثبوت ذلك فيها كما سيأتي.
قال الشّافعيّ: أحبّ أن يقول: الصّلاة، أو الصّلاة جامعةٌ، فإن قال: هلمّوا إلى الصّلاة لَم أكرهه، فإن قال: حيّ على الصّلاة أو غيرها من ألفاظ الأذان أو غيرها كرهت له ذلك.
واختلف في أوّل من أحدث الأذان فيها أيضاً.
فروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن المسيّب , أنّه معاوية، وروى الشّافعيّ عن الثّقة عن الزّهريّ مثله , وزاد: فأخذ به الحجّاج حين أمّر على المدينة.
وروى ابن المنذر عن حصين بن عبد الرّحمَن قال: أوّل من أحدثه زيادٌ بالبصرة.
وقال الدّاوديّ: أوّل من أحدثه مروان.
وكلّ هذا لا ينافي أنّ معاوية أحدثه كما تقدّم في البداءة بالخطبة. (٢)
وقال ابن حبيبٍ: أوّل من أحدثه هشامٌ.
وروى ابن المنذر عن أبي قلابة قال: أوّل من أحدثه عبد الله بن الزّبير. وقد وقع في البخاري , أنّ ابن عبّاسٍ أخبره أنّه لَم يكن يؤذّن لها
стр. 1234
، لكن في رواية يحيى القطّان , أنّه لَمّا ساء ما بينهما أذّن - يعني ابن الزّبير - وأقام.
قوله: (حتّى أتى النّساء فوعظهنّ وذكّرهنّ) في رواية لهما , قال ابن جريج: قلت لعطاء: أحقاً على الإمام الآن أن يأتي النساء حين يفرغ فيذكرهن؟ قال: إِيْ، لعمري إنِّ ذلك لحق عليهم، وما لهم لا يفعلون ذلك؟.
ظاهره أنّ عطاءً كان يرى وجوب ذلك، ولهذا قال عياضٌ: لَم يقل بذلك غيره. وأمّا النّوويّ فحمله على الاستحباب. وقال: لا مانع من القول به، إذا لَم يترتّب على ذلك مفسدةٌ.
قوله: (ووعظ النّاس وذكّرهم , ثمّ مضى) وللبخاري عن ابن عباس " خرج النبي ﷺ كأني أنظر إليه حين يُجلِّس بيده، ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء معه بلال.
وقوله " حين يُجلِّس " بتشديد اللام المكسورة، وحذف مفعوله، وهو ثابتٌ في رواية مسلمٍ بلفظ " يُجلِّس الرّجال بيده " وكأنّهم لَمّا انتقل عن مكان خطبته أرادوا الانصراف فأمرهم بالجلوس حتّى يفرغ من حاجته ثمّ ينصرفوا جميعاً، أو لعلهم أرادوا أن يتبعوه فمنعهم.
قوله: (سفعاء الخدين) السَّفعة بفتح المهملة ويجوز ضمّها وسكون الفاء بعدها عينٌ مهملةٌ. وحكى عياضٌ: ضمّ أوّله.
قال إبراهيم الحربيّ: هو سوادٌ في الوجه , ومنه سفعة الفرس سواد
стр. 1235
ناصيته , وعن الأصمعيّ: حمرةٌ يعلوها سوادٌ , وقيل: صفرةٌ , وقيل: سوادٌ مع لونٍ آخر. وقال بن قتيبة: لونٌ يخالف لون الوجه.
وكلّها متقاربةٌ. وحاصلها أنّ بوجهها موضعاً على غير لونه الأصليّ , وكأنّ الاختلاف بحسب اللون الأصليّ , فإن كان أحمر فالسّفعة سوادٌ صرفٌ , وإن كان أبيض فالسّفعة صفرةٌ , وإن كان أسمر فالسّفعة حمرةٌ يعلوها سوادٌ.
وذكر صاحب البارع في اللّغة (١): أنّ السّفع سواد الخدّين من المرأة الشّاحبة , والشّحوب بمعجمةٍ ثمّ مهملةٍ تغيّر اللون بهزالٍ أو غيره. ومنه سفعاء الخدّين , وتطلق السّفعة على العلامة. ومنه بوجهها سفعة غضبٍ , وهو راجعٌ إلى تغيّر اللون , وأصل السّفع الأخذ بقهرٍ ومنه قوله تعالى (لنسفعاً بالنّاصية).
ويقال: إنّ أصل السّفع الأخذ بالنّاصية , ثمّ استعمل في غيرها , وقيل: في تفسيرها لنعلمنّه بعلامة أهل النّار من سواد الوجه ونحوه.
قوله: (وقال: يا معشر النّساء , تصدّقن ... الخ) في رواية لهما " فقال (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) الآية، ثم قال حين فرغ منها: آنتن على ذلك؟ قالت امرأة واحدة منهن، لَم يجبه غيرها: نعم. زاد مسلمٌ: يا نبيّ الله.
стр. 1236
وفيه دلالةٌ على الاكتفاء في الجواب بنعم. وتنزيلها منزلة الإقرار، وأنّ جواب الواحد عن الجماعة كافٍ إذا لَم ينكروا , ولَم يمنع مانعٌ من إنكارهم.
ولَم أقف على تسمية هذه المرأة، إلاَّ أنّه يختلج في خاطري , أنّها أسماء بنت يزيد بن السّكن التي تُعرف بخطيبة النّساء، فإنّها روت أصل هذه القصّة في حديثٍ أخرجه البيهقيّ والطّبرانيّ وغيرهما من طريق شهر بن حوشبٍ عن أسماء بنت يزيد , أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى النّساء وأنا معهنّ , فقال: يا معشر النّساء إنّكنّ أكثر حطب جهنّم. فناديت رسول الله ﷺ وكنتُ عليه جريئةً -: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: لأنّكنّ تكثرن اللعن، وتكفرن العشير. الحديث.
فلا يبعد أن تكون هي التي أجابته أوّلاً بنعم، فإنّ القصّة واحدةٌ، فلعلَّ بعض الرّواة ذكر ما لَم يذكره الآخر كما في نظائره. والله أعلم.
وقد روى الطّبرانيّ من وجهٍ آخر عن أمّ سلمة الأنصاريّة - وهي أسماء المذكورة - أنّها كانت في النّسوة اللاتي أخذ عليهنّ رسول الله ﷺ ما أخذ الحديث، ولابن سعدٍ من حديثها: أخذ علينا رسول الله ﷺ أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق. الحديث.
قوله: (تصدَّقنَ) هو فعل أمرٍ لهنّ بالصّدقة , ومناسبته للآية من قوله (ولا يعصينك في معروفٍ) , فإنّ ذلك من جملة المعروف الذي أمرن به.
قوله: (وتُكثرنَ الشكاة) أي: الذم والعيب.
стр. 1237
قوله: (وتَكفرنَ) أي: يجحدن إحسانه فالمراد كفر النّعمة.
وظاهر اللفظ غير مراد , وإنّما ورد على سبيل التّغليظ والزّجر لفاعل ذلك، أو المراد بإطلاق الكفر أنّ فاعله فعل فعلاً شبيهاً بفعل أهل الكفر , خلافاً للخوارج الذين يكفّرون بالذّنوب.
ونصُّ القرآن يردّ عليهم , وهو قوله تعالى (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فصيّر ما دون الشّرك تحت إمكان المغفرة , والمراد بالشّرك في هذه الآية الكفر , لأنّ من جحد نبوّة محمّدٍ ﷺ مثلاً كان كافراً , ولو لَم يجعل مع الله إلهاً آخر , والمغفرة منتفيةٌ عنه بلا خلافٍ , وقد يرِدُ الشّركُ ويراد به ما هو أخصّ من الكفر كما في قوله تعالى (لَم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين)
قوله: (العشير) (١) العشير الزّوج , قيل له: عشيرٌ بمعنى معاشرٍ , مثل أكيلٍ بمعنى مؤاكل. وهو مأخوذ من المعاشرة , وكل معاشر عشير , وعشيرة الرجل بنو أبيه الأدنين.
قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: فيه أنّ الطّاعات كما تسمّى إيماناً كذلك المعاصي تسمّى كفراً , لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد الكفر المخرج من الملة.
стр. 1238
قال: وخصَّ كفران العشير من بين أنواع الذّنوب لدقيقةٍ بديعةٍ , وهي قوله ﷺ : لو أمرت أحداً أن يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " (١) فقَرَن حقّ الزّوج على الزّوجة بحقّ الله , فإذا كفرت المرأة حقّ زوجها , وقد بلغ من حقّه عليها هذه الغاية , كان ذلك دليلاً على تهاونها بحقّ الله , فلذلك يطلق عليها الكفر. لكنّه كفرٌ لا يخرج عن الملة. انتهى.
قوله: (فجعلنَ يتصدّقنَ من حليّهنَّ يُلقين في ثوب بلالٍ ...) وللبخاري " فبسط بلال ثوبه، ثم قال: هلمّ، لكنَّ فدا أبي وأمي , فيلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال ". القائل هو بلالٌ.
و" هلمّ " على اللّغة الفصحى في التّعبير بها للمفرد والجمع. قوله " لكُنَّ " بضمّ الكاف وتشديد النّون، وقوله " فدا " بكسر الفاء والقصر. والفتخ بفتح الالفاء والمثناة من فوق وبالخاء والمعجمة.
قال عبد الرّزّاق: الفتخ الخواتيم العظام كانت في الجاهليّة. انتهى.
لَم يذكر عبد الرّزّاق في أيّ شيءٍ كانت تُلبس، وقد ذكر ثعلبٌ ,
стр. 1239
أنّهنّ يلبسنها في أصابع الأرجل. انتهى.
ولهذا عطف عليها الخواتيم , لأنّها عند الإطلاق تنصرف إلى ما يلبس في الأيدي، وقد وقع في بعض طرقه عند مسلمٍ هنا ذكر الخلاخيل.
وحكي: عن الأصمعيّ , أنّ الفتخ الخواتيم التي لا فصوص لها، فعلى هذا هو من عطف الأعمّ على الأخصّ.
قوله: (أقرطَتهنَّ) جمع قرط - بضمّ القاف وسكون الرّاء بعدها طاء مهملة -: ما يُحلَّى به الأذن ذهباً كان أو فضّة , صِرفاً أو مع لؤلؤ وغيره , ويعلّق غالباً على شحمتها.
وللبخاري عن ابن عبّاس قال: أمرهنّ النّبيّ ﷺ بالصّدقة، فرأيتهنّ يهوين إلى آذانهنّ وحلوقهنّ " , ومعنى الإهواء: الإيماء باليد إلى الشّيء ليؤخذ، وقد ظهر أنّه في الآذان إشارة إلى الحلق،
وأمّا في الحلوق. فالذي يظهر أنّ المراد القلائد فإنّها توضع في العنق وإن كان محلّها إذا تدلت الصّدر.
واستدل به على جواز ثقب أذن المرأة لتجعل فيها القرط وغيره. ممّا يجوز لهنّ التّزيّن به.
وفيه نظرٌ , لأنّه لَم يتعيّن وضع القرط في ثقبة الأذن، بل يجوز أن يشبك في الرّأس بسلسلةٍ لطيفة حتّى تحاذي الأذن وتنزل عنها، سلّمنا , لكن إنّما يؤخذ من ترك إنكاره عليهنّ.
ويجوز أن تكون آذانهنّ ثُقبت قبل مجيء الشّرع. فيغتفر في الدّوام ما
стр. 1240
لا يغتفر في الابتداء، ونحوه قول أمّ زرع " أناسَ مِن حُليٍّ أُذُنَيَّ " (١) ولا حجّة فيه لِمَا ذكرنا.
وقال ابن القيّم: كره الجمهور ثقب أذن الصّبيّ , ورخّص بعضهم في الأنثى.
قلت: وجاء الجواز في الأنثى عن أحمد للزّينة، والكراهة للصّبيّ.
قال الغزاليّ في " الإحياء ": يحرم ثقب أذن المرأة , ويحرم الاستئجار عليه إلاَّ إن ثبت فيه شيء من جهة الشّرع.
قلت: جاء عن ابن عبّاس فيما أخرجه الطّبرانيّ في " الأوسط ": سبعة في الصّبيّ من السّنّة. فذكر السّابع منها. وثقب أذنه. وهو يَستدرك على قول بعض الشّارحين: لا مستند لأصحابنا في قولهم: إنّه سنّة.
قوله: (وخواتيمهنّ) تقدّم قبل قليل.
وفي هذا الحديث من الفوائد.
استحباب وعظ النّساء وتعليمهنّ أحكام الإسلام وتذكيرهنّ بما يجب عليهنّ، ويستحبّ حثّهنّ على الصّدقة وتخصيصهنّ بذلك في
стр. 1241
مجلسٍ منفردٍ، ومحلّ ذلك كله إذا أمن الفتنة والمفسدة.
وفيه أنّ الأدب في مخاطبة النّساء في الموعظة أو الحكم. أن لا يحضر من الرّجال إلاَّ من تدعو الحاجة إليه من شاهدٍ ونحوه، لأنّ بلالاً كان خادم النّبيّ ﷺ ومتولي قبض الصّدقة.
وفيه خروج النّساء إلى المصلى كما سيأتي في الحديث الذي بعده.
وفيه جواز التّفدية بالأب والأمّ، وملاطفة العامل على الصّدقة بمن يدفعها إليه.
واستدل به.
وهو القول الأول: على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقّفٍ على إذن زوجها , أو على مقدارٍ معيّنٍ من مالها كالثّلث. وبهذا الحكم قال الجمهور.
ووجه الدّلالة من القصّة ترك الاستفصال عن ذلك كله. وأدلة الجمهور من الكتاب والسنة كثيرة.
القول الثاني: خالف طاوس , فمنع مطلقاً.
القول الثالث: عن مالك: لا يجوز لها أن تعطي بغير إذن زوجها , ولو كانت رشيدة إلاَّ من الثلث.
القول الرابع: عن الليث: لا يجوز مطلقا إلاَّ في الشيء التافه.
واحتج لطاوس بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: لا تجوز عطية امرأة في مالها إلاَّ بإذن زوجها. أخرجه أبو داود والنسائي.
стр. 1242
وقال ابن بطال: وأحاديث الباب أصح (١). وحملها مالك على الشيء اليسير , وجعل حده الثلث فما دونه.
قال القرطبيّ: ولا يقال في هذا: إنّ أزواجهنّ كانوا حضوراً , لأنّ ذلك لَم ينقل , ولو نُقل فليس فيه تسليم أزواجهنّ لهنّ ذلك , لأنّ من ثبت له الحقّ فالأصل بقاؤه حتّى يصرّح بإسقاطه , ولَم ينقل أنّ القوم صرّحوا بذلك. انتهى.
وأمّا كونه من الثّلث فما دونه. فإن ثبت أنّهنّ لا يجوز لهنّ التّصرّف فيما زاد على الثّلث لَم يكن في هذه القصّة ما يدلّ على جواز الزّيادة.
وفيه أنّ الصّدقة من دوافع العذاب لأنّه أمرهنّ بالصّدقة ثمّ علل بأنّهنّ أكثر أهل النّار لِمَا يقع منهنّ من كفران النّعم وغير ذلك كما في حديث أبي سعيد.
ووقع نحوه عند مسلمٍ من وجهٍ آخر في حديث جابرٍ، وعند البيهقيّ من حديث أسماء بنت يزيد كما تقدّمت الإشارة إليه.
стр. 1243
وفيه بذل النّصيحة والإغلاظ بها لمن احتيج في حقّه إلى ذلك، والعناية بذكر ما يحتاج إليه لتلاوة آية الممتحنة لكونها خاصّةٌ بالنّساء.
وفيه جواز طلب الصّدقة من الأغنياء للمحتاجين , ولو كان الطّالب غير محتاجٍ.
وأخذ منه الصّوفيّة جواز ما اصطلحوا عليه من الطّلب.
ولا يخفى ما يشترط فيه من أنّ المطلوب له أيكون غير قادرٍ على التّكسّب مطلقاً , أو لِمَا لا بدّ له منه.؟
وفي مبادرة تلك النّسوة إلى الصّدقة بما يعزّ عليهنّ من حليّهنّ مع ضيق الحال في ذلك الوقت. دلالةٌ على رفيع مقامهنّ في الدّين وحرصهنّ على امتثال أمر الرّسول ﷺ ورضي عنهنّ.
стр. 1244
الحديث المائة وواحد
١٥٠ - عن أمّ عطيّة نسيبة الأنصاريّة , قالت: أمرنا - تعني النبيّ ﷺ أن نخرج في العيدين العواتقَ وذواتِ الْخُدور , وأمر الْحُيّض أن يَعتزلن مُصلَّى المسلمين. (١)
وفي لفظٍ: كنّا نُؤمر أن نخرج يوم العيد , حتّى نُخرج البِكْر من خِدرها , حتّى نخرج الحيّض , فيَكُنّ خلف النّاس , فيكبّرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم , يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته. (٢)
قوله: (عن أمّ عطيّة نسيبة الأنصاريّة) بنت الحارث الأنصارية.
ونُسيبة بنونٍ ومهملة وموحّدة. والمشهور فيها التّصغير. وقيل: بفتح أوّله. وقع ذلك في رواية أبي ذرّ (٣) عن السّرخسيّ , وكذا ضَبَطَه الأَصيليّ عن يحيى بن معين , وطاهرُ بن عبد العزيز في " السّيرة الهشاميّة ".
قوله: (أَمَرَنا. تعني النبيّ ﷺ ) وللبخاري " أمرنا نبيّنا ﷺ "
قوله: (العواتق) جمع عاتق. وهي من بلغت الحلم , أو قاربت،
стр. 1245
أو استحقّت التّزويج، أو هي الكريمة على أهلها، أو التي عتقت عن الامتهان في الخروج للخدمة.
وكأنّهم كانوا يمنعون العواتق من الخروج (١) لِمَا حدث بعد العصر الأوّل من الفساد، ولَم تلاحظ الصّحابة ذلك , بل رأت استمرار الحكم على ما كان عليه في زمن النّبيّ ﷺ .
قوله: (وذوات الخدور) بضمّ الخاء المعجمة والدّال المهملة. جمع خدر بكسرها وسكون الدّال، وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه.
وللبخاري من رواية أيوب عن حفصة " العواتق ذوات الخدور أو قال: العواتق وذوات الخدور. شك أيوب " يعني: هل هو بواو العطف أو لا. والأكثر على أنه صفته (٢).
ووقع في رواية منصور بن زاذان عن ابن سيرين عند الترمذي " تخرج الأبكار والعواتق وذوات الخدور ". وبين العاتق والبكر عمومٌ
стр. 1246
وخصوصٌ وجهيٌّ.
قوله: (وأمر الحُيّض أن يعتزلن مُصلى المسلمين) في رواية للبخاري " ويعتزلن الحيّض المصلى " وهو نحو أكلوني البراغيث.
وحمل الجمهور الأمر المذكور على النّدب؛ لأنّ الْمُصلَّى ليس بمسجدٍ فيمتنع الحيّض من دخوله.
وأغرب الكرمانيّ فقال: الاعتزال واجب، والخروج والشّهود مندوب، مع كونه نقل عن النّوويّ تصويب عدم وجوبه.
وقال ابن المنير: الحكمة في اعتزالهنّ. أنّ في وقوفهنّ وهنّ لا يصلين مع المُصلِّيات إظهار استهانة بالحال. فاستحبّ لهنّ اجتناب ذلك.
قوله: (البكر من خدرها) بكسر المعجمة , أي: سترها، وفي رواية الكشميهنيّ " من خدرتها " بالتّأنيث
قوله: (فيكبّرن بتكبيرهم) لأنّ ذلك في يوم العيد وهو من أيّام منىً، ويلتحق به بقيّة الأيّام لجامع ما بينهما من كونهنّ أيّاماً معدوداتٍ , وقد ورد الأمر بالذّكر فيهنّ.
قال الخطّابيّ: حكمة التّكبير في هذه الأيّام. أنّ الجاهليّة كانوا يذبحون لطواغيتهم فيها , فشرع التّكبير فيها إشارةً إلى تخصيص الذّبح له. وعلى اسمه . انتهى
وفيه اختلافٌ بين العلماء في مواضع:
فمنهم: من قصر التّكبير على أعقاب الصّلوات.
стр. 1247
ومنهم من خصّ ذلك بالمكتوبات دون النّوافل.
ومنهم من خصّه بالرّجال دون النّساء، وبالجماعة دون المنفرد، وبالمؤدّاة دون المقضيّة، وبالمقيم دون المسافر، وبساكن المصر دون القرية.
وظاهر اختيار البخاريّ شمول ذلك للجميع، والآثار التي ذكرها تساعده (١).
فأخرج سعيد بن منصورٍ من رواية عبيد بن عميرٍ , قال: كان عمر يكبّر في قبّته بمنىً. ويكبّر أهل المسجد ويكبّر أهل السّوق، حتّى ترتجّ منىً تكبيراً.
وقوله " ترتج " بتثقيل الجيم. أي: تضطرب وتتحرك، وهي مبالغة في اجتماع رفع الأصوات.
وأخرج ابن المنذر والفاكهيّ في " أخبار مكّة " من طريق ابن جريجٍ أخبرني نافعٌ , أنّ ابن عمر كان يُكبِّر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات , وعلى فراشه , وفي فسطاطه ومجلسه، وممشاه تلك الأيام جميعاً.
وأخرج ابن أبي الدنيا في " كتاب العيدين " , أنَّ النساء كنّ يكبرن خلف أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال
стр. 1248
في المسجد.
وقد اشتملت هذه الآثار على وجود التكبير في تلك الأيام عقب الصلوات وغير ذلك من الأحوال , وللعلماء اختلافٌ أيضاً في ابتدائه وانتهائه.
فقيل: من صبح يوم عرفة، وقيل: من ظهره، وقيل: من عصره، وقيل: من صبح يوم النّحر، وقيل: من ظهره. وقيل: في الانتهاء إلى ظهر يوم النّحر، وقيل: إلى عصره، وقيل: إلى ظهر ثانيه، وقيل: إلى صبح آخر أيّام التّشريق، وقيل: إلى ظهره، وقيل: إلى عصره.
حكى هذه الأقوال كلها النّوويّ. إلاَّ الثّاني من الانتهاء. وقد رواه البيهقيّ عن أصحاب ابن مسعودٍ.
ولَم يثبت في شيءٍ من ذلك عن النّبيّ ﷺ حديثٌ.
وأصحّ ما ورد فيه عن الصّحابة قول عليٍّ وابن مسعودٍ , أنّه من صبح يوم عرفة آخر أيّام منىً. أخرجه ابن المنذر وغيره. والله أعلم.
وأمّا صيغة التّكبير.
فأصحّ ما ورد فيه ما أخرجه عبد الرّزّاق بسندٍ صحيحٍ عن سلمان قال: كبّروا الله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيراً , ونُقل عن سعيد بن جبيرٍ ومجاهدٍ وعبد الرّحمن بن أبي ليلى. أخرجه جعفرٌ الفريابيّ في " كتاب العيدين " من طريق يزيد بن أبي زيادٍ عنهم. وهو قول الشّافعيّ , وزاد " ولله الحمد ".
وقيل: يكبّر ثلاثاً , ويزيد " لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له إلخ ".
стр. 1249
وقيل: يكبّر ثنتين , بعدهما " لا إله إلاَّ الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد " جاء ذلك عن عمر، وعن ابن مسعودٍ نحوه , وبه قال أحمد وإسحاق.
وقد أُحدث في هذا الزّمان زيادةٌ في ذلك لا أصل لها.
قوله: (ويدعون) كذا لأكثر الرواة. أي يطلبن. وللكشميهني " يدعين " بياء تحتانية بدل الواو. وللبخاري " فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم ".
قوله: (وطهرته) بضمّ الطّاء المهملة وسكون الهاء. لغةٌ في الطّهارة، والمراد بها التّطهّر من الذّنوب.
وفي هذا الحديث من الفوائد.
أنّ من شأن العواتق والمخدّرات عدم البروز , إلاَّ فيما أذن لهنّ فيه.
واستدل به على وجوب صلاة العيد.
وفيه نظرٌ , لأنّ من جملة من أمر بذلك من ليس بمكلفٍ، فظهر أنّ القصد منه إظهار شعار الإسلام بالمبالغة في الاجتماع ولتعمّ الجميع البركة، والله أعلم.
وفيه استحباب خروج النّساء إلى شهود العيدين. سواءٌ كنّ شوابّ أم لا وذوات هيئاتٍ أم لا، وقد اختلف فيه السّلف.
ونقل عياضٌ وجوبه عن أبي بكرٍ وعليٍّ وابن عمر، والذي وقع لنا عن أبي بكرٍ وعليٍّ ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنهما. قالا: حقٌّ على كل ذات نطاقٍ الخروج إلى العيدين , وقد ورد هذا مرفوعاً بإسنادٍ لا
стр. 1250
بأس به. أخرجه أحمد وأبو يعلى وابن المنذر من طريق امرأةٍ من عبد القيس عن أخت عبد الله بن رواحة به.
والمرأة لَم تُسمّ، والأخت اسمها عمرة صحابيّةٌ.
وقوله " حقٌّ " يحتمل: الوجوب. ويحتمل: تأكّد الاستحباب، روى ابن أبي شيبة أيضاً عن ابن عمر , أنّه كان يخرج إلى العيدين من استطاع من أهله، وهذا ليس صريحاً في الوجوب أيضاً، بل قد روي عن ابن عمر المنع.
فيحتمل: أن يحمل على حالين.
ومنهم من حمله على النّدب. وجزم بذلك الجرجانيّ من الشّافعيّة وابن حامدٍ من الحنابلة، ولكنّ نصّ الشّافعيّ في " الأمّ " يقتضي استثناء ذوات الهيئات , قال: وأحبّ شهود العجائز وغير ذوات الهيئة الصّلاة، وإنّا لشهودهنّ الأعياد أشدّ استحباباً.
وقد سقطت واو العطف من رواية المزنيّ في المختصر , فصارت غير ذوات الهيئة صفةً للعجائز. فمشى على ذلك صاحب النّهاية ومن تبعه. وفيه ما فيه.
بل قد روى البيهقيّ في المعرفة عن الرّبيع قال: قال الشّافعيّ: قد روي حديثٌ فيه أنّ النّساء يُتْرَكن إلى العيدين، فإن كان ثابتاً قلت به.
قال البيهقيّ: قد ثبت. وأخرجه الشّيخان - يعني حديث أمّ عطيّة هذا - فيلزم الشّافعيّة القول به، ونقله ابن الرّفعة عن البندنيجيّ , وقال: إنّه ظاهر كلام التّنبيه، وقد ادّعى بعضهم النّسخ فيه.
стр. 1251
قال الطّحاويّ: وأمره ﷺ بخروج الحيّض وذوات الخدور إلى العيد , يحتمل أن يكون في أوّل الإسلام , والمسلمون قليلٌ , فأريد التّكثير بحضورهنّ إرهاباً للعدوّ، وأمّا اليوم فلا يحتاج إلى ذلك.
وتعقّب: بأنّ النّسخ لا يثبت بالاحتمال.
قال الكرمانيّ: تاريخ الوقت لا يعرف.
قلت: بل هو معروفٌ بدلالة حديث ابن عبّاسٍ , أنّه شهده وهو صغيرٌ , وكان ذلك بعد فتح مكّة فلم يتمّ مراد الطّحاويّ.
وقد صرّح في حديث أمّ عطيّة بعلّة الحكم , وهو شهودهنّ الخير ودعوة المسلمين ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أمّ عطيّة بعد النّبيّ ﷺ بمدّةٍ كما في هذا الحديث , ولَم يثبت عن أحدٍ من الصّحابة مخالفتها في ذلك.
وأمّا قول عائشة: لو رأى النّبيّ ﷺ ما أحدث النّساء لمنعهنّ المساجد. (١) فلا يعارض ذلك لندوره , إنْ سلّمنا أنّ فيه دلالةً على أنّها أفتت بخلافه، مع أنّ الدّلالة منه. بأنّ عائشة أفتت بالمنع ليست صريحةً.
وفي قوله " إرهاباً للعدوّ " نظرٌ , لأنّ الاستنصار بالنّساء والتّكثّر بهنّ في الحرب دالٌّ على الضّعف، والأولى أن يخصّ ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة , ولا يترتّب على حضورها محذورٌ , ولا تزاحم الرّجال في الطّرق ولا في المجامع.
стр. 1252
باب صلاة الكسوف
الكسوف لغة التّغيّر إلى سواد , ومنه كسف وجهه وحاله، وكسفت الشّمس اسودّت وذهب شعاعها.
واختلف في الكسوف والخسوف هل هما مترادفان أو لا؟ كما سيأتي قريباً. ومشروعيّتها أمر متّفق عليه.
لكن اختلف في الْحُكم وفي الصّفة.
القول الأول: الجمهور على أنّها سنّة مؤكّدة.
القول الثاني: صرّح أبو عوانة في " صحيحه " بوجوبها، ولَم أره لغيره , إلاَّ ما حكي عن مالك أنّه أجراها مجرى الجمعة.
ونقل الزين بن المنير عن أبي حنيفة أنّه أوجبها، وكذا نقل بعض مصنّفي الحنفيّة , أنّها واجبة.
стр. 1253
الحديث المائة واثنان
١٥١ - عن عائشة ﵂ , أنّ الشّمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ فبعث مُنادياً ينادي: الصّلاةَ جامعةً. فاجتمعوا. وتقدّم فكبّر , وصلَّى أربع ركعاتٍ في ركعتين , وأربع سجداتٍ. (١)
قوله: (أنّ الشّمس خسفت) روى ابن عيينة عن الزّهريّ عن عروة قال: لا تقولوا: كسفت الشّمس , ولكن قولوا: خسفت. وهذا موقوف صحيح. رواه سعيد بن منصور عنه , وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عنه , لكنّ الأحاديث الصّحيحة تخالفه لثبوتها بلفظ الكسوف في الشّمس من طرق كثيرة.
والمشهور في استعمال الفقهاء. أنّ الكسوف للشّمس والخسوف للقمر. واختاره ثعلب، وذكر الجوهريّ أنّه أفصح.
وقيل: يتعيّن ذلك. وحكى عياض عن بعضهم عكسه , وغلَّطه لثبوته بالخاء في القمر في القرآن، كما قال تعالى " وخسف القمر ".
وقيل: يقال بهما في كلّ منهما وبه جاءت الأحاديث.
ولا شكّ أنّ مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف , لأنّ الكسوف التّغيّر إلى السّواد، والخسوف النّقصان أو الذّلّ، فإذا قيل في
стр. 1254
الشّمس كسفت أو خسفت لأنّها تتغيّر ويلحقها النّقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أنّ الكسوف والخسوف مترادفان.
وقيل: بالكاف في الابتداء وبالخاء في الانتهاء.
وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضّوء وبالخاء لبعضه.
وقيل: بالخاء لذهاب كلّ لون وبالكاف لتغيّره.
وفي إيراد البخاري لهذه الآية (وخسف القمر) في الترجمة احتمالان.
أحدهما: أن يكون أراد أن يقال: خسف القمر كما جاء في القرآن ولا يقال كسف، وإذا اختصّ القمر بالخسوف أشعر باختصاص الشّمس بالكسوف.
والثّاني: أن يكون أراد أنّ الذي يتّفق للشّمس كالذي يتّفق للقمر، وقد سُمِّي في القرآن بالخاء في القمر , فليكن الذي للشّمس كذلك. ثمّ ساق البخاري حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة بلفظ " خسفت الشّمس " وهذا موافق لِمَا قال عروة، لكن روايات غيره بلفظ " كسفت " كثيرة جدّاً.
قوله: (فبعث منادياً ينادي) وللبخاري عن عبد الله بن عمرو " نودي أنِ الصلاة جامعة " بفتح الهمزة وتخفيف النون وهي المفسرة، وروي بتشديد النون. والخبر محذوف تقديره أنَّ الصلاة ذاتُ جماعة حاضرة. ويروى برفع جامعة على أنه الخبر
قوله: (الصّلاةَ جامعةً) بالنّصب فيهما , ونصب الصّلاة في الأصل على الإغراء , وجامعة على الحال , أي: احضروا الصّلاة في حال
стр. 1255
كونها جامعةً.
وقيل: برفعهما على أنّ الصّلاة مبتدأٌ وجامعة خبرُه , ومعناه ذات جماعةٍ.
وقيل: جامعةٌ صفةٌ والخبر محذوفٌ تقديره فاحضروها.
وعن بعض العلماء: يجوز في الصّلاة جامعة النّصب فيهما والرّفع فيهما , ويجوز رفع الأوّل ونصب الثّاني , وبالعكس.
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجّة لمن استحبّ ذلك، وقد اتّفقوا على أنّه لا يؤذّن لها ولا يقام.
قوله: (وتقدّم , فكبّر وصلَّى .. الحديث) سيأتي الكلام عليه إن شاء الله بعد حديث.
تكميلٌ: زاد الشيخان من رواية الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن نمر عن الزهري عن عروة عن عائشة , أنَّ النبي ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته .. الحديث.
استدل به.
وهو القول الأول. على الجهر فيها بالنهار , وحملَه جماعةٌ ممن لم ير بذلك على كسوف القمر , وليس بجيد , لأنَّ الإسماعيلي روى هذا الحديث من وجه آخر عن الوليد بلفظ: كسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ . فذكر الحديث.
وكذا رواية الأوزاعي صريحة في الشمس. (١)
стр. 1256
وقد ورد الجهر فيها عن عليٍ مرفوعاً وموقوفاً. أخرجه ابن خزيمة وغيره. وقال به صاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدّثي الشّافعيّة وابن العربيّ من المالكيّة.
القول الثاني: قال الطّبريّ: يخيّر بين الجهر والإسرار.
القول الثالث: قال الأئمّة الثّلاثة: يسرّ في الشّمس , ويجهر في القمر.
واحتجّ الشّافعيّ بقول ابن عبّاس " قرأ نحواً من سورة البقرة " (١) , لأنّه لو جهر لَم يحتج إلى تقدير.
وتعقّب: باحتمال أن يكون بعيداً منه، لكن ذكر الشّافعيّ تعليقاً عن ابن عبّاس , أنّه صلَّى بجنب النّبيّ ﷺ في الكسوف , فلم يسمع منه حرفاً، ووصله البيهقيّ من ثلاثة طرق أسانيدها واهية.
وعلى تقدير صحّتها فمُثبت الجهر معه قدر زائدة فالأخذ به أولى، وإن ثبت العدد. فيكون فعل ذلك لبيان الجواز.
وهكذا الجواب عن حديث سمرة عند ابن خزيمة والتّرمذيّ " لَم يسمع له صوتاً " وأنّه إن ثبت لا يدلّ على نفي الجهر.
قال ابن العربيّ: الجهر عندي أولى , لأنّها صلاة جامعة ينادى لها ويخطب فأشبهت العيد والاستسقاء، والله أعلم.
стр. 1257
الحديث المائة وثلاثة
١٥٢ - عن أبي مسعودٍ - عقبة بن عمرٍو الأنصاريّ البدريّ ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله , يخوّف الله بهما عباده , وإنّهما لا ينخسفان لموت أحدٍ من النّاس ولا لحياته , فإذا رأيتم منها شيئاً فصلّوا , وادعوا حتّى ينكشف ما بكم. (١)
قوله: (آيتان) أي: علامتان
قوله: (من آيات الله) أي: الدّالة على وحدانيّة الله وعظيم قدرته , أو على تخويف العباد من بأس الله وسطوته، ويؤيّده قوله تعالى (وما نرسل بالآيات إلاَّ تخويفاً).
قوله: (يخوّف الله بهما عباده) فيه ردّ على من يزعم من أهل الهيئة أنّ الكسوف أمر عاديّ لا يتأخّر ولا يتقدّم، إذ لو كان كما يقولون لَم يكن في ذلك تخويف ويصير بمنزلة الجزر والمدّ في البحر.
وقد ردّ ذلك عليهم ابن العربيّ وغير واحد من أهل العلم. بما في حديث أبي موسى الآتي حيث قال: فقام فَزِعاً يخشى أن تكون السّاعة ". قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لَم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لَم يكن للأمر بالعتق والصّدقة والصّلاة والذّكر معنىً، فإنّ
стр. 1258
ظاهر الأحاديث أنّ ذلك يفيد التّخويف، وأنّ كلّ ما ذكر من أنواع الطّاعة يرجى أن يدفع به ما يخشى من أثر ذلك الكسوف.
وممّا نقضَ ابن العربيّ وغيره: أنّهم يزعمون أنّ الشّمس لا تنكسف على الحقيقة، وإنّما يحول القمر بينها وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين.
فقال: هم يزعمون أنّ الشّمس أضعاف القمر في الجرم، فكيف يحجب الصّغير الكبير إذا قابله، أم كيف يظلم الكثير بالقليل، ولا سيّما وهو من جنسه؟. وكيف تحجب الأرض نور الشّمس وهي في زاوية منها؟ , لأنّهم يزعمون أنّ الشّمس أكبر من الأرض بتسعين ضعفاً.
وقد وقع في حديث النّعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعمه أهل الهيئة , وهو ما أخرجه أحمد والنّسائيّ وابن ماجه وصحّحه ابن خزيمة والحاكم بلفظ " إنّ الشّمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته , ولكنّهما آيتان من آيات الله، وإنّ الله إذا تجلَّى لشيءٍ من خلقه خشع له ".
وقد استشكل الغزاليّ هذه الزّيادة. وقال: إنّها لَم تثبت فيجب تكذيب ناقلها. قال: ولو صحّت لكان تأويلها أهون من مكابرة أمور قطعيّة لا تصادم أصلاً من أصول الشّريعة.
قال ابن بزيزة: هذا عجبٌ منه، كيف يسلم دعوى الفلاسفة , ويزعم أنّها لا تصادم الشّريعة مع أنّها مبنيّة على أنّ العالَم كرويّ
стр. 1259
الشّكل , وظاهر الشّرع يعطي خلاف ذلك , والثّابت من قواعد الشّريعة أنّ الكسوف أثر الإرادة القديمة وفعل الفاعل المختار، فيخلق في هذين الجرمين النّور متى شاء والظّلمة متى شاء من غير توقّف على سبب أو ربط باقترابٍ.
والحديث الذي ردّه الغزاليّ قد أثبته غير واحد من أهل العلم، وهو ثابت من حيث المعنى أيضاً، لأنّ النّوريّة والإضاءة من عالم الجمال الحسّيّ، فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته. ويؤيّده قوله تعالى (فلمّا تجلى ربّه للجبل جعله دكّاً). انتهى.
ويؤيّد هذا الحديث ما رويناه عن طاوسٍ , أنّه نظر إلى الشّمس - وقد انكسفت - فبكى حتّى كاد أن يموت , وقال: هي أخوف لله منّا.
وقال ابن دقيق العيد: ربّما يعتقد بعضهم. أنّ الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله " يخوّف الله بهما عباده " وليس بشيءٍ , لأنّ لله أفعالاً على حسب العادة، وأفعالاً خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كلّ سبب، فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسبّبات بعضها عن بعض. وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوّة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة , وأنّه يفعل ما يشاء. إذا وقع شيءٌ غريبٌ حدث عندهم الخوف لقوّة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها.
وحاصله أنّ الذي يذكره أهل الحساب حقّاً في نفس الأمر لا ينافي
стр. 1260
كون ذلك مخوّفاً لعباد الله تعالى.
قوله: (وإنّهما لا ينكسفان لموت أحدٍ من النّاس. ولا لحياته) في حديث أبي بكرة عند البخاري بيان سبب هذا القول. ولفظه " وذلك أنّ ابناً للنّبيّ ﷺ يقال له إبراهيم مات , فقال النّاس في ذلك ".
وفي رواية ابن حبّان " فقال النّاس: إنّما كسفت الشّمس لموت إبراهيم ". ولأحمد والنّسائيّ وابن ماجه وصحّحه ابن خزيمة وابن حبّان من رواية أبي قلابة عن النّعمان بن بشير قال: انكسفت الشّمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج فزعاً يجرّ ثوبه حتّى أتى المسجد، فلم يزل يُصلِّي حتّى انجلت، فلمّا انجلت قال: إنّ النّاس يزعمون أنّ الشّمس والقمر لا ينكسفان إلاَّ لموت عظيم من العظماء، وليس كذلك " الحديث.
وفي الباب (١) عن جابر عند مسلم , وعن عبد الله بن عمرو والنعمان بن بشير وقبيصة وأبي هريرة كلها عند النسائي وغيره , وعن ابن مسعود وسمرة بن جندب ومحمود بن لبيد كلها عند أحمد وغيره , وعن عقبة بن عامر وبلال عند الطبراني وغيره.
فهذه عدّة طرق غالبها على شرط الصّحّة، وهي تفيد القطع عند من اطّلع عليها من أهل الحديث بأنّ النّبيّ ﷺ قاله، فيجب تكذيب من زعم أنّ الكسوف علامة على موت أحد أو حياة أحد.
стр. 1261
وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهليّة يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض، وهو نحو قوله في الاستسقاء " يقولون مطرنا بنوء كذا ".
قال الخطّابيّ: كانوا في الجاهليّة يعتقدون أنّ الكسوف يوجب حدوث تغيّر في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النّبيّ ﷺ أنّه اعتقاد باطل، وأنّ الشّمس والقمر خلقان مسخّران لله ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدّفع عن أنفسهما.
وفيه ما كان النّبيّ ﷺ عليه من الشّفقة على أمّته , وشدّة الخوف من ربّه.
قوله: (فإذا رأيتم منها شيئاً) وللبخاري " فإذا رأيتموها " أي: الآية، وله أيضاً " رأيتموهما " بالتّثنية، وكذا في رواية الإسماعيليّ , والمعنى إذا رأيتم كسوف كلّ منهما لاستحالة وقوع ذلك فيهما معاً في حالة واحدة عادة , وإن كان ذلك جائزاً في القدرة الإلهيّة.
واستدل به على مشروعيّة الصّلاة في كسوف القمر، ووقع في رواية ابن المنذر " حتّى ينجلي كسوف أيّهما انكسف ". وهو أصرح في المراد.
وفي ذلك ردّ على مَن قال: لا تندب الجماعة في كسوف القمر، وفرّق بوجود المشقّة في الليل غالباً دون النّهار.
ووقع عند ابن حبّان من وجه آخر , أنّه ﷺ صلَّى في كسوف القمر , ولفظه من طريق النّضر بن شميلٍ عن أشعث عن الحسن عن أبي بكرة
стр. 1262
في هذا الحديث (١) " صلَّى في كسوف الشّمس والقمر ركعتين مثل صلاتكم ". وأخرجه الدّارقطنيّ أيضاً.
وفي هذا ردّ على من أطلق كابن رشيد , أنّه ﷺ لَم يصلِّ فيه، ومنهم من أوّل قوله " صلَّى " أي: أمر بالصّلاة، جمعاً بين الرّوايتين.
وقال صاحب الهدي: لَم يُنقل أنّه صلَّى في كسوف القمر في جماعة، لكن حكى ابن حبّان في " السّيرة " له , أنّ القمر خسف في السّنة الخامسة فصلَّى النّبيّ ﷺ بأصحابه صلاة الكسوف , وكانت أوّل صلاة كسوف في الإسلام.
وهذا - إن ثبت - انتفى التّأويل المذكور، وقد جزم به مغلطاي في سيرته المختصرة. وتبعه شيخنا في نظمها.
وأفاد أبو عوانة , أنّ في بعض الطّرق , أنّ ذلك كان يوم مات إبراهيم، وهو كذلك في مسند الشّافعيّ، وهو يؤيّد ما قدّمناه من اتّحاد القصّة.
قوله: (فصلوا وادعوا الله) وللبخاري " فقوموا فصلّوا ".
استدل به على أنّه لا وقت لصلاة الكسوف معيّن، لأنّ الصّلاة عُلّقت برؤيته، وهي ممكنة في كلّ وقت من النّهار، وبهذا قال
стр. 1263
الشّافعيّ ومن تبعه.
واستثنى الحنفيّة أوقات الكراهة. وهو مشهور مذهب أحمد.
وعن المالكيّة. وقتها من وقت حلّ النّافلة إلى الزّوال، وفي رواية. إلى صلاة العصر.
ورَجَحَ الأوّل. بأنّ المقصود إيقاع هذه العبادة قبل الانجلاء.
وقد اتّفقوا على أنّها لا تقضى بعد الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله فيفوت المقصود.
ولَم أقف في شيء من الطّرق مع كثرتها على أنّه ﷺ صلاّها إلاَّ ضُحى (١) , لكنّ ذلك وقع اتّفاقاً. ولا يدلّ على منع ما عداه.
واتّفقت الطّرق على أنّه بادر إليها.
стр. 1264
الحديث المائة وأربعة
١٥٣ - عن عائشة ﵂ , أنّها قالت: خسفت الشّمس على عهد رسول الله ﷺ فصلَّى رسول الله ﷺ بالنّاس , فأطال القيام , ثمّ ركع , فأطال الرّكوع , ثمّ قام , فأطال القيام - وهو دون القيام الأوّل - ثمّ ركع , فأطال الرّكوع - وهو دون الرّكوع الأوّل - ثمّ سجد , فأطال السّجود , ثمّ فعل في الرّكعة الأخرى مثل ما فعل في الرّكعة الأولى , ثمّ انصرف , وقد تجلَّت الشّمس , فخطب النّاس , فحمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال:
إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله , لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته , فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبّروا , وصلّوا وتصدّقوا , ثمّ قال: يا أمّة محمّدٍ , والله ما من أحدٍ أغيرَ مِن الله أنْ يزني عبدُه , أو تزني أمتُه , يا أمّةَ محمّدٍ , والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً , ولبكيتم كثيراً.
وفي لفظٍ: فاستكمل أربع ركعاتٍ وأربع سجداتٍ. (١)
قوله: (خسفت الشّمس في عهد رسول الله ﷺ فصلَّى) استدل به على أنّه ﷺ كان يحافظ على الوضوء. فلهذا لَم يحتج إلى الوضوء في
стр. 1265
تلك الحال.
وفيه نظرٌ , لأنّ في السّياق حذفاً , ففي رواية ابن شهاب عن عروة عن عنها , خسفت الشّمس فخرج إلى المسجد فصفّ النّاس وراءه. متفق عليه , وفي رواية عمرة عند البخاري: فخسفت فرجع ضحىً فمرّ بين الحجر , ثمّ قام يُصلِّي.
وإذا ثبتت هذه الأفعال جاز أن يكون حذف أيضاً , فتوضّأ ثمّ قام يُصلِّي , فلا يكون نصّاً في أنّه كان على وضوء.
قوله: (فأطال القيام) في رواية ابن شهاب " فاقترأ قراءة طويلة " ومن وجه آخر عنه " فقرأ بسورةٍ طويلة " وفي حديث ابن عبّاس عند البخاري " فقرأ نحواً من سورة البقرة في الرّكعة الأولى ".
ونحوه لأبي داود من طريق سليمان بن يسار عن عروة , وزاد فيه أنّه " قرأ في القيام الأوّل من الرّكعة الثّانية نحواً من آل عمران ".
قوله: (ثمّ قام فأطال القيام) في رواية ابن شهاب " ثمّ قال: سمع الله لمن حمده. ربّنا ولك الحمد ".
واستدل به على استحباب الذّكر المشروع في الاعتدال في أوّل القيام الثّاني من الرّكعة الأولى.
واستشكله بعض متأخّري الشّافعيّة من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال , بدليل اتّفاق العلماء ممَن قال بزيادة الرّكوع في كلّ ركعة على قراءة الفاتحة فيه. وإن كان محمّد بن مسلمة المالكيّ خالف فيه.
والجواب: أنّ صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة. فلا