وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهليّة يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض، وهو نحو قوله في الاستسقاء " يقولون مطرنا بنوء كذا ".
قال الخطّابيّ: كانوا في الجاهليّة يعتقدون أنّ الكسوف يوجب حدوث تغيّر في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النّبيّ ﷺ أنّه اعتقاد باطل، وأنّ الشّمس والقمر خلقان مسخّران لله ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدّفع عن أنفسهما.
وفيه ما كان النّبيّ ﷺ عليه من الشّفقة على أمّته , وشدّة الخوف من ربّه.
قوله: (فإذا رأيتم منها شيئاً) وللبخاري " فإذا رأيتموها " أي: الآية، وله أيضاً " رأيتموهما " بالتّثنية، وكذا في رواية الإسماعيليّ , والمعنى إذا رأيتم كسوف كلّ منهما لاستحالة وقوع ذلك فيهما معاً في حالة واحدة عادة , وإن كان ذلك جائزاً في القدرة الإلهيّة.
واستدل به على مشروعيّة الصّلاة في كسوف القمر، ووقع في رواية ابن المنذر " حتّى ينجلي كسوف أيّهما انكسف ". وهو أصرح في المراد.
وفي ذلك ردّ على مَن قال: لا تندب الجماعة في كسوف القمر، وفرّق بوجود المشقّة في الليل غالباً دون النّهار.
ووقع عند ابن حبّان من وجه آخر , أنّه ﷺ صلَّى في كسوف القمر , ولفظه من طريق النّضر بن شميلٍ عن أشعث عن الحسن عن أبي بكرة
стр. 1262
في هذا الحديث (١) " صلَّى في كسوف الشّمس والقمر ركعتين مثل صلاتكم ". وأخرجه الدّارقطنيّ أيضاً.
وفي هذا ردّ على من أطلق كابن رشيد , أنّه ﷺ لَم يصلِّ فيه، ومنهم من أوّل قوله " صلَّى " أي: أمر بالصّلاة، جمعاً بين الرّوايتين.
وقال صاحب الهدي: لَم يُنقل أنّه صلَّى في كسوف القمر في جماعة، لكن حكى ابن حبّان في " السّيرة " له , أنّ القمر خسف في السّنة الخامسة فصلَّى النّبيّ ﷺ بأصحابه صلاة الكسوف , وكانت أوّل صلاة كسوف في الإسلام.
وهذا - إن ثبت - انتفى التّأويل المذكور، وقد جزم به مغلطاي في سيرته المختصرة. وتبعه شيخنا في نظمها.
وأفاد أبو عوانة , أنّ في بعض الطّرق , أنّ ذلك كان يوم مات إبراهيم، وهو كذلك في مسند الشّافعيّ، وهو يؤيّد ما قدّمناه من اتّحاد القصّة.
قوله: (فصلوا وادعوا الله) وللبخاري " فقوموا فصلّوا ".
استدل به على أنّه لا وقت لصلاة الكسوف معيّن، لأنّ الصّلاة عُلّقت برؤيته، وهي ممكنة في كلّ وقت من النّهار، وبهذا قال
стр. 1263
الشّافعيّ ومن تبعه.
واستثنى الحنفيّة أوقات الكراهة. وهو مشهور مذهب أحمد.
وعن المالكيّة. وقتها من وقت حلّ النّافلة إلى الزّوال، وفي رواية. إلى صلاة العصر.
ورَجَحَ الأوّل. بأنّ المقصود إيقاع هذه العبادة قبل الانجلاء.
وقد اتّفقوا على أنّها لا تقضى بعد الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله فيفوت المقصود.
ولَم أقف في شيء من الطّرق مع كثرتها على أنّه ﷺ صلاّها إلاَّ ضُحى (١) , لكنّ ذلك وقع اتّفاقاً. ولا يدلّ على منع ما عداه.
واتّفقت الطّرق على أنّه بادر إليها.
стр. 1264
الحديث المائة وأربعة
١٥٣ - عن عائشة ﵂ , أنّها قالت: خسفت الشّمس على عهد رسول الله ﷺ فصلَّى رسول الله ﷺ بالنّاس , فأطال القيام , ثمّ ركع , فأطال الرّكوع , ثمّ قام , فأطال القيام - وهو دون القيام الأوّل - ثمّ ركع , فأطال الرّكوع - وهو دون الرّكوع الأوّل - ثمّ سجد , فأطال السّجود , ثمّ فعل في الرّكعة الأخرى مثل ما فعل في الرّكعة الأولى , ثمّ انصرف , وقد تجلَّت الشّمس , فخطب النّاس , فحمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال:
إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله , لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته , فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبّروا , وصلّوا وتصدّقوا , ثمّ قال: يا أمّة محمّدٍ , والله ما من أحدٍ أغيرَ مِن الله أنْ يزني عبدُه , أو تزني أمتُه , يا أمّةَ محمّدٍ , والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً , ولبكيتم كثيراً.
وفي لفظٍ: فاستكمل أربع ركعاتٍ وأربع سجداتٍ. (١)
قوله: (خسفت الشّمس في عهد رسول الله ﷺ فصلَّى) استدل به على أنّه ﷺ كان يحافظ على الوضوء. فلهذا لَم يحتج إلى الوضوء في
стр. 1265
تلك الحال.
وفيه نظرٌ , لأنّ في السّياق حذفاً , ففي رواية ابن شهاب عن عروة عن عنها , خسفت الشّمس فخرج إلى المسجد فصفّ النّاس وراءه. متفق عليه , وفي رواية عمرة عند البخاري: فخسفت فرجع ضحىً فمرّ بين الحجر , ثمّ قام يُصلِّي.
وإذا ثبتت هذه الأفعال جاز أن يكون حذف أيضاً , فتوضّأ ثمّ قام يُصلِّي , فلا يكون نصّاً في أنّه كان على وضوء.
قوله: (فأطال القيام) في رواية ابن شهاب " فاقترأ قراءة طويلة " ومن وجه آخر عنه " فقرأ بسورةٍ طويلة " وفي حديث ابن عبّاس عند البخاري " فقرأ نحواً من سورة البقرة في الرّكعة الأولى ".
ونحوه لأبي داود من طريق سليمان بن يسار عن عروة , وزاد فيه أنّه " قرأ في القيام الأوّل من الرّكعة الثّانية نحواً من آل عمران ".
قوله: (ثمّ قام فأطال القيام) في رواية ابن شهاب " ثمّ قال: سمع الله لمن حمده. ربّنا ولك الحمد ".
واستدل به على استحباب الذّكر المشروع في الاعتدال في أوّل القيام الثّاني من الرّكعة الأولى.
واستشكله بعض متأخّري الشّافعيّة من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال , بدليل اتّفاق العلماء ممَن قال بزيادة الرّكوع في كلّ ركعة على قراءة الفاتحة فيه. وإن كان محمّد بن مسلمة المالكيّ خالف فيه.
والجواب: أنّ صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة. فلا
стр. 1266
مدخل للقياس فيها، بل كلّ ما ثبت أنّه ﷺ فعله فيها كان مشروعاً , لأنّها أصل برأسه، وبهذا المعنى ردّ الجمهور على من قاسها على صلاة النّافلة حتّى منع من زيادة الرّكوع فيها.
وقد أشار الطّحاويّ: إلى أنّ قول أصحابه جرى على القياس في صلاة النّوافل، لكن اعترض بأنّ القياس مع وجود النّصّ يضمحلّ، وبأنّ صلاة الكسوف أشبه بصلاة العيد ونحوها ممّا يجمع فيه من مطلق النّوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الرّكوع والسّجود، وصلاة العيدين بزيادة التّكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة، فكذلك اختصّت صلاة الكسوف بزيادة الرّكوع، فالأخذ به جامع بين العمل بالنّصّ والقياس بخلاف من لَم يعمل به.
قوله: (فأطال الرّكوع) لَم أر في شيء من الطّرق بيان ما قال فيه، إلاَّ أنّ العلماء اتّفقوا على أنّه لا قراءة فيه، وإنّما فيه الذّكر من تسبيح وتكبير ونحوهما.
ولَم يقع في هذه الرّواية ذكر تطويل الاعتدال الذي يقع فيه السّجود بعده، ولا تطويل الجلوس بين السّجدتين، ووقع في حديث جابر عند مسلم تطويل الاعتدال الذي يليه السّجود , ولفظه " ثمّ ركع فأطال، ثمّ سجد ".
وقال النّوويّ: هي رواية شاذّة مخالفة , فلا يُعمل بها , أو المراد زيادة الطّمأنينة في الاعتدال لا إطالته نحو الرّكوع.
стр. 1267
وتعقّب: بما رواه النّسائيّ وابن خزيمة وغيرهما، من حديث عبد الله بن عمرو أيضاً ففيه " ثمّ ركع فأطال حتّى قيل لا يرفع، ثمّ رفع فأطال حتّى قيل لا يسجد، ثمّ سجد فأطال حتّى قيل لا يرفع، ثمّ رفع فجلس فأطال الجلوس حتّى قيل لا يسجد، ثمّ سجد " لفظ ابن خزيمة من طريق الثّوريّ عن عطاء بن السّائب عن أبيه عنه.
والثّوريّ سمع من عطاء قبل الاختلاط. فالحديث صحيح.
ولَم أقف في شيء من الطّرق على تطويل الجلوس بين السّجدتين إلاَّ في هذا، وقد نقل الغزاليّ الاتّفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتّفاق المذهبيّ فلا كلام، وإلا فهو محجوج بهذه الرّواية.
قوله: (وهو دون القيام) وللبخاري " أربع ركعات في سجدتين , الأولى أطول " وقد رواه الإسماعيليّ بلفظ " الأولى فالأولى أطول ".
وفيه دليل لِمَن قال: إنّ القيام الأوّل من الرّكعة الثّانية يكون دون القيام الثّاني من الرّكعة الأولى.
وقد قال ابن بطّال: إنّه لا خلاف أنّ الرّكعة الأولى بقيامها وركوعيها تكون أطول من الرّكعة الثّانية بقيامها وركوعيها.
وقال النّوويّ: اتّفقوا على أنّ القيام الثّاني وركوعه فيهما أقصر من القيام الأوّل وركوعه فيهما، واختلفوا في القيام الأوّل من الثّانية وركوعه. هل هما أقصر من القيام الثّاني من الأولى وركوعه. أو يكونان سواء؟.
قيل: وسبب هذا الخلاف فَهْمُ معنى قوله " وهو دون القيام الأوّل
стр. 1268
" هل المراد به الأوّل من الثّانية , أو يرجع إلى الجميع فيكون كلّ قيام دون الذي قبله؟
ورواية الإسماعيليّ تعيّن هذا الثّاني.
ويرجّحه أيضاً: أنّه لو كان المراد من قوله " القيام الأوّل " أوّل قيام من الأولى فقط , لكان القيام الثّاني والثّالث مسكوتاً عن مقدارهما، فالأوّل أكثر فائدة، والله أعلم.
قوله: (ثمّ سجد , فأطال السّجود) فيه الرّدّ على من أنكره.
واستدل بعض المالكيّة على ترك إطالته: بأنّ الذي شرع فيه التّطويل شرع تكراره كالقيام والرّكوع , ولَم تشرع الزّيادة في السّجود فلا يشرع تطويله.
وهو قياس في مقابلة النّصّ كما سيأتي بيانه. فهو فاسد الاعتبار.
وأبدى بعضهم في مناسبة التّطويل في القيام والرّكوع دون السّجود.
أنّ القائم والرّاكع يمكنه رؤية الانجلاء بخلاف السّاجد , فإنّ الآية علويّة فناسب طول القيام لها بخلاف السّجود.
ولأنّ في تطويل السّجود استرخاء الأعضاء فقد يفضي إلى النّوم.
وكلّ هذا مردود بثبوت الأحاديث الصّحيحة في تطويله. ففي الصحيحين عن عائشة قالت: ما سجدت سجوداً قطّ كان أطول منه. أي: من السّجود المذكور، زاد مسلم فيه " ولا ركعتُ ركوعاً قطّ كان أطول منه ".
стр. 1269
وللنّسائيّ من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بلفظ " ثمّ رفع رأسه فسجد. وأطال السّجود " , ونحوه عنده عن أبي هريرة.
وللشّيخين من حديث أبي موسى " بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قطّ " , ولأبي داود والنّسائيّ من حديث سمرة " كأطول ما سجد بنا في صلاة قطّ ".
وكلّ هذه الأحاديث ظاهرة في أنّ السّجود في الكسوف يطوَّل كما يطوَّل القيام والرّكوع.
وأبدى بعض المالكيّة فيه بحثاً , فقال: لا يلزم من كونه أطال أن يكون بلغ به حدّ الإطالة في الرّكوع.
وكأنّه غفل عمّا رواه مسلم في حديث جابر بلفظ " وسجوده نحو من ركوعه " وهذا مذهب أحمد وإسحاق وأحد قولي الشّافعيّ , وبه جزم أهل العلم بالحديث من أصحابه. واختاره ابن سريج ثمّ النّوويّ.
وتعقّبه صاحب " المهذّب " بأنّه لَم ينقل في خبر , ولَم يقل به الشّافعيّ. انتهى.
وردّ عليه في الأمرين معاً , فإنّ الشّافعيّ نصّ عليه في البويطيّ. ولفظه " ثمّ يسجد سجدتين طويلتين يُقيم في كلّ سجدة نحواً ممّا قام في ركوعه ".
قوله: (ثمّ فعل في الرّكعة الأخرى مثل ما فعله في الركعة الأولى) وقع ذلك مفسّراً في رواية عمرة. ولفظه " ثم قام فصلَّى , وقام الناس
стр. 1270
وراءه، فقام قياماً طويلاً، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع، فقام قياماً طويلاً. وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً. وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، فسجد سجوداً طويلاً، ثم قام، فقام قياماً طويلاً. وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً. وهو دون الركوع الأول، ثم قام قياماً طويلاً. وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً. وهو دون الركوع الأول، ثم سجد وهو دون السجود الأول، ثم انصرف .. الحديث. متفق عليه
قوله: (ثمّ انصرف) أي: من الصّلاة
قوله: (وقد تجلَّتْ الشّمس) في رواية ابن شهاب " انجلت الشّمس قبل أن ينصرف " , وللنّسائيّ " ثمّ تشهّد وسلم ".
قوله: (فخطب النّاس) فيه مشروعيّة الخطبة للكسوف.
القول الأول: استحبّها الشّافعيّ وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث. قال ابن قدامة: لَم يبلغنا عن أحمد ذلك (١).
القول الثاني: قال صاحب الهداية من الحنفيّة: ليس في الكسوف خطبة , لأنّه لَم ينقل.
وتعقّب: بأنّ الأحاديث ثبتت فيه , وهي ذات كثرة.
والمشهور عند المالكيّة أن لا خطبة لها، مع أنّ مالكاً روى الحديث،
стр. 1271
وفيه ذكر الخطبة. ولَم يقل به أصحابه.
وأجاب بعضهم: بأنّه ﷺ لَم يقصد لها خطبة بخصوصها، وإنّما أراد أن يبيّن لهم الرّدّ على من يعتقد أنّ الكسوف لموت بعض النّاس.
وتعقّب: بما في الأحاديث الصّحيحة من التّصريح بالخطبة , وحكاية شرائطها من الحمد والثّناء والموعظة وغير ذلك ممّا تضمّنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعيّة الاتّباع، والخصائص لا تثبت إلاَّ بدليلٍ.
وقد استضعف ابن دقيق العيد التّأويل المذكور , وقال: إنّ الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معيّن، بعد الإتيان بما هو المطلوب منها من الحمد والثّناء والموعظة، وجميع ما ذكر من سبب الكسوف وغيره هو من مقاصد خطبة الكسوف، فينبغي التّأسّي بالنّبيّ ﷺ فيذكر الإمام ذلك في خطبة الكسوف.
نعم. نازع ابن قدامة في كون خطبة الكسوف كخطبتي الجمعة والعيدين، إذ ليس في الأحاديث المذكورة ما يقتضي ذلك.
وإلى ذلك نحا ابن المنير في حاشيته , وردّ على من أنكر أصل الخطبة لثبوت ذلك صريحاً في الأحاديث , وذكر أنّ بعض أصحابهم احتجّ على ترك الخطبة , بأنّه لَم ينقل في الحديث أنّه صعد المنبر، ثمّ زيّفه بأنّ المنبر ليس شرطاً، ثمّ لا يلزم من أنّه لَم يذكر أنّه لَم يقع.
واستدل به على أنّ الانجلاء لا يُسقط الخطبة، بخلاف ما لو انجلت قبل أن يشرع في الصّلاة فإنّه يسقط الصّلاة والخطبة، فلو
стр. 1272
انجلت في أثناء الصّلاة أتمّها على الهيئة المذكورة عند مَن قال بها.
وعن أصبغ: يتمّها على هيئة النّوافل المعتادة.
قوله: (فحمد الله وأثنى عليه) زاد النّسائيّ في حديث سمرة " وشهد أنّه عبد الله ورسوله ".
قوله: (فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا) في رواية لهما " فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة " بفتح الزّاي. أي: التجئوا وتوجّهوا.
وفيه إشارة إلى المبادرة إلى المأمور به، وأنّ الالتجاء إلى الله عند المخاوف بالدّعاء , والاستغفار سبب لمحو ما فرّط من العصيان يرجى به زوال المخاوف.
وأنّ الذّنوب سبب للبلايا والعقوبات العاجلة والآجلة، نسأل الله تعالى رحمته وعفوه وغفرانه.
قوله: (وصلّوا) أي: المعهودة الخاصّة، وهي التي تقدّم فعلها منه ﷺ قبل الخطبة. ولَم يصب من استدل به على مطلق الصّلاة.
ويُستنبط منه أنّ الجماعة ليست شرطاً في صحّتها , لأنّ فيه إشعاراً بالمبادرة إلى الصّلاة والمسارعة إليها، وانتظار الجماعة قد يؤدّي إلى فواتها وإلى إخلاء بعض الوقت من الصّلاة.
قوله: (يا أمّة محمّد) فيه معنى الإشفاق كما يخاطب الوالد ولده إذا أشفق عليه بقوله " يا بنيّ ".
كذا قيل، وكان قضيّة ذلك أن يقول: يا أمّتي. لكن لعدوله عن
стр. 1273
المضمر إلى المظهر حكمة، وكأنّها بسبب كون المقام مقام تحذير وتخويف لِمَا في الإضافة إلى الضّمير من الإشعار بالتّكريم، ومثله " يا فاطمة بنت محمّد لا أغني عنكِ من الله شيئاً " الحديث. (١)
ويؤخذ من قوله " يا أمّة محمّد " أنّ الواعظ ينبغي له حال وعظه أن لا يأتي بكلامٍ فيه تفخيم لنفسه، بل يبالغ في التّواضع , لأنّه أقرب إلى انتفاع من يسمعه.
قوله: (واللهِ ما مِن أَحدٍ) فيه القسم لتأكيد الخبر , وإن كان السّامع غير شاكّ فيه. وصدّر ﷺ كلامه باليمين لإرادة التّأكيد للخبر , وإن كان لا يرتاب في صدقه.
ولعل تخصيص العبد والأَمَة بالذّكر رعاية لحسن الأدب مع الله تعالى لتنزّهه عن الزّوجة والأهل ممّن يتعلق بهم الغيرة غالباً.
قوله: (ما من أحد أغير) بالنّصب على أنّه الخبر , وعلى أنّ " مِن " زائدة، ويجوز فيه الرّفع على لغة تميم، أو " أغير " مخفوض صفة لأحدٍ، والخبر محذوف تقديره موجود.
قوله: (أغير) أفعل تفضيل من الغيرة بفتح الغين المعجمة , وهي في اللّغة تغيّر يحصل من الحميّة والأنفة، وأصلها في الزّوجين والأهلين , وكلّ ذلك محال على الله تعالى (٢) , لأنّه منزّه عن كلّ تغيّر
стр. 1274
ونقص فيتعيّن حمله على المجاز.
فقيل: لَمّا كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر من يقصد إليهم، أطلق عليه ذلك لكونه منع من فعل ذلك وزجر فاعله وتوعّده، فهو من باب تسمية الشّيء بما يترتّب عليه.
وقال ابن فورك: المعنى ما أحد أكثر زجراً عن الفواحش من الله. وقال: غيرة الله ما يغير من حال العاصي بانتقامه منه في الدّنيا والآخرة أو في إحداهما، ومنه قوله تعالى (إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم).
وقال ابن دقيق العيد: أهل التّنزيه في مثل هذا على قولين، إمّا ساكت، وإمّا مؤوّل على أنّ المراد بالغيرة شدّة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة.
وقال الطّيبيّ وغيره: وجه اتّصال هذا المعنى بما قبله من قوله " فاذكروا الله إلخ " من جهة أنّهم لَمّا أمروا باستدفاع البلاء بالذّكر والدّعاء والصّلاة والصّدقة. ناسب ردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء، وخصّ منها الزّنا لأنّه أعظمها في ذلك.
وقيل: لَمَّاكانت هذه المعصية من أقبح المعاصي وأشدّها تأثيراً في إثارة النّفوس وغلبة الغضب , ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة ربّ الغيرة وخالقها .
стр. 1275
قوله: (لو تعلمون ما أعلم) أي: من عظيم قدرة الله وانتقامه من أهل الإجرام.
وقيل: معناه لو دام علمكم كما دام علمي، لأنّ علمه متواصل بخلاف غيره.
وقيل: معناه لو علمتم من سعة رحمة الله وحلمه وغير ذلك ما أعلم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك.
قوله: (لضحكتم قليلاً) قيل: معنى القلة هنا العدم، والتّقدير لتركتم الضّحك ولَم يقع منكم إلاَّ نادراً لغلبة الخوف , واستيلاء الحزن.
وحكى ابن بطّال عن المُهلَّب: أنّ سبب ذلك ما كان عليه الأنصار من محبّة اللهو والغناء. وأطال في تقرير ذلك بما لا طائل فيه , ولا دليل عليه.
ومن أين له أنّ المخاطب بذلك الأنصار دون غيرهم؟ , والقصّة كانت في أواخر زمنه ﷺ حيث امتلأت المدينة بأهل مكّة ووفود العرب. وقد بالغ الزين بن المنير في الرّدّ عليه والتّشنيع بما يستغنى عن حكايته.
وفي الحديث ترجيح التّخويف في الخطبة على التّوسّع في التّرخيص لِمَا في ذكر الرّخص من ملاءمة النّفوس لِمَا جبلت عليه من الشّهوة، والطّبيب الحاذق يقابل العلة بما يضادّها لا بما يزيدها.
واستدل به على أنّ لصلاة الكسوف هيئةً تخصّها من التّطويل الزّائد
стр. 1276
على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كلّ ركعة.
وقد وافق عائشةَ على رواية ذلك عبدُ الله بن عبّاس وعبدُ الله بن عمرو متّفق عليهما، ومثله عن أسماء بنت أبي بكر، وعن جابر عند مسلم، وعن عليّ عند أحمد، وعن أبي هريرة عند النّسائيّ، وعن ابن عمر عند البزّار، وعن أمّ سفيان عند الطّبرانيّ.
وفي رواياتهم زيادة رواها الحفّاظ الثّقات , فالأخذ بها أولى من إلغائها. وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا.
وقد وردت الزّيادة في ذلك من طرق أخرى.
فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر , أنّ في كلّ ركعة ثلاث ركوعات.
وعنده من وجه آخر عن ابن عبّاس , أنّ في كلّ ركعة أربع ركوعات.
ولأبي داود من حديث أبيّ بن كعب، والبزّار من حديث عليّ , أنّ في كلّ ركعة خمس ركوعات.
ولا يخلو إسناد منها عن عِلَّة. وقد أوضح ذلك البيهقيّ وابن عبد البرّ.
ونقل صاحب الهدى: عن الشّافعيّ وأحمد والبخاريّ , أنّهم كانوا يعدّون الزّيادة على الرّكوعين في كلّ ركعة غلطاً من بعض الرّواة، فإنّ أكثر طرق الحديث يمكن ردّ بعضها إلى بعض، ويجمعها أنّ ذلك يوم مات إبراهيم ﵇ , وإذا اتّحدت تعيّن الأخذ بالرّاجح.
стр. 1277
وجمع بعضهم بين هذه الأحاديث. بتعدّد الواقعة، وأنّ الكسوف وقع مراراً، فيكون كلّ من هذه الأوجه جائزاً، وإلى ذلك نحا إسحاق , لكن لَم تثبت عنده الزّيادة على أربع ركوعات.
وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطّابيّ وغيرهم من الشّافعيّة: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك. وهو من الاختلاف المباح، وقوّاه النّوويّ في شرح مسلم.
وأبدى بعضهم: أنّ حكمة الزّيادة في الرّكوع والنّقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أوّل ركوع اقتصر على مثل النّافلة، وحين أبطأ زاد ركوعاً، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثاً , وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك.
وتعقّبه النّوويّ وغيره: بأنّ إبطاء الانجلاء وعدمه لا يعلم في أوّل الحال ولا في الرّكعة الأولى، وقد اتّفقت الرّوايات على أنّ عدد الرّكوع في الرّكعتين سواء، وهذا يدلّ على أنّه مقصود في نفسه منويّ من أوّل الحال.
وأجيب: باحتمال أن يكون الاعتماد على الرّكعة الأولى، وأمّا الثّانية فهي تبع لها , فمهما اتّفق وقوعه في الأولى بسبب بطء الانجلاء يقع مثله في الثّانية ليساوي بينهما.
ومن ثَمَّ قال أصبغ: إذا وقع الانجلاء في أثنائها يُصلِّي الثّانية كالعادة. وعلى هذا فيدخل المُصلِّي فيها على نيّة مطلق الصّلاة، ويزيد في الرّكوع بحسب الكسوف، ولا مانع من ذلك.
стр. 1278
وأجاب بعض الحنفيّة عن زيادة الرّكوع: بحمله على رفع الرّأس لرؤية الشّمس هل انجلت أم لا؟ فإذا لَم يرها انجلت رجع إلى ركوعه , ففعل ذلك مرّة أو مراراً. فظنّ بعض من رآه يفعل ذلك ركوعاً زائداً.
وتعقّب: بالأحاديث الصّحيحة الصّريحة في أنّه أطال القيام بين الرّكوعين , ولو كان الرّفع لرؤية الشّمس فقط لَم يحتج إلى تطويل، ولا سيّما الأخبار الصّريحة بأنّه ذكر ذلك الاعتدال ثمّ شرع في القراءة فكلّ ذلك يردّ هذا الحمل، ولو كان كما زعم هذا القائل لكان فيه إخراج لفعل الرّسول ﷺ عن العبادة المشروعة , أو لزم منه إثبات هيئة في الصّلاة لا عهد بها , وهو ما فرّ منه.
وفي حديث عائشة من الفوائد غير ما تقدّم.
المبادرة بالصّلاة وسائر ما ذكر عند الكسوف، والزّجر عن كثرة الضّحك، والحثّ على كثرة البكاء، والتّحقّق بما سيصير إليه المرء من الموت والفناء والاعتبار بآيات الله.
وفيه الرّدّ على من زعم أنّ للكواكب تأثيراً في الأرض لانتفاء ذلك عن الشّمس والقمر فكيف بما دونهما.
وفيه تقديم الإمام في الموقف، وتعديل الصّفوف، والتّكبير بعد الوقوف في موضع الصّلاة، وبيان ما يخشى اعتقاده على غير الصّواب، واهتمام الصّحابة بنقل أفعال النّبيّ ﷺ ليقتدى به فيها.
ومن حكمة وقوع الكسوف تبيين أنموذج ما سيقع في القيامة،
стр. 1279
وصورة عقاب من لَم يذنب، والتّنبيه على سلوك طريق الخوف مع الرّجاء لوقوع الكسوف بالكوكب ثمّ كشف ذلك عنه ليكون المؤمن من ربّه على خوف ورجاء.
وفي الكسوف إشارة إلى تقبيح رأي من يعبد الشّمس أو القمر، وحمل بعضهم الأمر في قوله تعالى (لا تسجدوا للشّمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهنّ) على صلاة الكسوف , لأنّه الوقت الذي يناسب الإعراض عن عبادتهما لِمَا يظهر فيهما من التّغيير والنّقص المنزّه عنه المعبود جلَّ وعلا .
стр. 1280
الحديث المائة وخمسة
١٥٤ - عن أبي موسى الأشعريّ ﵁ , قال: خسفت الشّمس على زمان رسول الله ﷺ . فقام فَزِعاً , يخشى أن تكون السّاعة , حتّى أتى المسجد. فقام , فصلَّى بأطول قيامٍ وسجودٍ , ما رأيته يفعله في صلاته قطّ , ثمّ قال: إنّ هذه الآيات التي يرسلها الله : لا تكون لموت أحدٍ ولا لحياته. ولكنّ الله يرسلها يخوّف بها عباده , فإذا رأيتم منها شيئاً فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره. (١)
قوله: (فقام النّبيّ ﷺ فزعاً) بكسر الزّاي صفة مشبّهة، ويجوز الفتح على أنّه مصدر بمعنى الصّفة.
قوله: (يخشى أن تكون السّاعة) بالضّمّ على أنّ كان تامّة , أي: يخشى أن تحضر السّاعة، أو ناقصة والسّاعة اسمها والخبر محذوف، أو العكس.
قيل: وفيه جواز الإخبار بما يوجبه الظّنّ من شاهد الحال، لأنّ سبب الفزع يخفى عن المشاهد لصورة الفزع , فيحتمل أن يكون الفزع لغير ما ذكر.
فعلى هذا فيشكل هذا الحديث من حيث إنّ للسّاعة مقدّمات كثيرة لَم تكن وقعت كفتح البلاد , واستخلاف الخلفاء , وخروج الخوارج. ثمّ الأشراط كطلوع الشّمس من مغربها والدّابّة والدّجّال والدّخان
стр. 1281
وغير ذلك.
ويجاب عن هذا:
الاحتمال الأول: أن تكون قصّة الكسوف وقعت قبل إعلام النّبيّ ﷺ بهذه العلامات.
الثاني: لعله خشي أن يكون ذلك بعض المقدّمات.
الثالث: أنّ الرّاوي ظنّ أنّ الخشية لذلك , وكانت لغيره كعقوبةٍ تحدث كما كان يخشى عند هبوب الرّيح. هذا حاصل ما ذكره النّوويّ تبعاً لغيره.
الرابع: زاد بعضهم أنّ المراد بالسّاعة غير يوم القيامة، أي: السّاعة التي جعلت علامة على أمر من الأمور، كموته ﷺ أو غير ذلك.
وفي الأوّل نظرٌ , لأنّ قصّة الكسوف متأخّرة جدّاً، فإنّ موت إبراهيم كان في العاشرة كما اتّفق عليه أهل الأخبار (١) وقد أخبر النّبيّ ﷺ بكثيرٍ من الأشراط والحوادث قبل ذلك.
وأمّا الثّالث , فتحسين الظّنّ بالصّحابيّ يقتضي أنّه لا يجزم بذلك إلاَّ بتوقيفٍ.
وأمّا الرّابع , فلا يخفى بعده.
стр. 1282
وأقربها الثّاني , فلعله خشي أن يكون الكسوف مقدّمة لبعض الأشراط كطلوع الشّمس من مغربها، ولا يستحيل أن يتخلل بين الكسوف والطّلوع المذكور أشياء ممّا ذكر , وتقع متتالية بعضها إثر بعض مع استحضار قوله تعالى (وما أمر السّاعة إلاَّ كلمح البصر أو هو أقرب).
ثمّ ظهر لي , أنّه يحتمل أن يُخرَّج على مسألة دخول النّسخ في الأخبار , فإذا قيل بجواز ذلك زال الإشكال.
وقيل: لعله قدّر وقوع الممكن لولا ما أعلمه الله تعالى بأنّه لا يقع قبل الأشراط تعظيماً منه لأمر الكسوف. ليتبيّن لمن يقع له من أمّته ذلك كيف يخشى ويفزع , لا سيّما إذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط أو أكثرها.
وقيل: لعل حالة استحضار إمكان القدرة غلبت على استحضار ما تقدّم من الشّروط لاحتمال أن تكون تلك الأشراط كانت مشروطة بشرطٍ لَم يتقدّم ذكره فيقع المخوف بغير أشراط لفقد الشّرط، والله أعلم.
قوله: (إنَّ هذه الآيات التي يرسل الله .. ولكن الله يرسلها يخوّف بها عباده) موافق لقوله تعالى (وما نرسل بالآيات إلاَّ تخويفاً).
واستدل بذلك على أنّ الأمر بالمبادرة إلى الذّكر والدّعاء والاستغفار وغير ذلك , لا يختصّ بالكسوفين , لأنّ الآيات أعمّ من ذلك، وهل يُصلِّي عند وجودها؟.
стр. 1283
حكى ابن المنذر فيه الاختلاف، وبه قال أحمد وإسحاق وجماعة.
وعلَّق الشّافعيّ القول به على صحّة الحديث عن عليّ.
وصحّ ذلك عن ابن عبّاس. أخرجه عبد الرّزّاق وغيره.
وروى ابن حبّان في " صحيحه " من طريق عبيد بن عمير عن عائشة مرفوعاً: صلاة الآيات ستّ ركعات وأربع سجدات.
ولَم يقع في هذه الرّواية ذكر الصّلاة، فلا حجّة فيه لمن استحبّها عند كلّ آية.
قوله: (إلى ذكر الله) في رواية الكشميهنيّ " إلى ذكره " والضّمير يعود على الله في قوله " يخوّف الله بها عباده "، وفيه النّدب إلى الاستغفار عند الكسوف وغيره لأنّه ممّا يدفع به البلاء. (١).
قوله: (ودعاءه واستغفاره) ولهما عن المغيرة " فادعوا الله وصلّوا " ووقع الأمر فيه بالدعاء من حديث عائشة وأبي بكرة وغيره.
ومنهم من حمل الذكر والدعاء على الصلاة لكونهما من أجزائها.
والأول أولى , لأنه جمع بينهما في حديث أبي بكرة. حيث قال (فصلوا وادعوا) (٢) ووقع في حديث بن عباس عند سعيد بن منصور " فاذكروا الله وكبروه وسبّحوه وهللوه " وهو من عطف الخاص على العام.
стр. 1284
باب صلاة الاستسقاء
الاستسقاء لغة طلب سقي الماء من الغير للنّفس أو الغير.
وشرعاً طلبه من الله عند حصول الجدب على وجه مخصوص.
وقد اتّفق فقهاء الأمصار على مشروعيّة صلاة الاستسقاء , وأنّها ركعتان إلاَّ ما روي عن أبي حنيفة , أنّه قال: يبرزون للدّعاء والتّضرّع، وإن خطب لهم فحسن. ولَم يَعرفِ الصّلاة، هذا هو المشهور عنه. ونقل أبو بكر الرّازيّ عنه التّخيير بين الفعل والتّرك.
وحكى ابن عبد البرّ الإجماع على استحباب الخروج إلى الاستسقاء، والبروز إلى ظاهر المصر.
لكن حكى القرطبيّ عن أبي حنيفة أيضاً أنّه لا يستحبّ الخروج، وكأنّه اشتبه عليه بقوله في الصّلاة.
стр. 1285
الحديث المائة وستة
١٥٥ - عن عبد الله بن زيد بن عاصمٍ المازنيّ ﵁ , قال: خرج النّبيّ ﷺ يستسقي , فتوجّه إلى القبلة يدعو , وحوّل رداءه , ثمّ صلَّى ركعتين , جهر فيهما بالقراءة. وفي لفظٍ: إلى المصلى. (١)
قوله: (المازنيّ) مازن الأنصار , ورائي الأذان عبد الله بن زيد بن عبد ربّه، وقد اتّفقا في الاسم واسم الأب والنّسبة إلى الأنصاريّ , ثمّ إلى الخزرج والصّحبة والرّواية، وافترقا في الجدّ والبطن الذي من الخزرج , لأنّ حفيدَ عاصم من مازن , وحفيدَ عبد ربّه من بلحارث ابن الخزرج، والله أعلم.
قوله: (خرج النّبيّ ﷺ يستسقي) في رواية الزهري عن عبَّاد بن تميم عند البخاري " فخرج بالناس يستسقي ".
ولَم أقف في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد على سبب ذلك , ولا صفته ﷺ حال الذّهاب إلى المُصلّى وعلى وقت ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة عند أبي داود وابن حبّان قالت: شَكَا النّاس إلى رسول الله ﷺ قحط المطر، فأمر بمنبرٍ فوضع له بالمصلَّى، ووعد النّاس يوماً يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشّمس فقعد على المنبر " الحديث.
стр. 1286
وفي حديث ابن عبّاس عند أحمد وأصحاب السّنن: خرج النّبيّ ﷺ متبذّلاً متواضعاً متضرّعاً حتّى أتى المصلى فرقى المنبر , وفي حديث أبي الدّرداء عند البزّار والطّبرانيّ: قحط المطر، فسألنا نبيّ الله ﷺ أن يستسقي لنا، فغدا نبيّ الله ﷺ .. الحديث.
وقد حكى ابن المنذر الاختلاف في وقتها.
والرّاجح أنّه لا وقت لها معيّن، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنّها تخالفه بأنّها لا تختصّ بيومٍ معيّن، وهل تصنع بالليل؟.
استنبط بعضهم من كونه ﷺ جهر بالقراءة فيها بالنّهار أنّها نهاريّة كالعيد، وإلا فلو كانت تُصلَّى بالليل لأسرّ فيها بالنّهار. وجهر بالليل كمطلق النّوافل.
ونقل ابن قدامة الإجماع على أنّها لا تُصلَّى في وقت الكراهة.
وأفاد ابن حبّان: أنّ خروجه ﷺ إلى المصلى للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ستٍّ من الهجرة.
قوله: (فتوجّه إلى القبلة يدعو) في رواية للشيخين " فحوّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حوَّل رداءه ثم صلَّى ركعتين ". لَم يتبيّن من الخبر كون التحويل من ناحية اليمين أو اليسار، لكن المستفاد من خارج أنّه التفت بجانبه الأيمن. لِمَا ثبت أنّه كان يعجبه التّيمّن في شأنه كلّه.
ثمّ إنّ محلّ هذا التّحويل بعد فراغ الموعظة وإرادة الدّعاء.
وقوله " ثمّ حوَّل رداءه " ظاهره أنّ الاستقبال وقع سابقاً لتحويل
стр. 1287
الرّداء، وهو ظاهر كلام الشّافعيّ، ووقع في كلام كثير من الشّافعيّة , أنّه يحوّله حال الاستقبال.
والفرق بين تحويل الظّهر والاستقبال , أنّه في ابتداء التّحويل وأوسطه يكون منحرفاً حتّى يبلغ الانحراف غايته فيصير مستقبلاً.
والجمع بينه وبين حديث أنس (١) من جهة أنّ الخطيب من شأنه أن يستدبر القبلة، وأنّه لَم ينقل أنّه ﷺ لَمّا دعا في المرّتين استدار.
أنّ القصّة التي في حديث أنس كانت في خطبة الجمعة بالمسجد. والقصّة التي في حديث عبد الله بن زيد كانت بالمصلى.
وقد ورد في استقبال القبلة في الدّعاء من فعل النّبيّ ﷺ عدّة أحاديث:
منها حديث عمر , كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه كدويّ النّحل، فأنزل الله عليه يوماً، ثمّ سُرِّي عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه ودعا. الحديث. أخرجه التّرمذيّ واللفظ له , والنّسائيّ والحاكم.
ولمسلمٍ والتّرمذيّ من حديث ابن عبّاس عن عمر: لَمّا كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين فاستقبل القبلة ثمّ مدّ يديه , فجعل يهتف بربّه. الحديث.
وفي حديث ابن مسعود: استقبل النّبيّ ﷺ الكعبة فدعا على نفر من قريش .. الحديث " متّفق عليه، وفي حديث عبد الرّحمن بن طارق
стр. 1288
عن أبيه , أنّ رسول الله ﷺ كان إذا جاز مكاناً من دار يعلى استقبل القبلة فدعا. أخرجه أبو داود والنّسائيّ واللفظ له.
وفي حديث ابن مسعود: رأيت رسول الله ﷺ في قبر عبد الله ذي النّجادين. الحديث. وفيه , فلمّا فرغ من دفنه استقبل القبلة رافعاً يديه. أخرجه أبو عوانة في " صحيحه ".
تكميلٌ: في روايةٍ للبخاري " فقام فدعا الله قائماً ".
قال ابن بطّال: الحكمة فيه كونه حالَ خشوعٍ وإنابةٍ فيناسبه القيام.
وقال غيره: القيام شعار الاعتناء والاهتمام، والدّعاء أهمّ أعمال الاستسقاء فناسبه القيام، ويحتمل: أن يكون قام ليراه النّاس فيقتدوا بما يصنع.
قوله: (وحوّل رداءه) في رواية لهما " وقلب رداءه ".
ذكر الواقديّ , أنّ طول ردائه ﷺ كان ستّة أذرع في ثلاثة أذرع , وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين.
ووقع في " شرح الأحكام " لابن بزيزة: ذرع الرّداء كالذي ذكره الواقديّ في فرع الإزار، والأوّل أولى.
قال الزين بن المنير: ترجم البخاري بلفظ التّحويل (١)، والذي وقع
стр. 1289
في الطّريقين اللذين ساقهما لفظ القلب، وكأنّه أراد أنّهما بمعنىً واحد. انتهى.
ولَم تتّفق الرّواة في الطّريق الثّانية على لفظ القلب، فإنّ رواية أبي ذرّ " حوّل " وكذا هو في أوّل حديث في الاستسقاء، وكذلك أخرجه مسلم من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد عن عمه.
وقد وقع بيان المراد من ذلك عند البخاري. فقال: قال: سفيان عن المسعوديّ عن أبي بكر بن محمّد، ولفظه " قلب رداءه جعل اليمين على الشّمال " , وزاد فيه ابن ماجه وابن خزيمة من هذا الوجه " والشّمال على اليمين " , والمسعوديّ ليس من شرط الكتاب , وإنّما ذكر زيادته استطراداً، وهو متصل بالإسناد الأول.
ووهم من زعم أنّه معلَّق كالمزّيّ , حيث علَّم على المسعوديّ في التّهذيب علامة التّعليق.
وزعم ابن القطّان أيضاً: أنّه لا يدري عمّن أخذ أبو بكر هذه الزّيادة. انتهى
وقد بيّن ذلك ما أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة من طريق سفيان بن عيينة. وفيه بيان كون أبي بكر رواها عن عبّاد بن تميم عن عمّه، وكذا أخرجه الحميديّ في " مسنده " عن سفيان بن عيينة مبيّناً.
وله شاهد أخرجه أبو داود من طريق الزّبيديّ عن الزّهريّ عن
стр. 1290
عبّاد بلفظ " فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ".
وله من طريق عمارة بن غزيّة عن عبّاد " استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلمّا ثقُلتْ عليه قلبها على عاتقه ".
القول الأول: استحبّ الشّافعيّ في الجديد فعل ما همّ به ﷺ من تنكيس الرّداء مع التّحويل الموصوف.
وزعم القرطبيّ كغيره , أنّ الشّافعيّ اختار في الجديد تنكيس الرّداء لا تحويله، والذي في " الأمّ " ما ذكرته.
القول الثاني: الجمهور على استحباب التّحويل فقط.
ولا ريب أنّ الذي استحبّه الشّافعيّ أحوط.
القول الثالث: عن أبي حنيفة وبعض المالكيّة: لا يستحبّ شيء من ذلك.
واستحبَّ الجمهور أيضاً: أن يحوّل النّاس بتحويل الإمام.
ويشهد له ما رواه أحمد من طريق أخرى عن عبّاد في هذا الحديث بلفظ " وحوّل النّاس معه ".
وقال الليث وأبو يوسف: يحوّل الإمام وحده.
واستثنى ابن الماجشون النّساء , فقال: لا يستحبّ في حقّهنّ.
ثمّ إنّ ظاهر قوله " فقلب رداءه " أنّ التّحويل وقع بعد فراغ الاستسقاء، وليس كذلك، بل المعنى فقلب رداءه في أثناء
стр. 1291
الاستسقاء. وقد بيّنه مالك في روايته المذكورة ولفظه " حوّل رداءه حين استقبل القبلة ".
ولمسلمٍ من رواية يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمّد " وإنّه لَمّا أراد أن يدعو استقبل القبلة وحوّل رداءه ". وأصله للبخاري.
وللبخاري من رواية الزّهريّ عن عبّاد " فقام فدعا الله قائماً، ثمّ توجّه قبل القبلة وحوّل رداءه فسُقُوا "، فعرف بذلك أنّ التّحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الدّعاء.
واختلف في حكمة هذا التّحويل:
فجزم المُهلَّب: بأنّه للتّفاؤل بتحويل الحال عمّا هي عليه.
وتعقّبه ابن العربيّ: بأنّ من شرط الفأل أن لا يقصد إليه. قال: وإنّما التّحويل أمارة بينه وبين ربّه، قيل له حوّل رداءك ليتحوّل حالك.
وتعقّب: بأنّ الذي جزم به يحتاج إلى نقل، والذي ردّه ورد فيه حديث رجاله ثقات. أخرجه الدّارقطنيّ والحاكم من طريق جعفر بن محمّد بن عليّ عن أبيه عن جابر، ورجّح الدّارقطنيّ إرساله.
وعلى كلّ حالٍ فهو أولى من القول بالظّنّ.
وقال بعضهم: إنّما حوّل رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدّعاء , فلا يكون سنّة في كلّ حال.
وأجيب: بأنّ التّحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثّبوت على العاتق، فالحمل على المعنى الأوّل أولى، فإنّ الاتّباع أولى من تركه
стр. 1292
لمجرّد احتمال الخصوص، والله أعلم
قوله: (ثمّ صلَّى ركعتين) في رواية لهما " خرج إلى المصلى فاستسقى فاستقبل القبلة وقلب رداءه وصلَّى ركعتين " , وفي رواية يحيى بن سعيد عند ابن خزيمة " وصلَّى بالنّاس ركعتين ".
واستدل به على أنّ الخطبة في الاستسقاء قبل الصّلاة، وهو مقتضى حديث عائشة وابن عبّاس المذكورين، لكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله بن زيد التّصريح بأنّه بدأ بالصّلاة قبل الخطبة , وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه حيث قال " فصلَّى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة ". (١)
стр. 1293
والمرجّح عند الشّافعيّة والمالكيّة الثّاني، وعن أحمد رواية كذلك، ورواية: يُخيّر. (١)
ولَم يقع في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصّلاة المذكورة , ولا ما يقرأ فيها، وقد أخرج الدّارقطنيّ من حديث ابن عبّاس , أنّه يكبّر فيهما سبعاً وخمساً كالعيد، وأنّه يقرأ فيهما بسبّح وهل أتاك. وفي إسناده مقال، لكن أصله في السّنن بلفظ " ثمّ صلَّى ركعتين كما يُصلِّي في العيد ". فأخذ بظاهره الشّافعيّ , فقال: يكبّر فيهما.
ونقل الفاكهيّ - شيخ شيوخنا - عن الشّافعيّ استحباب التّكبير حال الخروج إليها كما في العيد، وهو غلط منه عليه.
ويمكن الجمع بين ما اختلف من الرّوايات في ذلك بأنّه ﷺ بدأ بالدّعاء ثمّ صلَّى ركعتين ثمّ خطب، فاقتصر بعض الرّواة على شيء , وبعضهم على شيء، وعبّر بعضهم عن الدّعاء بالخطبة. فلذلك وقع الاختلاف.
وأمّا قول ابن بطّال: إنّ رواية أبي بكر بن محمّد (٢) دالّةٌ على تقديم الصّلاة على الخطبة , وهو أضبط من ولَدَيه عبد الله ومحمّد. فليس
стр. 1294
ذلك بالبيّن من سياق البخاريّ ولا مسلم. والله أعلم.
وقال القرطبيّ: يعتضد القول بتقديم الصّلاة على الخطبة لمشابهتها بالعيد، وكذا ما تقرّر من تقديم الصّلاة أمام الحاجة. وقد ترجم البخاري لهذا الحديث أيضاً " الدّعاء في الاستسقاء قائماً , واستقبال القبلة فيه ".
وحمله ابن العربيّ على حال الصّلاة , ثمّ قال: يحتمل أن يكون ذلك خاصّاً بدعاء الاستسقاء.
ولا يخفى ما فيه، وقد ترجم له البخاري في الدّعوات بالدّعاء مستقبل القبلة من غير قيدٍ بالاستسقاء، وكأنّه ألحقه به، لأنّ الأصل عدم الاختصاص: وترجم أيضاً لكونها ركعتين. وهو إجماع عند مَن قال بها، ولكونها في المصلى.
وقد استثنى الخفّاف من الشّافعيّة مسجد مكّة كالعيد، وبالجهر بالقراءة في الاستسقاء، وبتحويل الظّهر إلى النّاس عند الدّعاء , وهو من لازم استقبال القبلة.
قوله: (جهر فيهما بالقراءة) نقل ابن بطّال الإجماع عليه.
تكميل: قال ابن بطال: أجمعوا على أن لا أذان ولا إقامة للاستسقاء. والله أعلم.
стр. 1295
الحديث المائة وسبعة
١٥٦ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , أنّ رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من بابٍ كان نحو دار القضاء , ورسول الله ﷺ قائمٌ يخطب , فاستقبل رسول الله ﷺ قائماً , ثمّ قال: يا رسولَ الله , هلكت الأموال , وانقطعت السّبل فادع الله تعالى يغيثنا , قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه , ثمّ قال: اللهمّ أغثنا , اللهمّ أغثنا , اللهمّ أغثنا , قال أنسٌ: فلا والله ما نرى في السّماء من سحابٍ ولا قزعةٍ , وما بيننا وبين سلعٍ من بيتٍ ولا دارٍ , قال: فطلعت من ورائِه سحابةٌ مثل التُّرس. فلمّا توسّطت السّماء انتشرت ثمّ أمطرت , قال: فلا والله ما رأينا الشّمس سبتاً , قال: ثمّ دخل رجلٌ من ذلك الباب في الجمعة المقبلة , ورسول الله ﷺ قائمٌ يخطب النّاس , فاستقبله قائماً , فقال: يا رسولَ الله , هلكتِ الأموال , وانقطعتِ السّبل , فادع الله أن يُمسكها عنّا , قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثمّ قال: اللهمّ حوالينا ولا علينا , اللهمّ على الآكامِ والظّرابِ وبطونِ الأودية ومنابتِ الشّجر , قال: فأقلعت , وخرجنا نمشي في الشّمس.
قال شريكٌ: فسألت أنس بن مالكٍ: أهو الرّجل الأوّل؟ قال: لا أدري. (١)
стр. 1296
قال المصنف: الظراب. الجبال الصغار , والآكام. جمع أكمة. وهي أعلى من الرابية ودون الهضبة , ودار القضاء. دار عمر بن الخطاب ﵁ سميت بذلك , لأنها بيعت في قضاء دينه.
قوله: (أنّ رجلاً) لَم أقف على تسميته في حديث أنس.
وروى الإمام أحمد من حديث كعب بن مرّة ما يمكن أن يفسّر هذا المبهم بأنّه كعب المذكور , وسأذكر بعض سياقه بعد قليل.
وروى البيهقيّ في " الدّلائل " من طريق مرسلةٍ ما يمكن أن يفسّر بأنّه خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ، ولكن رواه ابن ماجه من طريق شرحبيل بن السّمط , أنّه قال لكعب بن مرّة: يا كعب حدِّثنا عن رسول الله ﷺ واحذر، قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ , فقال: يا رسولَ الله استسق الله ، فرفع يديه. فقال: اللهمّ اسقنا " الحديث. ففي هذا أنّه غير كعب.
وللبخاري في هذه القصّة " فأتاه أبو سفيان " , ومن ثَمَّ زعم بعضهم أنّه أبو سفيان بن حرب، وهو وهمٌ , لأنّه جاء في واقعة أخرى (١).
стр. 1297
وقد روى البخاري من رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس: أصاب النّاس سَنَةٌ. أي: جدب على عهد رسول الله ﷺ ، فبينا رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قام أعرابيّ , وله من رواية يحيى بن سعيد عن أنس: أتى رجلٌ أعرابيّ من أهل البدو.
وأمّا قوله في رواية ثابت عن أنس في الصحيحين " فقام النّاس فصاحوا " , فلا يعارض ذلك، لأنّه يحتمل: أن يكونوا سألوه بعد أن سأل.
ويحتمل: أنّه نسب ذلك إليهم لموافقة سؤال السّائل ما كانوا يريدونه من طلب دعاء النّبيّ ﷺ لهم.
وقد وقع في رواية ثابت أيضاً عند أحمد " إذ قال بعض أهل المسجد " , وهي ترجّح الاحتمال الأوّل.
قوله: (من بابٍ كان نحو دار القضاء) وللبخاري " من بابٍ كان وِجاه المنبر " بكسر واو وجاه. ويجوز ضمّها. أي: مواجهه.
ووقع في شرح ابن التّين أنّ معناه مستدبر القبلة، وهو وهْمٌ، وكأنّه ظنّ أنّ الباب المذكور كان مقابل ظهر المنبر، وليس الأمر كذلك.
стр. 1298
وفسّر بعضهم دار القضاء بأنّها دار الإمارة، وليس كذلك , وإنّما هي دار عمر بن الخطّاب، وسمّيت دار القضاء , لأنّها بيعت في قضاء دينه. فكان يقال لها دار قضاء دين عمر، ثمّ طال ذلك فقيل لها دار القضاء. ذكره الزّبير بن بكّار بسنده إلى ابن عمر
وذكر عمر بن شبّة في " أخبار المدينة " عن أبي غسّان المدنيّ: سمعت ابن أبي فديك عن عمّه كانت دار القضاء لعمر، فأمر عبد الله وحفصة أن يبيعاها عند وفاته في دَين كان عليه، فباعوها من معاوية، وكانت تسمّى دار القضاء. قال ابن أبي فديك سمعت عمّي يقول: إن كانت لتسمّى دار قضاء الدّين.
قال: وأخبرني عمّي أنّ الخوخة الشّارعة في دار القضاء غربيّ المسجد هي خوخة أبو بكر الصّدّيق , التي قال رسول الله ﷺ : لا يبقى في المسجد خوخة إلاَّ خوخة أبي بكر. وقد صارت بعد ذلك إلى مروان وهو أمير المدينة، فلعلها شبهة مَن قال: إنّها دار الإمارة فلا يكون غلطاً كما قال صاحب المطالع وغيره.
وجاء في تسميتها دار القضاء قول آخر. رواه عمر بن شبّة في " أخبار المدينة " عن أبي غسّان المدنيّ أيضاً عن عبد العزيز بن عمران عن راشد بن حفص عن أمّ الحكم بنت عبد الله عن عمّتها سهلة بنت عاصم. قالت: كانت دار القضاء لعبد الرّحمن بن عوف , وإنّما سُمّيت دار القضاء , لأنّ عبد الرّحمن بن عوف اعتزل فيها ليالي الشّورى حتّى قضي الأمر فيها , فباعها بنو عبد الرّحمن من معاوية بن
стр. 1299
أبي سفيان. قال عبد العزيز: فكانت فيها الدّواوين وبيت المال، ثمّ صيّرها السّفّاح رحبةً للمسجد.
وزاد أحمد في رواية ثابت عن أنس " إنّي لقائم عند المنبر " فأفاد بذلك قوّة ضبطه للقصّة لقربه، ومن ثَمَّ لَم يرد هذا الحديث بهذا السّياق كلّه إلاَّ من روايته.
قوله: (قائم يخطب) زاد في رواية قتادة عن أنس في البخاري " بالمدينة "
قوله: (فقال: يا رسولَ الله) هذا يدلّ على أنّ السّائل كان مسلماً , فانتفى أن يكون أبا سفيان , فإنّه حين سؤاله لذلك كان لَم يسلم كما في حديث عبد الله بن مسعود (١)
قوله: (هلكت الأموال) في رواية للبخاري " المواشي " وهو المراد بالأموال هنا لا الصّامت، وفي رواية له بلفظ " هلك الكراع " وهو بضمّ الكاف يطلق على الخيل وغيرها.
وفي رواية يحيى بن سعيد أيضاً " هلكت الماشية، هلك العيال، هلك النّاس " , وهو من ذكر العامّ بعد الخاصّ.
والمراد بهلاكهم عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر.
قوله: (وانقطعت السّبل) في رواية للبخاري " وتقطّعت " بمثنّاةٍ
стр. 1300
وتشديد الطّاء، والمراد بذلك أنّ الإبل ضعفت لقلّة القوت عن السّفر، أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أودها.
وقيل: المراد نفاد ما عند النّاس من الطّعام أو قلته فلا يجدون ما يحملونه يجلبونه إلى الأسواق.
ووقع في رواية قتادة عن أنس " قحط المطر " أي: قلَّ، وهو بفتح القاف والطّاء , وحكي: بضمٍّ ثمّ كسر.
وزاد في رواية ثابت عن أنس " واحمرّت الشّجر " واحمرارها كناية عن يبس ورقها لعدم شربها الماء، أو لانتثاره فتصير الشّجر أعواداً بغير ورق. ووقع لأحمد في رواية قتادة " وأمحلت الأرض "
وهذه الألفاظ. يحتمل: أن يكون الرّجل قال كلّها.
ويحتمل: أن يكون بعض الرّواة روى شيئاً ممّا قاله بالمعنى , لأنّها متقاربة فلا تكون غلطاً. كما قال صاحب المطالع وغيره.
قوله: (فادع الله يغيثنا) أي: فهو يغيثنا، وهذه رواية الأكثر، ولأبي ذرّ " أن يغيثنا " , وفي رواية إسماعيل بن جعفر عن شريك في الصحيحين " يُغثْنا " بالجزم، ويجوز الضّمّ في يغيثنا على أنّه من الإغاثة. وبالفتح على أنّه من الغيث.
ويرجّح الأوّل قوله " فقال: اللهمّ أغثنا ".
ووقع في رواية قتادة عند البخاري " فادع الله أن يسقينا " وله في الأدب " فاستسق ربّك ".
قال قاسم بن ثابت: رواه لنا موسى بن هارون " اللهمّ أغثنا "