قال المصنف: الظراب. الجبال الصغار , والآكام. جمع أكمة. وهي أعلى من الرابية ودون الهضبة , ودار القضاء. دار عمر بن الخطاب ﵁ سميت بذلك , لأنها بيعت في قضاء دينه.
قوله: (أنّ رجلاً) لَم أقف على تسميته في حديث أنس.
وروى الإمام أحمد من حديث كعب بن مرّة ما يمكن أن يفسّر هذا المبهم بأنّه كعب المذكور , وسأذكر بعض سياقه بعد قليل.
وروى البيهقيّ في " الدّلائل " من طريق مرسلةٍ ما يمكن أن يفسّر بأنّه خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ، ولكن رواه ابن ماجه من طريق شرحبيل بن السّمط , أنّه قال لكعب بن مرّة: يا كعب حدِّثنا عن رسول الله ﷺ واحذر، قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ , فقال: يا رسولَ الله استسق الله ، فرفع يديه. فقال: اللهمّ اسقنا " الحديث. ففي هذا أنّه غير كعب.
وللبخاري في هذه القصّة " فأتاه أبو سفيان " , ومن ثَمَّ زعم بعضهم أنّه أبو سفيان بن حرب، وهو وهمٌ , لأنّه جاء في واقعة أخرى (١).
стр. 1297
وقد روى البخاري من رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس: أصاب النّاس سَنَةٌ. أي: جدب على عهد رسول الله ﷺ ، فبينا رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قام أعرابيّ , وله من رواية يحيى بن سعيد عن أنس: أتى رجلٌ أعرابيّ من أهل البدو.
وأمّا قوله في رواية ثابت عن أنس في الصحيحين " فقام النّاس فصاحوا " , فلا يعارض ذلك، لأنّه يحتمل: أن يكونوا سألوه بعد أن سأل.
ويحتمل: أنّه نسب ذلك إليهم لموافقة سؤال السّائل ما كانوا يريدونه من طلب دعاء النّبيّ ﷺ لهم.
وقد وقع في رواية ثابت أيضاً عند أحمد " إذ قال بعض أهل المسجد " , وهي ترجّح الاحتمال الأوّل.
قوله: (من بابٍ كان نحو دار القضاء) وللبخاري " من بابٍ كان وِجاه المنبر " بكسر واو وجاه. ويجوز ضمّها. أي: مواجهه.
ووقع في شرح ابن التّين أنّ معناه مستدبر القبلة، وهو وهْمٌ، وكأنّه ظنّ أنّ الباب المذكور كان مقابل ظهر المنبر، وليس الأمر كذلك.
стр. 1298
وفسّر بعضهم دار القضاء بأنّها دار الإمارة، وليس كذلك , وإنّما هي دار عمر بن الخطّاب، وسمّيت دار القضاء , لأنّها بيعت في قضاء دينه. فكان يقال لها دار قضاء دين عمر، ثمّ طال ذلك فقيل لها دار القضاء. ذكره الزّبير بن بكّار بسنده إلى ابن عمر
وذكر عمر بن شبّة في " أخبار المدينة " عن أبي غسّان المدنيّ: سمعت ابن أبي فديك عن عمّه كانت دار القضاء لعمر، فأمر عبد الله وحفصة أن يبيعاها عند وفاته في دَين كان عليه، فباعوها من معاوية، وكانت تسمّى دار القضاء. قال ابن أبي فديك سمعت عمّي يقول: إن كانت لتسمّى دار قضاء الدّين.
قال: وأخبرني عمّي أنّ الخوخة الشّارعة في دار القضاء غربيّ المسجد هي خوخة أبو بكر الصّدّيق , التي قال رسول الله ﷺ : لا يبقى في المسجد خوخة إلاَّ خوخة أبي بكر. وقد صارت بعد ذلك إلى مروان وهو أمير المدينة، فلعلها شبهة مَن قال: إنّها دار الإمارة فلا يكون غلطاً كما قال صاحب المطالع وغيره.
وجاء في تسميتها دار القضاء قول آخر. رواه عمر بن شبّة في " أخبار المدينة " عن أبي غسّان المدنيّ أيضاً عن عبد العزيز بن عمران عن راشد بن حفص عن أمّ الحكم بنت عبد الله عن عمّتها سهلة بنت عاصم. قالت: كانت دار القضاء لعبد الرّحمن بن عوف , وإنّما سُمّيت دار القضاء , لأنّ عبد الرّحمن بن عوف اعتزل فيها ليالي الشّورى حتّى قضي الأمر فيها , فباعها بنو عبد الرّحمن من معاوية بن
стр. 1299
أبي سفيان. قال عبد العزيز: فكانت فيها الدّواوين وبيت المال، ثمّ صيّرها السّفّاح رحبةً للمسجد.
وزاد أحمد في رواية ثابت عن أنس " إنّي لقائم عند المنبر " فأفاد بذلك قوّة ضبطه للقصّة لقربه، ومن ثَمَّ لَم يرد هذا الحديث بهذا السّياق كلّه إلاَّ من روايته.
قوله: (قائم يخطب) زاد في رواية قتادة عن أنس في البخاري " بالمدينة "
قوله: (فقال: يا رسولَ الله) هذا يدلّ على أنّ السّائل كان مسلماً , فانتفى أن يكون أبا سفيان , فإنّه حين سؤاله لذلك كان لَم يسلم كما في حديث عبد الله بن مسعود (١)
قوله: (هلكت الأموال) في رواية للبخاري " المواشي " وهو المراد بالأموال هنا لا الصّامت، وفي رواية له بلفظ " هلك الكراع " وهو بضمّ الكاف يطلق على الخيل وغيرها.
وفي رواية يحيى بن سعيد أيضاً " هلكت الماشية، هلك العيال، هلك النّاس " , وهو من ذكر العامّ بعد الخاصّ.
والمراد بهلاكهم عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر.
قوله: (وانقطعت السّبل) في رواية للبخاري " وتقطّعت " بمثنّاةٍ
стр. 1300
وتشديد الطّاء، والمراد بذلك أنّ الإبل ضعفت لقلّة القوت عن السّفر، أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أودها.
وقيل: المراد نفاد ما عند النّاس من الطّعام أو قلته فلا يجدون ما يحملونه يجلبونه إلى الأسواق.
ووقع في رواية قتادة عن أنس " قحط المطر " أي: قلَّ، وهو بفتح القاف والطّاء , وحكي: بضمٍّ ثمّ كسر.
وزاد في رواية ثابت عن أنس " واحمرّت الشّجر " واحمرارها كناية عن يبس ورقها لعدم شربها الماء، أو لانتثاره فتصير الشّجر أعواداً بغير ورق. ووقع لأحمد في رواية قتادة " وأمحلت الأرض "
وهذه الألفاظ. يحتمل: أن يكون الرّجل قال كلّها.
ويحتمل: أن يكون بعض الرّواة روى شيئاً ممّا قاله بالمعنى , لأنّها متقاربة فلا تكون غلطاً. كما قال صاحب المطالع وغيره.
قوله: (فادع الله يغيثنا) أي: فهو يغيثنا، وهذه رواية الأكثر، ولأبي ذرّ " أن يغيثنا " , وفي رواية إسماعيل بن جعفر عن شريك في الصحيحين " يُغثْنا " بالجزم، ويجوز الضّمّ في يغيثنا على أنّه من الإغاثة. وبالفتح على أنّه من الغيث.
ويرجّح الأوّل قوله " فقال: اللهمّ أغثنا ".
ووقع في رواية قتادة عند البخاري " فادع الله أن يسقينا " وله في الأدب " فاستسق ربّك ".
قال قاسم بن ثابت: رواه لنا موسى بن هارون " اللهمّ أغثنا "
стр. 1301
وجائز أن يكون من الغوث أو من الغيث، والمعروف في كلام العرب غثنا لأنّه من الغوث.
وقال ابن القطّاع: غاث الله عباده غيثاً وغياثاً سقاهم المطر، وأغاثهم أجاب دعاءهم، ويقال: غاث وأغاث بمعنىً، والرّباعيّ أعلى.
وقال ابن دريد: الأصل غاثه الله يغوثه غوثاً فأغيث، واستعمل أغاثه، ومن فتح أوّله فمن الغيث , ويحتمل: أن يكون معنى أغثنا: أعطنا غوثاً وغيثاً.
قوله: (فرفع يديه) زاد النّسائيّ (١) في رواية سعيد عن يحيى بن سعيد عن أنس " ورفع النّاس أيديهم مع رسول الله ﷺ يدعون " , وزاد في رواية شريك " حذاء وجهه ".ولابن خزيمة من رواية حميدٍ عن أنس " حتّى رأيت بياض إبطيه ". (٢).
стр. 1302
وللبخاري في الجمعة بلفظ " فمدّ يديه ودعا " , زاد في رواية قتادة في الأدب " فنظر إلى السّماء "
قوله: (اللهمّ أغثنا , اللهمّ أغثنا , اللهمّ أغثنا) وللبخاري فقال " اللهمّ اسقنا. أعاده ثلاثاً، ووقع في رواية ثابت عن أنس عند البخاري " اللهمّ اسقنا " مرّتين.
والأخذ بالزّيادة أولى، ويرجّحها ما أخرجه مسلم عن أنس , أنّه ﷺ كان إذا دعا دعا ثلاثاً.
قوله: (فلا والله) وفي رواية ثابت المذكورة " وأيم الله ".
قوله: (من سحاب) أي: مجتمِع
قوله: (ولا قزعة) بفتح القاف والزّاي بعدها مهملة , أي: سحاب متفرّق. قال ابن سيده: القزع قطع من السّحاب رقاق، زاد أبو عبيد: وأكثر ما يجيء في الخريف.
وللبخاري " ولا قزعة ولا شيئاً " بالنّصب عطفاً على موضع الجارّ والمجرور. أي ما نرى شيئاً، والمراد نفي علامات المطر من ريح وغيره.
قوله: (وما بيننا وبين سلع) بفتح المهملة وسكون اللام جبل معروف بالمدينة، وقد حكي: أنّه بفتح اللام.
قوله: (من بيت ولا دار) أي: يحجبنا عن رؤيته، وأشار بذلك إلى أنّ السّحاب كان مفقوداً لا مستتراً ببيتٍ ولا غيره.
стр. 1303
ووقع في رواية ثابت عند البخاري قال: قال أنس: وإنّ السّماء لفي مثل الزّجاجة. أي: لشدّة صفائها، وذلك مشعر بعدم السّحاب أيضاً.
قوله: (فطلعت) أي: ظهرت.
قوله: (من ورائه) أي: سلعٍ، وكأنّها نشأت من جهة البحر , لأنّ وضع سلعٍ يقتضي ذلك.
قوله: (مثل التّرس) أي: مستديرة، ولَم يرد أنّها مثله في القدر , لأنّ في رواية حفص بن عبيد الله عن أنس عند أبي عوانة " فنشأتْ سحابة مثل رجل الطّائر , وأنا أنظر إليها " فهذا يشعر بأنّها كانت صغيرة.
وفي رواية ثابت المذكورة " فهاجت ريح أنشأت سحاباً ثمّ اجتمع " , وفي رواية قتادة في البخاري " فنشأ السّحاب بعضه إلى بعض ".
وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس عند البخاري " حتّى ثار السّحاب أمثال الجبال " أي: لكثرته، وفيه " ثمّ لَم ينزل عن منبره حتّى رأينا المطر يتحادر على لحيته ". وهذا يدلّ على أنّ السّقف وَكَفَ لكونه كان من جريد النّخل.
قوله: (فلمّا توسّطت السّماء انتشرت) هذا يشعر بأنّها استمرّت مستديرة حتّى انتهت إلى الأفق فانبسطت حينئذٍ، وكأنّ فائدته تعميم الأرض بالمطر.
قوله: (ما رأينا الشّمس سبتاً) كناية عن استمرار الغيم الماطر،
стр. 1304
وهذا في الغالب، وإلا فقد يستمرّ المطر والشّمس بادية، وقد تحجب الشّمس بغير مطر.
وأصرح من ذلك رواية إسحاق عند البخاري بلفظ " فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه , حتّى الجمعة الأخرى ".
قوله: (سبتاً) وقع للأكثر بلفظ السّبت - يعني أحد الأيّام - والمراد به الأسبوع، وهو من تسمية الشّيء باسم بعضه , كما يقال جمعة. قاله صاحب النّهاية. قال: ويقال أراد قطعة من الزّمان.
وقال الزين بن المنير: قوله " سبتاً " أي: من السّبت إلى السّبت، أي: جمعة.
وقال المحبّ الطّبريّ مثله , وزاد: أنّ فيه تجوّزاً , لأنّ السّبت لَم يكن مبدأ ولا الثّاني منتهى، وإنّما عبّر أنس بذلك لأنّه كان من الأنصار , وكانوا قد جاوروا اليهود فأخذوا بكثيرٍ من اصطلاحهم، وإنّما سمّوا الأسبوع سبتاً , لأنّه أعظم الأيّام عند اليهود، كما أنّ الجمعة عند المسلمين كذلك.
وحكى النّوويّ تبعاً لغيره كثابتٍ في " الدّلائل ": أنّ المراد بقوله " سبتاً " قطعة من الزّمان، ولفظ ثابت: النّاس يقولون معناه من سبت إلى سبت , وإنّما السّبت قطعة من الزّمان. وأنّ الدّاوديّ رواه بلفظ " ستّاً " وهو تصحيف.
وتعقّب: بأنّ الدّاوديّ لَم ينفرد بذلك , فقد وقع في رواية الحمويّ والمستملي هنا ستّاً، وكذا رواه سعيد بن منصور عن الدّراورديّ عن
стр. 1305
شريك (١)، ووافقه أحمد من رواية ثابت عن أنس.
وكأنّ من ادّعى أنّه تصحيف استبعد اجتماع قوله " ستّاً " مع قوله في رواية إسماعيل بن جعفر عند البخاري " سبعاً ".
وليس بمستبعدٍ , لأنّ مَن قال " ستّاً " أراد ستّة أيّام تامّة، ومَن قال " سبعاً " أضاف أيضاً يوماً ملفّقاً من الجمعتين. وقد وقع في رواية مالك عن شريك " فمطرنا من جمعة إلى جمعة ".
وفي رواية للنّسفيّ " فدامت جمعة " وفي رواية عبدوسٍ والقابسيّ فيما حكاه عياض " سبتنا " كما يقال جمعتنا، ووهم من عزا هذه الرّواية لأبي ذرّ.
وفي رواية قتادة عند البخاري " فمطرنا فما كِدْنا نصل إلى منازلنا " أي: من كثرة المطر، وللبخاري من وجه آخر بلفظ " فخرجنا نخوض الماء حتّى أتينا منازلنا ".
ولمسلمٍ في رواية ثابت " فأمطرنا حتّى رأيت الرّجل تهمّه نفسه أن يأتي أهله " , ولابن خزيمة في رواية حميدٍ " حتّى أهمّ الشّابَّ القريب الدّار الرّجوع إلى أهله ".
وللبخاري في الأدب من طريق قتادة " حتّى سالت مثاعب المدينة " , ومثاعب جمع مثعب - بالمثلثة وآخره موحّدة - مسيل الماء.
قوله: (ثمّ دخل رجلٌ من ذلك الباب في الجمعة المقبلة) ظاهره أنّه غير الأوّل، لأنّ النّكرة إذا تكرّرت دلت على التّعدّد، وقد قال
стр. 1306
شريك في آخر هذا الحديث هنا: سألت أنساً: أهو الرّجل الأوّل؟ قال: لا أدري.
وهذا يقتضي أنّه لَم يجزم بالتّغاير، فالظّاهر أنّ القاعدة المذكورة محمولة على الغالب , لأنّ أنساً من أهل اللسان وقد تعدّدت.
وللبخاري من رواية إسحاق عن أنس " فقام ذلك الرّجل أو غيره " , وكذا لقتادة في البخاري، وللبخاري في الجمعة من وجه آخر كذلك، وهذا يقتضي أنّه كان يشكّ فيه.
وله من رواية يحيى بن سعيد " فأتى الرّجل فقال: يا رسولَ الله " ومثله لأبي عوانة من طريق حفص عن أنس بلفظ " فما زلنا نمطر حتّى جاء ذلك الأعرابيّ في الجمعة الأخرى ". وأصله في مسلم.
وهذا يقتضي الجزم بكونه واحداً، فلعل أنساً تذكّره بعد أن نسيه، أو نسيه بعد أن كان تذكّره.
ويؤيّد ذلك رواية البيهقيّ في " الدّلائل " من طريق يزيد , أنّ عبيداً السّلميّ قال: لَمّا قفل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك , أتاه وفدُ بني فزارة , وفيه خارجة بن حصن أخو عيينة قدموا على إبل عجاف فقالوا: يا رسولَ الله ادع لنا ربّك أن يغيثنا. فذكر الحديث.
وفيه. فقال: اللهمّ اسق بلدك وبهيمك، وانشر بركتك. اللهمّ اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً طبقاً واسعاً عاجلاً غير آجل نافعاً غير ضارٍ، اللهمّ سقيا رحمة لا سقيا عذاب، اللهمّ اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء. وفيه. قال: فلا والله ما نرى في السّماء من قزعة ولا
стр. 1307
سحاب، وما بين المسجد وسلعٍ من بناء. فذكر نحو حديث أنس بتمامه. وفيه: قال الرّجل - يعني الذي سأله أن يستسقي لهم - هلكت الأموال. الحديث. كذا في الأصل.
والظّاهر. أنّ السّائل هو خارجة المذكور لكونه كان كبير الوفد , ولذلك سُمِّي من بينهم. والله أعلم.
وأفادت هذه الرّواية صفة الدّعاء المذكور، والوقت الذي وقع فيه.
قوله: (هلكت الأموال وانقطعت السّبل) أي: بسبب غير السّبب الأوّل، والمراد أنّ كثرة الماء انقطع المرعى بسببها فهلكت المواشي من عدم الرّعي. أو لعدم ما يكنّها من المطر، ويدلّ على ذلك قوله في رواية سعيد عن شريك عند النّسائيّ " من كثرة الماء ".
وأمّا انقطاع السّبل , فلتعذّر سلوك الطّرق من كثرة الماء. وفي رواية حميدٍ عند ابن خزيمة " واحتبس الرّكبان " , وفي رواية مالك عن شريك " تهدّمت البيوت ". وفي رواية إسحاق عند البخاري " هدم البناء وغرق المال ".
وفي رواية يحيى بن سعيد عند البخاري " بشق المسافر ومنع الطريق ".
وفي " المنضّد " لكُراعٍ (١): بشق: بفتح الموحّدة تأخّر ولَم يتقدّم،
стр. 1308
فعلى هذا فمعنى بشق هنا ضعف عن السّفر وعجز عنه كضعف الباشق وعجزه عن الصّيد , لأنّه ينفّر الصّيد ولا يصيد.
وقال أبو موسى في " ذيل الغريبين ": الباشق طائر معروف، فلو اشتقّ منه فعل فقيل بشق لَمَا امتنع، قال: ويقال بشق الثّوب وبشكه قطعه في خفّة، فعلى هذا يكون معنى بشق , أي: قطع به من السّير، انتهى كلامه.
قوله: (فادع الله يمسكها) يجوز في يمسكها الضّمّ والسّكون، وللكشميهنيّ هنا " أن يمسكها " والضّمير يعود على الأمطار أو على السّحاب أو على السّماء، والعرب تطلق على المطر سماء.
ووقع في رواية سعيد عن شريك " أن يمسك عنّا الماء " , وفي رواية أحمد من طريق ثابت " أن يرفعها عنّا ".
وفي رواية قتادة عند البخاري " فادع ربّك أن يحبسها عنّا فضحك " , وفي رواية ثابت " فتبسّم " , زاد في رواية حميدٍ " لسرعة ملال ابن آدم ".
قوله: (اللهمّ حوالينا) بفتح اللام , وفيه حذف تقديره. اجعل أو أمطر، والمراد به صرف المطر عن الأبنية والدّور.
قوله: (ولا علينا) فيه بيان للمراد بقوله " حوالينا " , لأنّها تشمل الطّرق التي حولهم , فأراد إخراجها بقوله " ولا علينا ".
قال الطّيبيّ: في إدخال الواو هنا معنىً لطيف، وذلك أنّه لو أسقطها لكان مستسقياً للآكام وما معها فقط، ودخول الواو يقتضي
стр. 1309
أنّ طلب المطر على المذكورات ليس مقصوداً لعينه , ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مخلصة للعطف , ولكنّها للتّعليل، وهو كقولهم تجوع الحرّة , ولا تأكل بثدييها، فإنّ الجوع ليس مقصوداً لعينه , ولكن لكونه مانعاً عن الرّضاع بأجرةٍ إذ كانوا يكرهون ذلك أنفاً. انتهى.
قوله: (اللهمّ على الآكام) فيه بيان المراد بقوله " حوالينا " والإكام - بكسر الهمزة وقد تفتح وتمدّ -: جمع أَكَمَة بفتحاتٍ.
قال ابن البرقيّ: هو التّراب المجتمع.
وقال الدّاوديّ: هي أكبر من الكدية.
وقال القزّاز: هي التي من حجر واحد وهو قول الخليل.
وقال الخطّابيّ: هي الهضبة الضّخمة، وقيل: الجبل الصّغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض، وقال الثّعالبيّ: الأكمة أعلى من الرّابية , وقيل: دونها.
قوله: (والظّراب) بكسر المعجمة وآخره موحّدة , جمع ظرِب بكسر الرّاء. وقد تسكن.
وقال القزّاز: هو الجبل المنبسط ليس بالعالي، وقال الجوهريّ: الرّابية الصّغيرة.
قوله: (وبطون الأودية) والمراد بها ما يتحصّل فيه الماء لينتفع به، قالوا: ولَم تسمع أفعلة جمع فاعل إلاَّ الأودية جمع وادٍ , وفيه نظرٌ.
وزاد مالك في روايته " ورءوس الجبال ".
стр. 1310
قوله: (فأقلعت) وللبخاري " فانقطعت " أي: السّماء أو السّحابة الماطرة، والمعنى أنّها أمسكت عن المطر على المدينة.
وفي رواية مالك " فانجابت عن المدينة انجياب الثّوب " , أي: خرجت عنها كما يخرج الثّوب عن لابسه.
وفي رواية سعيد عن شريك " فما هو إلاَّ أن تكلم رسول الله ﷺ بذلك تمزّق السّحاب حتّى ما نرى منه شيئاً " والمراد بقوله " ما نرى منه شيئاً " أي: في المدينة.
ولمسلمٍ في رواية حفص " فلقد رأيت السّحاب يتمزّق كأنّه الْمُلاء حين تطوى " , والملاء: بضمّ الميم والقصر وقد يمدّ , جمع ملاءة وهو ثوب معروف.
وفي رواية قتادة عند البخاري " فلقد رأيت السّحاب ينقطع يميناً وشمالاً يمطرون - أي أهل النّواحي - ولا يمطر أهل المدينة " , وله في الأدب " فجعل السّحاب يتصدّع عن المدينة. وزاد فيه. يريهم الله كرامة نبيّه وإجابة دعوته "
وللبخاري في رواية ثابت عن أنس " فتكشّطت - أي تكشّفت - فجعلت تمطر حول المدينة ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنّها لمثل الإكليل " ولأحمد من هذا الوجه " فتقوّر ما فوق رءوسنا من السّحاب حتّى كأنّا في إكليل ".
والإكليل: بكسر الهمزة وسكون الكاف كلّ شيء دار من جوانبه، واشتهر لِمَا يوضع على الرّأس فيحيط به، وهو من ملابس الملوك
стр. 1311
كالتّاج.
وفي رواية إسحاق عن أنس " فما يشير بيده إلى ناحية من السّحاب إلاَّ تفرّجت حتّى صارت المدينة في مثل الْجَوبة " , والجوبة: بفتح الجيم ثمّ الموحّدة. وهي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا الفرجة في السّحاب.
وقال الخطّابيّ: المراد بالجوبة هنا التّرس، وضبطها الزين بن المنير تبعاً لغيره بنونٍ بدل الموحّدة، ثمّ فسّره بالشّمس إذ ظهرت في خلال السّحاب.
لكن جزم عياض بأنّ مَن قاله بالنّون فقد صحّف.
وفي رواية إسحاق من الزّيادة أيضاً " وسال الوادي - وادي قناة - شهراً "، وقناة بفتح القاف والنّون الخفيفة عَلَمٌ على أرض ذات مزارع بناحية أحد، وواديها أحد أودية المدينة المشهورة. قاله الحازميّ.
وذكر محمّد بن الحسن المخزوميّ في " أخبار المدينة " بإسنادٍ له , أنّ أوّل من سمّاه وادي قناة تبّع اليمانيّ لَمّا قدم يثرب قبل الإسلام. وفي رواية له: أنّ تبّعاً بعث رائداً ينظر إلى مزارع المدينة , فقال: نظرتُ. فإذا قناة حبّ ولا تبن، والجرف حبّ وتبن، والحرار - يعني جمع حرّة بمهملتين - لا حبّ ولا تبن. انتهى.
وللبخاري من رواية إسحاق عن أنس " وسال الوادي قناة " وأعرب بالضّمّ على البدل على أنّ قناة اسم الوادي , ولعله من تسمية
стр. 1312
الشّيء باسم ما جاوره.
وقرأت بخطّ الرّضيّ الشّاطبيّ , قال: الفقهاء تقوله بالنّصب والتّنوين , يتوهّمونه قناة من القنوات، وليس كذلك. انتهى.
وهذا الذي ذكره قد جزم به بعض الشّرّاح , وقال: هو على التّشبيه. أي: سال مثل القناة. وقوله في الرّواية المذكورة " إلاَّ حدّث بالجود " هو بفتح الجيم المطر الغزير.
وهذا يدلّ على أنّ المطر استمرّ فيما سوى المدينة، فقد يشكل بأنّه يستلزم أنّ قول السّائل " هلكت الأموال وانقطعت السّبل " لَم يرتفع الإهلاك ولا القطع. وهو خلاف مطلوبه.
ويمكن الجواب: بأنّ المراد أنّ المطر استمرّ حول المدينة من الإكام والظّراب وبطون الأودية لا في الطّرق المسلوكة، ووقوع المطر في بقعة دون بقعة كثير ولو كانت تجاورها، وإذا جاز ذلك جاز أن يوجد للماشية أماكن تكنّها وترعى فيها بحيث لا يضرّها المطر. فيزول الإشكال.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم.
جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة، وفيه القيام في الخطبة , وأنّها لا تنقطع بالكلام ولا تنقطع بالمطر.
وفيه قيام الواحد بأمر الجماعة، وإنّما لَم يباشر ذلك بعض أكابر الصّحابة لأنّهم كانوا يسلكون الأدب بالتّسليم وترك الابتداء بالسّؤال، ومنه قول أنس: كان يعجبنا أن يجيء الرّجل من البادية
стр. 1313
فيسأل رسول الله ﷺ (١).
وسؤال الدّعاء من أهل الخير. ومن يرجى منه القبول. وإجابتهم لذلك، ومن أدبه بثّ الحال لهم قبل الطّلب لتحصيل الرّقّة المقتضية لصحّة التّوجّه فترجى الإجابة عنده.
وفيه تكرار الدّعاء ثلاثاً، وإدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة والدّعاء به على المنبر ولا تحويل فيه ولا استقبال، والاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء، وليس في السّياق ما يدلّ على أنّه نواها مع الجمعة.
وفيه علم من أعلام النّبوّة في إجابة الله دعاء نبيّه ﵊ عقبه أو معه ابتداء في الاستسقاء وانتهاء في الاستصحاء , وامتثال السّحاب أمره بمجرّد الإشارة.
وفيه الأدب في الدّعاء حيث لَم يدع برفع المطر مطلقاً لاحتمال الاحتياج إلى استمراره. فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضّرر , وبقاء النّفع.
ويستنبط منه أنّ من أنعم الله عليه بنعمةٍ لا ينبغي له أن يتسخّطها لعارضٍ يعرض فيها، بل يسأل الله رفع ذلك العارض , وإبقاء النّعمة.
وفيه أنّ الدّعاء برفع الضّرر لا ينافي التّوكّل - وإن كان مقام الأفضل التّفويض - لأنّه ﷺ كان عالماً بما وقع لهم من الجدب، وأخّر
стр. 1314
السّؤال في ذلك تفويضاً لربّه، ثمّ أجابهم إلى الدّعاء لَمّا سألوه في ذلك بياناً للجواز , وتقرير السّنّة في هذه العبادة الخاصّة، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة نفع الله به.
وفيه جواز تبسّم الخطيب على المنبر تعجّباً من أحوال النّاس، وجواز الصّياح في المسجد بسبب الحاجة المقتضية لذلك.
وفيه اليمين لتأكيد الكلام، ويحتمل: أن يكون ذلك جرى على لسان أنس بغير قصد اليمين.
واستدل به على جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، وعلى أنّ الاستسقاء لا تشرع فيه صلاة.
فأمّا الأوّل. فقال به الشّافعيّ , وكرهه سفيان الثّوريّ.
وأمّا الثّاني. فقال به أبو حنيفة كما تقدّم.
وتعقّب: بأنّ الذي وقع في هذه القصّة مجرّد دعاء لا ينافي مشروعيّة الصّلاة لها، وقد بيّنت في واقعة أخرى كما تقدّم.
واستدل به على الاكتفاء بدعاء الإمام في الاستسقاء. قاله ابن بطّال.
وتعقّب: بما في رواية يحيى بن سعيد " ورفع النّاس أيديهم مع رسول الله ﷺ يدعون "
وقد استدل به البخاري في الدّعوات. على رفع اليدين في كلّ دعاء. وفي الباب عدّة أحاديث (١) جمعها المنذريّ في جزء مفرد , وأورد منها
стр. 1315
النّوويّ في صفة الصّلاة في شرح المهذّب قدر ثلاثين حديثاً.
ووجه الجمع بينها وبين قول أنس: كان لا يرفع يديه إلاَّ في الاستسقاء , وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه. متفق عليه.
فذهب بعضهم: إلى أنّ العمل بها أولى، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره.
وذهب آخرون: إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع , بأن يحمل النّفي على صفة مخصوصة , إمّا الرّفع البليغ فيدلّ عليه قوله " حتّى يرى بياض إبطيه ".
ويؤيّده أنّ غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدّعاء إنّما المراد به مدّ اليدين وبسطهما عند الدّعاء، وكأنّه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعهما إلى جهة وجهه حتّى حاذتاه , وبه حينئذٍ يُرى بياض إبطيه.
وأمّا صفة اليدين في ذلك , فلِما رواه مسلم من رواية ثابت عن أنس: أنّ رسول الله ﷺ استسقى فأشار بظهر كفّيه إلى السّماء , ولأبي داود من حديث أنس أيضاً: كان يستسقي هكذا ومدّ يديه - وجعل بطونهما ممّا يلي الأرض - حتّى رأيت بياض إبطيه.
قال النّوويّ: قال العلماء: السّنّة في كلّ دعاء لرفع البلاء أن يرفع يديه جاعلاً ظهور كفّيه إلى السّماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل كفّيه إلى السّماء. انتهى.
وقال غيره: الحكمة في الإشارة بظهور الكفّين في الاستسقاء دون
стр. 1316
غيره للتّفاؤل بتقلّب الحال ظهراً لبطنٍ كما قيل في تحويل الرّداء، أو هو إشارة إلى صفة المسئول وهو نزول السّحاب إلى الأرض.
وفيه جواز الدّعاء بالاستصحاء للحاجة، وقد ترجم له البخاريّ " باب الدعاء إذا تقطّعت السبل من كثرة المطر ".
ومراده بقوله " من كثرة المطر " أي: وسائر ما ذكر في الحديث ممّا يشرع الاستصحاء عند وجوده.
ظاهره أنّ الدّعاء بذلك متوقّف على سبق السّقيا، وكلام الشّافعيّ في " الأمّ " يوافقه وزاد: أنّه لا يسنّ الخروج للاستصحاء ولا الصّلاة ولا تحويل الرّداء، بل يُدعى بذلك في خطبة الجمعة أو في أعقاب الصّلاة.
وفي هذا تعقّب على مَن قال من الشّافعيّة: إنّه ليس قول الدّعاء المذكور في أثناء خطبة الاستسقاء , لأنّه لَم ترد به السّنّة.
стр. 1317
باب صلاة الخوف
قال اللَّهِ تَعَالَى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً .. الآية. سورة النساء
الآيتان اشتملتا على مشروعية القصر في صلاة الخوف وعلى كيفيتها. ومعنى قوله تعالى (وإذا ضربتم). أي سافرتم، ومفهومه أنَّ القصر مختصٌ بالسفر وهو كذلك. وأما قوله: (إن خفتم). فمفهومه اختصاص القصر بالخوف أيضاً.
وقد سأل يعلى بن أمية الصحابي عمر بن الخطاب عن ذلك فذكر أنه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته. أخرجه مسلم، فثبت القصر في الأمن ببيان السنة.
واختلف في صلاة الخوف في الحضر.
فمنعه ابن الماجشون أخذاً بالمفهوم أيضاً. وأجازه الباقون.
وأما قوله: (وإذا كنت فيهم) فقد أخذ بمفهومه أبو يوسف في إحدى الروايتين عنه والحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحابه وإبراهيم
стр. 1318
بن علية، وحكي عن المزني صاحب الشافعي.
واحتج عليهم بإجماع الصحابة على فعل ذلك بعد النبي ﷺ , وبقوله ﷺ : صلّوا كما رأيتموني أصلي. فعموم منطوقه مقدم على ذلك المفهوم.
وقال ابن العربي وغيره: شرْط كونه ﷺ فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده، والتقدير: بين لهم بفعلك لكونه أوضح من القول. ثم إن الأصل أنَّ كل عذر طرأ على العبادة فهو على التساوي كالقصر، والكيفية وردت لبيان الحذر من العدو، وذلك لا يقتضي التخصيص بقوم دون قوم.
وقال الزين المنير: الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم كالخوف في قوله تعالى (أن تقصروا من الصلاة إن خفتم).
وقال الطحاوي: كان أبو يوسف قد قال مرة: لا تُصلّى صلاة الخوف بعد رسول ﷺ وزعم أنَّ الناس إنما صلوها معه لفضل الصلاة معه ﷺ .
قال: وهذا القول عندنا ليس بشيء، وقد كان محمد بن شجاع يَعيبه ويقول: إنَّ الصلاة خلف النبي ﷺ وإن كانت أفضل من الصلاة مع الناس جميعاً إلا أنه يقطعها ما يقطع الصلاة خلف غيره. انتهى
وسيأتي سبب النزول , وبيان أول صلاة صُلّيت. (١)
стр. 1319
الحديث المائة وثمانية
١٥٧ - عن عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف في بعض أيّامه , فقامت طائفةٌ معه , وطائفةٌ بإزاء العدوّ , فصلَّى بالذين معه ركعةً , ثمّ ذهبوا , وجاء الآخرون , فصلَّى بهم ركعةً , وقضت الطّائفتان ركعةً , ركعةً. (١)
قوله: (صلاة الخوف في بعض أيّامه) وللبخاري " غزوت مع النّبيّ ﷺ قِبَل نجدٍ " بكسر القاف وفتح الموحّدة. أي: جهة نجدٍ، ونجدٌ كلّ ما ارتفع من بلاد العرب.
وسيأتي بيان هذه الغزوة في الكلام على غزوة ذات الرّقاع (٢)
قوله: (وطائفةٌ بإزاء العدوّ) بالزّاي، قال صاحب الصّحاح: يقال آزيت، يعني بهمزةٍ ممدودةٍ لا بالواو. والذي يظهر أنّ أصله الهمزة فقلبت واواً.
وللبخاري: فوازينا العدو، فصاففنا لهم، فقام رسول الله ﷺ يُصلِّي لنا، فقامت طائفة معه تصلي , وأقبلت طائفة على العدو. قوله: (فوازينا) بالزاي. أي قابلنا , وقوله " فصلَّى لنا ". أي لأجلنا أو بنا.
стр. 1320
قوله: (فصلَّى بالذين معه ركعةً) وللبخاري " وركع رسول الله ﷺ بمن معه وسجد سجدتين ".
قوله: (ثم ذهبوا) وللبخاري " ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لَم تصل " أي: فقاموا في مكانهم، وصرّح به في رواية بقيّة عن شعيب عن الزهري. رواه النسائي.
ولمالكٍ في " الموطّأ " عن نافعٍ عن ابن عمر " ثمّ استأخروا مكان الذين لَم يصّلوا ولا يسلمون ". وهو عند البخاري أيضاً.
قوله: (وجاء الآخرون , فصلَّى بهم ركعةً) وللبخاري " فجاءوا، فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة وسجد سجدتين " , زاد عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ عن الزّهريّ " مثل نصف صلاة الصّبح " , وفي قوله " مثل نصف صلاة الصّبح ". إشارة إلى أنّ الصّلاة المذكورة كانت غير الصّبح، فعلى هذا فهي رباعيّة، وجاء ما يدلّ على أنّها كانت العصر.
وفيه دليلٌ على أنّ الرّكعة المقضيّة لا بدّ فيها من القراءة لكلٍّ من الطّائفتين خلافاً لمن أجاز للثّانية ترك القراءة.
قوله: (وقضت الطّائفتان ركعةً , ركعةً) وللبخاري " فقام كلّ واحدٍ منهم فركع لنفسه " ولفظ القضاء فيها على معنى الأداء لا على معنى القضاء الاصطلاحيّ.
ولَم تختلف الطّرق عن ابن عمر في هذا.
وظاهره أنّهم أتمّوا لأنفسهم في حالةٍ واحدةٍ.
ويحتمل: أنّهم أتمّوا على التّعاقب. وهو الرّاجح من حيث المعنى.
стр. 1321
وإلاَّ فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده.
ويرجّحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود. ولفظه " ثمّ سلَّم , فقام هؤلاء. أي: الطّائفة الثّانية. فقضوا لأنفسهم ركعة ثمّ سلَّموا، ثمّ ذهبوا , ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعةً , ثمّ سلموا ".
وظاهره أنّ الطّائفة الثّانية وَالَتْ بين ركعتيها , ثمّ أتمّت الطّائفة الأولى بعدها.
ووقع في الرّافعيّ تبعاً لغيره من كتب الفقه , أنّ في حديث ابن عمر هذا أنّ الطّائفة الثّانية تأخّرت ,وجاءت الطّائفة الأولى فأتمّوا ركعة، ثمّ تأخّروا وعادت الطّائفة الثّانية فأتمّوا، ولَم نقف على ذلك في شيءٍ من الطّرق، وبهذه الكيفيّة أخذ الحنفيّة.
واختار الكيفيّة التي في حديث ابن مسعود. أشهب والأوزاعيّ، وهي الموافقة لحديث سهل بن أبي حثمة من رواية مالك عن يحيى بن سعيد.
واستدل بقوله " طائفة " على أنّه لا يشترط استواء الفريقين في العدد، لكن لا بدّ أن تكون التي تحرس يحصل الثّقة بها في ذلك، والطّائفة تطلق على الكثير والقليل حتّى على الواحد، فلو كانوا ثلاثة ووقع لهم الخوف جاز لأحدهم أن يُصلِّي بواحد. ويحرس واحدٌ ثمّ يُصلِّي الآخر، وهو أقلّ ما يتصوّر في صلاة الخوف جماعة على القول بأقل الجماعة مطلقاً.
стр. 1322
لكن قال الشّافعيّ: أكره أن تكون كلّ طائفةٍ أقل من ثلاثةٍ , لأنّه أعاد عليهم ضمير الجمع بقوله (أسلحتهم). ذكره النّوويّ في شرح مسلم وغيره
واستدل به على عظم أمر الجماعة، بل على ترجيح القول بوجوبها لارتكاب أمورٍ كثيرةٍ لا تغتفر في غيرها، ولو صلَّى كلّ امرئ منفرداً لَم يقع الاحتياج إلى معظم ذلك.
وقد ورد في كيفيّة صلاة الخوف صفات كثيرة.
ورجّح ابن عبد البرّ هذه الكيفيّة الواردة في حديث ابن عمر على غيرها لقوّة الإسناد ولموافقة الأصول. في أنّ المأموم لا يتمّ صلاته قبل سلام إمامه.
وعن أحمد قال: ثبت في صلاة الخوف ستّة أحاديث أو سبعة أيّها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة الآتي، وكذا رجّحه الشّافعيّ.
ولَم يختر إسحاق شيئاً على شيء، وبه قال الطّبريّ وغير واحدٍ. منهم ابن المنذر , وسَرَدَ ثمانية أوجهٍ، وكذا ابن حبّان في " صحيحه ". وزاد تاسعاً.
وقال ابن حزم: صحّ فيها أربعة عشر وجهاً، وبيّنها في جزءٍ مفردٍ.
وقال ابن العربيّ في " القبس ": جاء فيها روايات كثيرة أصحّها ستّة عشر رواية مختلفة، ولَم يبيّنها.
وقال النّوويّ نحوه في شرح مسلمٍ. ولَم يبيّنها أيضاً.
стр. 1323
وقد بيّنها شيخنا الحافظ أبو الفضل في شرح التّرمذيّ , وزاد وجهاً آخر فصارت سبعة عشر وجهاً، لكن يمكن أن تتداخل.
قال صاحب الهدي: أُصولها ستّ صفات، وبلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرّواة في قصّةٍ جعلوا ذلك وجهاً من فعل النّبيّ ﷺ ، وإنّما هو من اختلاف الرّواة. انتهى.
وهذا هو المعتمد، وإليه أشار شيخنا بقوله: يمكن تداخلها.
وحكى ابن القصّار المالكيّ: أنّ النّبيّ ﷺ صلاَّها عشر مرّات.
وقال ابن العربيّ: صلاها أربعاً وعشرين مرّة.
وقال الخطّابيّ: صلاّها النّبيّ ﷺ في أيّامٍ مختلفةٍ بأشكالٍ متباينةٍ يتحرّى فيها ما هو الأحوط للصّلاة والأبلغ للحراسة، فهي على اختلاف صورها متّفقة المعنى. انتهى.
وفي كتب الفقه تفاصيل لها كثيرةٌ وفروعٌ لا يتحمّل هذا الشّرح بسطها. والله المستعان.
فائدةٌ: لَم يقع في شيءٍ من الأحاديث المرويّة في صلاة الخوف تعرّض لكيفيّة صلاة المغرب، وقد أجمعوا على أنّه لا يدخلها قصر.
واختلفوا هل الأولى أن يُصلِّي بالأولى ثنتين والثّانية واحدة أو العكس؟.
стр. 1324
الحديث المائة وتسعة
١٥٨ - عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوّات بن جبيرٍ عمّن صلَّى مع رسول الله ﷺ صلاة ذات الرّقاع , صلاة الخوف: أنّ طائفةً صفّت معه , وطائفةً وجاه العدوّ , فصلَّى بالذين معه ركعةً , ثمّ ثبت قائماً , وأتمّوا لأنفسهم , ثمّ انصرفوا , فصفّوا وجاه العدوّ , وجاءت الطّائفة الأخرى , فصلَّى بهم الرّكعة التي بقيت , ثمّ ثبت جالساً , وأتمّوا لأنفسهم , ثمّ سلَّم بهم. (١)
قال المصنِّف: الرجل الذي صلَّى مع رسول الله ﷺ , هو سهل بن أبي حثمة.
قوله: (عن يزيد بن رومان) بضم الراء.
قوله: (عن صالح بن خوّاتٍ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو وآخره مثنّاة. أي: ابن جبير بن النّعمان الأنصاريّ.
وصالح تابعيّ ثقة ليس له في البخاريّ إلاَّ هذا الحديث الواحد.
وأبوه أخرج له البخاريّ في الأدب المفرد، وهو صحابيّ جليل أوّل مشاهده أحدٌ , ومات بالمدينة سنة أربعين.
قوله: (صلاة ذات الرّقاع) هذه الغزوة اختلف فيها متى كانت؟
стр. 1325
، واختلف في سبب تسميتها بذلك.
وقد جنح البخاريّ: إلى أنّها كانت بعد خيبر، واستدلَّ لذلك بحديث أبي موسى: خرجنا مع النبي ﷺ في غزوة ونحن ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، وكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسمِّيت غزوة ذات الرقاع، لِمَا كنا نعصب من الخرق على أرجلنا. متفق عليه.
وهو استدلال صحيح، والدّليل عليه أنّ أبا موسى إنّما قدم من الحبشة بعد فتح خيبر. ففي البخاري في حديث طويل " قال أبو موسى: فوافقنا النّبيّ ﷺ حين افتتح خيبر " وإذا كان كذلك. ثبت أنّ أبا موسى شهد غزوة ذات الرّقاع.
ومع ذلك فذكرها البخاري قبْل خيبر , فلا أدري هل تعمّد ذلك تسليماً لأصحاب المغازي أنّها كانت قبلها؟. أو أنّ ذلك من الرّواة عنه؟.
أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرّقاع اسماً لغزوتين مختلفتين. كما أشار إليه البيهقيّ.؟
على أنّ أصحاب المغازي - مع جزمهم بأنّها كانت قبل خيبر - مختلفون في زمانها، فعند ابن إسحاق. أنّها بعد بني النّضير وقبل الخندق سنة أربع.
قال ابن إسحاق: أقام رسول الله ﷺ بعد غزوة بني النّضير شهر ربيع وبعض جمادى - يعني من سنته - وغزا نجداً يريد بني محارب
стр. 1326
وبني ثعلبة من غطفان، حتّى نزل نخلاً وهي غزوة ذات الرّقاع.
وعند ابن سعد وابن حبّان. أنّها كانت في المحرّم سنة خمس.
وأمّا أبو معشر. فجزم بأنّها كانت بعد بني قريظة والخندق، وهو موافق لصنيع البخاري، وقد ذكرنا أنّ غزوة قريظة كانت في ذي القعدة سنة خمس فتكون ذات الرّقاع في آخر السّنة وأوّل التي تليها.
وأمّا موسى بن عقبة. فجزم بتقديم وقوع غزوة ذات الرّقاع، لكن تردّد في وقتها , فقال: لا ندري كانت قبل بدر أو بعدها أو قبل أحد أو بعدها.
وهذا التّردّد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به أنّها بعد غزوه بني قريظة، لأنّ صلاة الخوف في غزوة الخندق لَم تكن شرعت، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرّقاع فدلَّ على تأخّرها بعد الخندق.
وقد قيل إنّ الغزوة التي شهدها أبو موسى - وسمّيت ذات الرّقاع - غير غزوة ذات الرّقاع التي وقعت فيها صلاة الخوف، لأنّ أبا موسى قال في روايته " إنّهم كانوا ستّة أنفس " والغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف كان المسلمون فيها أضعاف ذلك.
والجواب عن ذلك: أنّ العدد الذي ذكره أبو موسى محمولٌ على من كان موافقاً له من الرّماة. لا أنّه أراد جميع من كان مع النّبيّ ﷺ ، واستدل على التّعدّد أيضاً بقول أبي موسى إنّها سُمّيت ذات الرّقاع " لِمَا لفّوا في أرجلهم من الخرق ".
стр. 1327
وأهل المغازي ذكروا في تسميتها بذلك أموراً غير هذا.
قال ابن هشام وغيره: سُمّيت بذلك لأنّهم رقّعوا فيها راياتهم، وقيل: بشجرٍ بذلك الموضع يقال له ذات الرّقاع، وقيل: بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان تشبه الرّقاع، وقيل: لأنّ خيلهم كان بها سواد وبياض. قاله ابن حبّان.
وقال الواقديّ: سُمّيت بجبلٍ هناك فيه بقعٌ، وهذا لعله مستند ابن حبّان , ويكون قد تصحّف جبلٌ بخيلٍ.
وبالجملة. فقد اتّفقوا على غير السّبب الذي ذكره أبو موسى، لكن ليس ذلك مانعاً من اتّحاد الواقعة ولازماً للتّعدّد، وقد رجّح السّهيليّ السّبب الذي ذكره أبو موسى، وكذلك النّوويّ , ثمّ قال: ويحتمل أن تكون سُمّيت بالمجموع.
وأغرب الدّاوديّ , فقال: سُمّيت ذات الرّقاع لوقوع صلاة الخوف فيها. فسمّيت بذلك لترقيع الصّلاة فيها.
وممّا يدلّ على التّعدّد. أنّه لَم يتعرّض أبو موسى في حديثه إلى أنّهم صلوا صلاة الخوف ولا أنّهم لقوا عدوّاً، ولكنّ عدم الذّكر لا يدلّ على عدم الوقوع، فإنّ أبا هريرة في ذلك نظير أبي موسى , لأنّه إنّما جاء إلى النّبيّ ﷺ فأسلم , والنّبيّ ﷺ بخيبر، ومع ذلك فقد ذكر في حديثه , أنّه صلَّى مع النّبيّ ﷺ صلاة الخوف في غزوة نجد.
وكذلك عبد الله بن عمر ذكر أنّه صلَّى مع النّبيّ ﷺ صلاة الخوف بنجدٍ، وقد تقدّم أنّ أوّل مشاهده الخندق , فتكون ذات الرّقاع بعد
стр. 1328
الخندق.
قوله: (عمّن صلَّى مع رسول الله ﷺ ) وللبخاري " عمّن شهد مع رسول الله ﷺ " , قيل: إنّ اسم هذا المُبهم سهل بن أبي حثمة، لأنّ القاسم بن محمّد روى حديث صلاة الخوف عن صالح بن خوّاتٍ عن سهل بن أبي حثمة، وهذا هو الظّاهر من رواية البخاريّ.
ولكنّ الرّاجح أنّه أبوه خوّات بن جبير، لأنّ أبا أويس روى هذا الحديث عن يزيد بن رومان - شيخ مالك فيه- فقال: عن صالح بن خوّاتٍ عن أبيه. أخرجه ابن منده في " معرفة الصّحابة " من طريقه، وكذلك أخرجه البيهقيّ من طريق عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمّد عن صالح بن خوّاتٍ عن أبيه.
وجزم النّوويّ في تهذيبه. بأنّه خوّات بن جبير. وقال: إنّه محقّق من رواية مسلم وغيره.
قلت: وسبقه لذلك الغزّاليّ , فقال: إنّ صلاة ذات الرّقاع في رواية خوّات بن جبير.
وقال الرّافعيّ في شرح الوجيز: اشتهر هذا في كتب الفقه، والمنقول في كتب الحديث رواية صالح بن خوّات عن سهل بن أبي حثمة وعمّن صلَّى مع النّبيّ ﷺ . قال: فلعل المبهم هو خوّات والد صالح.
قلت: وكأنّه لَم يقف على رواية خوّات التي ذكرتها. وبالله التّوفيق.
ويحتمل: أنّ صالحاً سمعه من أبيه ومن سهل بن أبي حثمة. فلذلك
стр. 1329
يُبهمه تارة ويُعيّنه أخرى، إلاَّ أنّ تعيين كونها كانت ذات الرّقاع إنّما هو في روايته عن أبيه , وليس في رواية صالح عن سهل أنّه صلَّاها مع النّبيّ ﷺ ، وينفع هذا من استبعاد أن يكون سهل بن أبي حثمة كان في سنّ من يخرج في تلك الغزاة، فإنّه لا يلزم من ذلك أن لا يرويها فتكون روايته إيّاها مرسل صحابيّ، فبهذا يقوى تفسير الذي صلَّى مع النّبيّ ﷺ بخوّاتٍ. والله أعلم.
قوله: (وطائفة وجاه العدوّ) وجاه بكسر الواو وبضمّها , أي: مقابل.
قوله: (فصلَّى بالتي معه ركعة , ثمّ ثبت قائماً وأتمّوا لأنفسهم) هذه الكيفيّة تخالف الكيفيّة التي في حديث جابرٍ في عدد الرّكعات (١)، وتوافق الكيفيّة التي في حديث ابن عبّاس (٢) في ذلك، لكن تخالفها في كونه ﷺ ثبت قائماً حتّى أتمّت الطّائفة لأنفسها ركعة أخرى، وفي أنّ الجميع استمرّوا في الصّلاة حتّى سلَّموا بسلام النّبيّ ﷺ
فقد ورد عن النّبيّ ﷺ في صفة صلاة الخوف كيفيّات.
حملها بعض العلماء على اختلاف الأحوال.
وحملها آخرون على التّوسّع والتّخيير.
стр. 1330
وما ذهب إليه مالك من ترجيح هذه الكيفيّة , وافقه الشّافعيّ وأحمد وداود على ترجيحها. لسلامتها من كثرة المخالفة , ولكونها أحوط لأمر الحرب، مع تجويزهم الكيفيّة التي في حديث ابن عمر.
ونُقل عن الشّافعيّ: أنّ الكيفيّة التي في حديث ابن عمر منسوخة , ولَم يثبت ذلك عنه. وظاهر كلام المالكيّة عدم إجازة الكيفيّة التي في حديث ابن عمر.
واختلفوا في كيفيّة رواية سهل بن أبي حثمة في موضعٍ واحدٍ.
وهو أنّ الإمام. هل يسلم قبل أن تأتي الطّائفة الثّانية بالرّكعة الثّانية؟ أو ينتظرها في التّشهّد ليسلّموا معه؟.
فبالأوّل قال المالكيّة، وزعم ابن حزمٍ , أنّه لَم يرد عن أحدٍ من السّلف القول بذلك. والله أعلم.
ولَم تفرّق المالكيّة والحنفيّة. حيث أخذوا بالكيفيّة التي في هذا الحديث بين أن يكون العدوّ في جهة القبلة أم لا.
وفرّق الشّافعيّ والجمهور. فحملوا حديث سهلٍ على أنّ العدوّ كان في غير جهة القبلة. فلذلك صلَّى بكل طائفةٍ وحدها جميع الرّكعة.
وأمّا إذا كان العدوّ في جهة القبلة فعلى ما في حديث ابن عبّاسٍ , أنّ الإمام يُحرم بالجميع ويركع بهم، فإذا سجد سجد معه صفٌّ وحرس صفٌّ. إلخ.
ووقع عند مسلمٍ من حديث جابرٍ " صفّنا صفّين والمشركون بيننا وبين القبلة ".
стр. 1331
وقال السّهيليّ: اختلف العلماء في التّرجيح.
فقالت طائفةٌ: يعمل منها بما كان أشبه بظاهر القرآن.
وقالت طائفةٌ: يجتهد في طلب الأخير منها فإنّه النّاسخ لِمَا قبله.
وقالت طائفة: يؤخذ بأصحّها نقلاً وأعلاها رواة.
وقالت طائفة: يؤخذ بجميعها على حساب اختلاف أحوال الخوف، فإذا أشتدّ الخوف أخذ بأيسرها مؤنةً، والله أعلم.
قوله: (الرجل الذي صلَّى مع رسول الله ﷺ هو سهل بن أبي حثمة) بفتح المهملة وسكون المثنّاة. واسمه عبد الله , وقيل: عامر , وقيل: اسم أبيه عبد الله وأبو حثمة جدّه. واسمه عامر بن ساعدة، وهو أنصاريّ من بني الحارث بن الخزرج.
اتّفق أهل العلم بالأخبار على أنّه كان صغيراً في زمن النّبيّ ﷺ , إلاَّ ما ذكر ابن أبي حاتم عن رجلٍ من ولد سهلٍ , أنّه حدّثه أنّه بايع تحت الشّجرة , وشهد المشاهد إلاَّ بدراً , وكان الدّليل ليلة أحدٍ.
وقد تعقّبَ هذا جماعةٌ من أهل المعرفة , وقالوا: إنّ هذه الصّفة لأبيه، وأمّا هو فمات النّبيّ ﷺ وهو ابن ثمان سنين، وممّن جزم بذلك الطّبريّ وابن حبّان وابن السّكن وغير واحد.
وعلى هذا فتكون روايته لقصّة صلاة الخوف مرسلة , ويتعيّن أن يكون مراد صالح بن خوّاتٍ ممّن شهد مع النّبيّ ﷺ صلاة الخوف غيره، والذي يظهر أنّه أبوه كما تقدّم. والله أعلم.
стр. 1332
الحديث المائة وعشرة
١٥٩ - عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ ﵁ , قال: شهدتُ مع رسول الله ﷺ صلاةَ الخوف فصففنا صفّين خلف رسول الله ﷺ . والعدوّ بيننا وبين القبلة , وكبّر النّبيّ ﷺ وكبّرنا جميعاً , ثمّ ركع وركعنا جميعاً , ثمّ رفع رأسه من الرّكوع ورفعنا جميعاً , ثمّ انحدر بالسّجود والصّفّ الذي يليه , وقام الصّفّ المؤخّر في نحر العدوّ , فلمّا قضى النّبيّ ﷺ السّجود , وقام الصّفّ الذي يليه: انحدر الصّفّ المؤخّر بالسّجود , وقاموا , ثمّ تقدّم الصّفّ المؤخّر, وتأخّر الصّفّ المقدّم , ثمّ ركع النّبيّ ﷺ وركعنا جميعاً , ثمّ رفع رأسه من الرّكوع ورفعنا جميعاً , ثمّ انحدر بالسّجود , والصّفّ الذي يليه - الذي كان مؤخّراً في الرّكعة الأولى - فقام الصّفّ المؤخّر في نحر العدوّ , فلمّا قضى النّبيّ ﷺ السّجود والصّفّ الذي يليه , انحدر الصّفّ المؤخّر بالسّجود فسجدوا , ثمّ سلَّم ﷺ وسلَّمنا جميعاً.
قال جابرٌ: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم. وذكره مسلمٌ بتمامه. (١)
وذكر البخاريّ طرفاً منه: وأنّه صلَّى صلاة الخوف مع النّبيّ ﷺ في الغزوة السّابعة , غزوة ذات الرّقاع.
стр. 1333
قوله: (وذكر البخاريّ طرفاً منه) قال البخاري: وقال لي عبد الله بن رجاء، أخبرنا عمران القطان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله ﵁ .. الحديث " كذا لأبي ذرّ، ولغيره " قال عبد الله بن رجاء " ليس فيه " لي ". وعبد الله بن رجاء هذا هو الغدانيّ البصري. قد سمع منه البخاريّ، وأمّا عبد الله بن رجاء المكّيّ فلم يُدركه.
وقد وصله أبو العبّاس السّرّاج في " مسنده " المبوّب فقال: حدّثنا جعفر بن هاشم حدّثنا عبد الله بن رجاء. فذكره. وعمران القطّان بصريٌّ لَم يخرج له البخاريّ إلاَّ استشهاداً.
قوله: (صلَّى صلاة الخوف) زاد السّرّاج " أربع ركعاتٍ، صلَّى بهم ركعتين ثمّ ذهبوا ثمّ جاء أولئك فصلَّى بهم ركعتين ". وللبخاري من وجهٍ آخر عن يحيى بن أبي كثيرٍ بسنده هذا. بزيادةٍ فيه (١). وذلك كلّه في غزوة ذات الرّقاع. ولجابرٍ حديثٌ آخر فيه ذكر صلاة الخوف على صفةٍ أخرى.
стр. 1334
قوله: (في الغزوة السّابعة) هي من إضافة الشّيء إلى نفسه على رأيٍ، أو فيه حذفٌ تقديره غزوة السّفرة السّابعة.
وقال الكرمانيّ وغيره: غزوة السّنة السّابعة. أي: من الهجرة.
قلت: وفي هذا التّقدير نظرٌ، إذ لو كان مراداً لكان هذا نصّاً في أنّ غزوة ذات الرّقاع تأخّرت بعد خيبر، ولَم يحتج البخاري إلى تكلّف الاستدلال لذلك بقصّة أبي موسى.
نعم. في التّنصيص على أنّها سابع غزوة من غزوات النّبيّ ﷺ . تأييد لِمَا ذهب إليه البخاريّ من أنّها بعد خيبر، فإنّه إن كان المراد الغزوات التي خرج النّبيّ ﷺ فيها بنفسه مطلقاً وإن لَم يقاتل. فإنّ السّابعة منها تقع قبل أحد، ولَم يذهب أحدٌ إلى أنّ ذات الرّقاع قبل أحدٍ. إلاَّ ما كان من تردّد موسى بن عقبة.
وفيه نظرٌ. لأنّهم متّفقون على أنّ صلاة الخوف متأخّرة عن غزوة الخندق، فتعيّن أن تكون ذات الرّقاع بعد بني قريظة , فتعيّن أنّ المراد الغزوات التي وقع فيها القتال، والأولى منها بدر والثّانية أحدٌ والثّالثة الخندق والرّابعة قريظة والخامسة المريسيع والسّادسة خيبر، فيلزم من هذا أن تكون ذات الرّقاع بعد خيبر للتّنصيص على أنّها السّابعة، فالمراد تاريخ الوقعة لا عدد المغازي.
وهذه العبارة أقرب إلى إرادة السّنة من العبارة التي وقعت عند أحمد بلفظ " وكانت صلاة الخوف في السّابعة " فإنّه يصحّ أن يكون التّقدير في الغزوة السّابعة. كما يصحّ في غزوة السّنة السّابعة.
стр. 1335
تكميلٌ: قال البخاري: وقال معاذ (١): حدثنا هشام عن أبي الزبير عن جابر، قال: كنا مع النبي ﷺ بنخل، فذكر صلاة الخوف ".
أورده مختصراً معلَّقاً , لأنَّ غرضه الإشارة إلى أنَّ روايات جابر متفقة على أنَّ الغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف هي غزوة ذات الرقاع.
لكن فيه نظرٌ , لأنَّ سياق رواية هشام عن أبي الزبير هذه تدلُّ على أنه حديث آخر في غزوة أخرى , وبيان ذلك أنَّ في هذا الحديث عند الطيالسي وغيره " أنَّ المشركين , قالوا: دعوهم فإنَّ لهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم , قال: فنزل جبريل فأخبره , فصلَّى بأصحابه العصر. وصفهم صفين " فذكر صفة صلاة الخوف , وهذه القصة إنما هي في غزوة عسفان.
وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق زهير بن معاوية عن أبي الزبير بلفظٍ يدل على مغايرة هذه القصة لغزوة محارب في ذات الرقاع , ولفظه عن جابر قال: غزونا مع النبي ﷺ قوماً من جهينة , فقاتلونا قتالاً شديداً , فلمَّا أنْ صلينا الظهر قال: المشركون لو مِلنا عليهم ميلة