وقال السّهيليّ: اختلف العلماء في التّرجيح.
فقالت طائفةٌ: يعمل منها بما كان أشبه بظاهر القرآن.
وقالت طائفةٌ: يجتهد في طلب الأخير منها فإنّه النّاسخ لِمَا قبله.
وقالت طائفة: يؤخذ بأصحّها نقلاً وأعلاها رواة.
وقالت طائفة: يؤخذ بجميعها على حساب اختلاف أحوال الخوف، فإذا أشتدّ الخوف أخذ بأيسرها مؤنةً، والله أعلم.
قوله: (الرجل الذي صلَّى مع رسول الله ﷺ هو سهل بن أبي حثمة) بفتح المهملة وسكون المثنّاة. واسمه عبد الله , وقيل: عامر , وقيل: اسم أبيه عبد الله وأبو حثمة جدّه. واسمه عامر بن ساعدة، وهو أنصاريّ من بني الحارث بن الخزرج.
اتّفق أهل العلم بالأخبار على أنّه كان صغيراً في زمن النّبيّ ﷺ , إلاَّ ما ذكر ابن أبي حاتم عن رجلٍ من ولد سهلٍ , أنّه حدّثه أنّه بايع تحت الشّجرة , وشهد المشاهد إلاَّ بدراً , وكان الدّليل ليلة أحدٍ.
وقد تعقّبَ هذا جماعةٌ من أهل المعرفة , وقالوا: إنّ هذه الصّفة لأبيه، وأمّا هو فمات النّبيّ ﷺ وهو ابن ثمان سنين، وممّن جزم بذلك الطّبريّ وابن حبّان وابن السّكن وغير واحد.
وعلى هذا فتكون روايته لقصّة صلاة الخوف مرسلة , ويتعيّن أن يكون مراد صالح بن خوّاتٍ ممّن شهد مع النّبيّ ﷺ صلاة الخوف غيره، والذي يظهر أنّه أبوه كما تقدّم. والله أعلم.
стр. 1332
الحديث المائة وعشرة
١٥٩ - عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ ﵁ , قال: شهدتُ مع رسول الله ﷺ صلاةَ الخوف فصففنا صفّين خلف رسول الله ﷺ . والعدوّ بيننا وبين القبلة , وكبّر النّبيّ ﷺ وكبّرنا جميعاً , ثمّ ركع وركعنا جميعاً , ثمّ رفع رأسه من الرّكوع ورفعنا جميعاً , ثمّ انحدر بالسّجود والصّفّ الذي يليه , وقام الصّفّ المؤخّر في نحر العدوّ , فلمّا قضى النّبيّ ﷺ السّجود , وقام الصّفّ الذي يليه: انحدر الصّفّ المؤخّر بالسّجود , وقاموا , ثمّ تقدّم الصّفّ المؤخّر, وتأخّر الصّفّ المقدّم , ثمّ ركع النّبيّ ﷺ وركعنا جميعاً , ثمّ رفع رأسه من الرّكوع ورفعنا جميعاً , ثمّ انحدر بالسّجود , والصّفّ الذي يليه - الذي كان مؤخّراً في الرّكعة الأولى - فقام الصّفّ المؤخّر في نحر العدوّ , فلمّا قضى النّبيّ ﷺ السّجود والصّفّ الذي يليه , انحدر الصّفّ المؤخّر بالسّجود فسجدوا , ثمّ سلَّم ﷺ وسلَّمنا جميعاً.
قال جابرٌ: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم. وذكره مسلمٌ بتمامه. (١)
وذكر البخاريّ طرفاً منه: وأنّه صلَّى صلاة الخوف مع النّبيّ ﷺ في الغزوة السّابعة , غزوة ذات الرّقاع.
стр. 1333
قوله: (وذكر البخاريّ طرفاً منه) قال البخاري: وقال لي عبد الله بن رجاء، أخبرنا عمران القطان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله ﵁ .. الحديث " كذا لأبي ذرّ، ولغيره " قال عبد الله بن رجاء " ليس فيه " لي ". وعبد الله بن رجاء هذا هو الغدانيّ البصري. قد سمع منه البخاريّ، وأمّا عبد الله بن رجاء المكّيّ فلم يُدركه.
وقد وصله أبو العبّاس السّرّاج في " مسنده " المبوّب فقال: حدّثنا جعفر بن هاشم حدّثنا عبد الله بن رجاء. فذكره. وعمران القطّان بصريٌّ لَم يخرج له البخاريّ إلاَّ استشهاداً.
قوله: (صلَّى صلاة الخوف) زاد السّرّاج " أربع ركعاتٍ، صلَّى بهم ركعتين ثمّ ذهبوا ثمّ جاء أولئك فصلَّى بهم ركعتين ". وللبخاري من وجهٍ آخر عن يحيى بن أبي كثيرٍ بسنده هذا. بزيادةٍ فيه (١). وذلك كلّه في غزوة ذات الرّقاع. ولجابرٍ حديثٌ آخر فيه ذكر صلاة الخوف على صفةٍ أخرى.
стр. 1334
قوله: (في الغزوة السّابعة) هي من إضافة الشّيء إلى نفسه على رأيٍ، أو فيه حذفٌ تقديره غزوة السّفرة السّابعة.
وقال الكرمانيّ وغيره: غزوة السّنة السّابعة. أي: من الهجرة.
قلت: وفي هذا التّقدير نظرٌ، إذ لو كان مراداً لكان هذا نصّاً في أنّ غزوة ذات الرّقاع تأخّرت بعد خيبر، ولَم يحتج البخاري إلى تكلّف الاستدلال لذلك بقصّة أبي موسى.
نعم. في التّنصيص على أنّها سابع غزوة من غزوات النّبيّ ﷺ . تأييد لِمَا ذهب إليه البخاريّ من أنّها بعد خيبر، فإنّه إن كان المراد الغزوات التي خرج النّبيّ ﷺ فيها بنفسه مطلقاً وإن لَم يقاتل. فإنّ السّابعة منها تقع قبل أحد، ولَم يذهب أحدٌ إلى أنّ ذات الرّقاع قبل أحدٍ. إلاَّ ما كان من تردّد موسى بن عقبة.
وفيه نظرٌ. لأنّهم متّفقون على أنّ صلاة الخوف متأخّرة عن غزوة الخندق، فتعيّن أن تكون ذات الرّقاع بعد بني قريظة , فتعيّن أنّ المراد الغزوات التي وقع فيها القتال، والأولى منها بدر والثّانية أحدٌ والثّالثة الخندق والرّابعة قريظة والخامسة المريسيع والسّادسة خيبر، فيلزم من هذا أن تكون ذات الرّقاع بعد خيبر للتّنصيص على أنّها السّابعة، فالمراد تاريخ الوقعة لا عدد المغازي.
وهذه العبارة أقرب إلى إرادة السّنة من العبارة التي وقعت عند أحمد بلفظ " وكانت صلاة الخوف في السّابعة " فإنّه يصحّ أن يكون التّقدير في الغزوة السّابعة. كما يصحّ في غزوة السّنة السّابعة.
стр. 1335
تكميلٌ: قال البخاري: وقال معاذ (١): حدثنا هشام عن أبي الزبير عن جابر، قال: كنا مع النبي ﷺ بنخل، فذكر صلاة الخوف ".
أورده مختصراً معلَّقاً , لأنَّ غرضه الإشارة إلى أنَّ روايات جابر متفقة على أنَّ الغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف هي غزوة ذات الرقاع.
لكن فيه نظرٌ , لأنَّ سياق رواية هشام عن أبي الزبير هذه تدلُّ على أنه حديث آخر في غزوة أخرى , وبيان ذلك أنَّ في هذا الحديث عند الطيالسي وغيره " أنَّ المشركين , قالوا: دعوهم فإنَّ لهم صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم , قال: فنزل جبريل فأخبره , فصلَّى بأصحابه العصر. وصفهم صفين " فذكر صفة صلاة الخوف , وهذه القصة إنما هي في غزوة عسفان.
وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق زهير بن معاوية عن أبي الزبير بلفظٍ يدل على مغايرة هذه القصة لغزوة محارب في ذات الرقاع , ولفظه عن جابر قال: غزونا مع النبي ﷺ قوماً من جهينة , فقاتلونا قتالاً شديداً , فلمَّا أنْ صلينا الظهر قال: المشركون لو مِلنا عليهم ميلة
стр. 1336
واحدة لأفظعناهم , فأَخبر جبريلُ النبيَّ ﷺ بذلك , قال: وقالوا: ستأتيهم صلاة هي أحبُّ إليهم من الأولاد. فذكر الحديث.
وروى أحمد والترمذي وصحَّحه والنسائي من طريق عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة , أنَّ رسول الله ﷺ نزل بين ضجنان وعسفان , فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم " فذكر الحديث في نزول جبريل لصلاة الخوف.
وروى أحمد وأصحاب السنن وصحَّحه ابن حبان من حديث أبي عياش الزرقي قال: كنا مع النبي ﷺ بعسفان فصلَّى بنا الظهر , وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد , فقالوا: لقد أصبنا منهم غفلة , ثم قال: إن لهم صلاة بعد هذه هي أحب إليهم من أموالهم وأبنائهم. فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر , فصلَّى بنا العصر. ففرقنا فرقتين الحديث " وسياقه نحو رواية زهير عن أبي الزبير عن جابر , وهو ظاهر في اتحاد القصة.
وقد روى الواقدي من حديث خالد بن الوليد قال: لَمَّا خرج النبي ﷺ إلى الحديبية لقيته بعسفان , فوقفت بإزائه وتعرضت له , فصلَّى بأصحابه الظهر فهممنا أن نغير عليهم فلم يعزم لنا , فأطلع الله نبيه على ذلك , فصلَّى بأصحابه العصر صلاة الخوف. الحديث " وهو ظاهر فيما قررته أنَّ صلاة الخوف بعسفان غير صلاة الخوف بذات الرقاع , وأنَّ جابراً روى القصتين معاً.
فأما رواية أبي الزبير عنه ففي قصة عسفان , وأما رواية أبي سلمة
стр. 1337
ووهب بن كيسان وأبي موسى المصري عنه. ففي غزوة ذات الرقاع. وهي غزوة محارب وثعلبة.
وإذا تقرَّر أنَّ أول ما صُلّيت صلاة الخوف في عسفان , وكانت في عمرة الحديبية - وهي بعد الخندق وقريظة - وقد صليت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع - وهي بعد عسفان - فتعيَّن تأخُّرها عن الخندق وعن قريظة وعن الحديبية أيضاً , فيقوى القولُ بأنها بعد خيبر , لأنَّ غزوة خيبر كانت عقب الرجوع من الحديبية.
وأما قول الغزالي: إن غزوة ذات الرقاع آخر الغزوات. فهو غلط واضح. وقد بالغ ابن الصلاح في إنكاره.
وقال بعض من انتصر للغزالي: لعله أراد آخر غزوة صُلّيت فيها صلاة الخوف.
وهذا انتصار مردودٌ أيضاً. لِمَا أخرجه أبو داود والنسائي وصححه بن حبان من حديث أبي بكرة , أنه صلَّى مع النبي ﷺ صلاة الخوف.
وإنما أسلم أبو بكرة في غزوة الطائف باتفاق , وذلك بعد غزوة ذات الرقاع قطعاً , وإنما ذكرت هذا استطراداً لتكمل الفائدة.
стр. 1338
كتاب الجنائز
الجنائز: بفتح الجيم لا غير. جمع جنازة بالفتح والكسر لغتان.
قال ابن قتيبة وجماعة: الكسر أفصح , وقيل: بالكسر للنعش وبالفتح للميت , وقالوا: لا يقال نعشٌ إلا إذا كان عليه الميت.
تنبيه: أورد البخاري وغيره كتاب الجنائز بين الصلاة والزكاة لتعلّقها بهما. ولأنَّ الذي يفعل بالميت من غسل وتكفين وغير ذلك أهمّه الصلاة عليه لِما فيها من فائدة الدعاء له بالنجاة من العذاب , ولا سيما عذاب القبر الذي سيدفن فيه.
стр. 1339
الحديث الأول
١٦٠ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: نَعَى النّبيُّ ﷺ النّجاشيَّ في اليوم الذي مات فيه , وخرج بهم إلى الْمُصلَّى , فصفَّ بهم , وكبّر أربعاً. (١)
قوله: (نعى النّبيُّ ﷺ ) ترجم عليه البخاري " الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه ".
قال ابن رشيد: وفائدة هذه التّرجمة الإشارة إلى أنّ النّعي ليس ممنوعاً كلّه، وإنّما نهي عمّا كان أهل الجاهليّة يصنعونه , فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميّت على أبواب الدّور والأسواق.
وقال ابن المرابط: مراده أنّ النّعي الذي هو إعلام النّاس بموت قريبهم مباح وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمّة لِمَا يترتّب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته وتهيئة أمره والصّلاة عليه والدّعاء له والاستغفار وتنفيذ وصاياه , وما يترتّب على ذلك من الأحكام.
وأمّا نعي الجاهليّة , فقال سعيد بن منصور: أخبرنا ابن عُليّة عن ابن عون قال: قلت لإبراهيم: أكانوا يكرهون النّعي؟ قال: نعم. قال ابن عون: كانوا إذا توفّي الرّجل ركب رجلٌ دابّة ثمّ صاح في النّاس: أنعي فلاناً.
стр. 1340
وبه إلى ابن عون قال: قال ابن سيرين: لا أعلم بأساً أن يُؤذِن الرّجل صديقه وحميمه.
وحاصله. أنّ محض الإعلام بذلك لا يُكره، فإن زاد على ذلك فلا.
وقد كان بعض السّلف يشدّد في ذلك حتّى كان حذيفة إذا مات له الميّت , يقول: لا تؤذنوا به أحداً، إنّي أخاف أن يكون نعياً، إنّي سمعت رسول الله ﷺ بأذنيَّ هاتين , ينهى عن النّعي. أخرجه التّرمذيّ وابن ماجه بإسنادٍ حسن.
قال ابن العربيّ: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:
الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصّلاح , فهذا سنّة.
الثّانية: دعوة الحفل للمفاخرة , فهذه تكره.
الثّالثة: الإعلام بنوعٍ آخر كالنّياحة ونحو ذلك , فهذا يحرم.
قال الزّين بن المنير: وجه دخول قصّة النّجاشيّ كونه كان غريباً في ديار قومه فكان للمسلمين من حيث الإسلام أخاً , فكانوا أخصّ به من قرابته.
قلت: ويحتمل. أن يكون بعض أقرباء النّجاشيّ كان بالمدينة حينئذٍ ممّن قدم مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة كذي مخمر ابن أخي النّجاشيّ.
قوله: (النّجاشيّ) (١) زاد الشيخان " صاحب الحبشة " وهو بفتح النّون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ثمّ ياء ثقيلة كياء
стр. 1341
النّسب.
وقيل: بالتّخفيف ورجّحه الصّغانيّ، وأفاد ابن التّين , أنّه بسكون الياء. يعني: أنّها أصليّة لا ياء النّسب، وحكى ابن دحية كسر نونه. وهو لقب مَن مَلَكَ الحبشة، وحكى المطرّزيّ تشديد الجيم عن بعضهم , وخطّأه.
قوله: (في اليوم الذي مات فيه) وقعت وفاته بعد الهجرة سنة تسع عند الأكثر، وقيل: سنة ثمان قبل فتح مكّة كما ذكره البيهقيّ في " دلائل النّبوّة ".
قوله: (وخرج بهم إلى الْمُصلّى) زاد ابن ماجه من طريق عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة " فخرج وأصحابه إلى البقيع , فصفّنا خلفه ".
والمراد بالبقيع بقيع بطحان , أو يكون المراد بالمصلى موضعاً معدّاً للجنائز ببقيع الغرقد غير مُصلّى العيدين , والأوّل أظهر.
وحكى ابن بطّال عن ابن حبيب: أنّ مُصلّى الجنائز بالمدينة كان لاصقاً بمسجد النّبيّ ﷺ من ناحية جهة المشرق. انتهى
قال ابن بطّال: أومأ البخاري (١) إلى الرّدّ على عطاء حيث ذهب إلى أنّه لا يشرع فيها تسوية الصّفوف، يعني كما رواه عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ قال: قلت لعطاءٍ: أحقّ على النّاس أن يسوّوا صفوفهم على الجنائز كما يسوّونها في الصّلاة؟ قال: لا، إنّما يكبّرون ويستغفرون.
стр. 1342
وأشار البخاري بصيغة الجمع إلى ما ورد في استحباب ثلاثة صفوف، وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث مالك بن هبيرة مرفوعاً: من صلَّى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب. حسّنه التّرمذيّ. وصحّحه الحاكم (١) , وفي رواية له " إلاَّ غفر له ".
قال الطّبريّ: ينبغي لأهل الميّت إذا لَم يخشوا عليه التّغيّر أن ينتظروا به اجتماع قوم يقوم منهم ثلاثة صفوف لهذا الحديث. انتهى.
وتعقّبَ بعضهم التّرجمة: بأنّ أحاديث الباب ليس فيها صلاة على جنازة، وإنّما فيها الصّلاة على الغائب أو على من في القبر.
وأجيب: بأنّ الاصطفاف إذا شرع والجنازة غائبة , ففي الحاضرة أولى.
وأجاب الكرمانيّ: بأنّ المراد بالجنازة في التّرجمة الميّت , سواء كان مدفوناً أو غير مدفون، فلا منافاة بين التّرجمة والحديث.
قوله: (فكبّر أربعاً) في رواية لهما " وكبَّر عليه أربع تكبيرات ".
واختلف السّلف في ذلك.
فروى مسلم عن زيد بن أرقم , أنّه يكبّر خمساً , ورفع ذلك إلى النّبيّ ﷺ ، وروى ابن المنذر عن ابن مسعود , أنّه صلَّى على جنازة رجل من بني أسد , فكبّر خمساً.
стр. 1343
وروى ابن المنذر وغيره عن عليّ , أنّه كان يكبّر على أهل بدر ستّاً , وعلى الصّحابة خمساً , وعلى سائر النّاس أربعاً.
وروى أيضاً بإسنادٍ صحيح عن أبي معبد , قال: صليت خلف ابن عبّاس على جنازة , فكبّر ثلاثاً.
واختلف على أنس في ذلك.
فروى عبد الرّزّاق عن معمر عن قتادة عن أنس , أنّه كبّر على جنازة ثلاثاً , ثمّ انصرف ناسياً، فقالوا: يا أبا حمزة إنّك كبّرت ثلاثاً , فقال: صُفّوا فصفّوا، فكبّر الرّابعة.
وروي عن أنس الاقتصار على ثلاث. قال ابن أبي شيبة: حدّثنا معاذ بن معاذ عن عمران بن حدير قال: صلّيت مع أنس بن مالك على جنازة , فكبّر عليها ثلاثاً لَم يزد عليها.
وروى ابن المنذر من طريق حمّاد بن سلمة عن يحيى بن أبي إسحاق قال: قيل لأنسٍ: إنّ فلاناً كبّر ثلاثاً , فقال: وهل التّكبير إلاَّ ثلاثاً؟ انتهى.
قال مغلطاي: إحدى الرّوايتين وهْمٌ.
قلت: بل يمكن الجمع بين ما اختلف فيه على أنس.
إمّا بأنّه كان يرى الثّلاث مجزئة والأربع أكمل منها.
وإمّا بأنّ من أطلق عنه الثّلاث لَم يذكر الأولى لأنّها افتتاح الصّلاة , كما روى سعيد بن منصور من طريق ابن عليّة عن يحيى بن أبي إسحاق , أنّ أنساً قال: أو ليس التّكبير ثلاثاً؟ فقيل له: يا أبا حمزة
стр. 1344
التّكبير أربعاً. قال: أجل، غير أنّ واحدة هي افتتاح الصّلاة.
وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال: يزيد في التّكبير على أربع إلاَّ ابن أبي ليلى. انتهى.
وفي المبسوط للحنفيّة قيل: إنّ أبا يوسف قال: يكبّر خمساً.
وسيأتي القول عن أحمد في ذلك.
ثمّ أورد البخاري حديث أبي هريرة في الصّلاة على النّجاشيّ، وقد تقدّم الجواب عن إيراد من تعقّبه بأنّ الصّلاة على النّجاشيّ صلاة على غائب لا على جنازة.
ومحصّل الجواب: أنّ ذلك بطريق الأولى. وقد روى ابن أبي داود في " الأفراد " من طريق الأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة , أنّ النّبيّ ﷺ صلَّى على جنازة فكبّر أربعاً.
وقال: لَم أر في شيء من الأحاديث الصّحيحة أنّه كبّر على جنازة أربعاً إلاَّ في هذا.
قال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنّ التّكبير أربع، وفيه أقوال أخر، فذكر ما تقدّم.
قال: وذهب بكر بن عبد الله المزنيّ إلى أنّه لا ينقص من ثلاث ولا يزاد على سبع. وقال أحمد مثله , لكن قال: لا ينقص من أربع.
وقال ابن مسعود: كبِّر ما كبَّر الإمام.
قال: والذي نختاره ما ثبت عن عمر، ثمّ ساق بإسنادٍ صحيح إلى سعيد بن المسيّب قال: كان التّكبير أربعاً وخمساً، فجمع عمر النّاس
стр. 1345
على أربع.
وروى البيهقيّ بإسنادٍ حسن إلى أبي وائل قال: كانوا يكبّرون على عهد رسول الله ﷺ سبعاً وستّاً وخمساً وأربعاً، فجمع عمر النّاس على أربع كأطول الصّلاة.
تكميل: روى البخاري عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: صليت خلف ابن عباس ﵁ على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب قال: لتعلموا أنها سنة.
ليس فيه بيان محل قراءة الفاتحة , وقد وقع التصريح به في حديث جابر. أخرجه الشافعي بلفظ " وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى " أفاده شيخنا في شرح الترمذي , وقال: إنَّ سنده ضعيف.
وروى عبد الرزاق والنسائي عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف. قال: السُّنة في الصلاة على الجنازة أنْ يكبر ثم يقرأ بأم القرآن ثم يُصلِّي على النبي ﷺ , ثم يُخلص الدعاء للميت , ولا يقرأ إلاَّ في الأولى. إسناده صحيح
وروى الحاكم أيضا من طريق شرحبيل بن سعد عن ابن عباس , أنه صلَّى على جنازة بالأبواء فكبَّر , ثم قرأ الفاتحة رافعاً صوته , ثم صلَّى على النبي ﷺ ثم قال: اللهمَّ عبدك وابن عبدك أصبح فقيراً إلى رحمتك , وأنت غنيٌ عن عذابه. إن كان زاكياً فزكِّه , وإنْ كان مخطئاً فاغفر له , اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده , ثم كبَّر ثلاث تكبيرات ثم انصرف. فقال: يا أيها الناس إني لم أقرأ عليها. أي جهراً ,
стр. 1346
إلاَّ لتعلموا أَنَّها سُنة.
قال الحاكم: شرحبيل لم يحتجّ به الشيخان , وإنَّما أخرجته , لأنه مفسِّر للطرق المتقدمة. انتهى.
وشرحبيل مختلف في توثيقه.
стр. 1347
الحديث الثاني
١٦١ - عن جابر ﵁ , أنّ النّبيّ ﷺ صلَّى على النّجاشيّ , فكنت في الصّفّ الثّاني , أو الثّالث. (١)
قوله: (صلَّى على النّجاشيّ) وللبخاري من رواية هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عطاء: قد توفي اليوم رجلٌ صالح من الحبش - بفتح المهملة والموحّدة بعدها معجمة - وفي رواية مسلم من طريق يحيى بن سعيد عن ابن جريجٍ " مات اليوم عبدٌ لله صالح أصحمة ". وللبخاري من طريق ابن عيينة عن ابن جريجٍ " فقوموا فصلّوا على أخيكم أصْحَمة " بمهملتين. وزن أربعة
وللبخاري عن محمد بن سنان عن سليم بن حيان عن سعيد بن ميناء عن جابر: صلَّى على أصْحَمة النجاشي. قال البخاري عَقِبه: وقال يزيد بن هارون وعبد الصمد عن سليم " أصحمة " وتابعه عبد الصمد. انتهى
ووقع في رواية المستملي: وقال يزيد عن سليمٍ " أصحمة " وتابعه عبد الصّمد.
أمّا رواية يزيد. فوصلها البخاري ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة
стр. 1348
عنه، وأمّا رواية عبد الصّمد. فوصلها الإسماعيليّ من طريق أحمد بن سعيد عنه.
تنْبيه: وقع في جميع الطّرق التي اتّصلت لنا من البخاريّ " أصحمة " بمهملتين بوزن أفعلة. مفتوح العين في المسند والمعلَّق معاً.
وفيه نظرٌ , لأنّ إيراد البخاري يشعر بأن يزيد خالف محمّد بن سنان، وأنّ عبد الصّمد تابع يزيد، ووقع في مصنّف ابن أبي شيبة عن يزيد " صحمة " بفتح الصّاد وسكون الحاء فهذا متّجه.
ويتحصّل منه. أنّ الرّواة اختلفوا في إثبات الألف وحذفها.
وحكى الإسماعيليّ , أنّ في رواية عبد الصّمد " أصخمة " بخاءٍ معجمة وإثبات الألف، قال: وهو غلط , فيحتمل أن يكون هذا محلّ الاختلاف الذي أشار إليه البخاريّ.
وحكى كثيرٌ من الشّرّاح , أنّ رواية يزيد ورفيقه " صحمة " بالمهملة بغير ألف.
وحكى الكرمانيّ , أنّ في بعض النّسخ في رواية محمّد بن سنان " أصحبة " بموحّدةٍ بدل الميم.
قوله: (فكنت في الصّفّ الثّاني , أو الثّالث) ولمسلم من طريق أيّوب عن أبي الزّبير عن جابر قصّة الصّلاة على النّجاشيّ , فقال: فقمنا فصفّنا صفّين. فعُرِف بهذا أنّ من روى عنه كنت في الصّفّ الثّاني أو الثّالث شكّ. هل كان هنالك صفّ ثالث أم لا؟.
стр. 1349
وللبخاري عن قتادة عن عطاء عن جابر بزيادة " فصفّنا وراءه " وله أيضاً " فصلَّى النبي ﷺ عليه , ونحن صفوف " ووقع في حديث أبي هريرة الماضي بلفظ " فصفّوا خلفه ".
وفي الحديث دلالة على أنّ للصّفوف على الجنازة تأثيراً - ولو كان الجمع كثيراً - لأنّ الظّاهر أنّ الذين خرجوا معه ﷺ كانوا عدداً كثيراً، وكان الْمُصلَّى فضاء ولا يضيق بهم لو صفّوا فيه صفّاً واحداً، ومع ذلك فقد صفّهم.
وهذا هو الذي فهمه مالك بن هبيرة الصّحابيّ الْمُقدَّم ذكره , فكان يصفّ من يحضر الصّلاة على الجنازة ثلاثة صفوف سواء قلّوا أو كثروا، ويبقى النّظر فيما إذا تعدّدت الصّفوف والعدد قليل، أو كان الصّفّ واحداً والعدد كثيراً. أيّهما أفضل؟.
وفي قصّة النّجاشيّ عَلَمٌ من أعلام النّبوّة، لأنّه ﷺ أعلمهم بموته في اليوم الذي مات فيه، مع بُعد ما بين أرض الحبشة والمدينة.
واستدل به على منع الصّلاة على الميّت في المسجد , وهو قول الحنفيّة والمالكيّة.
لكن قال أبو يوسف: إن أُعدّ مسجد للصّلاة على الموتى لَم يكن في الصّلاة فيه عليهم بأس.
قال النّوويّ: ولا حجّة فيه، لأنّ الممتنع عند الحنفيّة إدخال الميّت المسجد لا مجرّد الصّلاة عليه، حتّى لو كان الميّت خارج المسجد جازت الصّلاة عليه لمن هو داخله.
стр. 1350
وقال ابن بزيزة وغيره: استدل به بعض المالكيّة وهو باطلٌ , لأنّه ليس فيه صيغة نهي، ولاحتمال أن يكون خرج بهم إلى المصلَّى لأمرٍ غير المعنى المذكور، وقد ثبت أنّه ﷺ صلَّى على سهيل بن بيضاء في المسجد (١)، فكيف يترك هذا الصّريح لأمرٍ محتمل؟.
بل الظّاهر أنّه إنّما خرج بالمسلمين إلى الْمُصلَّى لقصد تكثير الجمع الذين يصلّون عليه، ولإشاعة كونه مات على الإسلام، فقد كان بعض النّاس لَم يدْرِ كونه أسلم.
فقد روى ابن أبي حاتم في " التّفسير " من طريق ثابت , والدّارقطنيّ في " الأفراد " والبزّار من طريق حميدٍ كلاهما عن أنس , أنّ النّبيّ ﷺ لَمّا صلَّى على النّجاشيّ , قال بعض أصحابه: صلَّى على عِلْج من الحبشة، فنزلت (وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أُنزل إليكم) الآية.
وله شاهد في معجم الطّبرانيّ " الكبير " من حديث وحشيّ بن حرب , وآخر عنده في " الأوسط " من حديث أبي سعيد , وزاد فيه. أنّ الذي طعن بذلك فيه كان منافقاً.
واستدل به.
وهو القول الأول: على مشروعيّة الصّلاة على الميّت الغائب عن البلد. بذلك قال الشّافعيّ وأحمد وجمهور السّلف، حتّى قال ابن حزم: لَم يأت عن أحدٍ من الصّحابة منعه.
стр. 1351
قال الشّافعيّ: الصّلاة على الميّت دعاء له، وهو إذا كان ملفّفاً يُصلِّي عليه. فكيف لا يُدعى له وهو غائب , أو في القبر بذلك الوجه الذي يُدعى له به وهو ملفّف؟.
القول الثاني: عن الحنفيّة والمالكيّة. لا يُشرع ذلك.
القول الثالث: عن بعض أهل العلم. إنّما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه الميّت , أو ما قرب منه , لا ما إذا طالت المدّة. حكاه ابن عبد البرّ.
القول الرابع: قال ابن حبّان: إنّما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة، فلو كان بلد الميّت مستدبر القبلة مثلاً لَم يجز.
قال المحبّ الطّبريّ: لَم أر ذلك لغيره , وحجّته حجّة الذي قبله: الجمود على قصّة النّجاشيّ.
وستأتي حكاية مشاركة الخطّابيّ لهم في هذا الجمود.
وقد اعتذر من لَم يقل بالصّلاة على الغائب عن قصّة النّجاشيّ بأمورٍ:
الأول: أنّه كان بأرضٍ لَم يصلِّ عليه بها أحدٌ، فتعيّنت الصّلاة عليه لذلك.
ومن ثَمَّ قال الخطّابيّ: لا يُصلَّى على الغائب إلاَّ إذا وقع موته بأرضٍ ليس بها من يُصلِّي عليه.
واستحسنه الرّويانيّ من الشّافعيّة. وبه ترجم أبو داود في السّنن " الصّلاة على المسلم يليه أهل الشّرك ببلدٍ آخر ".
стр. 1352
وهذا محتمل. إلاَّ أنّني لَم أقف في شيء من الأخبار على أنّه لَم يُصلَّ عليه في بلده أحدٌ.
الثاني: قول بعضهم: كشف له ﷺ عنه حتّى رآه، فتكون صلاته عليه كصلاة الإمام على ميّت رآه ولَم يره المأمومون , ولا خلاف في جوازها.
قال ابن دقيق العيد: هذا يحتاج إلى نقل، ولا يثبت بالاحتمال.
وتعقّبه بعض الحنفيّة: بأنّ الاحتمال كافٍ في مثل هذا من جهة المانع.
وكأنّ مستند قائل ذلك ما ذكره الواقديّ في " أسبابه " بغير إسناد عن ابن عبّاس قال: كشف النّبيّ ﷺ عن سرير النّجاشيّ حتّى رآه. وصلَّى عليه.
ولابن حبّان من حديث عمران بن حصين: فقام وصفّوا خلفه , وهم لا يظنّون إلاَّ أنّ جنازته بين يديه. أخرجه من طريق الأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المُهلَّب عنه.
ولأبي عوانة من طريق أبان وغيره عن يحيى " فصلَّينا خلفه. ونحن لا نرى إلاَّ أنّ الجنازة قدّامنا ".
الثالث: من الاعتذارات أيضاً. أنّ ذلك خاصّ بالنّجاشيّ , لأنّه لَم يثبت أنّه ﷺ صلَّى على ميّت غائب غيره.
قال المُهلَّب: وكأنّه لَم يثبت عنده قصّة معاوية الليثيّ.
وقد ذكرتُ في ترجمته في الصّحابة أنّ خبره قويّ بالنّظر إلى مجموع
واستند مَن قال بتخصيص النّجاشيّ لذلك إلى ما تقدّم من إرادة إشاعة أنّه مات مسلماً , أو استئلاف قلوب الملوك الذين أسلموا في حياته.
قال النّوويّ: لو فتح باب هذا الخصوص لانسدّ كثير من ظواهر الشّرع، مع أنّه لو كان شيء ممّا ذكروه لتوفّرت الدّواعي على نقله.
وقال ابن العربيّ المالكيّ: قال المالكيّة: ليس ذلك إلاَّ لمحمّدٍ، قلنا: وما عمل به محمّد تعمل به أمّته، يعني لأنّ الأصل عدم الخصوصيّة. قالوا: طويت له الأرض وأحضرت الجنازة بين يديه، قلنا: إنّ ربّنا عليه لقادر , وإنّ نبيّنا لأهل لذلك، ولكن لا تقولوا إلاَّ ما روّيتم، ولا تخترعوا حديثاً من عند أنفسكم، ولا تحدّثوا إلاَّ بالثّابتات ودعوا
стр. 1355
الضّعاف، فإنّها سبيل تلافٍ، إلى ما ليس له تلافٍ.
وقال الكرمانيّ: قولهم رفع الحجاب عنه ممنوع، ولئن سلمنا فكان غائباً عن الصّحابة الذين صلوا عليه مع النّبيّ ﷺ .
قلت: وسبق إلى ذلك الشّيخ أبو حامد في تعليقه، ويؤيّده حديث مجمّع بن جارية - بالجيم والتّحتانيّة - في قصّة الصّلاة على النّجاشيّ , قال: فصففنا خلفه صفّين , وما نرى شيئاً. أخرجه الطّبرانيّ، وأصله في ابن ماجه.
لكن أجاب بعض الحنفيّة عن ذلك: من أنّه يصير كالميّت الذي يُصلِّي عليه الإمام وهو يراه ولا يراه المأمومون , فإنّه جائز اتّفاقاً.
فائدةٌ: أجمع كلّ من أجاز الصّلاة على الغائب أنّ ذلك يُسقِط فرض الكفاية، إلاَّ ما حكي عن ابن القطّان أحد أصحاب الوجوه من الشّافعيّة. أنّه قال: يجوز ذلك ولا يسقط الفرض.
стр. 1356
الحديث الثالث
١٦٢ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , أنّ النّبيّ ﷺ صلَّى على قبرٍ , بعد ما دفن , فكبّر عليه أربعاً. (١)
قوله: (صلَّى على قبرٍ) وللبخاري من رواية أبي معاوية عن الشيباني " مات إنسانٌ كان رسول الله ﷺ يعوده فمات بالليل، فدفنوه ليلاً، فلما أصبح أخبروه , فقال: ما منعكم أن تُعلموني؟ قالوا: كان الليل فكرهنا - وكانت ظلمة - أن نشق عليك , فأتى قبره فصلَّى عليه ".
وقع في شرح الشّيخ سراج الدّين عمر بن الملقّن , أنّه الميّت المذكور في حديث أبي هريرة الذي كان يقمّ المسجد. (٢)
وهو وهمٌ منه لتغاير القصّتين، فالصّحيح في الأوّل أنّها امرأة , وأنّها أمّ محجن.
وأمّا هذا فهو رجل. واسمه طلحة بن البراء بن عمير البلويّ حليف الأنصار , روى حديثه أبو داود مختصراً , والطّبرانيّ من طريق عروة بن سعيد الأنصاريّ عن أبيه عن حسين بن وحوحٍ الأنصاريّ -
стр. 1357
وهو بمهملتين بوزن جعفر - أنّ طلحة بن البراء مرض فأتاه النّبيّ ﷺ يعوده , فقال. إنّي لا أرى طلحة إلاَّ قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجّلوا , فلم يبلغ النّبيّ ﷺ بني سالم بن عوف حتّى توفّي، وكان قال لأهله لَمّا دخل الليل: إذا متّ فادفنوني , ولا تدعوا رسول الله ﷺ فإنّي أخاف عليه يهود أن يصاب بسببي، فأخبر النّبيّ ﷺ حين أصبح فجاء حتّى وقف على قبره فصفّ النّاس معه، ثمّ رفع يديه , فقال: اللهمّ الق طلحة يضحك إليك وتضحك إليه.
قوله: (بعد ما دفن) زاد البخاري من رواية جرير عن الشيباني عن الشعبي عن ابن عباس " صلى رسول الله ﷺ على رجلٍ بعد ما دُفن بليلةٍ ".
وله أيضاً من طريق زائدة عن الشيباني " أتى رسول الله ﷺ قبراً فقالوا: هذا دفن أو دفنت البارحة .. ".
ووقع في " الأوسط " للطّبرانيّ من طريق محمّد بن الصّبّاح الدّولابيّ عن إسماعيل بن زكريّا عن الشّيبانيّ " أنّه صلَّى عليه بعد دفنه بليلتين ".
وقال: إنّ إسماعيل تفرّد بذلك.
ورواه الدّارقطنيّ من طريق هريم بن سفيان عن الشّيبانيّ فقال " بعد موته بثلاثٍ " ومن طريق بشر بن آدم عن أبي عاصم عن سفيان الثّوريّ عن الشّيبانيّ , فقال " بعد شهر ".
وهذه روايات شاذّة، وسياق الطّرق الصّحيحة يدلّ على أنّه صلَّى عليه في صبيحة دفنه.
стр. 1358
وفي الحديث الصّلاة على القبر بعدما يدفن , وهي من المسائل المختلف فيها.
قال ابن المنذر: قال بمشروعيّته الجمهور، ومنعه النّخعيّ ومالك وأبو حنيفة، وعنهم: إن دُفن قبل أن يُصلَّى عليه شرع , وإلاّ فلا.
وأشار ابن حبان إلى أنّ بعض المخالفين احتجّ بهذه الزّيادة من حديث أبي هريرة " إنّ هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإنّ الله ينوّرها عليهم بصلاتي " (١) على أنّ ذلك من خصائصه ﷺ .
ثمّ ساق من طريق خارجة بن زيد بن ثابت نحو هذه القصّة وفيها " ثمّ أتى القبر فصففنا خلفه , وكبّر عليه أربعاً ".
قال ابن حبّان: في ترك إنكاره ﷺ على من صلَّى معه على القبر بيان
стр. 1359
جواز ذلك لغيره، وأنّه ليس من خصائصه.
وتعقّب: بأنّ الذي يقع بالتّبعيّة لا ينهض دليلاً للأصالة.
واستُدلَّ بخبر الباب على ردّ التّفصيل بين من صُلِّي عليه فلا يُصلَّى عليه , بأنّ القصّة وردت فيمن صلي عليه.
وأجيب: بأنّ الخصوصيّة تنسحب على ذلك.
واختلَفَ مَن قال بشرع الصّلاة لمن لَم يصل.
فقيل: يؤخّر دفنه ليصلي عليها من كان لَم يصل.
وقيل: يبادر بدفنها ويصلي الذي فاتته على القبر.
وكذا اختلف في أمد ذلك:
فعند بعضهم: إلى شهر، وقيل: ما لَم يَبْلَ الجسد.
وقيل: يختصّ بمن كان من أهل الصّلاة عليه حين موته , وهو الرّاجح عند الشّافعيّة، وقيل: يجوز أبداً
وفي الحديث الرد على من منع الدفن بالليل , محتجّاً بحديث جابر , أنّ النّبيّ ﷺ زجر أن يقبر الرّجل ليلاً إلاَّ أن يضطرّ إلى ذلك. أخرجه ابن حبّان.
لكن بيّن مسلم في روايته السّبب في ذلك. ولفظه: أنّ النّبيّ ﷺ خطب يوماً , فذكر رجلاً من أصحابه قبض وكفّن في كفن غير طائل وقبر ليلاً، فزجر أن يقبر الرّجل بالليل حتّى يُصلِّي عليه، إلاَّ أن يضطرّ إنسان إلى ذلك. وقال: إذا ولِي أحدكم أخاه فليُحسن كفنه. فدلَّ على أنّ النّهي بسبب تحسين الكفن.
стр. 1360
وقوله " حتّى يُصلِّي عليه " مضبوط بكسر اللام. أي: النّبيّ ﷺ فهذا سبب آخر يقتضي أنّه إن رجي بتأخير الميّت إلى الصّباح صلاة من ترجى بركته عليه استحبّ تأخيره، وإلا فلا، وبه جزم الطّحاويّ.
واستدل البخاري للجواز بما ذكره من حديث ابن عبّاس , ولَم ينكر النّبيّ ﷺ دفنهم إيّاه بالليل، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره , وأيّد ذلك بما صنع الصّحابة بأبي بكر، أخرجه البخاري من حديث عائشة وفيه " ودفن أبو بكر قبل أن يصبح ".
ولابن أبي شيبة من حديث القاسم بن محمّد قال: دفن أبو بكر ليلاً. ومن حديث عبيد بن السّبّاق , أنّ عمر دفن أبا بكر بعد العشاء الآخرة , وصحّ أنّ عليّاً دَفَنَ فاطمة ليلاً , وكان ذلك كالإجماع منهم على الجواز.
قوله: (فكبّر عليه أربعاً) تقدم الكلام عليه في حديث أبي هريرة ﵁. زاد البخاري " فصففنا خلفه , ثم صلَّى عليه ".
стр. 1361
الحديث الرابع
١٦٣ - عن عائشة ﵂ , أنّ رسول الله ﷺ كُفِّّن في ثلاثة أثوابٍ يمانيةٍ بيضٍ سحوليّة , ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ. (١)
قوله: (كُفِّن في ثلاثة أثوابٍ) في طبقات ابن سعد عن الشّعبيّ (٢) " إزار ورداء ولفافة ".
وحكى بعض من صنّف في الخلاف عن الحنفيّة , أنّ المستحبّ عندهم أن يكون في أحدها ثوب حبرة.
وكأنّهم أخذوا بما روي , أنّه ﷺ كفّن في ثوبين وبرد حبرة. أخرجه أبو داود من حديث جابر. وإسناده حسن، لكن روى مسلم والتّرمذيّ من حديث عائشه , أنّهم نزعوها عنه. (٣)
قال التّرمذيّ: وتكفينه في ثلاثة أثواب بيض. أصحّ ما ورد في
стр. 1362
كفنه.
وقال عبد الرّزّاق عن معمر عن هشام بن عروة: لُفّ في برد حبرة جفّف فيه , ثمّ نزع عنه. يمكن أن يستدلّ لهم بعموم حديث أنس , كان أحبّ اللباس إلى رسول الله ﷺ الحبرة. أخرجه الشّيخان.
والحِبَرة: بكسر الحاء المهملة وفتح الموحّدة ما كان من البرود مخطّطاً.
قوله: (بيض) بوّب عليه البخاري " الثياب البيض للكفن " وتقرير الاستدلال به أنّ الله لَم يكن ليختار لنبيّه إلاَّ الأفضل.
وكأنّ البخاري لَم يثبت على شرطه الحديث الصّريح في الباب , وهو ما رواه أصحاب السّنن من حديث ابن عبّاس بلفظ: البسوا ثياب البياض فإنّها أطهر وأطيب، وكفّنوا فيها موتاكم. صحّحه التّرمذيّ والحاكم.
وله شاهد من حديث سمرة بن جندب. أخرجوه. وإسناده صحيح أيضاً.
قوله: (سحوليّة) وللبخاري " سحول كرسف " ولمسلم " سحوليةٌ من كرسف " وسُحُول بضمّ المهملتين وآخره لام. أي: بيض، وهو جمع سحل، والثّوب الأبيض النّقيّ لا يكون إلاَّ من قطن.
وعن ابن وهب: السّحول القطن، وفيه نظر.
وهو بضمّ أوّله , ويُروى بفتحه نسبة إلى سحول قرية باليمن.
стр. 1363
وقال الأزهريّ: بالفتح المدينة، وبالضّمّ الثّياب. وقيل: النّسب إلى القرية بالضّمّ، وأمّا بالفتح فنسبة إلى القصّار لأنّه يسحل الثّياب. أي: ينقّيها.
والكُرسف: بضمّ الكاف والمهملة بينهما راء ساكنة هو القطن، ووقع في رواية للبيهقيّ " سحوليّة جدد "
قوله: (ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ) الخلاف في هذه المسألة بين الحنفيّة وغيرهم في الاستحباب وعدمه، والثّاني عن الجمهور.
وعن بعض الحنفيّة. يستحبّ القميص دون العمامة.
وأجاب بعض من خالف: بأنّ قولها " ليس فيها قميص ولا عمامة ".
يحتمل: نفي وجودهما جملة. ويحتمل: أن يكون المراد نفي المعدود. أي: الثّلاثة خارجة عن القميص والعمامة.
والأوّل أظهر.
وقال بعض الحنفيّة: معناه. ليس فيها قميص. أي: جديد.
وقيل: ليس فيها القميص الذي غسّل فيه، أو ليس فيها قميص مكفوف الأطراف (١).
стр. 1364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1365
الحديث الخامس
١٦٤ - عن أمّ عطيّة الأنصاريّة , قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفّيت ابنته , فقال: اغسلنها ثلاثاً , أو خمساً , أو أكثر من ذلك إن رأيتنّ ذلك بماءٍ وسدرٍ , واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافورٍ , فإذا فرغتنّ فآذنّني. فلمّا فرغنا آذنّاه , فأعطانا حقوه , وقال: أشعرنها به. تعني إزاره.
وفي روايةٍ: أو سبعاً , وقال: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها , وإنّ أمّ عطيّة , قالت: وجعلنا رأسها ثلاثة قرونٍ. (١)
قوله: (عن أمّ عطيّة الأنصاريّة) (٢) مدار حديث أمّ عطيّة على محمّد وحفصة ابني سيرين، وحَفِظتْ منه حفصة ما لَم يحفظه محمّد. كما سيأتي مبيّناً.
قال ابن المنذر: ليس في أحاديث الغسل للميّت أعلى من حديث أمّ عطيّة , وعليه عوّل الأئمّة. انتهى
قوله: (حين توفّيت ابنته) في رواية الثّقفيّ عن أيّوب عن ابن سيرين في البخاري , وكذا في رواية ابن جريجٍ " دخل علينا ونحن
стр. 1366
نغسّل بنته " (١).
ويجمع بينهما: بأنّ المراد أنّه دخل حين شرع النّسوة في الغسل، وعند النّسائيّ , أنّ مجيئهنّ إليها كان بأمره، ولفظه من رواية هشام بن حسّان عن حفصة " ماتت إحدى بنات رسول الله ﷺ فأرسل إلينا , فقال: اغسلنها ".
قوله: (ابنته زينب) (٢) لَم تقع في شيء من رواية البخاريّ مسمّاة، والمشهور أنّها زينب زوج أبي العاص بن الرّبيع والدة أُمامة التي تقدّم ذكرها في الصّلاة (٣)، وهي أكبر بنات النّبيّ ﷺ .
وكانت وفاتها فيما حكاه الطّبريّ في " الذّيل " في أوّل سنة ثمان، وقد وردتْ مسمّاة في هذا عند مسلم من طريق عاصم الأحول عن حفصة عن أمّ عطيّة قالت: لَمّا ماتت زينبُ بنتُ رسولِ الله ﷺ , قال رسول الله: اغسلنها. فذكر الحديث.
ولَم أرها في شيء من الطّرق عن حفصة ولا عن محمّد مسمّاة إلاَّ في رواية عاصم هذه، وقد خولف في ذلك , فحكى ابن التّين عن الدّاوديّ الشّارح , أنّه جزم بأنّ البنت المذكورة أمّ كلثوم زوج عثمان ,ولَم يذكر مستنده.
стр. 1367
وتعقّبه المنذريّ: بأنّ أمّ كلثوم توفّيت. والنّبيّ ﷺ ببدرٍ فلم يشهدها.
وهو غلطٌ منه فإنّ التي توفّيت حينئذٍ رقيّة، وعزاه النّوويّ تبعاً لعياضٍ لبعض أهل السّير.
وهو قصور شديد , فقد أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الوهّاب الثّقفيّ عن أيّوب ولفظه " دخل علينا ونحن نغسّل ابنته أمّ كلثوم " وهذا الإسناد على شرط الشّيخين، وفيه نظر (١).
وكذا وقع في " المبهمات " لابن بشكوال من طريق الأوزاعيّ عن محمّد بن سيرين عن أمّ عطيّة قالت: كنت فيمن غسّل أمّ كلثوم " الحديث.
وقرأت بخطّ مغلطاي: زعم التّرمذيّ. أنّها أمّ كلثوم , وفيه نظرٌ.
كذا قال، ولَم أر في التّرمذيّ شيئاً من ذلك. وقد روى الدّولابيّ في " الذّرّيّة الطّاهرة " من طريق أبي الرّجال عن عمرة , أنّ أمّ عطيّة كانت ممّن غسّل أمّ كلثوم ابنة النّبيّ ﷺ الحديث.
فيمكن دعوى ترجيح ذلك لمجيئه من طرق متعدّدة.
ويمكن الجمع: بأن تكون حضرتهما جميعاً، فقد جزم ابن عبد البرّ ﵀ في ترجمتها بأنّها كانت غاسلة الميّتات.
ووقع لي من تسمية النّسوة اللاتي حضرن معها ثلاث غيرها، ففي
стр. 1368
" الذّرّيّة الطّاهرة " أيضاً من طريق أسماء بنت عميس أنّها كانت ممّن غسّلها , قالت: ومعنا صفيّة بنت عبد المطّلب. ولأبي داود من حديث ليلى بنت قانف - بقافٍ ونون وفاء - الثّقفيّة قالت: كنت فيمن غسّلها , وروى الطّبرانيّ من حديث أمّ سليمٍ شيئاً يومئ إلى أنّها حضرت ذلك أيضاً.
وللبخاري قال ابن سيرين (١): ولا أدري أيَّ بناته. وهذا يدلّ على أنّ تسميتها في رواية ابن ماجه وغيره ممّن دون ابن سيرين. والله أعلم.
قوله: (اغسلنها) قال ابن بزيزة: استدل به على وجوب غسل الميّت، وهو مبنيّ على أنّ قوله فيما بعد " إن رأيتنّ ذلك " هل يرجع إلى الغسل أو العدد؟ والثّاني أرجح، فثبت المدّعى.
قال ابن دقيق العيد: لكن قوله " ثلاثاً " ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، فيتوقّف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظٍ واحد , لأنّ قوله " ثلاثاً " غير مستقلّ بنفسه فلا بدّ أن يكون داخلاً تحت صيغة الأمر. فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنّسبة إلى أصل الغسل، والنّدب بالنّسبة إلى الإيتار. انتهى.
وقواعد الشّافعيّة لا تأبى ذلك.
стр. 1369
ومن ثَمَّ ذهب الكوفيّون وأهل الظّاهر والمزنيّ إلى إيجاب الثّلاث. وقالوا: إن خرج منه شيء بعد ذلك يغسل موضعه ولا يعاد غسل الميّت، وهو مخالف لظاهر الحديث.
وجاء عن الحسن مثله , أخرجه عبد الرّزّاق عن هشام بن حسّان عن ابن سيرين قال: يغسّل ثلاثاً , فإن خرج منه شيء بعد فخمساً، فإن خرج منه شيء غسّل سبعاً , قال هشام: وقال الحسن: يغسّل ثلاثاً، فإن خرج منه شيء غسل ما خرج. ولَم يزد على الثّلاث.
وقد نقل النّوويّ الإجماع على أنّ غسل الميّت فرض كفاية.
وهو ذهول شديد، فإنّ الخلاف مشهور عند المالكيّة. حتّى إنّ القرطبيّ رجّح في شرح مسلم أنّه سنّة، ولكنّ الجمهور على وجوبه.
وقد ردّ ابن العربيّ على من لَم يقل بذلك، وقد توارد به القول والعمل، وغُسّل الطّاهر المطهّر فكيف بمن سواه؟.
قوله: (ثلاثاً أو خمساً) وفي رواية لهما من رواية هشام بن حسّان عن حفصة " اغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً " و " أو " هنا للتّرتيب لا للتّخيير.
قال النّوويّ: المراد اغسلنها وتراً وليكن ثلاثاً فإن احتجن إلى زيادة فخمساً، وحاصله أنّ الإيتار مطلوب والثّلاث مستحبّة، فإن حصل الإنقاء بها لَم يشرع ما فوقها وإلا زيد وتراً حتّى يحصل الإنقاء، والواجب من ذلك مرّة واحدة عامّة للبدن. انتهى.
وقد سبق بحث ابن دقيق العيد في ذلك.
стр. 1370
وقال ابن العربيّ: في قوله " أو خمساً " إشارة إلى أنّ المشروع هو الإيتار , لأنّه نقلهنّ من الثّلاث إلى الخمس , وسكت عن الأربع.
وقوله فيه " وتراً ثلاثاً أو خمساً " استدل به على أنّ أقلّ الوتر ثلاث، ولا دلالة فيه لأنّه سيق مساق البيان للمراد , إذ لو أطلق لتناول الواحدة فما فوقها.
قوله: (أو أكثر من ذلك) بكسر الكاف لأنّه خطاب للمؤنّث، ولهما في رواية أيّوب عن حفصة " ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً ".
ولَم أر في شيء من الرّوايات بعد قوله " سبعاً " التّعبير بأكثر من ذلك إلاَّ في رواية لأبي داود، وأمّا ما سواها فإمّا " أو سبعاً " وإمّا " أو أكثر من ذلك ".
فيحتمل تفسير قوله " أو أكثر من ذلك " بالسّبع، وبه قال أحمد، فكره الزّيادة على السّبع.
وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحداً قال بمجاوزة السّبع، وساق من طريق قتادة , أنّ ابن سيرين كان يأخذ الغسل عن أمّ عطيّة ثلاثاً وإلَّا فخمساً وإلَّا فأكثر. قال: فرأينا أنّ أكثر من ذلك سبع.
وقال الماورديّ: الزّيادة على السّبع سرف.
وقال ابن المنذر: بلغني أنّ جسد الميّت يسترخي بالماء , فلا أحبّ الزّيادة على ذلك.
قوله: (إن رأيتنّ ذلك) معناه التّفويض إلى اجتهادهنّ بحسب الحاجة لا التّشهّي.