نغسّل بنته " (١).
ويجمع بينهما: بأنّ المراد أنّه دخل حين شرع النّسوة في الغسل، وعند النّسائيّ , أنّ مجيئهنّ إليها كان بأمره، ولفظه من رواية هشام بن حسّان عن حفصة " ماتت إحدى بنات رسول الله ﷺ فأرسل إلينا , فقال: اغسلنها ".
قوله: (ابنته زينب) (٢) لَم تقع في شيء من رواية البخاريّ مسمّاة، والمشهور أنّها زينب زوج أبي العاص بن الرّبيع والدة أُمامة التي تقدّم ذكرها في الصّلاة (٣)، وهي أكبر بنات النّبيّ ﷺ .
وكانت وفاتها فيما حكاه الطّبريّ في " الذّيل " في أوّل سنة ثمان، وقد وردتْ مسمّاة في هذا عند مسلم من طريق عاصم الأحول عن حفصة عن أمّ عطيّة قالت: لَمّا ماتت زينبُ بنتُ رسولِ الله ﷺ , قال رسول الله: اغسلنها. فذكر الحديث.
ولَم أرها في شيء من الطّرق عن حفصة ولا عن محمّد مسمّاة إلاَّ في رواية عاصم هذه، وقد خولف في ذلك , فحكى ابن التّين عن الدّاوديّ الشّارح , أنّه جزم بأنّ البنت المذكورة أمّ كلثوم زوج عثمان ,ولَم يذكر مستنده.
стр. 1367
وتعقّبه المنذريّ: بأنّ أمّ كلثوم توفّيت. والنّبيّ ﷺ ببدرٍ فلم يشهدها.
وهو غلطٌ منه فإنّ التي توفّيت حينئذٍ رقيّة، وعزاه النّوويّ تبعاً لعياضٍ لبعض أهل السّير.
وهو قصور شديد , فقد أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الوهّاب الثّقفيّ عن أيّوب ولفظه " دخل علينا ونحن نغسّل ابنته أمّ كلثوم " وهذا الإسناد على شرط الشّيخين، وفيه نظر (١).
وكذا وقع في " المبهمات " لابن بشكوال من طريق الأوزاعيّ عن محمّد بن سيرين عن أمّ عطيّة قالت: كنت فيمن غسّل أمّ كلثوم " الحديث.
وقرأت بخطّ مغلطاي: زعم التّرمذيّ. أنّها أمّ كلثوم , وفيه نظرٌ.
كذا قال، ولَم أر في التّرمذيّ شيئاً من ذلك. وقد روى الدّولابيّ في " الذّرّيّة الطّاهرة " من طريق أبي الرّجال عن عمرة , أنّ أمّ عطيّة كانت ممّن غسّل أمّ كلثوم ابنة النّبيّ ﷺ الحديث.
فيمكن دعوى ترجيح ذلك لمجيئه من طرق متعدّدة.
ويمكن الجمع: بأن تكون حضرتهما جميعاً، فقد جزم ابن عبد البرّ ﵀ في ترجمتها بأنّها كانت غاسلة الميّتات.
ووقع لي من تسمية النّسوة اللاتي حضرن معها ثلاث غيرها، ففي
стр. 1368
" الذّرّيّة الطّاهرة " أيضاً من طريق أسماء بنت عميس أنّها كانت ممّن غسّلها , قالت: ومعنا صفيّة بنت عبد المطّلب. ولأبي داود من حديث ليلى بنت قانف - بقافٍ ونون وفاء - الثّقفيّة قالت: كنت فيمن غسّلها , وروى الطّبرانيّ من حديث أمّ سليمٍ شيئاً يومئ إلى أنّها حضرت ذلك أيضاً.
وللبخاري قال ابن سيرين (١): ولا أدري أيَّ بناته. وهذا يدلّ على أنّ تسميتها في رواية ابن ماجه وغيره ممّن دون ابن سيرين. والله أعلم.
قوله: (اغسلنها) قال ابن بزيزة: استدل به على وجوب غسل الميّت، وهو مبنيّ على أنّ قوله فيما بعد " إن رأيتنّ ذلك " هل يرجع إلى الغسل أو العدد؟ والثّاني أرجح، فثبت المدّعى.
قال ابن دقيق العيد: لكن قوله " ثلاثاً " ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، فيتوقّف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظٍ واحد , لأنّ قوله " ثلاثاً " غير مستقلّ بنفسه فلا بدّ أن يكون داخلاً تحت صيغة الأمر. فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنّسبة إلى أصل الغسل، والنّدب بالنّسبة إلى الإيتار. انتهى.
وقواعد الشّافعيّة لا تأبى ذلك.
стр. 1369
ومن ثَمَّ ذهب الكوفيّون وأهل الظّاهر والمزنيّ إلى إيجاب الثّلاث. وقالوا: إن خرج منه شيء بعد ذلك يغسل موضعه ولا يعاد غسل الميّت، وهو مخالف لظاهر الحديث.
وجاء عن الحسن مثله , أخرجه عبد الرّزّاق عن هشام بن حسّان عن ابن سيرين قال: يغسّل ثلاثاً , فإن خرج منه شيء بعد فخمساً، فإن خرج منه شيء غسّل سبعاً , قال هشام: وقال الحسن: يغسّل ثلاثاً، فإن خرج منه شيء غسل ما خرج. ولَم يزد على الثّلاث.
وقد نقل النّوويّ الإجماع على أنّ غسل الميّت فرض كفاية.
وهو ذهول شديد، فإنّ الخلاف مشهور عند المالكيّة. حتّى إنّ القرطبيّ رجّح في شرح مسلم أنّه سنّة، ولكنّ الجمهور على وجوبه.
وقد ردّ ابن العربيّ على من لَم يقل بذلك، وقد توارد به القول والعمل، وغُسّل الطّاهر المطهّر فكيف بمن سواه؟.
قوله: (ثلاثاً أو خمساً) وفي رواية لهما من رواية هشام بن حسّان عن حفصة " اغسلنها وتراً ثلاثاً أو خمساً " و " أو " هنا للتّرتيب لا للتّخيير.
قال النّوويّ: المراد اغسلنها وتراً وليكن ثلاثاً فإن احتجن إلى زيادة فخمساً، وحاصله أنّ الإيتار مطلوب والثّلاث مستحبّة، فإن حصل الإنقاء بها لَم يشرع ما فوقها وإلا زيد وتراً حتّى يحصل الإنقاء، والواجب من ذلك مرّة واحدة عامّة للبدن. انتهى.
وقد سبق بحث ابن دقيق العيد في ذلك.
стр. 1370
وقال ابن العربيّ: في قوله " أو خمساً " إشارة إلى أنّ المشروع هو الإيتار , لأنّه نقلهنّ من الثّلاث إلى الخمس , وسكت عن الأربع.
وقوله فيه " وتراً ثلاثاً أو خمساً " استدل به على أنّ أقلّ الوتر ثلاث، ولا دلالة فيه لأنّه سيق مساق البيان للمراد , إذ لو أطلق لتناول الواحدة فما فوقها.
قوله: (أو أكثر من ذلك) بكسر الكاف لأنّه خطاب للمؤنّث، ولهما في رواية أيّوب عن حفصة " ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً ".
ولَم أر في شيء من الرّوايات بعد قوله " سبعاً " التّعبير بأكثر من ذلك إلاَّ في رواية لأبي داود، وأمّا ما سواها فإمّا " أو سبعاً " وإمّا " أو أكثر من ذلك ".
فيحتمل تفسير قوله " أو أكثر من ذلك " بالسّبع، وبه قال أحمد، فكره الزّيادة على السّبع.
وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحداً قال بمجاوزة السّبع، وساق من طريق قتادة , أنّ ابن سيرين كان يأخذ الغسل عن أمّ عطيّة ثلاثاً وإلَّا فخمساً وإلَّا فأكثر. قال: فرأينا أنّ أكثر من ذلك سبع.
وقال الماورديّ: الزّيادة على السّبع سرف.
وقال ابن المنذر: بلغني أنّ جسد الميّت يسترخي بالماء , فلا أحبّ الزّيادة على ذلك.
قوله: (إن رأيتنّ ذلك) معناه التّفويض إلى اجتهادهنّ بحسب الحاجة لا التّشهّي.
стр. 1371
وقال ابن المنذر: إنّما فوّض الرّأي إليهنّ بالشّرط المذكور وهو الإيتار.
وحكى ابن التّين عن بعضهم قال: يحتمل قوله " إن رأيتنّ " أن يرجع إلى الأعداد المذكورة.
ويحتمل: أن يكون معناه , إن رأيتنّ أن تفعلن ذلك. وإلا فالإنقاء يكفي.
قوله. (بماءٍ وسدر) قال ابن العربيّ: هذا أصل في جواز التّطهّر بالماء المضاف إذا لَم يسلب الماء الإطلاق. انتهى.
وهو مبنيّ على الصّحيح أنّ غسل الميّت للتّطهير كما سيأتي.
قال الزّين بن المنير: جعلهما البخاري (١) معاً آلة لغسل الميّت، وهو مطابق لحديث الباب، لأنّ قوله " بماءٍ وسدر " يتعلق بقوله " اغسلنها " وظاهره أنّ السّدر يخلط في كلّ مرّة من مرّات الغسل، وهو مشعر بأنّ غسل الميّت للتّنظيف لا للتّطهير، لأنّ الماء المضاف لا يتطهّر به. انتهى.
وقد يمنع لزوم كون الماء يصير مضافاً بذلك (٢)، لاحتمال أن لا يغيّر السّدر وصف الماء بأن يُمعك بالسّدر ثمّ يغسل بالماء في كلّ مرّة. فإنّ لفظ الخبر لا يأبى ذلك.
стр. 1372
وقال القرطبيّ: يجعل السّدر في ماء ويخضخض إلى أن تخرج رغوته ويدلك به جسده , ثمّ يُصبّ عليه الماء القراح، فهذه غسلة.
وحكى ابن المنذر: أنّ قوماً قالوا: تطرح ورقات السّدر في الماء. أي: لئلا يمازج الماء فيتغيّر وصفه المطلق.
وحكي عن أحمد أنّه أنكر ذلك , وقال: يغسل في كلّ مرّة بالماء والسّدر.
وأعلى ما ورد في ذلك , ما رواه أبو داود من طريق قتادة عن ابن سيرين , أنّه كان يأخذ الغسل عن أمّ عطيّة. فيغسل بالماء والسّدر مرّتين والثّالثة بالماء والكافور.
قال ابن عبد البرّ: كان يقال: كان ابن سيرين من أعلم التّابعين بذلك.
وقال ابن العربيّ: مَن قال الأولى بالماء القراح , والثّانية بالماء والسّدر أو العكس , والثّالثة بالماء والكافور , فليس هو في لفظ الحديث. انتهى.
وكأنّ قائله أراد أن تقع إحدى الغسلات بالماء الصّرف المطلق , لأنّه المطهّر في الحقيقة، وأمّا المضاف فلا.
القول الأول: تمسّك بظاهر الحديث ابن شعبان وابن الفرضيّ وغيرهما من المالكيّة , فقالوا: غسل الميّت إنّما هو للتّنظيف فيجزئ بالماء المضاف كماء الورد ونحوه، قالوا: وإنّما يكره من جهة السّرف.
القول الثاني: المشهور عند الجمهور أنّه غسل تعبّديّ يشترط فيه ما
стр. 1373
يشترط في بقيّة الأغسال الواجبة والمندوبة.
القول الثالث: قيل: شرع احتياطاً لاحتمال أن يكون عليه جنابة.
وفيه نظرٌ. لأنّ لازمه أن لا يشرع غسل من هو دون البلوغ وهو خلاف الإجماع.
قوله: (واجعلن في الآخرة كافوراً) هو الطِّيْب المعروف (١) , ويطلق على الوعاء , قال بعضهم: وعاءُ كلِ شيءٍ كافوره وكفراه , ويقال للعنب إذا خرج كافور وكفري.
قوله: (أو شيئاً من كافور) هو شكّ من الرّاوي أي اللفظتين قال , والأوّل محمول على الثّاني لأنّه نكرة في سياق الإثبات فيصدق بكل شيء منه.
وجزم في رواية أيوب عن ابن سيرين بالشّقّ الأوّل، وكذا في رواية ابن جريجٍ، وظاهره جعل الكافور في الماء. وبه قال الجمهور.
وقال النّخعيّ والكوفيّون: إنّما يجعل في الحنوط , أي: بعد إنهاء الغسل والتّجفيف.
وقد ورد في رواية النسائي بلفظ " واجعلن في آخر ذلك كافوراً ".
قيل: الحكمة في الكافور - مع كونه يطيّب رائحة الموضع - لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم , أنّ فيه تجفيفاً وتبريداً وقوّةَ نفوذ. وخاصّيّة في تصليب بدن الميّت وطرد الهوامّ عنه , وردع ما يتحلل من
стр. 1374
الفضلات , ومنع إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الأراييح الطّيّبة في ذلك، وهذا هو السّرّ في جعله في الأخيرة. إذ لو كان في الأولى مثلاً لأذهبه الماء.
وهل يقوم المسك مثلاً مقام الكافور؟ إن نُظر إلى مجرّد التّطيّب فنعم، وإلا فلا، وقد يقال: إذا عُدم الكافور قام غيره مقامه ولو بخاصّيّةٍ واحدة مثلاً.
قوله: (فإذا فرغتنّ فآذنّني) أي: أعلمنني.
قوله: (فلمّا فرغنا) كذا للأكثر بصيغة الخطاب من الحاضر، وللأصيليّ " فلمّا فرغن " بصيغة الغائب.
قوله: (حقوه) بفتح المهملة ويجوز كسرها - وهي لغة هذيل - بعدها قاف ساكنة، والمراد به هنا الإزار كما وقع مفسّراً في آخر هذه الرّواية.
والحقو في الأصل معقد الإزار، وأطلق على الإزار مجازاً، وللبخاري من رواية ابن عون عن محمّد بن سيرين بلفظ " فنزع من حقوه إزاره " والحقو في هذا على حقيقته.
قوله: (أشعرنها إيّاه) أي: اجعلنه شعارها. أي الثّوب الذي يلي جسدها، زاد البخاري " وزعم أنَّ الإشعار الففنها فيه " وفيه اختصار والتّقدير , وزعم أنّ معنى قوله أشعرنها إيّاها الففنها، وهو ظاهر اللفظ، لأنّ الشّعار ما يلي الجسد من الثّياب.
والقائل في هذه الرّواية " وزعم " هو أيّوب. وذكر ابن بطّال: أنّه
стр. 1375
ابن سيرين.
والأوّل أولى، وقد بيّنه عبد الرّزّاق في روايته عن ابن جريجٍ قال: قلت لأيّوب قوله أشعرنها. تؤزر به؟ قال: ما أراه إلاَّ قال: الففنها فيه.
قيل: الحكمة في تأخير الإزار معه إلى أن يفرغن من الغسل ولَم يناولهنّ إيّاه أوّلاً , ليكون قريب العهد من جسده الكريم , حتّى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل، وهو أصل في التّبرّك بآثار الصّالحين (١).
وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرّجل , وبوّب عليه البخاري " هل تكفّن المرأة في إزار الرجل؟ " وشاهِد التّرجمة قوله فيه " فأعطاها إزاره ".
قال ابن رشيد: أشار بقوله " هل " إلى تردّد عنده في المسألة، فكأنّه أومأ إلى احتمال اختصاص ذلك بالنّبيّ ﷺ , لأنّ المعنى الموجود فيه من البركة ونحوها قد لا يكون في غيره ولا سيّما مع قرب عهده بعرقه الكريم، ولكنّ الأظهر الجواز، وقد نقل ابن بطّال الاتّفاق على ذلك، لكن لا يلزم من ذلك التّعقّب على البخاريّ , لأنّه إنّما ترجم بالنّظر إلى سياق الحديث وهو قابل للاحتمال.
وقال الزّين بن المنير نحوه , وزاد احتمال الاختصاص بالمحرم , أم بمن يكون في مثل إزار النّبيّ ﷺ وجسده من تحقّق النّظافة وعدم نفرة
стр. 1376
الزّوج وغيرته أن تلبس زوجته لباس غيره.
قوله: (ابدأْنَ) هو الوجه , لأنّه خطاب للنّسوة. وللبخاري " ابدؤوا "
قوله: (بميامنها ومواضع الوضوء منها) استدل به على استحباب المضمضة والاستنشاق في غسل الميّت خلافاً للحنفيّة، بل قالوا: لا يستحبّ وضوءه أصلاً.
وإذا قلنا باستحبابه , فهل يكون وضوءاً حقيقيّاً بحيث يعاد غسل تلك الأعضاء في الغسل , أو جزءاً من الغسل بدئت به هذه الأعضاء تشريفاً؟.
الثّاني أظهر من سياق الحديث.
والبداءة بالميامن وبمواضع الوضوء ممّا زادته حفصة في روايتها عن أمّ عطيّة على أخيها محمّد، وكذا المشط والضّفر كما سيأتي
قوله: (وجعلنا رأسها ثلاثة قرونٍ) أي: ضفائر , قال سفيان " ناصيتها وقرنيها ": والقرنان الجانبان , زاد البخاري " وألقيناه خلفها ".
وللبخاري من رواية حفصة عن أم عطية " أنهن جعلن رأس بنت رسول الله ﷺ ثلاثة قرون نقضنه، ثم غسلنه، ثم جعلنه ثلاثة قرون ".
وفائدة النّقض تبليغ الماء البشرة وتنظيف الشّعر من الأوساخ.
ولمسلمٍ من رواية أيّوب عن حفصة عن أمّ عطيّة " مشطناها ثلاثة
стр. 1377
قرون " وهو بتخفيف المعجمة. أي: سرّحناها بالمشط.
وفيه حجّة للشّافعيّ ومن وافقه على استحباب تسريح الشّعر.
وذهب مَن منعه إلى أنّه قد يفضي إلى انتتاف شعره.
وأجاب من أثبته: بأنّه يضمّ إلى ما انتثر منه. والرّفق يؤمن معه ذلك. وكذا الرّجل إذا كان له شعر يُنقض لأجل التّنظيف وليبلغ الماء البشرة.
واستدل به على ضفر شعر الميّت خلافاً لمن منعه.
فقال ابن القاسم: لا أعرف الضّفر بل يكفّ , وعن الأوزاعيّ والحنفيّة: يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرّقاً.
قال القرطبيّ: وكأنّ سبب الخلاف أنّ الذي فعلته أمّ عطيّة. هل استندت فيه إلى النّبيّ ﷺ فيكون مرفوعاً، أو هو شيء رأته ففعلته استحساناً؟.
كلا الأمرين محتمل، لكن الأصل أن لا يُفعل في الميّت شيءٌ من جنس القرب , إلاَّ بإذنٍ من الشّرع محقّق. ولَم يرد ذلك مرفوعاً. كذا قال.
وقال النّوويّ: الظّاهر اطّلاع النّبيّ ﷺ وتقريره له.
قلت: وقد رواه سعيد بن منصور بلفظ الأمر من رواية هشام عن حفصة عن أمّ عطيّة قالت: قال لنا رسول الله: اغسلنها وتراً واجعلن شعرها ضفائر.
وقال ابن حبّان في " صحيحه ": ذِكر البيان بأنّ أمّ عطيّة إنّما مشّطت
стр. 1378
ابنة النّبيّ ﷺ بأمره لا من تلقاء نفسها , ثمّ أخرج من طريق حمّاد عن أيّوب قال: قالت حفصة عن أمّ عطيّة: اغسلنها ثلاثة أو خمساً أو سبعاً واجعلن لها ثلاثة قرون.
في هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم.
تعليم الإمام من لا علم له بالأمر الذي يقع فيه، وتفويضه إليه إذا كان أهلاً لذلك بعد أن ينبّهه على عِلَّة الحكم.
واستدل به على أنّ الغسل من غسل الميّت ليس بواجبٍ , لأنّه موضع تعليم ولَم يأمر به.
وفيه نظرٌ. لاحتمال أن يكون شرع بعد هذه الواقعة.
وقال الخطّابيّ: لا أعلم أحداً قال بوجوبه. وكأنّه ما درى أنّ الشّافعيّ علَّق القول به على صحّة الحديث، والخلاف فيه ثابت عند المالكيّة , وصار إليه بعض الشّافعيّة أيضاً.
وقال ابن بزيزة: الظّاهر أنّه مستحبّ، والحكمة فيه تتعلق بالميّت، لأنّ الغاسل إذا علم أنّه سيغتسل لَم يتحفّظ من شيء يصيبه من أثر الغسل فيبالغ في تنظيف الميّت وهو مطمئنّ.
ويحتمل: أن يتعلق بالغاسل ليكون عند فراغه على يقين من طهارة جسده ممّا لعله أن يكون أصابه من رشاش ونحوه. انتهى
واستدل به بعض الحنفيّة على أنّ الزّوج لا يتولى غسل زوجته، لأنّ زوج ابنة النّبيّ ﷺ كان حاضراً. وأمر النّبيّ ﷺ النّسوة بغسل ابنته دون الزّوج.
стр. 1379
وتعقّب: بأنّه يتوقّف على صحّة دعوى أنّه كان حاضراً، وعلى تقدير تسليمه فيحتاج إلى ثبوت أنّه لَم يكن به مانع من ذلك ولا آثر النّسوة على نفسه.
وعلى تسليمه فغاية ما فيه أن يستدلّ به على أنّ النّسوة أولى منه لا على منعه من ذلك لو أراده. والله أعلم بالصّواب.
стр. 1380
الحديث السادس
١٦٥ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: بينما رجلٌ واقفٌ بعرفة , إذ وقع عن راحلته , فوقصته. أو قال: فأوقصته , فقال رسول الله ﷺ : اغسلوه بماءٍ وسدرٍ , وكفّنوه في ثوبين. ولا تُحنّطوه , ولا تُخمّروا رأسه. فإنّه يبعث يوم القيامة مُلبّياً. (١)
وفي روايةٍ: ولا تُخمّروا وجهه ولا رأسه. (٢)
قال المصنِّف: الوقص: كسر العنق.
قوله: (بينما رجلٌ) وللبخاري " كان رجلٌ واقفٌ مع النبي ﷺ بعرفة فوقع عن راحلته ". قوله " واقف " صفة لرجلٍ، وكان تامّة. أي: حصل رجل واقف.
ولَم أقف في شيء من طرق هذا الحديث على تسمية الْمُحرِم المذكور.
وقد وهِمَ بعض المتأخّرين , فزعم أنّ اسمه واقد بن عبد الله , وعزاه لابن قتيبة في ترجمة عمر من كتاب " المغازي ".
وسبب الوهم. أنّ ابن قتيبة لَمّا ذكر ترجمة عمر , ذكر أولاده ومنهم عبد الله بن عمر، ثمّ ذكر أولاد عبد الله بن عمر , فذكر فيهم واقد بن عبد الله بن عمر , فقال: وقع عن بعيره وهو محرِم فهلك، فظنّ هذا المتأخّر أنّ لواقد بن عبد الله بن عمر صحبةً , وأنّه صاحب القصّة
стр. 1381
التي وقعت في زمن النّبيّ ﷺ ، وليس كما ظنّ , فإنّ واقداً المذكور لا صحبة له , فإنّ أمّه صفيّة بنت أبي عبيد إنّما تزوّجها أبوه في خلافة أبيه عمر. واختلف في صحبتها، وذكرها العجليّ وغيره في التّابعين.
ووجدت في الصّحابة واقد بن عبد الله آخر , لكن لَم أر في شيء من الأخبار أنّه وقع عن بعيره فهلك، بل ذكر غير واحد منهم ابن سعد , أنّه مات في خلافة عمر، فبطل تفسير المبهم بأنّه واقد بن عبد الله من كلّ وجه.
قوله: (واقف) استدل به على إطلاق لفظ الواقف على الرّاكب. وكان وقوع المحرم المذكور عند الصّخرات من عرفة.
قوله: (بعرفة) وللبخاري من وجه آخر " ونحن مع النّبيّ ﷺ ".
قوله: (فوقصته، أو قال فأوقصته) وللبخاري " فأقصعته " شكّ من الرّاوي، والمعروف عند أهل اللّغة الأوّل , والذي بالهمز شاذّ.
والوقص كسر العنق، ويحتمل: أن يكون فاعل وقصته الوقعة , أو الرّاحلة بأن تكون أصابته بعد أن وقع والأوّل أظهر.
وقال الكرمانيّ: فوقصته. أي: راحلته فإن كان الكسر حصل بسبب الوقوع فهو مجاز، وإن حصل من الرّاحلة بعد الوقوع فحقيقة.
وقوله " فأقصعته " أي هشّمته , يقال: أقصع القملة إذا هشّمها، وقيل: هو خاصّ بكسر العظم، ولو سلم فلا مانع أن يستعار لكسر الرّقبة. وفي رواية مسلم بتقديم العين على الصّاد، والقعص القتل في الحال , ومنه قعاص الغنم وهو موتها.
стр. 1382
قوله: (اغسلوه بماءٍ وسدر) تقدم الكلام عليه مستوفي في الحديث قبله.
قوله: (وكفّنوه في ثوبين) أشار البخاري إلى أنّ الثّلاث في حديث عائشة ليست شرطاً في الصّحّة، وإنّما هو مستحبّ. وهو قول الجمهور.
واختلف فيما إذا شحّ بعض الورثة بالثّاني أو الثّالث، والمرجّح أنّه لا يلتفت إليه. وأمّا الواحد السّاتر لجميع البدن فلا بدّ منه بالاتّفاق.
واستدل به على إبدال ثياب المحرم , وليس بشيءٍ ففي الصحيحين بلفظ " في ثوبيه " وللنّسائيّ من طريق يونس بن نافع عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس " في ثوبيه اللذين أحرم فيهما ".
وقال المحبّ الطّبريّ: إنّما لَم يزده ثوباً ثالثاً تكرمة له كما في الشّهيد حيث قال " زمّلوهم بدمائهم ".
واستدل به على أنّ الإحرام لا ينقطع بالموت كما سيأتي، وعلى ترك النّيابة في الحجّ , لأنّه ﷺ لَم يأمر أحداً أن يكمل عن هذا المحرم أفعال الحجّ (١). وفيه نظرٌ لا يخفى.
وقال ابن بطّال: وفيه أنّ من شرع في عمل طاعة ثمّ حال بينه وبين
стр. 1383
إتمامه الموت رجي له أنّ الله يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل.
قوله: (ولا تحنّطوه) وهو من الحنوط بالمهملة والنون , وهو الطيب الذي يصنع للميت , وفي رواية لهما " ولا تمسوه بطيب " بضم أوله وكسر الميم من أمسّ , ثمّ علَّل بأنّه يبعث ملبّياً، فدلَّ على أنّ سبب النّهي أنّه كان محرماً، فإذا انتفت العلة انتفى النّهي.
وكأنّ الحنوط للميّت كان مقرّراً عندهم. وكذا قوله " لا تخمّروا رأسه " أي: لا تغطّوه.
قال البيهقيّ: فيه دليل على أنّ غير المحرم يحنّط كما يخمّر رأسه، وأنّ النّهي إنّما وقع لأجل الإحرام خلافاً لمَن قال من المالكيّة وغيرهم: إنّ الإحرام ينقطع بالموت فيصنع بالميّت ما يصنع بالحيّ.
قال ابن دقيق العيد: وهو مقتضى القياس، لكنّ الحديث بعد أن ثبت يقدّم على القياس.
وقد قال بعض المالكيّة: إثبات الحنوط في هذا الخبر بطريق المفهوم من منع الحنوط للمحرم، ولكنّها واقعة حال يتطرّق الاحتمال إلى منطوقها فلا يستدلّ بمفهومها.
وقال بعض الحنفيّة: هذا الحديث ليس عامّاً بلفظه , لأنّه في شخص معيّن، ولا بمعناه , لأنّه لَم يقل يبعث ملبّياً , لأنّه محرم فلا يتعدّى حكمه إلى غيره إلاَّ بدليلٍ منفصل.
وقال ابن بزيزة: وأجاب بعض أصحابنا عن هذا الحديث. بأنّ هذا مخصوص بذلك الرّجل لأنّ إخباره ﷺ بأنّه يبعث ملبّياً شهادة بأنّ
стр. 1384
حجّه قُبل، وذلك غير محقّق لغيره.
وتعقّبه ابن دقيق العيد: بأنّ هذه العلة إنّما ثبتت لأجل الإحرام فتعمّ كلّ محرم، وأمّا القبول وعدمه فأمر مغيّب.
واعتلَّ بعضهم: بقوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلاَّ ما سعى) وبقوله ﷺ : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاَّ من ثلاث (١). وليس هذا منها فينبغي أن ينقطع عمله بالموت.
وأجيب: بأنّ تكفينه في ثوبي إحرامه وتبقيته على هيئة إحرامه من عمل الحيّ بعده كغسله والصّلاة عليه فلا معنى لِمَا ذكروه.
وقال ابن المنير في الحاشية: وقد قال ﷺ في الشّهداء: زمّلوهم بدمائهم. مع قوله: والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله. فعمّم الحكم في الظّاهر بناء على ظاهر السّبب فينبغي أن يعمّم الحكم في كلّ محرم، وبين الْمُجاهد والْمُحرم جامع , لأنّ كلاً منهما في سبيل الله.
وقد اعتذر الدّاوديّ عن مالك , فقال: لَم يبلغه هذا الحديث.
وأورد بعضهم: أنّه لو كان إحرامه باقياً لوجب أن يكمل به المناسك. ولا قائل به.
وأجيب: بأنّ ذلك ورد على خلافه الأصل فيقتصر به على مورد النّصّ , ولا سيّما وقد وضح أنّ الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام كاستبقاء دم الشّهيد.
стр. 1385
قوله: (فإنّه يبعث يوم القيامة ملبّياً) أي: على هيئته التي مات عليها , ولمسلم " ملبداً " بدالٍ بدل التّحتانيّة، والتّلبيد جمع الشّعر بصمغٍ أو غيره ليخف شعثه، وكانت عادتهم في الإحرام أن يصنعوا ذلك.
وقد أنكر عياض هذه الرّواية , وقال: ليس للتّلبيد معنًى.
وللبخاري بلفظ " فإنه يبعث يهلّ " ورواه النّسائيّ بلفظ " فإنّه يبعث يوم القيامة محرماً " لكن ليس قوله ملبّداً فاسد المعنى , بل توجيهه ظاهر.
واستدل بذلك على بقاء إحرامه خلافاً للمالكيّة والحنفيّة.
وقد تمسّكوا من هذا الحديث بلفظةٍ اختلف في ثبوتها وهي قوله " ولا تخمّروا وجهه " فقالوا: لا يجوز للمحرم تغطية وجهه، مع أنّهم لا يقولون بظاهر هذا الحديث فيمن مات محرماً.
وأمّا الجمهور. فأخذوا بظاهر الحديث , وقالوا: إنّ في ثبوت ذكر الوجه مقالاً، وتردّد ابن المنذر في صحّته.
وقال البيهقيّ: ذِكْر الوجه غريبٌ , وهو وهم من بعض رواته.
وفي كلّ ذلك نظرٌ. فإنّ الحديث ظاهره الصّحّة , ولفظه عند مسلم من طريق إسرائيل عن منصور وأبي الزّبير كلاهما عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس فذكر الحديث. قال منصور: " ولا تغطّوا وجهه " , وقال أبو الزّبير: " ولا تكشفوا وجهه ".
وأخرجه النّسائيّ من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير
стр. 1386
بلفظ " ولا تخمّروا وجهه ولا رأسه ".
وأخرجه مسلم أيضاً من حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير بلفظ " ولا يمسّ طيباً خارج رأسه " قال شعبة: ثمّ حدّثني به بعد ذلك , فقال " خارج رأسه ووجهه " انتهى.
وهذه الرّواية تتعلق بالتّطيّب لا بالكشف والتّغطية، وشعبة أحفظ من كلّ من روى هذا الحديث، فلعل بعض رواته انتقل ذهنه من التّطيّب إلى التّغطية.
وقال أهل الظّاهر: يجوز للمحرم الحيّ تغطية وجهه , ولا يجوز للمحرم الذي يموت عملاً بالظّاهر في الموضعين.
وقال آخرون: هي واقعة عين لا عموم فيها , لأنّه علَّل ذلك بقوله " لأنّه يبعث يوم القيامة ملبّياً " وهذا الأمر لا يتحقّق وجوده في غيره فيكون خاصّاً بذلك الرّجل؛ ولو استمرّ بقاؤه على إحرامه لأَمر بقضاء مناسكه. وقد ترجم البخاري بنفي ذلك. (١)
وقال أبو الحسن بن القصّار: لو أريد تعميم الحكم في كلّ محرم لقال " فإنّ المحرم " كما جاء " أنّ الشّهيد يبعث وجرحه يثعب دماً ".
وأجيب: بأنّ الحديث ظاهر في أنّ العلة في الأمر المذكور كونه كان في النّسك وهي عامّة في كلّ محرم، والأصل أنّ كلّ ما ثبت لواحدٍ في زمن النّبيّ ﷺ ثبت لغيره حتّى يتّضح التّخصيص.
واختلف في الصّائم يموت. هل يبطل صومه بالموت حتّى يجب
стр. 1387
قضاء صوم ذلك اليوم عنه أو لا يبطل؟.
وقال النّوويّ: يتأوّل هذا الحديث على أنّ النّهي عن تغطية وجهه ليس لكون المحرم لا يجوز تغطية وجهه بل هو صيانة للرّأس، فإنّهم لو غطّوا وجهه لَم يؤمن أن يغطّي رأسه. انتهى.
وروى سعيد بن منصور من طريق عطاء قال: يغطّي المحرم من وجهه ما دون الحاجبين. أي من أعلى. وفي رواية: ما دون عينيه. وكأنّه أراد مزيد الاحتياط لكشف الرّأس. والله أعلم.
قال ابن المنذر: في حديث ابن عبّاس. إباحة غسل المحرم الحيّ بالسّدر خلافاً لمن كرهه له، وأنّ الوتر في الكفن ليس بشرطٍ في الصّحّة، وأنّ الكفن من رأس المال لأمره ﷺ بتكفينه في ثوبيه , ولَم يستفصل هل عليه دين يستغرق أم لا؟.
وفيه استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأنّ إحرامه باقٍ، وأنّه لا يكفّن في المخيط. وفيه التّعليل بالفاء لقوله فإنّه.
وفيه التّكفين في الثّياب الملبوسة، وفيه استحباب دوام التّلبية إلى أن ينتهي الإحرام وأنّها لا تنقطع بالتّوجّه لعرفة، وأنّ الإحرام يتعلق بالرّأس لا بالوجه.
وتقدّم الكلام على ما وقع في مسلم بلفظ " ولا تخمّروا وجهه ".
وأغرب القرطبيّ. فحكى عن الشّافعيّ: أنّ المحرم لا يُصلَّى عليه، وليس ذلك بمعروفٍ عنه.، وفيه جواز غسل المحرم بالسّدر ونحوه ممّا لا يعدّ طيباً.
стр. 1388
وحكى المزنيّ عن الشّافعيّ. أنّه استدل على جواز قطع سدر الحرم بهذا الحديث لقوله فيه " واغسلوه بماءٍ وسدر " والله أعلم.
فائدةٌ: يحتمل: اقتصاره له على التّكفين في ثوبيه لكونه مات فيهما , وهو متلبّس بتلك العبادة الفاضلة.
ويحتمل: أنّه لَم يجد له غيرهما.
стр. 1389
الحديث السابع
١٦٦ - عن أمّ عطيّة الأنصاريّة ﵂ , قالت: نُهينا عن اتّباع الجنائز , ولَم يعزم علينا. (١)
قوله: (نُهينا) في رواية لهما " كنّا نُنهى عن اتّباع الجنائز ".
ورواه يزيد بن أبي حكيم عن الثّوريّ بإسناد البخاري (٢) بلفظ " نهانا رسول الله ﷺ . أخرجه الإسماعيليّ بإسناد صحيح.
وفيه ردٌّ على مَن قال: لا حجّة في هذا الحديث , لأنّه لَم يُسمّ النّاهي فيه لِمَا رواه الشّيخان وغيرهما , أنّ كلّ ما ورد بهذه الصّيغة كان مرفوعاً , وهو الأصحّ عند غيرهما من المحدّثين.
ويؤيّد رواية الإسماعيليّ. ما رواه الطّبرانيّ من طريق إسماعيل بن عبد الرّحمن بن عطيّة عن جدّته أمّ عطيّة. قالت: لَمّا دخل رسول الله ﷺ المدينة جَمَع النّساء في بيت , ثمّ بعث إلينا عمر فقال: إنّي رسولُ رسولِ الله إليكنّ، بعثني إليكنّ. لأُبايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئاً. الحديث، وفي آخره " وأمرنا أن نخرج في العيد العواتق، ونهانا أن نخرج في جنازة.
стр. 1390
وهذا يدلّ على أنّ رواية أمّ عطيّة الأولى من مرسل الصّحابة.
قوله: (ولَم يُعزم علينا) أي: ولَم يؤكّد علينا في المنع كما أكّد علينا في غيره من المنهيّات، فكأنّها قالت: كره لنا اتّباع الجنائز من غير تحريم.
وقال القرطبيّ: ظاهر سياق أمّ عطيّة أنّ النّهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم. ومال مالك إلى الجواز , وهو قول أهل المدينة.
ويدلّ على الجواز. ما رواه ابن أبي شيبة من طريق محمّد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة , أنّ رسول الله ﷺ كان في جنازة , فرأى عمر امرأة فصاح بها , فقال: دعها يا عمر. الحديث. وأخرجه ابن ماجه والنّسائيّ من هذا الوجه، ومن طريق أخرى عن محمّد بن عمرو بن عطاء عن سلمة بن الأزرق عن أبي هريرة. ورجاله ثقات.
وقال المُهلَّب: في حديث أمّ عطيّة دلالة على أنّ النّهي من الشّارع على درجات.
وقال الدّاوديّ: قولها " نهينا عن اتّباع الجنائز " أي: إلى أن نصل إلى القبور، وقوله " ولَم يعزم علينا " أي: أن لا نأتي أهل الميّت فنعزّيهم ونترحّم على ميّتهم من غير أن نتّبع جنازته. انتهى.
وفي أخْذِ هذا التّفصيل من هذا السّياق. نظرٌ.
نعم: هو في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص , أنّ النّبيّ ﷺ رأى فاطمة مقبلة فقال: مِن أين جئتِ؟ فقالت: رحّمت على أهل هذا الميّت ميّتهم. فقال: لعلك بلغت معهم الكُدى؟ قالت: لا. الحديث.
стр. 1391
أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما.
فأنكر عليها بلوغ الكدى، وهو بالضّمّ وتخفيف الدّال المقصورة. وهي المقابر، ولَم ينكر عليها التّعزية.
وقال المحبّ الطّبريّ: يحتمل أن يكون المراد بقولها " ولَم يعزم علينا " أي: كما عزم على الرّجال بترغيبهم في اتّباعها بحصول القيراط ونحو ذلك.
والأوّل أظهر. والله أعلم.
تكميل: أخرج مسلم من حديث بريدة , وفيه نسخ النهي عن زيارة القبور. ولفظه " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها " , وزاد أبو داود والنسائي من حديث أنس " فإنها تذكر الآخرة ".
وللحاكم من حديثه فيه " وترق القلب وتدمع العين، فلا تقولوا هُجْرا " أي: كلاماً فاحشاً، وهو بضم الهاء وسكون الجيم.
وله من حديث ابن مسعود " فإنها تزهد في الدنيا " , ولمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا: زوروا القبور فإنها تذكر الموت.
قال النووي تبعاً للعبدري والحازمي وغيرهما: اتفقوا على أنَّ زيارة القبور للرجال جائزة.
كذا أطلقوا، وفيه نظرٌ , لأنَّ ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشعبي الكراهة مطلقاً , حتى قال الشعبي: لولا نهي النبي ﷺ لزرت قبر ابنتي. فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقرَّ عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لَم يبلغهم الناسخ. والله
стр. 1392
أعلم.
ومقابل هذا قول ابن حزم: إنَّ زيارة القبور واجبةٌ. ولو مرة واحدة في العمر , لورود الأمر به.
واختلف في النساء. فقيل: دخلن في عموم الإذن وهو قول الأكثر، ومحله ما إذا أمنت الفتنة.
ويؤيد الجواز حديث أنس بن مالك ﵁، قال: مرَّ النبي ﷺ بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال: اتقي الله واصبري. (١)
، وموضع الدلالة منه أنه ﷺ لَم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة.
وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة. فروى الحاكم من طريق ابن أبي مُلَيْكة , أنه رآها زارت قبر أخيها عبد الرحمن , فقيل لها: أليس قد نهى النبي ﷺ عن ذلك؟ قالت: نعم، كان نهى ثم أمر بزيارتها.
وقيل: الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء زيارة القبور، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ". واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو الذي تقدم. وبحديث " لعن الله زوَّارات القبور " أخرجه الترمذي وصححه من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث ابن عباس ومن حديث حسان بن ثابت.
واختلف مَن قال بالكراهة في حقهنَّ. هل هي كراهة تحريم أو
стр. 1393
تنزيه؟.
قال القرطبي: هذا اللعن. إنما هو للمكثرات من الزيارة لِمَا تقتضيه الصفة من المبالغة، ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج , وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك، فقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن , لأنَّ تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء.
قال الزين بن المنير: فصَلَ البخاريُّ بين هذه الترجمة (باب اتباع النساء الجنازة) وبين (فضل اتباع الجنائز) بتراجِم كثيرة تُشعر بالتفرقة بين النساء والرجال، وأن الفضل الثابت في ذلك يختص بالرجال دون النساء , لأنَّ النهي يقتضي التحريم أو الكراهة، والفضل يدل على الاستحباب، ولا يجتمعان.
وأطلق الحكم هنا لِما يتطرق إليه من الاحتمال، ومن ثم اختلف العلماء في ذلك. ولا يخفى أنَّ محلَّ النزاع إنما هو حيث تؤمن المفسدة.
стр. 1394
الحديث الثامن
١٦٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ , قال: أسرعوا بالجنازة فإنّها إنْ تك صالِحةً , فخيرٌ تقدّمونها إليه. وإن تك سوى ذلك , فشرٌّ تضعونه عن رقابكم. (١)
قوله: (أسرعوا) نقل ابن قدامة. أنّ الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء. وشذّ ابن حزم. فقال بوجوبه.
والمراد بالإسراع شدّة المشي , وعلى ذلك حمله بعض السّلف وهو قول الحنفيّة.
قال صاحب الهداية: ويمشون بها مسرعين دون الخبب.
وفي المبسوط: ليس فيه شيء مؤقّت، غير أنّ العجلة أحبّ إلى أبي حنيفة، وعن الشّافعيّ والجمهور المراد بالإسراع ما فوق سجيّة المشي المعتاد، ويكره الإسراع الشّديد.
ومال عياض إلى نفي الخلاف , فقال: من استحبّه أراد الزّيادة على المشي المعتاد، ومن كرهه أراد الإفراط فيه كالرّمل.
والحاصل أنّه يستحبّ الإسراع لكن بحيث لا ينتهي إلى شدّة يخاف معها حدوث مفسدة بالميّت أو مشقّة على الحامل أو المشيّع , لئلا ينافي
стр. 1395
المقصود من النّظافة وإدخال المشقّة على المسلم.
قال القرطبيّ: مقصود الحديث أن لا يتباطأ بالميّت عن الدّفن، ولأنّ التّباطؤ ربّما أدّى إلى التّباهي والاختيال.
قوله: (بالجنازة) أي: بحملها إلى قبرها، وقيل: المعنى بتجهيزها، فهو أعمّ من الأوّل. قال القرطبيّ: والأوّل أظهر.
وقال النّوويّ: الثّاني باطل مردود بقوله في الحديث " تضعونه عن رقابكم ".
وتعقّبه الفاكهيّ: بأنّ الحمل على الرّقاب قد يعبّر به عن المعاني , كما تقول: حمل فلان على رقبته ذنوباً، فيكون المعنى استريحوا من نظر من لا خير فيه، قال: ويؤيّده أنّ الكلّ لا يحملونه. انتهى.
ويؤيّده حديث ابن عمر , سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره. أخرجه الطّبرانيّ بإسنادٍ حسن.
ولأبي داود من حديث حصين بن وحوح مرفوعاً: لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله. الحديث
قوله: (فإن تك صالحة) أي: الجثّة المحمولة.
قال الطّيبيّ: جعلت الجنازة عين الميّت، وجعلت الجنازة التي هي مكان الميّت مقدّمة إلى الخير الذي كنّي به عن عمله الصّالح.
قوله: (فخير) هو خبر مبتدأ محذوف أي فهو خير، أو مبتدأ خبره محذوف أي: فلها خير، أو فهناك خير، ويؤيّده رواية مسلم بلفظ
стр. 1396
" قرّبتموها إلى الخير ".
ويأتي في قوله بعد ذلك " فشرّ " نظير ذلك.
قوله: (تقدّمونها إليه) الضّمير راجع إلى الخير باعتبار الثّواب.
قال ابن مالك: روي " تقدّمونه إليها " فأنّث الضّمير على تأويل الخير بالرّحمة أو الحسنى.
قوله: (تضعونه عن رقابكم) استدل به على أنّ حمل الجنازة يختصّ بالرّجال للإتيان فيه بضمير المذكّر , ولا يخفى ما فيه.
وفيه استحباب المبادرة إلى دفن الميّت، لكن بعد أن يتحقّق أنّه مات، أمّا مثل المطعون والمفلوج والمسبوت فينبغي أن لا يسرع بدفنهم حتّى يمضي يوم وليلة ليتحقّق موتهم، نبّه على ذلك ابن بزيزة.
ويؤخذ من الحديث ترك صحبة أهل البطالة وغير الصّالحين.
تكملة: اختلف في المشي مع الجنازة.
القول الأول: التخيير. وهو قول الثّوريّ , وبه قال ابن حزم. لكن قيّده بالماشي اتّباعاً , لِمَا أخرج أصحاب السّنن وصحّحه ابن حبّان والحاكم من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعاً: الرّاكب خلف الجنازة , والماشي حيث شاء منها.
القول الثاني: عن النّخعيّ. أنّه إن كان في الجنازة نساء مشى أمامها وإلا فخلفها.
وفي المسألة مذهبان آخران مشهوران:
فالجمهور على أنّ المشي أمامها أفضل، وفيه حديث لابن عمر
стр. 1397
أخرجه أصحاب السّنن. ورجاله رجال الصّحيح , إلاَّ أنّه اختلف في وصله وإرساله (١).
ويعارضه ما رواه سعيد بن منصور وغيره من طريق عبد الرّحمن بن أبزى عن عليّ قال: المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ.
إسناده حسن، وهو موقوف له حكم المرفوع، لكن حكى الأثرم عن أحمد أنّه تكلم في إسناده، وهو قول الأوزاعيّ وأبي حنيفة ومن تبعهما.
стр. 1398
الحديث التاسع
١٦٨ - عن سمرة بن جندبٍ ﵁ , قال: صليتُ وراء النّبيّ ﷺ على امرأةٍ ماتت في نفاسها , فقام في وسَطها. (١)
قوله: (عن سمرة بن جندبٍ ﵁) الفزاري. (٢)
قوله: (على امرأةٍ) هي أمّ كعب , سَمّاها مسلم في روايته من طريق عبد الوارث عن حسين المعلم، وذكر أبو نعيمٍ في الصّحابة , أنّها أنصاريّة.
قوله: (ماتت في نفاسها) أي في مدّة نفاسها. أو بسبب نفاسها.
والأوّل: أعمّ من جهة أنّه يدخل فيه من ماتت منه أو من غيره.
стр. 1399
والثّاني: أليق بخبر الباب , فإنّ في بعض طرقه أنّها ماتت حاملاً , ففي رواية للبخاري " مات في بطنٍ " (١) أي: بسبب بطنٍ. يعني: الحمل، وهو نظير قوله " عذّبت امرأة في هرّة "
قوله: (فقام في وسطها) بفتح السّين في روايتنا، وكذا ضبطه ابن التّين، وضبطه غيره بالسّكون، وللكشميهنيّ " فقام عند وسطها ".
وفيه مشروعيّة الصّلاة على المرأة، فإنّ كونها نفساء وصف غير معتبر.
وأمّا كونها امرأة.
فيحتمل: أن يكون معتبراً , فإنّ القيام عليها عند وسطها لسترها، وذلك مطلوب في حقّها؛ بخلاف الرّجل.
ويحتمل: أن لا يكون معتبراً , وأنّ ذلك كان قبل اتّخاذ النّعش للنّساء، فأمّا بعد اتّخاذه فقد حصل السّتر المطلوب , ولهذا أورد البخاري التّرجمة مورد السّؤال (٢).
وأراد عدم التّفرقة بين الرّجل والمرأة، وأشار إلى تضعيف ما رواه أبو داود والتّرمذيّ من طريق أبي غالب عن أنس بن مالك , أنّه صلَّى على رجلٍ فقام عند رأسه، وصلَّى على امرأة فقام عند عجيزتها، فقال
стр. 1400
له العلاء بن زياد: أهكذا كان رسول الله ﷺ يفعل؟ قال: نعم. (١)
وحكى ابن رشيد عن ابن المرابط , أنّه أبدى لكونها نفساء عِلَّة مناسبة , وهي استقبال جنينها ليناله من بركة الدّعاء.
وتعقّب: بأنّ الجنين كعضوٍ منها، ثمّ هو لا يُصلَّى عليه إذا انفرد وكان سقطاً (٢) فأحرى إذا كان باقياً في بطنها أن لا يقصد. والله أعلم.
стр. 1401
تنْبيه: روى حمّاد بن زيد عن عطاء بن السّائب , أنّ عبد الله بن معقل بن مقرّن أتي بجنازة رجلٍ وامرأةٍ , فصلَّى على الرّجل , ثمّ صلَّى على المرأة. أخرجه ابن شاهين في الجنائز له، وهو مقطوع. فإنّ عبد الله تابعيّ.
تكميل: قال ابن عبد البر: لم يقل أحدٌ أنه لا يُصلَّى على ولد الزنا إلا قتادة وحده , واختلف في الصلاة على الصبي.
فقال سعيد بن جبير: لا يُصلَّى عليه حتى يبلغ.
وقيل: حتى يُصلِّي.
وقال الجمهور: يُصلَّى عليه حتى السقط إذا استهل.
стр. 1402
الحديث العاشر
١٦٩ - عن أبي موسى عبد الله بن قيسٍ ﵁: أنّ رسول الله ﷺ بَرِيءٌ من الصّالقة والحالقة والشّاقّة. (١)
قال المصنِّف: الصالقة التي ترفع صوتها عند الْمُصيبة.
قوله: (عن أبي موسى عبد الله بن قيسٍ) ولمسلم عن أبي بردة بن أبي موسى قال: وجع أبو موسى وجعاً فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً، فلمَّا أفاق , قال: أنا بريء مما برئ منه رسول الله ﷺ , فإنَّ رسول الله ﷺ بَرئَ من الصالقة، والحالقة، والشاقة.
ولمسلم من وجه آخر من طريق أبي صخرة عن أبي بردة وغيره , قالوا: أُغمي على أبي موسى فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة. الحديث.
وللنّسائيّ من طريق يزيد بن أوس عن أمّ عبد الله امرأة أبي موسى عن أبي موسى. فذكر الحديث دون القصّة، ولأبي نعيم في " المستخرج " على مسلم من طريق ربعيّ قال: أغمي على أبي موسى ,
стр. 1403
فصاحت امرأته بنت أبي دومة.
فحصَّلنا على أنّها أمّ عبد الله بنت أبي دومة.
وأفاد عمر بن شبّة في " تاريخ البصرة " , أنّ اسمها صفيّة بنت دمون , وأنّها والدة أبي بردة بن أبي موسى , وأنّ ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميراً على البصرة من قِبَل عمر بن الخطّاب ﵁
قوله: (الصّالقة) بالصّاد المهملة والقاف , أي: التي ترفع صوتها بالبكاء، ويقال فيه بالسّين المهملة بدل الصّاد , ومنه قوله تعالى (سلقوكم بألسنةٍ حداد).
وعن ابن الأعرابيّ: الصّلق ضرب الوجه حكاه صاحب المحكم. والأوّل أشهر.
قوله: (الحالقة) التي تحلق رأسها عند المصيبة.
قوله: (الشّاقّة) التي تشقّ ثوبها، وفي لفظ لمسلم " أنا بريء ممّن حلق وسلق وخرق " أي: حلق شعره وسلق صوته - أي رفعه - وخرق ثوبه.
وسيأتي الكلام على المراد بهذه البراءة في حديث ابن مسعود. (١)
стр. 1404
الحديث الحادي عشر
١٧٠ - عن عائشة ﵂ قالت: لَمّا اشتكى النّبيّ ﷺ ذكر بعض نسائه كنيسةً رأينها بأرض الحبشة , يقال لها: مارية - وكانت أمّ سلمة وأمّ حبيبة أتتا أرض الحبشة - فذكرتا من حُسنها وتصاوير فيها , فرفع رأسه ﷺ , وقال: أولئك إذا مات فيهم الرّجل الصّالح بنوا على قبره مسجداً , ثمّ صوّروا فيه تلك الصّور , أولئك شرار الخلق عند الله. (١)
قوله: (لَمّا اشتكى النّبيّ ﷺ ) وللبخاري من طريق هلال عن عروة عنها قالت: قال في مرضه الذي مات فيه. (٢) ولمسلمٍ من حديث جندب , أنّه ﷺ قال نحو ذلك قبل أن يتوفّى بخمسٍ , وزاد فيه " فلا تتّخذوا القبور مساجد , فإنّي أنهاكم عن ذلك ".
وفائدة التّنصيص على زمن النّهي , الإشارة إلى أنّه من الأمر المحكم الذي لَم ينسخ لكونه صدر في آخر حياته ﷺ .
قوله: (رأينها) أي: هما ومن كان مهعما
قوله: (مارية) بكسر الراء وتخفيف الياء التحتانيّة.
قوله: (وكانت أمّ سلمة) أي: رملة بنت أبي سفيان الأمويّة
стр. 1405
قوله: (وأمّ حبيبة) أي: هند بنت أبي أُميَّة المخزوميّة , وهما من أزواج النّبيّ ﷺ , وكانتا ممّن هاجر إلى الحبشة.
قوله: (أتتا أرض الحبشة) كانت أمّ سلمة قد هاجرت في الهجرة الأولى إلى الحبشة مع زوجها أبي سلمة بن عبد الأسد.
وهاجرت أمّ حبيبة وهي بنت أبي سفيان في الهجرة الثّانية مع زوجها عبيد الله بن جحش فمات هناك، ويقال: إنّه قد تنصّر، وتزوّجها النّبيّ ﷺ بعده.
وذكر أهل السّير. أنّ الأُولى كانت في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، وأنّ أوّل من هاجر منهم أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وقيل: وامرأتان، وقيل: كانوا اثني عشر رجلاً وقيل: عشرة، وأنّهم خرجوا مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار.
وذكر ابن إسحاق. أنّ السّبب في ذلك أنّ النّبيّ ﷺ قال لأصحابه لَمّا رأى المشركين يؤذونهم ولا يستطيع أن يكفّهم عنهم: إنّ بالحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحدٌ، فلو خرجتم إليه حتّى يجعل الله لكم فرجاً، فكان أوّل من خرج منهم عثمان بن عفّان ومعه زوجته رقيّة بنت رسول الله ﷺ .
وأخرج يعقوب بن سفيان بسندٍ موصول إلى أنس قال: أبطأ على رسول الله ﷺ خبرهما، فقدِمت امرأة , فقالت له: لقد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال: صحبهما الله، إنّ عثمان لأوّل من هاجر بأهله بعد لوط.