← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

تنْبيه: روى حمّاد بن زيد عن عطاء بن السّائب , أنّ عبد الله بن معقل بن مقرّن أتي بجنازة رجلٍ وامرأةٍ , فصلَّى على الرّجل , ثمّ صلَّى على المرأة. أخرجه ابن شاهين في الجنائز له، وهو مقطوع. فإنّ عبد الله تابعيّ. تكميل: قال ابن عبد البر: لم يقل أحدٌ أنه لا يُصلَّى على ولد الزنا إلا قتادة وحده , واختلف في الصلاة على الصبي. فقال سعيد بن جبير: لا يُصلَّى عليه حتى يبلغ. وقيل: حتى يُصلِّي. وقال الجمهور: يُصلَّى عليه حتى السقط إذا استهل.

стр. 1402

الحديث العاشر ١٦٩ - عن أبي موسى عبد الله بن قيسٍ ﵁: أنّ رسول الله ﷺ بَرِيءٌ من الصّالقة والحالقة والشّاقّة. (١) قال المصنِّف: الصالقة التي ترفع صوتها عند الْمُصيبة. قوله: (عن أبي موسى عبد الله بن قيسٍ) ولمسلم عن أبي بردة بن أبي موسى قال: وجع أبو موسى وجعاً فغشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً، فلمَّا أفاق , قال: أنا بريء مما برئ منه رسول الله ﷺ , فإنَّ رسول الله ﷺ بَرئَ من الصالقة، والحالقة، والشاقة. ولمسلم من وجه آخر من طريق أبي صخرة عن أبي بردة وغيره , قالوا: أُغمي على أبي موسى فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة. الحديث. وللنّسائيّ من طريق يزيد بن أوس عن أمّ عبد الله امرأة أبي موسى عن أبي موسى. فذكر الحديث دون القصّة، ولأبي نعيم في " المستخرج " على مسلم من طريق ربعيّ قال: أغمي على أبي موسى ,

стр. 1403

فصاحت امرأته بنت أبي دومة. فحصَّلنا على أنّها أمّ عبد الله بنت أبي دومة. وأفاد عمر بن شبّة في " تاريخ البصرة " , أنّ اسمها صفيّة بنت دمون , وأنّها والدة أبي بردة بن أبي موسى , وأنّ ذلك وقع حيث كان أبو موسى أميراً على البصرة من قِبَل عمر بن الخطّاب ﵁ قوله: (الصّالقة) بالصّاد المهملة والقاف , أي: التي ترفع صوتها بالبكاء، ويقال فيه بالسّين المهملة بدل الصّاد , ومنه قوله تعالى (سلقوكم بألسنةٍ حداد). وعن ابن الأعرابيّ: الصّلق ضرب الوجه حكاه صاحب المحكم. والأوّل أشهر. قوله: (الحالقة) التي تحلق رأسها عند المصيبة. قوله: (الشّاقّة) التي تشقّ ثوبها، وفي لفظ لمسلم " أنا بريء ممّن حلق وسلق وخرق " أي: حلق شعره وسلق صوته - أي رفعه - وخرق ثوبه. وسيأتي الكلام على المراد بهذه البراءة في حديث ابن مسعود. (١)

стр. 1404

الحديث الحادي عشر ١٧٠ - عن عائشة ﵂ قالت: لَمّا اشتكى النّبيّ ﷺ ذكر بعض نسائه كنيسةً رأينها بأرض الحبشة , يقال لها: مارية - وكانت أمّ سلمة وأمّ حبيبة أتتا أرض الحبشة - فذكرتا من حُسنها وتصاوير فيها , فرفع رأسه ﷺ , وقال: أولئك إذا مات فيهم الرّجل الصّالح بنوا على قبره مسجداً , ثمّ صوّروا فيه تلك الصّور , أولئك شرار الخلق عند الله. (١) قوله: (لَمّا اشتكى النّبيّ ﷺ ) وللبخاري من طريق هلال عن عروة عنها قالت: قال في مرضه الذي مات فيه. (٢) ولمسلمٍ من حديث جندب , أنّه ﷺ قال نحو ذلك قبل أن يتوفّى بخمسٍ , وزاد فيه " فلا تتّخذوا القبور مساجد , فإنّي أنهاكم عن ذلك ". وفائدة التّنصيص على زمن النّهي , الإشارة إلى أنّه من الأمر المحكم الذي لَم ينسخ لكونه صدر في آخر حياته ﷺ . قوله: (رأينها) أي: هما ومن كان مهعما قوله: (مارية) بكسر الراء وتخفيف الياء التحتانيّة. قوله: (وكانت أمّ سلمة) أي: رملة بنت أبي سفيان الأمويّة

стр. 1405

قوله: (وأمّ حبيبة) أي: هند بنت أبي أُميَّة المخزوميّة , وهما من أزواج النّبيّ ﷺ , وكانتا ممّن هاجر إلى الحبشة. قوله: (أتتا أرض الحبشة) كانت أمّ سلمة قد هاجرت في الهجرة الأولى إلى الحبشة مع زوجها أبي سلمة بن عبد الأسد. وهاجرت أمّ حبيبة وهي بنت أبي سفيان في الهجرة الثّانية مع زوجها عبيد الله بن جحش فمات هناك، ويقال: إنّه قد تنصّر، وتزوّجها النّبيّ ﷺ بعده. وذكر أهل السّير. أنّ الأُولى كانت في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، وأنّ أوّل من هاجر منهم أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وقيل: وامرأتان، وقيل: كانوا اثني عشر رجلاً وقيل: عشرة، وأنّهم خرجوا مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار. وذكر ابن إسحاق. أنّ السّبب في ذلك أنّ النّبيّ ﷺ قال لأصحابه لَمّا رأى المشركين يؤذونهم ولا يستطيع أن يكفّهم عنهم: إنّ بالحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحدٌ، فلو خرجتم إليه حتّى يجعل الله لكم فرجاً، فكان أوّل من خرج منهم عثمان بن عفّان ومعه زوجته رقيّة بنت رسول الله ﷺ . وأخرج يعقوب بن سفيان بسندٍ موصول إلى أنس قال: أبطأ على رسول الله ﷺ خبرهما، فقدِمت امرأة , فقالت له: لقد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال: صحبهما الله، إنّ عثمان لأوّل من هاجر بأهله بعد لوط.

стр. 1406

وذكر ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أهل السّير , أنّ المسلمين بلغهم , وهم بأرض الحبشة أنّ أهل مكّة أسلموا، فرجع ناس منهم عثمان بن مظعون إلى مكّة فلم يجدوا ما أخبروا به من ذلك صحيحاً، فرجعوا، وسار معهم جماعة إلى الحبشة، وهي الهجرة الثّانية. وسرد ابن إسحاق أسماء أهل الهجرة الثّانية , وهم زيادة على ثمانين رجلاً. وقال ابن جرير الطّبريّ: كانوا اثنين وثمانين رجلاً سوى نسائهم وأبنائهم، وشكّ في عمّار بن ياسر هل كان فيهم , وبه تتكمّل العدّة ثلاثة وثمانين، وقيل: إنّ عدّة نسائهم كانت ثماني عشرة امرأة. قوله: (إنّ أولئك) بكسر الكاف , ويجوز فتحها. قوله: (فمات) عطف على قوله " كان " وقوله " بنوا " جواب " إذا ". قوله: (بنوا على قبره مسجداً) فيه إشارة إلى نهي المسلم عن أن يُصلِّي في الكنيسة فيتّخذها بصلاته مسجداً. والله أعلم. قوله: (ثم صوّروا فيه تلك الصّور) الصور بضم المهملة وفتح الواو جمع صورة، وحكي: سكون الواو في الجمع أيضا. وللبخاري " تيك الصّور " بالياء التّحتانيّة بدل اللام، وفي الكاف. فيها وفي أولئك , ما في أولئك الماضية. وإنّما فعل ذلك أوائلهم ليتأنّسوا برؤية تلك الصّور , ويتذكّروا

стр. 1407

أحوالهم الصّالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ثمّ خلف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم , ووسوس لهم الشّيطان أنّ أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصّور ويعظّمونها فعبدوها، فحذّر النّبيّ ﷺ عن مثل ذلك سدّاً للذّريعة المؤدّية إلى ذلك. وفي الحديث دليل على تحريم التّصوير، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزّمان لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأمّا الآن فلا. وقد أطنب ابن دقيق العيد في ردّ ذلك (١) وقال البيضاويّ: لَمّا كانت اليهود والنّصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم , ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصّلاة نحوها واتّخذوها أوثاناً , لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك، فأمّا من اتّخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التّبرّك بالقرب منه لا التّعظيم له ولا التّوجّه نحوه. فلا يدخل في ذلك الوعيد (٢).

стр. 1408

وقد يقول بالمنع مطلقاً من يرى سدّ الذّريعة , وهو هنا متّجه قويّ (١). وفي الحديث جواز حكاية ما يشاهده المؤمن من العجائب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به، وذمّ فاعل المحرّمات، وأنّ الاعتبار في الأحكام بالشّرع لا بالعقل. وفيه كراهية الصّلاة في المقابر سواء كانت بجنب القبر أو عليه أو إليه، وفي ذلك حديثٌ رواه مسلم من طريق أبي مرثد الغنويّ مرفوعاً " لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها أو عليها " قوله: (أولئك شرار الخلق عند الله) يشعر بأنه لو كان ذلك جائزاً في ذلك الشرع ما أطلق عليه ﷺ أنَّ الذي فعله شر الخلق , فدلَّ على أنَّ فعل صور الحيوان (٢) فعل محدث أحدثه عباد الصور. والله أعلم

стр. 1409

الحديث الثاني عشر ١٧١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لَم يقم منه: لعن الله اليهود والنّصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قالت: ولولا ذلك أبرز قبره , غير أنّه خشي أن يتّخذ مسجداً. (١) قوله: (في مرضه الذي لَم يقم منه) وللبخاري " في مرضه الذي مات فيه " ولهما من رواية عبيد الله بن عبد الله عن عائشة وابن عباس: لَمَّا نُزل برسول الله ﷺ ، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: لعنة الله .. ". قوله " فقال وهو كذلك " أي: في تلك الحال، ويحتمل: أن يكون ذلك في الوقت الذي ذكرتْ فيه أمّ سلمة وأمّ حبيبة أمرَ الكنيسة التي رأتاها بأرض الحبشة، وكأنّه ﷺ علم أنّه مرتحل من ذلك المرض فخاف أن يُعظّم قبره كما فعل من مضى , فلعن اليهود والنّصارى. إشارة إلى ذمّ من يفعل فعلهم. قوله: (لعن الله) الوعيد على ذلك يتناول من اتّخذ قبورهم مساجد تعظيماً ومغالاةً كما صنع أهل الجاهليّة وجرّهم ذلك إلى

стр. 1410

عبادتهم، ويتناول من اتّخذ أمكنة قبورهم مساجد بأن تنبش وترمى عظامهم، فهذا يختصّ بالأنبياء ويلتحق بهم أتباعهم. وأمّا الكفرة. فإنّه لا حرج في نبش قبورهم، إذ لا حرج في إهانتهم. ولا يلزم من اتّخاذ المساجد في أمكنتها تعظيم، فعرف بذلك أن لا تعارض بين فعله ﷺ في نبش قبور المشركين واتّخاذ مسجده مكانها (١) , وبين لعنه ﷺ من اتّخذ قبور الأنبياء مساجد لِمَا تبيّن من الفرق. تكميل: قال ابن بطال: لَم أجد في نبش قبور المشركين لتُتخذ مسجداً نصاً عن أحد من العلماء، نعم اختلفوا. هل تُنبش بطلب المال؟. فأجازه الجمهور. ومنعه الأوزاعي، وهذا الحديث حجة للجواز، لأنَّ المشرك لا حرمة له حيا ولا ميتاً. قوله: (اليهود والنصارى) وقد استُشكل ذكر النّصارى فيه؛ لأنّ اليهود لهم أنبياء بخلاف النّصارى. فليس بين عيسى وبين نبيّنا ﷺ نبيّ غيره. وليس له قبر. الجواب الأول: أنّه كان فيهم أنبياء أيضاً , لكنّهم غير مرسلين كالحواريّين ومريم في قولٍ.

стр. 1411

الجواب الثاني: الجمع في قوله " أنبيائهم " بإزاء المجموع من اليهود والنّصارى، والمراد الأنبياء وكبار أتباعهم فاكتفى بذكر الأنبياء. ويؤيّده قوله في رواية مسلم من طريق جندب " كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد " , ولهذا لَمّا أفرد النّصارى في الحديث الذي قبله قال " إذا مات فيهم الرّجل الصّالح " ولَمَّا أفرد اليهود في الحديث الذي بعده قال " قبور أنبيائهم ". الجواب الثالث: المراد بالاتّخاذ: أعمّ من أن يكون ابتداعاً أو اتّباعاً، فاليهود ابتدعت والنّصارى اتّبعت، ولا ريب أنّ النّصارى تعظّم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظّمهم اليهود. وقوله: (اتّخذوا) جملة مستأنفة على سبيل البيان لموجب اللعن، كأنّه قيل ما سبب لعنهم؟. فأجيب بقوله " اتّخذوا " قوله: (لأُبرز قبره) أي لكشف قبر النّبيّ ﷺ ولَم يُتّخذ عليه الحائل، والمراد الدّفن خارج بيته. وهذا قالته عائشة قبل أن يوسّع المسجد النّبويّ، ولهذا لَمّا وسّع المسجد جُعلت حجرتُها مثلثة الشّكل محدّدة حتّى لا يتأتّى لأحدٍ أن يُصلِّي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة. (١)

стр. 1412

قوله: (غير أنّه خشي) بالضّمّ لا غير , وللبخاري " غير أنّه خشي أو خشي " على الشّكّ. هل هو بفتح الخاء المعجمة أو ضمّها؟. وللبخاري " غير أنّي أخشى " فهذه الرواية تقتضي أنّها هي التي امتنعت من إبرازه، ورواية الضّمّ مبهمة يمكن أن تفسّر بهذه، والهاء ضمير الشّأن , وكأنّها أرادت نفسها ومن وافقها على ذلك، وذلك يقتضي أنّهم فعلوه باجتهادٍ، بخلاف رواية الفتح فإنّها تقتضي أنّ النّبيّ ﷺ هو الذي أمرهم بذلك. قال الكرمانيّ: مفاد الحديث منع اتّخاذ القبر مسجداً، ومدلول التّرجمة (١) اتّخاذ المسجد على القبر، ومفهومهما متغاير، ويجاب بأنّهما

стр. 1413

متلازمان وإن تغاير المفهوم. الحديث الثالث عشر ١٧٢ - عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ عن النّبيّ ﷺ , أنّه قال: ليس منّا من ضرب الخدود , وشقّ الجيوب , ودعا بدعوى الجاهليّة. (١) قوله: (ليس منّا) أي: من أهل سنّتتا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدّين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ , المبالغة في الرّدع عن الوقوع في مثل ذلك , كما يقول الرّجل لولده عند معاتبته: لست منك ولست منّي، أي: ما أنت على طريقتي. وقال الزّين بن المنير ما ملخّصه: التّأويل الأوّل يستلزم أن يكون الخبر إنّما ورد عن أمر وجوديّ، وهذا يصان كلام الشّارع عن الحمل عليه. والأولى أن يقال: المراد أنّ الواقع في ذلك يكون قد تعرّض لأن يهجر ويعرض عنه. فلا يختلط بجماعة السّنّة تأديباً له على استصحابه حاله الجاهليّة التي قبّحها الإسلام، فهذا أولى من الحمل على ما لا يستفاد منه قدر زائد على الفعل الموجود. وحكي عن سفيان , أنّه كان يكره الخوض في تأويله , ويقول: ينبغي أن يمسك عن ذلك ليكون أوقع في النّفوس وأبلغ في الزّجر. وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل، أي: أنّه خرج من فرع من

стр. 1414

فروع الدّين , وإن كان معه أصله، حكاه ابن العربيّ. ويظهر لي أنّ هذا النّفي يفسّره التّبرّي المتقدّم في حديث أبي موسى (١) حيث قال: برئ منه النّبيّ ﷺ " وأصل البراءة الانفصال من الشّيء، وكأنّه توعّده بأن لا يدخله في شفاعته مثلاً. وقال المُهلَّب: قوله " أنا بريء " أي: من فاعل ما ذكر وقت ذلك الفعل، ولَم يرد نفيه عن الإسلام. قلت: بينهما واسطة تعرف ممّا تقدّم أوّل الكلام، وهذا يدلّ على تحريم ما ذكر من شقّ الجيب وغيره. وكأنّ السّبب في ذلك ما تضمنّه ذلك من عدم الرّضا بالقضاء. فإن وقع التّصريح بالاستحلال مع العلم بالتّحريم أو التّسخّط مثلاً بما وقع , فلا مانع من حمل النّفي على الإخراج من الدّين. قوله: (ضرب الخدود) وللبخاري " لطم الخدود " خصّ الخدّ بذلك لكونه الغالب في ذلك، وإلا فضرب بقيّة الوجه داخل في ذلك. قوله: (وشقّ الجيوب) جمع جيب بالجيم الموحّدة وهو ما يفتح من الثّوب ليدخل فيه الرّأس، والمراد بشقّه إكمال فتحه إلى آخره وهو من علامات التّسخّط. قوله: (ودعا بدعوى الجاهليّة) في رواية مسلم " بدعوى أهل الجاهليّة "، أي من النّياحة ونحوها، وكذا النّدبة كقولهم: واجبلاه،

стр. 1415

وكذا الدّعاء بالويل والثّبور. ففي حديث أبي أُمامة عند ابن ماجه وصحّحه ابن حبّان , إنّ رسول الله ﷺ لعن الخامشة وجهها , والشّاقّة جيبها , والدّاعية بالويل والثّبور. تكميل: قال البخاري: وقال عمر ﵁: دعهن يبكين على أبي سليمان ما لَم يكن نقع أو لقلقة " (١) والنقع: التراب على الرأس، واللقلقة: الصوت " انتهى قوله " ما لَم يكن نقع أو لقلقة " بقافين الأولى ساكنة وقد فسره البخاري بأن النقع التراب. أي: وضعه على الرأس , واللقلقة الصوت. أي: المرتفع , وهذا قول الفراء , فأما تفسير اللقلقة فمتفق عليه. كما قال أبو عبيد في غريب الحديث. وأما النقع. فروى سعيد بن منصور عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم , قال: النقع الشق. أي: شق الجيوب وكذا قال وكيع فيما رواه بن سعد عنه. وقال أبو عبيد: الذي رأيت عليه أكثر أهل العلم , أنه رفع الصوت يعني بالبكاء. وقال بعضهم: هو وضع التراب على الرأس , لأنَّ النقع هو الغبار.

стр. 1416

وقيل: هو شق الجيوب. وهو قول شمر. وقيل: هو صوت لطم الخدود. حكاه الأزهري. وقال الإسماعيلي معترضاً على البخاري: النقع لعمري هو الغبار , ولكن ليس هذا موضعه , وإنما هو هنا الصوت العالي , واللقلقة ترديد صوت النواحة. انتهى ولا مانع من حمله على المعنيين بعد أن فسر المراد بكونه وضع التراب على الرأس , لأنَّ ذلك من صنيع أهل المصائب , بل قال ابن الأثير: المرجح أنه وضع التراب على الرأس. وأما من فسَّره بالصوت. فيلزم موافقته للقلقة , فحمل اللفظين على معنيين أولى من حملهما على معنى واحد. وأجيب: بأن بينهما مغايرة من وجه كما تقدم , فلا مانع من إرادة ذلك.

стр. 1417

الحديث الرابع عشر ١٧٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من شهد الجنازة حتّى يُصلِّي عليها فله قيراطٌ. ومن شهدها حتّى تدفن فله قيراطان , قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين. (١) ولمسلمٍ: أصغرهما مثل أحدٍ. (٢) تمهيد: وقع لي حديث الباب من رواية عشرة من الصّحابة غير أبي هريرة وعائشة (٣): من حديث ثوبان عند مسلم، والبراء وعبد الله بن مغفّل عند النّسائيّ، وأبي سعيد عند أحمد، وابن مسعود عند أبي عوانة. وأسانيد هؤلاء الخمسة صحاح. ومن حديث أُبيّ بن كعب عند ابن ماجه، وابن عبّاس عند البيهقيّ في " الشّعب "، وأنس عند الطّبرانيّ في " الأوسط "، وواثلة بن الأسقع عند ابن عديّ، وحفصة عند حميد بن زنجويه في " فضائل الأعمال " , وفي كلّ من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف. وسأشير إلى ما فيها من فائدة زائدة في الكلام على الحديث. قوله: (من شهد الجنازة) ولمسلم من وجه آخر " من تبع جنازة فله قيراط من الأجر .. " وقد تمسّك بهذا اللفظ من زعم أنّ المشي

стр. 1418

خلفها أفضل، ولا حجّة فيه , لأنّه يقال تبعه إذا مشى خلفه أو إذا مرّ به فمشى معه، وكذلك اتّبعه بالتّشديد وهو افتعل منه، فإذا هو مقول بالاشتراك. وقد بيّن المرادَ الحديثُ الآخر المصحّح عند ابن حبّان وغيره من حديث ابن عمر في المشي أمامها , (١) وأمّا أتبعه بالإسكان فهو بمعنى لحقه إذا كان سبقه، ولَم تأت به الرّواية هنا. والاتّباع إنّما هو وسيلة لأحد مقصودين: إمّا الصّلاة وإمّا الدّفن، فإذا تجرّدت الوسيلة عن المقصد لَم يحصل المرتّب على المقصود، وإن كان يرجى أن يحصل لفاعل ذلك فضل ما بحسب نيّته. وروى سعيد بن منصور من طريق مجاهد قال: اتّباع الجنازة أفضل النّوافل. وفي رواية عبد الرّزّاق عنه: اتّباع الجنازة أفضل من صلاة التّطوّع. قوله: (حتّى يُصلَّى عليها) واللام للأكثر مفتوحة , وللبخاري " حتى يُصلِّي " بكسرها، ورواية الفتح محمولة عليها , فإنّ حصول القيراط متوقّف على وجود الصّلاة من الذي يحصل له كما سيأتي تقريره. ولَم يبيّن في هذه الرّواية ابتداء الحضور، وقد بيّنه في رواية أبي سعيد المقبريّ عن أبي هريرة في البخاري حيث قال: من تبِعها من أهلها حتى يُصلِّي عليها , فله قيراط. وفي رواية خبّاب المدني عن أبي هريرة

стр. 1419

عند مسلم: من خرج مع جنازة من بيتها. ولأحمد في حديث أبي سعيد الخدريّ " فمشى معها من أهلها " ومقتضاه أنّ القيراط يختصّ بمن حضر من أوّل الأمر إلى انقضاء الصّلاة، وبذلك صرّح المحبّ الطّبريّ وغيره. والذي يظهر لي أنّ القيراط يحصل أيضاً لمن صلَّى فقط , لأنّ كلّ ما قبل الصّلاة وسيلة إليها، لكن يكون قيراط من صلَّى فقط دون قيراط من شيّع مثلاً وصلى. ورواية مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ " أصغرهما مثل أحد " يدلّ على أنّ القراريط تتفاوت. ووقع أيضاً في رواية أبي صالح المذكورة عند مسلم " من صلَّى على جنازة ولَم يتبعها فله قيراط " وفي رواية نافع بن جبير عن أبي هريرة عند أحمد " ومن صلَّى ولَم يتبع فله قيراط " فدلَّ على أنّ الصّلاة تحصّل القيراط وإن لَم يقع اتّباع. ويمكن أن يحمل الاتّباع هنا على ما بعد الصّلاة. وهل يأتي نظير هذا في قيراط الدّفن؟ فيه بحث. قال النّوويّ في " شرح البخاريّ " عند الكلام على طريق محمّد بن سيرين عن أبي هريرة في صحيح البخاري بلفظ " من اتّبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً , وكان معها حتّى يُصلِّي ويفرغ من دفنها , فإنّه يرجع من الأجر بقيراطين. الحديث: ومقتضى هذا أنّ القيراطين إنّما يحصلان لمن كان معها في جميع الطّريق حتّى تدفن، فإن صلَّى مثلاً ,

стр. 1420

وذهب إلى القبر وحده فحضر الدّفن لَم يحصل له إلاَّ قيراط واحد. انتهى وليس في الحديث ما يقتضي ذلك إلاَّ من طريق المفهوم، فإن ورد منطوق بحصول القيراط لشهود الدّفن وحده كان مقدّماً. ويُجمع حينئذٍ بتفاوت القيراط، والذين أبوا ذلك جعلوه من باب المطلق والمقيّد. نعم. مقتضى جميع الأحاديث أنّ من اقتصر على التّشييع فلم يصلِّ , ولَم يشهد الدّفن فلا قيراط له إلاَّ على الطّريقة التي سنذكرها عن ابن عقيل، لكن الحديث عن البراء (١) في ذلك ضعيف. وأمّا التّقييد بالإيمان والاحتساب فلا بدّ منه , لأنّ ترتّب الثّواب على العمل يستدعي سبق النّيّة فيه , فيخرج من فعل ذلك على سبيل المكافأة المجرّدة , أو على سبيل المحاباة. والله أعلم. قوله: (فله قيراطٌ) القيراط بكسر القاف. قال الجوهريّ: أصله قرّاط بالتّشديد لأنّ جمعه قراريط فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء قال: والقيراط نصف دانق. وقال قبل ذلك: الدّانق سدس الدّرهم.

стр. 1421

فعلى هذا يكون القيراط جزءاً من اثني عشر جزءاً من الدّرهم. وأمّا صاحب النّهاية فقال: القيراط جزء من أجزاء الدّينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وفي الشّام جزء من أربعة وعشرين جزءاً. ونقل ابن الجوزيّ عن ابن عقيل أنّه كان يقول: القيراط نصف سدس درهم أو نصف عشر دينار. والإشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلق بالميّت في تجهيزه وغسله وجميع ما يتعلق به، فللمصلي عليه قيراط من ذلك، ولمن شهد الدّفن قيراط. وذكر القيراط تقريباً للفهم لَمّا كان الإنسان يعرف القيراط ويعمل العمل في مقابلته وعد من جنس ما يعرف , وضرب له المثل بما يعلم. انتهى. وليس الذي قال ببعيدٍ. وقد روى البزّار من طريق عجلان عن أبي هريرة مرفوعاً " من أتى جنازة في أهلها فله قيراط، فإن تبعها فله قيراط، فإن صلَّى عليها فله قيراط، فإن انتظرها حتّى تدفن فله قيراط " , فهذا يدلّ على أنّ لكل عمل من أعمال الجنازة قيراطاً , وإن اختلفت مقادير القراريط , ولا سيّما بالنّسبة إلى مشقّة ذلك العمل وسهولته. وعلى هذا فيقال: إنّما خصّ قيراطي الصّلاة والدّفن بالذّكر لكونهما المقصودين، بخلاف باقي أحوال الميّت فإنّها وسائل، ولكنّ هذا يخالف ظاهر سياق الحديث الذي في البخاري فإنّ فيه " إنّ لمن تبعها حتّى يُصلَّى عليها ويفرغ من دفنها قيراطين " فقط.

стр. 1422

ويجاب عن هذا: بأنّ القيراطين المذكورين لمن شهد، والذي ذكره ابن عقيل لمن باشر الأعمال التي يحتاج إليها الميّت فافترقا. وقد ورد لفظ القيراط في عدّة أحاديث: فمنها: ما يحمل على القيراط المتعارف. ومنها: ما يحمل على الجزء في الجملة , وإن لَم تُعرف النّسبة. فمن الأوّل. حديث كعب بن مالك مرفوعاً " إنّكم ستفتحون بلداً يذكر فيها القيراط " (١). وحديث أبي هريرة مرفوعاً: كنت أرعى غنماً لأهل مكّة بالقراريط (٢). قال ابن ماجه عن بعض شيوخه: يعني كلّ شاة بقيراطٍ. وقال غيره: قراريط جبل بمكّة. ومن المحتمل حديث ابن عمر في الذين أوتوا التّوراة " أعطوا قيراطاً قيراطاً " (٣) وحديث الباب، وحديث أبي هريرة: من اقتنى

стр. 1423

كلباً نقص من عمله كلّ يوم قيراط. (١) وقد جاء تعيين مقدار القيراط في حديث الباب بأنّه مثل أحد كما سيأتي الكلام عليه، وفي رواية عند أحمد والطّبرانيّ في " الأوسط " من حديث ابن عمر , قالوا: يا رسولَ الله مثل قراريطنا هذه؟ قال: لا. بل مثل أحد. قال النّوويّ وغيره: لا يلزم من ذِكر القيراط في الحديثين تساويهما , لأنّ عادة الشّارع تعظيم الحسنات وتخفيف مقابلها. والله أعلم. وقال ابن العربيّ القاضي: الذّرّة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءاً من حبّة , والحبّة ثلث القيراط، فإذا كانت الذّرّة تخرج من النّار. فكيف بالقيراط؟ قال: وهذا قدر قيراط الحسنات، فأمّا قيراط السّيّئات فلا. وقال غيره: القيراط في اقتناء الكلب جزء من أجزاء عمل المقتنى له في ذلك اليوم، وذهب الأكثر: إلى أنّ المراد بالقيراط في حديث الباب جزء من أجزاء معلومة عند الله؛ وقد قرّبها النّبيّ ﷺ للفهم بتمثيله القيراط بأحدٍ. قال الطّيبيّ: قوله " مثل أحد " تفسير للمقصود من الكلام لا للفظ القيراط، والمراد منه أنّه يرجع بنصيبٍ كبير من الأجر، وذلك لأنّ لفظ القيراط مبهم من وجهين، فبيّن الموزون بقوله " من الأجر " وبيّن المقدار المراد منه بقوله " مثل أحد ".

стр. 1424

وقال الزّين بن المنير: أراد تعظيم الثّواب فمثّله للعيان بأعظم الجبال خلقاً وأكثرها إلى النّفوس المؤمنة حبّاً، لأنّه الذي قال في حقّه " إنّه جبل يحبّنا ونحبّه " (١) انتهى. ولأنّه أيضاً قريب من المخاطبين يشترك أكثرهم في معرفته، وخصّ القيراط بالذّكر لأنّه كان أقلّ ما تقع به الإجارة في ذلك الوقت، أو جرى ذلك مجرى العادة من تقليل الأجر بتقليل العمل. واستدل بقوله " من تبع " على أنّ المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها، لأنّ ذلك هو حقيقة الاتّباع حسّاً. قال ابن دقيق العيد: الذين رجّحوا المشي أمامها حملوا الاتّباع هنا على الاتّباع المعنويّ. أي: المصاحبة، وهو أعمّ من أن يكون أمامها أو خلفها أو غير ذلك، وهذا مجاز يحتاج إلى أن يكون الدّليل الدّالّ على استحباب التّقدّم راجحاً. انتهى. وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك , وذكرنا اختلاف العلماء في ذلك بما يغني عن إعادته (٢). قوله: (ومن شهدها) وللبخاري " ومن شهد " بحذف المفعول. قوله: (حتّى تدفن) ظاهره أنّ حصول القيراط متوقّف على فراغ الدّفن، وهو أصحّ الأوجه عند الشّافعيّة وغيرهم.

стр. 1425

وقيل: يحصل بمجرّد الوضع في اللحد. وقيل: عند انتهاء الدّفن قبل إهالة التّراب. وقد وردت الأخبار بكل ذلك. ويترجّح الأوّل للزّيادة، فعند مسلم من طريق معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة في إحدى الرّوايتين عنه " حتّى يفرغ منها " , وفي الأخرى " حتّى توضع في اللحد " , وكذا عنده في رواية أبي حازم عن أبي هريرة بلفظ " حتّى توضع في القبر ". وفي رواية ابن سيرين والشّعبيّ " حتّى يفرغ منها " , وفي رواية أبي مزاحم عند أحمد " حتّى يقضى قضاؤها " , وفي رواية أبي سلمة عند التّرمذيّ " حتّى يقضى دفنها ". وفي رواية ابن عياض عند أبي عوانة " حتّى يسوّى عليها " أي: التّراب، وهي أصرح الرّوايات في ذلك. ويحتمل: حصول القيراط بكلٍّ من ذلك، لكن يتفاوت القيراط كما تقدّم. قوله: (فله قيراطان) ظاهره أنّهما غير قيراط الصّلاة، وهو ظاهر سياق أكثر الرّوايات، وبذلك جزم بعض المتقدّمين. وحكاه ابن التّين عن القاضي أبي الوليد. لكن سياق رواية ابن سيرين يأبى ذلك , وهي صريحة في أنّ الحاصل من الصّلاة ومن الدّفن قيراطان فقط، وكذلك رواية خبّاب - صاحب المقصورة -عند مسلم بلفظ " من خرج مع جنازة من بيتها

стр. 1426

ثمّ تبعها حتّى تدفن كان له قيراطان من أجر، كلّ قيراط مثل أحد، ومن صلَّى عليها ثمّ رجع كان له قيراط " , وكذلك رواية الشّعبيّ عن أبي هريرة عند النّسائيّ بمعناه، ونحوه رواية نافع بن جبير. قال النّوويّ: رواية ابن سيرين صريحة في أنّ المجموع قيراطان، ومعنى رواية الأعرج على هذا كان له قيراطان. أي: بالأوّل، وهذا مثل حديث " من صلَّى العشاء في جماعة فكأنّما قام نصف الليل، ومن صلَّى الفجر في جماعة فكأنّما قام الليل كلّه " (١) أي: بانضمام صلاة العشاء. قوله: (قيل: وما القيراطان) لَم يعيّن في هذه الرّواية القائل , ولا المقول له. وقد بيّن الثّاني مسلم في رواية الأعرج هذه , فقال: قيل: وما القيراطان يا رسولَ الله؟ " وعنده في حديث ثوبان " سئل رسول الله ﷺ عن القيراط ". وبيّن القائل أبو عوانة من طريق أبي مزاحم عن أبي هريرة. ولفظه " قلت: وما القيراط يا رسولَ الله؟ "، ووقع عند مسلم , أنّ أبا حازم أيضاً سأل أبا هريرة عن ذلك. قوله: (مثل الجبلين العظيمين) سبق أنّ في رواية ابن سيرين وغيره " مثل أحد " وفي رواية الوليد بن عبد الرّحمن عند ابن أبي شيبة " القيراط مثل جبل أحد " وكذا في حديث ثوبان عند مسلم , والبراء

стр. 1427

عند النّسائيّ , وأبي سعيد عند أحمد. ووقع عند النّسائيّ من طريق الشّعبيّ " فله قيراطان من الأجر كلّ واحد منهما أعظم من أحد ". وتقدّم أنّ في رواية أبي صالح عند مسلم " أصغرهما مثل أحد " وفي رواية أبيّ بن كعب عند ابن ماجه " القيراط أعظم من أحد هذا " كأنّه أشار إلى الجبل عند ذكر الحديث. وفي حديث واثلة عند ابن عديّ " كُتب له قيراطان من أجر أخفّهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد " , فأفادت هذه الرّواية بيان وجه التّمثيل بجبل أحد , وأنّ المراد به زنة الثّواب المرتّب على ذلك العمل. وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدّم. التّرغيب في شهود الميّت، والقيام بأمره، والحضّ على الاجتماع له، والتّنبيه على عظيم فضل الله وتكريمه للمسلم في تكثير الثّواب لمن يتولى أمره بعد موته، وفيه تقدير الأعمال بنسبة الأوزان إمّا تقريباً للأفهام وإمّا على حقيقته. والله أعلم. فائدةٌ: أخرج عبد الرّزّاق من طريق عمرو بن شعيب عن أبي هريرة قال: أميران وليسا بأميرين: الرّجل يكون مع الجنازة يُصلِّي عليها فليس له أن يرجع حتّى يستأذن وليّها " الحديث، وهذا منقطع موقوف. وروى عبد الرّزّاق مثله من قول إبراهيم، وأخرجه ابن أبي شيبة عن المسور من فعله أيضاً.

стр. 1428

وقد ورد مثله مرفوعاً من حديث جابر. أخرجه البزّار بإسنادٍ فيه مقال، وأخرجه العقيليّ في " الضّعفاء " من حديث أبي هريرة مرفوعاً بإسنادٍ ضعيف. وروى أحمد من طريق عبد الله بن هرمز عن أبي هريرة مرفوعاً: من تبع جنازة فحمل من علوها , وحثا في قبرها , وقعد حتّى يؤذن له رجع بقيراطين. وإسناده ضعيف. والذي عليه معظم أئمّة الفتوى , قول حميد بن هلال: ما علمنا على الجنازة إذناً , ولكن من صلَّى ثمّ رجع فله قيراط. وحكي عن مالك , أنّه لا ينصرف حتّى يستأذن.

стр. 1429

فتح السلام شرح عمدة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني «مأخوذ من كتابه فتح الباري» جمعه وهذبه وحققه أبو محمد: عبد السلام بن محمد العامر [المجلد الرابع] «كتاب الزكاة والصيام والحج»

стр. 1430

كتاب الزكاة الزّكاة في اللّغة النّماء، يقال: زكا الزّرع إذا نما، وترد أيضاً في المال، وترِد أيضاً بمعنى التّطهير. وشرعاً بالاعتبارين معاً: أمّا بالأوّل. فلأنّ إخراجها سببٌ للنّماء في المال، أو بمعنى أنّ الأجر بسببها يكثر، أو بمعنى أنّ متعلقها الأموال ذات النّماء كالتّجارة والزّراعة. ودليل الأوّل " ما نقص مال من صدقة " (١) ولأنّها يضاعف ثوابها كما جاء " إنّ الله يربّي الصّدقة " (٢). وأمّا بالثّاني. فلأنّها طهرة للنّفس من رذيلة البخل، وتطهير من الذّنوب. وهي الرّكن الثّالث من الأركان التي بني الإسلام عليها. وقال ابن العربيّ: تطلق الزّكاة على الصّدقة الواجبة والمندوبة والنّفقة والحقّ والعفو. وتعريفها في الشّرع. إعطاء جزء من النّصاب الحوليّ إلى فقير ونحوه غير هاشميّ ولا مطّلبيٍّ. ثمّ لها ركن وهو

стр. 1431

الإخلاص، وشرط هو السّبب وهو ملك النّصاب الحوليّ، وشرط من تجب عليه وهو العقل والبلوغ والحرّيّة. ولها حِكمٌ , وهو سقوط الواجب في الدّنيا وحصول الثّواب في الأخرى. وحكمةٌ , وهي التّطهير من الأدناس ورفع الدّرجة واسترقاق الأحرار. انتهى. وهو جيّد , لكن في شرط من تجب عليه اختلاف. والزّكاة أمر مقطوع به في الشّرع يستغنى عن تكلّف الاحتجاج له، وإنّما وقع الاختلاف في فروعه. وأمّا أصل فرضيّة الزّكاة فمن جحدها كفر. فائدة: اختلف في أول وقتِ فرْضِ الزكاة. فذهب الأكثر. إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان. أشار إليه النووي (١) في باب السير من الروضة. وجزم ابن الأثير في " التاريخ ": بأن ذلك كان في التاسعة. وفيه نظر. ففي البخاري في حديث ضمام بن ثعلبة , وفي حديث وفد عبد القيس , وفي عدة أحاديث ذِكر الزكاة، وكذا مخاطبة أبي سفيان مع هرقل. وكانت في أول السابعة , وقال فيهما " يأمرنا بالزكاة ". لكن يمكن تأويل كل ذلك. كما سيأتي في آخر الكلام. وقوَّى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير. بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المطوَّلة ففيها " لَمَّا أنزلت آية الصدقة بعث النبي ﷺ عاملاً فقال: ما هذه إلاَّ جزية أو أخت الجزية ". والجزية إنما وجبت في التاسعة فتكون الزكاة في التاسعة، لكنه

стр. 1432

حديث ضعيف لا يحتج به. (١) وادَّعى ابن خزيمة في " صحيحه " , أنَّ فرضها كان قبل الهجرة. واحتجَّ بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة. وفيها أنَّ جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي في جملة ما أخبره به عن النبي ﷺ : ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. انتهى. وفي استدلاله بذلك نظرٌ، لأنَّ الصلوات الخمس لم تكن فُرضت بعد، ولا صيام رمضان. فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشي، وإنما أخبره بذلك بعد مُدَّةٍ قد وقع فيها ما ذكر من قصة الصلاة والصيام، وبلغ ذلك جعفراً فقال: يأمرنا. بمعنى يأمر به أمته، وهو بعيد جداً. وأولى ما حُمل عليه حديث أم سلمة هذا - إنْ سلم من قدح في إسناده - أنَّ المراد بقوله " يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام " أي: في الجملة، ولا يلزم من ذلك أن يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس ولا بالصيام صيام رمضان ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول. والله أعلم. ومما يدلُّ على أنَّ فرض الزكاة كان قبل التاسعة حديث أنس في

стр. 1433

قصة ضمام بن ثعلبة. وقوله " أنشدك الله. الله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا " (١). وكان قدوم ضمام سنة خمس. (٢) وإنما الذي وقع في التاسعة بعث العُمَّال لأخذ الصدقات، وذلك يستدعي تقدم فريضة الزكاة قبل ذلك. ومما يدلُّ على أنَّ فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أنَّ صيام رمضان إنما فرض بعد الهجرة، لأنَّ الآية الدالة على فرضيته مدنية بلا خلاف. وثبت عند أحمد وابن خزيمة أيضاً والنسائي وابن ماجه والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلتْ فريضة الزكاة فلم يأمرنا , ولم ينهنا. ونحن نفعله. إسناده صحيح , ورجاله رجال الصحيح إلاَّ أبا عمار الراوي له عن قيس بن سعد , وهو كوفي اسمه عريب - بالمهملة المفتوحة - ابن حميد. وقد وثقه أحمد وابن معين.

стр. 1434

وهو دالٌّ على أنَّ فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان , وذلك بعد الهجرة. وهو المطلوب. ووقع في " تاريخ الإسلام ": في السنة الأولى فرضت الزكاة. وقد أخرج البيهقي في " الدلائل " حديث أم سلمة المذكور من طريق " المغازي " لابن إسحاق من رواية يونس بن بكير عنه. وليس فيه ذكر الزكاة، وابن خزيمة أخرجه من حديث ابن إسحاق , لكن من طريق سلمة بن الفضل عنه، وفي سلمة مقالٌ. والله أعلم.

стр. 1435

الحديث الأول ١٧٤ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبلٍ - حين بعثه إلى اليمن -: إنّك ستأتي قوماً أهل كتابٍ , فإذا جئتهم , فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله , وأنّ محمّداً رسول الله. فإنْ هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم: أنّ الله قد فرضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلةٍ , فإنْ هم أطاعوا لك بذلك , فأخبرهم: أنّ الله قد فرضَ عليهم صدقةً , تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم. فإنْ هم أطاعوا لك بذلك , فإيّاك وكرائمَ أموالهم , واتّق دعوة المظلوم. فإنّه ليس بينها وبين الله حجابٌ. (١) قوله: (قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبلٍ حين بعثه) كذا في جميع الطّرق، إلاَّ ما أخرجه مسلمٌ عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريبٍ وإسحاق بن إبراهيم ثلاثتهم عن وكيعٍ عن زكرياء بن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عبد الله. فقال فيه: عن ابن عبّاسٍ عن معاذ بن جبلٍ قال: بعثني رسول الله ﷺ . فعلى هذا فهو من مسند معاذٍ، وظاهر سياق مسلمٍ أنّ اللفظ مدرجٌ، لكن لَم أر ذلك في غير رواية أبي بكر بن أبي شيبة. وسائر الرّوايات أنّه من مسند ابن عبّاسٍ , فقد أخرجه التّرمذيّ عن أبي كريبٍ عن وكيعٍ فقال فيه: عن ابن عبّاسٍ , أنّ رسول الله ﷺ

стр. 1436

بعث معاذاً. وكذا هو في مسند إسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه - قال: حدّثنا وكيعٌ به , وكذا رواه عن وكيعٍ أحمد في " مسنده " أخرجه أبو داود عن أحمد، وللبخاري عن يحيى بن موسى عن وكيعٍ كذلك. وأخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " عن محمّد بن عبد الله المخرميّ وجعفر بن محمّدٍ الثّعلبيّ، والإسماعيليّ من طريق أبي خيثمة وموسى بن السّدّيّ , والدّارقطنيّ من طريق يعقوب بن إبراهيم الدّورقيّ وإسحاق بن إبراهيم البغويّ كلهم عن وكيعٍ كذلك. فإنْ ثبتت رواية أبي بكرٍ فهو من مرسل ابن عبّاسٍ، لكن ليس حضور ابن عبّاسٍ لذلك ببعيدٍ , لأنّه كان في أواخر حياة النّبيّ ﷺ . وهو إذ ذاك مع أبويه بالمدينة. قوله: (لمعاذ بن جبل) أي ابن عمرو بن أوس، من بني أسد بن شاردة بن يزيد - بفتح المثناة الفوقانية - ابن جشم بن الخزرج الخزرجي. يكنى أبا عبد الرحمن، شهد بدراً والعقبة، وكان أميراً للنبي ﷺ على اليمن، ورجع بعده إلى المدينة، ثم خرج إلى الشام مجاهداً فمات في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة. وللبخاري من حديث عبد الله بن عمرو: استقرئوا القرآن. فذكرَه وقد أخرج ابن حبان والترمذي من حديث أبي هريرة رفعه " نعم الرجل معاذ بن جبل " كان عقبياً بدرياً من فقهاء الصحابة. وقد أخرج الترمذي وابن ماجه عن أنس رفعه " أرحم أمتي أبو

стр. 1437

بكر - وفيه - وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ " ورجاله ثقات. وصحَّ عن عمر أنه قال: من أراد الفقه فليأت معاذاً. وعاش معاذ ثلاثاً وثلاثين سنة على الصحيح. قوله: (حين بعثه إلى اليمن) كان بعثُ معاذٍ إلى اليمن سنة عشرٍ قبل حجّ النّبيّ ﷺ .كما ذكره البخاري في أواخر المغازي. وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسعٍ عند منصرفه ﷺ من تبوك. رواه الواقديّ بإسناده إلى كعب بن مالكٍ، وأخرجه ابن سعدٍ في " الطّبقات " عنه، ثمّ حكى ابن سعدٍ , أنّه كان في ربيعٍ الآخر سنة عشرٍ. وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمانٍ. واتّفقوا على أنّه لَم يزل على اليمن إلى أنْ قدم في عهد أبي بكرٍ , ثمّ توجّه إلى الشّام فمات بها. واختلف هل كان معاذٌ والياً أو قاضياً؟. فجزم ابن عبد البرّ بالثّاني , والغسّانيّ بالأوّل. قوله: (إلى اليمن) قال البخاري: سُمِّيت اليمن لأنها عن يمين الكعبة. هو قول أبي عبيدة. قاله في تفسير الواقعة. وروي عن قطرب , قال: إنما سمي اليمن يمناً ليُمنه والشام شأما لشُؤمه. وقال الهمداني في الأنساب: لما ظعنت العرب العاربة أقبل بنو قطن بن عامر فتيامنوا. فقالت العرب: تيامنت بنو قطن. فسمُّوا اليمن , وتشاءم الآخرون فسُمُّوا شاما.

стр. 1438

وقيل: إنما سُميت اليمن بيمن بن قحطان. وسُميت الشام بسام بن نوح. وأصله شام بالمعجمة ثم عرب بالمهملة. قوله: (ستأتي قوماً أهل كتابٍ) هي كالتّوطئة للوصيّة لتستجمع همّته عليها. لكون أهل الكتاب أهل علمٍ في الجملة , فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهّال من عبدة الأوثان، وليس فيه أنّ جميع من يقدم عليهم من أهل الكتاب , بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنّما خصّهم بالذّكر تفضيلاً لهم على غيرهم. قوله: (فإذا جئتهم) قيل: عبّر بلفظ إذا تفاؤلاً بحصول الوصول إليهم. قوله: (فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأنّ محمّداً رسول الله) كذا للأكثر، وفي روايةٍ لهما بلفظ " وأنّي رسول الله " كذا في رواية زكريّا بن إسحاق لَم يختلف عليه فيها. وأمّا إسماعيل بن أُميَّة. ففي رواية روح بن القاسم عنه " فأوّل ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله " وفي رواية الفضل بن العلاء عنه " إلى أن يوحّدوا الله، فإذا عرفوا ذلك ". (١) ويجمع بينها: بأنّ المراد بعبادة الله توحيده وبتوحيده الشّهادة له بذلك ولنبيّه بالرّسالة , ووقعت البداءة بهما لأنّهما أصل الدّين الذي لا يصحّ شيءٌ غيرهما إلاَّ بهما , فمن كان منهم غير موحّدٍ فالمطالبة

стр. 1439

متوجّهةٌ إليه بكل واحدةٍ من الشّهادتين على التّعيين، ومن كان موحّداً فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانيّة والإقرار بالرّسالة، وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الإشراك أو يستلزمه , كمن يقول ببنوّة عزيرٍ أو يعتقد التّشبيه فتكون مطالبتهم بالتّوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم. واستدل به مَن قال من العلماء: إنّه لا يشترط التّبرّي من كل دينٍ يخالف دين الإسلام خلافاً لمَن قال: إنّ من كان كافراً بشيءٍ وهو مؤمنٌ بغيره لَم يدخل في الإسلام إلاَّ بترك اعتقاد ما كفر به. والجواب: أنّ اعتقاد الشّهادتين يستلزم ترك اعتقاد التّشبيه , ودعوى بنوّة عزيرٍ وغيره فيكتفى بذلك. واستدل به على أنّه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلاَّ الله حتّى يضيف إليها الشّهادة لمحمّدٍ بالرّسالة. وهو قول الجمهور. وقال بعضهم: يصير بالأولى مُسلماً , ويطالب بالثّانية. وفائدة الخلاف تظهر بالحكم بالرّدّة. تنبيهان: أحدهما: كان أصل دخول اليهوديّة في اليمن في زمن أسعد أبي كرب - وهو تُبَّع الأصغر - كما حكاه ابن إسحاق في أوائل " السّيرة النّبويّة ". ثانيهما: قال ابن العربيّ في " شرح التّرمذيّ ": تبرّأتِ اليهود في هذه

стр. 1440

الأزمان من القول بأنّ العُزير ابن الله , وهذا لا يمنع كونه كان موجوداً في زمن النّبيّ ﷺ , لأنّ ذلك نزل في زمنه واليهود معه بالمدينة وغيرها , فلم ينقل عن أحدٍ منهم أنّه ردّ ذلك ولا تعقّبه. والظّاهر أنّ القائل بذلك طائفةٌ منهم لا جميعهم , بدليل أنّ القائل من النّصارى إنّ المسيح ابن الله طائفةٌ منهم لا جميعهم , فيجوز أن تكون تلك الطّائفة انقرضت في هذه الأزمان , كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التّشبيه إلى التّعطيل , وتحوّل معتقد النّصارى في الابن والأب إلى أنّه من الأمور المعنويّة لا الحسّيّة، فسبحان مقلب القلوب. قوله: (فإنْ هم أطاعوا لك بذلك) أي: شهدوا وانقادوا، وفي رواية ابن خزيمة " فإن هم أجابوا لذلك ". وفي رواية الفضل بن العلاء كما في البخاري " فإذا عرفوا ذلك " وعدّى أطاع باللام - وإن كان يتعدّى بنفسه - لتضمّنه معنى انقاد. واستدل به على أنّ أهل الكتاب ليسوا بعارفين , وإن كانوا يعبدون الله ويظهرون معرفته , لكن قال حذّاق المتكلمين: ما عرف الله من شبّهه بخلقه أو أضاف إليه اليد أو أضاف إليه الولد (١) فمعبودهم
следующие страницы →