بعث معاذاً. وكذا هو في مسند إسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه - قال: حدّثنا وكيعٌ به , وكذا رواه عن وكيعٍ أحمد في " مسنده " أخرجه أبو داود عن أحمد، وللبخاري عن يحيى بن موسى عن وكيعٍ كذلك.
وأخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " عن محمّد بن عبد الله المخرميّ وجعفر بن محمّدٍ الثّعلبيّ، والإسماعيليّ من طريق أبي خيثمة وموسى بن السّدّيّ , والدّارقطنيّ من طريق يعقوب بن إبراهيم الدّورقيّ وإسحاق بن إبراهيم البغويّ كلهم عن وكيعٍ كذلك.
فإنْ ثبتت رواية أبي بكرٍ فهو من مرسل ابن عبّاسٍ، لكن ليس حضور ابن عبّاسٍ لذلك ببعيدٍ , لأنّه كان في أواخر حياة النّبيّ ﷺ . وهو إذ ذاك مع أبويه بالمدينة.
قوله: (لمعاذ بن جبل) أي ابن عمرو بن أوس، من بني أسد بن شاردة بن يزيد - بفتح المثناة الفوقانية - ابن جشم بن الخزرج الخزرجي. يكنى أبا عبد الرحمن، شهد بدراً والعقبة، وكان أميراً للنبي ﷺ على اليمن، ورجع بعده إلى المدينة، ثم خرج إلى الشام مجاهداً فمات في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة.
وللبخاري من حديث عبد الله بن عمرو: استقرئوا القرآن. فذكرَه
وقد أخرج ابن حبان والترمذي من حديث أبي هريرة رفعه " نعم الرجل معاذ بن جبل " كان عقبياً بدرياً من فقهاء الصحابة.
وقد أخرج الترمذي وابن ماجه عن أنس رفعه " أرحم أمتي أبو
стр. 1437
بكر - وفيه - وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ " ورجاله ثقات.
وصحَّ عن عمر أنه قال: من أراد الفقه فليأت معاذاً. وعاش معاذ ثلاثاً وثلاثين سنة على الصحيح.
قوله: (حين بعثه إلى اليمن) كان بعثُ معاذٍ إلى اليمن سنة عشرٍ قبل حجّ النّبيّ ﷺ .كما ذكره البخاري في أواخر المغازي.
وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسعٍ عند منصرفه ﷺ من تبوك. رواه الواقديّ بإسناده إلى كعب بن مالكٍ، وأخرجه ابن سعدٍ في " الطّبقات " عنه، ثمّ حكى ابن سعدٍ , أنّه كان في ربيعٍ الآخر سنة عشرٍ. وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمانٍ.
واتّفقوا على أنّه لَم يزل على اليمن إلى أنْ قدم في عهد أبي بكرٍ , ثمّ توجّه إلى الشّام فمات بها.
واختلف هل كان معاذٌ والياً أو قاضياً؟.
فجزم ابن عبد البرّ بالثّاني , والغسّانيّ بالأوّل.
قوله: (إلى اليمن) قال البخاري: سُمِّيت اليمن لأنها عن يمين الكعبة. هو قول أبي عبيدة. قاله في تفسير الواقعة.
وروي عن قطرب , قال: إنما سمي اليمن يمناً ليُمنه والشام شأما لشُؤمه.
وقال الهمداني في الأنساب: لما ظعنت العرب العاربة أقبل بنو قطن بن عامر فتيامنوا. فقالت العرب: تيامنت بنو قطن. فسمُّوا اليمن , وتشاءم الآخرون فسُمُّوا شاما.
стр. 1438
وقيل: إنما سُميت اليمن بيمن بن قحطان. وسُميت الشام بسام بن نوح. وأصله شام بالمعجمة ثم عرب بالمهملة.
قوله: (ستأتي قوماً أهل كتابٍ) هي كالتّوطئة للوصيّة لتستجمع همّته عليها. لكون أهل الكتاب أهل علمٍ في الجملة , فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهّال من عبدة الأوثان، وليس فيه أنّ جميع من يقدم عليهم من أهل الكتاب , بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنّما خصّهم بالذّكر تفضيلاً لهم على غيرهم.
قوله: (فإذا جئتهم) قيل: عبّر بلفظ إذا تفاؤلاً بحصول الوصول إليهم.
قوله: (فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأنّ محمّداً رسول الله) كذا للأكثر، وفي روايةٍ لهما بلفظ " وأنّي رسول الله " كذا في رواية زكريّا بن إسحاق لَم يختلف عليه فيها.
وأمّا إسماعيل بن أُميَّة. ففي رواية روح بن القاسم عنه " فأوّل ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله " وفي رواية الفضل بن العلاء عنه " إلى أن يوحّدوا الله، فإذا عرفوا ذلك ". (١)
ويجمع بينها: بأنّ المراد بعبادة الله توحيده وبتوحيده الشّهادة له بذلك ولنبيّه بالرّسالة , ووقعت البداءة بهما لأنّهما أصل الدّين الذي لا يصحّ شيءٌ غيرهما إلاَّ بهما , فمن كان منهم غير موحّدٍ فالمطالبة
стр. 1439
متوجّهةٌ إليه بكل واحدةٍ من الشّهادتين على التّعيين، ومن كان موحّداً فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانيّة والإقرار بالرّسالة، وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الإشراك أو يستلزمه , كمن يقول ببنوّة عزيرٍ أو يعتقد التّشبيه فتكون مطالبتهم بالتّوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم.
واستدل به مَن قال من العلماء: إنّه لا يشترط التّبرّي من كل دينٍ يخالف دين الإسلام خلافاً لمَن قال: إنّ من كان كافراً بشيءٍ وهو مؤمنٌ بغيره لَم يدخل في الإسلام إلاَّ بترك اعتقاد ما كفر به.
والجواب: أنّ اعتقاد الشّهادتين يستلزم ترك اعتقاد التّشبيه , ودعوى بنوّة عزيرٍ وغيره فيكتفى بذلك.
واستدل به على أنّه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلاَّ الله حتّى يضيف إليها الشّهادة لمحمّدٍ بالرّسالة. وهو قول الجمهور.
وقال بعضهم: يصير بالأولى مُسلماً , ويطالب بالثّانية.
وفائدة الخلاف تظهر بالحكم بالرّدّة.
تنبيهان:
أحدهما: كان أصل دخول اليهوديّة في اليمن في زمن أسعد أبي كرب - وهو تُبَّع الأصغر - كما حكاه ابن إسحاق في أوائل " السّيرة النّبويّة ".
ثانيهما: قال ابن العربيّ في " شرح التّرمذيّ ": تبرّأتِ اليهود في هذه
стр. 1440
الأزمان من القول بأنّ العُزير ابن الله , وهذا لا يمنع كونه كان موجوداً في زمن النّبيّ ﷺ , لأنّ ذلك نزل في زمنه واليهود معه بالمدينة وغيرها , فلم ينقل عن أحدٍ منهم أنّه ردّ ذلك ولا تعقّبه.
والظّاهر أنّ القائل بذلك طائفةٌ منهم لا جميعهم , بدليل أنّ القائل من النّصارى إنّ المسيح ابن الله طائفةٌ منهم لا جميعهم , فيجوز أن تكون تلك الطّائفة انقرضت في هذه الأزمان , كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التّشبيه إلى التّعطيل , وتحوّل معتقد النّصارى في الابن والأب إلى أنّه من الأمور المعنويّة لا الحسّيّة، فسبحان مقلب القلوب.
قوله: (فإنْ هم أطاعوا لك بذلك) أي: شهدوا وانقادوا، وفي رواية ابن خزيمة " فإن هم أجابوا لذلك ".
وفي رواية الفضل بن العلاء كما في البخاري " فإذا عرفوا ذلك " وعدّى أطاع باللام - وإن كان يتعدّى بنفسه - لتضمّنه معنى انقاد.
واستدل به على أنّ أهل الكتاب ليسوا بعارفين , وإن كانوا يعبدون الله ويظهرون معرفته , لكن قال حذّاق المتكلمين: ما عرف الله من شبّهه بخلقه أو أضاف إليه اليد أو أضاف إليه الولد (١) فمعبودهم
стр. 1441
الذي عبدوه ليس هو الله. وإن سمّوه به.
واستدل به على أنّ الكفّار غير مخاطبين بالفروع. حيث دعوا أوّلاً إلى الإيمان فقط، ثمّ دعوا إلى العمل، ورتّب ذلك عليها بالفاء. وأيضاً فإنّ قوله " فإن هم أطاعوا فأخبرهم " يفهم منه أنّهم لو لَم يطيعوا لا يجب عليهم شيءٌ.
وفيه نظرٌ , لأنّ مفهوم الشّرط مختلفٌ في الاحتجاج به.
وأجاب بعضهم عن الأوّل: بأنّه استدلالٌ ضعيفٌ، لأنّ التّرتيب في الدّعوة لا يستلزم التّرتيب في الوجوب، كما أنّ الصّلاة والزّكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قدّمت إحداهما على الأخرى في هذا الحديث ورتّبت الأخرى عليها بالفاء، ولا يلزم من عدم الإتيان بالصّلاة إسقاط الزّكاة.
وقيل: الحكمة في ترتيب الزّكاة على الصّلاة: أنّ الذي يقرّ بالتّوحيد , ويجحد الصّلاة يكفر بذلك فيصير ماله فيئاً فلا تنفعه الزّكاة.
وأمّا قول الخطّابيّ (١): إنّ ذكر الصّدقة أخّر عن ذكر الصّلاة , لأنّها إنّما تجب على قومٍ دون قومٍ , وأنّها لا تكرّر تكرار الصّلاة , فهو حسنٌ، وتمامه أن يقال: بدأ بالأهمّ فالأهمّ، وذلك من التّلطّف في الخطاب
стр. 1442
, لأنّه لو طالبهم بالجميع في أوّل مرّةٍ لَم يأمن النّفرة.
قوله: (خمسُ صلواتٍ) استدل به على أنّ الوتر ليس بفرضٍ.
وقد تقدّم البحث فيه في موضعه.
قوله: (فإنْ هم أطاعوا لك بذلك) والذي وقع في حديث معاذ " فإن هم أطاعوا " وعند بعض رواته كما ذكره ابن التّين (١) " فإن هم طاعوا " بغير ألف.
وقد قرأ الحسن البصريّ وطائفة معه " فطاوعت له نفسه ".
قال ابن التّين: إذا امتثل أمره فقد أطاعه، وإذا وافقه فقد طاوعه.
قال الأزهريّ. الطّوع نقيض الكره، وطاع له انقاد، فإذا مضى لأمره فقد أطاعه. وقال يعقوب بن السّكّيت: طاع وأطاع بمعنى.
وقال الأزهريّ أيضاً: منهم من يقول: طاع له يطوّع طوعاً فهو طائع بمعنى أطاع.
والحاصل أنّ طاع وأطاع استعمل كلّ منهما لازماً ومتعدّياً. إمّا بمعنى واحد مثل (بدأ الله الخلق) وأبدأه، أو دخلت الهمزة للتّعدية وفي اللازم للصّيرورة.
أو ضمّن المتعدّي بالهمزة معنى فعل آخر لازم , لأنّ كثيراً من أهل العلم باللّغة فسرّوا أطاع بمعنى لانَ وانقاد. وهو اللائق في حديث معاذ هنا، وإن كان الغالب في الرّباعيّ التّعدّي وفي الثّلاثيّ اللّزوم.
стр. 1443
وهذا أولى من دعوى فعل وأفعل بمعنى واحد لكونه قليلاً، وأولى من دعوى أنّ اللام في قوله: " فإن هم أطاعوا لك " زائدة.
وقول البخاري بعد الحديث: " طُعت طِعت وأطعت ": الأوّل بالضّمّ والثّانية بالكسر والثّالثة بالفتح بزيادة ألف في أوّله.
قال ابن دقيق العيد (١): يحتمل وجهين.
أحدهما: أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها عليهم والتزامهم لها.
الثّاني: أن يكون المراد الطّاعة بالفعل، وقد يرجّح الأوّل بأنّ المذكور هو الإخبار بالفريضة فتعود الإشارة بذلك إليها.
ويترجّح الثّاني بأنّهم لو أخبروا بالفريضة فبادروا إلى الامتثال بالفعل لكفى ولَم يشترط التّلفّظ بخلاف الشّهادتين، فالشّرط عدم الإنكار والإذعان للوجوب. انتهى
والذي يظهر أنّ المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالإقرار أو بالفعل كفاه أو بهما فأولى، وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر الصّلاة " فإذا صلوا " وبعد ذكر الزّكاة " فإذا أقرّوا بذلك فخذ منهم ".
قوله: (صدقةً) زاد في رواية أبي عاصمٍ عن زكريّا " في أموالهم " كما في البخاري، وفي رواية الفضل بن العلاء " افترض عليهم زكاةً في أموالهم تؤخذ من غنيّهم فتردّ على فقيرهم ".
قوله: (تؤخذ من أغنيائهم) استدل به على أنّ الإمام هو الذي
стр. 1444
يتولى قبض الزّكاة وصرفها , إمّا بنفسه وإمّا بنائبه، فمن امتنع منها أخذت منه قهراً.
قوله: (على فقرائهم) استدل به لقول مالكٍ وغيره إنّه يكفي إخراج الزّكاة في صنفٍ واحدٍ.
وفيه بحثٌ كما قال ابن دقيق العيد , لاحتمال أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب في ذلك وللمطابقة بينهم وبين الأغنياء.
وقال الخطّابيّ: وقد يستدلّ به من لا يرى على المديون زكاة ما في يده إذا لَم يفضل من الدّين الذي عليه قدر نصابٍ , لأنّه ليس بغنيٍّ إذا كان إخراج ماله مستحقّاً لغرمائه.
قال الإسماعيليّ: ظاهر الحديث أنّ الصّدقة تردّ على فقراء مَن أُخذت من أغنيائهم.
وقال ابن المنيّر (١): اختار البخاريّ (٢) جوازَ نقل الزّكاة من بلد المال لعموم قوله " فتردّ في فقرائهم " لأنّ الضّمير يعود على المسلمين، فأيّ فقيرٍ منهم ردّت فيه الصّدقة في أيّ جهةٍ كان فقد وافق عموم الحديث. انتهى.
والذي يتبادر إلى الذّهن من هذا الحديث عدم النّقل، وأنّ الضّمير يعود على المخاطبين فيختصّ بذلك فقراؤهم.
لكن رجّح ابن دقيق العيد الأوّل , وقال: إنّه وإن لَم يكن الأظهر ,
стр. 1445
إلاَّ أنّه يقوّيه أنّ أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشّرع الكليّة لا تعتبر، فلا تعتبر في الزّكاة كما لا تعتبر في الصّلاة , فلا يختصّ بهم الحكم وإن اختصّ بهم خطاب المواجهة. انتهى
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة:
القول الأول: أجاز النّقلَ الليثُ وأبو حنيفة وأصحابهما، ونقله ابن المنذر عن الشّافعيّ واختاره.
القول الثاني: الأصحّ عند الشّافعيّة والمالكيّة والجمهور ترك النّقل.
فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكيّة على الأصحّ، ولَم يجزئ عند الشّافعيّة على الأصحّ إلاَّ إذا فقد المستحقّون لها، ولا يبعد أنّه اختيار البخاريّ , لأنّ قوله في الترجمة " حيث كانوا " يشعر بأنّه لا ينقلها عن بلدٍ وفيه من هو متّصفٌ بصفة الاستحقاق.
قوله: (فإيّاك وكرائم أموالهم) وفي روايةٍ لهما " وتوقّ كرائم " بغير تقييدٍ بالصّدقة، وأموال النّاس يستوي التّوقّي لها بين الكرائم وغيرها , وقيّدها البخاري في التّرجمة بالصّدقة. وهو بيّنٌ من سياق الحديث , لأنّه ورد في شأن الصّدقة.
قوله: (كرائم) منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ لا يجوز إظهاره. قال ابن قتيبة: ولا يجوز حذف الواو.
والكرائم جمع كريمةٍ. أي: نفيسةٍ، يقال ناقة كريمة. أي: غزيرة اللبن، والمراد نفائس الأموال من أيّ صنفٍ كان.
وقيل له نفيس , لأنّ نفس صاحبه تتعلق به وأصل الكريمة كثيرة
стр. 1446
الخير.
وقيل للمال النّفيس كريم , لكثرة منفعته ففيه ترك أخذ خيار المال.
والنّكتة فيه. أنّ الزّكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك الإجحاف بمال الأغنياء إلاَّ إن رضوا بذلك.
قوله: (واتّق دعوة المظلوم) أي: تجنّب الظّلم لئلا يدعو عليك المظلوم. وفيه تنبيهٌ على المنع من جميع أنواع الظّلم، والنّكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم الإشارة إلى أنّ أخذها ظلمٌ.
وقال بعضهم: عطف " واتّق " على عامل إيّاك المحذوف وجوباً، فالتّقدير اتّق نفسك أن تتعرّض للكرائم. وأشار بالعطف إلى أنّ أخذ الكرائم ظلمٌ، ولكنّه عمّم إشارةً إلى التّحرّز عن الظّلم مطلقاً
قوله: (فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ) أي: ليس لها صارفٌ يصرفها ولا مانعٌ، والمراد أنّها مقبولةٌ وإن كان عاصياً. كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعاً: دعوة المظلوم مستجابةٌ، وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه. وإسناده حسنٌ، وليس المراد أنّ لله تعالى حجاباً يحجبه عن النّاس.
وقال الطّيبيّ (١): قوله " اتّق دعوة المظلوم " تذييلٌ لاشتماله على الظّلم الخاصّ من أخذ الكرائم وعلى غيره، وقوله " فإنّه ليس بينها وبين الله حجابٌ " تعليلٌ للاتّقاء وتمثيلٌ للدّعاء، كمن يقصد دار السّلطان متظلماً فلا يحجب.
стр. 1447
قال ابن العربيّ: إلاَّ أنّه وإن كان مطلقاً فهو مقيّدٌ بالحديث (١) الآخر , أنّ الدّاعي على ثلاث مراتب: إمّا أن يعجّل له ما طلب، وإمّا أن يدّخر له أفضل منه، وإمّا أن يدفع عنه من السّوء مثله. وهذا كما قيّد مطلق قوله تعالى (أم من يجيب المضطرّ إذا دعاه) بقوله تعالى (فيكشف ما تدعون إليه إن شاء).
وفي الحديث أيضاً الدّعاء إلى التّوحيد قبل القتال، وتوصية الإمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وغيرها، وفيه بعث السّعاة لأخذ الزّكاة، وقبول خبر الواحد ووجوب العمل به.
وإيجاب الزّكاة في مال الصّبيّ والمجنون لعموم قوله " من أغنيائهم ". قاله عياضٌ (٢). وفيه بحثٌ.
وأنّ الزّكاة لا تدفع إلى الكافر لعود الضّمير في فقرائهم إلى المسلمين سواءٌ قلنا بخصوص البلد أو العموم، وأنّ الفقير لا زكاة عليه.
وأنّ من ملك نصاباً لا يعطى من الزّكاة من حيث إنّه جعل المأخوذ منه غنيّاً وقابله بالفقير، ومن ملك النّصاب فالزّكاة مأخوذةٌ منه , فهو
стр. 1448
غنيٌّ والغنى مانعٌ من إعطاء الزّكاة إلاَّ من استثني.
قال ابن دقيق العيد: وليس هذا البحث بالشّديد القوّة، وقد تقدّم أنّه قول الحنفيّة.
وقال البغويّ: فيه أنّ المال إذا تلف قبل التّمكّن من الأداء سقطت الزّكاة , لإضافة الصّدقة إلى المال. وفيه نظرٌ أيضاً.
تكميلٌ: لَم يقع في هذا الحديث ذكر الصّوم والحجّ مع أنّ بعث معاذٍ كما تقدّم كان في آخر الأمر.
وأجاب ابن الصّلاح. بأنّ ذلك تقصيرٌ من بعض الرّواة.
وتعقّب: بأنّه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثيرٍ من الأحاديث النّبويّة لاحتمال الزّيادة والنّقصان.
وأجاب الكرمانيّ (١): بأنّ اهتمام الشّارع بالصّلاة والزّكاة أكثر، ولهذا كرّرا في القرآن فمن ثمّ لَم يذكر الصّوم والحجّ في هذا الحديث مع أنّهما من أركان الإسلام، والسّرّ في ذلك أنّ الصّلاة والزّكاة إذا وجبا على المكلف لا يسقطان عنه أصلاً بخلاف الصّوم فإنّه قد يسقط بالفدية، والحجّ فإنّ الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المعضوب، ويحتمل: أنّه حينئذٍ لَم يكن شرع. انتهى
وقال شيخنا شيخ الإسلام: إذا كان الكلام في بيان الأركان لَم يخل الشّارع منه بشيءٍ كحديث ابن عمر " بني الإسلام على خمسٍ " فإذا كان في الدّعاء إلى الإسلام اكتفي بالأركان الثّلاثة الشّهادة والصّلاة
стр. 1449
والزّكاة , ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحجّ كقوله تعالى (فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة) في موضعين من براءةٌ , مع أنّ نزولها بعد فرض الصّوم والحجّ قطعاً. وحديث ابن عمر أيضاً " أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله ويقيموا الصّلاة ويؤتوا الزّكاة " وغير ذلك من الأحاديث.
قال: والحكمة في ذلك أنّ الأركان الخمسة: اعتقاديٌّ وهو الشّهادة، وبدنيٌّ وهو الصّلاة، وماليٌّ وهو الزّكاة. اقتصر في الدّعاء إلى الإسلام عليها لتفرّع الرّكنين الأخيرين عليها، فإنّ الصّوم بدنيٌّ محضٌ والحجّ بدنيٌّ ماليٌّ.
وأيضاً فكلمة الإسلام هي الأصل وهي شاقّةٌ على الكفّار والصّلوات شاقّةٌ لتكرّرها , والزّكاة شاقّةٌ لِمَا في جبلة الإنسان من حبّ المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثّلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنّسبة إليها. والله أعلم.
ومن فوائده الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقرّ بالشّهادتين، فإنّ من لازم الإيمان بالله ورسوله التّصديق بكل ما ثبت عنهما والتزام ذلك، فيحصل ذلك لمن صدّق بالشّهادتين.
وأمّا ما وقع من بعض المبتدعة من إنكار شيء من ذلك فلا يقدح في صحّة الحكم الظّاهر؛ لأنّه إن كان مع تأويل فظاهر، وإن كان عناداً قدح في صحّة الإسلام، فيعامل بما يترتّب عليه من ذلك كإجراء أحكام المرتدّ وغير ذلك.
стр. 1450
وفيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به.
وتعقّب: بأنّ مثل خبر معاذ حفّته قرينة أنّه في زمن نزول الوحي فلا يستوي مع سائر أخبار الآحاد.
وفيه أنّ الكافر إذا صدّق بشيءٍ من أركان الإسلام كالصّلاة مثلاً يصير بذلك مسلماً، وبالغ مَن قال: كلّ شيء يكفّر به المسلم إذا جحده يصير الكافر به مسلماً إذا اعتقده.
والأوّل أرجح كما جزم به الجمهور.
وهذا في الاعتقاد , أمّا الفعل لو صلَّى فلا يحكم بإسلامه وهو أولى بالمنع؛ لأنّ الفعل لا عموم له، فيدخله احتمال العبث والاستهزاء.
وفيه وجوب أخذ الزّكاة ممّن وجبت عليه، وقهر الممتنع على بذلها ولو لَم يكن جاحداً، فإن كان مع امتناعه ذا شوكة قوتل، وإلَّا فإن أمكن تعزيره على الامتناع عزّر بما يليق به.
وقد ورد عن تعزيره بالمال حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه مرفوعاً ولفظه " ومن منعها - يعني الزّكاة - فإنّا آخذوها وشطر ماله. عزمة من عزمات ربّنا " الحديث. أخرجه أبو داود والنّسائيّ وصحَّحه ابن خزيمة والحاكم.
وأمّا ابن حبّان فقال في ترجمة بهز بن حكيم: لولا هذا الحديث لأدخلته في " كتاب الثّقات ".
وأجاب من صحَّحه ولَم يعمل به: بأنّ الحكم الذي دلَّ عليه منسوخ , وأنّ الأمر كان أوّلاً كذلك , ثمّ نسخ.
стр. 1451
وضعّف النّوويّ هذا الجواب , من جهة أنّ العقوبة بالمال لا تعرف أوّلاً حتّى يتمّ دعوى النّسخ , ولأنّ النّسخ لا يثبت إلاَّ بشرطه كمعرفة التّاريخ ولا يعرف ذلك.
واعتمد النّوويّ ما أشار إليه ابن حبّان من تضعيف بهز , وليس بجيّدٍ؛ لأنّه موثّق عند الجمهور حتّى قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه صحيح إذا كان دون بهز ثقة.
وقال التّرمذيّ: تكلَّم فيه شعبة. وهو ثقة عند أهل الحديث، وقد حسّن له التّرمذيّ عدّة أحاديث، واحتجّ به أحمد وإسحاق والبخاريّ خارج الصّحيح , وعلَّق له في الصّحيح.
وقال أبو عبيدة الآجرّيّ عن أبي داود: وهو عندي حجّة لا عند الشّافعيّ فإنِ اعتمد من قلَّد الشّافعيّ على هذا كفاه.
ويؤيّده إطباق فقهاء الأمصار على ترك العمل به فدلَّ على أنّ له معارضاً راجحاً، وقول مَن قال بمقتضاه يعدّ في ندرة المخالف.
وقد دلَّ خبر الباب أيضاً على أنّ الذي يقبض الزّكاة الإمام أو من أقامه لذلك، وقد أطبق الفقهاء بعد ذلك على أنّ لأرباب الأموال الباطنة مباشرة الإخراج.
وشذّ مَن قال بوجوب الدّفع إلى الإمام. وهو رواية عن مالك، وفي القديم للشّافعيّ نحوه على تفصيل عنهما فيه.
стр. 1452
الحديث الثاني
١٧٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقةٌ , ولا فيما دون خمس ذودٍ صدقةٌ , ولا فيما دون خمسة أوسقٍ صدقةٌ. (١)
قوله: (عن أبي سعيد) حكى ابن عبد البرّ عن بعض أهل العلم , أنّ حديث الباب لَم يأت إلاَّ من حديث أبي سعيد الخدريّ.
قال: وهذا هو الأغلب، إلاَّ أنّني وجدته من رواية سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، ومن طريق محمّد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن جابر. انتهى.
ورواية سهيل في " الأموال " لأبي عبيد , ورواية ابن مسلمٍ في " المستدرك ".
وقد أخرجه مسلم من وجهٍ آخر عن جابر، وجاء أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وعائشة وأبي رافع ومحمّد بن عبد الله بن جحش. أخرج أحاديث الأربعة الدّارقطنيّ، ومن حديث ابن عمر. أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد أيضاً.
стр. 1453
قوله: (خمس أواقٍ) زاد مالك عن محمّد بن عبد الرّحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد عند البخاري " خمس أواقٍ من الورق صدقة ".
و" أواقٍ " بالتّنوين وبإثبات التّحتانيّة مشدّداً ومخفّفاً. جمع أوقيّةٍ - بضمّ الهمزة وتشديد التّحتانيّة - وحكى اللحيانيّ " وقيّة " بحذف الألف وفتح الواو.
ومقدار الأوقيّة في هذا الحديث أربعون درهماً بالاتّفاق، والمراد بالدّرهم الخالص من الفضّة سواء كان مضروباً أو غير مضروب.
قال عياض: قال أبو عبيد: إنّ الدّرهم لَم يكن معلوم القدر حتّى جاء عبد الملك بن مروان فجمع العلماء. فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل.
قال (١): وهذا يلزم منه أن يكون ﷺ أحال بنصاب الزّكاة على أمرٍ مجهولٍ وهو مشكل، والصّواب أنّ معنى ما نقل من ذلك أنّه لَم يكن شيءٌ منها من ضرب الإسلام وكانت مختلفة في الوزن بالنّسبة إلى العدد، فعشرة مثلاً وزن عشرة وعشرة وزن ثمانية، فاتّفق الرّأي على أن تنقش بكتابةٍ عربيّةٍ ويصير وزنها وزناً واحداً.
وقال غيره: لَم يتغيّر المثقال في جاهليّة ولا إسلام، وأمّا الدّرهم فأجمعوا على أنّ كلّ سبعة مثاقيل عشرة دراهم.
ولَم يخالف في أنّ نصاب الزّكاة مائتا درهمٍ يبلغ مائة وأربعين مثقالاً
стр. 1454
من الفضّة الخالصة إلاَّ ابن حبيب الأندلسيّ فإنّه انفرد بقوله: إنّ كل أهل بلدٍ يتعاملون بدراهمهم.
وذكر ابن عبد البرّ اختلافاً في الوزن بالنّسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلاد، وكذا خَرَقَ المريسيُّ الإجماعَ فاعتبر النّصاب بالعدد لا الوزن.
وانفرد السّرخسيّ من الشّافعيّة بحكاية وجه في المذهب , أنّ الدّراهم المغشوشة إذا بلغت قدراً لو ضمّ إليه قيمة الغشّ من نحاسٍ مثلاً لبلغ نصاباً فإنّ الزّكاة تجب فيه كما نقل عن أبي حنيفة.
واستُدل بهذا الحديث. على عدم الوجوب فيما إذا نقص من النّصاب ولو حبّة واحدة، خلافاً لمن سامح بنقصٍ يسيرٍ كما نقل عن بعض المالكيّة.
تكميل: قال البخاري " باب ما أُدّي زكاته فليس بكنزٍ، لقول النّبيّ ﷺ ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة.
قال ابن بطّال (١) وغيره: وجه استدلال البخاريّ بهذا الحديث للتّرجمة. أنّ الكنز المنفيّ هو المتوعّد عليه الموجب لصاحبه النّار لا مطلق الكنز الذي هو أعمّ من ذلك، وإذا تقرّر ذلك فحديث " لا صدقة فيما دون خمس أواقٍ " مفهومه أنّ ما زاد على الخمس ففيه الصّدقة، ومقتضاه أنّ كلّ مال أخرجت منه الصّدقة فلا وعيد على صاحبه فلا يسمّى ما يفضل بعد إخراجه الصّدقة كنزاً.
стр. 1455
وقال ابن رشيد: وجه التّمسّك به أنّ ما دون الخمس وهو الذي لا تجب فيه الزّكاة قد عفي عن الحقّ فيه فليس بكنزٍ قطعاً، والله قد أثنى على فاعل الزّكاة، ومن أثني عليه في واجب حقّ المال لَم يلحقه ذمّ من جهة ما أثني عليه فيه وهو المال. انتهى.
ويتلخّص أن يقال: ما لَم تجب فيه الصّدقة لا يسمّى كنزاً لأنّه معفوّ عنه، فليكن ما أخرجت منه الزّكاة كذلك لأنّه عفي عنه بإخراج ما وجب عنه فلا يسمّى كنزاً.
ثمّ إنّ لفظ التّرجمة لفظ حديث روي مرفوعاً وموقوفاً عن ابن عمر , أخرجه مالك عن عبد الله بن دينار عنه موقوفاً، وكذا أخرجه الشّافعيّ عنه، ووصله البيهقيّ والطّبرانيّ من طريق الثّوريّ عن عبد الله بن دينار , وقال: إنّه ليس بمحفوظٍ.
وأخرجه البيهقيّ أيضاً من رواية عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ: كلّ ما أدّيت زكاته وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنزٍ، وكلّ ما لا تؤدّى زكاته فهو كنز. وإن كان ظاهراً على وجه الأرض. أورده مرفوعاً ثمّ قال: ليس بمحفوظٍ، والمشهور وقفه.
وهذا يؤيّد ما تقدّم من أنّ المراد بالكنز معناه الشّرعيّ.
وفي الباب عن جابر. أخرجه الحاكم بلفظ: إذا أدّيتَ زكاة مالك فقد أذهبت عنك شرّه. ورجّح أبو زرعة والبيهقيّ وغيرهما وقفه كما عند البزّار.
стр. 1456
وعن أبي هريرة أخرجه التّرمذيّ بلفظ: إذا أدّيت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك. وقال: حسنٌ غريبٌ، وصحَّحه الحاكم، وهو على شرط ابن حبّان. وعن أمّ سلمة عند الحاكم وصحَّحه ابن القطّان أيضاً وأخرجه أبو داود. وقال ابن عبد البرّ: في سنده مقال.
وذكر شيخنا (١) في " شرح التّرمذيّ " أنّ سنده جيّد.
وعن ابن عبّاس أخرجه ابن أبي شيبة موقوفاً بلفظ التّرجمة، وأخرجه أبو داود مرفوعاً بلفظ: إنّ الله لَم يفرض الزّكاة إلاَّ ليطيّب ما بقي من أموالكم. وفيه قصّة.
قال ابن عبد البرّ: والجمهور على أنّ الكنز المذموم ما لَم تؤدّ زكاته. ويشهد له حديث أبي هريرة مرفوعاً: إذا أدّيت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك. فذكر بعض ما تقدّم من الطّرق.
ثمّ قال: ولَم يخالف في ذلك إلاَّ طائفة من أهل الزّهد كأبي ذرّ ﵁
قوله: (خمس ذودٍ) وللبخاري " خمس ذود من الإبل صدقة " الذّود بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة.
قال الزّين بن المنيّر: أضاف خمس إلى ذودٍ وهو مذكّرٌ لأنّه يقع على المذكّر والمؤنّث، وأضافه إلى الجمع لأنّه يقع على المفرد والجمع. وأمّا قول ابن قتيبة إنّه يقع على الواحد فقط فلا يدفع ما نقله غيره أنّه يقع
стр. 1457
على الجمع. انتهى.
والأكثر: على أنّ الذّود من الثّلاثة إلى العشرة , وأنّه لا واحد له من لفظه.
وقال أبو عبيد: من الثّنتين إلى العشرة. قال: وهو يختصّ بالإناث.
وقال سيبويه: تقول ثلاث ذود , لأنّ الذّود مؤنّث. وليس باسم كسر عليه مذكّر.
وقال القرطبيّ (١): أصله ذاد يذود إذا دفع شيئاً فهو مصدر، وكأنّ من كان عنده دفع عن نفسه معرّة الفقر وشدّة الفاقة والحاجة.
وقوله " من الإبل " بيان للذّود. وأنكر ابن قتيبة أن يراد بالذّود الجمع , وقال: لا يصحّ أن يقال خمس ذودٍ كما لا يصحّ أن يقال خمس ثوب.
وغلَّطه العلماء في ذلك، لكن قال أبو حاتم السّجستانيّ: تركوا القياس في الجمع. فقالوا خمس ذودٍ لخمسٍ من الإبل. كما قالوا ثلاثمائة على غير قياس.
قال القرطبيّ: وهذا صريح في أنّ الذّود واحد في لفظه، والأشهر ما قاله المتقدّمون إنّه لا يقصر على الواحد.
قوله: (أوسقٍ) جمع وسقٍ بفتح الواو ويجوز كسرها كما حكاه صاحب " المحكم " وجمعه حينئذٍ أوساقٌ كحملٍ وأحمالٍ، وقد وقع كذلك في روايةٍ لمسلم.
стр. 1458
وهو ستّون صاعاً بالاتّفاق، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق أبي البختريّ عن أبي سعيد نحو هذا الحديث. وفيه " والوسق ستّون صاعاً "، وأخرجها أبو داود أيضاً لكن قال " ستّون مختوماً " والدّارقطنيّ من حديث عائشة أيضاً , والوسق ستّون صاعاً.
ولَم يقع في الحديث بيان المكيل بالأوسق , لكن في رواية مسلم " ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حبٍّ صدقة " وفي روايةٍ له " ليس في حبٍّ ولا تمر صدقة حتّى يبلغ خمسة أوسق ". ولفظ " دون " في المواضع الثّلاثة بمعنى أقلَّ , لا أنّه نفى عن غير الخمس الصّدقة. كما زعم بعض من لا يعتدّ بقوله.
واستدل بهذا الحديث على وجوب الزّكاة في الأمور الثّلاثة.
واستُدل به.
وهو القول الأول: على أنّ الزّروع لا زكاة فيها حتّى تبلغ خمسة أوسق.
القول الثاني: عن أبي حنيفة , تجب في قليله وكثيره. لقوله ﷺ : فيما سقت السّماء العشر. (١).
وأجيب: بأن الخاصّ يقضي على العامّ , لأنّ " فيما سقت " عامٌّ يشمل النّصاب ودونه، و " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " خاصٌّ بقدر النّصاب.
стр. 1459
وأجاب بعض الحنفيّة: بأنّ محلّ ذلك ما إذا كان البيان وفق المبين لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه، أمّا إذا انتفى شيء من أفراد العامّ مثلاً فيمكن التّمسّك به كحديث أبي سعيد هذا. فإنّه دلَّ على النّصاب فيما يقبل التّوسيق، وسكت عمّا لا يقبل التّوسيق فيمكن التّمسّك بعموم قوله " فيما سقت السّماء العشر " أي: ممّا لا يمكن التّوسيق فيه عملاً بالدّليلين.
وأجاب الجمهور: بما روي مرفوعاً: لا زكاة في الخضراوات. رواه الدّارقطنيّ من طريق عليّ وطلحة ومعاذ مرفوعاً.
وقال التّرمذيّ: لا يصحّ فيه شيءٌ إلاَّ مرسل موسى بن طلحة عن النّبيّ ﷺ , وهو دالٌّ على أنّ الزّكاة إنّما هي فيما يكال ممّا يدّخر للاقتيات في حال الاختيار. وهذا قول مالك والشّافعيّ.
وعن أحمد , يخرج من جميع ذلك. ولو كان لا يقتات. وهو قول محمّد وأبي يوسف.
وحكى ابن المنذر الإجماع على أنّ الزّكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق ممّا أخرجت الأرض، إلاَّ أنّ أبا حنيفة قال: تجب في جميع ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلاَّ الحطب والقصب والحشيش والشّجر الذي ليس له ثمر. انتهى.
وحكى عياض عن داود , أنّ كل ما يدخل فيه الكيل يراعى فيه النّصاب، وما لا يدخل فيه الكيل ففي قليله وكثيره الزّكاة، وهو نوعٌ من الجمع بين الحديثين المذكورين. والله أعلم.
стр. 1460
وقال ابن العربيّ: أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين قول أبي حنيفة، وهو التّمسّك بالعموم , قال: وقد زعم الجوينيّ أنّ الحديث إنّما جاء لتفصيل ما تقلّ ممّا تكثر مئونته
قال ابن العربيّ: لا مانع أن يكون الحديث يقتضي الوجهين. والله أعلم.
ولَم يتعرّض الحديث للقدر الزّائد على المحدود، وقد أجمعوا في الأوساق على أنّه لا وقص فيها، وأمّا الفضّة. فقال الجمهور: هو كذلك.
وعن أبي حنيفة. لا شيء فيما زاد على مائتي درهمٍ حتّى يبلغ النّصاب وهو أربعون , فجعل لها وقصاً كالماشية.
واحتجّ عليه الطّبري (١) بالقياس على الثّمار والحبوب، والجامع كون الذّهب والفضّة مستخرجين من الأرض بكلفةٍ ومئونةٍ، وقد أجمعوا على ذلك في خمسة أوسق فما زاد.
فائدةٌ: أجمع العلماء على اشتراط الحول في الماشية والنّقد دون المعشّرات. والله أعلم
стр. 1461
الحديث الثالث
١٧٦ - عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ , قال: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقةٌ. (١)
وفي لفظٍ: إلاَّ زكاة الفطر في الرّقيق. (٢)
قوله: (في عبده ولا فرسه صدقةٌ) وللبخاري " غلامه ".
قال ابن رشيد: أراد بذلك الجنس في الفرس والعبد لا الفرد الواحد، إذ لا خلاف في ذلك في العبد المتصرّف والفرس المعدّ للرّكوب، ولا خلاف أيضاً أنّها لا تؤخذ من الرّقاب، وإنّما قال بعض الكوفيّين: يؤخذ منها بالقيمة.
وفي حديث عليٍّ مرفوعاً: قد عفوت عن الخيل والرّقيق فهاتوا صدقة الرّقة .. الحديث. أخرجه أبو داود وغيره. وإسناده حسن.
والخلاف في ذلك عن أبي حنيفة إذا كانت الخيل ذكراناً وإناثاً. نظراً إلى النّسل، فإذا انفردت فعنه روايتان، ثمّ عنده أنّ المالك يتخيّر بين أن يخرج عن كل فرس ديناراً , أو يقوّم ويخرج ربع العشر، واستدل عليه بهذا الحديث. (٣)
стр. 1462
وأجيب: بحمل النّفي فيه على الرّقبة لا على القيمة.
واستدل به مَن قال من أهل الظّاهر بعدم وجوب الزّكاة فيهما مطلقاً , ولو كانا للتّجارة.
وأجيبوا: بأنّ زكاة التّجارة ثابتة بالإجماع. كما نقله ابن المنذر وغيره , فيخصّ به عموم هذا الحديث. والله أعلم.
قوله: (إلاَّ زكاة الفطر في الرّقيق) سيأتي الكلام عليه إن شاء الله مستوفي في باب صدقة الفطر.
стр. 1463
الحديث الرابع
١٧٧ - عن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: العجماء جبارٌ , والبئر جبارٌ , والمعدن جبارٌ , وفي الرّكاز الخمس. (١)
قال المصنِّف: الجبار. الهدر الذي لا شيء فيه.
والعجماء: الدابة.
قوله: (العجماء) بفتح المهملة وسكون الجيم وبالمدّ. تأنيث أعجم وهي البهيمة، ويقال أيضاً لكل حيوان غير الإنسان. ويقال لمن لا يفصح.
والمراد هنا الأوّل.
قوله: (جُبار) وللبخاري " عقلها جبار " وفي رواية لهما " جرحها جبار " وكذا في حديث كثير بن عبد الله المزنيّ عند ابن ماجه، وفي حديث عبادة بن الصّامت عنده.
وقوله " جُبار " بضمّ الجيم وتخفيف الموحّدة , هو الهدر الذي لا شيء فيه، كذا أسنده ابن وهب عن ابن شهاب.
стр. 1464
وعن مالك. ما لا دية فيه. أخرجه التّرمذيّ، وأصله أنّ العرب تسمّي السّيل جباراً , أي: لا شيء فيه.
وقال التّرمذيّ: فسّر بعض أهل العلم قالوا: العجماء الدّابّة المنفلتة من صاحبها , فما أصابت من انفلاتها فلا غرم على صاحبها.
وقال أبو داود بعد تخريجه: العجماء التي تكون منفلتة لا يكون معها أحد، وقد تكون بالنّهار ولا تكون بالليل.
ووقع عند ابن ماجه في آخر حديث عبادة بن الصّامت " والعجماء البهيمة من الأنعام وغيرها، والجبار هو الهدر الذي لا يغرم " كذا وقع التّفسير مدرجاً , وكأنّه من رواية موسى بن عقبة.
وذكر ابن العربيّ , أنّ بناء (ج ب ر) للرّفع والإهدار من باب السّلب وهو كثير، يأتي اسم الفعل والفاعل لسلب معناه , كما يأتي لإثبات معناه.
وتعقّبه شيخنا في شرح التّرمذيّ: بأنّه للرّفع على بابه , لأنّ إتلافات الآدميّ مضمونة مقهورٌ متلفها على ضمانها، وهذا إتلاف قد ارتفع عن أن يؤخذ به أحد.
قال شيخنا في شرح التّرمذيّ: وليس ذكر الجرح قيداً , وإنّما المراد به إتلافها بأيّ وجه كان سواء كان بجرحٍ أو غيره، والمراد بالعقل الدّية أي لا دية فيما تتلفه.
وقد استدل بهذا الإطلاق مَن قال: لا ضمان فيما أتلفت البهيمة سواء كانت منفردة أو معها أحد. سواء كان راكبها أو سائقها أو
стр. 1465
قائدها، وهو قول الظّاهريّة.
واستثنوا ما إذا كان الفعل منسوباً إليه بأنْ حملَها على ذلك الفعل إذا كان راكباً , كأن يلوي عنانها فتتلف شيئاً برجلها مثلاً , أو يطعنها أو يزجرها حين يسوقها , أو يقودها حتّى تتلف ما مرّت عليه، وأمّا ما لا ينسب إليه فلا ضمان فيه.
وقال الشّافعيّة: إذا كان مع البهيمة إنسان فإنّه يضمن ما أتلفته من نفس أو عضو أو مال. سواء كان سائقاً أو راكباً أو قائداً. سواء كان مالكاً أو أجيراً أو مستأجراً أو مستعيراً أو غاصباً، وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو ذنبها أو رأسها، وسواء كان ذلك ليلاً أو نهاراً.
والحجّة في ذلك. أنّ الإتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره، ومن هو مع البهيمة حاكم عليها , فهي كالآلة بيده ففعلها منسوب إليه سواء حملها عليه أم لا، سواء علم به أم لا.
وعن مالك كذلك , إلاَّ إن رَمَحَت بغير أن يفعل بها أحدٌ شيئاً ترمحُ بسببه، وحكاه ابن عبد البرّ عن الجمهور.
وقد وقع في رواية جابر عند أحمد والبزّار بلفظ " السّائمة جبار " وفيه إشعار بأنّ المراد بالعجماء البهيمة التي ترعى لا كلّ بهيمة، لكنّ المراد بالسّائمة هنا التي ليس معها أحد لأنّه الغالب على السّائمة، وليس المراد بها التي لا تعلف كما في الزّكاة فإنّه ليس مقصوداً هنا.
واستُدل به.
وهو القول الأول: على أنّه لا فرق في إتلاف البهيمة للزّروع
стр. 1466
وغيرها في الليل والنّهار. وهو قول الحنفيّة والظّاهريّة.
القول الثاني: قال الجمهور: إنّما يسقط الضّمان إذا كان ذلك نهاراً، وأمّا بالليل فإنّ عليه حفظها، فإذا أتلفت بتقصيرٍ منه وجب عليه ضمان ما أتلفت.
ودليل هذا التّخصيص ما أخرجه الشّافعيّ وأبو داود والنّسائيّ وابن ماجه كلّهم من رواية الأوزاعيّ، والنّسائيّ أيضاً وابن ماجه من رواية عبد الله بن عيسى، والنّسائيّ أيضاً من رواية محمّد بن ميسرة وإسماعيل بن أُميَّة كلّهم عن الزّهريّ عن حرام بن محيّصة الأنصاريّ عن البراء بن عازب قال: كانت له ناقة ضارية , فدخلت حائطاً فأفسدت فيه. فقضى رسول الله ﷺ أنّ حفظ الحوائط بالنّهار على أهلها , وأنّ حفظ الماشية بالليل على أهلها , وأنّ على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل.
وأخرج ابن ماجه أيضاً من رواية الليث عن الزّهريّ عن ابن محيّصة , أنّ ناقةً للبراء ولَم يسمّ حراماً،
وأخرج أبو داود من رواية معمر عن الزّهريّ. فزاد فيه رجلاً قال: عن حرام بن محيّصة عن أبيه. وكذا أخرجه مالك والشّافعيّ عنه عن الزّهريّ عن حرام بن سعيد بن محيّصة " أنّ ناقة .. ".
وأخرجه الشّافعيّ في رواية المزنيّ في المختصر عنه عن سفيان عن الزّهريّ , فزاد مع حرام سعيد بن المسيّب قالا: إنّ ناقةً للبراء.
وفيه اختلاف آخر. أخرجه البيهقيّ من رواية ابن جريجٍ عن
стр. 1467
الزّهريّ عن أبي أُمامة بن سهل.
فاختلف فيه على الزّهريّ على ألوان , والمسند منها طريق حرام عن البراء.
وحرام بمهملتين. اختلف هل هو ابن محيّصة نفسه أو ابن سعد بن محيّصة؟.
قال ابن حزم: وهو مع ذلك مجهول , لَم يرو عنه إلاَّ الزّهريّ ولَم يوثّقه.
قلت: وقد وثّقه ابن سعد وابن حبّان , لكن قال: إنّه لَم يسمع من البراء.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون قول مَن قال فيه عن البراء , أي: عن قصّة ناقة البراء فتجتمع الرّوايات، ولا يمتنع أن يكون للزّهريّ فيه ثلاثة أشياخ.
وقد قال ابن عبد البرّ: هذا الحديث. وإن كان مرسلاً فهو مشهور , حدّث به الثّقات , وتلقّاه فقهاء الحجاز بالقبول.
وأمّا إشارة الطّحاويّ إلى أنّه منسوخ بحديث الباب , فقد تعقّبوه بأنّ النّسخ لا يثبت بالاحتمال مع الجهل بالتّاريخ.
وأقوى من ذلك قول الشّافعيّ: أخذنا بحديث البراء لثبوته ومعرفة رجاله , ولا يخالفه حديث " العجماء جبار " لأنّه من العامّ المراد به الخاصّ، فلمّا قال " العجماء جبار " وقضى فيما أفسدت العجماء بشيءٍ في حال دون حال دلَّ ذلك على أنّ ما أصابت العجماء
стр. 1468
من جرح وغيره في حالٍ جبارٌ , وفي حالٍ غير جبار.
ثمّ نقض على الحنفيّة. أنّهم لَم يستمرّوا على الأخذ بعمومه في تضمين الرّاكب , متمسّكين بحديث " الرِّجل جبار " مع ضعف راويه كما سيأتي.
وتعقّب بعضهم على الشّافعيّة قولهم: إنّه لو جرت عادة قومٍ إرسال المواشي ليلاً وحبسها نهاراً. انعكس الحكم على الأصحّ.
وأجابوا: بأنّهم اتّبعوا المعنى في ذلك، ونظيره القسم الواجب للمرأة , لو كان يكتسب ليلاً ويأوي إلى أهله نهاراً لانعكس الحكم في حقّه. مع أنّ عماد القسم الليل.
نعم. لو اضطربت العادة في بعض البلاد فكان بعضهم يرسلها ليلاً , وبعضهم يرسلها نهاراً. فالظّاهر أنّه يُقضى بما دلَّ عليه الحديث.
قال ابن بطّال: فرّق الحنفيّة فيما أصابت الدّابّة بيدها أو رجلها , فقالوا: لا يضمن ما أصابت برجلها وذنبها ولو كانت بسببٍ، ويضمن ما أصابت بيدها وفمها، فأشار البخاريّ إلى الرّدّ بما نقله عن أئمّة أهل الكوفة ممّا يخالف ذلك. (١)
стр. 1469
وقد احتجّ لهم الطّحاويّ. بأنّه لا يمكن التّحفّظ من الرّجل والذّنب بخلاف اليد والفم , واحتجّ برواية سفيان بن حسين " الرّجل جبار " وقد غلَّطه الحفّاظ، ولو صحّ فاليد أيضاً جبار بالقياس على الرّجل. وكلّ منهما مقيّد بما إذا لَم يكن لمن هي معه مباشرة ولا تسبّب.
ويحتمل: أن يقال حديث " الرّجل جبار " مختصر من حديث " العجماء جبار " لأنّها فرد من أفراد العجماء، وهم لا يقولون بتخصيص العموم بالمفهوم فلا حجّة لهم فيه.
وقد وقع في حديث الباب (١) زيادة " والرّجل جبار " أخرجه الدّارقطنيّ من طريق آدم عن شعبة، وقال: تفرّد آدم عن شعبة بهذه الزّيادة. وهي وهْمٌ.
وعند الحنفيّة خلاف , فقال أكثرهم: لا يضمن الرّاكب والقائد في الرّجل والذّنب إلاَّ إن أوقفها في الطّريق.
وأمّا السّائق , فقيل: ضامن لِمَا أصابت بيدها أو رجلها لأنّ النّفحة بمرأى عينه فيمكنه الاحتراز عنها.
стр. 1470
والرّاجح عندهم لا يضمن النّفحة وإن كان يراها إذ ليس على رجلها ما يمنعها به فلا يمكنه التّحرّز عنه، بخلاف الفم فإنّه يمنعها باللجام , وكذا قال الحنابلة.
قوله: (والبئر جبار) في رواية الأسود بن العلاء عن أبي سلمة عن أبي هريرة عند مسلم " والبئر جرحها جبار ".
أمّا البئر: فهي بكسر الموحّدة ثمّ ياء ساكنة مهموزة ويجوز تسهيلها , وهي مؤنّثة , وقد تذكّر على معنى القليب والطّوى , والجمع أبؤرٌ وآبارٌ بالمدّ والتّخفيف وبهمزتين بينهما موحّدة ساكنة.
قال أبو عبيد: المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يُعلم لها مالكٌ. تكون في البادية فيقع فيها إنسانٌ أو دابّةٌ فلا شيء في ذلك على أحد، وكذلك لو حفر بئراً في ملكه أو في موات فوقع فيها إنسان أو غيره فتلف فلا ضمان إذا لَم يكن منه تسبّب إلى ذلك ولا تغرير.
وكذا لو استأجر إنساناً ليحفر له البئر فانهارت عليه فلا ضمان، وأمّا من حفر بئراً في طريق المسلمين وكذا في ملك غيره بغير إذن. فتلف بها إنسان فإنّه يجب ضمانه على عاقلة الحافر والكفّارة في ماله، وإن تلف بها غير آدميّ وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كلّ حفرة على التّفصيل المذكور.
وإلى التّفرقة بين الحفر في ملكه وغيره. ذهب الجمهور، وخالف الكوفيّون.
والمراد بـ جَرحها: وهي بفتح الجيم لا غير كما نقله في النّهاية عن
стр. 1471
الأزهريّ. ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة , وليست الجراحة مخصوصة بذلك , بل كلّ الإتلافات ملحقة بها.
قال عياض وجماعة: إنّما عبّر بالجرح لأنّه الأغلب , أو هو مثال نبّه به على ما عداه , والحكم في جميع الإتلافات بها سواء كان على نفس أو مال، ورواية الأكثر تتناول ذلك على بعض الآراء، ولكنّ الرّاجح الذي يحتاج لتقديرٍ لا عموم فيه.
قال ابن بطّال: وخالف الحنفيّة في ذلك فضمّنوا حافر البئر مطلقاً قياساً على راكب الدّابّة، ولا قياس مع النّصّ.
قال ابن العربيّ: اتّفقت الرّوايات المشهورة على التّلفّظ بالبئر، وجاءت رواية شاذّة بلفظ " النّار جبار " بنونٍ وألف ساكنة قبل الرّاء. ومعناه عندهم أنّ من استوقد ناراً ممّا يجوز له فتعدّت حتّى أتلفت شيئاً فلا ضمان عليه. قال:
وقال بعضهم: صحّفها بعضهم , لأنّ أهل اليمن يكتبون النّار بالياء لا بالألف. فظنّ بعضهم البئر الموحّدة النّار بالنّون فرواها كذلك.
قلت: هذا التّأويل نقله ابن عبد البرّ وغيره عن يحيى بن معين. وجزم بأنّ معمراً صحّفه حيث رواه عن همّام عن أبي هريرة.
قال ابن عبد البرّ: ولَم يأتِ ابن معين على قوله بدليلٍ، وليس بهذا تردّ أحاديث الثّقات.
قلت: ولا يعترض على الحفّاظ الثّقات بالاحتمالات. ويؤيّد ما قاله
стр. 1472
ابن معين. اتّفاقُ الحفّاظ من أصحاب أبي هريرة على ذكر البئر دون النّار.
وقد ذكر مسلمٌ أنّ علامة المنكر في حديث المحدّث أن يعمد إلى مشهور بكثرة الحديث والأصحاب فيأتي عنه بما ليس عندهم. وهذا من ذاك.
ويؤيّده أيضاً. أنّه وقع عند أحمد من حديث جابر بلفظ " والجبّ جبارٌ " بجيمٍ مضمومة وموحّدة ثقيلة وهي البئر.
وقد اتّفق الحفّاظ على تغليط سفيان بن حسين حيث روى عن الزّهريّ في حديث الباب " الرّجل جبار " بكسر الرّاء وسكون الجيم، وما ذاك إلاَّ أنّ الزّهريّ مكثر من الحديث والأصحاب , فتفرّد سفيان عنه بهذا اللفظ. فعُدَّ منكراً.
وقال الشّافعيّ: لا يصحّ هذا.
وقال الدّارقطنيّ: رواه عن أبي هريرة سعيد بن المسيّب وأبو سلمة وعبيد الله بن عبد الله والأعرج وأبو صالح ومحمّد بن زياد ومحمّد بن سيرين فلم يذكروها، وكذلك رواه أصحاب الزّهريّ , وهو المعروف.
نعم. الحكم الذي نقله ابن العربيّ صحيح. ويمكن أن يتلقّى من حيث المعنى من الإلحاق بالعجماء , ويلتحق به كلّ جماد، فلو أنّ شخصاً عثر فوقع رأسه في جدارٍ فمات أو انكسر لَم يجب على صاحب الجدار شيء.
стр. 1473
قوله: (والمعدن جبار) أي: هَدرٌ. وليس المراد أنه لا زكاة فيه , ووقع في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم " والمعدن جرحها جبار " والحكم فيه ما تقدّم في البئر , لكنّ البئر مؤنّثة , والمعدن مذكّر , فكأنّه ذكره بالتّأنيث للمؤاخاة أو لملاحظة أرض المعدن.
فلو حفر معدناً في ملكه أو في موات فوقع فيه شخص فمات فدمه هدر، وكذا لو استأجر أجيراً يعمل له فانهار عليه فمات.
ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كلّ أجير على عمل. كمن استؤجر على صعود نخلة فسقط منها فمات.
قال ابن بطّالٍ: ذهب أبو حنيفة والثّوريّ وغيرهما إلى أنّ المعدن كالرّكاز، واحتجّ لهم بقول العرب: أركز الرّجل إذا أصاب ركازاً، وهي قطعٌ من الذّهب تخرج من المعادن. والحجّة للجمهور. تفرقة النّبيّ ﷺ بين المعدن والرّكاز بواو العطف , فصحّ أنّه غيره.
قال: وما ألزم به البخاريّ (١) القائل المذكور بقوله " قد يقال لمن وهب له الشّيء أو ربح ربحاً كثيراً أو كثر ثمره: أركزت " حجّةٌ بالغةٌ، لأنّه لا يلزم من الاشتراك في الأسماء الاشتراك في المعنى، إلاَّ إن أوجب ذلك من يجب التّسليم له، وقد أجمعوا على أنّ المال الموهوب لا يجب فيه الخمس، وإن كان يقال له أركز , فكذلك المعدن.
стр. 1474
وأمّا قوله " ثم ناقض وقال: لا بأس أن يكتمه فلا يؤدي الخمس " فليس كما قال، وإنّما أجاز له أبو حنيفة أن يكتمه إذا كان محتاجاً، بمعنى أنّه يتأوّل أنّ له حقّاً في بيت المال ونصيباً في الفيء , فأجاز له أن يأخذ الخمس لنفسه عوضاً عن ذلك. لا أنّه أسقط الخمس عن المعدن. انتهى.
وقد نقل الطّحاويّ المسألة التي ذكرها ابن بطّالٍ , ونقل أيضاً أنّه لو وجد في داره معدناً فليس عليه شيءٌ، وبهذا يتّجه اعتراض البخاريّ.
والفرق بين المعدن والرّكاز في الوجوب وعدمه , أنّ المعدن يحتاج إلى عملٍ ومئونةٍ ومعالجةٍ لاستخراجه بخلاف الرّكاز، وقد جرت عادة الشّرع أنّ ما غلظت مئونته خفّف عنه في قدر الزّكاة وما خفّت زيد فيه.
وقيل: إنّما جعل في الرّكاز الخمس , لأنّه مال كافرٍ فنزّل من وجده منزلة الغنائم فكان له أربعة أخماسه.
وقال الزّين بن المنيّر: كأنّ الرّكاز مأخوذٌ من أركزته في الأرض إذا غرزته فيها، وأمّا المعدن فإنّه ينبت في الأرض بغير وضع واضعٍ. هذه حقيقتهما، فإذا افترقا في أصلهما فكذلك في حكمهما.
قوله: (وفي الرّكاز الخمس) الرّكاز بكسر الرّاء وتخفيف الكاف وآخره زايٌ. المال المدفون , مأخوذٌ من الرّكز بفتح الرّاء يقال: ركزه يركزه ركزاً إذا دفنه فهو مركوزٌ، وهذا متّفقٌ عليه
стр. 1475
وهو من دفن الجاهليّة , بكسر الدّال وسكون الفاء. الشّيء المدفون كذبحٍ بمعنى مذبوحٍ، وأمّا بالفتح فهو المصدر ولا يراد هنا.
وذهب الجمهور: إلى أنّه المال المدفون.
لكن حصره الشّافعيّة. فيما يوجد في الموات، بخلاف ما إذا وجده في طريقٍ مسلوكٍ أو مسجدٍ فهو لقطةٌ، وإذا وجده في أرضٍ مملوكةٍ فإن كان المالك الذي وجده فهو له، وإن كان غيره فإن ادّعاه المالك فهو له وإلاَّ فهو لمن تلقّاه عنه إلى أن ينتهي الحال إلى من أحيا تلك الأرض.
قال الشّيخ تقيّ الدّين بن دقيق العيد: مَن قال من الفقهاء بأنّ في الرّكاز الخمس إمّا مطلقاً أو في أكثر الصّور فهو أقرب إلى الحديث، وخصّه الشّافعيّ أيضاً بالذّهب والفضّة، وقال الجمهور: لا يختصّ، واختاره ابن المنذر.
واختلفوا في مصرفه.
القول الأول: قال مالكٌ وأبو حنيفة والجمهور: مصرفه مصرف خمس الفيء، وهو اختيار المزنيّ.
القول الثاني: قال الشّافعيّ في أصحّ قوليه: مصرفه مصرف الزّكاة. وعن أحمد روايتان.
وينبني على ذلك ما إذا وجده ذمّيٌّ , فعند الجمهور يخرج منه الخمس , وعند الشّافعيّ لا يؤخذ منه شيءٌ.
واتّفقوا على أنّه لا يشترط فيه الحول , بل يجب إخراج الخمس في