← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الأزهريّ. ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة , وليست الجراحة مخصوصة بذلك , بل كلّ الإتلافات ملحقة بها. قال عياض وجماعة: إنّما عبّر بالجرح لأنّه الأغلب , أو هو مثال نبّه به على ما عداه , والحكم في جميع الإتلافات بها سواء كان على نفس أو مال، ورواية الأكثر تتناول ذلك على بعض الآراء، ولكنّ الرّاجح الذي يحتاج لتقديرٍ لا عموم فيه. قال ابن بطّال: وخالف الحنفيّة في ذلك فضمّنوا حافر البئر مطلقاً قياساً على راكب الدّابّة، ولا قياس مع النّصّ. قال ابن العربيّ: اتّفقت الرّوايات المشهورة على التّلفّظ بالبئر، وجاءت رواية شاذّة بلفظ " النّار جبار " بنونٍ وألف ساكنة قبل الرّاء. ومعناه عندهم أنّ من استوقد ناراً ممّا يجوز له فتعدّت حتّى أتلفت شيئاً فلا ضمان عليه. قال: وقال بعضهم: صحّفها بعضهم , لأنّ أهل اليمن يكتبون النّار بالياء لا بالألف. فظنّ بعضهم البئر الموحّدة النّار بالنّون فرواها كذلك. قلت: هذا التّأويل نقله ابن عبد البرّ وغيره عن يحيى بن معين. وجزم بأنّ معمراً صحّفه حيث رواه عن همّام عن أبي هريرة. قال ابن عبد البرّ: ولَم يأتِ ابن معين على قوله بدليلٍ، وليس بهذا تردّ أحاديث الثّقات. قلت: ولا يعترض على الحفّاظ الثّقات بالاحتمالات. ويؤيّد ما قاله

стр. 1472

ابن معين. اتّفاقُ الحفّاظ من أصحاب أبي هريرة على ذكر البئر دون النّار. وقد ذكر مسلمٌ أنّ علامة المنكر في حديث المحدّث أن يعمد إلى مشهور بكثرة الحديث والأصحاب فيأتي عنه بما ليس عندهم. وهذا من ذاك. ويؤيّده أيضاً. أنّه وقع عند أحمد من حديث جابر بلفظ " والجبّ جبارٌ " بجيمٍ مضمومة وموحّدة ثقيلة وهي البئر. وقد اتّفق الحفّاظ على تغليط سفيان بن حسين حيث روى عن الزّهريّ في حديث الباب " الرّجل جبار " بكسر الرّاء وسكون الجيم، وما ذاك إلاَّ أنّ الزّهريّ مكثر من الحديث والأصحاب , فتفرّد سفيان عنه بهذا اللفظ. فعُدَّ منكراً. وقال الشّافعيّ: لا يصحّ هذا. وقال الدّارقطنيّ: رواه عن أبي هريرة سعيد بن المسيّب وأبو سلمة وعبيد الله بن عبد الله والأعرج وأبو صالح ومحمّد بن زياد ومحمّد بن سيرين فلم يذكروها، وكذلك رواه أصحاب الزّهريّ , وهو المعروف. نعم. الحكم الذي نقله ابن العربيّ صحيح. ويمكن أن يتلقّى من حيث المعنى من الإلحاق بالعجماء , ويلتحق به كلّ جماد، فلو أنّ شخصاً عثر فوقع رأسه في جدارٍ فمات أو انكسر لَم يجب على صاحب الجدار شيء.

стр. 1473

قوله: (والمعدن جبار) أي: هَدرٌ. وليس المراد أنه لا زكاة فيه , ووقع في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم " والمعدن جرحها جبار " والحكم فيه ما تقدّم في البئر , لكنّ البئر مؤنّثة , والمعدن مذكّر , فكأنّه ذكره بالتّأنيث للمؤاخاة أو لملاحظة أرض المعدن. فلو حفر معدناً في ملكه أو في موات فوقع فيه شخص فمات فدمه هدر، وكذا لو استأجر أجيراً يعمل له فانهار عليه فمات. ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كلّ أجير على عمل. كمن استؤجر على صعود نخلة فسقط منها فمات. قال ابن بطّالٍ: ذهب أبو حنيفة والثّوريّ وغيرهما إلى أنّ المعدن كالرّكاز، واحتجّ لهم بقول العرب: أركز الرّجل إذا أصاب ركازاً، وهي قطعٌ من الذّهب تخرج من المعادن. والحجّة للجمهور. تفرقة النّبيّ ﷺ بين المعدن والرّكاز بواو العطف , فصحّ أنّه غيره. قال: وما ألزم به البخاريّ (١) القائل المذكور بقوله " قد يقال لمن وهب له الشّيء أو ربح ربحاً كثيراً أو كثر ثمره: أركزت " حجّةٌ بالغةٌ، لأنّه لا يلزم من الاشتراك في الأسماء الاشتراك في المعنى، إلاَّ إن أوجب ذلك من يجب التّسليم له، وقد أجمعوا على أنّ المال الموهوب لا يجب فيه الخمس، وإن كان يقال له أركز , فكذلك المعدن.

стр. 1474

وأمّا قوله " ثم ناقض وقال: لا بأس أن يكتمه فلا يؤدي الخمس " فليس كما قال، وإنّما أجاز له أبو حنيفة أن يكتمه إذا كان محتاجاً، بمعنى أنّه يتأوّل أنّ له حقّاً في بيت المال ونصيباً في الفيء , فأجاز له أن يأخذ الخمس لنفسه عوضاً عن ذلك. لا أنّه أسقط الخمس عن المعدن. انتهى. وقد نقل الطّحاويّ المسألة التي ذكرها ابن بطّالٍ , ونقل أيضاً أنّه لو وجد في داره معدناً فليس عليه شيءٌ، وبهذا يتّجه اعتراض البخاريّ. والفرق بين المعدن والرّكاز في الوجوب وعدمه , أنّ المعدن يحتاج إلى عملٍ ومئونةٍ ومعالجةٍ لاستخراجه بخلاف الرّكاز، وقد جرت عادة الشّرع أنّ ما غلظت مئونته خفّف عنه في قدر الزّكاة وما خفّت زيد فيه. وقيل: إنّما جعل في الرّكاز الخمس , لأنّه مال كافرٍ فنزّل من وجده منزلة الغنائم فكان له أربعة أخماسه. وقال الزّين بن المنيّر: كأنّ الرّكاز مأخوذٌ من أركزته في الأرض إذا غرزته فيها، وأمّا المعدن فإنّه ينبت في الأرض بغير وضع واضعٍ. هذه حقيقتهما، فإذا افترقا في أصلهما فكذلك في حكمهما. قوله: (وفي الرّكاز الخمس) الرّكاز بكسر الرّاء وتخفيف الكاف وآخره زايٌ. المال المدفون , مأخوذٌ من الرّكز بفتح الرّاء يقال: ركزه يركزه ركزاً إذا دفنه فهو مركوزٌ، وهذا متّفقٌ عليه

стр. 1475

وهو من دفن الجاهليّة , بكسر الدّال وسكون الفاء. الشّيء المدفون كذبحٍ بمعنى مذبوحٍ، وأمّا بالفتح فهو المصدر ولا يراد هنا. وذهب الجمهور: إلى أنّه المال المدفون. لكن حصره الشّافعيّة. فيما يوجد في الموات، بخلاف ما إذا وجده في طريقٍ مسلوكٍ أو مسجدٍ فهو لقطةٌ، وإذا وجده في أرضٍ مملوكةٍ فإن كان المالك الذي وجده فهو له، وإن كان غيره فإن ادّعاه المالك فهو له وإلاَّ فهو لمن تلقّاه عنه إلى أن ينتهي الحال إلى من أحيا تلك الأرض. قال الشّيخ تقيّ الدّين بن دقيق العيد: مَن قال من الفقهاء بأنّ في الرّكاز الخمس إمّا مطلقاً أو في أكثر الصّور فهو أقرب إلى الحديث، وخصّه الشّافعيّ أيضاً بالذّهب والفضّة، وقال الجمهور: لا يختصّ، واختاره ابن المنذر. واختلفوا في مصرفه. القول الأول: قال مالكٌ وأبو حنيفة والجمهور: مصرفه مصرف خمس الفيء، وهو اختيار المزنيّ. القول الثاني: قال الشّافعيّ في أصحّ قوليه: مصرفه مصرف الزّكاة. وعن أحمد روايتان. وينبني على ذلك ما إذا وجده ذمّيٌّ , فعند الجمهور يخرج منه الخمس , وعند الشّافعيّ لا يؤخذ منه شيءٌ. واتّفقوا على أنّه لا يشترط فيه الحول , بل يجب إخراج الخمس في

стр. 1476

الحال. وأغرب ابن العربيّ في " شرح التّرمذيّ " فحكى عن الشّافعيّ الاشتراط، ولا يعرف ذلك في شيءٍ من كتبه , ولا من كتب أصحابه. وقال الشافعي: في قليله وكثيره الخمس وهو قوله في القديم كما نقله ابن المنذر واختاره. وأمّا الجديد , فقال: لا يجب فيه الخمس حتّى يبلغ نصاب الزّكاة. والأوّل قول الجمهور. كما نقله ابن المنذر أيضاً , وهو مقتضى ظاهر الحديث. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عاصمٍ الأحول عن الحسن قال: إذا وجد الكنز في أرض العدوّ ففيه الخمس، وإذا وجد في أرض العرب ففيه الزّكاة " قال ابن المنذر: ولا أعلم أحداً فرّق هذه التّفرقة غير الحسن.

стр. 1477

الحديث الخامس ١٧٨ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: بعث رسولُ الله ﷺ عمرَ ﵁ على الصّدقة , فقيل: منع ابن جميلٍ وخالد بن الوليد والعبّاس - عمّ رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ما ينقم ابن جميلٍ , إلاَّ أن كان فقيراً فأغناه الله؟ وأمّا خالدٌ: فإنّكم تظلمون خالداً. وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله. وأمّا العبّاس: فهي عليّ ومثلها. ثمّ قال: يا عمر , أَمَا شعرت أنّ عمّ الرّجل صنو أبيه؟. (١) قوله: (عن أبي هريرة) في رواية النّسائيّ من طريق عليّ بن عيّاش عن شعيب ممّا حدّثه عبد الرّحمن الأعرج ممّا ذكر أنّه سمع أبا هريرة يقول: قال عمر. فذكره، صرّح بالتّحديث في الإسناد. وزاد فيه عمر، والمحفوظ أنّه من مسند أبي هريرة , وإنّما جرى لعمر فيه ذكر فقط. قوله: (بعث رسول الله ﷺ عمر على الصّدقة) في رواية مسلم من طريق ورقاء عن أبي الزناد: بعث رسول الله ﷺ عمر ساعياً على الصدقة. (٢)

стр. 1478

وللبخاري " أمر رسول الله ﷺ بالصّدقة فقيل منع .. الحديث " وهو مشعرٌ بأنّها صدقة الفرض، لأنّ صدقة التّطوّع لا يبعث عليها السّعاة. وقال ابن القصّار المالكيّ: الأليق أنّها صدقة التّطوّع , لأنّه لا يظنّ بهؤلاء الصّحابة أنّهم منعوا الفرض. وتعقّب: بأنّهم ما منعوه كلّهم جحداً ولا عناداً، أمّا ابن جميل فقد قيل: إنّه كان منافقاً ثمّ تاب بعد ذلك، كذا حكاه المُهلَّب. (١) وجزم القاضي حسين في تعليقه , أنّ فيه نزلت (ومنهم من عاهد الله) الآية. انتهى. والمشهور أنّها نزلت في ثعلبة (٢)، وأمّا خالدٌ فكان متأوّلاً بإجزاء ما حبسه عن الزّكاة، وكذلك العبّاس لاعتقاده ما سيأتي التّصريح به، ولهذا عَذرَ النّبيّ ﷺ خالداً والعبّاس , ولَم يعذر ابن جميل. قوله: (فقيل منع ابن جميل) قائل ذلك عمر كما سيأتي في حديث

стр. 1479

ابن عبّاس في الكلام على قصّة العبّاس، ووقع في رواية ابن أبي الزّناد عن أبيه عند أبي عبيد " فقال بعض من يلمز " أي: يعيب. وابن جميل لَم أقف على اسمه في كتب الحديث. لكن وقع في تعليق القاضي الحسين المروزيّ الشّافعيّ , وتبعه الرّويانيّ , أنّ اسمه عبد الله، ووقع في شرح الشّيخ سراج الدّين بن الملقّن , أنّ ابن بزيزة سمّاه حميداً. ولَم أر ذلك في كتاب ابن بزيزة. ووقع في رواية ابن جريجٍ " أبو جهم بن حذيفة " بدل ابن جميل، وهو خطأٌ لإطباق الجميع على ابن جميل، وقول الأكثر أنّه كان أنصاريّاً، وأمّا أبو جهم بن حذيفة فهو قرشيّ فافترقا. وذكر بعض المتأخّرين. أنّ أبا عبيد البكريّ ذكر في " شرح الأمثال " له: أنّه أبو جهم بن جميل. قوله: (والعبّاس عمُّ رسول الله ﷺ ) زاد ابن أبي الزّناد عن أبيه عند أبي عبيد " أن يعطوا الصّدقة. قال: فخطب رسول الله ﷺ فذبَّ عن اثنين العبّاس وخالد ". وكان العباس أسنَّ من النبي ﷺ بسنتين أو بثلاث. وكان إسلامه على المشهور قبل فتح مكة، قيل: قبل ذلك، وليس ببعيد، فإن في حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط ما يؤيد ذلك. وكنية العباس أبو الفضل. ومات العباس في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين , وله بضع

стр. 1480

وثمانون سنة. قوله: (ما ينقم) بكسر القاف أي: ما ينكر أو يكره، قوله: (فأغناه الله) وللبخاري " فأغناه الله ورسوله " إنّما ذكر رسول الله ﷺ نفسه , لأنّه كان سبباً لدخوله في الإسلام , فأصبح غنيّاً بعد فقره بما أفاء الله على رسوله , وأباح لأمّته من الغنائم. وهذا السّياق من باب تأكيد المدح بما يشبه الذّمّ , لأنّه إذا لَم يكن له عذرٌ إلاَّ ما ذكر من أنّ الله أغناه فلا عذر له، وفيه التّعريض بكفران النّعم وتقريعٌ بسوء الصّنيع في مقابلة الإحسان. قوله: (احتبس) أي: حبس. قوله: (وأعتاده) وهو جمع , وللبخاري " وأعتده " جمع أيضاٍ بضمّ المثنّاة عتدٍ بفتحتين. قيل: هو ما يعدّه الرّجل من الدّوابّ والسّلاح. وقيل: الخيل خاصّة، يقال فرس عتيد. أي: صلب أو معدٌّ للرّكوب أو سريع الوثوب أقوال. وقيل: إنّ لبعض رواة البخاريّ " وأعبده " بالموحّدة جمع عبدٍ حكاه عياض، والأوّل هو المشهور. قوله: (فهي عليّ ومثلها).كذا لمسلم. وللبخاري من رواية شعيب عن أبي الزناد " فهي عليه صدقة ومثلها معها "، ولَم يقل ورقاء ولا موسى بن عقبة (١) " صدقة ".

стр. 1481

فعلى رواية شعيب يكون ﷺ ألزمه بتضعيف صدقته (١) ليكون أرفع لقدره وأنْبَه لذكره وأنفى للذّمّ عنه، فالمعنى. فهو صدقةٌ ثابتةٌ عليه سيصّدّق بها , ويضيف إليها مثلها كرماً. ودلَّت رواية مسلمٍ على أنّه ﷺ التزم بإخراج ذلك عنه لقوله " فهي عليّ " وفيه تنبيهٌ على سبب ذلك وهو قوله " إنّ العمّ صنو الأب " تفضيلاً له وتشريفاً. ويحتمل: أن يكون تحمَّل عنه بها. فيستفاد منه أنّ الزّكاة تتعلق بالذّمّة كما هو أحد قولي الشّافعيّ. وجمع بعضهم بين رواية " عليّ " ورواية " عليه " بأنّ الأصل رواية " عليّ " ورواية " عليه " مثلها إلاَّ أنّ فيها زيادة هاء السّكت , حكاه ابن الجوزيّ عن ابن ناصر. وقيل: معنى قوله " عليّ " أي: هي عندي قرض , لأنّني استسلفت منه صدقة عامين، وقد ورد ذلك صريحاً فيما أخرجه التّرمذيّ وغيره من حديثٍ عليٍّ. وفي إسناده مقال. وفي الدّارقطنيّ من طريق موسى بن طلحة , أنّ النّبيّ ﷺ , قال: إنّا كنّا احتجنا فتعجّلنا من العبّاس صدقة ماله سنتين " وهذا مرسل، وروى الدّارقطنيّ أيضاً موصولاً بذكر طلحة فيه.

стр. 1482

وإسناد المرسل أصحّ. وفي الدّارقطنيّ أيضاً من حديث ابن عبّاس " أنّ النّبيّ ﷺ بعث عمر ساعياً، فأتى العبّاس فأغلظ له، فأخبر النّبيّ ﷺ فقال: إنّ العبّاس قد أسلفنا زكاة ماله العام، والعام المقبل " وفي إسناده ضعف. وأخرجه أيضاً هو والطّبرانيّ من حديث أبي رافع نحو هذا. وإسناده ضعيف أيضاً، ومن حديث ابن مسعود , أنّ النّبيّ ﷺ تعجّل من العبّاس صدقته سنتين. وفي إسناده محمّد بن ذكوان وهو ضعيف. ولو ثبت لكان رافعاً للإشكال , ولرجح به سياق رواية مسلمٍ على بقيّة الرّوايات. وفيه ردٌّ لقول مَن قال: إنّ قصّة التّعجيل إنّما وردت في وقتٍ غير الوقت الذي بعث فيه عمر لأخذ الصّدقة، وليس ثبوت هذه القصّة في تعجيل صدقة العبّاس ببعيدٍ في النّظر بمجموع هذه الطّرق. والله أعلم. وقيل: المعنى استسلف منه قدر صدقة عامين؛ فأمر أن يقاصّ به من ذلك , واستبعد ذلك بأنّه لو كان وقع لكان ﷺ أعلم عمر بأنّه لا يطالب العبّاس، وليس ببعيد. ومعنى " عليه " على التّأويل الأوّل. أي: لازمة له , وليس معناه أنّه يقبضها , لأنّ الصّدقة عليه حرام لكونه من بني هاشم. ومنهم: من حمل رواية شعيب على ظاهرها فقال: كان ذلك قبل

стр. 1483

تحريم الصّدقة على بني هاشم، ويؤيّده رواية موسى بن عقبة عن أبي الزّناد عند ابن خزيمة بلفظ " فهي له " بدل " عليه ". وقال البيهقيّ: اللام هنا بمعنى على لتتّفق الرّوايات، وهذا أولى ,لأنّ المخرج واحد، وإليه مال ابن حبّان. وقيل: معناها فهي له. أي: القدر الذي كان يراد منه أن يخرجه , لأنّني التزمت عنه بإخراجه. وقيل: إنّه أخّرها عنه ذلك العام إلى عامٍ قابلٍ , فيكون عليه صدقة عامين. قاله أبو عبيد. وقيل: إنّه كان استدان حين فادى عقيلاً وغيره. فصار من جملة الغارمين , فساغ له أخذ الزّكاة بهذا الاعتبار. وأبعد الأقوال كلّها قول مَن قال: كان هذا في الوقت الذي كان فيه التّأديب بالمال، فألزم العبّاس بامتناعه من أداء الزّكاة بأن يؤدّي ضعف ما وجب عليه لعظمة قدره وجلالته. كما في قوله تعالى في نساء النّبيّ ﷺ (يُضاعف لها العذاب ضعفين) الآية، وقد تقدّم بعضه في أوّل الكلام. واستدل بقصّة خالدٍ على جواز إخراج مال الزّكاة في شراء السّلاح وغيره من آلات الحرب والإعانة بها في سبيل الله، بناءً على أنّه ﷺ أجاز لخالد أن يحاسب نفسه بما حبسه فيما يجب عليه كما سبق، وهي طريقة البخاريّ. وأجاب الجمهور بأجوبة:

стр. 1484

أحدها: أنّ المعنى. أنّه ﷺ لَم يقبل إخبار من أخبره بمنع خالد , حملاً على أنّه لَم يصرّح بالمنع، وإنّما نقلوه عنه بناءً على ما فهموه، ويكون قوله " تظلمونه " أي: بنسبتكم إيّاه إلى المنع وهو لا يمنع، وكيف يمنع الفرض وقد تطوّع بتحبيس سلاحه وخيله؟ ثانيها: أنّهم ظنّوا أنّها للتّجارة. فطالبوه بزكاة قيمتها , فأعلمهم ﷺ بأنّه لا زكاة عليه فيما حبس. وهذا يحتاج لنقلٍ خاصٍّ فيكون فيه حجّةٌ لمن أسقط الزّكاة عن الأموال المحبّسة، ولمن أوجبها في عروض التّجارة. ثالثها: أنّه كان نوى بإخراجها عن ملكه الزّكاة عن ماله , لأنّ أحد الأصناف سبيل الله وهم المجاهدون. وهذا يقوله من يجيز إخراج القيم في الزّكاة كالحنفيّة. ومن يجيز التّعجيل كالشّافعيّة. وقد استدل البخاريّ به على إخراج العروض في الزّكاة. وعلى مشروعيّة تحبيس الحيوان والسّلاح، وأنّ الوقف يجوز بقاؤه تحت يد محتبسه، وعلى صرف الزّكاة إلى صنفٍ واحدٍ من الثّمانية. وتعقّب ابن دقيق العيد جميع ذلك: بأنّ القصّة واقعة عينٍ. محتملةٌ لِمَا ذكر ولغيره، فلا ينهض الاستدلال بها على شيءٍ ممّا ذكر. قال: ويحتمل أن يكون تحبيس خالد إرصاداً وعدم تصرّف، ولا يبعد أن يطلق على ذلك التّحبيس فلا يتعيّن الاستدلال بذلك لِمَا ذكر. وفي الحديث بعث الإمام العمّال لجباية الزّكاة، وتنبيه الغافل على ما

стр. 1485

أنعم الله به من نعمة الغنى بعد الفقر ليقوم بحقّ الله عليه، والعتب على من منع الواجب، وجواز ذكره في غيبته بذلك، وتحمّل الإمام عن بعض رعيّته ما يجب عليه، والاعتذار عن بعض الرّعيّة بما يسوغ الاعتذار به. والله أعلم بالصّواب.

стр. 1486

الحديث السادس ١٧٩ - عن عبد الله بن زيد بن عاصمٍ ﵁ , قال: لَمّا أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنينٍ: قسم في النّاس , وفي المؤلفة قلوبهم , ولَم يُعطِ الأنصار شيئاً. فكأنّهم وجدوا في أنفسهم , إذ لَم يصبهم ما أصاب النّاس. فخطبهم , فقال: يا معشر الأنصار , أَلَم أجدكم ضلاّلاً فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرّقين فألفكم الله بي؟ وعالةً فأغناكم الله بي؟. كلما قال شيئاً، قالوا: الله ورسوله أمنّ. قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله؟ قالوا: الله ورسوله أمنّ. قال: لو شئتم لقلتم: جئتنا كذا وكذا. إلاَّ ترضون أن يذهب النّاس بالشّاة والبعير , وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك النّاس وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبها. الأنصار شعارٌ , والنّاس دثارٌ. إنّكم ستلقون بعدي أثرةً، فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض. (١) قوله: (لَمّا أفاء الله على رسوله يوم حنينٍ) أي: أعطاه غنائم الذين قاتلهم يوم حنينٍ، وأصل الفيء الرّدّ والرّجوع، ومنه سُمِّي الظّلّ بعد الزّوال فيئاً , لأنّه رجع من جانب إلى جانب، فكأنّ أموال الكفّار سُمِّيت فيئاً , لأنّها كانت في الأصل للمؤمنين , إذ الإيمان هو الأصل والكفر طارئ عليه، فإذا غلب الكفّار على شيء من المال فهو بطريق

стр. 1487

التّعدّي , فإذا غنمه المسلمون منهم فكأنّه رجع إليهم ما كان لهم. وقد أمر ﷺ بحبس الغنائم بالجعرّانة، فلمّا رجع من الطّائف وصل إلى الجعرّانة في خامس ذي القعدة. وكان السّبب في تأخير القسمة ما في حديث المسور رجاء أن يسلموا، وكانوا ستّة آلاف نفس من النّساء والأطفال , وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفاً والغنم أربعين ألف شاة. قوله: (قسم في النّاس) حذف المفعول والمراد به الغنائم، ووقع في رواية الزّهريّ عن أنس عند البخاري " يعطي رجالاً المائة من الإبل ". وقوله: (في المؤلفة قلوبهم) بدل بعض من كلّ، والمراد بالمؤلفة ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلاماً ضعيفاً. وقيل: كان فيهم من لَم يسلم بعد كصفوان بن أُميَّة. وقد اختلف في المراد بالمؤلفة قلوبهم الذين هم أحد المستحقّين للزّكاة فقيل: كفّار يعطون ترغيباً في الإسلام. وقيل: مسلمون لهم أتباع كفّار ليتألفوهم. وقيل: مسلمون أوّل ما دخلوا في الإسلام ليتمكّن الإسلام من قلوبهم. وأمّا المراد بالمؤلفة هنا فهذا الأخير لقوله في رواية الزّهريّ في الصحيحين " فإنّي أعطي رجالاً حديثي عهد بكفرٍ أتألفهم " والمراد

стр. 1488

بهم من فتحت مكّة وهم فيها. وفي رواية له " فأعطى الطّلقاء والمهاجرين ". والمراد بالطّلقاء جمع طليق: من حصل من النّبيّ ﷺ المنّ عليه يوم فتح مكّة من قريش وأتباعهم، والمراد بالمهاجرين من أسلم قبل فتح مكّة وهاجر إلى المدينة. وقد سرد أبو الفضل بن طاهر في " المبهمات " له أسماء المؤلفة وهم (س) أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزّى، (س) وحكيم بن حزام، وأبو السّنابل بن بعكك، وصفوان بن أُميَّة، وعبد الرّحمن بن يربوع وهؤلاء من قريش، وعيينة بن حصين الفزاريّ والأقرع بن حابس التّميميّ وعمرو بن الأيهم التّميميّ، (س) والعبّاس بن مرداس السّلميّ، (س) ومالك بن عوف النّضري، والعلاء بن حارثة الثّقفيّ , وفي ذكر الأخيرين نظّر: فقيل: إنّهما جاءا طائعين من الطّائف إلى الجعرانة، وذكر الواقدي في المؤلفة (س) معاوية ويزيد ابني أبي سفيان، وأسيد بن حارثة، ومخرّمة بن نوفل، (س) وسعيد بن يربوع، (س) وقيس بن عدّي (س) وعمرو بن وهب، (س) وهشام بن عمرو. وذكر ابن إسحاق من ذكرت عليه علامة سين , وزاد: النّضر بن الحارث، والحارث بن هشام، وجبّير بن مطعم. وممّن ذكره. فمنهم أبو عمر سفيان بن عبد الأسد، والسّائب بن أبي السّائب، ومطيع بن الأسود وأبو جهم بن حذيفة.

стр. 1489

وذكر ابن الجوزيّ فيهم زيد الخيل، وعلقمة بن علاثة، وحكيم بن طلق بن سفيان بن أُميَّة وخالد بن قيس السّهميّ، وعمير بن مرداس. وذكر غيرهم فيهم قيس بن مخرمة، وأحيحة بن أُميَّة بن خلف، وابن أبي شريق، وحرملة بن هوذة، وخالد بن هوذة، وعكرمة بن عامر العبدريّ، وشيبة بن عمارة، وعمرو بن ورقة، ولبيد بن ربيعة، والمغيرة بن الحارث، وهشام بن الوليد المخزوميّ. فهؤلاء زيادة على أربعين نفساً. قوله: (الأنصار) هو اسم إسلامي، سَمَّى به النبي ﷺ الأوسَ والخزرجَ وحلفاءهم كما في حديث أنس. عند البخاري والأوس يُنسبون إلى أوس بن حارثة، والخزرج ينسبون إلى الخزرج بن حارثة، وهما ابنا قَيْلة، وهو اسم أمِّهم , وأبوهم هو حارثة بن عمرو بن عامر الذي يجتمع إليه أنساب الأزد. قوله: (ولم يُعطِ الأنصار شيئاً) ظاهرٌ في أنّ العطيّة المذكورة كانت من جميع الغنيمة. وقال القرطبيّ في " المفهم ": الإجراء على أصول الشّريعة أنّ العطاء المذكور كان من الخمس، ومنه كان أكثر عطاياه، وقد قال في هذه الغزوة للأعرابيّ: ما لي ممّا أفاء الله عليكم إلاَّ الخمس، والخمس مردود فيكم. أخرجه أبو داود والنّسائيّ من حديث عبد الله بن عمرو. وعلى الأوّل. فيكون ذلك مخصوصاً بهذه الواقعة. وقد ذكر السّبب

стр. 1490

في ذلك في رواية قتادة عن أنس في الصحيحين حيث قال: إنّ قريشاً حديث عهد بجاهليّةٍ ومصيبة، وإنّي أردت أن أجيرهم وأتألفهم. قلت: الأوّل هو المعتمد، وسيأتي ما يؤكّده. والذي رجّحه القرطبيّ جزم به الواقديّ، ولكنّه ليس بحجّةٍ إذا انفرد فكيف إذا خالف؟!. وقيل: إنّما كان تصرّف في الغنيمة , لأنّ الأنصار كانوا انهزموا فلم يرجعوا حتّى وقعت الهزيمة على الكفّار , فردّ الله أمر الغنيمة لنبيّه. وهذا معنى القول السّابق بأنّه خاصّ بهذه الواقعة، واختار أبو عبيد أنّه كان من الخمس. وقال ابن القيّم: اقتضت حكمة الله أنّ فتح مكّة كان سبباً لدخول كثير من قبائل العرب في الإسلام وكانوا يقولون: دعوه وقومه، فإن غلبهم دخلنا في دينه، وإن غلبوه كفونا أمره. فلمّا فتح الله عليه استمرّ بعضهم على ضلاله فجمعوا له وتأهّبوا لحربه , وكان من الحكمة في ذلك أنّ يظهر أنّ الله نصر رسوله لا بكثرة من دخل في دينه من القبائل ولا بانكفاف قومه عن قتاله. ثمّ لَمّا قدّر الله عليه من غلبته إيّاهم قدّر وقوع هزيمة المسلمين مع كثرة عددهم وقوّة عددهم ليتبيّن لهم أنّ النّصر الحقّ إنّما هو من عنده لا بقوّتهم، ولو قدّر أن لا يغلبوا الكفّار ابتداء لرجع من رجع منهم شامخ الرّأس متعاظماً، فقدّر هزيمتهم ثمّ أعقبهم النّصر ليدخلوا مكّة كما دخلها النّبيّ ﷺ يوم الفتح متواضعاً متخشّعاً.

стр. 1491

واقتضت حكمته أيضاً أنّ غنائم الكفّار لَمّا حصلت ثمّ قسّمت على من لَم يتمكّن الإيمان من قلبه لِمَا بقي فيه من الطّبع البشريّ في محبّة المال فقسمه فيهم لتطمئنّ قلوبهم وتجتمع على محبّته، لأنّها جبلت على حبّ من أحسن إليها. ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها لأنّه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصوراً عليهم، بخلاف قسمته على المؤلفة , لأنّ فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم، فلمّا كان ذلك العطاء سبباً لدخولهم في الإسلام ولتقوية قلب من دخل فيه قبل تبعهم من دونهم في الدّخول، فكان في ذلك عظيم المصلحة. ولذلك لَم يقسم فيهم من أموال أهل مكّة عند فتحها قليلاً ولا كثيراً مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يعينهم على ما هم فيه، فحرّك الله قلوب المشركين لغزوهم، فرأى كثيرهم أن يخرجوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم فكانوا غنيمة للمسلمين، ولو لَم يقذف الله في قلب رئيسهم أنّ سوقه معه هو الصّواب لكان الرّأي ما أشار إليه دريد فخالفه فكان ذلك سبباً لتصييرهم غنيمة للمسلمين. ثمّ اقتضت تلك الحكمة أن تُقسم تلك الغنائم في المؤلفة ويُوكل من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه. ثمّ كان من تمام التّأليف ردّ من سبي منهم إليهم، فانشرحت صدورهم للإسلام فدخلوا طائعين راغبين، وجبر ذلك قلوب أهل مكّة بما نالهم من النّصر والغنيمة عمّا حصل لهم من الكسر والرّعب فصرف عنهم شرّ من كان يجاورهم من أشدّ

стр. 1492

العرب من هوازن وثقيف بما وقع بهم من الكسرة وبما قيّض لهم من الدّخول في الإسلام، ولولا ذلك ما كان أهل مكّة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدّتها وكثرتها. وأمّا قصّة الأنصار وقول مَن قال منهم فقد اعتذر رؤساؤهم بأنّ ذلك كان من بعض أتباعهم، ولمَّا شرح لهم ﷺ ما خفي عليهم من الحكمة فيما صنع رجعوا مذعنين ورأوا أنّ الغنيمة العظمى ما حصل لهم من عود رسول الله إلى بلادهم، فسلوا عن الشّاة والبعير، والسّبايا من الأنثى والصّغير، بما حازوه من الفوز العظيم، ومجاورة النّبيّ الكريم لهم حيّاً وميّتاً. وهذا دأب الحكيم يعطي كلّ أحد ما يناسبه، انتهى ملخّصاً. قوله: (فكأنّهم وجدوا إذ لَم يصبهم ما أصاب النّاس) كذا للأكثر مرّة واحدة، وفي رواية أبي ذرّ " فكأنّهم وجدٌ إذ لَم يصبهم ما أصاب النّاس، أو كأنّهم وجدوا إذ لَم يصبهم ما أصاب النّاس " أورده على الشّكّ هل قال: " وجد " بضمّتين جمع واجد أو " وجدوا " على أنّه فعل ماضٍ. ووقع له عن الكشميهنيّ (١) وجده " وجدوا " في الموضعين فصار تكراراً بغير فائدة، وكذا رأيته في أصل النّسفيّ. ووقع في رواية مسلم كذلك. قال عياض: وقع في نسخة في الثّاني " أن لَم يصبهم " يعني بفتح

стр. 1493

الهمزة وبالنّون قال: وعلى هذا تظهر فائدة التّكرار. وجوّز الكرمانيّ. أن يكون الأوّل من الغضب , والثّاني من الحزن والمعنى أنّهم غضبوا، والموجدة الغضب يقال وجد في نفسه إذا غضب، ويقال أيضاً وجد إذا حزن، ووجد ضدّ فقد، ووجد إذا استفاد مالاً، ويظهر الفرق بينهما بمصادرهما: ففي الغضب موجدة، وفي الحزن وجدا بالفتح، وفي ضدّ الفقد وجداناً، وفي المال وجداً بالضّمّ، وقد يقع الاشتراك في بعض هذه المصادر، وموضع بسط ذلك غير هذا الموضع. وفي " مغازي سليمان التّيميّ " أنّ سبب حزنهم أنّهم خافوا أن يكون رسول الله ﷺ يريد الإقامة بمكّة. والأصحّ ما في الصّحيح حيث قال: " إذ لَم يصبهم ما أصاب النّاس " على أنّه لا يمتنع الجمع وهذا أولى. ووقع في رواية الزّهريّ عن أنس " فقالوا: يغفر الله لرسوله، يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم " وفي رواية هشام بن زيد عن أنس في البخاري " إذا كانت شديدة فنحن ندعى، ويعطى الغنيمة غيرنا ". وهذا ظاهر في أنّ العطاء كان من صلب الغنيمة بخلاف ما رجّحه القرطبيّ. قوله: (فخطبهم) زاد مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد " فحمد الله

стр. 1494

وأثنى عليه " وفي رواية الزّهريّ " فحدّث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبّة من أدم، فلم يدع معهم غيرهم، فلمّا أجتمعوا قام فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال فقهاء الأنصار: أمّا رؤساؤنا فلم يقولوا شيئاً، وأمّا ناس منّا حديثة أسنانهم فقالوا ". وفي رواية هشام بن زيد " فجمعهم في قبّة من أدم فقال: يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني؟ فسكتوا ". ويُحمل على أنَّ بعضهم سكت وبعضهم أجاب، وفي رواية أبي التّيّاح عن أنس عند الإسماعيليّ فجمعهم فقال: " ما الذي بلغني عنكم؟ قالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون " (١). ولأحمد من طريق ثابت عن أنس " أنّ النّبيّ ﷺ أعطى أبا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في آخرين يوم حنينٍ، فقالت الأنصار: سيوفنا تقطر من دمائهم وهم يذهبون بالمغنم " فذكر الحديث. وفيه " ثمّ قال: أقلتم كذا وكذا؟ قالوا: نعم " وإسناده على شرط مسلم. وكذا ذكر ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدريّ , أنّ الذي أخبر النّبيّ ﷺ بمقالتهم سعد بن عبادة ولفظه " لَمّا أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولَم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحيّ من الأنصار في أنفسهم حتّى

стр. 1495

كثرت منهم القالة، فدخل عليه سعد بن عبادة فذكر له ذلك، فقال له: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: ما أنا إلاَّ من قومي. قال: فاجمع لي قومك. فخرج فجمعهم " الحديث، وأخرجه أحمد من هذا الوجه. وهذا يعكّر على الرّواية التي فيها " أمّا رؤساؤنا فلم يقولوا شيئاً " لأنّ سعد بن عبادة من رؤساء الأنصار بلا ريب، إلاَّ أن يحمل على الأغلب الأكثر، وأنّ الذي خاطبه بذلك سعد بن عبادة ولَم يرد إدخال نفسه في النّفي. أو أنّه لَم يقل لفظاً. وإن كان رضي بالقول المذكور فقال: ما أنا إلاَّ من قومي، وهذا أوجه، والله أعلم. قوله: (أَلَم أجدكم ضلالاً) بالضّمّ والتّشديد. جمع ضالّ. والمراد هنا ضلالة الشّرك، وبالهداية الإيمان. وقد رتّب ﷺ ما منّ الله عليهم على يده من النّعم ترتيباً بالغاً فبدأ بنعمة الإيمان التي لا يوازيها شيء من أمر الدّنيا، وثنّى بنعمة الألفة , وهي أعظم من نعمة المال , لأنّ الأموال تبذل في تحصيلها وقد لا تحصّل. وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التّنافر والتّقاطع لِمَا وقع بينهم من حرب بُعاث وغيرها، فزال ذلك كلّه بالإسلام كما قال الله تعالى: (لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم، ولكنّ الله ألف بينهم). قوله: (عالة) بالمهملة. أي: فقراء لا مال لهم، والعيلة الفقر.

стр. 1496

قوله: (كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمنّ) بفتح الهمزة والميم والتّشديد: أفعل تفضيل من المنّ، وفي حديث أبي سعيد " قالوا: ماذا نجيبك يا رسولَ الله , ولله ولرسوله المنّ والفضل " قوله: (قال: لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا) في رواية إسماعيل بن جعفر " لو شئتم أن تقولوا جئتنا كذا وكذا , وكان من الأمر كذا وكذا. لأشياء زعم عمرو بن أبي يحيى المازنيّ - راوي الحديث - أنّه لا يحفظها. وفي هذا ردّ على مَن قال. إنّ الرّاوي كنّى عن ذلك عمداً على طريق التّأدّب، وقد جوّز بعضهم أن يكون المراد. جئتنا ونحن على ضلالة فهدينا بك. وما أشبه ذلك. وفيه بُعد، فقد فسّر ذلك في حديث أبي سعيد ولفظه " فقال: أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم: أتيتنا مكذّباً فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك " ونحوه في " مغازي أبي الأسود " عن عروة مرسلاً , وابن عائذ من حديث ابن عبّاس موصولاً. وفي " مغازي سليمان التّيميّ " , أنّهم قالوا في جواب ذلك " رضينا عن الله ورسوله " وكذا ذكر موسى بن عقبة في " مغازيه " بغير إسناد، وأخرجه أحمد عن ابن أبي عديّ عن حميدٍ عن أنس بلفظ " أفلا تقولون جئتنا خائفاً فآمناك، وطريداً فآويناك، ومخذولاً فنصرناك. فقالوا: بل المنّ علينا لله ولرسوله " وإسناده صحيح.

стр. 1497

وروى أحمد من وجه آخر عن أبي سعيد قال: قال رجلٌ من الأنصار لأصحابه: لقد كنت أحدّثكم أن لو استقامت الأمور لقد آثر عليكم، قال فردّوا عليه ردّاً عنيفاً، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ الحديث. وإنّما قال ﷺ ذلك تواضعاً منه وإنصافاً، وإلاَّ ففي الحقيقة الحجّة البالغة والمنّة الظّاهرة في جميع ذلك له عليهم فإنّه لولا هجرته إليهم وسكناه عندهم لَمَا كان بينهم وبين غيرهم فرق، وقد نبّه على ذلك بقوله ﷺ " إلاَّ ترضون إلخ " فنبّههم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصّوا به منه بالنّسبة إلى ما حصل عليه غيرهم من عرض الدّنيا الفانية. قوله: (بالشّاة والبعير) اسم جنس فيهما، والشّاة تقع على الذّكر والأنثى وكذا البعير، وفي رواية الزّهريّ " أن يذهب النّاس بالأموال " وفي رواية أبي التّيّاح وقتادة في الصحيحين " بالدّنيا " قوله: (إلى رحالكم) بالحاء المهملة أي بيوتكم وهي رواية قتادة، زاد في رواية الزّهريّ عن أنس " فوالله لَمَا تنقلبون به خير ممّا ينقلبون به " وزاد فيه أيضاً " قالوا: يا رسولَ الله قد رضينا " , وفي رواية قتادة " قالوا بلى ". وذكر الواقديّ: أنّه حينئذٍ دعاهم ليكتب لهم بالبحرين تكون لهم خاصّة بعده دون النّاس، وهي يومئذٍ أفضل ما فتح عليه من الأرض، فأبوا وقالوا: لا حاجة لنا بالدّنيا قوله: (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار) قال الخطّابيّ: أراد

стр. 1498

بهذا الكلام تألّف الأنصار واستطابة نفوسهم والثّناء عليهم في دينهم حتّى رضي أن يكون واحداً منهم , لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها، ونسبة الإنسان تقع على وجوه: منها الولادة، والبلاديّة، والاعتقاديّة، والصّناعيّة. ولا شكّ أنّه لَم يرد الانتقال عن نسب آبائه لأنّه ممتنع قطعاً. وأمّا الاعتقاديّ فلا معنى للانتقال فيه، فلم يبق إلاَّ القسمان الأخيران، وكانت المدينة دار الأنصار والهجرة إليها أمراً واجباً، أي: لولا أنّ النّسبة الهجريّة لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم. قال: ويحتمل أنّه لَمّا كانوا أخواله لكون أمّ عبد المطّلب منهم. أراد أن ينتسب إليهم بهذه الولادة لولا مانع الهجرة. وقال ابن الجوزيّ: لَم يرد ﷺ تغيّر نسبه ولا محو هجرته، وإنّما أراد أنّه لولا ما سبق من كونه هاجر لانتسب إلى المدينة وإلى نصرة الدّين، فالتّقدير لولا أنّ النّسبة إلى الهجرة نسبة دينيّة لا يسع تركها لانتسبت إلى داركم. وقال القرطبيّ: معناه. لتسمّيت باسمكم وانتسبت إليكم كما كانوا ينتسبون بالحلف، لكن خصوصيّة الهجرة وتربيتها سبقت فمنعت من ذلك، وهي أعلى وأشرف فلا تتبدّل بغيرها. وقيل: معناه لكنت من الأنصار في الأحكام والعداد. وقيل: التّقدير. لولا أنّ ثواب الهجرة أعظم لاخترت أن يكون ثوابي ثواب الأنصار، ولَم يرد ظاهر النّسب أصلاً.

стр. 1499

وقيل: لولا التزامي بشروط الهجرة. ومنها ترك الإقامة بمكّة فوق ثلاث , لاخترت أن يكون من الأنصار فيباح لي ذلك. قوله: (وادي الأنصار) هو المكان المنخفض، وقيل: الذي فيه ماء، والمراد هنا بلدهم. قوله: (وشعبها) بكسر الشّين المعجمة وهو اسم لِمَا انفرج بين جبلين. وقيل: الطّريق في الجبل. وأراد ﷺ بهذا وبما بعده التّنبيه على جزيل ما حصل لهم من ثواب النّصرة والقناعة بالله ورسوله عن الدّنيا. ومَن هذا وصفه فحقّه أن يسلك طريقه ويتّبع حاله. قال الخطّابيّ: لَمّا كانت العادة أنّ المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه، وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشّعاب، فإذا تفرّقت في السّفر الطّرق سلك كلّ قوم منهم وادياً وشعباً. فأراد أنّه مع الأنصار. قال: ويحتمل: أن يريد بالوادي المذهب كما يقال فلان في وادٍ وأنا في وادٍ. قوله: (الأنصار شعار والنّاس دثار) الشّعار بكسر المعجمة بعدها مهملة خفيفة: الثّوب الذي يلي الجلد من الجسد. والدّثار بكسر المهملة ومثلثة خفيفة الذي فوقه. وهي استعارة لطيفة لفرط قربهم منه. وأراد أيضاً أنّهم بطانته وخاصّته وأنّهم ألصق به وأقرب إليه من غيرهم. زاد في حديث أبي سعيد " اللهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار

стр. 1500

وأبناء أبناء الأنصار. قال: فبكى القوم حتّى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظّاً ". قوله: (إنّكم ستلقون بعدي أثرة) بضمّ الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين، ويجوز كسر أوّله مع الإسكان، أي الانفراد بالشّيء المشترك دون من يشركه فيه. وفي رواية الزّهريّ " أثرة شديدة " والمعنى أنّه يستأثر عليهم بما لهم فيه اشتراك في الاستحقاق. وقال أبو عبيد: معناه يفضّل نفسه عليكم في الفيء. وقيل: المراد بالأثرة الشّدّة. ويردّه سياق الحديث وسببه. قوله: (فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض) أي: يوم القيامة. وفي رواية الزّهريّ " حتّى تلقوا الله ورسوله فإنّي على الحوض " أي: اصبروا حتّى تموتوا، فإنّكم ستجدونني عند الحوض، فيحصل لكم الانتصاف ممّن ظلمكم والثّواب الجزيل على الصّبر. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدّم إقامة الحجّة على الخصم وإفحامه بالحقّ عند الحاجة إليه، وحسن أدب الأنصار في تركهم المماراة، والمبالغة في الحياء، وبيان أنّ الذي نقل عنهم إنّما كان عن شبّانهم لا عن شيوخهم وكهولهم. وفيه مناقب عظيمة لهم لِمَا اشتمل من ثناء الرّسول البالغ عليهم، وأنّ الكبير ينبّه الصّغير على ما يغفل عنه، ويوضّح له وجه الشّبهة ليرجع إلى الحقّ.

стр. 1501

وفيه المعاتبة واستعطاف المعاتب وإعتابه عن عتبه بإقامة حجّة من عتب عليه، والاعتذار والاعتراف. وفيه علم من أعلام النّبوّة لقوله: " ستلقون بعدي أثرة " فكان كما قال. وقد قال الزّهريّ في روايته عن أنس في آخر الحديث " قال أنس: فلم يصبروا ". وفيه أنّ للإمام تفضيل بعض النّاس على بعض في مصارف الفيء، وأنّ له أن يعطي الغنيّ منه للمصلحة. وأنّ من طلب حقّه من الدّنيا لا عتب عليه في ذلك. ومشروعيّة الخطبة عند الأمر الذي يحدث سواء كان خاصّاً أم عامّاً. وفيه جواز تخصيص بعض المخاطبين في الخطبة. وفيه تسلية من فاته شيء من الدّنيا ممّا حصل له من ثواب الآخرة، والحضّ على طلب الهداية والألفة والغنى، وأنّ المنّة لله ورسوله على الإطلاق، وتقديم جانب الآخرة على الدّنيا، والصّبر عمّا فات منها ليدّخر ذلك لصاحبه في الآخرة، والآخرة خير وأبقى.

стр. 1502

باب صدقة الفطر الحديث السابع ١٨٠ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , قال: فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر أو قال: رمضان , على الذّكر والأنثى والحرّ والمملوك , صاعاً من تمرٍ , أو صاعاً من شعيرٍ. قال: فعدل النّاس به نصف صاعٍ من برٍّ , على الصّغير والكبير. (١) وفي لفظٍ: أن تؤدّى قبل خروج النّاس إلى الصّلاة. (٢) قوله: (فرض رسول الله ﷺ ) نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على فرضيّتها، لكنّ الحنفيّة يقولون بالوجوب دون الفرض على قاعدتهم في التّفرقة. وفي نقل الإجماع مع ذلك نظرٌ , لأنّ إبراهيم بن عليّة وأبا بكر بن كيسان الأصمّ قالا إنّ وجوبها نسخ. واستدل لهما بما روى النّسائيّ وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزّكاة، فلمّا نزلت الزّكاة لَم يأمرنا ولَم ينهنا , ونحن نفعله. وتعقّب: بأنّ في إسناده راوياً مجهولاً، وعلى تقدير الصّحّة فلا

стр. 1503

دليل فيه على النّسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأوّل، لأنّ نزول فرضٍ لا يوجب سقوط فرضٍ آخر. ونقل المالكيّة. عن أشهب: أنّها سنّةٌ مؤكّدةٌ، وهو قول بعض أهل الظّاهر وابن اللبّان من الشّافعيّة، وأوّلوا قوله " فرض " في الحديث بمعنى قدّر. قال ابن دقيق العيد: هو أصله في اللّغة، لكن نقل في عرف الشّرع إلى الوجوب فالحمل عليه أولى انتهى. ويؤيّده تسميتها زكاةً، وقوله في الحديث " على كل حرٍّ وعبدٍ " والتّصريح بالأمر بها في حديث قيس بن سعدٍ وغيره، ولدخولها في عموم قوله تعالى (وآتوا الزّكاة) فبيّن ﷺ تفاصيل ذلك ومن جملتها زكاة الفطر، وقال الله تعالى (قد أفلح من تزكّى) وثبت أنّها نزلت في زكاة الفطر، وثبت في الصّحيحين إثبات حقيقة الفلاح لمن اقتصر على الواجبات. قيل: وفيه نظرٌ , لأنّ في الآية (وذكر اسم ربّه فصلى) فيلزم وجوب صلاة العيد. ويجاب: بأنّه خرج بدليل عموم " هنّ خمسٌ لا يبدّل القول لديّ ". قوله: (صدقة الفطر) أضيفت الصّدقة للفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان. وقال ابن قتيبة: المراد بصدقة الفطر صدقة النّفوس، مأخوذةٌ من الفطرة التي هي أصل الخلقة. والأوّل أظهر. ويؤيّده قوله في بعض طرق الحديث كما في صحيح

стр. 1504

مسلم من رواية مالك عن نافع " زكاة الفطر من رمضان " واستدل به. وهو القول الأول: على أنّ وقت وجوبها غروب الشّمس ليلة الفطر , لأنّه وقت الفطر من رمضان. وهو قول الثّوريّ وأحمد وإسحاق والشّافعيّ في الجديد , وإحدى الرّوايتين عن مالكٍ. القول الثاني: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد , لأنّ الليل ليس محلاً للصّوم، وإنّما يتبيّن الفطر الحقيقيّ بالأكل بعد طلوع الفجر، وهو قول أبي حنيفة والليث والشّافعيّ في القديم , والرّواية الثّانية عن مالكٍ. ويقوّيه قوله في حديث الباب " وأمر بها أن تؤدّى قبل خروج النّاس إلى الصّلاة " قال المازريّ: قيل: إنّ الخلاف ينبني على أنّ قوله " الفطر من رمضان " الفطر المعتاد في سائر الشّهر فيكون الوجوب بالغروب، أو الفطر الطّارئ بعد فيكون بطلوع الفجر. وقال ابن دقيق العيد: الاستدلال بذلك لهذا الحكم ضعيفٌ , لأنّ الإضافة إلى الفطر لا تدلّ على وقت الوجوب بل تقتضي إضافة هذه الزّكاة إلى الفطر من رمضان، وأمّا وقت الوجوب فيطلب من أمرٍ آخر. قوله: (على الذّكر والأنثى) ظاهره وجوبها على المرأة. سواءٌ كان لها زوجٌ أم لا , وبه قال الثّوريّ وأبو حنيفة وابن المنذر. وهو القول

стр. 1505

الأول. القول الثاني: قال مالكٌ والشّافعيّ والليث وأحمد وإسحاق: تجب على زوجها إلحاقاً بالنّفقة. وفيه نظرٌ. لأنّهم قالوا: إن أعسر وكانت الزّوجة أمةً , وجبت فطرتها على السّيّد بخلاف النّفقة. فافترقا. واتّفقوا على أنّ المسلم لا يُخرج عن زوجته الكافرة مع أنّ نفقتها تلزمه. وإنّما احتجّ الشّافعيّ بما رواه من طريق محمّد بن عليٍّ الباقر مرسلاً نحو حديث ابن عمر. وزاد فيه " ممّن تمونون " وأخرجه البيهقيّ من هذا الوجه , فزاد في إسناده ذكر عليٍّ. وهو منقطعٌ أيضاً. وأخرجه من حديث ابن عمر. وإسناده ضعيفٌ أيضاً. قوله: (والحرّ والمملوك) ظاهره إخراج العبد عن نفسه. ولَم يقل به إلاَّ داود فقال: يجب على السّيّد أن يمكّن العبد من الاكتساب لها كما يجب عليه أن يمكّنه من الصّلاة. وخالفه أصحابه والنّاس. واحتجّوا بحديث أبي هريرة مرفوعاً " ليس في العبد صدقةٌ إلاَّ صدقة الفطر " أخرجه مسلمٌ، وفي روايةٍ له " ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة الفطر إلاَّ صدقة في الرّقيق ". وقد تقدّم عند البخاريّ قريباً بغير الاستثناء (١)، ومقتضاه أنّها على

стр. 1506

السّيّد. وهل تجب عليه ابتداءً أو تجب على العبد ثمّ يتحمّلها السّيّد؟ وجهان للشّافعيّة. وإلى الثّاني نحا البخاريّ. حيث إنّه يرى أنّها تجب على العبد , وإن كان سيّده يتحمّلها عنه. ويؤيّده عطف الصّغير عليه , فإنّها تجب عليه , وإن كان الذي يخرجها غيره. وقال الزهريّ في المملوكين للتجارة: يزكّي في التجارة ويزكّى في الفطر " نقله البخاري. وهو قول الجمهور. وقال النّخعيّ والثّوريّ والحنفيّة: لا يلزم السّيّد زكاة الفطر عن عبيد التّجارة , لأنّ عليه فيهم الزّكاة، ولا تجب في مالٍ واحدٍ زكاتان. قوله: (صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعيرٍ) انتصب " صاعاً " على التّمييز أو أنّه مفعولٌ ثانٍ. ولَم تختلف الطّرق عن ابن عمر في الاقتصار على هذين الشّيئين إلاَّ ما أخرجه أبو داود والنّسائيّ وغيرهما من طريق عبد العزيز بن أبي داود عن نافعٍ. فزاد فيه السّلت والزّبيب. فأمّا السُّلت. فهو بضمّ المهملة وسكون اللام بعدها مثنّاةٌ: نوعٌ من الشّعير، وأمّا الزّبيب فسيأتي ذكره في حديث أبي سعيدٍ (١).

стр. 1507

وأمّا حديث ابن عمر. فقد حكَمَ مسلمٌ في " كتاب التّمييز " على عبد العزيز فيه بالوهم. وسنذكر البحث في ذلك في الكلام على حديث أبي سعيدٍ. قوله: (فعدل النّاس به نصف صاعٍ من برٍّ) وفي رواية لهما " قال عبد الله: فجعل الناس عدله مدّين من حنطة " أي نصف صاعٍ، وعدله بكسر المهملة. أي: نظيره. وأشار ابن عمر بقوله " النّاس " إلى معاوية ومن تبعه، وقد وقع ذلك صريحاً في حديث أيّوب عن نافعٍ. أخرجه الحميديّ في " مسنده " عن سفيان بن عيينة حدّثنا أيّوب , ولفظه " صدقة الفطر صاعٌ من شعيرٍ أو صاعٌ من تمرٍ، قال ابن عمر: فلمّا كان معاوية عدل النّاس نصف صاع برٍّ بصاعٍ من شعيرٍ ". وهكذا أخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " من وجهٍ آخر عن سفيان، وهو المعتمد , وهو موافقٌ لقول أبي سعيدٍ الآتي بعده. وهو أصرح منه. أمّا ما وقع عند أبي داود من طريق عبد العزيز بن أبي روّادٍ عن نافعٍ قال فيه " فلمّا كان عمر كثرت الحنطة، فجعل عمر نصف صاع حنطةٍ مكان صاعٍ من تلك الأشياء " فقد حكم مسلمٌ في " كتاب التّمييز " على عبد العزيز فيه بالوهم. وأوضح الرّدّ عليه. وقال ابن عبد البرّ: قول ابن عيينة عندي أولى. وزعم الطّحاويّ: أنّ الذي عدل عن ذلك عمر ثمّ عثمان وغيرهما

стр. 1508

فأخرج عن يسار بن نميرٍ , أنّ عمر قال له: إنّي أحلف لا أعطي قوماً ثمّ يبدو لي فأفعل، فإذا رأيتني فعلت ذلك فأطعم عنّي عشرة مساكين لكل مسكينٍ نصف صاعٍ من حنطةٍ أو صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعيرٍ. ومن طريق أبي الأشعث قال: خطبنا عثمان فقال: أدّوا زكاة الفطر مدّين من حنطةٍ. وسيأتي بقيّة الكلام على ذلك في حديث أبي سعيد قوله: (على الصّغير والكبير) ظاهره وجوبها على الصّغير، لكنّ المخاطب عنه وليّه فوجوبها على هذا في مال الصّغير وإلَّا فعلى من تلزمه نفقته. وهذا قول الجمهور. وهذا القول الأول. القول الثاني: قال محمّد بن الحسن: هي على الأب مطلقاً. فإن لَم يكن له أبٌ فلا شيء عليه. القول الثالث: عن سعيد بن المسيّب والحسن البصريّ: لا تجب إلاَّ على من صام. واستدل لهما بحديث ابن عبّاسٍ مرفوعاً " صدقة الفطر طهرةٌ للصّائم من اللغو والرّفث " أخرجه أبو داود. وأجيب: بأنّ ذكر التّطهير خرج على الغالب , كما أنّها تجب على من لَم يذنب كمتحقّق الصّلاح , أو من أسلم قبل غروب الشّمس بلحظةٍ. ونقل ابن المنذر الإجماع على أنّها لا تجب على الجنين , قال: وكان أحمد يستحبّه , ولا يوجبه. ونقل بعض الحنابلة روايةً عنه بالإيجاب، وبه قال ابن حزمٍ , لكن

стр. 1509

قيّده بمائةٍ وعشرين يوماً من يوم حمل أمّه به. وتعقّب: بأنّ الحمل غير محقّقٍ , وبأنّه لا يُسمّى صغيراً لغةً ولا عرفاً. واستُدلَّ بقوله في حديث ابن عبّاسٍ " طهرةٌ للصّائم " على أنّها تجب على الفقير كما تجب على الغنيّ، وقد ورد ذلك صريحاً في حديث أبي هريرة عند أحمد , وفي حديث ثعلبة بن أبي صعيرٍ عند الدّارقطنيّ. وعن الحنفيّة: لا تجب إلاَّ على من ملك نصاباً، ومقتضاه أنّها لا تجب على الفقير على قاعدتهم في الفرق بين الغنيّ والفقير. واستدل لهم بحديث أبي هريرة المتفق عليه " لا صدقة إلاَّ عن ظهر غنًى ". واشترط الشّافعيّ ومن تبعه. أن يكون ذلك فاضلاً عن قوت يومه , ومن تلزمه نفقته. وقال ابن بزيزة: لَم يدل دليلٌ على اعتبار النّصاب فيها , لأنّها زكاةٌ بدنيّةٌ لا ماليّةٌ. قوله: (وأمر أن تؤدّى قبل خروج النّاس إلى الصّلاة) قال ابن التّين: أي قبل خروج النّاس إلى صلاة العيد، وبعد صلاة الفجر. وقال ابن عيينة في " تفسيره ": عن عمرو بن دينارٍ عن عكرمة , قال: يقدّم الرّجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته، فإنّ الله يقول (قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربّه فصلى). ولابن خزيمة من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جدّه , أنّ

стр. 1510

رسول الله ﷺ سئل عن هذه الآية , فقال: نزلت في زكاة الفطر. ودلَّ حديث ابن عمر على أنّ المراد بقوله " يوم الفطر " (١) أي: أوّله، وهو ما بين صلاة الصّبح إلى صلاة العيد. واستدل به على كراهة تأخيرها عن ذلك، وحمله ابن حزمٍ على التّحريم. وحمل الشّافعيّ التّقييد بقبل صلاة العيد على الاستحباب. لصدق اليوم على جميع النّهار، وقد رواه أبو معشرٍ عن نافعٍ عن ابن عمر بلفظ " كان يأمرنا أن نخرجها قبل أن نُصلِّي، فإذا انصرف قسمه بينهم , وقال: أغنوهم عن الطّلب. أخرجه سعيد بن منصورٍ، ولكن أبو معشرٍ ضعيفٌ. ووهم ابن العربيّ في عزو هذه الزّيادة لمسلمٍ. وللبخاري: وكان ابن عمر يعطيها للذين يقبلونها , وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين. أي: الذي ينصّبه الإمام لقبضها، به جزم ابن بطّالٍ. وقال ابن التّيميّ: معناه مَن قال أنا فقيرٌ. والأوّل أظهر. ويؤيّده ما وقع في نسخة الصّغانيّ عقب الحديث " قال أبو عبد الله هو البخاري: كانوا يعطون للجمع لا للفقراء ". وقد وقع في رواية ابن خزيمة من طريق عبد الوارث عن أيّوب قلت: متى كان ابن عمر يعطي؟ قال: إذا قعد العامل. قلت: متى
следующие страницы →