← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

السّيّد. وهل تجب عليه ابتداءً أو تجب على العبد ثمّ يتحمّلها السّيّد؟ وجهان للشّافعيّة. وإلى الثّاني نحا البخاريّ. حيث إنّه يرى أنّها تجب على العبد , وإن كان سيّده يتحمّلها عنه. ويؤيّده عطف الصّغير عليه , فإنّها تجب عليه , وإن كان الذي يخرجها غيره. وقال الزهريّ في المملوكين للتجارة: يزكّي في التجارة ويزكّى في الفطر " نقله البخاري. وهو قول الجمهور. وقال النّخعيّ والثّوريّ والحنفيّة: لا يلزم السّيّد زكاة الفطر عن عبيد التّجارة , لأنّ عليه فيهم الزّكاة، ولا تجب في مالٍ واحدٍ زكاتان. قوله: (صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعيرٍ) انتصب " صاعاً " على التّمييز أو أنّه مفعولٌ ثانٍ. ولَم تختلف الطّرق عن ابن عمر في الاقتصار على هذين الشّيئين إلاَّ ما أخرجه أبو داود والنّسائيّ وغيرهما من طريق عبد العزيز بن أبي داود عن نافعٍ. فزاد فيه السّلت والزّبيب. فأمّا السُّلت. فهو بضمّ المهملة وسكون اللام بعدها مثنّاةٌ: نوعٌ من الشّعير، وأمّا الزّبيب فسيأتي ذكره في حديث أبي سعيدٍ (١).

стр. 1507

وأمّا حديث ابن عمر. فقد حكَمَ مسلمٌ في " كتاب التّمييز " على عبد العزيز فيه بالوهم. وسنذكر البحث في ذلك في الكلام على حديث أبي سعيدٍ. قوله: (فعدل النّاس به نصف صاعٍ من برٍّ) وفي رواية لهما " قال عبد الله: فجعل الناس عدله مدّين من حنطة " أي نصف صاعٍ، وعدله بكسر المهملة. أي: نظيره. وأشار ابن عمر بقوله " النّاس " إلى معاوية ومن تبعه، وقد وقع ذلك صريحاً في حديث أيّوب عن نافعٍ. أخرجه الحميديّ في " مسنده " عن سفيان بن عيينة حدّثنا أيّوب , ولفظه " صدقة الفطر صاعٌ من شعيرٍ أو صاعٌ من تمرٍ، قال ابن عمر: فلمّا كان معاوية عدل النّاس نصف صاع برٍّ بصاعٍ من شعيرٍ ". وهكذا أخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " من وجهٍ آخر عن سفيان، وهو المعتمد , وهو موافقٌ لقول أبي سعيدٍ الآتي بعده. وهو أصرح منه. أمّا ما وقع عند أبي داود من طريق عبد العزيز بن أبي روّادٍ عن نافعٍ قال فيه " فلمّا كان عمر كثرت الحنطة، فجعل عمر نصف صاع حنطةٍ مكان صاعٍ من تلك الأشياء " فقد حكم مسلمٌ في " كتاب التّمييز " على عبد العزيز فيه بالوهم. وأوضح الرّدّ عليه. وقال ابن عبد البرّ: قول ابن عيينة عندي أولى. وزعم الطّحاويّ: أنّ الذي عدل عن ذلك عمر ثمّ عثمان وغيرهما

стр. 1508

فأخرج عن يسار بن نميرٍ , أنّ عمر قال له: إنّي أحلف لا أعطي قوماً ثمّ يبدو لي فأفعل، فإذا رأيتني فعلت ذلك فأطعم عنّي عشرة مساكين لكل مسكينٍ نصف صاعٍ من حنطةٍ أو صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعيرٍ. ومن طريق أبي الأشعث قال: خطبنا عثمان فقال: أدّوا زكاة الفطر مدّين من حنطةٍ. وسيأتي بقيّة الكلام على ذلك في حديث أبي سعيد قوله: (على الصّغير والكبير) ظاهره وجوبها على الصّغير، لكنّ المخاطب عنه وليّه فوجوبها على هذا في مال الصّغير وإلَّا فعلى من تلزمه نفقته. وهذا قول الجمهور. وهذا القول الأول. القول الثاني: قال محمّد بن الحسن: هي على الأب مطلقاً. فإن لَم يكن له أبٌ فلا شيء عليه. القول الثالث: عن سعيد بن المسيّب والحسن البصريّ: لا تجب إلاَّ على من صام. واستدل لهما بحديث ابن عبّاسٍ مرفوعاً " صدقة الفطر طهرةٌ للصّائم من اللغو والرّفث " أخرجه أبو داود. وأجيب: بأنّ ذكر التّطهير خرج على الغالب , كما أنّها تجب على من لَم يذنب كمتحقّق الصّلاح , أو من أسلم قبل غروب الشّمس بلحظةٍ. ونقل ابن المنذر الإجماع على أنّها لا تجب على الجنين , قال: وكان أحمد يستحبّه , ولا يوجبه. ونقل بعض الحنابلة روايةً عنه بالإيجاب، وبه قال ابن حزمٍ , لكن

стр. 1509

قيّده بمائةٍ وعشرين يوماً من يوم حمل أمّه به. وتعقّب: بأنّ الحمل غير محقّقٍ , وبأنّه لا يُسمّى صغيراً لغةً ولا عرفاً. واستُدلَّ بقوله في حديث ابن عبّاسٍ " طهرةٌ للصّائم " على أنّها تجب على الفقير كما تجب على الغنيّ، وقد ورد ذلك صريحاً في حديث أبي هريرة عند أحمد , وفي حديث ثعلبة بن أبي صعيرٍ عند الدّارقطنيّ. وعن الحنفيّة: لا تجب إلاَّ على من ملك نصاباً، ومقتضاه أنّها لا تجب على الفقير على قاعدتهم في الفرق بين الغنيّ والفقير. واستدل لهم بحديث أبي هريرة المتفق عليه " لا صدقة إلاَّ عن ظهر غنًى ". واشترط الشّافعيّ ومن تبعه. أن يكون ذلك فاضلاً عن قوت يومه , ومن تلزمه نفقته. وقال ابن بزيزة: لَم يدل دليلٌ على اعتبار النّصاب فيها , لأنّها زكاةٌ بدنيّةٌ لا ماليّةٌ. قوله: (وأمر أن تؤدّى قبل خروج النّاس إلى الصّلاة) قال ابن التّين: أي قبل خروج النّاس إلى صلاة العيد، وبعد صلاة الفجر. وقال ابن عيينة في " تفسيره ": عن عمرو بن دينارٍ عن عكرمة , قال: يقدّم الرّجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته، فإنّ الله يقول (قد أفلح من تزكّى وذكر اسم ربّه فصلى). ولابن خزيمة من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جدّه , أنّ

стр. 1510

رسول الله ﷺ سئل عن هذه الآية , فقال: نزلت في زكاة الفطر. ودلَّ حديث ابن عمر على أنّ المراد بقوله " يوم الفطر " (١) أي: أوّله، وهو ما بين صلاة الصّبح إلى صلاة العيد. واستدل به على كراهة تأخيرها عن ذلك، وحمله ابن حزمٍ على التّحريم. وحمل الشّافعيّ التّقييد بقبل صلاة العيد على الاستحباب. لصدق اليوم على جميع النّهار، وقد رواه أبو معشرٍ عن نافعٍ عن ابن عمر بلفظ " كان يأمرنا أن نخرجها قبل أن نُصلِّي، فإذا انصرف قسمه بينهم , وقال: أغنوهم عن الطّلب. أخرجه سعيد بن منصورٍ، ولكن أبو معشرٍ ضعيفٌ. ووهم ابن العربيّ في عزو هذه الزّيادة لمسلمٍ. وللبخاري: وكان ابن عمر يعطيها للذين يقبلونها , وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين. أي: الذي ينصّبه الإمام لقبضها، به جزم ابن بطّالٍ. وقال ابن التّيميّ: معناه مَن قال أنا فقيرٌ. والأوّل أظهر. ويؤيّده ما وقع في نسخة الصّغانيّ عقب الحديث " قال أبو عبد الله هو البخاري: كانوا يعطون للجمع لا للفقراء ". وقد وقع في رواية ابن خزيمة من طريق عبد الوارث عن أيّوب قلت: متى كان ابن عمر يعطي؟ قال: إذا قعد العامل. قلت: متى

стр. 1511

يقعد العامل؟ قال: قبل الفطر بيومٍ أو يومين. ولمالكٍ في " الموطّأ " عن نافعٍ , أنّ ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثةٍ ". وأخرجه الشّافعيّ عنه , وقال: هذا حسنٌ، وأنا أستحبّه - يعني تعجيلها قبل يوم الفطر - انتهى. ويدلّ على ذلك أيضاً ما أخرجه البخاريّ عن أبي هريرة قال: وكّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان. الحديث (١). وفيه أنّه أمسك الشّيطان ثلاث ليالٍ وهو يأخذ من التّمر، فدلَّ على أنّهم كانوا يعجّلونها. وعكسه الجوزقيّ. فاستدل به على جواز تأخيرها عن يوم الفطر , وهو محتملٌ للأمرين. تكميل: زاد الشيخان في آخره " من المسلمين " واستدل بهذه الزّيادة على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطر , ومقتضاه أنّها لا تجب على الكافر عن نفسه. وهو أمرٌ متّفقٌ عليه. وهل يخرجها عن غيره كمستولدته المسلمة مثلاً؟.

стр. 1512

نقل ابن المنذر فيه الإجماع على عدم الوجوب، لكن فيه وجهٌ للشّافعيّة وروايةٌ عن أحمد. وهل يخرجها المسلم عن عبده الكافر؟. قال الجمهور: لا، خلافاً لعطاءٍ والنّخعيّ والثّوريّ والحنفيّة وإسحاق. واستدلّوا بعموم قوله " ليس على المسلم في عبده صدقةٌ إلاَّ صدقة الفطر " وقد تقدّم. وأجاب الآخرون: بأنّ الخاصّ يقضي على العامّ، فعموم قوله " في عبده " مخصوصٌ بقوله " من المسلمين " وقال الطّحاويّ: قوله " من المسلمين " صفةٌ للمخرجين لا للمخرج عنهم. انتهى وظاهر الحديث يأباه , لأنّ فيه العبد , وكذا الصّغير في رواية عمر بن نافعٍ وهما ممّن يخرج عنه، فدلَّ على أنّ صفة الإسلام لا تختصّ بالمخرجين، ويؤيّده رواية الضّحّاك عند مسلمٍ بلفظ " على كل نفسٍ من المسلمين حرٍّ أو عبدٍ " الحديث وقال القرطبيّ: ظاهر الحديث أنّه قصد بيان مقدار الصّدقة ومن تجب عليه , ولَم يقصد فيه بيان من يخرجها عن نفسه ممّن يخرجها عن غيره , بل شمل الجميع. ويؤيّده حديث أبي سعيدٍ الآتي. فإنّه دالٌّ على أنّهم كانوا يخرجون عن أنفسهم وعن غيرهم , لقوله فيه " عن كل صغيرٍ وكبيرٍ " لكن لا

стр. 1513

بدّ من أن يكون بين المخرج وبين الغير ملابسةٌ كما بين الصّغير ووليّه والعبد وسيّده والمرأة وزوجها. وقال الطّيبيّ: قوله " من المسلمين " حالٌ من العبد وما عطف عليه، وتنزيلها على المعاني المذكورة أنّها جاءت مزدوجةً على التّضادّ للاستيعاب لا للتّخصيص، فيكون المعنى فرض على جميع النّاس من المسلمين، وأمّا كونها فيم وجبت وعلى من وجبت؟ فيُعلم من نصوصٍ أخرى. انتهى. ونقل ابن المنذر: أنّ بعضهم احتجّ بما أخرجه من حديث ابن إسحاق حدّثني نافعٌ , أنّ ابن عمر كان يُخرج عن أهل بيته حرّهم وعبدهم صغيرهم وكبيرهم مسلمهم وكافرهم من الرّقيق. قال: وابن عمر راوي الحديث، وقد كان يخرج عن عبده الكافر، وهو أعرف بمراد الحديث. وتعقّب: بأنّه لو صحّ حُمل على أنّه كان يخرج عنهم تطوّعاً , ولا مانع منه. واستدل بعموم قوله " من المسلمين " على تناولها لأهل البادية. خلافاً للزّهريّ وربيعة والليث في قولهم: إنّ زكاة الفطر تختصّ بالحاضرة.

стр. 1514

الحديث الثامن ١٨١ - عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁ , قال: كنّا نعطيها في زمن ﷺ صاعاً من طعامٍ , أو صاعاً من شعيرٍ , أو صاعاً من أقطٍ , أو صاعاً من زبيبٍ. فلمّا جاء معاوية , وجاءت السّمراء , قال: أرى مدّاً من هذه يعدل مدّين. قال أبو سعيدٍ: أمّا أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله ﷺ . (١) قوله: (كنّا نعطيها) أي زكاة الفطر. قوله: (في زمن النّبيّ ﷺ ) هذا حكمه الرّفع. لإضافته إلى زمنه ﷺ , ففيه إشعارٌ باطّلاعه ﷺ على ذلك وتقريره له , ولا سيّما في هذه الصّورة التي كانت توضع عنده وتجمع بأمره , وهو الآمر بقبضها وتفرقتها. قوله: (صاعاً من طعامٍ أو صاعاً من تمر .... زبيب) هذا يقتضي المغايرة بين الطّعام وبين ما ذكر بعده. وقد حكى الخطّابيّ: أنّ المراد بالطّعام هنا الحنطة وأنّه اسمٌ خاصٌّ به , قال: ويدلّ على ذلك ذكر الشّعير وغيره من الأقوات. والحنطة أعلاها , فلولا أنّه أرادها بذلك لكان ذكرها عند التّفصيل كغيرها من

стр. 1515

الأقوات , ولا سيّما حيث عطفت عليها بحرف " أو " الفاصلة. وقال هو وغيره: وقد كانت لفظة " الطّعام " تستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتّى إذا قيل اذهب إلى سوق الطّعام فهم منه سوق القمح، وإذا غلب العُرف نزّل اللفظ عليه، لأنّ ما غلب استعمال اللفظ فيه كان خطوره عند الإطلاق أقرب. انتهى وقد ردّ ذلك ابن المنذر , وقال: ظنّ بعض أصحابنا أنّ قوله في حديث أبي سعيدٍ " صاعاً من طعامٍ " حجّةٌ لمَن قال صاعاً من حنطةٍ، وهذا غلطٌ منه، وذلك أنّ أبا سعيدٍ أجمل الطّعام ثمّ فسّره. ثمّ أورد طريق حفص بن ميسرة عن زيدٍ عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد. وهو عند البخاري , وهي ظاهرةٌ فيما قال. ولفظه " كنّا نخرج صاعاً من طعامٍ، وكان طعامنا الشّعير والزّبيب والأقط والتّمر " وأخرج الطّحاويّ نحوه من طريقٍ أخرى عن عياضٍ. وقال فيه " ولا يخرج غيره ". قال: وفي قوله " فلمّا جاء معاوية وجاءت السّمراء " دليلٌ على أنّها لَم تكن قوتاً لهم قبل هذا، فدلَّ على أنّها لَم تكن كثيرةً ولا قوتاً. فكيف يتوهّم أنّهم أخرجوا ما لَم يكن موجوداً؟. انتهى كلامه. وأخرج ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيمٍ عن عياض بن عبد الله قال: قال أبو سعيدٍ - وذكروا عنده صدقة رمضان - فقال: لا أخرج إلاَّ ما كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ : صاع تمرٍ أو صاع حنطةٍ أو

стр. 1516

صاع شعيرٍ أو صاع أقطٍ، فقال له رجلٌ من القوم: أو مدّين من قمحٍ، فقال: لا. تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها. قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيدٍ غير محفوظٍ ولا أدري ممّن الوهم، وقوله " فقال رجلٌ إلخ " دالٌّ على أنّ ذكر الحنطة في أوّل القصّة خطأٌ. إذ لو كان أبو سعيدٍ أخبر أنّهم كانوا يخرجون منها في عهد رسول الله ﷺ صاعاً لَمَا كان الرّجل يقول له: أو مدّين من قمحٍ. وقد أشار أبو داود إلى رواية ابن إسحاق هذه , وقال: إنّ ذكر الحنطة فيه غير محفوظٍ، وذكر أنّ معاوية بن هشامٍ روى في هذا الحديث عن سفيان " نصف صاعٍ من برٍّ " وهو وهمٌ , وأنّ ابن عيينة حدّث به عن ابن عجلان عن عياضٍ. فزاد فيه " أو صاعاً من دقيقٍ " , وأنّهم أنكروا عليه فتركه. قال أبو داود: وذِكر الدّقيق وهْمٌ من ابن عيينة. وأخرج ابن خزيمة أيضاً من طريق فضيل بن غزوان عن نافعٍ عن ابن عمر قال: لَم تكن الصّدقة على عهد رسول الله ﷺ إلاَّ التّمر والزّبيب والشّعير ولَم تكن الحنطة ". ولمسلمٍ من وجهٍ آخر عن عياضٍ عن أبي سعيدٍ: كنّا نخرج من ثلاثة أصنافٍ: صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من أقطٍ، أو صاعاً من شعيرٍ. وكأنّه سكت عن الزّبيب في هذه الرّواية لقلته بالنّسبة إلى الثّلاثة المذكورة.

стр. 1517

وهذه الطّرق كلّها تدلّ على أنّ المراد بالطّعام في حديث أبي سعيدٍ غير الحنطة، فيحتمل أن تكون الذّرة. فإنّه المعروف عند أهل الحجاز الآن , وهي قوتٌ غالبٌ لهم. وقد روى الجوزقيّ من طريق ابن عجلان عن عياضٍ في حديث أبي سعيدٍ " صاعاً من تمرٍ، صاعاً من سلتٍ أو ذرةٍ " وقال الكرمانيّ: يحتمل أن يكون قوله " صاعاً من شعيرٍ إلخ " بعد قوله " صاعاً من طعامٍ " من باب عطف الخاصّ على العامّ، لكنّ محل العطف أن يكون الخاصّ أشرف، وليس الأمر هنا كذلك. وقال ابن المنذر أيضاً: لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً عن النّبيّ ﷺ يعتمد عليه، ولَم يكن البرُّ بالمدينة ذلك الوقت إلاَّ الشّيء اليسير منه، فلمّا كثر في زمن الصّحابة رأوا أنّ نصف صاعٍ منه يقوم مقام صاعٍ من شعيرٍ، وهم الأئمّة، فغير جائزٍ أن يعدل عن قولهم إلاَّ إلى قول مثلهم. ثمّ أسند عن عثمان وعليٍّ وأبي هريرة وجابرٍ وابن عبّاسٍ وابن الزّبير وأمِّه أسماء بنت أبي بكرٍ بأسانيد صحيحةٍ , أنّهم رأوا أنّ في زكاة الفطر نصف صاعٍ من قمحٍ. انتهى. وهذا مصيرٌ منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفيّة، لكنّ حديث أبي سعيدٍ دالٌّ على أنّه لَم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة. خلافاً للطّحاويّ. وكأنّ الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيدٍ لَمّا كانت

стр. 1518

متساويةً في مقدار ما يخرج منها مع ما يخالفها في القيمة. دلَّ على أنّ المراد إخراج هذا المقدار من أيّ جنسٍ كان، فلا فرق بين الحنطة وغيرها. هذه حجّة الشّافعيّ ومن تبعه. وأمّا من جعله نصف صاعٍ منها بدل صاعٍ من شعيرٍ. فقد فعل ذلك بالاجتهاد بناءً منه على أنّ قيم ما عدا الحنطة متساويةٌ، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثّمن، لكن يلزم على قولهم أن تعتبر القيمة في كل زمانٍ فيختلف الحال ولا ينضبط، وربّما لزم في بعض الأحيان إخراج آصعٍ من حنطةٍ. ويدلّ على أنّهم لحظوا ذلك. ما روى جعفرٌ الفريابيّ في " كتاب صدقة الفطر " , أنّ ابن عبّاسٍ لَمّا كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر وبيّن لهم أنّها صاعٌ من تمرٍ، إلى أن قال: أو نصف صاعٍ من برٍّ. قال: فلمّا جاء عليٌّ , ورأى رُخص أسعارهم , قال: اجعلوها صاعاً من كلٍّ ". فدلَّ على أنّه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، ونظر أبو سعيدٍ إلى الكيل كما سيأتي. ومن عجيب تأويله قوله: أنّ أبا سعيدٍ ما كان يعرف القمح في الفطرة، وإنّ الخبر الذي جاء فيه. أنّه كان يخرج صاعاً أنّه كان يخرج النّصف الثّاني تطوّعاً، وأنّ قوله في حديث ابن عمر " فجعل النّاس عدله مدّين من حنطةٍ " أنّ المراد بالنّاس الصّحابة، فيكون إجماعاً. وكذا قوله في حديث سعيدٍ عند أبي داود " فأخذ النّاس بذلك ". وأمّا قول الطّحاويّ: إنّ أبا سعيدٍ كان يخرج النّصف الآخر

стр. 1519

تطوّعاً. فلا يخفى تكلّفه. والله أعلم. قوله: (فلمّا جاء معاوية) زاد مسلمٌ في روايته " فلم نزل نخرجه حتّى قدم معاوية حاجّاً أو معتمراً. فكلم النّاس على المنبر " وزاد ابن خزيمة " وهو يومئذٍ خليفةٌ ". قوله: (وجاءت السّمراء) أي: القمح الشّاميّ. قوله: (يعدل مدّين) في رواية مسلمٍ " أرى مدّين من سمراء الشّام تعدل صاعاً من تمرٍ " وزاد " قال أبو سعيدٍ: أمّا أنا لا أزال أخرجه أبداً ما عشت ". وله من طريق ابن عجلان عن عياضٍ " فأنكر ذلك أبو سعيدٍ , وقال: لا أخرج إلاَّ ما كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ ". ولأبي داود من هذا الوجه " لا أخرج أبداً إلاَّ صاعاً " وللدّارقطنيّ وابن خزيمة والحاكم " فقال له رجلٌ: مدّين من قمحٍ، فقال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها " وقد تقدّم ذكر هذه الرّواية وما فيها. ولابن خزيمة " وكان ذلك أوّل ما ذكر النّاس المدّين " وهذا يدلّ على وهن ما تقدّم عن عمر وعثمان إلاَّ أن يُحمل على أنّه كان لَم يطّلع على ذلك من قصّتهما. قال النّوويّ: تمسّك بقول معاوية مَن قال بالمدّين من الحنطة، وفيه نظرٌ، لأنّه فعل صحابيٍّ قد خالفه فيه أبو سعيدٍ وغيره من الصّحابة ممّن هو أطول صحبةً منه , وأعلم بحال النّبيّ ﷺ ، وقد صرّح معاوية

стр. 1520

بأنّه رأيٌ رآه. لا أنّه سمعه من النّبيّ ﷺ . وفي حديث أبي سعيدٍ ما كان عليه من شدّة الاتّباع والتّمسّك بالآثار وتركٍ للعدول إلى الاجتهاد مع وجود النّصّ، وفي صنيع معاوية وموافقة النّاس له دلالةٌ على جواز الاجتهاد وهو محمودٌ. لكنّه مع وجود النّصّ فاسد الاعتبار.

стр. 1521

كتاب الصيام الصّوم والصّيام في اللّغة الإمساك، وفي الشّرع إمساك مخصوص في زمن مخصوص عن شيء مخصوص بشرائط مخصوصة. وقال صاحب " المحكم ": الصّوم ترك الطّعام والشّراب والنّكاح والكلام، يقال صام صوماً وصياماً ورجل صائم وصوم. وقال الرّاغب: الصّوم في الأصل الإمساك عن الفعل، ولذلك قيل للفرس الممسك عن السّير صائم، وفي الشّرع إمساك المُكلّف بالنّيّة عن تناول المطعم والمشرب والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب. قال الله تعالى: (باب يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). قوله: (كتب) فمعناه فرض، والمراد بالمكتوب فيه اللوح المحفوظ. وأما قوله: (كما) فاختلف في التشبيه الذي دلَّت عليه الكاف. هل هو على الحقيقة , فيكون صيام رمضان قد كتب على الذين من قبلنا؟ أو المراد مطلق الصيام دون وقته وقدره؟ فيه قولان. القول الأول: ورد في أوّل حديثٍ مرفوعٍ عن عمر. أورده ابن أبي حاتم بإسناد فيه مجهول ولفظه " صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم " وبهذا قال الحسن البصري والسدي , وله شاهد آخر. أخرجه الترمذي في طريق معقل النسَّابة - وهو من المخضرمين - ولم

стр. 1522

يثبت له صحبة، ونحوه عن الشعبي وقتادة. والقول الثاني: أن التشبيه واقع على نفس الصوم. وهو قول الجمهور، وأسنده ابن أبي حاتم والطبري عن معاذ وابن مسعود وغيرهما في الصحابة والتابعين، وزاد الضحاك " ولم يزل الصوم مشروعا من زمن نوح ". وفي قوله: (لعلكم تتقون) إشارة إلى أنَّ من قبلنا كان فرض الصوم عليهم من قبيل الآصار والأثقال التي كُلفوا بها، وأما هذه الأمة فتكليفها بالصوم ليكون سبباً لاتقاء المعاصي وحائلاً بينهم وبينها، فعلى هذا المفعول المحذوف يقدر بالمعاصي أو بالمنهيات. فائدة: أشار ابن عبد البر إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات , فقال: حسبك بكون الصيام جُنَّة من النار فضلاً. وروى النسائي بسند صحيح عن أبي أمامة قال: قلت يا رسول الله. مُرني بأمر آخذه عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له. وفي رواية " لا عدل له ". والمشهور عند الجمهور ترجيح الصلاة.

стр. 1523

الحديث الأول ١٨٢ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقدّموا رمضان بصوم يومٍ , أو يومين إلاَّ رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه (١). قوله: (ولا تقدموا رمضان بصوم) وللبخاري " لا يتقدّمن أحدكم رمضان بصوم " وفي رواية خالد بن الحارث عن هشام عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة عند الإسماعيلي " لا تقدّموا بين يدي رمضان بصوم ". ولأحمد عن روحٍ عن هشام " لا تقدموا قبل رمضان بصوم " , وللتّرمذيّ من طريق عليّ بن المبارك عن يحيى " لا تقدّموا شهر رمضان بصيامٍ قبله ". تكميل: قال البخاري: باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان , ومن رأى كله واسعاً , وقال النبي ﷺ : من صام رمضان، وقال: لا تقدَّموا رمضان. وقوله: ومن رأى كله واسعاً. أي: جائزاً بالإضافة وبغير الإضافة، وللكشميهني " ومن رآه " بزيادة الضمير. وأشار البخاري بهذه الترجمة إلى حديثٍ ضعيفٍ رواه أبو معشر نجيح المدني عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً " لا تقولوا

стр. 1524

رمضان، فإن رمضان اسمٌ من أسماء الله، ولكن قولوا شهر رمضان " أخرجه ابن عدي في الكامل. وضعَّفه بأبي معشر. قال البيهقي: قد روي عن أبي معشر عن محمد بن كعب وهو أشبه، وروي عن مجاهد والحسن من طريقين ضعيفين، وقد احتج البخاري لجواز ذلك بعدة أحاديث. انتهى. وقد ترجم النسائي لذلك أيضا فقال " باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان رمضان " ثم أورد حديث أبي بكرة مرفوعاً " لا يقولنَّ أحدكم صُمت رمضان ولا قمتُه كله " وحديث ابن عباس " عمرة في رمضان تعدل حجة " (١). وقد يتمسك للتقييد بالشهر بورود القرآن به حيث قال (شهر رمضان) مع احتمال أن يكون حذف لفظ شهر من الأحاديث من تصرُّف الرواة , وكأن هذا هو السر في عدم جزم البخاري بالحكم. ونُقل عن أصحاب مالك الكراهية، وعن ابن الباقلاني منهم وكثير من الشافعية إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا يُكره، والجمهور على الجواز. واختلف في تسمية هذا الشهر رمضان. فقيل: لأنه ترمض فيه الذنوب، أي تحرق , لأنَّ الرمضاء شدة الحر، وقيل: وافق ابتداء الصوم فيه زمناً حارَّاً، والله أعلم فائدة: ذكر أبو الخير الطالقاني في كتابه " حظائر القدس " لرمضان

стр. 1525

ستين اسماً. وذكر بعض الصوفية: أنَّ آدم ﵇ لَمَّا أكل من الشجرة ثم تاب تأخر قبول توبته مما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوماً، فلمَّا صفا جسده منها تيب عليه ففرض على ذريته صيام ثلاثين يوماً. وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك قوله: (إلاَّ رجلاً كان يصوم) وللبخاري " إلاَّ أن يكون رجلٌ " كان تامّة، أي: إلاَّ أن يوجد رجل. قوله: (يصوم صوماً) في رواية الكشميهنيّ " صومه فليصم ذلك اليوم " وفي رواية معمرٍ عن يحيى عند أحمد " إلاَّ رجل كان يصوم صياماً فيأتي على صيامه " , ونحوه لأبي عوانة من طريق أيّوب عن يحيى، وفي رواية أحمد عن روحٍ " إلاَّ رجلٌ كان يصوم صياماً فليصله به " , وللتّرمذيّ وأحمد من طريق محمّد بن عمرو عن أبي سلمة " إلاَّ أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدكم " قال العلماء: معنى الحديث. لا تستقبلوا رمضان بصيامٍ على نيّة الاحتياط لرمضان. قال التّرمذيّ لَمّا أخرجه: العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجّل الرّجل بصيامٍ قبل دخول رمضان لمعنى رمضان. اهـ والحكمة فيه: التّقوّي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوّة ونشاط. وهذا فيه نظر , لأنّ مقتضى الحديث أنّه لو تقدّمه بصيام ثلاثة أيّامٍ

стр. 1526

أو أربعة جاز، وسنذكر ما فيه قريباً. وقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النّفل بالفرض، وفيه نظرٌ أيضاً لأنّه يجوز لمن له عادةٌ كما في الحديث. وقيل: لأنّ الحكم علق بالرّؤية فمن تقدّمه بيومٍ أو يومين فقد حاول الطّعن في ذلك الحكم وهذا هو المعتمد، ومعنى الاستثناء. أنّ من كان له ورد فقد أذن له فيه , لأنّه اعتاده وألفه وترك المألوف شديد. وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويلتحق بذلك القضاء والنّذر لوجوبهما. قال بعض العلماء: يستثنى القضاء والنّذر بالأدلة القطعيّة على وجوب الوفاء بهما فلا يبطل القطعيّ بالظّنّ. وفي الحديث ردٌّ على من يرى تقديم الصّوم على الرّؤية كالرّافضة، وردٌّ على مَن قال بجواز صوم النّفل المطلق. وأبعد مَن قال: المراد بالنّهي التّقدّم بنيّة رمضان، واستدل بلفظ التّقدّم , لأنّ التّقدّم على الشّيء بالشّيء إنّما يتحقّق إذا كان من جنسه، فعلى هذا يجوز الصّيام بنية النّفل المطلق، لكنّ السّياق يأبى هذا التّأويل ويدفعه. وفيه بيانٌ لمعنى قوله في الحديث الماضي " صوموا لرؤيته " فإنّ اللام فيه للتّأقيت لا للتّعليل. قال ابن دقيق العيد: ومع كونها محمولةً على التّأقيت فلا بدّ من ارتكاب مجاز لأنّ وقت الرّؤية - وهو الليل - لا يكون محلّ الصّوم.

стр. 1527

وتعقّبه الفاكهيّ: بأنّ المراد بقوله " صوموا " انووا الصّيام، والليل كلّه ظرف للنّيّة. قلت: فوقع في المجاز الذي فرّ منه، لأنّ النّاوي ليس صائماً حقيقةً بدليلٍ أنّه يجوز له الأكل والشّرب بعد النّيّة إلى أن يطلع الفجر. وفيه منع إنشاء الصّوم قبل رمضان إذا كان لأجل الاحتياط، فإن زاد على ذلك فمفهومه الجواز. وقيل: يمتدّ المنع لِمَا قبل ذلك. وبه قطع كثيرٍ من الشّافعيّة، وأجابوا عن الحديث: بأنّ المراد منه التّقديم بالصّوم فحيث وجد منع، وإنّما اقتصر على يومٍ أو يومين لأنّه الغالب ممّن يقصد ذلك. وقالوا: أمد المنع من أوّل السّادس عشر من شعبان لحديث العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً " إذا انتصف شعبان فلا تصوموا " أخرجه أصحاب السّنن وصحَّحه ابن حبّان وغيره. وقال الرّويانيّ من الشّافعيّة: يحرم التّقدّم بيومٍ أو يومين لحديث الباب. ويكره التّقدّم من نصف شعبان للحديث الآخر. وقال جمهور العلماء: يجوز الصّوم تطوّعاً بعد النّصف من شعبان , وضعّفوا الحديث الوارد فيه. وقال أحمد وابن معينٍ: إنّه منكر. وقد استدلَّ البيهقيّ بحديث الباب على ضعفه فقال: الرّخصة في ذلك بما هو أصحّ من حديث العلاء، وكذا صنع قبله الطّحاويّ. واستظهر بحديث ثابتٍ عن أنس مرفوعاً " أفضل الصّيام بعد رمضان شعبان " لكنّ إسناده ضعيف.

стр. 1528

واستظهر أيضاً بحديث عمران بن حصينٍ , أنّ رسول الله ﷺ قال لرجل: هل صمتَ من سرر شعبان شيئاً؟ قال: لا. قال: فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين. (١) ثمّ جمع بين الحديثين: بأنّ حديث العلاء محمول على من يضعفه الصّوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، وهو جمعٌ حسنٌ، والله أعلم

стр. 1529

الحديث الثاني ١٨٣ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له. (١) قوله: (إذا رأيتموه فصوموا) ولهما من رواية نافع عن ابن عمر " لا تصوموا حتّى تروا الهلال " ظاهره إيجاب الصّوم حين الرّؤية متى وجدت ليلاً أو نهاراً لكنّه محمولٌ على صوم اليوم المستقبل. وبعض العلماء فرّق بين ما قبل الزّوال أو بعد. وخالف الشّيعةُ الإجماعَ. فأوجبوه مطلقاً. وهو ظاهرٌ في النّهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها، ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة لكفى ذلك لمن تمسّك به، لكنّ اللفظ الذي رواه أكثر الرّواة أوقع للمخالف شبهة. وهو قوله " فإن غمّ عليكم فاقدروا له ". فاحتمل. أن يكون المراد التّفرقة بين حكم الصّحو والغيم، فيكون التّعليق على الرّؤية متعلقاً بالصّحو، وأمّا الغيم فله حكمٌ آخر. ويحتمل: أن لا تفرقة , ويكون الثّاني مؤكّداً للأوّل.

стр. 1530

وإلى الأوّل: ذهب أكثر الحنابلة. وإلى الثّاني: ذهب الجمهور , فقالوا: المراد بقوله " فاقدروا له " أي: انظروا في أوّل الشّهر. واحسبوا تمام الثّلاثين. ويرجّح هذا التّأويل. الرّوايات الأُخر المصرّحة بالمراد , وهي قوله " فأكملوا العدّة ثلاثين " ونحوها، وأولى ما فسّر الحديث بالحديث. وقد وقع الاختلاف في حديث أبي هريرة في هذه الزّيادة أيضاً , فرواها البخاريّ عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ " فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين " وهذا أصرح ما ورد في ذلك. وقد قيل: إن آدم شيخه انفرد بذلك , فإنّ أكثر الرّواة عن شعبة قالوا فيه " فعدّوا ثلاثين " أشار إلى ذلك الإسماعيليّ , وهو عند مسلم وغيره. قال: فيجوز أن يكون آدم أورده على ما وقع عنده من تفسير الخبر. قلت: الذي ظنّه الإسماعيليّ صحيحٌ، فقد رواه البيهقيّ من طريق إبراهيم بن يزيد عن آدم بلفظ " فإن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين يوماً " يعني عدّوا شعبان ثلاثين، فوقع للبخاريّ إدراج التّفسير في نفس الخبر. ويؤيّده رواية أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ " لا تقدّموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين "، فإنّه يشعر بأنّ المأمور بعدده هو شعبان، وقد رواه مسلم من طريق الرّبيع بن مسلم عن محمّد بن زياد بلفظ " فأكملوا العدد " وهو يتناول كلّ شهرٍ فدخل فيه شعبان.

стр. 1531

وروى الدّارقطنيّ وصحَّحه وابن خزيمة في " صحيحه " من حديث عائشة " كان رسول الله ﷺ يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره ثمّ يصوم لرؤية رمضان، فإن غمّ عليه عدّ ثلاثين يوماً ثمّ صام " وأخرجه أبو داود وغيره أيضاً. وروى أبو داود والنّسائيّ وابن خزيمة من طريق ربعيٍّ عن حذيفة مرفوعاً " لا تقدّموا الشّهر حتّى تروا الهلال أو تكملوا العدّة، ثمّ صوموا حتّى تروا الهلال أو تكملوا العدّة " وقيل: الصّواب فيه عن ربعيٍّ عن رجلٍ من الصّحابة. مُبهم، ولا يقدح ذلك في صحّته. قال ابن الجوزيّ في " التّحقيق ": لأحمد في هذه المسألة - وهي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيمٌ أو قترٌ ليلة الثّلاثين من شعبان - ثلاثة أقوال: أحدها: يجب صومه على أنّه من رمضان. ثانيها: لا يجوز فرضاً ولا نفلاً مطلقاً، بل قضاء وكفّارةً ونذراً ونفلاً يوافق عادة، وبه قال الشّافعيّ. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز عن فرض رمضان , ويجوز عمّا سوى ذلك. ثالثها: المرجع إلى رأي الإمام في الصّوم والفطر. واحتجّ الأوّل: بأنّه موافقٌ لرأي الصّحابيّ راوي الحديث. قال أحمد: حدّثنا إسماعيل حدّثنا أيّوب عن نافعٍ عن ابن عمر فذكر الحديث بلفظ " فاقدروا له " قال نافع: فكان ابن عمر إذا مضى من

стр. 1532

شعبان تسعٌ وعشرون يبعث من ينظر، فإن رأى فذاك، وإن لَم ير ولَم يحلْ دون منظره سحاب ولا قترٌ أصبح مفطراً، وإن حال أصبح صائماً. وأمّا ما روى الثّوريّ في " جامعه " عن عبد العزيز بن حكيم سمعت ابن عمر يقول: لو صمت السّنة كلّها لأفطرت اليوم الذي يشكّ فيه. فالجمع بينهما: أنّه في الصّورة التي أوجب فيها الصّوم لا يسمّى يوم شكٍّ، وهذا هو المشهور عن أحمد أنّه خصّ يوم الشّكّ بما إذا تقاعد النّاس عن رؤية الهلال , أو شهد برؤيته من لا يقبل الحاكم شهادته. فأمّا إذا حال دون منظره شيء فلا يُسمّى شكّاً. واختار كثير من المحقّقين من أصحابه الثّاني. قال ابن عبد الهادي في تنقيحه: الذي دلَّت عليه الأحاديث - وهو مقتضى القواعد - أنّه. أيّ شهر غمّ أكمل ثلاثين سواءٌ في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما، فعلى هذا قوله " فأكملوا العدّة " يرجع إلى الجملتين وهو قوله " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة " أي: غمّ عليكم في صومكم أو فطركم، وبقيّة الأحاديث تدلّ عليه. فاللام في قوله " فأكملوا العدّة " للشّهر. أي: عدّة الشّهر، ولَم يخصّ ﷺ شهراً دون شهرٍ بالإكمال إذا غمّ، فلا فرق بين شعبان وغيره في ذلك، إذ لو كان شعبان غير مرادٍ بهذا الإكمال

стр. 1533

لبيّنه , فلا تكون رواية من روى " فأكملوا عدّة شعبان " مخالفةً لمَن قال " فأكملوا العدّة " بل مبيّنةً لها. ويؤيّد ذلك قوله في الرّواية الأخرى: فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدّة ثلاثين , ولا تستقبلوا الشّهر استقبالاً. أخرجه أحمد وأصحاب السّنن وابن خزيمة وأبو يعلى من حديث ابن عبّاسٍ هكذا، ورواه الطّيالسيّ من هذا الوجه بلفظ " ولا تستقبلوا رمضان بصوم يومٍ من شعبان ". وروى النّسائيّ من طريق محمّد بن حنين عن ابن عبّاسٍ بلفظ " فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين " تكميل: قوله " لا تصوموا حتّى تروه " ليس المراد تعليق الصّوم بالرّؤية في حقّ كلّ أحد، بل المراد بذلك رؤية بعضهم وهو من يثبت به ذلك، إمّا واحد على رأي الجمهور , أو اثنان على رأي آخرين. ووافق الحنفيّة على الأوّل , إلاَّ أنّهم خصّوا ذلك بما إذا كان في السّماء عِلَّة من غيم وغيره، وإلا متى كان صحواً لَم يقبل إلاَّ من جمعٍ كثيرٍ يقع العلم بخبرهم. وقد تمسّك بتعليق الصّوم بالرّؤية. مَن ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها. ومن لَم يذهب إلى ذلك قال لأنّ قوله " حتّى تروه " خطاب لأناسٍ مخصوصين فلا يلزم غيرهم، ولكنّه مصروفٌ عن ظاهره فلا يتوقّف الحال على رؤية كلٍّ واحدٍ فلا يتقيّد بالبلد. وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:

стр. 1534

القول الأول: لأهل كل بلد رؤيتهم، وفي صحيحٍ مسلمٍ من حديث ابن عبّاس ما يشهد له (١)، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه التّرمذيّ عن أهل العلم. ولَم يحك سواه، وحكاه الماورديّ وجهاً للشّافعيّة. القول الثاني: مقابله إذا رؤي ببلدةٍ لزم أهل البلاد كلّها، وهو المشهور عند المالكيّة، لكن حكى ابن عبد البرّ الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنّه لا تراعى الرّؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس. القول الثالث: قال القرطبيّ: قد قال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضعٍ , ثمّ نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصّوم. القول الرابع: قال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشّهادة إلاَّ لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشّهادة , إلاَّ أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم النّاس كلهم , لأنّ البلاد في حقّه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع.

стр. 1535

القول الخامس: قال بعض الشّافعيّة: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً وإن تباعدت فوجهان: لا يجب عند الأكثر. واختار أبو الطّيّب وطائفة الوجوب وحكاه البغويّ عن الشّافعيّ. وفي ضبط البُعد أوجه: أحدها: اختلاف المطالع قطع به العراقيّون والصّيدلانيّ. وصحَّحه النّوويّ في " الرّوضة " و " شرح المهذّب ". ثانيها: مسافة القصر. قطع به الإمام والبغويّ , وصحَّحه الرّافعيّ في " الصّغير " والنّوويّ في شرح مسلم ". ثالثها: اختلاف الأقاليم. رابعها: حكاه السّرخسيّ فقال: يلزم كلّ بلدٍ لا يتصوّر خفاؤه عنها بلا عارضٍ دون غيرهم. خامسها: قول ابن الماجشون المتقدّم. واستدل به على وجوب الصّوم والفطر على من رأى الهلال وحده , وإن لَم يثبت بقوله، وهو قول الأئمّة الأربعة في الصّوم. واختلفوا في الفطر. القول الأول: فقال الشّافعيّ: يفطر ويخفيه. القول الثاني: قال الأكثر: يستمرّ صائماً احتياطاً. قوله: (فإن غم عليكم) بضمّ المعجمة وتشديد الميم. أي: حالٍ بينكم وبينه غيم، يقال غممت الشّيء إذا غطّيته، ووقع في حديث أبي هريرة عند البخاري من طريق المستملي " فإن غمّ " ومن طريق

стр. 1536

الكشميهنيّ " أغمى " ومن رواية السّرخسيّ " غبى " بفتح الغين المعجمة وتخفيف الموحّدة. وأغمى وغمّ وغمّى بتشديد الميم وتخفيفها فهو مغموم، الكلّ بمعنى. وأمّا غبى. فمأخوذ من الغباوة وهي عدم الفطنة. وهي استعارةٌ لخفاء الهلال، ونقل ابن العربيّ أنّه روى " عمى " بالعين المهملة من العمى. قال: وهو بمعناه , لأنّه ذهاب البصر عن المشاهدات , أو ذهاب البصيرة عن المعقولات قوله: (فاقدروا له) اتّفق الرّواة عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عمر فيه على قوله " فاقدروا له " وجاء من وجهٍ آخر عن نافعٍ بلفظ " فاقدروا ثلاثين " كذلك أخرجه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع، وهكذا أخرجه عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن أيّوب عن نافع. قال عبد الرّزّاق: وأخبرنا عبد العزيز بن أبي روّاد عن نافعٍ به وقال " فعدّوا ثلاثين ". واتّفق الرّواة عن مالكٍ عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. أيضاً فيه على قوله " فاقدروا له " (١) وكذلك رواه الزّعفرانيّ وغيره عن الشّافعيّ، وكذا رواه إسحاق الحربيّ وغيره في " الموطّأ " عن القعنبيّ. وأخرجه الرّبيع بن سليمان والمزنيّ عن الشّافعيّ فقال فيه كما قاله

стр. 1537

البخاريّ عن القعنبيّ عن مالك " فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين " قال البيهقيّ في " المعرفة " إن كانت رواية الشّافعيّ والقعنبيّ من هذين الوجهين محفوظة فيكون مالك قد رواه على الوجهين. قلت: ومع غرابة هذا اللفظ من هذا الوجه فله متابعات. منها: ما رواه الشّافعيّ أيضاً من طريقٍ سالمٍ عن ابن عمر بتعيين الثّلاثين. ومنها: ما رواه ابن خزيمة من طريق عاصم بن محمّد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر بلفظ " فإن غمّ عليكم فكمّلوا ثلاثين ". وله شواهد من حديث حذيفة عند ابن خزيمة، وأبي هريرة وابن عبّاس عند أبي داود والنّسائيّ وغيرهما، وعن أبي بكرة وطلق بن عليّ عند البيهقيّ، وأخرجه من طرقٍ أخرى عنهم وعن غيرهم. وقد تقدّم أنّ للعلماء في قوله (فاقدروا له) تأويلين. وذهب آخرون إلى تأويلٍ ثالثٍ، قالوا: معناه فاقدروه بحساب المنازل. قاله أبو العبّاس بن سريج من الشّافعيّة ومطرّف بن عبد الله من التّابعين وابن قتيبة من المحدّثين. قال ابن عبد البرّ: لا يصح عن مطرّف، وأمّا ابن قتيبة. فليس هو ممّن يعرّج عليه في مثل هذا. قال: ونقل ابن خويز مندادٍ عن الشّافعيّ مسألة ابن سريج , والمعروف عن الشّافعيّ ما عليه الجمهور. ونقل ابن العربيّ عن ابن سريجٍ أنّ قوله " فاقدروا له ": خطاب

стр. 1538

لمن خصّه الله بهذا العلم، وأنّ قوله " فأكملوا العدّة " خطاب للعامّة. قال ابن العربيّ: فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب على قومٍ بحساب الشّمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد، قال: وهذا بعيد عن النّبلاء. وقال ابن الصّلاح: معرفة منازل القمر هي معرفة سير الأهلة، وأمّا معرفة الحساب فأمر دقيق يختصّ بمعرفته الآحاد، قال: فمعرفة منازل القمر تدرك بأمرٍ محسوسٍ يدركه من يراقب النّجوم، وهذا هو الذي أراده ابن سريجٍ وقال به في حقّ العارف بها في خاصّةٍ نفسه. ونقل الرّويانيّ عنه: أنّه لَم يقل بوجوبٍ ذلك عليه , وإنّما قال بجوازه، وهو اختيار القفّال وأبي الطّيّب. وأمّا أبو إسحاق في " المهذّب " فنقل عن ابن سريج لزوم الصّوم في هذه الصّورة فتعدّدت الآراء في هذه المسألة بالنّسبة إلى خصوص النّظر في الحساب والمنازل: أحدها: الجواز ولا يجزئ عن الفرض. ثانيها: يجوز ويجزئ. ثالثها: يجوز للحاسب ويجزئه لا للمنجّم. رابعها: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجّم. خامسها: يجوز لهما ولغيرهما مطلقاً. وقال ابن الصّبّاغ أمّا بالحساب فلا يلزمه بلا خلافٍ بين أصحابنا. قلت: ونقل ابن المنذر قبله الإجماع على ذلك. فقال في الإشراف: صوم يوم الثّلاثين من شعبان إذا لَم ير الهلال مع الصّحو لا يجب

стр. 1539

بإجماع الأمّة، وقد صحّ عن أكثر الصّحابة والتّابعين كراهته. هكذا أطلق ولَم يفصّل بين حاسبٍ وغيره، فمن فرّق بينهم كان محجوجاً بالإجماع قبله. تكميل: أخرج الشيخان عن ابن عمر عن النّبيّ ﷺ قال: إنّا أمّةٌ أُميَّة، لا نكتب ولا نحسب، الشّهر هكذا وهكذا وهكذا " وعقد الإبهام في الثّالثة والشّهر هكذا، وهكذا، وهكذا يعني. تمام ثلاثين " والمراد بالحساب هنا حساب النّجوم وتسييرها , ولَم يكونوا يعرفون من ذلك إلاَّ النّزر اليسير , فعلّق الحكم بالصّوم وغيره بالرّؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التّسيير , واستمرّ الحكم في الصّوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك بل ظاهر السّياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً. ويوضّحه قوله في الحديث الماضي " فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين " ولَم يقل فسلوا أهل الحساب. والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلّفون فيرتفع الاختلاف والنّزاع عنهم. وقد ذهب قومٌ إلى الرّجوع إلى أهل التّسيير في ذلك وهم الرّوافض. ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم. قال الباجيّ: وإجماع السّلف الصّالح حجّة عليهم. وقال ابن بزيزة: وهو مذهبٌ باطلٌ فقد نهت الشّريعة عن الخوض في علم النّجوم , لأنّها حدسٌ وتخمينٌ ليس فيها قطعٌ ولا ظنٌّ غالبٌ , مع أنّه لو ارتبط الأمر بها لضاق إذ لا يعرفها إلاَّ القليل.

стр. 1540

الحديث الثالث ١٨٤ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ تسحّروا فإنّ في السّحور بركةً (١). قوله: (تسحّروا) نقل ابن المنذر الإجماع على ندبيّة السّحور. بدليل حديث أبي هريرة في الصحيحين , أنّه ﷺ واصل بهم يوماً ثمّ يوماً، ثمّ رأوا الهلال , فقال: لو تأخّر لزدتكم " فدلَّ ذلك على أنّ السّحور ليس بحتمٍ، إذ لو كان حتماً ما واصل بهم فإنّ الوصال يستلزم ترك السّحور. سواءٌ قلنا الوصال حرامٌ أو لا. قوله: (فإنّ في السّحور بركةً) هو بفتح السّين وبضمّها، لأنّ المراد بالبركة الأجر والثّواب فيناسب الضّمّ , لأنّه مصدرٌ بمعنى التّسحّر، أو البركة لكونه يقوّي على الصّوم , وينشّط له , ويخفّف المشقّة فيه فيناسب الفتح , لأنّه ما يتسحّر به. وقيل: البركة ما يتضمّن من الاستيقاظ والدّعاء في السّحر. والأولى أنّ البركة في السّحور تحصل بجهاتٍ متعدّدةٍ، وهي اتّباع السّنّة، ومخالفة أهل الكتاب، والتّقوّي به على العبادة، والزّيادة في النّشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتّسبّب بالصّدقة على من يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل، والتّسبّب للذّكر

стр. 1541

والدّعاء وقت مظنّة الإجابة، وتدارك نيّة الصّوم لمن أغفلها قبل أن ينام. قال ابن دقيق العيد: هذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخرويّة. فإنّ إقامة السّنّة يوجب الأجر وزيادته، ويحتمل: أن تعود إلى الأمور الدّنيويّة كقوّة البدن على الصّوم وتيسيره من غير إضرارٍ بالصّائم. قال: وممّا يعلل به استحباب السّحور المخالفة لأهل الكتاب لأنّه ممتنعٌ عندهم، وهذا أحد الوجوه المقتضية للزّيادة في الأجور الأخرويّة. وقال أيضاً: وقع للمتصوّفة في مسألة السّحور كلامٌ من جهة اعتبار حكم الصّوم وهي كسر شهوة البطن والفرج، والسّحور قد يباين ذلك. قال: والصّواب أن يقال ما زاد في المقدار حتّى تنعدم هذه الحكمة بالكليّة فليس بمستحبٍّ كالذي صنعه المترفون من التّأنّق في المآكل وكثرة الاستعداد لها، وما عدا ذلك تختلف مراتبه. تكميلٌ: يحصل السّحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكولٍ ومشروبٍ. وقد أخرج هذا الحديث أحمد من حديث أبي سعيدٍ الخدريّ بلفظ " السّحور بركةٌ فلا تدعوه , ولو أن يجرع أحدكم جرعةً من ماءٍ، فإنّ الله وملائكته يصلّون على المتسحّرين " ولسعيد بن منصورٍ من طريقٍ أخرى مرسلةٍ " تسحّروا ولو بلقمةٍ ".

стр. 1542

الحديث الرابع ١٨٥ - عن أنس بن مالكٍ عن زيد بن ثابتٍ ﵃ , قال: تسحّرنا مع رسول الله ﷺ . ثمّ قام إلى الصّلاة. قال أنسٌ: قلت لزيدٍ: كم كان بين الأذان والسّحور؟ قال: قدر خمسين آيةً. (١) قوله: (عن أنس بن مالك ﵁ عن زيد بن ثابت ﵁) رواه همّامٍ عن قتادة عن أنسٍ , أنّ زيد بن ثابت حدّثه، فجعله من مسند زيد بن ثابت، ووافقه هشامٌ عن قتادة كما في البخاري , ورواه سعيد - وهو ابن أبي عروبة - عن قتادة في البخاري أيضاً عن أنس , أنّ نبيّ الله وزيد بن ثابتٍ تسحّرا. وفي رواية السّرخسيّ والمستمليّ " تسحّروا " فجعله من مسند أنس. وأمّا قوله: " تسحّروا " بصيغة الجمع فشاذّةٌ , وترجّح عند مسلم رواية همّامٍ. فإنّه أخرجها وأعرض عن رواية سعيد. (٢) ويدلّ على رجحانها أيضاً , أنّ الإسماعيليّ أخرج رواية سعيد من طريق خالد بن الحارث عن سعيد فقال: عن أنس عن زيد بن ثابت.

стр. 1543

والذي يظهر لي في الجمع بين الرّوايتين: أنّ أنساً حضر ذلك. لكنّه لَم يتسحّر معهما، ولأجل هذا سأل زيداً عن مقدار وقت السّحور كما سيأتي بعد. ثمّ وجدت ذلك صريحاً في رواية النّسائيّ وابن حبّان ولفظهما عن أنس قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا أنس إنّي أريد الصّيام، أطعمني شيئاً. فجئته بتمرٍ وإناءٍ فيه ماء، وذلك بعدما أذّن بلال. قال: يا أنس انظر رجلاً يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء فتسحّر معه، ثمّ قام فصلى ركعتين، ثمّ خرج إلى الصّلاة. فعلى هذا فالمراد بقوله " كم كان بين الأذان والسّحور " أي: أذان ابن أمّ مكتومٍ، لأنّ بلالاً كان يؤذّن قبل الفجر. والآخر يؤذّن إذا طلع. قوله: (زيد بن ثابت) أي ابن الضحاك بن زيد بن لوذان، من بني مالك بن النجار، كاتب الوحي , وأحد فقهاء الصحابة، مات سنة خمس وأربعين. قوله: (قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟) وقع عند الإسماعيليّ من رواية عفّان عن همّامٍ " قلنا لزيدٍ " ومن رواية خالد بن الحارث عن سعيد قال خالد: أنسٌ القائل كم كان بينهما. ورواه أحمد أيضاً عن يزيد بن هارون عن همّامٍ. وفيه " أنّ أنساً قال: قلت لزيدٍ " ووقع عند البخاري من رواية رَوحٍ عن سعيد: قلت لأنسٍ، فهو مقول قتادة.

стр. 1544

قال الإسماعيليّ: والرّوايتان صحيحتان بأن يكون أنس سأل زيداً، وقتادة سأل أنساً. والله أعلم. واستدلَّ البخاري به على أنّ أوّل وقت الصّبح طلوع الفجر , لأنّه الوقت الذي يحرم فيه الطّعام والشّراب، والمدّة التي بين الفراغ من السّحور والدّخول في الصّلاة - وهي قراءة الخمسين آيةً أو نحوها - قدر ثلث خمس ساعةٍ، ولعلها مقدار ما يتوضّأ. فأشعر ذلك بأنّ أوّل وقت الصّبح أوّل ما يطلع الفجر. قوله: (قال: قدر خمسين آيةً) أي: متوسّطةً لا طويلةً ولا قصيرةً لا سريعةً ولا بطيئةً، وقدر بالرّفع على أنّه خبر المبتدأ، ويجوز النّصب على أنّه خبر كان المقدّرة في جواب زيدٍ لا في سؤال أنسٍ. لئلا تصير كان واسمها من قائلٍ والخبر من آخر. قال المُهلَّب وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدّر الأوقات بالأعمال كقوله: قدر حلب شاةٍ، وقدر نحر جزورٍ. فعدل زيد بن ثابتٍ عن ذلك إلى التّقدير بالقراءة إشارةً إلى أنّ ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتّلاوة، ولو كانوا يقدّرون بغير العمل لقال مثلاً قدر درجةٍ أو ثلث خمس ساعةٍ. وقال ابن أبي جمرة: فيه إشارةٌ إلى أنّ أوقاتهم كانت مستغرقةً بالعبادة. وفيه تأخير السّحور لكونه أبلغ في المقصود. قال ابن أبي جمرة: كان ﷺ ينظر ما هو الأرفق بأمّته فيفعله لأنّه لو

стр. 1545

لَم يتسحّر لاتّبعوه فيشقّ على بعضهم، ولو تسحّر في جوف الليل لشقّ أيضاً على بعضهم ممّن يغلب عليه النّوم فقد يفضي إلى ترك الصّبح , أو يحتاج إلى المجاهدة بالسّهر. وقال: فيه أيضاً تقويةٌ على الصّيام لعموم الاحتياج إلى الطّعام ولو ترك لشقّ على بعضهم , ولا سيّما من كان صفراويّاً فقد يغشى عليه فيفضي إلى الإفطار في رمضان. قال: وفي الحديث تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة، لأنّ زيد بن ثابتٍ ما كان يبيت مع النّبيّ ﷺ . وفيه الاجتماع على السّحور. وفيه حسن الأدب في العبارة لقوله " تسحّرنا مع رسول الله ﷺ " ولَم يقل نحن ورسول الله ﷺ لِمَا يشعر لفظ المعيّة بالتّبعيّة. وقال القرطبيّ: فيه دلالةٌ على أنّ الفراغ من السّحور كان قبل طلوع الفجر (١)، فهو معارضٌ لقول حذيفة: هو النّهار إلاَّ أنّ الشّمس لَم تطلع. انتهى. والجواب: أن لا معارضة بل تحمل على اختلاف الحال، فليس في رواية واحدٍ منهما ما يشعر بالمواظبة، فتكون قصّة حذيفة سابقةً. (٢)
следующие страницы →