← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

والدّعاء وقت مظنّة الإجابة، وتدارك نيّة الصّوم لمن أغفلها قبل أن ينام. قال ابن دقيق العيد: هذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخرويّة. فإنّ إقامة السّنّة يوجب الأجر وزيادته، ويحتمل: أن تعود إلى الأمور الدّنيويّة كقوّة البدن على الصّوم وتيسيره من غير إضرارٍ بالصّائم. قال: وممّا يعلل به استحباب السّحور المخالفة لأهل الكتاب لأنّه ممتنعٌ عندهم، وهذا أحد الوجوه المقتضية للزّيادة في الأجور الأخرويّة. وقال أيضاً: وقع للمتصوّفة في مسألة السّحور كلامٌ من جهة اعتبار حكم الصّوم وهي كسر شهوة البطن والفرج، والسّحور قد يباين ذلك. قال: والصّواب أن يقال ما زاد في المقدار حتّى تنعدم هذه الحكمة بالكليّة فليس بمستحبٍّ كالذي صنعه المترفون من التّأنّق في المآكل وكثرة الاستعداد لها، وما عدا ذلك تختلف مراتبه. تكميلٌ: يحصل السّحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكولٍ ومشروبٍ. وقد أخرج هذا الحديث أحمد من حديث أبي سعيدٍ الخدريّ بلفظ " السّحور بركةٌ فلا تدعوه , ولو أن يجرع أحدكم جرعةً من ماءٍ، فإنّ الله وملائكته يصلّون على المتسحّرين " ولسعيد بن منصورٍ من طريقٍ أخرى مرسلةٍ " تسحّروا ولو بلقمةٍ ".

стр. 1542

الحديث الرابع ١٨٥ - عن أنس بن مالكٍ عن زيد بن ثابتٍ ﵃ , قال: تسحّرنا مع رسول الله ﷺ . ثمّ قام إلى الصّلاة. قال أنسٌ: قلت لزيدٍ: كم كان بين الأذان والسّحور؟ قال: قدر خمسين آيةً. (١) قوله: (عن أنس بن مالك ﵁ عن زيد بن ثابت ﵁) رواه همّامٍ عن قتادة عن أنسٍ , أنّ زيد بن ثابت حدّثه، فجعله من مسند زيد بن ثابت، ووافقه هشامٌ عن قتادة كما في البخاري , ورواه سعيد - وهو ابن أبي عروبة - عن قتادة في البخاري أيضاً عن أنس , أنّ نبيّ الله وزيد بن ثابتٍ تسحّرا. وفي رواية السّرخسيّ والمستمليّ " تسحّروا " فجعله من مسند أنس. وأمّا قوله: " تسحّروا " بصيغة الجمع فشاذّةٌ , وترجّح عند مسلم رواية همّامٍ. فإنّه أخرجها وأعرض عن رواية سعيد. (٢) ويدلّ على رجحانها أيضاً , أنّ الإسماعيليّ أخرج رواية سعيد من طريق خالد بن الحارث عن سعيد فقال: عن أنس عن زيد بن ثابت.

стр. 1543

والذي يظهر لي في الجمع بين الرّوايتين: أنّ أنساً حضر ذلك. لكنّه لَم يتسحّر معهما، ولأجل هذا سأل زيداً عن مقدار وقت السّحور كما سيأتي بعد. ثمّ وجدت ذلك صريحاً في رواية النّسائيّ وابن حبّان ولفظهما عن أنس قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا أنس إنّي أريد الصّيام، أطعمني شيئاً. فجئته بتمرٍ وإناءٍ فيه ماء، وذلك بعدما أذّن بلال. قال: يا أنس انظر رجلاً يأكل معي، فدعوت زيد بن ثابت، فجاء فتسحّر معه، ثمّ قام فصلى ركعتين، ثمّ خرج إلى الصّلاة. فعلى هذا فالمراد بقوله " كم كان بين الأذان والسّحور " أي: أذان ابن أمّ مكتومٍ، لأنّ بلالاً كان يؤذّن قبل الفجر. والآخر يؤذّن إذا طلع. قوله: (زيد بن ثابت) أي ابن الضحاك بن زيد بن لوذان، من بني مالك بن النجار، كاتب الوحي , وأحد فقهاء الصحابة، مات سنة خمس وأربعين. قوله: (قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟) وقع عند الإسماعيليّ من رواية عفّان عن همّامٍ " قلنا لزيدٍ " ومن رواية خالد بن الحارث عن سعيد قال خالد: أنسٌ القائل كم كان بينهما. ورواه أحمد أيضاً عن يزيد بن هارون عن همّامٍ. وفيه " أنّ أنساً قال: قلت لزيدٍ " ووقع عند البخاري من رواية رَوحٍ عن سعيد: قلت لأنسٍ، فهو مقول قتادة.

стр. 1544

قال الإسماعيليّ: والرّوايتان صحيحتان بأن يكون أنس سأل زيداً، وقتادة سأل أنساً. والله أعلم. واستدلَّ البخاري به على أنّ أوّل وقت الصّبح طلوع الفجر , لأنّه الوقت الذي يحرم فيه الطّعام والشّراب، والمدّة التي بين الفراغ من السّحور والدّخول في الصّلاة - وهي قراءة الخمسين آيةً أو نحوها - قدر ثلث خمس ساعةٍ، ولعلها مقدار ما يتوضّأ. فأشعر ذلك بأنّ أوّل وقت الصّبح أوّل ما يطلع الفجر. قوله: (قال: قدر خمسين آيةً) أي: متوسّطةً لا طويلةً ولا قصيرةً لا سريعةً ولا بطيئةً، وقدر بالرّفع على أنّه خبر المبتدأ، ويجوز النّصب على أنّه خبر كان المقدّرة في جواب زيدٍ لا في سؤال أنسٍ. لئلا تصير كان واسمها من قائلٍ والخبر من آخر. قال المُهلَّب وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدّر الأوقات بالأعمال كقوله: قدر حلب شاةٍ، وقدر نحر جزورٍ. فعدل زيد بن ثابتٍ عن ذلك إلى التّقدير بالقراءة إشارةً إلى أنّ ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتّلاوة، ولو كانوا يقدّرون بغير العمل لقال مثلاً قدر درجةٍ أو ثلث خمس ساعةٍ. وقال ابن أبي جمرة: فيه إشارةٌ إلى أنّ أوقاتهم كانت مستغرقةً بالعبادة. وفيه تأخير السّحور لكونه أبلغ في المقصود. قال ابن أبي جمرة: كان ﷺ ينظر ما هو الأرفق بأمّته فيفعله لأنّه لو

стр. 1545

لَم يتسحّر لاتّبعوه فيشقّ على بعضهم، ولو تسحّر في جوف الليل لشقّ أيضاً على بعضهم ممّن يغلب عليه النّوم فقد يفضي إلى ترك الصّبح , أو يحتاج إلى المجاهدة بالسّهر. وقال: فيه أيضاً تقويةٌ على الصّيام لعموم الاحتياج إلى الطّعام ولو ترك لشقّ على بعضهم , ولا سيّما من كان صفراويّاً فقد يغشى عليه فيفضي إلى الإفطار في رمضان. قال: وفي الحديث تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة، لأنّ زيد بن ثابتٍ ما كان يبيت مع النّبيّ ﷺ . وفيه الاجتماع على السّحور. وفيه حسن الأدب في العبارة لقوله " تسحّرنا مع رسول الله ﷺ " ولَم يقل نحن ورسول الله ﷺ لِمَا يشعر لفظ المعيّة بالتّبعيّة. وقال القرطبيّ: فيه دلالةٌ على أنّ الفراغ من السّحور كان قبل طلوع الفجر (١)، فهو معارضٌ لقول حذيفة: هو النّهار إلاَّ أنّ الشّمس لَم تطلع. انتهى. والجواب: أن لا معارضة بل تحمل على اختلاف الحال، فليس في رواية واحدٍ منهما ما يشعر بالمواظبة، فتكون قصّة حذيفة سابقةً. (٢)

стр. 1546

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1547

الحديث الخامس ١٨٦ - عن عائشة وأمّ سلمة ﵄ , أنّ رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنبٌ من أهله , ثمّ يغتسل ويصوم. (١) قوله: (كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله , ثمّ يغتسل ويصوم) وللشيخين من رواية مالك عن سمي عن أبي بكر بن عبد الرحمن عنهما " كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام " , ولهما في رواية يونس عن ابن شهاب عن عروة وأبي بكر بن عبد الرّحمن عن عائشة " كان يدركه الفجر في رمضان جنباً من غير حلم ". وللنّسائيّ من طريق عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرّحمن عن أبيه عنهما " كان يصبح جنباً من غير احتلام ثمّ يصوم ذلك اليوم " وله

стр. 1548

من طريق يحيى بن عبد الرّحمن بن حاطب قال: قال مروان لعبد الرّحمن بن الحارث: اذهب إلى أمّ سلمة فسلها، فقالت: كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً منّي , فيصوم ويأمرني بالصّيام ". قال القرطبيّ: في هذا فائدتان. إحداهما: أنّه كان يجامع في رمضان , ويؤخّر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بياناً للجواز. الثّاني: أنّ ذلك كان من جماع لا من احتلام , لأنّه كان لا يحتلم. إذ الاحتلام من الشّيطان , وهو معصوم منه. وقال غيره: في قولها " من غير احتلام " إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلا لَمَا كان للاستثناء معنًى، وردّ بأنّ الاحتلام من الشّيطان وهو معصوم منه. وأجيب: بأنّ الاحتلام يطلق على الإنزال. وقد وقع الإنزال بغير رؤية شيء في المنام، وأرادت بالتّقييد بالجماع المبالغة في الرّدّ على من زعم أنّ فاعل ذلك عمداً يفطر، وإذا كان فاعل ذلك عمداً لا يفطر فالذي ينسى الاغتسال أو ينام عنه أولى بذلك. قال ابن دقيق العيد: لَمّا كان الاحتلام يأتي للمرء على غير اختياره فقد يتمسّك به من يرخّص لغير المتعمّد الجماع، فبيّن في هذا الحديث أنّ ذلك كان من جماع لإزالة هذا الاحتمال. قوله: (ثمّ يغتسل) فيه جواز اغتسال الصائم. قال الزّين بن المنيّر: الاغتسال يشمل الأغسال المسنونة والواجبة والمباحة. انتهى

стр. 1549

وروي عن عليٍّ من النّهي عن دخول الصّائم الحمّام أخرجه عبد الرّزّاق. وفي إسناده ضعفٌ، واعتمده الحنفيّة فكرهوا الاغتسال للصّائم. قوله: (ويصوم) في ذلك خلاف للسّلف هل يصحّ صومه أو لا؟ وهل يفرّق بين العامد والنّاسي أو بين الفرض والتّطوّع؟. والجمهور على الجواز مطلقاً، والله أعلم. وأخرج أحمد وابن حبّان من طريق معمرٍ عن همام عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : إذا نودي للصّلاة - صلاة الصّبح - وأحدكم جنبٌ فلا يصم حينئذٍ. ورواه عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن ابن شهابٍ عن ابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة به. وقد اختلف على الزّهريّ في اسمه , فقال عنه شعيبٌ عنه أخبرني عبد الله بن عمر , قال لي أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالفطر إذا أصبح الرّجل جنباً " أخرجه النّسائيّ والطّبرانيّ في " مسند الشّاميّين "، وقال عقيلٌ عنه: عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر به. فاختلف على الزّهريّ. هل هو عبد الله مكبّراً أو عبيد الله مصغّراً؟. قال البخاري في " صحيحه ": الأوّل أسند. انتهى ومراده. أنّ حديث عائشة وأم سلمة أقوى إسناداً، وهي من حيث الرّجحان كذلك , لأنّ حديث عائشة وأمّ سلمة في ذلك جاءا عنهما من طرق كثيرة جدّاً بمعنًى واحد. حتّى قال ابن عبد البرّ: إنّه صحّ

стр. 1550

وتواتر. وأمّا أبو هريرة. فأكثر الرّوايات عنه أنّه كان يفتي به، وجاء عنه من طريق هذين , أنّه كان يرفعه إلى النّبيّ ﷺ . وكذلك وقع في رواية معمرٍ عن الزّهريّ عن أبي بكر بن عبد الرّحمن سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : فذكره، أخرجه عبد الرّزّاق. وللنّسائيّ من طريق عكرمة بن خالد عن أبي بكر بن عبد الرّحمَن قال: بلغ مروان أنّ أبا هريرة يحدّث عن رسول الله ﷺ . فذكره، وله من طريق المقبريّ قال: بعثت عائشة إلى أبي هريرة: لا تحدّث بهذا عن رسول الله ﷺ . ولأحمد من طريق عبد الله بن عمرو القاري سمعت أبا هريرة يقول: وربّ هذا البيت. ما أنا قلت من أدرك الصّبح وهو جنبٌ فلا يصم، محمّدٌ وربّ الكعبة قاله. لكن بيّن أبو هريرة أنّه لَم يسمع ذلك من النّبيّ ﷺ , وإنّما سمعه بواسطة الفضل وأسامة، فأخرج النّسائيّ من طريق عكرمة بن خالد ويعلى بن عقبة وعراك بن مالك كلّهم عن أبي بكر بن عبد الرّحمن , أنّ أبا هريرة أحال بذلك على الفضل بن عبّاس (١)، لكن عنده من طريق عمر بن أبي بكر عن أبيه , أنّ أبا هريرة قال في هذه القصّة: إنّما كان أسامة بن زيد حدّثني. فيحمل على أنّه كان عنده عن كلٍّ منهما. ويؤيّده روايةٌ أخرى عند

стр. 1551

النّسائيّ من طريقٍ أخرى عن عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه , قال فيها: إنّما حدّثني فلانٌ وفلانٌ. وفي رواية مالك في " الموطأ ": أخبرنيه مخبرٌ. والظّاهر أنّ هذا من تصرّف الرّواة. منهم من أبهم الرّجلين , ومنهم من اقتصر على أحدهما تارة مبهماً وتارة مفسّراً، ومنهم من لَم يذكر عن أبي هريرة أحداً، وهو عند النّسائيّ أيضاً من طريق أبي قلابة عن عبد الرّحمن بن الحارث ففي آخره., فقال أبو هريرة: هكذا كنت أحسب. وكأنّه كان لشدّة وثوقه بخبرهما يحلف على ذلك. وأمّا ما أخرجه ابن عبد البرّ من رواية عطاء بن ميناء عن أبي هريرة أنّه قال: كنت حدّثتكم من أصبح جنباً فقد أفطر، وأنّ ذلك من كيس أبي هريرة. فلا يصحّ ذلك عن أبي هريرة , لأنّه من رواية عمر بن قيسٍ وهو متروكٌ. نعم قد رجع أبو هريرة عن الفتوى بذلك (١). إمّا لرجحان رواية أمّي المؤمنين في جواز ذلك صريحاً على رواية غيرهما مع ما في رواية غيرهما من الاحتمال، إذ يمكن أن يحمل الأمر بذلك على الاستحباب في غير الفرض، وكذا النّهي عن صوم ذلك اليوم. وإمّا لاعتقاده أن يكون خبر أُمَّيْ المؤمنين ناسخاً لخبر غيرهما.

стр. 1552

وقد بقي على مقالة أبي هريرة هذه بعض التّابعين كما نقله التّرمذيّ، ثمّ ارتفع ذلك الخلاف واستقرّ الإجماع على خلافه كما جزم به النّوويّ. وأمّا ابن دقيق العيد فقال: صار ذلك إجماعاً أو كالإجماع. لكن من الآخذين بحديث أبي هريرة من فرّق بين من تعمّد الجنابة , وبين من احتلم. كما أخرجه عبد الرّزّاق عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه , وكذا حكاه ابن المنذر عن طاوسٍ أيضاً. قال ابن بطّالٍ: وهو أحد قولي أبي هريرة. قلت: ولَم يصحّ عنه، فقد أخرج ذلك ابن المنذر من طريق أبي المهزّم. وهو ضعيف عن أبي هريرة. ومنهم مَن قال: يتمّ صومه ذلك اليوم ويقضيه. حكاه ابن المنذر عن الحسن البصريّ وسالم بن عبد الله بن عمر. قلت: وأخرج عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ , أنّه سأل عطاءً عن ذلك , فقال: اختلف أبو هريرة وعائشة فأرى أن يتمّ صومه ويقضي. وكأنّه لَم يثبت عنده رجوع أبي هريرة عن ذلك، وليس ما ذكره صريحاً في إيجاب القضاء. ونقل بعض المتأخّرين عن الحسن بن صالح بن حيّ إيجاب القضاء أيضاً، والذي نقله الطّحاويّ عنه استحبابه. ونقل ابن عبد البرّ. عنه وعن النّخعيّ. إيجاب القضاء في الفرض , والإجزاء في التّطوّع.

стр. 1553

ووقع لابن بطّالٍ وابن التّين والنّوويّ والفاكهيّ وغير واحد في نقل هذه المذاهب مغايرات في نسبتها لقائلها. والمعتمد ما حرّرته. ونقل الماورديّ: أنّ هذا الاختلاف كلّه إنّما هو في حقّ الجنب، وأمّا المحتلم فأجمعوا على أنّه يجزئه. وهذا النّقل مُعترَضٌ بما رواه النّسائيّ بإسنادٍ صحيح عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر , أنّه احتلم ليلاً في رمضان فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر , ثمّ نام قبل أن يغتسل فلم يستيقظ حتّى أصبح , قال: فاستفتيت أبا هريرة فقال: أفطر. وله من طريق محمّد بن عبد الرّحمن بن ثوبان أنّه سمع أبا هريرة , يقول: من احتلم من الليل أو واقع أهله , ثمّ أدركه الفجر ولَم يغتسل. فلا يصم. وهذا صريحٌ في عدم التّفرقة. وحمل القائلون بفساد صيام الجنب حديث عائشة على أنّه من الخصائص النّبويّة، أشار إلى ذلك الطّحاويّ بقوله: وقال آخرون: يكون حكم النّبيّ ﷺ على ما ذكرت عائشة. وحكم النّاس على ما حكى أبو هريرة. وأجاب الجمهور: بأنّ الخصائص لا تثبت إلاَّ بدليلٍ، وبأنّه قد ورد صريحاً ما يدلّ على عدمها، وترجم بذلك ابن حبّان في صحيحة حيث قال " ذكر البيان بأنّ هذا الفعل لَم يكن المصطفى مخصوصاً به ". ثمّ أورد ما أخرجه هو ومسلم والنّسائيّ وابن خزيمة وغيرهم من

стр. 1554

طريق أبي يونس مولى عائشة عن عائشة , أنّ رجلاً جاء إلى النّبيّ ﷺ يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسولَ الله تدركني الصّلاة - أي صلاة الصّبح - وأنا جنبٌ، أفأصوم؟ فقال النّبيّ ﷺ : وأنا تدركني الصّلاة وأنا جنب فأصوم. فقال: لست مثلنا يا رسولَ الله قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر. فقال: والله إنّي لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقى. وذكر ابن خزيمة: أنّ بعض العلماء توهّم أنّ أبا هريرة غلِط في هذا الحديث , ثمّ ردّ عليه بأنّه لَم يغلط , بل أحال على رواية صادقٍ، إلاَّ أنّ الخبر منسوخ، لأنّ الله تعالى عند ابتداء فرض الصّيام كان منع في ليل الصّوم من الأكل والشّرب والجماع بعد النّوم. قال: فيحتمل أن يكون خبر الفضل كان حينئذٍ , ثمّ أباح الله ذلك كلّه إلى طلوع الفجر فكان للمجامع أن يستمرّ إلى طلوعه فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر، فدلَّ على أنّ حديث عائشة ناسخ لحديث الفضل ولَم يبلغ الفضل ولا أبا هريرة النّاسخ فاستمرّ أبو هريرة على الفتيا به، ثمّ رجع عنه بعد ذلك لَمّا بلغه. قلت: ويقوّيه أنّ في حديث عائشة هذا الأخير ما يشعر بأنّ ذلك كان بعد الحديبية لقوله فيها " قد غفر الله لك ما تقدّم وما تأخّر " وأشار إلى آية الفتح وهي إنّما نزلت عام الحديبية سنة ستّ، وابتداء فرض الصّيام كان في السّنة الثّانية. وإلى دعوى النّسخ فيه ذهب ابن المنذر والخطّابيّ وغير واحد.

стр. 1555

وقرّره ابن دقيق العيد: بأنّ قوله تعالى (أحل لكم ليلة الصّيام الرّفث إلى نسائكم) يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصّوم، ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر فيلزم إباحة الجماع فيه , ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنباً ولا يفسد صومه , فإنّ إباحة التّسبّب للشّيء إباحةٌ لذلك الشّيء. قلت: وهذا أولى من سلوك التّرجيح بين الخبرين كما قال البخاريّ: والأوّل أسند. وكذا قال بعضهم: إنّ حديث عائشة أرجح لموافقة أمّ سلمة لها على ذلك، ورواية اثنين تقدّم على رواية واحد، ولا سيّما وهما زوجتان ,وهما أعلم بذلك من الرّجال. ولأنّ روايتهما توافق المنقولَ - وهو ما تقدّم من مدلول الآية - والمعقولَ , وهو أنّ الغسل شيءٌ وجب بالإنزال، وليس في فعله شيءٌ يحرم على صائم، فقد يحتلم بالنّهار فيجب عليه الغسل ولا يحرم عليه بل يتمّ صومه إجماعاً، فكذلك إذا احتلم ليلاً بل هو من باب الأولى، وإنّما يمنع الصّائم من تعمّد الجماع نهاراً. وهو شبيهٌ بمن يمنع من التّطيّب وهو محرم , لكن لو تطيّب وهو حلال ثمّ أحرم فبقي عليه لونه أو ريحه لَم يحرم عليه. وجمع بعضهم بين الحدثين. أنّ الأمر في حديث أبي هريرة أمر إرشادٍ إلى الأفضل، فإنّ الأفضل أن يغتسل قبل الفجر فلو خالف جاز، ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز , ونقل النّوويّ هذا عن أصحاب الشّافعيّ، وفيه نظرٌ.

стр. 1556

فإنّ الذي نقله البيهقيّ وغيره عن نصّ الشّافعيّ سلوك التّرجيح , وعن ابن المنذر وغيره سلوك النّسخ. ويعكّر على حمله على الإرشاد التّصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر وبالنّهي عن الصّيام , فكيف يصحّ الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان؟ وقيل: هو محمولٌ على من أدركه مجامعاً فاستدام بعد طلوعه عالماً بذلك. ويعكّر عليه ما رواه النّسائيّ من طريق أبي حازم عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرّحمن عن أبيه " أنّ أبا هريرة كان يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولَم يغتسل حتّى أصبح فلا يصوم ". وحكى ابن التّين عن بعضهم أنّه سقط " لا " من حديث الفضل، وكان في الأصل " من أصبح جنباً في رمضان فلا يفطر " فلمّا سقط " لا " صار فليفطر. وهذا بعيدٌ بل باطلٌ، لأنّه يستلزم عدم الوثوق بكثير من الأحاديث وأنّها يطرقها مثل هذا الاحتمال، وكأنّ قائله ما وقف على شيء من طرق هذا الحديث إلاَّ على اللفظ المذكور. تكميلٌ: في معنى الجنب. الحائض والنّفساء إذا انقطع دمها ليلاً , ثمّ طلع الفجر قبل اغتسالها. قال النّوويّ في شرح مسلم: مذهب العلماء كافّةً صحّة صومها , إلاَّ ما حكي عن بعض السّلف ممّا لا يعلم صحّ عنه أو لا.

стр. 1557

وكأنّه أشار بذلك إلى ما حكاه في شرح المهذّب عن الأوزاعيّ، لكن حكاه ابن عبد البرّ عن الحسن بن صالح أيضاً. وحكى ابن دقيق العيد: أنّ في المسألة في مذهب مالك قولين، وحكاه القرطبيّ عن محمّد بن مسلمة من أصحابهم. ووصف قوله بالشّذوذ. وحكى ابن عبد البرّ عن عبد الملك بن الماجشون: أنّها إذا أخّرت غسلها حتّى طلع الفجر فيومها يوم فطر لأنّها في بعضه غير طاهرةٍ. قال: وليس كالذي يصبح جنباً , لأنّ الاحتلام لا ينقض الصّوم والحيض ينقضه.

стр. 1558

الحديث السادس ١٨٧ - عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ , قال: من نسي وهو صائمٌ. فأكل أو شرب , فليتمّ صومه. فإنّما أطعمه الله وسقاه. (١) قوله: (من نسي وهو صائم) وللبخاري " إذا نسي فأكل " وله أيضاً من طريق عوف عن ابن سيرين " من أكل ناسياً وهو صائم " , ولأبي داود من طريق حبيب بن الشّهيد وأيّوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة " جاء رجل فقال: يا رسولَ الله إنّي أكلت وشربت ناسياً وأنا صائم " وهذا الرّجل هو أبو هريرة راوي الحديث. أخرجه الدّارقطنيّ بإسنادٍ ضعيفٍ. قوله: (فليتمّ صومه) في رواية التّرمذيّ من طريق قتادة عن ابن سيرين " فلا يفطر ". وهل يجب عليه القضاء أو لا؟ وهي مسألة خلافٍ مشهورةٌ. القول الأول: ذهب الجمهور إلى عدم الوجوب. القول الثاني: عن مالك يبطل صومه ويجب عليه القضاء. قال عياضٌ: هذا هو المشهور عنه , وهو قول شيخه ربيعٍ وجميع أصحاب مالك، لكن فرّقوا بين الفرض والنّفل.

стр. 1559

وقال الدّاوديّ (١): لعل مالكاً لَم يبلغه الحديث، أو أوّله على رفع الإثم. قوله: (فإنّما أطعمه الله وسقاه) في رواية التّرمذيّ " فإنّما هو رزق رزقه الله " وللدّارقطنيّ من طريق ابن عليّة عن هشامٍ " فإنّما هو رزق ساقه الله تعالى إليه ". قال ابن العربيّ: تمسّك جميع فقهاء الأمصار بظاهر هذا الحديث، وتطلع مالكٌ إلى المسألة من طريقها فأشرف عليه، لأنّ الفطر ضدّ الصّوم والإمساك ركن الصّوم فأشبه ما لو نسي ركعةً من الصّلاة. قال: وقد روى الدّارقطنيّ فيه " لا قضاء عليك " فتأوّله علماؤنا على أنّ معناه لا قضاء عليك الآن. وهذا تعسّفٌ، وإنّما أقول ليته صحّ فنتّبعه ونقول به، إلاَّ على أصل مالكٍ في أنّ خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لَم يعمل به، فلمّا جاء الحديث الأوّل الموافق للقاعدة في رفع الإثم عملنا به، وأمّا الثّاني فلا يوافقها فلم نعمل به. وقال القرطبيّ: احتجّ به من أسقط القضاء، وأجيب: بأنّه لَم يتعرّض فيه للقضاء فيحمل على سقوط المؤاخذة، لأنّ المطلوب صيام يوم لا خرم فيه، لكن روى الدّارقطنيّ فيه سقوط القضاء وهو نصٌّ لا يقبل الاحتمال، لكنّ الشّأن في صحّته، فإن صحّ وجب الأخذ به وسقط القضاء. انتهى. وأجاب بعض المالكيّة: بحمل الحديث على صوم التّطوّع كما حكاه

стр. 1560

ابن التّين عن ابن شعبان، وكذا قال ابن القصّار، واعتلَّ بأنّه لَم يقع في الحديث تعيين رمضان فيحمل على التّطوّع. وقال المُهلَّب وغيره: لَم يذكر في الحديث إثباتاً لقضاءٍ فيحمل على سقوط الكفّارة عنه وإثبات عذره ورفع الإثم عنه وبقاء نيّته التي بيّتها. انتهى. والجواب عن ذلك كلّه: بما أخرجه ابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والدّارقطنيّ من طريق محمّد بن عبد الله الأنصاريّ عن محمّد بن عمر وعن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ " من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفّارة " فعيّن رمضان , وصرّح بإسقاط القضاء. قال الدّارقطنيّ: تفرّد به محمّد بن مرزوقٍ عن الأنصاريّ. وتعقّب: بأنّ ابن خزيمة أخرجه أيضاً عن إبراهيم ابن محمّدٍ الباهليّ , وبأنّ الحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرّازيّ كلاهما عن الأنصاريّ. فهو المنفرد به كما قال البيهقيّ , وهو ثقةٌ. والمراد أنّه انفرد بذكر إسقاط القضاء فقط لا بتعيين رمضان، فإنّ النّسائيّ أخرج الحديث من طريق عليّ بن بكّار عن محمّد بن عمرو ولفظه " في الرّجل يأكل في شهر رمضان ناسياً فقال: الله أطعمه وسقاه ". وقد ورد إسقاط القضاء من وجهٍ آخر عن أبي هريرة. أخرجه الدّارقطنيّ من رواية محمّد بن عيسى ابن الطّبّاع عن ابن عليّة عن هشامٍ عن ابن سيرين ولفظه: فإنّما هو رزق ساقه الله إليه ,

стр. 1561

ولا قضاء عليه. وقال بعد تخريجه: هذا إسناد صحيحٌ وكلّهم ثقاتٌ. قلت: لكنّ الحديث عند مسلمٍ وغيره من طريق ابن عليّة. وليس فيه هذه الزّيادة. وروى الدّارقطنيّ أيضاً إسقاط القضاء من رواية أبي رافع وأبي سعيد المقبريّ والوليد بن عبد الرّحمن وعطاء بن يسارٍ كلّهم عن أبي هريرة. وأخرج أيضاً من حديث أبي سعيد رفعه " من أكل في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه " وإسناده - وإن كان ضعيفاً - لكنّه صالحٌ للمتابعة. فأقلّ درجات الحديث بهذه الزّيادة أن يكون حسناً فيصلح للاحتجاج به، وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما هو دونه في القوّة. ويعتضد أيضاً بأنّه قد أفتى به جماعةٌ من الصّحابة من غير مخالفةٍ لهم منهم - كما قاله ابن المنذر وابن حزمٍ وغيرهما - عليّ بن أبي طالبٍ وزيد بن ثابتٍ وأبو هريرة وابن عمر. ثمّ هو موافق لقوله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) فالنّسيان ليس من كسب القلب، وموافقٌ للقياس في إبطال الصّلاة بعمد الأكل لا بنسيانه. فكذلك الصّيام. وأمّا القياس الذي ذكره ابن العربيّ. فهو في مقابلة النّصّ فلا يقبل. وردّه للحديث مع صحّته بكونه خبر واحدٍ خالف القاعدة ليس بمسلمٍ، لأنّه قاعدةٌ مستقلةٌ بالصّيام فمن عارضه بالقياس على

стр. 1562

الصّلاة أدخل قاعدةً في قاعدةٍ، ولو فتح باب ردّ الأحاديث الصّحيحة بمثل هذا لِمَا بقي من الحديث إلاَّ القليل. وفي الحديث لطف الله بعباده والتّيسير عليهم ورفع المشقّة والحرج عنهما. وقد روى أحمد لهذا الحديث سبباً فأخرج من طريق أمّ حكيمٍ بنت دينارٍ عن مولاتها أمّ إسحاق أنّها " كانت عند النّبيّ ﷺ ، فأتي بقصعةٍ من ثريد فأكلت معه، ثمّ تذكّرت أنّها كانت صائمةً، فقال لها ذو اليدين: الآن بعدما شبعت؟ فقال لها النّبيّ ﷺ : أتمّي صومك فإنّما هو رزق ساقه الله إليك. وفي هذا ردٌّ على من فرّق بين قليل الأكل وكثيره. ومن المستظرفات. ما رواه عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ عن عمرو بن دينارٍ: أنّ إنساناً جاء إلى أبي هريرة , فقال: أصبحتُ صائماً فنسيت فطعمت، قال: لا بأس. قال: ثمّ دخلت على إنسانٍ فنسيت وطعمت وشربت، قال: لا بأس. الله أطعمك وسقاك. ثمّ قال: دخلت على آخر فنسيت فطعمت، فقال أبو هريرة: أنت إنسانٌ لَم تتعوّد الصّيام. واختلفوا فيمن جامع ناسياً. القول الأول. أخرج عبد الرّزّاق قال: أخبرنا ابن جريجٍ عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قال: لو وطئ رجلٌ امرأته وهو صائم ناسياً في رمضان لَم يكن عليه فيه شيءٌ.

стр. 1563

وعن الثّوريّ عن رجلٍ عن الحسن قال: هو بمنزلة من أكل أو شرب ناسياً " وروي أيضاً عن ابن جريجٍ أنّه سأل عطاءً عن رجلٍ أصاب امرأته ناسياً في رمضان، قال: لا ينسى، هذا كلّه عليه القضاء. وتابع عطاءً على ذلك , الأوزاعيّ والليث ومالكٌ وأحمد , وهو أحد الوجهين للشّافعيّة. وفرّق هؤلاء كلّهم بين الأكل والجماع. القول الثاني: عن أحمد في المشهور عنه: تجب عليه الكفّارة أيضاً، وحجّتهم قصور حالة المُجامع ناسياً عن حالة الآكل. وألحق به بعض الشّافعيّة من أكل كثيراً لندور نسيان ذلك. قال ابن دقيق العيد: ذهب مالكٌ إلى إيجاب القضاء على من أكل أو شرب ناسياً وهو القياس، فإنّ الصّوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات، والقاعدة أنّ النّسيان لا يؤثّر في المأمورات. قال: وعمدة من لَم يوجب القضاء حديث أبي هريرة , لأنّه أمر بالإتمام، وسمّى الذي يتمّ صوماً، وظاهره حمله على الحقيقة الشّرعيّة فيتمسّك به حتّى يدل دليلٌ على أنّ المراد بالصّوم هنا حقيقته اللّغويّة. وكأنّه يشير بهذا إلى قول ابن القصّار: إنّ معنى قوله " فليتمّ صومه " أي: الذي كان دخل فيه , وليس فيه نفي القضاء. قال وقوله " فإنّما أطعمه الله وسقاه " ممّا يستدلّ به على صحّة الصّوم لإشعاره بأنّ الفعل الصّادر منه مسلوب الإضافة إليه فلو كان أفطر لأضيف الحكم إليه.

стр. 1564

قال: وتعليق الحكم بالأكل والشّرب للغالب لأنّ نسيان الجماع نادرٌ بالنّسبة إليهما، وذكر الغالب لا يقتضي مفهوماً، وقد اختلف فيه القائلون بأنّ أكل النّاسي لا يوجب قضاءً. واختلف القائلون بالإفساد. هل يوجب مع القضاء الكفّارة أو لا؟ مع اتّفاقهم على أنّ أكل النّاسي لا يوجبها. ومدار كل ذلك على قصور حالة المُجامع ناسياً عن حالة الآكل، ومن أراد إلحاق الجماع بالمنصوص عليه. فإنّما طريقه القياس , والقياس مع وجود الفارق متعذّرٌ، إلاَّ إن بيّن القائس أنّ الوصف الفارق ملغًى. انتهى. وأجاب بعض الشّافعيّة: بأنّ عدم وجوب القضاء عن المُجامع مأخوذ من عموم قوله في بعض طرق الحديث " من أفطر في شهر رمضان " لأنّ الفطر أعمّ من أن يكون بأكلٍ أو شربٍ أو جماعٍ، وإنّما خصّ الأكل والشّرب بالذّكر في الطّريق الأخرى لكونهما أغلب وقوعاً ولعدم الاستغناء عنهما غالباً. تكميل: أورد البخاريُّ الحديثَ في كتاب الأيمان باب " إذا حنث ناسياً " أي: هل تجب عليه الكفّارة أو لا؟. وقد اختلف السّلف في ذلك على مذاهب. ثالثها: التّفرقة بين الطّلاق والعتاق فتجب فيه الكفّارة مع الجهل والنّسيان. بخلاف غيرهما من الأيمان فلا تجب، وهذا قول عن الإمام الشّافعيّ. ورواية عن أحمد.

стр. 1565

والرّاجح عند الشّافعيّة. التّسوية بين الجميع في عدم الوجوب، وعن الحنابلة عكسه , وهو قول المالكيّة والحنفيّة. وقال ابن المنذر: كان أحمد يُوقع الحنث في النّسيان في الطّلاق حسب , ويقف عمّا سوى ذلك. وقال ابن المنير في الحاشية: أوجب مالك الحنث على النّاسي. ولَم يخالف ذلك في ظاهر الأمر إلاَّ في مسألةٍ واحدةٍ , وهي من حلف بالطّلاق لَيصومنَّ غداً فأكل ناسياً بعد أن بيّت الصّيام من الليل، فقال مالك: لا شيء عليه، فاختلف عنه. فقيل: لا قضاء عليه , وقيل: لا حنث ولا قضاء وهو الرّاجح. أمّا عدم القضاء فلأنّه لَم يتعمّد إبطال العبادة، وأمّا عدم الحنث فهو على تقدير صحّة الصّوم؛ لأنّه المحلوف: عليه، وقد صحّح الشّارع صومه، فإذا صحّ صومه لَم يقع عليه حنثٌ.

стр. 1566

الحديث السابع ١٨٨ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: بينما نحن جلوسٌ عند النّبيّ ﷺ إذ جاءه رجلٌ. فقال: يا رسولَ الله , هلكت. قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي , وأنا صائمٌ - وفي روايةٍ: أصبت أهلي في رمضان - فقال رسول الله ﷺ : هل تجد رقبةً تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستّين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فمكث النّبيّ ﷺ فبينا نحن على ذلك أتي النّبيّ ﷺ بعرقٍ فيه تمرٌ – والعرق: المكتل – قال: أين السّائل؟ قال: أنا. قال: خذ هذا , فتصدّق به. فقال الرّجل: على أفقر منّي: يا رسولَ الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرّتين - أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي. فضحك رسول الله ﷺ حتّى بدت أنيابه. ثمّ قال: أطعمه أهلك. (١) قال المصنِّف: الحَرَّة: الأرض تركبها حجارة سود. قوله: (عن أبي هريرة ﵁) الحديث رواه عن أبي هريرة حميد بن عبد الرّحمن بن عوف، هكذا توارد عليه أصحاب الزّهريّ , وقد جمعت منهم في جزءٍ مفردٍ لطرق هذا الحديث أكثر من أربعين نفساً. منهم: ابن عيينة والليث ومعمرٌ ومنصور عند الشّيخين،

стр. 1567

والأوزاعيّ وشعيبٌ وإبراهيم بن سعدٍ عند البخاريّ ومالك، وابن جريجٍ عند مسلم، ويحيى بن سعيد وعراك بن مالك عند النّسائيّ، وعبد الجبّار بن عمر عند أبي عوانة، والجوزقيّ وعبد الرّحمن بن مسافرٍ عند الطّحاويّ، وعقيلٌ عند ابن خزيمة، وابن أبي حفصة عند أحمد، ويونس وحجّاج بن أرطاة وصالح بن أبي الأخضر عند الدّارقطنيّ، ومحمّد بن إسحاق عند البزّار. وسأذكر ما عند كلٍّ منهم من زيادة فائدةٍ إن شاء الله تعالى. وخالفهم هشام بن سعد فرواه عن الزّهريّ عن أبي سلمة عن أبي هريرة. أخرجه أبو داود وغيره. قال البزّار وابن خزيمة وأبو عوانة: أخطأ فيه هشام بن سعد. قلت: وقد تابعه عبد الوهّاب بن عطاء عن محمّد بن أبي حفصة، فرواه عن الزّهريّ أخرجه الدّارقطنيّ في " العلل " والمحفوظ عن ابن أبي حفصة كالجماعة. كذلك أخرجه أحمد وغيره من طريق روح بن عبادة عنه، ويحتمل: أن يكون الحديث عند الزّهريّ عنهما، فقد جمعهما عنه صالح بن أبي الأخضر، أخرجه الدّارقطنيّ في " العلل " من طريقه. وسيأتي حكاية خلاف آخر فيه على منصور وكذلك حكاية خلافٍ فيه على سفيان بن عيينة إن شاء الله تعالى. قوله: (أنّ أبا هريرة قال) في رواية ابن جريجٍ عند مسلمٍ , وعقيلٍ عند ابن خزيمة , وابن أبي أويسٍ عند الدّارقطنيّ التّصريح بالتّحديث

стр. 1568

بين حميدٍ وأبي هريرة. قوله: (بينما نحن جلوس) أصلها. بين , وقد ترد بغير " ما " فتشبع الفتحة، ومن خاصّة " بينما " أنّها تتلقّى بإذ وبإذا حيث تجيء للمفاجأة، بخلاف بينا فلا تتلقّى بواحدةٍ منهما، وقد وردا في هذا الحديث كذلك. قوله: (عند النّبيّ ﷺ ) فيه حسن الأدب في التّعبير لِمَا تشعر العنديّة بالتّعظيم، بخلاف ما لو قال مع، لكن في رواية الكشميهنيّ " مع النّبيّ ﷺ ". قوله: (إذ جاءه رجل) لَم أقف على تسميته، إلاَّ أنّ عبد الغنيّ في المبهمات - وتبعه ابن بشكوال - جزما بأنّه سليمان أو سلمة بن صخر البياضيّ، واستند إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طريق سليمان بن يسارٍ عن سلمة بن صخر أنّه ظاهر من امرأته في رمضان , وأنّه وطئها فقال له النّبيّ ﷺ : حرّر رقبةً، قلت: ما أملك رقبةً غيرها وضرب صفحة رقبته. قال: فصم شهرين متتابعين. قال: وهل أصبت الذي أصبت إلاَّ من الصّيام؟ قال: فأطعم ستّين مسكينا. قال: والذي بعثك بالحقّ ما لنا طعام. قال: فانطلِق إلى صاحب صدقة بني زريقٍ. فليدفعها إليك. والظّاهر أنّهما واقعتان , فإنّ في قصّة المُجامع في حديث الباب أنّه كان صائماً كما سيأتي، وفي قصّة سلمة بن صخر أنّ ذلك كان ليلاً فافترقا.

стр. 1569

ولا يلزم من اجتماعهما - في كونهما من بني بياضة , وفي صفة الكفّارة , وكونها مرتّبة , وفي كون كلٍّ منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها - اتّحاد القصّتين. وسنذكر أيضاً ما يؤيّد المغايرة بينهما. وأخرج ابن عبد البرّ في ترجمة عطاءٍ الخراسانيّ من " التّمهيد " من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيّب , أنّ الرّجل الذي وقع على امرأته في رمضان في عهد النّبيّ ﷺ . هو سليمان بن صخر. قال ابن عبد البرّ: أظنّ هذا وهماً، لأنّ المحفوظ أنّه ظاهر من امرأته , ووقع عليها في الليل لا أنّ ذلك كان منه بالنّهار. انتهى. ويحتمل: أن يكون قوله في الرّواية المذكورة " وقع على امرأته في رمصان " أي: ليلاً بعد أن ظاهر. فلا يكون وهماً , ولا يلزم الاتّحاد. ووقع في مباحث العامّ من " شرح ابن الحاجب " ما يوهم أنّ هذا الرّجل هو أبو بردة بن يسارٍ. وهو وهمٌ يظهر من تأمّل بقيّة كلامه. قوله: (فقال: يا رسولَ الله) زاد عبد الجبّار بن عمر عن الزّهريّ " جاء رجل وهو ينتف شعره ويدقّ صدره ويقول: هلك الأبعد " ولمحمّد بن أبي حفصة " يلطم وجهه " ولحجّاج بن أرطاة " يدعو ويله " , وفي مرسل ابن المسيّب عند الدّارقطنيّ " ويحثي على رأسه التّراب "

стр. 1570

واستدل بهذا على جواز هذا الفعل والقول من وقعت له معصيةٌ، ويفرّق بذلك بين مصيبة الدّين والدّنيا. فيجوز في مصيبة الدّين لِمَا يشعر به الحال من شدّة النّدم وصحّة الإقلاع. ويحتمل: أن تكون هذه الواقعة قبل النّهي عن لطم الخدود وحلق الشّعر عند المصيبة. (١) قوله: (هلكت) في رواية منصور في البخاري " فقال: إنّ الأَخِرَ هلك " والأخر بهمزةٍ مفتوحةٍ وخاءٍ معجمةٍ مكسورة بغير مدٍّ هو الأبعد، وقيل: الغائب، وقيل: الأرذل. وفي حديث عائشة في الصحيحين " احترقت " وفي رواية ابن أبي حفصة " ما أراني إلاَّ قد هلكت " واستدل به على أنّه كان عامداً , لأنّ الهلاك والاحتراق مجازٌ عن العصيان المؤدّي إلى ذلك، فكأنّه جعل المتوقّع كالواقع، وبالغ فعبّر عنه بلفظ الماضي. وإذا تقرّر ذلك فليس فيه حجّةٌ على وجوب الكفّارة على النّاسي , وهو مشهور قول مالك والجمهور. وهو القول الأول. القول الثاني: عن أحمد وبعض المالكيّة: يجب على النّاسي. وتمسّكوا بترك استفساره عن جِماعه , هل كان عن عمد أو نسيان، وترك الاستفصال في الفعل ينزّل منزلة العموم في القول كما اشتهر. والجواب: أنّه قد تبيّن حاله بقوله هلكت واحترقت. فدلَّ على أنّه

стр. 1571

كان عامداً عارفاً بالتّحريم، وأيضاً فدخول النّسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البعد. واستدل بهذا على أنّ من ارتكب معصيةً لا حدّ فيها وجاء مستفتياً أنّه لا يعزّر، لأنّ النّبيّ ﷺ لَم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية، وقد ترجم لذلك البخاريّ في الحدود , وأشار إلى هذه القصّة. (١) وتوجُّهُه أنّ مجيئه مستفتياً يقتضي النّدم والتّوبة، والتّعزير إنّما جعل للاستصلاح ولا استصلاح من الصّلاح. وأيضاً فلو عوقب المستفتي لكان سبباً لترك الاستفتاء , وهي مفسدةٌ. فاقتضى ذلك أن لا يعاقب، هكذا قرّره الشّيخ تقيّ الدّين. لكن وقع في " شرح السّنّة للبغوىّ ": أنّ من جامع متعمّداً في رمضان فسد صومه , وعليه القضاء والكفّارة , ويعزّر على سوء صنيعه، وهو محمولٌ على من لَم يقع منه ما وقع من صاحب هذه القصّة من النّدم والتّوبة، وبناه بعض المالكيّة على الخلاف في تعزير

стр. 1572

شاهد الزّور. قوله: (قال: ما لَكَ؟) بفتح اللام استفهامٌ عن حاله، وفي رواية عقيلٍ " ويحك ما شأنك؟ " , ولابن أبي حفصة " وما الذي أهْلَكَك؟ " ولعمرو " ما ذاك؟ ". وفي رواية الأوزاعيّ " ويحك ما صنعت؟ " أخرجه البخاري في الأدب. وترجم " بابٌ ما جاء في قول الرّجل ويلك ويحك " ثمّ قال عقبه: تابعه يونس عن الزّهريّ يعني في قوله " ويحك " وقال عبد الرّحمن بن خالد عن الزّهريّ: " ويلك ". قلت: رواية يونس. وصلها البيهقي من طريق عنبسة بن خالد عنه به , ورواية عبد الرحمن بن خالد. وصلها الطحاوي من طريق الليث عنه به , وقد تابع ابنَ خالدٍ في قوله " ويلك " صالحُ بن أبي الأخضر. وتابع الأوزاعيَّ في قوله " ويحك " عقيلٌ وابن إسحاق وحجّاج بن أرطاة. فهو أرجح وهو اللائق بالمقام، فإنّ ويح كلمة رحمةٍ , وويل كلمة عذاب. والمقام يقتضي الأوّل. قوله: (وقعت على امرأتي) وفي رواية ابن إسحاق " أصبت أهلي " وفي حديث عائشة " وطئت امرأتي ". ووقع في رواية مالك وابن جريجٍ وغيرهما - كما سيأتي بيانه بعد قليل في الكلام على التّرتيب والتّخيير - في أوّل الحديث " أنّ رجلاً أفطر في رمضان، فأمره النّبيّ ﷺ " الحديث واستدل به.

стр. 1573

وهو القول الأول: على إيجاب الكفّارة على من أفسد صيامه مطلقاً بأيّ شيء كان , وهو قول المالكيّة. القول الثاني: الجمهور حملوا قوله " أفطر " هنا على المقيّد في الرّواية الأخرى , وهو قوله " وقعت على أهلي " وكأنّه قال أفطر بجماعٍ، وهو أولى من دعوى القرطبيّ وغيره تعدّد القصّة. واحتجّ من أوجب الكفّارة مطلقاً: بقياس الآكل على المُجامع بجامع ما بينهما من انتهاك حرمة الصّوم، وبأنّ من أكره على الأكل فسد صومه كما يفسد صوم من أكره على الجماع بجامع ما بينهما. وسيأتي بيان التّرجيح بين الرّوايتين في الكلام على التّرتيب. وقد وقع في حديث عائشة نظير ما وقع في حديث أبي هريرة فمعظم الرّوايات فيها " وطئت " ونحو ذلك، وفي روايةٍ ساق مسلم إسنادها , وساق أبو عوانة في " مستخرجه " متنها , أنّه قال " أفطرت في رمضان ". والقصّة واحدةٌ ومخرجها متّحدٌ. فيحمل على أنّه أراد أفطرت في رمضان بجماعٍ، وقد وقع في مرسل ابن المسيّب عند سعيد بن منصور " أصبتُ امرأتي ظهراً في رمضان ". وتعيين رمضان معمولٌ بمفهومه، وللفرق في وجوب كفّارة المُجامع في الصّوم بين رمضان وغيره من الواجبات كالنّذر، وفي كلام أبي عوانة في " صحيحه " إشارة إلى وجوب ذلك على من وقع منه في رمضان نهاراً. سواء كان الصّوم واجباً عليه أو غير واجب.

стр. 1574

قوله: (وأنا صائم) جملة حاليّة من قوله " وقعت " فيؤخذ منه أنّه لا يشترط في إطلاق اسم المشتقّ بقاء المعنى المشتقّ منه حقيقةً. لاستحالة كونه صائماً مجامعاً في حالةٍ واحدةٍ. فعلى هذا قوله " وطئت " أي: شرعت في الوطء , أو أراد جامعت بعد إذ أنا صائم، ووقع في رواية عبد الجبّار بن عمر " وقعت على أهلي اليوم وذلك في رمضان ". قوله: (هل تجد رقبة تعتقها؟) في رواية منصور " أتجد ما تحرّر رقبةً؟ " بالنصب على البدل من لفظ " ما " وهي مفعول تجد , وفي رواية ابن أبي حفصة " أتستطيع أن تعتق رقبةً؟ " وفي رواية إبراهيم بن سعد والأوزاعيّ فقال " أعتق رقبة " زاد في رواية مجاهدٍ عن أبي هريرة فقال " بئسما صنعت أعتق رقبة ". قوله: (قال: لا) في رواية ابن مسافر " فقال: لا والله يا رسولَ الله " وفي رواية ابن إسحاق " ليس عندي " وفي حديث ابن عمر " فقال: والذي بعثك بالحقّ ما ملكت رقبةً قطّ ". واستدل بإطلاق الرّقبة على جواز إخراج الرّقبة الكافرة كقول الحنفيّة، وهو ينبني على أنّ السّبب إذا اختلف واتّحد الحكم. هل يقيّد المطلق أو لا؟ وهل تقييده بالقيام أو لا؟. والأقرب أنّه بالقياس، ويؤيّده التّقييد في مواضع أخرى. قوله: (قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا) في رواية إبراهيم عن سعد " قال: فصم شهرين متتابعين " , وفي

стр. 1575

حديث سعد " قال: لا أقدر " , وفي رواية ابن إسحاق " وهل لقيت ما لقيت إلاَّ من الصّيام؟ ". قال ابن دقيق العيد: لا إشكال في الانتقال عن الصّوم إلى الإطعام، لكنّ رواية ابن إسحاق هذه اقتضت أنّ عدم استطاعته لشدّة شبقه وعدم صبره عن الوقاع. فنشأ للشّافعيّة نظرٌ: هل يكون ذلك عذراً - أي شدّة الشّبق - حتّى يعدّ صاحبه غير مستطيع للصّوم أو لا؟. والصّحيح عندهم اعتبار ذلك، ويلتحق به من يجد رقبة لا غنى به عنها فإنّه يسوغ له الانتقال إلى الصّوم مع وجودها. لكونه في حكم غير الواجد. وأمّا ما رواه الدّارقطنيّ من طريق شريك عن إبراهيم بن عامر عن سعيد بن المسيّب في هذه القصّة مرسلاً , أنّه قال في جواب قوله هل تستطيع أن تصوم " إنّي لأدع الطّعام ساعةً فما أطيق ذلك " ففي إسناده مقالٌ، وعلى تقدير صحّته فلعله اعتل بالأمرين. قوله: (فهل تجد إطعام ستّين مسكيناً؟ قال: لا) زاد ابن مسافر " يا رسولَ الله ". ووقع في رواية سفيان " فهل تستطيع إطعام؟ " , وفي رواية إبراهيم بن سعد وعراك بن مالك " فتطعم ستّين مسكيناً؟ قال: لا أجد " وفي رواية ابن أبي حفصة " أفتستطيع أن تطعم ستّين مسكيناً؟ قال: لا. وذكر الحاجة. وفي حديث ابن عمر " قال: والذي بعثك بالحقّ. ما أشبع أهلي " قال ابن دقيق العيد: أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى

стр. 1576

ستّين. فلا يكون ذلك موجوداً في حقّ من أطعم ستّة مساكين عشرة أيّام مثلاً، ومن أجاز ذلك فكأنّه استنبط من النّصّ معنًى يعود عليه بالإبطال، والمشهور عن الحنفيّة الإجزاء حتّى لو أطعم الجميع مسكيناً واحداً في ستّين يوماً كفى، والمراد بالإطعام الإعطاء لا اشتراط حقيقة الإطعام من وضع المطعوم في الفم. بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف. وفي إطلاق الإطعام ما يدلّ على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة، بخلاف زكاة الفرض فإنّ فيها النّصّ على الإيتاء وصدقة الفطر فإنّ فيها النّصّ على الأداء، وفي ذكر الإطعام ما يدلّ على وجود طاعمين فيخرج الطّفل الذي لَم يطعم كقول الحنفيّة، ونظر الشّافعيّ إلى النّوع فقال: يسلم لوليّه، وذكر السّتّين ليفهم أنّه لا يجب ما زاد عليها، ومن لَم يقل بالمفهوم تمسّك بالإجماع على ذلك. وذكر في حكمة هذه الخصال من المناسبة أنّ من انتهك حرمة الصّوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية فناسب أن يعتق رقبةً فيفدي نفسه، وقد صحّ أنّ من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النّار. وأمّا الصّيام فمناسبته ظاهرةٌ , لأنّه كالمقاصّة بجنس الجناية، وأمّا كونه شهرين فلأنّه لَمّا أمر بمصابرة النّفس في حفظ كلّ يوم من شهر رمضان على الولاء فلمّا أفسد منه يوماً كان كمن أفسد الشّهر كلّه من حيث إنّه عبادةٌ واحدةٌ بالنّوع , فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل

стр. 1577

المقابلة لنقيض قصده. وأمّا الإطعام. فمناسبته ظاهرةٌ لأنّه مقابلة كلّ يوم بإطعام مسكين. ثمّ أنّ هذه الخصال جامعة لاشتمالها على حقّ الله وهو الصّوم، وحقّ الأحرار بالإطعام، وحقّ الأرقّاء بالإعتاق، وحقّ الجاني بثواب الامتثال. وفيه دليلٌ على إيجاب الكفّارة بالجماع خلافاً لمن شذّ , فقال: لا تجب مستنداً إلى أنّه لو كان واجباً لَمَا سقط بالإعسار. وتعقّب: بمنع الإسقاط كما سيأتي البحث فيه. واختلفوا أيضاً. هل يلحق الوطء في الدّبر بالوطء في القبل؟، وهل يشترط في إيجاب الكفّارة كلّ وطء في أيّ فرج كان؟ وفيه دليل على جريان الخصال الثّلاث المذكورة في الكفّارة. ووقع في " المدوّنة " ولا يعرف مالكٌ غير الإطعام ولا يأخذ بعتقٍ ولا صيامٍ. قال ابن دقيق العيد: وهي معضلة لا يُهتدى إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثّابت، غير أنّ بعض المحقّقين من أصحابه حمل هذا اللفظ وتأوّله على الاستحباب في تقديم الطّعام على غيره من الخصال. ووجّهوا ترجيح الطّعام على غيره بأنّ الله ذكره في القرآن رخصةً للقادر ثمّ نسخ هذا الحكم، ولا يلزم منه نسخ الفضيلة فيترجّح الإطعام أيضاً لاختيار الله له في حقّ المفطر بالعذر، وكذا أخبر بأنّه في

стр. 1578

حقّ من أخّر قضاء رمضان حتّى دخل رمضان آخر، ولمناسبة إيجاب الإطعام لجبر فوات الصّيام الذي هو إمساك عن الطّعام، ولشمول نفعه للمساكين. وكلّ هذه الوجوه لا تقاوم ما ورد في الحديث من تقديم العتق على الصّيام ثمّ الإطعام , سواء قلنا الكفّارة على التّرتيب أو التّخيير , فإنّ هذه البداءة إن لَم تقتض وجوب التّرتيب فلا أقل من أن تقتضي استحبابه. واحتجّوا أيضاً: بما رواه الشيخان من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة: أنَّ رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إنه احترق، قال: ما لك؟، قال: أصبت أهلي في رمضان، فأتي النبي ﷺ بمكتل يدعى العرق، فقال: أين المحترق قال: أنا، قال: تصدق بهذ. ولَم يقع فيه سوى الإطعام. والجواب عن ذلك: بأنّه ورد فيه من وجه آخر ذكر العتق أيضاً , فقد رواه عبد الرّحمن بن الحارث عن محمّد بن جعفر بن الزّبير بهذا الإسناد مفسّراً. ولفظه " كان النّبيّ ﷺ جالساً في ظلّ فارعٍ - يعني بالفاء والمهملة - فجاءه رجل من بني بياضة فقال: احترقت، وقعت بامرأتي في رمضان. قال: أعتق رقبة، قال: لا أجدها، قال: أطعم ستّين مسكينا، قال: ليس عندي " فذكر الحديث. أخرجه أبو داود , ولَم يسق لفظه، وساقه ابن خزيمة في

стр. 1579

" صحيحه " والبخاريّ في " تاريخه ". ومن طريقه البيهقيّ. ولَم يقع في هذه الرّواية أيضاً ذكر صيام شهرين، ومن حفظ حجّةٌ على من لَم يحفظ. ومن المالكيّة من وافق على هذا الاستحباب، ومنهم مَن قال: إنّ الكفّارة تختلف باختلاف الأوقات: ففي وقت الشّدّة يكون بالإطعام وفي غيرها يكون بالعتق أو الصّوم. ونقلوه عن محقّقي المتأخّرين. ومنهم مَن قال: الإفطار بالجماع يكفّر بالخصال الثّلاث، وبغيره لا يكفّر إلاَّ بالإطعام. وهو قول أبي مصعب. وقال ابن جريرٍ الطّبريّ: هو مخيّر بين العتق والصّوم , ولا يطعم إلاَّ عند العجز عنهما وفي الحديث أنّه لا مدخل لغير هذه الخصال الثّلاث في الكفّارة. وجاء عن بعض المتقدّمين إهداء البدنة عند تعذّر الرّقبة، وربّما أيّده بعضهم بإلحاق إفساد الصّيام بإفساد الحجّ. وورد ذكر البدنة في مرسل سعيد بن المسيّب عند مالك في " الموطّأ " عن عطاء الخراسانيّ عنه، وهو مع إرساله قد ردّه سعيد بن المسيّب وكذَّبَ مَن نقَلَه عنه. كما روى سعيد بن منصور عن ابن عليّة عن خالد الحذّاء عن القاسم بن عاصم , قلت لسعيد بن المسيّب: ما حديث حدّثناه عطاءٌ الخراسانيّ عنك. في الذي وقع على امرأته في رمضان أنّه يعتق رقبة أو يهدي بدنة؟ فقال: كذب. فذكر الحديث، وهكذا رواه الليث عن عمرو بن الحارث عن أيّوب عن القاسم بن

стр. 1580

عاصم، وتابعه همّام عن قتادة عن سعيد. وذكر ابن عبد البرّ: أنّ عطاء لَم ينفرد بذلك. فقد ورد من طريق مجاهد عن أبي هريرة موصولاً، ثمّ ساقه بإسناده , لكنّه من رواية ليث بن أبي سليمٍ عن مجاهد، وليثٌ ضعيف. وقد اضطرب في روايته سنداً ومتناً. فلا حجّة فيه. وفي الحديث أيضاً أنّ الكفّارة بالخصال الثّلاث على التّرتيب المذكور. قال ابن العربيّ: لأنّ النّبيّ ﷺ نقله من أمرٍ بعد عدمه لأمرٍ آخر وليس هذا شأن التّخيير، ونازع عياض في ظهور دلالة التّرتيب في السّؤال عن ذلك فقال: إنّ مثل هذا السّؤال قد يستعمل فيما هو على التّخيير. وقرّره ابن المنيّر في الحاشية: بأنّ شخصاً لو حنث فاستفتى , فقال له المفتي: أعتق رقبةً فقال: لا أجد، فقال: صم ثلاثة أيّام .. إلخ، لَم يكن مخالفاً لحقيقه التّخيير، بل يحمل على أنّ إرشاده إلى العتق لكونه أقرب لتنجيز الكفّارة. وقال البيضاويّ (١): ترتيب الثّاني بالفاء على فقد الأوّل , ثمّ الثّالث بالفاء على فقد الثّاني , يدلّ على عدم التّخيير مع كونها في معرض البيان وجواب السّؤال فينزّل منزلة الشّرط للحكم.
следующие страницы →