← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ستّين. فلا يكون ذلك موجوداً في حقّ من أطعم ستّة مساكين عشرة أيّام مثلاً، ومن أجاز ذلك فكأنّه استنبط من النّصّ معنًى يعود عليه بالإبطال، والمشهور عن الحنفيّة الإجزاء حتّى لو أطعم الجميع مسكيناً واحداً في ستّين يوماً كفى، والمراد بالإطعام الإعطاء لا اشتراط حقيقة الإطعام من وضع المطعوم في الفم. بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف. وفي إطلاق الإطعام ما يدلّ على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة، بخلاف زكاة الفرض فإنّ فيها النّصّ على الإيتاء وصدقة الفطر فإنّ فيها النّصّ على الأداء، وفي ذكر الإطعام ما يدلّ على وجود طاعمين فيخرج الطّفل الذي لَم يطعم كقول الحنفيّة، ونظر الشّافعيّ إلى النّوع فقال: يسلم لوليّه، وذكر السّتّين ليفهم أنّه لا يجب ما زاد عليها، ومن لَم يقل بالمفهوم تمسّك بالإجماع على ذلك. وذكر في حكمة هذه الخصال من المناسبة أنّ من انتهك حرمة الصّوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية فناسب أن يعتق رقبةً فيفدي نفسه، وقد صحّ أنّ من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النّار. وأمّا الصّيام فمناسبته ظاهرةٌ , لأنّه كالمقاصّة بجنس الجناية، وأمّا كونه شهرين فلأنّه لَمّا أمر بمصابرة النّفس في حفظ كلّ يوم من شهر رمضان على الولاء فلمّا أفسد منه يوماً كان كمن أفسد الشّهر كلّه من حيث إنّه عبادةٌ واحدةٌ بالنّوع , فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل

стр. 1577

المقابلة لنقيض قصده. وأمّا الإطعام. فمناسبته ظاهرةٌ لأنّه مقابلة كلّ يوم بإطعام مسكين. ثمّ أنّ هذه الخصال جامعة لاشتمالها على حقّ الله وهو الصّوم، وحقّ الأحرار بالإطعام، وحقّ الأرقّاء بالإعتاق، وحقّ الجاني بثواب الامتثال. وفيه دليلٌ على إيجاب الكفّارة بالجماع خلافاً لمن شذّ , فقال: لا تجب مستنداً إلى أنّه لو كان واجباً لَمَا سقط بالإعسار. وتعقّب: بمنع الإسقاط كما سيأتي البحث فيه. واختلفوا أيضاً. هل يلحق الوطء في الدّبر بالوطء في القبل؟، وهل يشترط في إيجاب الكفّارة كلّ وطء في أيّ فرج كان؟ وفيه دليل على جريان الخصال الثّلاث المذكورة في الكفّارة. ووقع في " المدوّنة " ولا يعرف مالكٌ غير الإطعام ولا يأخذ بعتقٍ ولا صيامٍ. قال ابن دقيق العيد: وهي معضلة لا يُهتدى إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثّابت، غير أنّ بعض المحقّقين من أصحابه حمل هذا اللفظ وتأوّله على الاستحباب في تقديم الطّعام على غيره من الخصال. ووجّهوا ترجيح الطّعام على غيره بأنّ الله ذكره في القرآن رخصةً للقادر ثمّ نسخ هذا الحكم، ولا يلزم منه نسخ الفضيلة فيترجّح الإطعام أيضاً لاختيار الله له في حقّ المفطر بالعذر، وكذا أخبر بأنّه في

стр. 1578

حقّ من أخّر قضاء رمضان حتّى دخل رمضان آخر، ولمناسبة إيجاب الإطعام لجبر فوات الصّيام الذي هو إمساك عن الطّعام، ولشمول نفعه للمساكين. وكلّ هذه الوجوه لا تقاوم ما ورد في الحديث من تقديم العتق على الصّيام ثمّ الإطعام , سواء قلنا الكفّارة على التّرتيب أو التّخيير , فإنّ هذه البداءة إن لَم تقتض وجوب التّرتيب فلا أقل من أن تقتضي استحبابه. واحتجّوا أيضاً: بما رواه الشيخان من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة: أنَّ رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إنه احترق، قال: ما لك؟، قال: أصبت أهلي في رمضان، فأتي النبي ﷺ بمكتل يدعى العرق، فقال: أين المحترق قال: أنا، قال: تصدق بهذ. ولَم يقع فيه سوى الإطعام. والجواب عن ذلك: بأنّه ورد فيه من وجه آخر ذكر العتق أيضاً , فقد رواه عبد الرّحمن بن الحارث عن محمّد بن جعفر بن الزّبير بهذا الإسناد مفسّراً. ولفظه " كان النّبيّ ﷺ جالساً في ظلّ فارعٍ - يعني بالفاء والمهملة - فجاءه رجل من بني بياضة فقال: احترقت، وقعت بامرأتي في رمضان. قال: أعتق رقبة، قال: لا أجدها، قال: أطعم ستّين مسكينا، قال: ليس عندي " فذكر الحديث. أخرجه أبو داود , ولَم يسق لفظه، وساقه ابن خزيمة في

стр. 1579

" صحيحه " والبخاريّ في " تاريخه ". ومن طريقه البيهقيّ. ولَم يقع في هذه الرّواية أيضاً ذكر صيام شهرين، ومن حفظ حجّةٌ على من لَم يحفظ. ومن المالكيّة من وافق على هذا الاستحباب، ومنهم مَن قال: إنّ الكفّارة تختلف باختلاف الأوقات: ففي وقت الشّدّة يكون بالإطعام وفي غيرها يكون بالعتق أو الصّوم. ونقلوه عن محقّقي المتأخّرين. ومنهم مَن قال: الإفطار بالجماع يكفّر بالخصال الثّلاث، وبغيره لا يكفّر إلاَّ بالإطعام. وهو قول أبي مصعب. وقال ابن جريرٍ الطّبريّ: هو مخيّر بين العتق والصّوم , ولا يطعم إلاَّ عند العجز عنهما وفي الحديث أنّه لا مدخل لغير هذه الخصال الثّلاث في الكفّارة. وجاء عن بعض المتقدّمين إهداء البدنة عند تعذّر الرّقبة، وربّما أيّده بعضهم بإلحاق إفساد الصّيام بإفساد الحجّ. وورد ذكر البدنة في مرسل سعيد بن المسيّب عند مالك في " الموطّأ " عن عطاء الخراسانيّ عنه، وهو مع إرساله قد ردّه سعيد بن المسيّب وكذَّبَ مَن نقَلَه عنه. كما روى سعيد بن منصور عن ابن عليّة عن خالد الحذّاء عن القاسم بن عاصم , قلت لسعيد بن المسيّب: ما حديث حدّثناه عطاءٌ الخراسانيّ عنك. في الذي وقع على امرأته في رمضان أنّه يعتق رقبة أو يهدي بدنة؟ فقال: كذب. فذكر الحديث، وهكذا رواه الليث عن عمرو بن الحارث عن أيّوب عن القاسم بن

стр. 1580

عاصم، وتابعه همّام عن قتادة عن سعيد. وذكر ابن عبد البرّ: أنّ عطاء لَم ينفرد بذلك. فقد ورد من طريق مجاهد عن أبي هريرة موصولاً، ثمّ ساقه بإسناده , لكنّه من رواية ليث بن أبي سليمٍ عن مجاهد، وليثٌ ضعيف. وقد اضطرب في روايته سنداً ومتناً. فلا حجّة فيه. وفي الحديث أيضاً أنّ الكفّارة بالخصال الثّلاث على التّرتيب المذكور. قال ابن العربيّ: لأنّ النّبيّ ﷺ نقله من أمرٍ بعد عدمه لأمرٍ آخر وليس هذا شأن التّخيير، ونازع عياض في ظهور دلالة التّرتيب في السّؤال عن ذلك فقال: إنّ مثل هذا السّؤال قد يستعمل فيما هو على التّخيير. وقرّره ابن المنيّر في الحاشية: بأنّ شخصاً لو حنث فاستفتى , فقال له المفتي: أعتق رقبةً فقال: لا أجد، فقال: صم ثلاثة أيّام .. إلخ، لَم يكن مخالفاً لحقيقه التّخيير، بل يحمل على أنّ إرشاده إلى العتق لكونه أقرب لتنجيز الكفّارة. وقال البيضاويّ (١): ترتيب الثّاني بالفاء على فقد الأوّل , ثمّ الثّالث بالفاء على فقد الثّاني , يدلّ على عدم التّخيير مع كونها في معرض البيان وجواب السّؤال فينزّل منزلة الشّرط للحكم.

стр. 1581

وسلك الجمهور في ذلك مسلك التّرجيح: بأنّ الذين رووا التّرتيب عن الزّهريّ أكثر ممّن روى التّخيير. وتعقّبه ابن التّين: بأنّ الذين رووا التّرتيب. ابن عيينة ومعمرٌ والأوزاعيّ، والذين رووا التّخيير. مالك وابن جريجٍ وفليح بن سليمان وعمرو بن عثمان المخزوميّ. وهو كما قال في الثّاني دون الأوّل، فالذين رووا التّرتيب في البخاريّ الذي أيضاً إبراهيم بن سعد والليث بن سعد وشعيب بن أبي حمزة ومنصور، ورواية هذين في هذا الباب الذي نشرحه وفي الذي يليه، فكيف غفل ابن التّين عن ذلك. وهو ينظر فيه؟. بل روى التّرتيب عن الزّهريّ كذلك تمام ثلاثين نفساً أو أزيد. ورجَح التّرتيب أيضاً بأنَّ راويه حكى لفظ القصّة على وجهها , فمعه زيادة علم من صورة الواقعة، وراوي التّخيير حكى لفظ راوي الحديث. فدلَّ على أنّه من تصرّف بعض الرّواة. إمّا لقصد الاختصار أو لغير ذلك. ويترجّح التّرتيب أيضاً: بأنّه أحوط , لأنّ الأخذ به مجزئٌ سواءٌ قلنا بالتّخيير أو لا بخلاف العكس. وجمع بعضهم بين الرّوايتين كالمُهلَّب والقرطبيّ: بالحمل على التّعدّد. وهو بعيدٌ , لأنّ القصّة واحدة والمخرج متّحدٌ , والأصل عدم التّعدّد. وبعضهم: حمل التّرتيب على الأولويّة والتّخيير على الجواز.

стр. 1582

وعكسه بعضهم فقال: " أو " في الرّواية الأخرى ليست للتّخيير وإنّما هي للتّفسير والتّقدير، أمر رجلاً أن يعتق رقبة أو يصوم إن عَجَزَ عن العتق , أو يطعم إن عجَز عنهما. وذكر الطّحاويّ: أنّ سبب إتيان بعض الرّواة بالتّخيير أنّ الزّهريّ راوي الحديث قال في آخر حديثه " فصارت الكفّارة إلى عتق رقبة أو صيام شهرين أو الإطعام ". قال: فرواه بعضهم مختصراً مقتصراً على ما ذكر الزّهريّ أنّه آل إليه الأمر. قال: وقد قصّ عبد الرّحمن بن خالد بن مسافر عن الزّهريّ القصّة على وجهها , ثمّ ساقه من طريقه مثل حديث الباب إلى قوله " أطعمه أهلك " قال: فصارت الكفّارة إلى عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكيناً. قلت: وكذلك رواه الدّارقطنيّ في " العلل " من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزّهريّ. وقال في آخره " فصارت سنّة عتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستّين مسكيناً ". قوله: (فسكت النبي ﷺ ) كذا رواه أبو نعيم في " المستخرج " من وجهين عن أبي اليمان " فسكت " بالمهملة والكاف المفتوحة والمثنّاة، وكذا ابن مسافر وابن أبي الأخضر. وفي رواية ابن عيينة " فقال له النّبيّ ﷺ : اجلس. فجلس ". وللبخاري " فمكث عند النبي ﷺ " بالميم والكاف المفتوحة، ويجوز ضمّها والثّاء المثلثة.

стр. 1583

قوله: (فبينا نحن على ذلك) في رواية ابن عيينة " فبينما هو جالس كذلك ". قال بعضهم: يحتمل: أن يكون سبب أمره له بالجلوس انتظار ما يوحى إليه في حقّه، ويحتمل: أنّه كان عرف أنّه سيؤتى بشيءٍ يعينه به، ويحتمل: أن يكون أسقط عنه الكفّارة بالعجز. وهذا الثّالث ليس بقويٍّ , لأنّها لو سقطت ما عادت عليه حيث أمره بها بعد إعطائه إيّاه المكتل. قوله: (أُتي النّبيّ ﷺ ) كذا للأكثر بضمّ أوّله على البناء للمجهول وهو جواب " بينا " في هذه الرّواية. وأمّا رواية ابن عيينة المشار إليها فقال فيها " إذ أتي " , لأنّه قال فيها " فبينما هو جالس " وقد تقدّم تقرير ذلك. والآتي المذكور لَم يُسمّ , لكن وقع في رواية معمر عند البخاري " فجاء رجلٌ من الأنصار " وعند الدّارقطنيّ من طريق داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيّب مرسلاً " فأتى رجلٌ من ثقيف " فإن لَم يحمل على أنّه كان حليفاً للأنصار , أو إطلاق الأنصار بالمعنى الأعمّ. وإلَّا فرواية الصّحيح أصحّ. ووقع في رواية ابن إسحاق " فجاء رجلٌ بصدقته يحملها " وفي مرسل الحسن عند سعيد بن منصور " بتمرٍ من تمر الصّدقة ". قوله: (بعَرَقٍ) بفتح المهملة والرّاء بعدها قافٌ. قال ابن التّين: كذا لأكثر الرّواة، وفي رواية أبي الحسن يعني

стр. 1584

القابسيّ بإسكان الرّاء. قال عياض: والصّواب الفتح. وقال ابن التّين: أنكر بعضهم الإسكان , لأنّ الذي بالإسكان هو العظم الذي عليه اللحم. قلت: إن كان الإنكار من جهة الاشتراك مع العظم فلينكر الفتح , لأنّه يشترك مع الماء الذي يتحلب من الجسد. نعم. الرّاجح من حيث الرّواية الفتح ومن حيث اللّغة أيضاً، إلاَّ أنّ الإسكان ليس بمنكرٍ , بل أثبته بعض أهل اللّغة كالقزّاز. قوله: (والعرق المِكتل) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح المثنّاة بعدها لام، زاد ابن عيينة عند الإسماعيليّ وابن خزيمة: المكتل الضّخم. قال الأخفش: سُمِّي المكتل عَرْقاً , لأنّه يضفّر عرقةً عرقةً جمع. فالعرق جمع عرقة كعلق وعلقةٍ، والعرقة الضّفيرة من الخوص. وقوله " والعرق المكتل " تفسير من أحد رواته، وظاهر هذه الرّواية أنّه الصّحابيّ، لكن في رواية ابن عيينة ما يشعر بأنّه الزّهريّ، وفي رواية منصور في البخاري " فأتي بعرقٍ فيه تمر وهو الزّبيل ". وفي رواية ابن أبي حفصة " فأتي بزبيل وهو المكتل ". والزّبيل بفتح الزّاي وتخفيف الموحّدة بعدها تحتانيّة ساكنة ثمّ لام بوزن رغيف. هو المكتل. قال ابن دريدٍ: يسمّى زبيلاً لحمل الزّبل فيه، وفيه لغة أخرى زنبيل بكسر الزّاي أوّله وزيادة نونٍ ساكنة , وقد تدغم النّون فتشدّد

стр. 1585

الباء مع بقاء وزنه، وجمعه على اللّغات الثّلاث زنابيل. ووقع في بعض طرق عائشة عند مسلمٍ " فجاءه عرقان " والمشهور في غيرها عرق. ورجّحه البيهقيّ. وجمع غيره بينهما بتعدّد الواقعة. وهو جمعٌ لا نرضاه لاتّحاد مخرج الحديث , والأصل عدم التّعدّد. والذي يظهر أنّ التّمر كان قدر عرق , لكنّه كان في عرقين في حال التّحميل على الدّابّة ليكون أسهل في الحمل. فيحتمل أنّ الآتي به لَمّا وصل أفرغ أحدهما في الآخر، فمَن قال عرقان أراد ابتداء الحال , ومَن قال عرق أراد ما آل إليه، والله أعلم. قوله: (أين السّائل؟) زاد ابن مسافر " آنفاً " أطلق عليه ذلك , لأنّ كلامه متضمّن للسّؤال. فإنّ مراده هلكت فما ينجيني وما يخلصني مثلاً؟، وفي حديث عائشة " أين المحترق آنفاً "؟. وقد تقدّم توجيهه. ولَم يعيّن في هذه الرّواية مقدار ما في المكتل من التّمر , بل ولا في شيء من طرق الصّحيحين في حديث أبي هريرة. ووقع في رواية ابن أبي حفصة " فيه خمسة عشر صاعاً " , وفي رواية مؤمّلٍ عن سفيان " فيه خمسة عشر أو نحو ذلك " , وفي رواية مهران بن أبي عمر عن الثّوريّ عن ابن خزيمة " فيه خمسة عشر أو عشرون " وكذا هو عند مالك وعبد الرّزّاق في مرسل سعيد بن المسيّب. وفي مرسله عند الدّارقطنيّ الجزم بعشرين صاعاً. ووقع في حديث عائشة عند ابن خزيمة " فأتي بعرقٍ فيه عشرون صاعاً ".

стр. 1586

قال البيهقيّ: قوله " عشرون صاعاً " بلاغٌ بلغ محمّد بن جعفر. يعني بعض رواته، وقد بيّن ذلك محمّد بن إسحاق عنه فذكر الحديث. وقال في آخره: قال محمّد بن جعفر: فحدّثت بعد أنّه كان عشرين صاعاً من تمر. قلت: ووقع في مرسل عطاء بن أبي رباح وغيره عند مسدّد " فأمر له ببعضه ". وهذا يجمع الرّوايات، فمَن قال: إنّه كان عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومَن قال: خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفّارة. ويبيّن ذلك حديث عليٍّ عند الدّارقطنيّ " تطعم ستّين مسكيناً لكل مسكينٍ مدٌّ " وفيه " فأتي بخمسة عشر صاعاً , فقال: أطعمه ستّين مسكيناً " وكذا في رواية حجّاج عن الزّهريّ عند الدّارقطنيّ في حديث أبي هريرة. وفيه ردٌّ على الكوفيّين في قولهم: إنّ واجبه من القمح ثلاثون صاعاً ومن غيره ستّون صاعاً، ولقول عطاء: إن أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعاً، وعلى أشهب في قوله: لو غدّاهم أو عشّاهم كفي تصدّق الإطعام، ولقول الحسن: يطعم أربعين مسكيناً عشرين صاعاً أو بالجماع أطعم خمسة عشر. وفيه ردٌّ على الجوهريّ حيث قال في الصّحاح: المكتل يشبه الزّبيل يسع خمسة عشر صاعاً لأنّه لا حصر في ذلك، وروي عن مالك أنّه قال: يسع خمسة عشر أو عشرين , ولعله قال ذلك في هذه القصّة

стр. 1587

الخاصّة فيوافق رواية مهران , وإلا فالظّاهر أنّه لا حصر في ذلك. والله أعلم. وأمّا ما وقع في رواية عطاء ومجاهد عن أبي هريرة عند الطّبرانيّ في " الأوسط " , أنّه أتي بمكتل فيه عشرون صاعاً فقال: تصدّق بهذا. وقال قبل ذلك: تصدّق بعشرين صاعاً أو بتسع عشرة أو بإحدى وعشرين. فلا حجّة فيه لِمَا فيه من الشّكّ، ولأنّه من رواية ليث بن أبي سليمٍ وهو ضعيف , وقد اضطرب فيه، وفي الإسناد إليه مع ذلك من لا يحتجّ به. ووقع في بعض طرق حديث عائشة عند مسلم " فجاءه عرقان فيهما طعام " ووجهه - إن كان محفوظاً - ما تقدّم قريباً. والله أعلم قوله: (خذ هذا فتصدّق به) كذا للأكثر. ومنهم من ذكره بمعناه. وزاد ابن إسحاق " فتصدّق به عن نفسك " , ويؤيّده رواية منصور في البخاري بلفظ " أطعم هذا عنك " ونحوه في مرسل سعيد بن المسيّب من رواية داود بن أبي هند عنه عند الدّارقطنيّ، وعنده من طريق ليث عن مجاهد عن أبي هريرة " نحن نتصدّق به عنك " القول الأول. استدل بإفراده بذلك على أنّ الكفّارة عليه وحده دون الموطوءة، وكذا قوله في المراجعة " هل تستطيع " و " هل تجد " وغير ذلك، وهو الأصحّ من قولي الشّافعيّة , وبه قال الأوزاعيّ. القول الثاني: قال الجمهور وأبو ثور وابن المنذر: تجب الكفّارة على

стр. 1588

المرأة أيضاً , على اختلافٍ وتفاصيل لهم في الحرّة والأمة والمطاوعة والمكرهة , وهل هي عليها أو على الرّجل عنها؟. واستدل الشّافعيّة بسكوته ﷺ عن إعلام المرأة. بوجوب الكفّارة مع الحاجة. وأجيب: بمنع وجود الحاجة إذ ذاك , لأنّها لَم تعترف , ولَم تسأل. واعتراف الزّوج عليها لا يوجب عليها حكماً ما لَم تعترف، وبأنّها قضيّة حالٍ فالسّكوت عنها لا يدلّ على الحكم. لاحتمال أن تكون المرأة لَم تكن صائمة لعذرٍ من الأعذار. ثمّ إنّ بيان الحكم للرّجل بيان في حقّها لاشتراكهما في تحريم الفطر وانتهاك حرمة الصّوم كما لَم يأمره بالغسل. والتّنصيص على الحكم في حقّ بعض المكلفين كافٍ عن ذكره في حقّ الباقين. ويحتمل: أن يكون سبب السّكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنّها لا قدرة لها على شيء. وقال القرطبيّ: اختلفوا في الكفّارة. هل هي على الرّجل وحده على نفسه فقط , أو عليه وعليها , أو عليه كفّارتان عنه وعنها , أو عليه عن نفسه وعليها عنها؟. وليس في الحديث ما يدلّ على شيء من ذلك , لأنّه ساكت عن المرأة فيؤخذ حكمها من دليل آخر. مع احتمال أن يكون سبب السّكوت أنّها كانت غير صائمة. واستدل بعضهم بقوله في بعض طرق هذا الحديث " هلكتُ

стр. 1589

وأهلكتُ " وهي زيادة فيها مقال. فقال ابن الجوزيّ: في قوله " وأهلكت " تنبيهٌ على أنّه أكرهها ولولا ذلك لَم يكن مهلكاً لها. قلت: ولا يلزم من ذلك تعدّد الكفّارة بل لا يلزم من قوله " وأهلكت " إيجاب الكفّارة عليها، بل يحتمل أن يريد بقوله " هلكت " أثمت " وأهلكت " أي: كنت سبباً في تأثيم من طاوعتني فواقعها. إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوِعة , ولا يلزم من ذلك إثبات الكفّارة ولا نفيها. أو المعنى " هلكت " أي: حيث وقعت في شيء لا أقدر على كفّارته، " وأهلكت " أي: نفسي بفعلي الذي جرّ عليّ الإثم. وهذا كلّه بعد ثبوت الزّيادة المذكورة، وقد ذكر البيهقيّ: أنّ للحاكم في بطلانها ثلاثة أجزاء. ومحصّل القول فيها , أنّها وردت من طريق الأوزاعيّ , ومن طريق ابن عيينة. أمّا الأوزاعيّ: فتفرّد بها محمّد بن المسيّب عن عبد السّلام بن عبد الحميد عن عمر بن عبد الواحد والوليد بن مسلم وعن محمّد بن عقبة بن (١) علقمة عن أبيه ثلاثتهم عن الأوزاعيّ. قال البيهقيّ: رواه جميع أصحاب الأوزاعيّ بدونها , وكذلك جميع الرّواة عن الوليد وعقبة وعمر، ومحمّد بن المسيّب كان حافظاً مكثراً.

стр. 1590

إلاَّ أنّه كان في آخر أمره عمي فلعلَّ هذه اللفظة أدخلت عليه، وقد رواه أبو عليٍّ النّيسابوريّ عنه بدونها. ويدلّ على بطلانها ما رواه العبّاس بن الوليد عن أبيه قال: سئل الأوزاعيّ عن رجل جامع امرأته في رمضان قال: عليهما كفّارة واحدة إلاَّ الصّيام، قيل له: فإن استكرهها؟ قال: " عليه الصّيام وحده ". وأمّا ابن عيينة: فتفرّد بها أبو ثور عن معلى بن منصور عنه. قال الخطّابيّ: المعلَّى ليس بذاك الحافظ. وتعقّبه ابن الجوزيّ: بأنّه لا يعرِف أحداً طعن في المعلى. وغفل عن قول الإمام أحمد , إنّه كان يخطئ كل يومٍ في حديثين أو ثلاثةٍ، فلعله حدّث من حفظه بهذا فوهم، وقد قال الحاكم: وقفت على " كتاب الصّيام للمعلى " بخطٍّ موثوقٍ به , وليست هذه اللفظة فيه. وزعم ابن الجوزيّ: أنّ الدّارقطنيّ أخرجه من طريق عقيلٍ أيضاً. وهو غلطٌ منه. فإنّ الدّارقطنيّ لَم يخرج طريق عقيلٍ في " السّنن " وقد ساقه في " العلل " بالإسناد الذي ذكره عنه ابن الجوزيّ بدونها. تنْبيه: القائل بوجوب كفّارةٍ واحدةٍ على الزّوج عنه وعن موطوءته , يقول: يعتبر حالهما. فإن كانا من أهل العتق أجزأت رقبة، وإن كانا من أهل الإطعام أطعم ما سبق، وإن كانا من أهل الصّيام صاما جميعاً، فإن اختلف حالهما ففيه تفريعٌ محلّه كتب الفروع.

стр. 1591

قوله: (فقال الرّجل: على أفقر منّي) أي: أتصدّق به على شخصٍ أفقر منّي؟ وهذا يشعر بأنّه فهم الإذن له في التّصدّق على من يتّصف بالفقر، وقد بيّن ابن عمر في حديثه ذلك. فزاد فيه " إلى من أدفعه؟ قال: إلى أفقر من تعلم " أخرجه البزّار والطّبرانيّ في " الأوسط ". وفي رواية إبراهيم بن سعد " أعلى أفقر من أهلي "؟ ولابن مسافر " أعلى أهل بيت أفقر منّي "؟ , وللأوزاعيّ " أعلى غير أهلي "؟ ولمنصورٍ " أعلى أحوج منّا " , ولابن إسحاق " وهل الصّدقة إلاَّ لي وعليّ "؟ قوله: (فوالله ما بين لابتيها) تثنية لابةٍ بتخفيف الموحدة. وهي الحرة وهي الحجارة السود , والضّمير للمدينة , لأنها بين لابتين شرقية وغربية , ولها لابتان أيضاً من الجانبين الآخرين إلاَّ أنهما يرجعان إلى الأولين لاتصالهما بهما. قوله: (يريد الحرّتين) من كلام بعض رواته، زاد في رواية ابن عيينة ومعمرٍ " والذي بعثك بالحقّ " , ووقع في حديث ابن عمر المذكور " ما بين حرّتيها ". وفي رواية الأوزاعيّ عند البخاري " والذي نفسي بيده ما بين طنبي المدينة " تثنية طنب - وهو بضمّ الطّاء المهملة بعدها نون - والطّنب أحد أطناب الخيمة فاستعاره للطّرف. قوله: (أهل بيت أفقر من أهل بيتي) زاد يونس " منّي ومن أهل بيتي " وفي رواية إبراهيم بن سعد " أفقر منّا ". وأفقر بالنّصب على

стр. 1592

أنّها خبر ما النّافية، ويجوز الرّفع على لغة تميم. وفي رواية عقيل " ما أحدٌ أحقّ به من أهلي، ما أحدٌ أحوج إليه منّي " وفي أحقّ وأحوج ما في أفقر. وفي مرسل سعيد من رواية داود عنه " والله ما لعيالي من طعام " , وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة " ما لنا عشاء ليلةٍ " قوله: (فضحك النّبيّ ﷺ حتّى بدت أنيابه) في رواية ابن إسحاق " حتّى بدت نواجذه " (١) ولأبي قرّة في " السّنن " عن ابن جريجٍ " حتّى بدت ثناياه " ولعلها تصحيف من أنيابه. فإنّ الثّنايا تبين بالتّبسّم غالباً , وظاهر السّياق إرادة الزّيادة على التّبسّم. ويُحمل ما ورد في صفته ﷺ أنّ ضحكه كان تبسّماً على غالب أحواله، وقيل: كان لا يضحك إلاَّ في أمرٍ يتعلق بالآخرة. فإن كان في أمر الدّنيا لَم يزد على التّبسّم. قيل: وهذه القضيّة تعكّر عليه , وليس كذلك. فقد قيل: إنّ سبب ضحكه ﷺ كان من تباين حال الرّجل حيث جاء خائفاً على نفسه راغباً في فدائها مهما أمكنه، فلمّا وجد الرّخصة طمع في أن يأكل ما أعطيه من الكفّارة. وقيل: ضحك من حال الرّجل في مقاطع كلامه وحسن تأتّيه وتلطّفه في الخطاب وحسن توسّله في توصّله إلى مقصوده.

стр. 1593

والذي يظهر من مجموع الأحاديث: أنّه ﷺ كان في معظم أحواله لا يزيد على التّبسّم، وربّما زاد على ذلك فضحك، والمكروه من ذلك إنّما هو الإكثار منه أو الإفراط فيه , لأنّه يذهب الوقار. قال ابن بطّال: والذي ينبغي أن يقتدى به من فعله ما واظب عليه من ذلك، فقد روى البخاريّ في " الأدب المفرد " وابن ماجه من وجهين عن أبي هريرة رفعه " لا تكثر الضّحك. فإنّ كثرة الضّحك تميت القلب ". قوله: (ثمّ قال: أطعمه أهلك) كذا في رواية شعيب , وتابعه معمر وابن أبي حفصة، وفي رواية لابن عيينة في البخاري " أطعمه عيالك " ولإبراهيم بن سعد " فأنتم إذاً " وقدّم على ذلك ذكر الضّحك، ولأبي قرّة عن ابن جريجٍ " ثمّ قال: كله " ونحوه ليحيى بن سعيد وعراك. وجمع بينهما ابن إسحاق ولفظه " خذها وكلها وأنفقها على عيالك " ونحوه في رواية عبد الجبّار وحجّاج وهشام بن سعد كلّهم عن الزّهريّ، ولابن خزيمة في حديث عائشة " عد به عليك وعلى أهلك ". وقال ابن دقيق العيد: تباينت في هذه القصّة المذاهب. فقيل: إنّه دلَّ على سقوط الكفّارة بالإعسار المقارن لوجوبها , لأنّ الكفّارة لا تصرف إلى النّفس ولا إلى العيال، ولَم يبيّن النّبيّ ﷺ استقرارها في ذمّته إلى حين يساره، وهو أحد قولي الشّافعيّة , وجزم به

стр. 1594

عيسى بن دينار من المالكيّة. وقال الأوزاعيّ: يستغفر الله , ولا يعود. ويتأيّد ذلك بصدقة الفطر حيث تسقط بالإعسار المقارن لسبب وجوبها وهو هلال الفطر، لكنّ الفرق بينهما أنّ صدقة الفطر لها أمدٌ تنتهي إليه، وكفّارة الجماع لا أمد لها فتستقرّ في الذّمّة، وليس في الخبر ما يدلّ على إسقاطها بل فيه ما يدلّ على استمرارها على العاجز. وقال الجمهور: لا تسقط الكفّارة بالإعسار، والذي أذن له في التّصرّف فيه ليس على سبيل الكفّارة. ثمّ اختلفوا: فقال الزّهريّ: هو خاصّ بهذا الرّجل، وإلى هذا نحا إمام الحرمين (١)، وردّ بأنّ الأصل عدم الخصوصيّة. وقال بعضهم: هو منسوخ، ولَم يبيّن قائله ناسخه. وقيل: المراد بالأهل الذين أمر بصرفها إليهم من لا تلزمه نفقته من أقاربه، وهو قول بعض الشّافعيّة، وضعّف بالرّواية الأخرى التي فيها عيالك، وبالرّواية المصرّحة بالإذن له في الأكل من ذلك. وقيل: لَمّا كان عاجزاً عن نفقة أهله. جاز له أن يصرف الكفّارة لهم، وهذا هو ظاهر الحديث، وهو الذي حمل أصحاب الأقوال الماضية على ما قالوه بأنّ المرء لا يأكل من كفّارة نفسه. قال الشّيخ تقيّ الدّين: وأقوى من ذلك أن يجعل الإعطاء لا على

стр. 1595

جهة الكفّارة , بل على جهة التّصدّق عليه وعلى أهله بتلك الصّدقة لِمَا ظهر من حاجتهم، وأمّا الكفّارة فلم تسقط بذلك، ولكن ليس استقرارها في ذمّته مأخوذاً من هذا الحديث. وأمّا ما اعتلّوا به من تأخير البيان فلا دلالة فيه، لأنّ العلم بالوجوب قد تقدّم، ولَم يرد في الحديث ما يدلّ على الإسقاط , لأنّه لَمّا أخبره بعجزه ثمّ أمره بإخراج العرق دلَّ على أن لا سقوط عن العاجز، ولعله أخّر البيان إلى وقت الحاجة وهو القدرة. انتهى وقد ورد ما يدلّ على إسقاط الكفّارة أو على إجزائها عنه بإنفاقه إيّاها على عياله وهو قوله في حديث عليٍّ " وكله أنت وعيالك. فقد كفّر الله عنك ". ولكنّه حديثٌ ضعيفٌ لا يحتجّ بما انفرد به. والحقّ أنّه لَمّا قال له ﷺ : خذ هذا فتصدّق به. لَم يقبضه , بل اعتذر بأنّه أحوج إليه من غيره فأذن له حينئذٍ في أكله، فلو كان قبضه لملكه ملكاً مشروطاً بصفةٍ وهو إخراجه عنه في كفّارته. فينبني على الخلاف المشهور في التّمليك المقيّد بشرطٍ، لكنّه لَمّا لَم يقبضه لَم يملكه، فلمّا أذن له ﷺ في إطعامه لأهله وأكله منه كان تمليكاً مطلقاً بالنّسبة إليه وإلى أهله وأخذهم إيّاه بصفة الفقر المشروحة. وقد تقدّم أنّه كان من مال الصّدقة، وتصرّف النّبيّ ﷺ فيه تصرّف الإمام في إخراج مال الصّدقة، واحتمل إنّه كان تمليكاً بالشّرط الأوّل. ومن ثَمَّ نشأ الإشكال.

стр. 1596

والأوّل أظهر. فلا يكون فيه إسقاط , ولا أكل المرء من كفّارة نفسه , ولا إنفاقه على من تلزمه نفقتهم من كفّارة نفسه. وأمّا ترجمة البخاريّ الباب الذي يليه " بابٌ المُجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفّارة إذا كانوا محاويج " فليس فيه تصريح بما تضمنّه حكم التّرجمة. وإنّما أشار إلى الاحتمالين المذكورين بإتيانه بصيغة الاستفهام. والله أعلم. واستدل به على جواز إعطاء الصّدقة جميعها في صنفٍ واحدٍ. وفيه نظرٌ , لأنّه لَم يتعيّن أنّ ذلك القدر هو جميع ما يجب على ذلك الرّجل الذي أحضر التّمر. واستُدل به: وهو القول الأول. على سقوط قضاء اليوم الذي أفسده المُجامع اكتفاءً بالكفّارة، إذ لَم يقع التّصريح في الصّحيحين بقضائه , وهو محكيٌّ في مذهب الشّافعيّ. القول الثاني: عن الأوزاعيّ: يقضي إن كفّر بغير الصّوم , وهو وجهٌ للشّافعيّة أيضاً. قال ابن العربيّ: إسقاط القضاء لا يشبه منصب الشّافعيّ. إذ لا كلام في القضاء لكونه أفسد العبادة , وأمّا الكفّارة فإنّما هي لِمَا اقترف من الإثم، قال: وأمّا كلام الأوزاعيّ فليس بشيء. قلت: وقد ورد الأمر بالقضاء في هذا الحديث في رواية أبي أويس وعبد الجبّار وهشام بن سعد كلّهم عن الزّهريّ، وأخرجه البيهقيّ

стр. 1597

من طريق إبراهيم بن سعد عن الليث عن الزّهريّ، وحديث إبراهيم بن سعد في الصّحيح عن الزّهريّ نفسه بغير هذه الزّيادة، وحديث الليث عن الزّهريّ في الصّحيحين بدونها، ووقعت الزّيادة أيضاً في مرسل سعيد بن المسيّب ونافع بن جبير والحسن ومحمّد بن كعب. وبمجموع هذه الطّرق تعرف أنّ لهذه الزّيادة أصلاً. (١)

стр. 1598

ويؤخذ من قوله " صم يوماً " عدم اشتراط الفوريّة للتّنكير في قوله " يوماً ". وفي الحديث من الفوائد - غير ما تقدّم - السّؤال عن حكم ما يفعله المرء مخالفاً للشّرع، والتّحدّث بذلك لمصلحة معرفة الحكم. واستعمال الكناية فيما يستقبح ظهوره بصريح لفظه. لقوله " واقعت أو أصبت " على أنّه قد ورد في بعض طرقه - كما تقدّم - وطئت، والذي يظهر أنّه من تصرّف الرّواة. وفيه الرّفق بالمتعلم والتّلطّف في التّعليم والتّألّف على الدّين، والنّدم على المعصية، واستشعار الخوف. وفيه الجلوس في المسجد لغير الصّلاة من المصالح الدّينيّة كنشر العلم، وفيه جواز الضّحك عند وجود سببه، وإخبار الرّجل بما يقع منه مع أهله للحاجة. وفيه الحلف لتأكيد الكلام، وقبول قول المكلف ممّا لا يطّلع عليه إلاَّ من قِبَله. لقوله في جواب قوله أفقر منّا " أطعمه أهلك " ويحتمل

стр. 1599

: أن يكون هناك قرينة لصدقه. وفيه التّعاون على العبادة والسّعي في إخلاص المسلم وإعطاء الواحد فوق حاجته الرّاهنة، وإعطاء الكفّارة أهل بيتٍ واحدٍ، وأنّ المضطرّ إلى ما بيده لا يجب عليه أن يعطيه أو بعضه لمضطرٍّ آخر. واستدل به البخاري بأن قبض الهبة جائز وإن لَم يقل قبلت , ونقل فيه ابن بطّال اتّفاق العلماء، وأنّ القبض في الهبة هو غاية القبول، وغفل ﵀ عن مذهب الشّافعيّ، فإنّ الشّافعيّة يشترطون القبول في الهبة دون الهديّة، إلاَّ إن كانت الهبة ضمنيّة كما لو قال: أعتق عبدك عنّي. فعتقه عنه فإنّه يدخل في ملكه هبة ويعتق عنه , ولا يشترط القبول. ومقابل إطلاق ابن بطّال قول الماورديّ: قال الحسن البصريّ: لا يعتبر القبول في الهبة كالعتق، قال: وهو قول شذّ به عن الجماعة , وخالف فيه الكافّة , إلاَّ أن يريد الهديّة فيحتمل. انتهى. على أنّ في اشتراط القبول في الهديّة وجهاً عند الشّافعيّة. والغرض منه أنّه ﷺ أعطى الرّجل التّمر فقبضه ولَم يقل قبِلت، ثمّ قال له: " اذهب فأطعمه أهلك ". ولمن اشترط القبول أن يجيب عن هذا بأنّها واقعة عين فلا حجّة فيها، ولَم يصرّح فيها بذكر القبول ولا بنفيه، وقد اعترض الإسماعيليّ بأنّه ليس في الحديث أنّ ذلك كان هبة، بل لعله كان من الصّدقة فيكون قاسماً لا واهباً. انتهى

стр. 1600

وقد تقدّم التّصريح بأنّ ذلك كان من الصّدقة، وكأنّ البخاري يجنح إلى أنّه لا فرق في ذلك. وفيه أنه كما جاز إعانة المعسر بالكفّارة عن وقاعه في رمضان كذلك تجوز إعانة المعسر بالكفّارة عن يمينه إذا حنث فيه. قال ابن المنير: قوله " أطعمه أهلك " إذا جاز إعطاء الأقرباء. فالبعداء أجوز، وقاس البخاري كفّارة اليمين على كفّارة الجماع في الصّيام في إجازة الصّرف إلى الأقرباء. قلت: وهو على رأي من حمل قوله " أطعمه أهلك " على أنّه في الكفّارة، وأمّا من حمله على أنّه أعطاه التّمر المذكور في الحديث لينفقه عليهم وتستمرّ الكفّارة في ذمّته إلى أن يحصل له يسرةٌ فلا يتّجه الإلحاق، وكذا على قول من يقول تسقط عن المعسر مطلقاً. وقد تقدّم البحث فيه، ومذهب الشّافعيّ جواز إعطاء الأقرباء إلاَّ من تلزمه نفقته. ومن فروع المسألة. القول الأول: اشتراط الإيمان فيمن يعطيه. وهو قول الجمهور. القول الثاني: أجاز أصحاب الرّأي إعطاء أهل الذّمّة منه. ووافقهم أبو ثور. القول الثالث: قال الثّوريّ: يجزئ إن لَم يجد المسلمين، وأخرج ابن أبي شيبة عن النّخعيّ والشّعبيّ مثله , وعن الحكم كالجمهور. وقد اعتنى به بعض المتأخّرين ممّن أدركه شيوخنا. فتكلَّم على

стр. 1601

الحديث في مجلدين جمع فيهما ألف فائدةٍ وفائدةٍ، ومحصّله إن شاء الله تعالى فيما لخّصته مع زياداتٍ كثيرةٍ عليه، فلله الحمد على ما أنعم.

стр. 1602

باب الصوم في السّفر وغيره . الحديث الثامن ١٨٩ - عن عائشة ﵂ , أنّ حمزة بن عمرٍو الأسلميّ , قال للنّبيّ ﷺ : أأصوم في السّفر؟ - وكان كثير الصّيام - فقال: إن شئت فصم , وإن شئت فأفطر. (١) قوله: (أنّ حمزة بن عمرو الأسلميّ) هكذا رواه الحفّاظ عن هشامٍ، وقال عبد الرّحيم بن سليمان عند النّسائيّ , والدّراورديّ عند الطّبرانيّ , ويحيى بن عبد الله بن سالمٍ عند الدّارقطنيّ ثلاثتهم: عن هشام عن أبيه عن عائشة عن حمزة بن عمرو. جعلوه من مسند حمزة , والمحفوظ أنّه من مسند عائشة. ويحتمل: أن يكون هؤلاء لَم يقصدوا بقولهم " عن حمزة " الرّواية عنه , وإنّما أرادوا الإخبار عن حكايته , فالتّقدير عن عائشة عن قصّة حمزة , أنّه سأل. لكن قد صحّ مجيء الحديث من رواية حمزة، فأخرجه مسلم من طريق أبي الأسود عن عروة عن أبي مراوح عن حمزة، وكذلك رواه محمّد بن إبراهيم التّيميّ عن عروة , لكنّه أسقط أبا مراوح , والصّواب إثباته، وهو محمولٌ على أنّ لعروة فيه طريقين: سمعه من عائشة، وسمعه من أبي مراوح عن حمزة.

стр. 1603

قوله: (أأصوم في السّفر إلخ) قال ابن دقيق العيد: ليس فيه تصريح بأنّه صوم رمضان فلا يكون فيه حجّة على من منع صيام رمضان في السّفر. قلت: وهو كما قال بالنّسبة إلى سياق حديث الباب، لكن في رواية أبي مراوح التي ذكرتها عند مسلم , أنّه قال: يا رسولَ الله أجد بي قوّةً على الصّيام في السّفر. فهل عليّ جناحٌ؟ فقال رسول الله ﷺ : هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه. وهذا يشعر بأنّه سأل عن صيام الفريضة، وذلك أنّ الرّخصة إنّما تطلق في مقابلة ما هو واجب. وأصرح من ذلك. ما أخرجه أبو داود والحاكم من طريق محمّد بن حمزة بن عمرو عن أبيه أنّه قال: يا رسولَ الله إنّي صاحب ظهرٍ أعالجه. أسافر عليه وأكريه، وأنّه ربّما صادفني هذا الشّهر - يعني رمضان - وأنا أجد القوّة، وأجدني أن أصوم أهون عليّ من أن أوخّره فيكون ديناً عليّ، فقال: أيّ ذلك شئت يا حمزة (١). قوله: (وكان كثير الصوم) في رواية لهما " أسرد الصّوم " أي: أتابعه. واستدل به على أن لا كراهية في صيام الدّهر، ولا دلالة فيه لأنّ التّتابع يصدق بدون صوم الدّهر، فإن ثبت النّهي عن صوم الدّهر لَم يعارضه هذا الإذن بالسّرد، بل الجمع بينهما واضحٌ.

стр. 1604

الحديث التاسع ١٩٠ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ , قال: كنّا نسافر مع النّبيّ ﷺ . فلم يعب الصّائم على المفطر. ولا المفطر على الصّائم (١). قوله: (عن أنس) في رواية أبي خالد عند مسلم عن حميدٍ التّصريح بالإخبار بين حميدٍ وأنسٍ، ولفظه عن حميدٍ: خرجت فصمت , فقالوا لي: أعد، فقلت: إنّ أنساً أخبرني , أنّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسافرون فلا يعيب الصّائم على المفطر ولا المفطر على الصّائم، قال حميدٌ: فلقيت ابن أبي مُلَيْكة. فأخبرني عن عائشة مثله. قوله: (كنّا نسافر مع النّبيّ ﷺ ) في حديث أبي سعيد عند مسلم " كنّا نغزو مع رسول الله. فلا يجد الصّائم على المفطر ولا المفطر على الصّائم، يرون أنّ من وجد قوّة فصام فإنّ ذلك حسنٌ، ومن وجد ضعفاً فأفطر إنّ ذلك حسن ". وهذا التّفصيل هو المعتمد، وهو نصٌّ رافعٌ للنّزاع كما تقدّم (٢). والله أعلم تنْبيه: نقل ابن عبد البرّ عن محمّد بن وضّاح , أنّ مالكاً تفرّد بسياق هذا الحديث على هذا اللفظ. وتعقّبه: بأنّ أبا إسحاق الفزاريّ وأبا ضمرة وعبد الوهّاب الثّقفيّ وغيرهم رووه عن حميدٍ مثل مالكٍ.

стр. 1605

الحديث العاشر ١٩١ - عن أبي الدّرداء ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان. في حرٍّ شديدٍ , حتّى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدّة الحرّ. وما فينا صائمٌ إلاَّ رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة. (١) قوله: (عن أبي الدّرداء ﵁) الأنصاري. اسمه عويمر. (٢) قوله: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان في حرٍّ شديدٍ) كذا لمسلم , وللبخاري " في بعض أسفاره " وبهذا يتمّ الرّدّ على أبي محمّد بن حزمٍ في زعمه. أنّ حديث أبي الدّرداء هذا لا حجّة فيه.

стр. 1606

لاحتمال أن يكون ذلك الصّوم تطوّعاً. وقد كنت ظننت أنّ هذه السّفرة غزوة الفتح لَمّا رأيت في " الموطّأ " من طريق أبي بكر بن عبد الرّحمن عن رجل من الصّحابة قال: رأيت رسول الله ﷺ بالعرج في الحرّ وهو يصبّ على رأسه الماء - وهو صائم - من العطش ومن الحرّ، فلمّا بلغ الكديد أفطر. فإنّه يدلّ على أنّ غزاة الفتح كانت في أيّام شدّة الحرّ. وقد اتّفقت الرّوايتان على أنّ كلاً من السّفرتين كان في رمضان. لكنّني رجعت عن ذلك , وعرفت أنّه ليس بصوابٍ , لأنّ عبد الله بن رواحة استشهد بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف. وإن كانتا جميعاً في سنةٍ واحدةٍ، وقد استثناه أبو الدّرداء في هذه السّفرة مع النّبيّ ﷺ , فصحّ أنّها كانت سفرةً أخرى. وأيضاً فإنّ في سياق أحاديث غزوة الفتح أنّ الذين استمرّوا من الصّحابة صياماً كانوا جماعةً، وفي هذا أنّه عبد الله بن رواحة وحده. وأخرج التّرمذيّ من حديث عمر: غزونا مع النّبيّ ﷺ في رمضان يوم بدر ويوم الفتح. الحديث. ولا يصحّ حمله أيضاً على بدر ,لأنّ أبا الدّرداء لَم يكن حينئذٍ أسلم. قوله: (وعبد الله بن رواحة) أي ابن ثعلب بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي أحد شعراء النبي ﷺ من الأنصار , وأحد النقباء بالعقبة , وأحد البدريين. وفي الحديث دليلٌ على أن لا كراهية في الصّوم في السّفر لمن قوي

стр. 1607

عليه ولَم يصبه منه مشقّةٌ شديدةٌ. وفيه إفطار أصحاب النّبيّ ﷺ في رمضان في السّفر بمحضرٍ منه، ولَم ينكر عليهم فدلَّ على الجواز، وعلى ردّ قول مَن قال: من سافر في شهر رمضان امتنع عليه الفطر.

стр. 1608

الحديث الحادي عشر ١٩٢ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ في سفرٍ. فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلِّل عليه , فقال: ما هذا؟ قالوا: صائمٌ. قال: ليس من البرّ الصّيام في السّفر. (١) وفي لفظٍ لمسلمٍ: عليكم برخصة الله التي رخّص لكم (٢). قوله: (كان رسول الله ﷺ في سفر) تبيّن من رواية جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر عند مسلم , أنّها غزوة الفتح، ولابن خزيمة من طريق حمّاد بن سلمة عن أبي الزّبير عن جابر " سافرنا مع النّبيّ ﷺ في رمضان " فذكر نحوه. قوله: (ورجلاً قد ظُلِّل عليه) في رواية حمّاد المذكورة " فشقّ على رجل الصّوم. فجعلت راحلته تهيم به تحت الشّجرة، فأخبر النّبيّ ﷺ بذلك فأمره أن يفطر " الحديث ولَم أقف على اسم هذا الرّجل، ولولا ما قدّمته من أنّ عبد الله بن رواحة استشهد قبل غزوة الفتح لأمكن أن يفسّر به. لقول أبي الدّرداء: إنّه لَم يكن من الصّحابة في تلك السّفرة صائماً غيره.

стр. 1609

وزعم مغلطاي: أنّه أبو إسرائيل. وعزا ذلك لمبهمات الخطيب، ولَم يقل الخطيب ذلك في هذه القصّة. وإنّما أورد حديث مالك عن حميد بن قيس وغيره , أنّ النّبيّ ﷺ رأى رجلاً قائماً في الشّمس. فقالوا: نذر أن لا يستظل , ولا يتكلم , ولا يجلس ويصوم " الحديث. ثمّ قال: هذا الرّجل هو أبو إسرائيل القرشيّ العامريّ، ثمّ ساق بإسناده إلى أيّوب عن عكرمة عن ابن عبّاس: كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة فنظر إلى رجلٍ من قريش يقال له أبو إسرائيل , فقالوا: نذر أن يصوم ويقوم في الشّمس. الحديث. فلم يزد الخطيب على هذا. وبين القصّتين مغايرات ظاهرةٌ , أظهرها أنّه كان في الحضر في المسجد. وصاحب القصّة في حديث جابر كان في السّفر تحت ظلال الشّجر. والله أعلم. وفي الحديث استحباب التّمسّك بالرّخصة عند الحاجة إليها، وكراهة تركها على وجه التّشديد والتّنطّع. قوله: (ليس من البرّ الصّيام في السّفر) سبب قوله ﷺ " ليس من البرّ الصّيام في السّفر " ما ذكره من المشقّة، وأنّ من روى الحديث مجرّداً فقد اختصر القصّة، وبما أشار إليه من اعتبار شدّة المشقّة يجمع بين حديث الباب والذي قبله. فالحاصل: أنّ الصّوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شقّ عليه الصّوم أو أعرض عن قبول الرّخصة أفضل من الصّوم،

стр. 1610

وأنّ من لَم يتحقّق المشقّة يخيّر بين الصّوم والفطر. وقد اختلف السّلف في هذه المسألة: القول الأول: قالت طائفة: لا يجزئ الصّوم في السّفر عن الفرض، بل من صام في السّفر وجب عليه قضاؤه في الحضر لظاهر قوله تعالى (فعدّةٌ من أيّامٍ أخر) ولقوله ﷺ " ليس من البرّ الصّيام في السّفر " ومقابلة البرّ الإثم، وإذا كان آثماً بصومه لَم يجزئه. وهذا قول بعض أهل الظّاهر، وحكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزّهريّ وإبراهيم النّخعيّ وغيرهم. واحتجّوا بقوله تعالى (فمن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدّةٌ من أيّامٍ أخر) قالوا ظاهره فعليه عدّةٌ أو فالواجب عدّة. وتأوّله الجمهور: بأنّ التّقدير فأفطر فعدّة. القول الثاني: مقابل هذا القول. قول مَن قال: إنّ الصّوم في السّفر لا يجوز إلاَّ لمن خاف على نفسه الهلاك. أو المشقّة الشّديدة. حكاه الطّبريّ عن قوم. القول الثالث: ذهب أكثر العلماء. ومنهم مالك والشّافعيّ وأبو حنيفة إلى أنّ الصّوم أفضل لمن قوي عليه , ولَم يشقّ عليه. وقال كثيرٌ منهم (١): الفطر أفضل عملاً بالرّخصة. وهو قول الأوزاعيّ وأحمد وإسحاق. وقال آخرون: هو مخيّر مطلقاً.

стр. 1611

وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما لقوله تعالى (يريد الله بكم اليسر) فإن كان الفطر أيسر عليه فهو أفضل في حقّه، وإن كان الصّيام أيسر كمن يسهل عليه حينئذٍ ويشقّ عليه قضاؤه بعد ذلك فالصّوم في حقّه أفضل. وهو قول عمر بن عبد العزيز واختاره ابن المنذر. والذي يترجّح قول الجمهور، ولكن قد يكون الفطر أفضل لمن اشتدّ عليه الصّوم وتضرّر به، وكذلك من ظنّ به الإعراض عن قبول الرّخصة كما تقدّم نظيره في المسح على الحفّين، وسيأتي نظيره في تعجيل الإفطار. وقد روى أحمد من طريق أبي طعمة قال: قال رجلٌ لابن عمر: إنى أقوى على الصّوم في السّفر، فقال له ابن عمر: مَن لَم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة. وهذا محمولٌ على من رغب عن الرّخصة لقوله ﷺ : من رغب عن سنّتي فليس منّي. وكذلك من خاف على نفسه العجب أو الرّياء إذا صام في السّفر فقد يكون الفطر أفضل له. وقد أشار إلى ذلك ابن عمر، فروى الطّبريّ من طريق مجاهد قال: إذا سافرت فلا تصم، فإنّك إن تصم قال أصحابك: اكفوا الصّائم، ارفعوا للصّائم، وقاموا بأمرك، وقالوا فلان صائم، فلا تزال كذلك حتّى يذهب أجرك. ومن طريق مجاهدٍ أيضاً عن جنادة بن أُميَّة عن أبي ذرٍّ نحو ذلك. وسيأتي من طريق مؤرّق عن أنس نحو هذا مرفوعاً حيث قال ﷺ -

стр. 1612

للمفطرين حيث خدموا الصّيّام: ذهب المفطرون اليوم بالأجر (١). واحتجّ من منع الصّوم أيضاً: بما أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵁ , أنَّ النبي ﷺ خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد - وهو ماء بين عسفان وقديد - أفطر وأفطروا، قال الزهري: وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ الآخر فالآخر. وهذه الزّيادة التي في آخره من قول الزّهريّ، وقعت مدرجةً عند مسلم من طريق الليث عن الزّهريّ. ولفظه " حتّى بلغ الكديد أفطر، قال: وكان صحابة رسول الله ﷺ يتّبعون الأحدث فالأحدث من أمره ". وأخرجه من طريق سفيان عن الزّهريّ قال مثله، قال سفيان: لا أدري من قول من هو، ثمّ أخرجه من طريق معمرٍ ومن طريق يونس كلاهما عن الزّهريّ. والصواب: أنّه من قول الزّهريّ، وبذلك جزم البخاريّ، وظاهره أنّ الزّهريّ ذهب إلى أنّ الصّوم في السّفر منسوخ , وأنّ ذلك كان آخر الأمرين، وأنّ الصّحابة كانوا يأخذون بالآخر فالآخر من فعله. وتعقّب: أوّلاً. بما تقدّم من أنّ هذه الزّيادة مدرجةٌ من قول الزّهريّ، وبأنّه استند إلى ظاهر الخبر من أنّه ﷺ أفطر بعد أن صام

стр. 1613

ونسب من صام إلى العصيان. ولا حجّة في شيء من ذلك , لأنّ مسلماً أخرج من حديث أبي سعيد , أنّه ﷺ صام بعد هذه القصّة في السّفر. ولفظه " سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكّة ونحن صيامٌ، فنزلنا منزلاً، فقال النّبيّ ﷺ : إنّكم قد دنوتم من عدوّكم. والفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت رخصةً فمنّا من صام ومنّا من أفطر، فنزلنا منزلاً , فقال رسول الله ﷺ : إنّكم مصبّحو عدوّكم فالفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزيمةً فأفطرنا. ثمّ لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السّفر. وهذا الحديث نصٌّ في المسألة، ومنه يؤخذ الجواب عن نسبته ﷺ الصّائمين إلى العصيان , لأنّه عزم عليهم فخالفوا، وهو شاهدٌ لِمَا قلناه من أنّ الفطر أفضل لمن شقّ عليه الصّوم. ويتأكّد ذلك إذا كان يحتاج إلى الفطر للتّقوّي به على لقاء العدوّ. وروى الطّبريّ في " تهذيبه " من طريق خيثمة. سألت أنس بن مالك عن الصّوم في السّفر؟ فقال: لقد أمرت غلامي أن يصوم، قال: فقلت له: فأين هذه الآية (فعدّةٌ من أيّامٍ أخر) فقال: إنّها نزلت ونحن نرتحل جياعاً وننزل على غير شبعٍ، وأمّا اليوم فنرتحل شباعاً وننزل على شبعٍ. فأشار أنس إلى الصِّفة التي يكون فيها الفطر أفضل من الصّوم. وأمّا الحديث المشهور " الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر " فقد أخرجه ابن ماجه مرفوعاً من حديث ابن عمر بسندٍ ضعيف،

стр. 1614

وأخرجه الطّبريّ من طريق أبي سلمة عن عائشة مرفوعاً أيضاً. وفيه ابن لهيعة , وهو ضعيف. ورواه الأثرم من طريق أبي سلمة عن أبيه مرفوعاً , والمحفوظ عن أبي سلمة عن أبيه موقوفاً. كذلك أخرجه النّسائيّ وابن المنذر، ومع وقفه فهو منقطع , لأنّ أبا سلمة لَم يسمع من أبيه. وعلى تقدير صحّته فهو محمول على ما تقدّم أوّلاً حيث يكون الفطر أولى من الصّوم. والله أعلم وأمّا الجواب عن قوله ﷺ " ليس من البرّ الصّيام في السّفر " فسلك المجيزون فيه طرقاً: فقال بعضهم: قد خرج على سبب فيقصر عليه وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جنح البخاريّ في ترجمته (١). ولذا قال الطّبريّ بعد أن ساق نحو حديث الباب من رواية كعب بن عاصم الأشعريّ , ولفظه: سافرنا مع رسول الله ﷺ ونحن في حرٍّ شديد، فإذا رجلٌ من القوم قد دخل تحت ظلّ شجرة. وهو مضطجع كضجعة الوجع، فقال رسول الله ﷺ : ما لصاحبكم، أيّ وجع به؟ فقالوا: ليس به وجعٌ، ولكنّه صائم وقد اشتدّ عليه الحرّ، فقال النّبيّ ﷺ حينئذٍ: ليس البرّ أن تصوموا في السّفر، عليكم برخصة الله التي رخّص لكم.

стр. 1615

فكان قوله ﷺ ذلك لمن كان في مثل ذلك الحال. وقال ابن دقيق العيد: أخذ من هذه القصّة. أنّ كراهة الصّوم في السّفر مختصّة بمن هو في مثل هذه الحالة ممّن يجهده الصّوم ويشقّ عليه , أو يؤدّي به إلى ترك ما هو أولى من الصّوم من وجوه القرب، فينزّل قوله " ليس من البرّ الصّوم في السّفر " على مثل هذه الحالة. قال: والمانعون في السّفر يقولون: إنّ اللفظ عامٌّ، والعبرة بعمومه لا بخصوص السّبب. قال: وينبغي أن يتنبّه للفرق بين دلالة السّبب والسّياق والقرائن على تخصيص العامّ وعلى مراد المتكلم، وبين مجرّد ورود العامّ على سببٍ، فإنّ بين العامَّين فرقاً واضحاً، ومن أجراهما مجرًى واحداً لَم يُصب، فإنّ مجرّد ورود العامّ على سبب لا يقتضي التّخصيص به كنزول آية السّرقة في قصّة سرقة رداء صفوان، وأمّا السّياق والقرائن الدّالة على مراد المتكلم فهي المُرشدة لبيان المجملات وتعيين المحتملات كما في حديث الباب. وقال ابن المنيّر في الحاشية: هذه القصّة تشعر بأنّ من اتّفق له مثل ما اتّفق لذلك الرّجل أنّه يساويه في الحكم؛ وأمّا من سلم من ذلك ونحوه فهو في جواز الصّوم على أصله والله أعلم. وحمل الشّافعيّ نفي البرّ المذكور في الحديث على من أبى قبول الرّخصة فقال: معنى قوله " ليس من البرّ " أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم ولا نافلة، وقد أرخص الله تعالى له أن يفطر وهو
следующие страницы →