← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما لقوله تعالى (يريد الله بكم اليسر) فإن كان الفطر أيسر عليه فهو أفضل في حقّه، وإن كان الصّيام أيسر كمن يسهل عليه حينئذٍ ويشقّ عليه قضاؤه بعد ذلك فالصّوم في حقّه أفضل. وهو قول عمر بن عبد العزيز واختاره ابن المنذر. والذي يترجّح قول الجمهور، ولكن قد يكون الفطر أفضل لمن اشتدّ عليه الصّوم وتضرّر به، وكذلك من ظنّ به الإعراض عن قبول الرّخصة كما تقدّم نظيره في المسح على الحفّين، وسيأتي نظيره في تعجيل الإفطار. وقد روى أحمد من طريق أبي طعمة قال: قال رجلٌ لابن عمر: إنى أقوى على الصّوم في السّفر، فقال له ابن عمر: مَن لَم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة. وهذا محمولٌ على من رغب عن الرّخصة لقوله ﷺ : من رغب عن سنّتي فليس منّي. وكذلك من خاف على نفسه العجب أو الرّياء إذا صام في السّفر فقد يكون الفطر أفضل له. وقد أشار إلى ذلك ابن عمر، فروى الطّبريّ من طريق مجاهد قال: إذا سافرت فلا تصم، فإنّك إن تصم قال أصحابك: اكفوا الصّائم، ارفعوا للصّائم، وقاموا بأمرك، وقالوا فلان صائم، فلا تزال كذلك حتّى يذهب أجرك. ومن طريق مجاهدٍ أيضاً عن جنادة بن أُميَّة عن أبي ذرٍّ نحو ذلك. وسيأتي من طريق مؤرّق عن أنس نحو هذا مرفوعاً حيث قال ﷺ -

стр. 1612

للمفطرين حيث خدموا الصّيّام: ذهب المفطرون اليوم بالأجر (١). واحتجّ من منع الصّوم أيضاً: بما أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵁ , أنَّ النبي ﷺ خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد - وهو ماء بين عسفان وقديد - أفطر وأفطروا، قال الزهري: وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ الآخر فالآخر. وهذه الزّيادة التي في آخره من قول الزّهريّ، وقعت مدرجةً عند مسلم من طريق الليث عن الزّهريّ. ولفظه " حتّى بلغ الكديد أفطر، قال: وكان صحابة رسول الله ﷺ يتّبعون الأحدث فالأحدث من أمره ". وأخرجه من طريق سفيان عن الزّهريّ قال مثله، قال سفيان: لا أدري من قول من هو، ثمّ أخرجه من طريق معمرٍ ومن طريق يونس كلاهما عن الزّهريّ. والصواب: أنّه من قول الزّهريّ، وبذلك جزم البخاريّ، وظاهره أنّ الزّهريّ ذهب إلى أنّ الصّوم في السّفر منسوخ , وأنّ ذلك كان آخر الأمرين، وأنّ الصّحابة كانوا يأخذون بالآخر فالآخر من فعله. وتعقّب: أوّلاً. بما تقدّم من أنّ هذه الزّيادة مدرجةٌ من قول الزّهريّ، وبأنّه استند إلى ظاهر الخبر من أنّه ﷺ أفطر بعد أن صام

стр. 1613

ونسب من صام إلى العصيان. ولا حجّة في شيء من ذلك , لأنّ مسلماً أخرج من حديث أبي سعيد , أنّه ﷺ صام بعد هذه القصّة في السّفر. ولفظه " سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكّة ونحن صيامٌ، فنزلنا منزلاً، فقال النّبيّ ﷺ : إنّكم قد دنوتم من عدوّكم. والفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت رخصةً فمنّا من صام ومنّا من أفطر، فنزلنا منزلاً , فقال رسول الله ﷺ : إنّكم مصبّحو عدوّكم فالفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزيمةً فأفطرنا. ثمّ لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السّفر. وهذا الحديث نصٌّ في المسألة، ومنه يؤخذ الجواب عن نسبته ﷺ الصّائمين إلى العصيان , لأنّه عزم عليهم فخالفوا، وهو شاهدٌ لِمَا قلناه من أنّ الفطر أفضل لمن شقّ عليه الصّوم. ويتأكّد ذلك إذا كان يحتاج إلى الفطر للتّقوّي به على لقاء العدوّ. وروى الطّبريّ في " تهذيبه " من طريق خيثمة. سألت أنس بن مالك عن الصّوم في السّفر؟ فقال: لقد أمرت غلامي أن يصوم، قال: فقلت له: فأين هذه الآية (فعدّةٌ من أيّامٍ أخر) فقال: إنّها نزلت ونحن نرتحل جياعاً وننزل على غير شبعٍ، وأمّا اليوم فنرتحل شباعاً وننزل على شبعٍ. فأشار أنس إلى الصِّفة التي يكون فيها الفطر أفضل من الصّوم. وأمّا الحديث المشهور " الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر " فقد أخرجه ابن ماجه مرفوعاً من حديث ابن عمر بسندٍ ضعيف،

стр. 1614

وأخرجه الطّبريّ من طريق أبي سلمة عن عائشة مرفوعاً أيضاً. وفيه ابن لهيعة , وهو ضعيف. ورواه الأثرم من طريق أبي سلمة عن أبيه مرفوعاً , والمحفوظ عن أبي سلمة عن أبيه موقوفاً. كذلك أخرجه النّسائيّ وابن المنذر، ومع وقفه فهو منقطع , لأنّ أبا سلمة لَم يسمع من أبيه. وعلى تقدير صحّته فهو محمول على ما تقدّم أوّلاً حيث يكون الفطر أولى من الصّوم. والله أعلم وأمّا الجواب عن قوله ﷺ " ليس من البرّ الصّيام في السّفر " فسلك المجيزون فيه طرقاً: فقال بعضهم: قد خرج على سبب فيقصر عليه وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جنح البخاريّ في ترجمته (١). ولذا قال الطّبريّ بعد أن ساق نحو حديث الباب من رواية كعب بن عاصم الأشعريّ , ولفظه: سافرنا مع رسول الله ﷺ ونحن في حرٍّ شديد، فإذا رجلٌ من القوم قد دخل تحت ظلّ شجرة. وهو مضطجع كضجعة الوجع، فقال رسول الله ﷺ : ما لصاحبكم، أيّ وجع به؟ فقالوا: ليس به وجعٌ، ولكنّه صائم وقد اشتدّ عليه الحرّ، فقال النّبيّ ﷺ حينئذٍ: ليس البرّ أن تصوموا في السّفر، عليكم برخصة الله التي رخّص لكم.

стр. 1615

فكان قوله ﷺ ذلك لمن كان في مثل ذلك الحال. وقال ابن دقيق العيد: أخذ من هذه القصّة. أنّ كراهة الصّوم في السّفر مختصّة بمن هو في مثل هذه الحالة ممّن يجهده الصّوم ويشقّ عليه , أو يؤدّي به إلى ترك ما هو أولى من الصّوم من وجوه القرب، فينزّل قوله " ليس من البرّ الصّوم في السّفر " على مثل هذه الحالة. قال: والمانعون في السّفر يقولون: إنّ اللفظ عامٌّ، والعبرة بعمومه لا بخصوص السّبب. قال: وينبغي أن يتنبّه للفرق بين دلالة السّبب والسّياق والقرائن على تخصيص العامّ وعلى مراد المتكلم، وبين مجرّد ورود العامّ على سببٍ، فإنّ بين العامَّين فرقاً واضحاً، ومن أجراهما مجرًى واحداً لَم يُصب، فإنّ مجرّد ورود العامّ على سبب لا يقتضي التّخصيص به كنزول آية السّرقة في قصّة سرقة رداء صفوان، وأمّا السّياق والقرائن الدّالة على مراد المتكلم فهي المُرشدة لبيان المجملات وتعيين المحتملات كما في حديث الباب. وقال ابن المنيّر في الحاشية: هذه القصّة تشعر بأنّ من اتّفق له مثل ما اتّفق لذلك الرّجل أنّه يساويه في الحكم؛ وأمّا من سلم من ذلك ونحوه فهو في جواز الصّوم على أصله والله أعلم. وحمل الشّافعيّ نفي البرّ المذكور في الحديث على من أبى قبول الرّخصة فقال: معنى قوله " ليس من البرّ " أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم ولا نافلة، وقد أرخص الله تعالى له أن يفطر وهو

стр. 1616

صحيح. قال: ويحتمل أن يكون معناه. ليس من البرّ المفروض الذي من خالفه أثم، وجزم ابن خزيمة وغيره بالمعنى الأوّل. وقال الطّحاويّ: المراد بالبرّ هنا. البرّ الكامل الذي هو أعلى مراتب البرّ، وليس المراد به إخراج الصّوم في السّفر عن أن يكون برّاً , لأنّ الإفطار قد يكون أبرّ من الصّوم إذا كان للتّقوّي على لقاء العدوّ مثلاً. قال: وهو نظير قوله ﷺ " ليس المسكين بالطّوّاف " الحديث، فإنّه لَم يرد إخراجه من أسباب المسكنة كلها، وإنّما أراد أنّ المسكين الكامل المسكنة الذي لا يجد غنًى يغنيه , ويستحيي أن يسأل ولا يفطن له. قوله: (وفي لفظ لمسلم: عليكم برخصة الله التي رخص لكم) أوهم كلام صاحب " العمدة " أنّ قوله ﷺ " عليكم برخصة الله التي رخّص لكم " ممّا أخرجه مسلم بشرطه، وليس كذلك. وإنّما هي بقيّة في الحديث لَم يوصل إسنادها كما يأتي (١). نعم. وقعت عند النّسائيّ موصولة. فأخرجه من طريق شعيب بن إسحاق عن الأوزاعيّ عن يحيى عن محمّد بن عبد الرّحمن حدّثني جابر بن عبد الله. فذكره. قال النّسائيّ: هذا خطأ، ثمّ ساقه من طريق الفريابيّ عن الأوزاعيّ عن يحيى عن محمّد بن عبد الرّحمن حدّثني من سمع جابراً، ومن

стр. 1617

طريق عليّ بن المبارك عن يحيى عن محمّد بن عبد الرّحمن عن رجل عن جابر. ثمّ قال: ذِكْر تسمية هذا الرّجل المُبهم، فساق طريق شعبة , ثمّ قال: هذا هو الصّحيح، يعني إدخال رجلٍ بين محمّد بن عبد الرّحمن وجابر. وتعقّبه المزّيّ فقال: ظنّ النّسائيّ أنّ محمّد بن عبد الرّحمن - شيخ شعبة في هذا الحديث - هو محمّد بن عبد الرّحمن شيخ يحيى بن أبي كثير فيه، وليس كذلك , لأنّ شيخ يحيى هو محمّد بن عبد الرّحمن بن ثوبان , وشيخ شعبة هو ابن عبد الرّحمن بن سعد بن زرارة. انتهى. والذي يترجّح في نظري: أنّ الصّواب مع النّسائيّ، لأنّ مسلماً لَمّا روى الحديث من طريق أبي داود عن شعبة , قال في آخره: قال شعبة: كان بلغني هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير , أنّه كان يزيد في هذا الإسناد في هذا الحديث " عليكم برخصة الله التي رخّص لكم " فلمّا سألته لَم يحفظه. انتهى. والضّمير في سألت. يرجع إلى محمّد بن عبد الرّحمن شيخ يحيى , لأنّ شعبة لَم يلق يحيى , فدلَّ على أنّ شعبة أخبر أنّه كان يبلغه عن يحيى عن محمّد بن عبد الرّحمن عن محمّد بن عمرو عن جابر في هذا الحديث زيادة، ولأنّه لَمّا لقي محمّد بن عبد الرّحمن شيخ يحيى سأله عنها فلم يحفظها. وأمّا ما وقع في رواية الأوزاعيّ عن يحيى أنّه نسب محمّد بن عبد

стр. 1618

الرّحمن , فقال فيه ابن ثوبان فهو الذي اعتمده المزّيّ. لكن جزم أبو حاتم كما نقله عنه ابنه في " العلل " بأنّ مَن قال فيه عن محمّد بن عبد الرّحمن بن ثوبان فقد وهِم، وإنّما هو ابن عبد الرّحمن بن سعد. انتهى. وقد اختلف فيه مع ذلك على الأوزاعيّ، وجلّ الرّواة عن يحيى ابن أبي كثير لَم يزيدوا على محمّد بن عبد الرّحمن، لا يذكرون جدّه , ولا جدّ جدّه. والله أعلم. ووقعتْ أيضاً عند الطّبري (١) من حديث كعب بن عاصم الأشعريّ.

стр. 1619

الحديث الثاني عشر ١٩٣ - عن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ في السّفر فمنّا الصّائم , ومنّا المفطر , قال: فنزلنا منزلاً في يومٍ حارٍّ , وأكثرنا ظلاًّ صاحب الكساء , ومنّا من يتّقي الشّمس بيده , قال: فسقط الصُّوّام , وقام المفطرون فضربوا الأبنية , وسقوا الرّكاب، فقال رسول الله ﷺ : ذهب المفطرون اليوم بالأجر. (١) قوله: (فسقط الصّوّام) أي: عجزوا عن العمل. قوله: (وأمّا الذين أفطروا فضربوا الأبنية وسقوا الركاب) وللبخاري " فبعثوا الرّكاب " أي: أثاروا الإبل لخدمتها وسقيها وعلفها. قوله: (بالأجر) أي: الوافر , وليس المراد نقص أجر الصّوّام , بل المراد أنّ المفطرين حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصّوّام لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصّوّام , فلذلك قال: بالأجر كله. لوجود الصّفات المقتضية لتحصيل الأجر منهم. قال ابن أبي صفرة: فيه أنّ أجر الخدمة في الغزو أعظم من أجر الصّيام. قلت: وليس ذلك على العموم.

стр. 1620

وفيه الحضّ على المعاونة في الجهاد , وعلى أنّ الفطر في السّفر أولى من الصّيام. وأنّ الصّيام في السّفر جائز خلافاً لمَن قال: لا ينعقد. وليس في الحديث بيان كونه إذ ذاك كان صوم فرضٍ أو تطوّعٍ. (١)

стр. 1621

الحديث الثالث عشر ١٩٤ - عن عائشة ﵂ , قالت: كان يكون عليّ الصّوم من رمضان , فما أستطيع أن أقضي إلاَّ في شعبان. (١) قوله: (فما أستطيع أن أقضيه إلاَّ في شعبان) استدل به على أنّ عائشة كانت لا تتطوّع بشيءٍ من الصّيام لا في عشر ذي الحجّة ولا في عاشوراء ولا غير ذلك. وهو مبنيٌّ على أنّها كانت لا ترى جواز صيام التّطوّع لمن عليه دين من رمضان، ومن أين لقائله ذلك؟. قال سعيد بن المسيّب في صوم العشر: لا يصلح حتّى يبدأ برمضان , ذكره البخاري معلقاً. ووصله ابن أبي شيبة عنه نحوه. ولفظه " لا بأس أن يقضي رمضان في العشر " , وظاهر قوله , جواز التّطوّع بالصّوم لمن عليه دينٌ من رمضان، إلاَّ أنّ الأولى له أن يصوم الدّين أوّلاً لقوله " لا يصلح " فإنّه ظاهرٌ في الإرشاد إلى البداءة بالأهمّ والآكد. وقد روى عبد الرّزّاق عن أبي هريرة , أنّ رجلاً قال له: إنّ عليّ

стр. 1622

أيّاماً من رمضان أفأصوم العشر تطوّعاً؟ قال: لا، ابدأ بحقّ الله ثمّ تطوّع ما شئت ". وعن عائشة نحوه. وروى ابن المنذر عن عليّ , أنّه نهى عن قضاء رمضان في عشر ذي الحجّة. وإسناده ضعيف، قال: وروي بإسنادٍ صحيحٍ نحوه عن الحسن والزّهريّ. وليس مع أحدٍ منهم حجّةٌ على ذلك. وروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن عمر , أنّه كان يستحبّ ذلك. تكميل: زاد البخاري " قال يحيى بن سعيد: الشّغل من النّبيّ أو بالنّبيّ ﷺ " وهو خبر مبتدأٍ محذوفٍ تقديره: المانع لها الشّغل، أو هو مبتدأ محذوف الخبر تقديره الشّغل هو المانع لها. وفي قوله " قال يحيى " هذا تفصيلٌ لكلام عائشة من كلام غيرها، ووقع في رواية مسلم مدرجاً لَم يقل فيه: قال يحيى. فصار كأنّه من كلام عائشة أو من روى عنها، وكذا أخرجه أبو عوانة من وجه آخر عن زهير، وأخرجه مسلم من طريق سليمان ابن بلال عن يحيى مدرجاً أيضاً. ولفظه: وذلك لمكان رسول الله ﷺ . وأخرجه من طريق ابن جريجٍ عن يحيى. فبيّن إدراجه ولفظه " فظننت أنّ ذلك لمكانها من رسول الله ﷺ . يحيى يقوله " وأخرجه أبو داود من طريق مالك، والنّسائيّ من طريق يحيى القطّان، وسعيد بن منصور عن ابن شهاب وسفيان، والإسماعيليّ من طريق أبي خالد كلّهم عن يحيى. بدون الزّيادة.

стр. 1623

وأخرجه مسلم من طريق محمّد بن إبراهيم التّيميّ عن أبي سلمة. بدون الزّيادة , لكن فيه ما يشعر بها فإنّه قال فيه ما معناه: فما أستطيع قضاءها مع رسول الله ﷺ . ويحتمل: أن يكون المراد بالمعيّة الزّمان. أي: إنّ ذلك كان خاصّاً بزمانه. وللتّرمذيّ وابن خزيمة من طريق عبد الله البهيّ عن عائشة " ما قضيت شيئاً ممّا يكون عليّ من رمضان إلاَّ في شعبان حتّى قبض رسول الله ﷺ ". وممّا يدلّ على ضعف الزّيادة , أنّه ﷺ كان يقسم لنسائه فيعدل , وكان يدنو من المرأة في غير نوبتها فيقبّل ويلمس من غير جماع، فليس في شغلها بشيء من ذلك ما يمنع الصّوم، اللهمّ إلاَّ أن يقال: إنّها كانت لا تصوم إلاَّ بإذنه , ولَم يكن يأذن. لاحتمال احتياجه إليها فإذا ضاق الوقت أذن لها، وكان هو ﷺ يكثر الصّوم في شعبان كما في الصحيحين. فلذلك كانت لا يتهيّأ لها القضاء إلاَّ في شعبان. وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقاً. سواء كان لعذرٍ أو لغير عذر , لأنّ الزّيادة كما بيّنّاه مدرجةٌ , فلو لَم تكن مرفوعة لكان الجواز مقيّداً بالضّرورة , لأنّ للحديث حكم الرّفع , لأنّ الظّاهر اطّلاع النّبيّ ﷺ على ذلك مع توفّر دواعي أزواجه على السّؤال منه عن أمر الشّرع. فلولا أنّ ذلك كان جائزاً لَم تواظب عائشة عليه. ويؤخذ من حرصها على ذلك في شعبان أنّه لا يجوز تأخير القضاء

стр. 1624

حتّى يدخل رمضان آخر. وأمّا الإطعام فليس فيه ما يثبته ولا ينفيه. مسألتان: المسألة الأولى: متى تصام الأيام التي تُقضى عن فوات رمضان؟ هل يتعيَّن قضاؤه متتابعاً أو يجوز متفرقاً؟ وهل يتعين على الفور أو يجوز على التراخي؟. قال الزين بن المنير: ظاهر قوله تعالى (فعدةٌ من أيام أُخر) يقتضي التفريق لصدق " أيام أخر " سواء كانت متتابعة أو متفرقة، والقياس يقتضي التتابع إلحاقاً لصفة القضاء بصفة الأداء، وظاهر صنيع عائشة يقتضي إيثار المبادرة إلى القضاء لولا ما منعها من الشغل، فيشعر بأن من كان بغير عذر لا ينبغي له التأخير. قلت: وهو قول الجمهور. ونقل ابن المنذر وغيره عن عليٍ وعائشة وجوب التتابع. وهو قول بعض أهل الظاهر، وروى عبد الرزاق بسنده عن ابن عمر قال: يقضيه تباعاً. وعن عائشة: نزلت (فعدةٌ من أيام أُخر متتابعات) فسقطت متتابعات. وفي " الموطأ " أنها قراءة أبي بن كعب، وهذا - إن صحَّ - يشعر بعدم وجوب التتابع. فكأنه كان أولا واجباً ثم نسخ. ولا يختلف المجيزون للتفريق أنَّ التتابع أولى. وروى مالك عن الزهري: أنَّ ابن عباس وأبا هريرة اختلفا في قضاء رمضان، فقال أحدهما: يفرَّق , وقال الآخر: لا يفرَّق. هكذا

стр. 1625

أخرجه منقطعاً مبهماً. ووصله عبد الرزاق معيناً عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس. فيمن عليه قضاء من رمضان قال: يقضيه مفرقاً، قال الله تعالى (فعدة من أيام أخر). وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن معمر بسنده قال: صُمْه كيف شئت. ورويناه في " فوائد أحمد ابن شبيب " من روايته عن أبيه عن يونس عن الزهري بلفظ: لا يضرك كيف قضيتها إنما هي عدة من أيام أخر فأحصه. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء , أنَّ ابن عباس وأبا هريرة قالا: فرِّقه إذا أحصيته. وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي هريرة نحو قول ابن عمر، وكأنه اختلف فيه عن أبي هريرة. وروى ابن أبي شيبة أيضاً من طريق معاذ بن جبل: إذا أحصى العِدة فليصم كيف شاء. ومن طريق أبي عبيدة بن الجراح ورافع بن خديج نحوه، وروى سعيد بن منصور عن أنس نحوه. المسألة الثانية: إذا فرَّط حتى جاء رمضان آخر. قال البخاري: ولم يذكرِ الله تعالى الإطعام، إنما قال: فعدة من أيام أخر. هذا من كلام البخاري قاله تفقها , لكن إنما يقوى ما احتج به إذا لم

стр. 1626

يصحّ في السنة دليل الإطعام. إذ لا يلزم من عدم ذكره في الكتاب أن لا يثبت بالسنة. ولم يثبت فيه شيء مرفوع. وإنما جاء فيه عن جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة: أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عطاء عن أبي هريرة قال: أيّ إنسان مرض في رمضان ثم صح فلم يقضه حتى أدركه رمضان آخر فليصم الذي حدث. ثم يقض الآخر , ويطعم مع كل يوم مسكينا. قلت لعطاء: كم بلغك يطعم؟ قال: مُدَّاً زعموا. وأخرجه عبد الرزاق أيضاً عن معمر عن أبي إسحاق، عن مجاهد عن أبي هريرة نحوه , وقال فيه " وأطعم عن كل يوم نصف صاع من قمح " وأخرجه الدارقطني من طريق مطرف عن أبي إسحاق نحوه. ومن طريق رقبة وهو ابن مصقلة قال: زعم عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول في المريض يمرض ولا يصوم رمضان ثم يترك حتى يدركه رمضان آخر قال: يصوم الذي حضره ثم يصوم الآخر ويطعم لكل يوم مسكينا " ومن طريق ابن جريج وقيس بن سعد عن عطاء نحوه. ومنهم ابن عباس: فروى سعيد بن منصور عن هشيم والدارقطني من طريق ابن عيينة كلاهما عن يونس عن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عباس قال: من فرَّط في صيام رمضان حتى أدركه رمضان آخر فليصم هذا الذي أشركه ثم ليصم ما فاته. ويطعم مع كل يوم

стр. 1627

مسكينا. وأخرجه عبد الرزاق من طريق جعفر بن برقان، وسعيد بن منصور من طريق حجاج، والبيهقي من طريق شعبة عن الحكم، كلهم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس نحوه. ومنهم عمر. عند عبد الرزاق. ونقل الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفاً. انتهى. وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه، ومال الطحاوي إلى قول الجمهور في ذلك. وممن قال بالإطعام ابن عمر , لكنه بالغ في ذلك فقال: يطعم ولا يصوم. فروى عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما من طرق صحيحة عن نافع عن ابن عمر قال: من تابعه رمضانان - وهو مريض لم يصحّ بينهما - قضى الآخر منها بصيام , وقضى الأول منهما بإطعام مُد من حنطة كل يوم , ولم يصم. لفظ عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع. قال الطحاوي: تفرد ابن عمر بذلك. قلت: لكن عند عبد الرزاق عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد قال: بلغني مثل ذلك عن عمر، لكن المشهور عن عمر خلافه، فروى عبد الرزاق أيضاً من طريق عوف بن مالك سمعت عمر يقول: من صام يوماً من غير رمضان وأطعم مسكيناً فإنهما يعدلان يوماً من

стр. 1628

رمضان. ونقله ابن المنذر عن ابن عباس وعن قتادة. وانفرد ابن وهب بقوله: من أفطر يوماً في قضاء رمضان وجب عليه لكل يوم صوم يومين.

стр. 1629

الحديث الرابع عشر ١٩٥ - عن عائشة ﵂ , أنّ رسول الله ﷺ قال: من مات وعليه صيامٌ صام عنه وليّه. (١) وأخرجه أبو داود , وقال: هذا في النّذر , وهو قول أحمد بن حنبلٍ. قوله: (من مات) عامٌّ في المكلفين لقرينة " وعليه صيام ". قوله: (صام عنه وليّه) خبرٌ بمعنى الأمر تقديره فليصم عنه وليّه. وليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادّعوا الإجماع على ذلك. وفيه نظرٌ , لأنّ بعض أهل الظّاهر أوجبه. فلعله لَم يعتدّ بخلافهم على قاعدته. وقد اختلف السّلف في هذه المسألة: القول الأول: أجاز الصّيام عن الميّت أصحابُ الحديث، وعلَّق الشّافعيُّ في القديم القولَ به على صحّة الحديث كما نقله البيهقيّ في " المعرفة " , وهو قول أبي ثور وجماعة من محدّثي الشّافعيّة. وقال البيهقيّ في " الخلافيّات ": هذه المسألة ثابتة لا أعلم خلافاً بين أهل الحديث في صحّتها فوجب العمل بها، ثمّ ساق بسنده إلى الشّافعيّ , قال: كلّ ما قلت. وصحّ عن النّبيّ ﷺ خلافه , فخذوا

стр. 1630

بالحديث ولا تقلدوني. القول الثاني: قال الشّافعيّ في الجديد ومالك وأبو حنيفة: لا يصام عن الميّت. القول الثالث: قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد: لا يصام عنه إلاَّ النّذر حملاً للعموم الذي في حديث عائشة على المقيّد في حديث ابن عبّاس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسولَ الله. إنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذر. أفأقضيه عنها؟. قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى. (١). وليس بينهما تعارض حتّى يجمع بينهما. فحديث ابن عبّاس صورةٌ مستقلةٌ سأل عنها من وقعت له. وأمّا حديث عائشة فهو تقرير قاعدةٍ عامّةٍ، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عبّاس إلى نحو هذا العموم حيث قيل في آخره " فدين الله أحقّ أن يقضى ". وأمّا رمضان فيطعم عنه. فأمّا المالكيّة: فأجابوا عن حديث الباب بدعوى عمل أهل المدينة كعادتهم. وادّعى القرطبيّ تبعاً لعياضٍ: أنّ الحديث مضطربٌ، وهذا لا يتأتّى إلاَّ في حديث ابن عبّاس، وليس الاضطراب فيه مُسلَّماً كما سيأتي (٢).

стр. 1631

وأمّا حديث عائشة فلا اضطراب فيه. واحتجّ القرطبيّ: بزيادة ابن لهيعة فقد رواه البزّار من طريق ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر (١) فزاد في آخر المتن " إن شاء " , لأنّها تدلّ على عدم الوجوب. وتعقّب: بأنّ معظم المجيزين لَم يوجبوه كما تقدّم , وإنّما قالوا يتخيّر الوليّ بين الصّيام والإطعام. وأجاب الماورديّ عن الجديد: بأنّ المراد بقوله " صام عنه وليّه " أي: فعل عنه وليّه ما يقوم مقام الصّوم وهو الإطعام، قال: وهو نظير قوله " التّراب وضوء المسلم إذا لَم يجد الماء " (٢) قال: فسمّى البدل باسم المبدل فكذلك هنا. وتعقّب: بأنّه صرفٌ للفظ عن ظاهره بغير دليل. وأمّا الحنفيّة. فاعتلّوا لعدم القول بهذين الحديثين. بما روي عن عائشة , أنّها سئلت عن امرأةٍ ماتت وعليها صوم، قالت: يطعم عنها ". وعن عائشة قالت " لا تصوموا عن موتاكم , وأطعموا عنهم " أخرجه البيهقيّ.

стр. 1632

وبما روي عن ابن عبّاس , قال في رجل مات وعليه رمضان , قال: يطعم عنه ثلاثون مسكيناً. أخرجه عبد الرّزّاق. وروى النّسائيّ عن ابن عبّاس قال: لا يصوم أحدٌ عن أحدٍ. قالوا: فلمّا أفتى ابن عبّاس وعائشة بخلاف ما روياه. دلَّ ذلك على أنّ العمل على خلاف ما روياه. وهذه قاعدة لهم معروفة، إلاَّ أنّ الآثار المذكورة عن عائشة , وعن ابن عبّاس فيها مقال، وليس فيها ما يمنع الصّيام , إلاَّ الأثر الذي عن عائشة , وهو ضعيف جدّاً. والرّاجح: أنّ المعتبر ما رواه لا ما رآه. لاحتمال أن يخالف ذلك لاجتهادٍ. ومستنده فيه لَم يتحقّق. ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تحقّقت صحّة الحديث لَم يترك المحقّق للمظنون، والمسألة مشهورة في الأصول. واختلف المجيزون في المراد بقوله " وليّه ". فقيل: كلّ قريب، وقيل: الوارث خاصّة، وقيل: عصبته. والأوّل أرجح والثّاني قريب. ويردّ الثّالث قصّة المرأة التي سألت عن نذر أمّها (١).

стр. 1633

واختلفوا أيضاً هل يختصّ ذلك بالوليّ؟. لأنّ الأصل عدم النّيابة في العبادة البدنيّة، ولأنّها عبادة لا تدخلها النّيابة في الحياة فكذلك في الموت , إلاَّ ما ورد فيه الدّليل فيقتصر على ما ورد فيه , ويبقى الباقي على الأصل. وهذا هو الرّاجح. وقيل: لا يختصّ بالوليّ. فلو أمر أجنبيّاً بأن يصوم عنه أجزأ كما في الحجّ. وقيل: يصحّ استقلال الأجنبيّ بذلك. وذِكْرُ الوليّ لكونه الغالب. وظاهر صنيع البخاريّ اختيار هذا الأخير. وبه جزم أبو الطّيّب الطّبريّ , وقوّاه بتشبيهه ﷺ ذلك بالدّين , والدّين لا يختصّ بالقريب.

стр. 1634

الحديث الخامس عشر ١٩٦ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: جاء رجلٌ إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله , إنّ أمّي ماتت وعليها صوم شهرٍ. أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمّك دينٌ أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحقّ أن يقضى (١) وفي روايةٍ: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ , فقالت: يا رسولَ الله , إنّ أمّي ماتت وعليها صوم نذرٍ. أفأصوم عنها؟ فقال: أرأيت لو كان على أمّك دينٌ فقضيتيه , أكان ذلك يؤدّي عنها؟ فقالت: نعم. قال:

стр. 1635

فصومي عن أمّك. (١) قوله: (جاء رجلٌ) لَم أقف على اسمه. واتّفق الرواة عن الأعمش عن مسلم البطين عن ابن جبير. ما عدا زائدة وعبثر بن القاسم على أنّ السّائل امرأة، وزاد أبو حريزٍ في روايته أنّها خثعميّة. (٢) وللبخاري من طريق أبي عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵁، أنَّ امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إنَّ أمي نذرت أن تحج .. الحديث. ولَم أقف على اسمها ولا على اسم أبيها، لكن روى ابن وهب عن عثمان بن عطاء الخراسانيّ عن أبيه , أنّ غايثة أو غاثية أتت النّبيّ ﷺ , فقالت: إنّ أمّي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة، فقال: اقض عنها ". أخرجه ابن منده في حرف الغين المعجمة من الصّحابيّات، وتردّد هل هي بتقديم المثنّاة التّحتانيّة على المثلثة , أو بالعكس؟. وجزم ابن طاهر في المبهمات: بأنّه اسم الجهنيّة المذكورة في الحديث. وقد روى النّسائيّ وابن خزيمة وأحمد من طريق موسى بن سلمة الهذليّ عن ابن عبّاس قال: أمرتْ امرأة سنان بن عبد الله الجهنيّ أن

стр. 1636

يسأل رسول الله ﷺ عن أمّها توفّيت ولَم تحجّ " الحديث لفظ أحمد. ووقع عند النّسائيّ " سنان بن سلمة ". والأوّل أصحّ، وهذا لا يفسّر به المبهم في حديث ابن عباس. أنّ المرأة سألتْ بنفسها , وفي هذا أنّ زوجها سأل لها. ويمكن الجمع: بأن يكون نسبة السّؤال إليها مجازيّة. وإنّما الذي تولى لها السّؤال زوجها، وغايته أنّه في هذه الرّواية لَم يصرّح بأنّ الحجّة المسئول عنها كانت نذراً. وأمّا ما روى ابن ماجه من طريق محمّد بن كريب عن أبيه عن ابن عبّاس عن سنان بن عبد الله الجهنيّ , أنّ عمّته حدّثته , أنّها أتت النّبيّ ﷺ فقالت: إنّ أمّي توفّيت وعليها مشي إلى الكعبة نذراً، الحديث. فإن كان محفوظاً حُمل على واقعتين. الأولى: بأن تكون امرأته سألت على لسانه عن حجّة أمّها المفروضة. الثانية: بأن تكون عمّته سألت بنفسها عن حجّة أمّها المنذورة. ويفسّر الحديث بأنّها عمّة سنان , واسمها غايثة كما تقدّم، ولَم تسمّ المرأة ولا العمّة ولا أمّ واحدةٍ منهما. وقوله: إنّ أمّي نذرت أن تحجّ. كذا رواه أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس من رواية أبي عوانة عنه. وللبخاري من طريق شعبة عن أبي بشر بلفظ " أتى رجلٌ النّبيّ ﷺ , فقال له: إنّ أختي نذرت أن تحجّ. وأنّها ماتت.

стр. 1637

فإن كان محفوظاً احتمل أن يكون كلٌّ من الأخ سأل عن أخته. والبنت سألت عن أمّها. وزعم بعض المخالفين: أنّه اضطراب يعلّ به الحديث. وليس كما قال، فإنّه محمول على أنّ المرأة سألت عن كلّ من الصّوم والحجّ، ويدلّ عليه ما رواه مسلم عن بريدة , أنّ امرأة قالت: يا رسولَ الله إنّي تصدّقت على أمّيّ بجاريةٍ وأنّها ماتت، قال: وجب أجرك وردّها عليك الميراث. قالت: إنّه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها. قالت إنّها لَم تحجّ. أفأحجّ عنها؟ قال: حجّي عنها. وللسّؤال عن قصّة الحجّ من حديث ابن عبّاس أصل آخر , أخرجه النّسائيّ من طريق سليمان بن يسار عنه. وله شاهد من حديث أنس. عند البزّار والطّبرانيّ والدّارقطنيّ قوله: (إنّ أمّي) خالف أبو خالد الأحمر جميع من رواه عن الأعمش فقال " إنّ أختي ". واختلف على أبي بشرٍ عن سعيد بن جبير. فقال هشيمٌ عنه " ذات قرابة لها " وقال شعبة عنه " إنّ أختها " أخرجهما أحمد، وقال حمّادٌ عنه " ذات قرابة لها إمّا أختها وإمّا ابنتها " وهذا يشعر بأنّ التّردّد فيه من سعيد بن جبيرٍ. قوله: (وعليها صوم شهر) هكذا في أكثر الرّوايات، وفي رواية أبي حريز " خمسة عشر يوماً " وفي رواية أبي خالد " شهرين متتابعين "

стр. 1638

وروايته تقتضي أن لا يكون الذي عليها صوم شهر رمضان بخلاف رواية غيره فإنّها محتملةٌ. إلاَّ رواية زيد بن أبي أنيسة فقال " إنّ عليها صوم نذرٍ " وهذا واضح في أنّه غير رمضان. وبيّن أبو بشرٍ في روايته سبب النّذر , فروى أحمد من طريق شعبة عن أبي بشرٍ " أنّ امرأةً ركبت البحر فنذرت أن تصوم شهراً فماتت قبل أن تصوم، فأتت أختها النّبيّ ﷺ " الحديث. ورواه أيضاً عن هشيمٍ عن أبي بشرٍ نحوه، وأخرجه البيهقيّ من حديث حمّاد بن سلمة. وقد ادّعى بعضهم: أنّ هذا الحديث اضطرب فيه الرّواة عن سعيد بن جبير. فمنهم مَن قال: إنّ السّائل امرأة. ومنهم مَن قال: رجلٌ. ومنهم مَن قال: إنّ السّؤال وقع عن نذرٍ، فمنهم من فسّره بالصّوم , ومنهم من فسّره بالحجّ. والذي يظهر أنّهما قصّتان. ويؤيّده أنّ السّائلة في نذر الصّوم خثعميّة كما في رواية أبي حريزٍ المُعلَّقة والسّائلة عن نذر الحح جهنيّة كما تقدّم. وقد قدّمنا أنّ مسلماً روى من حديث بريدة " أنّ امرأة سألت عن الحجّ , وعن الصّوم معاً. وأمّا الاختلاف في كون السّائل رجلاً أو امرأة والمسئول عنه أختاً أو أمّا. فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث , لأنّ الغرض منه مشروعيّة الصّوم أو الحجّ عن الميّت ولا اضطراب في ذلك.

стр. 1639

وقد تقدّمت الإشارة إلى كيفيّة الجمع بين مختلف الرّوايات فيه عن الأعمش وغيره. والله أعلم. قوله: (أفرأيت إلخ) فيه مشروعيّة القياس وضرب المثل ليكون أوضح وأوقع في نفس السّامع وأقرب إلى سرعة فهمه، وفيه تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتّفق عليه. وفيه أنّه يستحبّ للمفتي التّنبيه على وجه الدّليل إذا ترتّبت على ذلك مصلحة , وهو أطيب لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه. وفيه أنّ وفاء الدّين الماليّ عن الميّت كان معلوماً عندهم مقرّراً , ولهذا حسن الإلحاق به. قوله: (فدَيْن الله أحق أن يقضى) فيه دليل على أنّه مقدّم على دين الآدميّ، وهو أحد أقوال الشّافعيّ. وقيل: بالعكس، وقيل: هما سواء. قال الطّيبيّ: في الحديث إشعار بأنّ المسئول عنه خلف مالاً فأخبره النّبيّ ﷺ أنّ حقّ الله مقدّم على حقّ العباد. وأوجب عليه الحجّ عنه , والجامع عِلَّة الماليّة. قلت: ولَم يتحتّم في الجواب المذكور أن يكون خلف مالاً كما زعم، لأنّ قوله " أكنت قاضيته " أعمّ من أن يكون المراد ممّا خلفه أو تبرّعاً.

стр. 1640

الحديث السادس عشر ١٩٧ - عن سهل بن سعدٍ السّاعديّ ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ , قال: لا يزال النّاس بخيرٍ ما عجّلوا الفطر. (١) قوله: (لا يزال النّاس بخيرٍ) في حديث أبي هريرة " لا يزال الدّين ظاهراً " وظهور الدّين مستلزمٌ لدوام الخير. قوله: (ما عجّلوا الفطر) زاد أبو ذرٍّ في حديثه " وأخّروا السّحور " أخرجه أحمد، و " ما " ظرفيّة، أي: مدّة فعلهم ذلك امتثالاً للسّنّة واقفين عند حدّها غير متنطّعين بعقولهم ما يغيّر قواعدها. زاد أبو هريرة في حديثه " لأنّ اليهود والنّصارى يؤخّرون " أخرجه أبو داود وابن خزيمة وغيرهما. وتأخير أهل الكتاب له أمدٌ وهو ظهور النّجم، وقد روى ابن حبّان والحاكم من حديث سهل أيضاً بلفظ " لا تزال أمّتي على سنّتي ما لَم تنتظر بفطرها النّجوم " وفيه بيان العلة في ذلك. قال ابن عبد البرّ: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السّحور صحاحٌ متواترةٌ. وعند عبد الرّزّاق وغيره بإسنادٍ صحيحٍ عن عمرو بن ميمون الأوديّ قال: كان أصحاب محمّد ﷺ أسرعَ النّاس إفطاراً , وأبطأَهم

стр. 1641

سحوراً. وقال المُهلَّب: والحكمة في ذلك أن لا يزاد في النّهار من الليل، ولأنّه أرفق بالصّائم وأقوى له على العبادة، واتّفق العلماء على أنّ محل ذلك إذا تحقّق غروب الشّمس بالرّؤية أو بإخبار عدلين، وكذا عدلٍ واحد في الأرجح. قال ابن دقيق العيد: في هذا الحديث ردٌّ على الشّيعة في تأخيرهم الفطر إلى ظهور النّجوم، ولعلَّ هذا هو السّبب في وجود الخير بتعجيل الفطر لأنّ الذي يؤخّره يدخل في فعل خلاف السّنّة. انتهى. وما تقدّم من الزّيادة عند أبي داود أولى بأن يكون سبب هذا الحديث، فإنّ الشّيعة لَم يكونوا موجودين عند تحديثه ﷺ بذلك. قال الشّافعيّ في " الأمّ ": تعجيل الفطر مستحبٌّ، ولا يُكره تأخيره إلاَّ لمن تعمّده ورأى الفضل فيه، ومقتضاه أنّ التّأخير لا يكره مطلقاً، وهو كذلك إذ لا يلزم من كون الشّيء مستحبّاً أن يكون نقيضه مكروهاً مطلقاً. واستدل به بعض المالكيّة. على عدم استحباب ستّة شوّال , لئلا يظنّ الجاهل أنّها ملتحقةٌ برمضان، وهو ضعيفٌ. ولا يخفى الفرق. (١)

стр. 1642

تنْبيه: من البدع المنكرة. ما أحدث في هذا الزّمان من إيقاع الأذان الثّاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعةٍ في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامةً لتحريم الأكل والشّرب على من يريد الصّيام. زعماً ممّن

стр. 1643

أحدثه أنّه للاحتياط في العبادة ولا يعلم بذلك إلاَّ آحاد النّاس. وقد جرّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذّنون إلاَّ بعد الغروب بدرجةٍ لتمكين الوقت زعموا , فأخّروا الفطر وعجّلوا السّحور. وخالفوا السّنّة، فلذلك قلَّ عنهم الخير. كثيرٌ فيهم الشّرّ، والله المستعان.

стр. 1644

الحديث السابع عشر ١٩٨ - عن عمر بن الخطّاب ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أقبل الليل من ههنا. وأدبر النّهار من ههنا , فقد أفطر الصّائم. (١) قوله: (قال رسول الله ﷺ ) في رواية ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشامٍ " قال لي ". وللبخاري (٢) عن مسدد عن عبد الواحد عن الشيباني عن ابن أبي أوفى قال: سرنا مع رسول الله ﷺ وهو صائم، فلمَّا غربت الشمس قال: انزل فاجدح لنا، قال: يا رسول الله لو أمسيت .. الحديث " لَم يسمّ المأمور بذلك. وقد أخرجه أبو داود عن مسدّد - شيخ البخاريّ - عن عبد الواحد عن الشيباني عنه فيه. فسمّاه. ولفظه " فقال: يا بلال انزل إلخ " وأخرجه الإسماعيليّ وأبو نعيم من طرق عن عبد الواحد - وهو ابن زياد - شيخ مسدّد فيه. فاتّفقت رواياتهم على قوله " يا فلان " فلعلها تصحّفت، ولعل هذا هو السّرّ في حذف البخاريّ لها.

стр. 1645

وقد أخرجه البخاري من رواية خالد من الشّيبانيّ بلفظ " يا فلان ". فيحتمل أن يكون المخاطب بذلك عمر فإنّ الحديث واحد، فلمّا كان عمر هو المقول له " إذا أقبل الليل إلخ " احتمل أن يكون هو المقول له أوّلاً " اجدح ". لكن يؤيّد كونه بلالاً. قوله في رواية شعبة عن الشيباني عند أحمد " فدعا صاحب شرابِه " فإنّ بلالاً هو المعروف بخدمة النّبيّ ﷺ . قوله: (إذا أقبل الليل من هاهنا) أي: من جهة المشرق كما في حديث ابن أبي أوفى قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فلما غابت الشمس , قال لرجل: انزل فاجدح لنا , فقال: يا رسولَ الله. لو أمسيت , قال: انزل فاجدح لنا , قال: إنَّ علينا نهاراً. فنزل فجَدَحَ له فشرب , ثم قال: إذا رأيتم الليل قد أقبل من ههنا (وأشار بيده نحو المشرق) فقد أفطر الصائم " متفق عليه. والمراد به وجود الظّلمة حسّاً، وذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور، لأنّها وإن كانت متلازمةً في الأصل لكنّها قد تكون في الظّاهر غير متلازمة، فقد يظنّ إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقةً , بل لوجود أمرٍ يغطّي ضوء الشّمس , وكذلك إدبار النّهار. فمن ثَمّ قيّد بقوله " وغربت الشّمس " إشارةً إلى اشتراط تحقّق الإقبال والإدبار، وأنّهما بواسطة غروب الشّمس لا بسببٍ آخر. ولَم يذكر ذلك في حديث ابن أبي أوفى. فيحتمل أن ينزّل على

стр. 1646

حالين: الأولى: أمّا حيث ذكرها. ففي حال الغيم مثلاً. الثانية: أمّا حيث لَم يذكرها. ففي حال الصّحو. ويحتمل: أن يكونا في حالة واحدة , وحفظ أحد الرّاويين ما لَم يحفظ الآخر، وإنّما ذكر الإقبال والإدبار معاً لإمكان وجود أحدهما مع عدم تحقّق الغروب. قاله القاضي عياض. وقال شيخنا في " شرح التّرمذيّ ": الظّاهر الاكتفاء بأحد الثّلاثة , لأنّه يعرف انقضاء النّهار بأحدهما، ويؤيّده الاقتصار في رواية ابن أبي أوفى على إقبال الليل. قوله: (فقد أفطر الصّائم) أي: دخل في وقت الفطر. كما يقال: أنجد. إذا أقام بنجدٍ , وأتهم. إذا أقام بتهامة. ويحتمل: أن يكون معناه. فقد صار مفطراً في الحكم لكون الليل ليس طرفاً للصّيام الشّرعيّ. وقد ردّ ابن خزيمة هذا الاحتمال , وأومأ إلى ترجيح الأوّل فقال: قوله " فقد أفطر الصّائم " لفظ خبرٍ ومعناه الأمر , أي: فليفطر الصّائم، ولو كان المراد فقد صار مفطراً كان فطر جميع الصّوّام واحداً , ولَم يكن للتّرغيب في تعجيل الإفطار معنًى. انتهى. وقد يجاب: بأنّ المراد فعل الإفطار حسّاً ليوافق الأمر الشّرعيّ، ولا شكّ أنّ الأوّل أرجح، ولو كان الثّاني معتمداً لكان من حلف أن لا يفطر فصام فدخل الليل حنث بمجرّد دخوله. ولو لَم يتناول شيئاً.

стр. 1647

ويمكن الانفصال عن ذلك: بأنّ الأيمان مبنيّةٌ على العرف، وبذلك أفتى الشّيخ أبو إسحاق الشّيرازيّ في مثل هذه الواقعة بعينها، ومثل هذا لو قال: إن أفطرتِ فأنتِ طالقٌ. فصادف يوم العيد. لَم تطلق حتّى يتناول ما يفطر به، وقد ارتكب بعضهم الشّطط فقال: يحنث. ويرجّح الأوّل أيضاً. رواية شعبة أيضاً بلفظ " فقد حلَّ الإفطار " وكذا أخرجه أبو عوانة من طريق الثّوريّ عن الشّيبانيّ عن ابن أبي أوفى. وفي الحديث أيضاً استحباب تعجيل الفطر، وأنّه لا يجب إمساك جزء من الليل مطلقاً، بل متى تحقّق غروب الشّمس حل الفطر. وأخرج سعيد بن منصور وأبو بكر ابن أبي شيبة من طريق عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: دخلنا على أبي سعيد فأفطر , ونحن نرى أنّ الشّمس لَم تغرب. ووجه الدّلالة منه أنّ أبا سعيد لَمّا تحقّق غروب الشّمس لَم يطلب مزيداً على ذلك , ولا التفت إلى موافقة من عنده على ذلك، فلو كان يجب عنده إمساك جزءٍ من الليل لاشتراك الجميع في معرفة ذلك. وفيه إيماء إلى الزّجر عن متابعة أهل الكتاب فإنّهم يؤخّرون الفطر عن الغروب. وفيه أنّ الأمر الشّرعيّ أبلغ من الحسّيّ، وأنّ العقل لا يقضي على الشّرع. وفيه البيان بذكر اللازم والملزوم جميعاً لزيادة الإيضاح.

стр. 1648

الحديث الثامن عشر ١٩٩ - عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال. قالوا: إنّك تواصل , قال: إنّي لست كهيئتكم , إنّي أُطعم وأُسقى. (١) ورواه أبو هريرة وعائشة وأنس بن مالك ﵃. (٢) الحديث التاسع عشر ٢٠٠ - ولمسلم (٣) عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁: فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السّحر. قوله: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال) وفي البخاري من طريق جويرية عن نافع ذكر السّبب. ولفظه " أنّ النّبيّ ﷺ واصل فواصل النّاس، فشقّ عليهم، فنهاهم " وكذا رواه أبو قرّة عن موسى بن عقبة عن نافع. وأخرجه مسلم من طريق ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع مثله , وزاد " في رمضان " لكن لَم يقل فشقّ عليهم.

стр. 1649

وللشيخين عن عائشة " نهى عن الوصال رحمة لهم " , وللبخاري عن شعبة عن قتادة عن أنس " لا تواصلوا. قالوا: إنك تواصل , قال: لست كأحدٍ منكم .. الحديث ". ولابن خزيمة من طريق أبي سعيد مولى بني هاشم عن شعبة " إياكم والوصال ". قوله: (قالوا: يا رسولَ الله إنك تواصل) كذا في أكثر الأحاديث، وفي رواية أبي هريرة عند البخاري " فقال رجلٌ من المسلمين " , وكأنّ القائل واحدٌ ونسب القول إلى الجميع لرضاهم به. ولَم أقف على تسمية القائل في شيءٍ من الطّرق. قوله: (إني لست كهيئتكم) في رواية لهما " لست مثلكم " وفي حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عند مسلم " لستم في ذلك مثلي " ونحوه في مرسل الحسن عند سعيد بن منصور. وفي حديث أبي هريرة في البخاري " وأيّكم مثلي " وهذا الاستفهام يفيد التّوبيخ المشعر بالاستبعاد، وقوله " مثلي " أي: على صفتي أو منزلتي من ربّي. قوله: (إني أطعم وأسقى) في رواية جويريّة المذكورة " إنّي أظلّ أطعم وأسقى ". وللبخاري من طريق شعبة عن قتادة عن أنس " إنّي أطعم وأسقى، أو إنّي أبيت أطعم وأسقى " هذا الشّكّ من شعبة، وقد رواه أحمد عن بهزٍ عنه بلفظ " إنى أظلّ - أو قال - إنّي أبيت " وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ " إنّ ربّي يطعمني ويسقيني " أخرجه التّرمذيّ.

стр. 1650

وللبخاري عن أبي هريرة " إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " كذا في الطريقين عن أبي هريرة. (١) وقد رواه ثابتٌ عن أنس كما في الصحيحين " إنّي أظلّ يطعمني ربّى ويسقيني " وبيَّن في روايته سبب الحديث. وهو أنه ﷺ واصَلَ في آخر الشهر فواصل ناسٌ من أصحابه فبلغه ذلك (٢). وهي محمولةٌ على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ , لأنّ المتحدّث عنه هو الإمساك ليلاً لا نهاراً. وأكثر الرّوايات إنّما هي " أبيت " وكأنّ بعض الرّواة عبّر عنها بأظلّ نظراً إلى اشتراكهما في مطلق الكون، يقولون كثيراً: أضحى فلان كذا مثلاً. ولا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضّحى، ومنه قوله تعالى (وإذا بشّر أحدهم بالأنثى ظلَّ وجهه مسودّاً) فإنّ المراد به مطلق الوقت ولا اختصاص لذلك بنهارٍ دون ليلٍ. وقد رواه أحمد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة كلّهم عن أبي
следующие страницы →