حالين:
الأولى: أمّا حيث ذكرها. ففي حال الغيم مثلاً.
الثانية: أمّا حيث لَم يذكرها. ففي حال الصّحو.
ويحتمل: أن يكونا في حالة واحدة , وحفظ أحد الرّاويين ما لَم يحفظ الآخر، وإنّما ذكر الإقبال والإدبار معاً لإمكان وجود أحدهما مع عدم تحقّق الغروب. قاله القاضي عياض.
وقال شيخنا في " شرح التّرمذيّ ": الظّاهر الاكتفاء بأحد الثّلاثة , لأنّه يعرف انقضاء النّهار بأحدهما، ويؤيّده الاقتصار في رواية ابن أبي أوفى على إقبال الليل.
قوله: (فقد أفطر الصّائم) أي: دخل في وقت الفطر. كما يقال: أنجد. إذا أقام بنجدٍ , وأتهم. إذا أقام بتهامة.
ويحتمل: أن يكون معناه. فقد صار مفطراً في الحكم لكون الليل ليس طرفاً للصّيام الشّرعيّ.
وقد ردّ ابن خزيمة هذا الاحتمال , وأومأ إلى ترجيح الأوّل فقال: قوله " فقد أفطر الصّائم " لفظ خبرٍ ومعناه الأمر , أي: فليفطر الصّائم، ولو كان المراد فقد صار مفطراً كان فطر جميع الصّوّام واحداً , ولَم يكن للتّرغيب في تعجيل الإفطار معنًى. انتهى.
وقد يجاب: بأنّ المراد فعل الإفطار حسّاً ليوافق الأمر الشّرعيّ، ولا شكّ أنّ الأوّل أرجح، ولو كان الثّاني معتمداً لكان من حلف أن لا يفطر فصام فدخل الليل حنث بمجرّد دخوله. ولو لَم يتناول شيئاً.
стр. 1647
ويمكن الانفصال عن ذلك: بأنّ الأيمان مبنيّةٌ على العرف، وبذلك أفتى الشّيخ أبو إسحاق الشّيرازيّ في مثل هذه الواقعة بعينها، ومثل هذا لو قال: إن أفطرتِ فأنتِ طالقٌ. فصادف يوم العيد. لَم تطلق حتّى يتناول ما يفطر به، وقد ارتكب بعضهم الشّطط فقال: يحنث.
ويرجّح الأوّل أيضاً. رواية شعبة أيضاً بلفظ " فقد حلَّ الإفطار " وكذا أخرجه أبو عوانة من طريق الثّوريّ عن الشّيبانيّ عن ابن أبي أوفى.
وفي الحديث أيضاً استحباب تعجيل الفطر، وأنّه لا يجب إمساك جزء من الليل مطلقاً، بل متى تحقّق غروب الشّمس حل الفطر.
وأخرج سعيد بن منصور وأبو بكر ابن أبي شيبة من طريق عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: دخلنا على أبي سعيد فأفطر , ونحن نرى أنّ الشّمس لَم تغرب.
ووجه الدّلالة منه أنّ أبا سعيد لَمّا تحقّق غروب الشّمس لَم يطلب مزيداً على ذلك , ولا التفت إلى موافقة من عنده على ذلك، فلو كان يجب عنده إمساك جزءٍ من الليل لاشتراك الجميع في معرفة ذلك.
وفيه إيماء إلى الزّجر عن متابعة أهل الكتاب فإنّهم يؤخّرون الفطر عن الغروب.
وفيه أنّ الأمر الشّرعيّ أبلغ من الحسّيّ، وأنّ العقل لا يقضي على الشّرع. وفيه البيان بذكر اللازم والملزوم جميعاً لزيادة الإيضاح.
стр. 1648
الحديث الثامن عشر
١٩٩ - عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال. قالوا: إنّك تواصل , قال: إنّي لست كهيئتكم , إنّي أُطعم وأُسقى. (١)
ورواه أبو هريرة وعائشة وأنس بن مالك ﵃. (٢)
الحديث التاسع عشر
٢٠٠ - ولمسلم (٣) عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁: فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السّحر.
قوله: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال) وفي البخاري من طريق جويرية عن نافع ذكر السّبب. ولفظه " أنّ النّبيّ ﷺ واصل فواصل النّاس، فشقّ عليهم، فنهاهم " وكذا رواه أبو قرّة عن موسى بن عقبة عن نافع.
وأخرجه مسلم من طريق ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع مثله , وزاد " في رمضان " لكن لَم يقل فشقّ عليهم.
стр. 1649
وللشيخين عن عائشة " نهى عن الوصال رحمة لهم " , وللبخاري عن شعبة عن قتادة عن أنس " لا تواصلوا. قالوا: إنك تواصل , قال: لست كأحدٍ منكم .. الحديث ". ولابن خزيمة من طريق أبي سعيد مولى بني هاشم عن شعبة " إياكم والوصال ".
قوله: (قالوا: يا رسولَ الله إنك تواصل) كذا في أكثر الأحاديث، وفي رواية أبي هريرة عند البخاري " فقال رجلٌ من المسلمين " , وكأنّ القائل واحدٌ ونسب القول إلى الجميع لرضاهم به.
ولَم أقف على تسمية القائل في شيءٍ من الطّرق.
قوله: (إني لست كهيئتكم) في رواية لهما " لست مثلكم " وفي حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عند مسلم " لستم في ذلك مثلي " ونحوه في مرسل الحسن عند سعيد بن منصور.
وفي حديث أبي هريرة في البخاري " وأيّكم مثلي " وهذا الاستفهام يفيد التّوبيخ المشعر بالاستبعاد، وقوله " مثلي " أي: على صفتي أو منزلتي من ربّي.
قوله: (إني أطعم وأسقى) في رواية جويريّة المذكورة " إنّي أظلّ أطعم وأسقى ". وللبخاري من طريق شعبة عن قتادة عن أنس " إنّي أطعم وأسقى، أو إنّي أبيت أطعم وأسقى " هذا الشّكّ من شعبة، وقد رواه أحمد عن بهزٍ عنه بلفظ " إنى أظلّ - أو قال - إنّي أبيت " وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ " إنّ ربّي يطعمني ويسقيني " أخرجه التّرمذيّ.
стр. 1650
وللبخاري عن أبي هريرة " إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " كذا في الطريقين عن أبي هريرة. (١)
وقد رواه ثابتٌ عن أنس كما في الصحيحين " إنّي أظلّ يطعمني ربّى ويسقيني " وبيَّن في روايته سبب الحديث. وهو أنه ﷺ واصَلَ في آخر الشهر فواصل ناسٌ من أصحابه فبلغه ذلك (٢).
وهي محمولةٌ على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ , لأنّ المتحدّث عنه هو الإمساك ليلاً لا نهاراً.
وأكثر الرّوايات إنّما هي " أبيت " وكأنّ بعض الرّواة عبّر عنها بأظلّ نظراً إلى اشتراكهما في مطلق الكون، يقولون كثيراً: أضحى فلان كذا مثلاً. ولا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضّحى، ومنه قوله تعالى (وإذا بشّر أحدهم بالأنثى ظلَّ وجهه مسودّاً) فإنّ المراد به مطلق الوقت ولا اختصاص لذلك بنهارٍ دون ليلٍ.
وقد رواه أحمد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة كلّهم عن أبي
стр. 1651
معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ " إنّي أظلّ عند ربّي فيطعمني ويسقيني " وكذلك رواه أحمد أيضاً عن ابن نمير، وأبو نعيم في " المستخرج " من طريق إبراهيم بن سعيد عن ابن نمير عن الأعمش، وأخرجه أبو عوانة عن عليّ بن حرب عن أبي معاوية كذلك، وأخرجه هو وابن خزيمة من طريق عبيدة بن حميدٍ عن الأعمش كذلك.
ووقع لمسلم فيه شيءٌ غريبٌ , فإنّه أخرجه عن ابن نمير عن أبيه فقال بمثل حديث عمارة عن أبي زرعة. ولفظ عمارة المذكور عنده " إنّي أبيت يطعمني ربّي ويسقيني " وقد عرفت أنّ رواية ابن نمير عند أحمد فيها " عند ربّي " وليس ذلك في شيء من الطّرق عن أبي هريرة إلاَّ في رواية أبي صالح.
ولَم ينفرد بها الأعمش. فقد أخرجها أحمد أيضاً من طريق عاصم بن أبي النّجود عن أبي صالح، ووقعت في حديث غير أبي هريرة.
وأخرجها الإسماعيليّ في حديث عائشة أيضاً عن الحسن بن سفيان عن عثمان بن أبي شيبة عن عبدة عن هشام عن أبيه عن عائشة (١) بلفظ " أظلّ عند الله يطعمني ويسقيني ".
وعن عمران بن موسى عن عثمان بلفظ " عند ربّي " ووقعت أيضاً
стр. 1652
كذلك عند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من مرسل الحسن بلفظ " إنّي أبيت عند ربّي ".
واختلف في معنى قوله " يطعمني ويسقيني ".
فقيل: هو على حقيقته , وأنّه ﷺ كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله. كرامةً له في ليالي صيامه.
وتعقّبه ابن بطّال ومن تبعه: بأنّه لو كان كذلك لَم يكن مواصلاً، وبأنّ قوله " يظلّ " يدلّ على وقوع ذلك بالنّهار فلو كان الأكل والشّرب حقيقةً لَم يكن صائماً.
وأجيب: بأنّ الرّاجح من الرّوايات لفظ " أبيت " دون أظلّ، وعلى تقدير الثّبوت فليس حمل الطّعام والشّراب على المجاز بأولى له من حمل لفظ " أظلّ " على المجاز.
وعلى التّنزّل فلا يضرّ شيءٌ من ذلك , لأنّ ما يؤتى به الرّسول على سبيل الكرامة من طعام الجنّة وشرابها لا تجري عليه أحكام المكلفين فيه كما غسل صدره ﷺ في طست الذّهب، مع أنّ استعمال أواني الذّهب الدّنيويّة حرامٌ.
وقال ابن المنيّر في الحاشية: الذي يفطر شرعاً إنّما هو الطّعام المعتاد، وأمّا الخارق للعادة كالمحضر من الجنّة فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال وإنّما هو من جنس الثّواب كأكل أهل الجنّة في الجنّة، والكرامة لا تبطل العبادة.
وقال غيره: لا مانع من حمل الطّعام والشّراب على حقيقتهما، ولا
стр. 1653
يلزم شيء ممّا تقدّم ذكره، بل الرّواية الصّحيحة " أبيت " وأكله وشربه في الليل ممّا يؤتى به من الجنّة لا يقطع وصاله خصوصيّةً له بذلك، فكأنّه قال لَمّا قيل له: إنّك تواصل، فقال: إنّي لست في ذلك كهيئتكم " أي: على صفتكم في أنّ من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله، بل إنّما يطعمني ربّي ويسقيني، ولا تنقطع بذلك مواصلتي، فطعامي وشرابي على غير طعامكم وشرابكم صورةً ومعنًى.
وقال الزّين بن المنيّر: هو محمولٌ على أنّ أكله وشربه في تلك الحالة كحال النّائم الذي يحصل له الشّبع والرّيّ بالأكل والشّرب ويستمرّ له ذلك حتّى يستيقظ , ولا يبطل بذلك صومه , ولا ينقطع وصاله , ولا ينقص أجره.
وحاصله أنّه يحمل ذلك على حالة استغراقه ﷺ في أحواله الشّريفة حتّى لا يؤثّر فيه حينئذٍ شيء من الأحوال البشريّة.
وقال الجمهور: قوله " يطعمني ويسقيني " مجاز عن لازم الطّعام والشّراب وهو القوّة، فكأنّه قال: يعطيني قوّة الآكل والشّارب، ويفيض عليّ ما يسدّ مسد الطّعام والشّراب ويقوى على أنواع الطّاعة من غير ضعف في القوّة ولا كلالٍ في الإحساس.
أو المعنى إنّ الله يخلق فيه من الشّبع والرّيّ ما يغنيه عن الطّعام والشّراب فلا يحسّ بجوعٍ ولا عطشٍ.
والفرق بينه وبين الأوّل.
أنّه على الأوّل , يعطى القوّة من غير شبعٍ ولا ريٍّ مع الجوع
стр. 1654
والظّمأ. وعلى الثّاني , يعطى القوّة مع الشّبع والرّيّ.
ورجح الأوّل: بأنّ الثّاني ينافي حال الصّائم ويفوّت المقصود من الصّيام والوصال، لأنّ الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها.
قال القرطبيّ: ويبعده أيضاً النّظر إلى حاله ﷺ ، فإنّه كان يجوع أكثر ممّا يشبع , ويربط على بطنه الحجارة من الجوع.
قلت: وتمسّك ابن حبّان بظاهر الحال. فاستدل بهذا الحديث على تضعيف الأحاديث الواردة بأنّه ﷺ كان يجوع , ويشدّ الحجر على بطنه من الجوع، قال: لأنّ الله تعالى كان يطعم رسوله ويسقيه إذا واصل , فكيف يتركه جائعاً حتّى يحتاج إلى شدّ الحجر على بطنه؟.
ثمّ قال: وماذا يغني الحجر من الجوع؟ ثمّ ادّعى: أنّ ذلك تصحيفٌ ممّن رواه , وإنّما هي الحجز. بالزّاي جمع حجزة.
وقد أكثر النّاس من الرّدّ عليه في جميع ذلك، وأبلغ ما يردّ عليه به. أنّه أخرج في " صحيحه " من حديث ابن عبّاس قال: خرج النّبيّ ﷺ بالهاجرة فرأى أبا بكر وعمر فقال: ما أخرجكما؟ قالا: ما أخرجنا إلاَّ الجوع، فقال: وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلاَّ الجوع " الحديث.
فهذا الحديث يردّ ما تمسّك به.
وأمّا قوله " وما يغني الحجر من الجوع؟.
فجوابه: أنّه يقيم الصّلب , لأنّ البطن إذا خلا ربّما ضعف صاحبه عن القيام لانثناء بطنه عليه، فإذا ربط عليه الحجر اشتدّ وقوي
стр. 1655
صاحبه على القيام، حتّى قال بعض من وقع له ذلك: كنت أظنّ الرّجلين يحملان البطن، فإذا البطن يحمل الرّجلين.
ويحتمل: أن يكون المراد بقوله " يطعمني ويسقيني " أي: يشغلني بالتّفكّر في عظمته والتّملي بمشاهدته والتّغذّي بمعارفه وقرّة العين بمحبّته والاستغراق في مناجاته والإقبال عليه عن الطّعام والشّراب.
وإلى هذا جنح ابن القيّم , وقال: قد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد، ومن له أدنى ذوقٍ وتجربةٍ يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والرّوح عن كثير من الغذاء الجسمانيّ , ولا سيّما الفرح المسرور بمطلوبه، الذي قرّت عينه بمحبوبه.
واستُدل بمجموع هذه الأحاديث على أنّ الوصال من خصائصه ﷺ ، وعلى أنّ غيره ممنوع منه إلاَّ ما وقع فيه التّرخيص من الإذن فيه إلى السّحر.
ثمّ اختلف في المنع المذكور:
فقيل: على سبيل التّحريم , وقيل: على سبيل الكراهة، وقيل: يحرم على من شقّ عليه , ويباح لمن لَم يشقّ عليه.
وقد اختلف السّلف في ذلك.
القول الأول: نُقل التّفصيل عن عبد الله بن الزّبير، وروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عنه , أنّه كان يواصل خمسة عشر يوماً.
وذهب إليه من الصّحابة أيضاً. أخت أبي سعيد , ومن التّابعين عبد الرّحمن بن أبي نعمٍ وعامر بن عبد الله بن الزّبير وإبراهيم بن زيد
стр. 1656
التّيميّ وأبو الجوزاء. كما نقله أبو نعيم في ترجمته في " الحلية " وغيرهم رواه الطّبريّ وغيره.
ومن حجّتهم حديث أبي هريرة , نّه ﷺ واصل بأصحابه بعد النّهي. متفق عليه , فلو كان النّهي للتّحريم لَمَا أقرّهم على فعله، فعلم أنّه أراد بالنّهي الرّحمة لهم والتّخفيف عنهم. كما صرّحت به عائشة في حديثها، وهذا مثل ما نهاهم عن قيام الليل خشية أن يفرض عليهم , ولَم ينكر على من بلغه أنّه فعله ممّن لَم يشقّ عليه.
ونظير ذلك في صيام الدّهر، فمن لَم يشقّ عليه ولَم يقصد موافقة أهل الكتاب ولا رغب عن السّنّة في تعجيل الفطر. لَم يمنع من الوصال.
القول الثاني: ذهب الأكثرون إلى تحريم الوصال، وعن الشّافعيّة في ذلك وجهان: التّحريم والكراهة، هكذا اقتصر عليه النّوويّ.
وقد نصّ الشّافعيّ في " الأمّ " على أنّه محظورٌ، وأغرب القرطبيّ. فنقل التّحريم عن بعض أهل الظّاهر على شكٍّ منه في ذلك، ولا معنى لشكّه , فقد صرّح ابن حزمٍ بتحريمه , وصحَّحه ابن العربيّ من المالكيّة.
القول الثالث: ذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعةٌ من المالكيّة إلى جواز الوصال إلى السّحر لحديث أبي سعيد المذكور.
وهذا الوصال لا يترتّب عليه شيء ممّا يترتّب على غيره , إلاَّ أنّه في
стр. 1657
الحقيقة بمنزلة عشائه إلاَّ أنّه يؤخّره , لأنّ الصّائم له في اليوم والليلة أكلةٌ فإذا أكلها السّحرَ كان قد نقلها من أوّل الليل إلى آخره. وكان أخفّ لجسمه في قيام الليل.
ولا يخفى أنّ محل ذلك ما لَم يشقّ على الصّائم وإلا فلا يكون قربةً.
وانفصل أكثر الشّافعيّة عن ذلك: بأنّ الإمساك إلى السّحر ليس وصالاً , بل الوصال أن يمسك في الليل جميعه كما يمسك في النّهار، وإنّما أطلق على الإمساك إلى السّحر وصالاً لمشابهته الوصال في الصّورة، ويحتاج إلى ثبوت الدّعوى بأنّ الوصال إنّما هو حقيقةٌ في إمساك جميع الليل.
وقد ورد أنّ النّبيّ ﷺ كان يواصل من سحرٍ إلى سحرٍ. أخرجه أحمد وعبد الرّزّاق من حديث عليٍّ، والطّبرانيّ من حديث جابر، وأخرجه سعيد بن منصور مرسلاً من طريق ابن أبي نجيحٍ عن أبيه ومن طريق أبي قلابة، وأخرجه عبد الرّزّاق من طريق عطاء.
واحتجّوا للتّحريم بقوله في الحديث المتقدّم " إذا أقبل الليل من هاهنا , وأدبر النّهار من هاهنا. فقد أفطر الصّائم " إذ لَم يجعل الليل محلاًّ لسوى الفطر. فالصّوم فيه مخالفةٌ لوضعه كيوم الفطر.
وأجابوا أيضاً: بأنّ قوله " رحمةً لهم " لا يمنع التّحريم. فإنّ من رحمته لهم أن حرّمه عليهم.
وأمّا مواصلته بهم بعد نهيه فلم يكن تقريراً بل تقريعاً وتنكيلاً، فاحتمل منهم ذلك لأجل مصلحة النّهي في أكيد زجرهم، لأنّهم إذا
стр. 1658
باشروا ظهرت لهم حكمة النّهي , وكان ذلك أدعى إلى قلوبهم لِمَا يترتّب عليهم من الملل في العبادة والتّقصير فيما هو أهمّ منه وأرجح من وظائف الصّلاة والقراءة وغير ذلك، والجوع الشّديد ينافي ذلك.
وقد صرّح بأنّ الوصال يختصّ به لقوله " لست في ذلك مثلكم " وقوله " لست كهيئتكم " هذا مع ما انضمّ إلى ذلك من استحباب تعجيل الفطر كما تقدّم في بابه (١).
قلت: ويدلّ على أنّه ليس بمحرّمٍ حديث أبي داود من طريق عبد الرّحمن ابن أبي ليلى عن رجُلٍ من الصّحابة قال: نهى النّبيّ ﷺ عن الحجامة والمواصلة , ولَم يحرّمهما إبقاءً على أصحابه " وإسناده صحيحٌ، فإنّ الصّحابيّ صرّح فيه بأنّه ﷺ لَم يحرّم الوصال.
وروى البزّار والطّبرانيّ من حديث سمرة: نهى النّبيّ ﷺ عن الوصال، وليس بالعزيمة.
وأمّا ما رواه الطّبرانيّ في " الأوسط " من حديث أبي ذرٍّ , أنّ جبريل قال للنّبيّ ﷺ : إنّ الله قد قَبِلَ وصالك , ولا يحلّ لأحدٍ بعدك. فليس إسناده بصحيحٍ. فلا حجّة فيه.
ومن أدلة الجواز. إقدام الصّحابة على الوصال بعد النّهي , فدلَّ على أنّهم فهموا أنّ النّهي للتّنزيه لا للتّحريم , وإلا لَمَا أقدموا عليه.
ويؤيّد أنّه ليس بمحرّمٍ أيضاً حديث بشير بن الخصاصية. أخرجه أحمد والطّبرانيّ وسعيد بن منصور وعبد بن حميدٍ وابن أبي حاتم في "
стр. 1659
تفسيرهما " بإسنادٍ صحيحٍ إلى ليلى امرأة بشير بن الخصاصية , قالت: أردتُ أن أصوم يومين مواصلةً فمنعني بشير , وقال: إنّ النّبيّ ﷺ نهى عن هذا , وقال: يفعل ذلك النّصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى، أتمّوا الصّيام إلى الليل فإذا كان الليل فأفطروا " لفظ ابن أبي حاتم.
فإنه ﷺ سوّى في عِلَّة النّهي بين الوصال وبين تأخير الفطر حيث قال في كلٍّ منهما: إنّه فِعْل أهل الكتاب، ولَم يقل أحدٌ بتحريم تأخير الفطر سوى بعض من لا يعتدّ به من أهل الظّاهر.
ومن حيث المعنى ما فيه من فَطَمَ النّفس وشهواتها وقمعها عن ملذوذاتها فلهذا استمرّ على القول بجوازه مطلقاً أو مقيّداً من تقدّم ذكره. والله أعلم.
وفي أحاديث الباب من الفوائد.
استواء المكلفين في الأحكام، وأنّ كلّ حكم ثبت في حقّ النّبيّ ﷺ ثبت في حقّ أمّته إلاَّ ما استثني بدليلٍ.
وفيه جواز معارضة المفتي فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله ولَم يعلم المستفتي بسرّ المخالفة، وفيه الاستكشاف عن حكمة النّهي.
وفيه ثبوت خصائصه ﷺ . وأنّ عموم قوله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ) مخصوص.
وفيه أنّ الصّحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته ويبادرون إلى الائتساء به إلاَّ فيما نهاهم عنه.
стр. 1660
وفيه أنّ خصائصه لا يتأسّى به في جميعها، وقد توقّف في ذلك إمام الحرمين.
وقال أبو شامة: ليس لأحدٍ التّشبّه به في المباح كالزّيادة على أربع نسوةٍ، ويستحبّ التّنزّه عن المُحرَّم عليه والتّشبّه به في الواجب عليه كالضّحى، وأمّا المستحبّ فلم يتعرّض له، والوصال منه فيحتمل أن يقال: إن لَم ينه عنه لَم يمنع الائتساء به فيه.
وفيه بيان قدرة الله تعالى على إيجاد المسبّبات العاديات من غير سببٍ ظاهرٍ كما تقدّم. والله أعلم.
قوله في حديث أبي سعيد ﵁: (فليواصل إلى السحر) تقدّم أنّه قول أحمد وطائفةٍ من أصحاب الحديث، وتقدّم توجيهه، وأنّ من الشّافعيّة مَن قال: إنّه ليس بوصالٍ حقيقةً.
تنْبيه: وقع عند ابن خزيمة في حديث أبي صالح عن أبي هريرة من طريق عبيدة بن حميدٍ عن الأعمش عنه تقييد وصال النّبيّ ﷺ بأنّه إلى السّحر، ولفظه: كان رسول الله ﷺ يواصل إلى السّحر، ففعل بعض أصحابه ذلك فنهاه، فقال: يا رسولَ الله إنّك تفعل ذلك .. الحديث.
وظاهره يعارض حديث أبي سعيد هذا، فإنّ مقتضى حديث أبي صالح النّهي عن الوصال إلى السّحر. وصريح حديث أبي سعيد الإذن بالوصال إلى السّحر.
والمحفوظ في حديث أبي صالح إطلاق النّهي عن الوصال بغير
стр. 1661
تقييد بالسّحر، ولذلك اتّفق عليه جميع الرّواة عن أبي هريرة، فرواية عبيدة بن حميدٍ هذه شاذّةٌ.
وقد خالفه أبو معاوية - وهو أضبط أصحاب الأعمش - فلم يذكر ذلك. أخرجه أحمد وغيره عن أبي معاوية، وتابعه عبد الله بن نمير عن الأعمش كما تقدّم.
وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة بن حميدٍ محفوظة. فقد أشار ابن خزيمة إلى الجمع بينهما: بأنّه يحتمل أن يكون نهى ﷺ عن الوصال أوّلاً مطلقاً سواءٌ جميع الليل أو بعضه.
وعلى هذا يُحمل حديث أبي صالح، ثمّ خصّ النّهي بجميع الليل فأباح الوصال إلى السّحر، وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد.
أو يُحمل النّهي في حديث أبي صالح على كراهة التّنزيه، والنّهي في حديث أبي سعيد على ما فوق السّحر على كراهة التّحريم. والله أعلم.
стр. 1662
باب أفضل الصيام وغيره
الحديث العشرون
٢٠١ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ , قال: أُخبر رسول الله ﷺ أنّي أقول: والله لأصومنّ النّهار , ولأقومنّ الليل ما عشت. فقال رسول الله ﷺ : أنت الذي قلتَ ذلك؟ فقلتُ له: قد قلتُه , بأبي أنت وأمّي. فقال: فإنّك لا تستطيع ذلك. فصم وأفطر , وقم ونَم. وصم من الشّهر ثلاثة أيّامٍ فإنّ الحسنة بعشر أمثالها. وذلك مثل صيام الدّهر. قلتُ: فإنّي أطيق أفضل من ذلك. قال: فصم يوماً وأفطر يومين. قلتُ: أُطيق أفضل من ذلك. قال: فصم يوماً وأفطر يوماً. فذلك مثل صيام داود. وهو أفضل الصّيام. فقلتُ: إنّي أُطيق أفضل من ذلك. قال: لا أفضل من ذلك. (١)
وفي روايةٍ: لا صوم فوق صوم أخي داود - شطر الدّهر - صم يوماً وأفطر يوماً. (٢)
قوله: (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁) ابن وائل السهمي.
стр. 1663
صحابي ابن صحابي. (١)
قوله: (فقال النبي ﷺ : أنت الذي قلتَ ذلك , فقلتُ له: قد قلتُه) في رواية لهما " أَلَم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ ".
زاد مسلم من رواية عكرمة بن عمّار عن يحيى عن أبي سلمة عن ابن عمرو: فقلت: بلى يا نبيّ الله، ولَم أرد بذلك إلاَّ الخير.
وللنّسائيّ من طريق محمّد بن إبراهيم عن أبي سلمة قال: قال لي عبد الله بن عمرو: يا ابن أخي إنّي قد كنت أجمعت على أن أجتهد اجتهاداً شديداً، حتّى قلت: لأصومن الدّهر. ولأقرأنَّ القرآن في كلّ
стр. 1664
ليلة.
وللبخاري من طريق مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: أنكحني أبي امرأةً ذات حسبٍ وكان يتعاهدها، فسألها عن بعلها فقالت: نِعْم الرّجل من رجلٍ، لَم يطأ لنا فراشاً , ولَم يفتّش لنا كنفاً منذ أتيناه. فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ فقال لي: الْقَني، فلقيته بعد. فذكر الحديث.
زاد النّسائيّ وابن خزيمة وسعيد بن منصور من طريق أخرى عن مجاهد " فوقع عليّ أَبِي فقال: زوّجتك امرأة فعضلتها وفعلتَ وفعلتَ وفعلتَ، قال: فلم ألتفت إلى ذلك لِمَا كانت لي من القوّة، فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ فقال: القَني به، فأتيته معه " ولأحمد من هذا الوجه " ثمّ انطلق إلى النّبيّ ﷺ فشكاني ".
وللبخاري من طريق أبي المليح عن عبد الله بن عمرو قال: ذكر للنّبيّ ﷺ صومي، فدخل عليّ، فألقيتُ له وسادة من أدم حشوها ليف فجلس على الأرض وصارت الوسادة بيني وبينه "
وللبخاري ومسلم من طريق أبي العبّاس عن عبد الله بن عمرو: بلغ النّبيّ ﷺ أنّي أسرد الصّوم وأصلي الليل، فإمّا أرسل لي وإمّا لقيته.
ويجمع بينهما: بأن يكون عمرو توجّه بابنه إلى النّبيّ ﷺ فكلَّمه من غير أن يستوعب ما يريد من ذلك، ثمّ أتاه إلى بيته زيادةً في التّأكيد.
وفيه أنّ الحكم لا ينبغي إلَّا بعد التّثبّت، لأنّه ﷺ لَم يكتف بما نقل له عن عبد الله حتّى لقيه واستثبته فيه، لاحتمال أن يكون قال ذلك
стр. 1665
بغير عزم. أو عقله بشرطٍ لَم يطّلع عليه لناقلٍ ونحو ذلك.
قوله: (قال: فإنك لا تستطيع ذلك) في رواية لهما " فلا تفعل. صم وأفطر، وقم ونَم، فإنّ لجسدك عليك حقّاً، وإنّ لعينك عليك حقّاً، وإنّ لزوجك عليك حقّاً، وإنّ لزورك عليك حقّاً ". ولهما أيضاً " فإنّك إذا فعلت ذلك هجمت عينك، ونفهت نفسك " أي: كلَّت.
وزاد في رواية ابن خزيمة من طريق حصينٍ عن مجاهد " إنّ لكل عامل شرّةً - وهو بكسر المعجمة وتشديد الرّاء - ولكل شرّةٍ فترةً فمن كانت فترته إلى سنّتي فقد اهتدى , ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك.
وقوله: لا تستطيع.
يحتمل: أن يريد به الحالة الرّاهنة لِمَا علمه النّبيّ ﷺ من أنّه يتكلف ذلك , ويدخل به على نفسه المشقّة ويفوّت به ما هو أهمّ من ذلك.
ويحتمل: أن يريد به ما سيأتي بعدُ إذا كبر وعجز كما اتّفق له سواء، وكره أن يوظّف على نفسه شيئاً من العبادة , ثمّ يعجز عنه فيتركه لِمَا تقرّر من ذمّ من فعل ذلك. ففي صحيح مسلم قال: فشدَّدتُ، فشدّد علي. قال: وقال لي النبي ﷺ : إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر , قال: فصرت إلى الذي قال لي النبي ﷺ ، فلما كبرت وددت أني كنت قبلتُ رخصةَ نبي الله ﷺ .
وللبخاري: وكان عبد الله بن عمرو يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبِلْت رخصةَ رسول الله ﷺ .
стр. 1666
قال النّوويّ: معناه أنّه كبر وعجَز عن المحافظة على ما التزمه ووظّفه على نفسه عند رسول الله ﷺ فشقّ عليه فعله لعجزه، ولَم يعجبه أن يتركه لالتزامه له، فتمنّى أن لو قبل الرّخصة فأخذ بالأخفّ.
قلت: ومع عجزه وتمنّيه الأخذ بالرّخصة لَم يترك العمل بما التزمه، بل صار يتعاطى فيه نوع تخفيف. كما في رواية حصينٍ عن مجاهد عن ابن عمرو عند ابن خزيمة " وكان عبد الله حين ضعف وكبر يصوم تلك الأيّام كذلك , يصِل بعضها إلى بعض , ثمّ يفطر بعدد تلك الأيّام فيقوى بذلك، وكان يقول: لأنْ أكون قبلت الرّخصة أحبّ إليّ ممّا عدل به، لكنّي فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره ".
تنبيه: قوله: حقاً. للأكثر بالنصب , على أنه اسم إنَّ , وفي رواية كريمة بالرفع على أنه الخبر. والاسم ضمير الشأن.
قوله: (فصم وأفطر) أي: فإذا عرفت ذلك فصم تارة وأفطر تارة لتجمع بين المصلحتين.
قوله: (وقم ونم) سيأتي الكلام عليه في الحديث الذي بعده إن شاء الله.
قوله: (وصم من الشهر ثلاثة أيام) بعد قوله " فصم وأفطر " بيانٌ لِمَا أجمل من ذلك وتقريرٌ له على ظاهره، إذ الإطلاق يقتضي المساواة.
وللبخاري ومسلم " فإنّ بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام " وفي رواية أبي المليح " يكفيك من كلّ شهر ثلاثة أيّام، قلت: يا
стр. 1667
رسولَ الله، قال: خمساً، قلت: يا رسولَ الله، قال: سبعاً، قلت: يا رسولَ الله، قال: تسعاً، قلت: يا رسولَ الله، قال: إحدى عشرة.
واستدل به عياضٌ على تقديم الوتر على جميع الأمور.
وفيه نظرٌ. لِمَا في رواية مسلم من طريق أبي عياضٍ عن عبد الله بن عمرو " صم يوماً يعني من كلّ عشرة أيّامٍ ولك أجر ما بقي، قال: إنّي أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ولك أجر ما بقي، قال: إنّي أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيّام. ولك أجر ما بقي، قال: إنّي أطيق أكثر من ذلك , قال: صم أربعة أيّام. ولك أجر ما بقي، قال: إنّي أطيق أكثر من ذلك، قال: صم صوم داود.
وهذا يقتضي أنّه أمره بصيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر ثمّ بستّةٍ ثمّ بتسعةٍ ثمّ باثني عشر ثمّ بخمسة عشر، فالظّاهر أنّه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيّام من كلّ شهر , فلمّا قال إنّه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتّدريج إلى أن وصله إلى خمسة عشر يوماً , فذكر بعض الرّواة عنه ما لَم يذكره الآخر.
ويدلُّ على ذلك رواية عطاء بن السّائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن أبي داود " فلم يزل يناقصني وأناقصه ".
ووقع للنّسائيّ في رواية محمّد بن إبراهيم عن أبي سلمة " صم الاثنين والخميس من كلّ جمعة " وهو فردٌ من أفراد ما تقدّم ذكره.
وقد استشكل قوله " صم من كلّ عشرة أيّامٍ يوماً , ولك أجر ما بقي " مع قوله " صم كل عشرة أيّام يومين , ولك أجر ما بقي .. إلخ
стр. 1668
" لأنّه يقتضي الزّيادة في العمل والنّقص من الأجر، وبذلك ترجم له النّسائيّ.
وأجيب: بأنّ المراد لك أجر ما بقي بالنّسبة إلى التّضعيف.
قال عياض: قال بعضهم معنى " صم يوماً ولك أجر ما بقي " أي: من العشرة، وقوله " صم يومين ولك أجر ما بقي " أي: من العشرين، وفي الثّلاثة ما بقي من الشّهر، وحمله على ذلك استبعاد كثرة العمل وقلة الأجر.
وتعقّبه عياضٌ: بأنّ الأجر إنّما اتّحد في كلّ ذلك , لأنّه كان نيّته أن يصوم جميع الشّهر , فلمّا منعه ﷺ من ذلك إبقاءً عليه لِمَا ذكر في أجر نيّته على حاله. سواءٌ صام منه قليلاً أو كثيراً. كما تأوّله في حديث " نيّة المؤمن خيرٌ من عمله " أي: إنّ أجره في نيّته أكثر من أجر عمله لامتداد نيّته بما لا يقدر على عمله. انتهى.
والحديث المذكور ضعيف، وهو في " مسند الشّهاب ". والتّأويل المذكور لا بأس به.
ويحتمل أيضاً: إجراء الحديث على ظاهره، والسّبب فيه أنّه كلَّما ازداد من الصّوم ازداد من المشقّة الحاصلة بسببه المقتضية لتفويت بعض الأجر الحاصل من العبادات التي قد يفوّتها مشقّة الصّوم فينقص الأجر باعتبار ذلك، على أنّ قوله في نفس الخبر " صم أربعة أيّام ولك أجر ما بقي ".
يردُّ الحمل الأوّل، فإنّه يلزم منه - على سياق التّأويل المذكور - أن
стр. 1669
يكون التّقدير: ولك أجر أربعين، وقد قيّده في نفس الحديث بالشّهر والشّهر لا يكون أربعين، وكذلك قوله في روايةٍ أخرى للنّسائيّ من طريق ابن أبي ربيعة عن عبد الله بن عمرو بلفظ " صم من كلّ عشرة أيّام يوماً , ولك أجر تلك التّسعة " ثمّ قال فيه " من كلّ تسعة أيّام يوماً. ولك أجر تلك الثّمانيّة " ثمّ قال " من كلّ ثمانيّة أيّام يوماً. ولك أجر السّبعة. قال: فلم يزل حتّى قال: صم يوماً وأفطر يوماً.
وله من طريق شعيب بن محمّد بن عبد الله بن عمرو عن جدّه بلفظ " صم يوماً ولك أجر عشرةٍ، قلت: زدني، قال: صم يومين ولك أجر تسعة، قل: زدني قال: صم ثلاثة ولك أجر ثمانيّة "
فهذا يدفع في صدر ذلك التّأويل الأوّل. والله أعلم.
قوله: (مثل صيام الدّهر) يقتضي أنّ المثليّة لا تستلزم التّساوي من كلّ جهة , لأنّ المراد به هنا أصل التّضعيف دون التّضعيف الحاصل من الفعل، ولكن يصدق على فاعل ذلك أنّه صام الدّهر مجازاً.
قوله: (فصم يوماً وأفطر يومين) وللبخاري من طريق مغيرة عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو " صم ثلاثة أيّام في الجمعة، قلت: أطيق أكثر من ذلك. قال: صم يوماً وأفطر يومين، قلت: أطيق أكثر من ذلك ".
قال الدّاوديّ. هذا وهْم من الرّاوي , لأنّ ثلاثة أيّام من الجمعة أكثر من فطر يومين وصيام يوم، وهو إنّما يدرجه من الصّيام القليل إلى الصّيام الكثير.
стр. 1670
قلت: وهو اعتراض متّجه، فلعله وقع من الرّاوي فيه تقديم وتأخير، وقد سلِمتْ رواية هشيمٍ عن حصين بن عبد الرّحمن، ومغيرة الضّبّيّ عن مجاهدٍ من ذلك. فإنّ لفظه " صم في كلّ شهر ثلاثة أيّام، قلت: إنّي أقوى أكثر من ذلك. فلم يزل يرفعني حتّى قال: صم يوماً وأفطر يوماً ".
قوله: (فصم يوماً وأفطر يوماً فذلك صيام داود ﷺ , وهو أفصل الصيام) وللبخاري " قال: فصم صيام نبيّ الله داود ﵇، ولا تزد عليه، قلت: وما كان صيام نبيّ الله داود ﵇؟ قال: نصف الدّهر ". زاد أحمد وغيره من رواية مجاهد " قلت: قد قبلت.
قوله: (فقال: لا أفضل من ذلك) ليس فيه نفي المساواة صريحاً، لكنّ قوله في الرّواية الآتية من طريق عمرو بن أوسٍ عن عبد الله بن عمرو " أحبّ الصّيام إلى الله صيام داود " (١) يقتضي ثبوت الأفضليّة مطلقاً.
ورواه التّرمذيّ من وجهٍ آخر عن أبي العبّاس عن عبد الله بن عمرو بلفظ " أفضل الصّيام صيام داود "، وكذلك رواه مسلمٌ من طريق أبي عياضٍ عن عبد الله، ومقتضاه أن تكون الزّيادة على ذلك من الصّوم مفضّلةً.
قوله: (أخي داود ﵇ هو داود بن إيشا - بكسر الهمز وسكون التّحتانيّة بعدها معجمة - ابن عوبد - بوزن جعفر بمهملة
стр. 1671
وموحّدة - ابن باعر - بموحّدة ومهملة مفتوحة - ابن سلمون بن يارب - بتحتانيّة وآخره موحّدة - ابن رام بن حضرون - بمهملة ثمّ معجمة - ابن فارص - بفاء وآخره مهملة - ابن يهوذا بن يعقوب.
تكميل: زاد الشيخان في آخره " لا صام من صام الأبد مرتين " ولمسلم قالها ثلاثاً.
واستدل بهذا.
وهو القول الأول. على كراهية صوم الدّهر.
قال ابن التّين: استدل على كراهته من هذه القصّة من أوجهٍ. نهيه ﷺ عن الزّيادة، وأمره بأن يصوم ويفطر , وقوله " لا أفضل من ذلك "، ودعاؤه على من صام الأبد.
وقيل: معنى قوله " لا صام " النّفي. أي: ما صام كقوله تعالى (فلا صدّق ولا صلَّى) وقوله في حديث أبي قتادة عند مسلم , وقد سئل عن صوم الدّهر: لا صام ولا أفطر , أو ما صام وما أفطر.
وفي رواية التّرمذيّ " لَم يصم ولَم يفطر " وهو شكٌّ من أحد رواته. ومقتضاه أنّهما بمعنًى واحدٍ. والمعنى بالنّفي أنّه لَم يحصّل أجر الصّوم لمخالفته، ولَم يفطر , لأنّه أمسك.
وإلى كراهة صوم الدّهر مطلقاً ذهب إسحاق وأهل الظّاهر، وهي روايةٌ عن أحمد.
القول الثاني: شذّ ابن حزمٍ , فقال: يحرم.
وروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي عمرو الشّيبانيّ قال:
стр. 1672
بلغ عمر أنّ رجلاً يصوم الدّهر، فأتاه فعلاه بالدّرّة , وجعل يقول: كُلْ يا دهريّ.
ومن طريق أبي إسحاق , أنّ عبد الرّحمن بن أبي نعيم كان يصوم الدّهر , فقال عمرو بن ميمون: لو رأى هذا أصحاب محمّدٍ لرجموه.
واحتجّوا أيضاً: بحديث أبي موسى رفعه " من صام الدّهر ضيّقت عليه جهنّم، وعقد بيده " أخرجه أحمد والنّسائيّ وابن خزيمة وابن حبّان.
وظاهره أنّها تضيق عليه حصراً له فيها لتشديده على نفسه وحمله عليها , ورغبته عن سنّة نبيّه ﷺ , واعتقاده أنّ غير سنّته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشّديد فيكون حراماً.
وإلى الكراهة مطلقاً. ذهب ابن العربيّ من المالكيّة , فقال: قوله " لا صام من صام الأبد " إن كان معناه الدّعاء فيا ويح من أصابه دعاء النّبيّ ﷺ ، وإن كان معناه الخير فيا ويح من أخبر عنه النّبيّ ﷺ أنّه لَم يصم، وإذا لَم يصم شرعاً لَم يكتب له الثّواب لوجوب صدق قوله ﷺ , لأنّه نفى عنه الصّوم، وقد نفى عنه الفضل كما تقدّم، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النّبيّ ﷺ ؟.
القول الثالث: جواز صيام الدّهر. وحملوا أخبار النّهي على من صامه حقيقةً فإنّه يدخل فيه ما حرم صومه كالعيدين. وهذا اختيار ابن المنذر وطائفةٍ، وروي عن عائشة نحوه.
وفيه نظرٌ , لأنّه ﷺ قد قال جواباً لمن سأله عن صوم الدّهر " لا
стр. 1673
صام ولا أفطر " وهو يؤذن بأنّه ما أجر ولا أثم، ومن صام الأيّام المحرّمة لا يقال فيه ذلك , لأنّه عند من أجاز صوم الدّهر إلاَّ الأيّام المحرّمة يكون قد فعل مستحبّاً وحراماً.
وأيضاً فإنّ أيّام التّحريم مستثناةٌ بالشّرع غير قابلةٍ للصّوم شرعاً , فهي بمنزلة الليل وأيّام الحيض فلم تدخل في السّؤال عند من علم تحريمها، ولا يصلح الجواب بقوله " لا صام ولا أفطر " لمن لَم يعلم تحريمها.
القول الرابع: استحباب صيام الدّهر لمن قوي عليه. ولَم يفوّت فيه حقّاً، وإلى ذلك ذهب الجمهور.
قال السّبكيّ: أطلق أصحابنا كراهة صوم الدّهر لمن فوّت حقّاً، ولَم يوضّحوا. هل المراد الحقّ الواجب أو المندوب؟ ويتّجه أن يقال: إن علم أنّه يفوّت حقّاً واجباً حرم، وإن علم أنّه يفوّت حقّاً مندوباً أولى من الصّيام كره، وإن كان يقوم مقامه فلا.
وإلى ذلك أشار ابن خزيمة فترجم " ذِكْر العلة التي بها زجر النّبيّ ﷺ عن صوم الدّهر " وساق الحديث الذي فيه " إذا فعلتَ ذلك هجمتْ عينك ونفهتْ نفسك ".
ومن حجّتهم حديث حمزة بن عمرو الذي مضى (١) فإنّ في بعض طرقه عند مسلم " أنّه قال: يا رسولَ الله إنّي أسرد الصّوم ".
فحملوا قوله ﷺ لعبد الله بن عمرو " لا أفضل من ذلك " أي: في
стр. 1674
حقّك فيلتحق به من في معناه ممّن يدخل فيه على نفسه مشقّةً أو يفوّت حقّاً، ولذلك لَم ينه حمزة بن عمرو عن السّرد. فلو كان السّرد ممتنعاً لبيّنه له , لأنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. قاله النّوويّ.
وتعقّب: بأنّ سؤال حمزة إنّما كان عن الصّوم في السّفر لا عن صوم الدّهر، ولا يلزم من سرد الصّيام صوم الدّهر فقد قال أسامة بن زيد: إنّ النّبيّ ﷺ كان يسرد الصّوم فيقال: لا يفطر. أخرجه أحمد.
ومن المعلوم أنّ النّبيّ ﷺ لَم يكن يصوم الدّهر فلا يلزم من ذكر السّرد صيام الدّهر.
وأجابوا عن حديث أبي موسى المقدّم ذكره: بأنّ معناه ضيّقت عليه فلا يدخلها، فعلى هذا تكون " على " بمعنى. أي: ضيّقت عنه.
وهذا التّأويل حكاه الأثرم عن مسدّد. وحكى ردّه عن أحمد.
وقال ابن خزيمة: سألت المزنيّ عن هذا الحديث. فقال: يشبه أن يكون معناه. ضيّقت عنه فلا يدخلها، ولا يشبه أن يكون على ظاهره , لأنّ من ازداد لله عملاً وطاعةً ازداد عند الله رفعةً وعلته كرامةٌ.
ورجّح هذا التّأويل جماعةٌ منهم الغزاليّ. فقالوا: له مناسبة من جهة أنّ الصّائم لَمّا ضيّق على نفسه مسالك الشّهوات بالصّوم ضيّق الله عليه النّار. فلا يبقى له فيها مكان , لأنّه ضيّق طرقها بالعبادة.
وتعقّب: بأنّه ليس كلّ عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقرّباً. بل ربّ عملٍ صالحٍ إذا ازداد منه ازداد بعداً. كالصّلاة في الأوقات المكروهة.
стр. 1675
والأوْلَى إجراء الحديث على ظاهره , وحمله على من فوّت حقّاً واجباً بذلك فإنّه يتوجّه إليه الوعيد، ولا يخالف القاعدة التي أشار إليها المزنيّ.
ومن حجّتهم أيضاً: قوله ﷺ في بعض طرق حديث الباب كما تقدّم في الطّريقين الماضيين " فإنّ الحسنة بعشرة أمثالها، وذلك مثل صيام الدّهر ". وقوله فيما رواه مسلم " من صام رمضان وأتبعه ستّاً من شوّال فكأنّما صام الدّهر ".
قالوا: فدلَّ ذلك على أنّ صوم الدّهر أفضل ممّا شبه به. وأنّه أمر مطلوب.
وتعقّب: بأنّ التّشبيه في الأمر المقدّر لا يقتضي جوازه فضلاً عن استحبابه، وإنّما المراد حصول الثّواب على تقدير مشروعيّة صيام ثلاثمائة وستّين يوماً، ومن المعلوم أنّ المكلف لا يجوز له صيام جميع السّنة فلا يدلّ التّشبيه على أفضليّة المشبّه به من كلّ وجه.
واختلف المجيزون لصوم الدّهر بالشّرط المتقدّم. هل هو أفضل , أو صيام يوم وإفطار يوم أفضل؟.
القول الأول: صرّح جماعةٌ من العلماء: بأنّ صوم الدّهر أفضل , لأنّه أكثر عملاً فيكون أكثر أجراً , وما كان أكثر أجراً كان أكثر ثواباً.
وبذلك جزم الغزاليّ أوّلاً. وقيّده بشرط أن لا يصوم الأيّام المنهيّ عنها، وأن لا يرغب عن السّنة بأنّ يجعل الصّوم حجراً على نفسه، فإذا أمن من ذلك فالصّوم من أفضل الأعمال، فالاستكثار منه زيادة
стр. 1676
في الفضل.
وتعقّبه ابن دقيق العيد: بأنّ الأعمال متعارضة المصالح والمفاسد، ومقدار كلّ منها في الحثّ والمنع غير متحقّق، فزيادة الأجر بزيادة العمل في شيء يعارضه اقتضاء العادة التّقصير في حقوق أخرى يعارضها العمل المذكور، ومقدار الفائت من ذلك مع مقدار الحاصل غير متحقّق، فالأولى التّفويض إلى حكم الشّارع , ولِما دلَّ عليه ظاهر قوله " لا أفضل من ذلك " وقوله " إنّه أحبُّ الصّيام إلى الله تعالى ".
القول الثاني: ذهب جماعة منهم المتولي من الشّافعيّة. إلى أنّ صيام داود أفضل.
وهو ظاهر الحديث بل صريحه، ويترجّح من حيث المعنى أيضاً بأنّ صيام الدّهر قد يفوت بعض الحقوق كما تقدّم.
وبأنّ من اعتاده فإنّه لا يكاد يشقّ عليه بل تضعّف شهوته عن الأكل وتقل حاجته إلى الطّعام والشّراب نهاراً , ويألف تناوله في الليل بحيث يتجدّد له طبع زائد، بخلاف من يصوم يوماً ويفطر يوماً فإنّه ينتقل من فطر إلى صوم ومن صوم إلى فطر.
وقد نقل التّرمذيّ عن بعض أهل العلم , أنّه أشقّ الصّيام، ويأمن مع ذلك غالباً من تفويت الحقوق كما قال في حقّ داود ﵇ " كان يصوم يوماً ويفطر يوماً , ولا يفرّ إذا لاقى " متفق عليه , لأنّ من أسباب الفرار ضعف الجسد , ولا شكّ أنّ سرد الصّوم ينهكه.
وعلى ذلك يحمل قول ابن مسعود فيما رواه سعيد بن منصور بإسنادٍ
стр. 1677
صحيح عنه أنّه قيل له: إنّك لتُقل الصّيام، فقال: إنّي أخاف أن يضعفني عن القراءة والقراءة أحبّ إليّ من الصّيام.
نعم. إن فُرِض أنّ شخصاً لا يفوته شيء من الأعمال الصّالحة بالصّيام أصلاً , ولا يفوّت حقّاً من الحقوق التي خوطب بها لَم يبعد أن يكون في حقّه أرجح.
وإلى ذلك أشار ابن خزيمة فترجم " الدّليل على أنّ صيام داود إنّما كان أعدل الصّيام وأحبّه إلى الله , لأنّ فاعله يؤدّي حقّ نفسه وأهله وزائره أيّام فطره بخلاف من يتابع الصّوم " وهذا يشعر بأنّ من لا يتضرّر في نفسه ولا يفوّت حقّاً أن يكون أرجح.
وعلى هذا فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال:
فمن يقتضي حاله الإكثار من الصّوم أكثر منه، ومن يقتضي حاله الإكثار من الإفطار أكثر منه، ومن يقتضي حاله المزج فعله، حتّى إنّ الشّخص الواحد قد تختلف عليه الأحوال في ذلك، وإلى ذلك أشار الغزاليّ أخيراً. والله أعلم بالصّواب.
وفي قصّة عبد الله بن عمرو هذه من الفوائد.
بيان رفق رسول الله ﷺ بأمّته وشفقته عليهم وإرشاده إيّاهم إلى ما يصلحهم وحثّه إيّاهم على ما يطيقون الدّوام عليه، ونهيهم عن التّعمّق في العبادة لِمَا يخشى من إفضائه إلى الملل المفضي إلى التّرك أو ترك البعض، وقد ذمّ الله تعالى قوماً لازموا العبادة ثمّ فرّطوا فيها.
وفيه النّدب إلى الدّوام على ما وظّفه الإنسان على نفسه من العبادة.
стр. 1678
وفيه جواز الإخبار عن الأعمال الصّالحة والأوراد ومحاسن الأعمال، ولا يخفى أنّ محل ذلك عند أمن الرّياء.
وفيه جواز القسم على التزام العبادة، وفائدته الاستعانة باليمين على النّشاط لها، وأنّ ذلك لا يخلّ بصحّة النّيّة والإخلاص فيها، وأنّ اليمين على ذلك لا يلحقها بالنّذر الذي يجب الوفاء به.
وفيه جواز الحلف من غير استحلافٍ، وأنّ النّفل المطلق لا ينبغي تحديده، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص والأوقات والأحوال.
وفيه جواز التّفدية بالأب والأمّ، وفيه الإشارة إلى الاقتداء بالأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام في أنواع العبادات.
وفيه أنّ طاعة الوالد لا تجب في ترك العبادة ولهذا احتاج عمرو إلى شكوى ولده عبد الله، ولَم ينكر عليه النّبيّ ﷺ ترك طاعته لأبيه.
وفيه زيارة الفاضل للمفضول في بيته، وإكرام الضّيف بإلقاء الفرش ونحوها تحته، وتواضع الزّائر بجلوسه دون ما يفرش له، وأن لا حرج عليه في ذلك إذا كان على سبيل التّواضع والإكرام للمزور.
وفي الحديث أيضاً جواز تحدّث المرء بما عزم عليه من فعل الخير، وتفقّد الإمام لأمور رعيّته كليّاتها وجزئيّاتها، وتعليمهم ما يصلحهم.
وفيه تعليل الحكم لمن فيه أهليّة ذلك، وأنّ الأولى في العبادة تقديم
стр. 1679
الواجبات على المندوبات، وأنّ من تكلف الزّيادة على ما طبع عليه يقع له الخلل في الغالب.
وفيه الحضّ على ملازمة العبادة لأنّه ﷺ مع كراهته له التّشديد على نفسه حضّه على الاقتصاد كأنّه قال له , ولا يمنعك اشتغالك بحقوق من ذكر أن تضيّع حقّ العبادة وتترك المندوب جملة، ولكن اجمع بينهما.
стр. 1680
الحديث الواحد والعشرون
٢٠٢ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ أحبّ الصّيام إلى الله صيام داود , وأحبّ الصّلاة إلى الله صلاة داود. كان ينام نصف الليل , ويقوم ثلثه , وينام سدسه, وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً (١)
قوله: (إنَّ أحب الصيام إلى الله صيام داود ﵇) تقدّمت مباحثه في الحديث قبله.
قوله: (وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇) قال المُهلَّب: كان داود ﵇ يجمّ نفسه بنومٍ أوّل الليل ثمّ يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه: هل من سائل فأعطيه سؤله، ثمّ يستدرك بالنّوم ما يستريح به من نصب القيام في بقيّة الليل، وهذا هو النّوم عند السّحر كما ترجم به البخاري بقوله " من نام عند السحر ".
وإنّما صارت هذه الطّريقة أحبّ من أجل الأخذ بالرّفق للنّفس التي يخشى منها السّآمة، وقد قال ﷺ : إنّ الله لا يملّ حتّى تملّوا. (٢) والله أحبّ أن يديم فضله ويوالي إحسانه، وإنّما كان ذلك أرفق , لأنّ النّوم بعد القيام يريح البدن , ويذهب ضرر السّهر وذبول الجسم
стр. 1681
بخلاف السّهر إلى الصّباح.
وفيه من المصلحة أيضاً استقبال صلاة الصّبح وأذكار النّهار بنشاطٍ وإقبال، وأنّه أقرب إلى عدم الرّياء , لأنّ من نام السّدس الأخير أصبح ظاهر اللون سليم القوى فهو أقرب إلى أن يخفي عمله الماضي على من يراه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد.
وحكَى عن قوم: أنّ معنى قوله " أحبّ الصّلاة " هو بالنّسبة إلى من حاله مثل حال المخاطب بذلك وهو من يشقّ عليه قيام أكثر الليل.
قال: وعمدة هذا القائل اقتضاء القاعدة زيادة الأجر بسبب زيادة العمل لكي يعارضه هنا اقتضاء العادة والجبلة التّقصير في حقوق يعارضها طول القيام، ومقدار ذلك الفائت مع مقدار الحاصل من القيام غير معلوم لنا.
فالأولى أن يجري الحديث على ظاهره وعمومه، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة فمقدار تأثير كلّ واحد منهما في الحثّ أو المنع غير محقّق لنا، فالطّريق أنّنا نفوّض الأمر إلى صاحب الشّرع، ونجري على ما دلَّ عليه اللفظ مع ما ذكرناه من قوّة الظّاهر هنا. والله أعلم.
تنْبيه: قال ابن التّين: هذا المذكور إذا أجريناه على ظاهره فهو في حقّ الأمّة، وأمّا النّبيّ ﷺ فقد أمره الله تعالى بقيام أكثر الليل فقال (يا أيّها المزّمّل قم الليل إلاَّ قليلاً) انتهى.
وفيه نظرٌ , لأنّ هذا الأمر قد نسخ، في حديث ابن عبّاس في
стр. 1682
الصحيحين " فلمّا كان نصف الليل أو قبله بقليلٍ أو بعده بقليلٍ " وهو نحو المذكور هنا.
نعم. تقدّم أنّه ﷺ لَم يكن يجري الأمر في ذلك على وتيرة واحدة (١). والله أعلم.
قوله: (كان ينام نصف الليل .. إلخ) في رواية ابن جريجٍ عن عمرو بن دينار عند مسلم " كان يرقد شطر الليل، ثمّ يقوم ثلث الليل بعد شطره " قال ابن جريجٍ: قلت لعمرو بن دينار: عمرو بن أوس هو الذي يقول يقوم ثلث الليل؟ قال: نعم. انتهى
وظاهره أنّ تقدير القيام بالثّلث من تفسير الرّاوي فيكون في الرّواية الأولى إدراج، ويحتمل: أن يكون قوله " عمرو بن أوس ذكره " أي: بسنده فلا يكون مدرجاً.
وفي رواية ابن جريجٍ من الفائدة ترتيب ذلك بثمّ، ففيه ردٌّ على من أجاز في حديث الباب أن تحصل السّنّة بنوم السّدس الأوّل مثلاً وقيام الثّلث ونوم النّصف الأخير، والسّبب في ذلك أنّ الواو لا ترتّب.
стр. 1683
الحديث الثاني والعشرون
٢٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ صيام ثلاثة أيّامٍ من كل شهرٍ , وركعتي الضّحى , وأنْ أوتر قبل أن أنام. (١)
قوله: (أوصاني خليلي) الخليل الصّديق الخالص الذي تخلَّلت محبّته القلب فصارت في خلاله. أي: في باطنه.
واختلف. هل الخلة أرفع من المحبّة أو العكس؟.
وقول أبى هريرة هذا. لا يعارضه ما في الصحيحين من قوله ﷺ : لو كنت متّخذاً خليلاً لاتّخذت أبا بكر. لأنّ الممتنع أن يتّخذ هو ﷺ غيره خليلاً لا العكس، ولا يقال إنّ المخاللة لا تتمّ حتّى تكون من الجانبين , لأنّا نقول:
إنّما نظر الصّحابيّ إلى أحد الجانبين فأطلق ذلك، أو لعله أراد مجرّد الصّحبة أو المحبّة.
قال أبو محمّد بن أبي جمرة في قول أبي هريرة " أوصاني خليلي " قال: في إفراده بهذه الوصيّة إشارة إلى أنّ القدر الموصى به هو اللائق بحاله، وفي قوله " خليلي " إشارةٌ إلى موافقته له في إيثار الاشتغال بالعبادة على الاشتغال بالدّنيا , لأنّ أبا هريرة صبر على الجوع في
стр. 1684
ملازمته للنّبيّ ﷺ كما في حديثه حيث قال: أمّا إخواني فكان يشغلهم الصّفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله ﷺ . (١) فشابه حال النّبيّ ﷺ في إيثاره الفقر على الغنى والعبوديّة على الملك.
قال: ويؤخذ منه الافتخار بصحبة الأكابر إذا كان ذلك على معنى التّحدّث بالنّعمة والشّكر لله، لا على وجه المباهاة. والله أعلم.
وهذه الوصيّة لأبي هريرة ورد مثلها لأبي الدّرداء فيما رواه مسلم، ولأبي ذرٍّ فيما رواه النّسائيّ.
قوله: (بثلاثٍ) زاد البخاري " لا أدعهنّ حتّى أموت ".
يحتمل: أن يكون قوله " لا أدعهنّ إلخ " من جملة الوصيّة، أي: أوصاني أن لا أدعهنّ.
ويحتمل: أن يكون من إخبار الصّحابيّ بذلك عن نفسه.
قوله: (صيام ثلاثة أيّام) بالخفض بدل من قوله " بثلاث " ويجوز الرّفع على أنّه خبر مبتدإٍ محذوفٍ
قوله: (من كل شهر) الذي يظهر أنّ المراد بها البيض، وهي الليالي التي يكون فيها القمر من أوّل الليل إلى آخره، حتّى قال الجواليقيّ: مَن قال الأيّام البيض فجعل البيض صفة الأيّام فقد أخطأ.
وفيه نظرٌ , لأنّ الصّوم الكامل هو النّهار بليلته، وليس في الشّهر يومٌ أبيض كلّه إلاَّ هذه الأيّام , لأنّ ليلها أبيض ونهارها أبيض فصحّ
стр. 1685
قول " الأيّام البيض " على الوصف.
وحكى ابن بزيزة في تسميتها بِيضاً أقوالاً أخر مستندةً إلى أقوالٍ واهيةٍ.
قال الإسماعيليّ وابن بطّال وغيرهما: ليس في الحديث الذي أورده البخاريّ في هذا الباب ما يطابق التّرجمة (١)، لأنّ الحديث مطلقٌ في ثلاثة أيّام من كلّ شهر والبيض مقيّدة بما ذكر.
وأجيب: بأنّ البخاريّ جرى على عادته في الإيماء إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وهو ما رواه أحمد والنّسائيّ وصحَّحه ابن حبّان من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال: جاء أعرابيٌّ إلى النّبيّ ﷺ بأرنبٍ قد شواها، فأمرهم أن يأكلوا وأمسك الأعرابيّ، فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: إنّي أصوم ثلاثة أيّامٍ من كلّ شهرٍ، قال: إن كنت صائماً فصم الغرّ، أي: البيض.
وهذا الحديث اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافاً كثيراً بيّنه الدّارقطنيّ، وفي بعض طرقه عند النّسائيّ " إن كنت صائماً فصم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ".
وجاء تقييدها أيضاً في حديث قتادة بن ملحان - ويقال ابن منهالٍ - عند أصحاب السّنن بلفظ " كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وقال: هي كهيئة