بخلاف السّهر إلى الصّباح.
وفيه من المصلحة أيضاً استقبال صلاة الصّبح وأذكار النّهار بنشاطٍ وإقبال، وأنّه أقرب إلى عدم الرّياء , لأنّ من نام السّدس الأخير أصبح ظاهر اللون سليم القوى فهو أقرب إلى أن يخفي عمله الماضي على من يراه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد.
وحكَى عن قوم: أنّ معنى قوله " أحبّ الصّلاة " هو بالنّسبة إلى من حاله مثل حال المخاطب بذلك وهو من يشقّ عليه قيام أكثر الليل.
قال: وعمدة هذا القائل اقتضاء القاعدة زيادة الأجر بسبب زيادة العمل لكي يعارضه هنا اقتضاء العادة والجبلة التّقصير في حقوق يعارضها طول القيام، ومقدار ذلك الفائت مع مقدار الحاصل من القيام غير معلوم لنا.
فالأولى أن يجري الحديث على ظاهره وعمومه، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة فمقدار تأثير كلّ واحد منهما في الحثّ أو المنع غير محقّق لنا، فالطّريق أنّنا نفوّض الأمر إلى صاحب الشّرع، ونجري على ما دلَّ عليه اللفظ مع ما ذكرناه من قوّة الظّاهر هنا. والله أعلم.
تنْبيه: قال ابن التّين: هذا المذكور إذا أجريناه على ظاهره فهو في حقّ الأمّة، وأمّا النّبيّ ﷺ فقد أمره الله تعالى بقيام أكثر الليل فقال (يا أيّها المزّمّل قم الليل إلاَّ قليلاً) انتهى.
وفيه نظرٌ , لأنّ هذا الأمر قد نسخ، في حديث ابن عبّاس في
стр. 1682
الصحيحين " فلمّا كان نصف الليل أو قبله بقليلٍ أو بعده بقليلٍ " وهو نحو المذكور هنا.
نعم. تقدّم أنّه ﷺ لَم يكن يجري الأمر في ذلك على وتيرة واحدة (١). والله أعلم.
قوله: (كان ينام نصف الليل .. إلخ) في رواية ابن جريجٍ عن عمرو بن دينار عند مسلم " كان يرقد شطر الليل، ثمّ يقوم ثلث الليل بعد شطره " قال ابن جريجٍ: قلت لعمرو بن دينار: عمرو بن أوس هو الذي يقول يقوم ثلث الليل؟ قال: نعم. انتهى
وظاهره أنّ تقدير القيام بالثّلث من تفسير الرّاوي فيكون في الرّواية الأولى إدراج، ويحتمل: أن يكون قوله " عمرو بن أوس ذكره " أي: بسنده فلا يكون مدرجاً.
وفي رواية ابن جريجٍ من الفائدة ترتيب ذلك بثمّ، ففيه ردٌّ على من أجاز في حديث الباب أن تحصل السّنّة بنوم السّدس الأوّل مثلاً وقيام الثّلث ونوم النّصف الأخير، والسّبب في ذلك أنّ الواو لا ترتّب.
стр. 1683
الحديث الثاني والعشرون
٢٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ صيام ثلاثة أيّامٍ من كل شهرٍ , وركعتي الضّحى , وأنْ أوتر قبل أن أنام. (١)
قوله: (أوصاني خليلي) الخليل الصّديق الخالص الذي تخلَّلت محبّته القلب فصارت في خلاله. أي: في باطنه.
واختلف. هل الخلة أرفع من المحبّة أو العكس؟.
وقول أبى هريرة هذا. لا يعارضه ما في الصحيحين من قوله ﷺ : لو كنت متّخذاً خليلاً لاتّخذت أبا بكر. لأنّ الممتنع أن يتّخذ هو ﷺ غيره خليلاً لا العكس، ولا يقال إنّ المخاللة لا تتمّ حتّى تكون من الجانبين , لأنّا نقول:
إنّما نظر الصّحابيّ إلى أحد الجانبين فأطلق ذلك، أو لعله أراد مجرّد الصّحبة أو المحبّة.
قال أبو محمّد بن أبي جمرة في قول أبي هريرة " أوصاني خليلي " قال: في إفراده بهذه الوصيّة إشارة إلى أنّ القدر الموصى به هو اللائق بحاله، وفي قوله " خليلي " إشارةٌ إلى موافقته له في إيثار الاشتغال بالعبادة على الاشتغال بالدّنيا , لأنّ أبا هريرة صبر على الجوع في
стр. 1684
ملازمته للنّبيّ ﷺ كما في حديثه حيث قال: أمّا إخواني فكان يشغلهم الصّفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله ﷺ . (١) فشابه حال النّبيّ ﷺ في إيثاره الفقر على الغنى والعبوديّة على الملك.
قال: ويؤخذ منه الافتخار بصحبة الأكابر إذا كان ذلك على معنى التّحدّث بالنّعمة والشّكر لله، لا على وجه المباهاة. والله أعلم.
وهذه الوصيّة لأبي هريرة ورد مثلها لأبي الدّرداء فيما رواه مسلم، ولأبي ذرٍّ فيما رواه النّسائيّ.
قوله: (بثلاثٍ) زاد البخاري " لا أدعهنّ حتّى أموت ".
يحتمل: أن يكون قوله " لا أدعهنّ إلخ " من جملة الوصيّة، أي: أوصاني أن لا أدعهنّ.
ويحتمل: أن يكون من إخبار الصّحابيّ بذلك عن نفسه.
قوله: (صيام ثلاثة أيّام) بالخفض بدل من قوله " بثلاث " ويجوز الرّفع على أنّه خبر مبتدإٍ محذوفٍ
قوله: (من كل شهر) الذي يظهر أنّ المراد بها البيض، وهي الليالي التي يكون فيها القمر من أوّل الليل إلى آخره، حتّى قال الجواليقيّ: مَن قال الأيّام البيض فجعل البيض صفة الأيّام فقد أخطأ.
وفيه نظرٌ , لأنّ الصّوم الكامل هو النّهار بليلته، وليس في الشّهر يومٌ أبيض كلّه إلاَّ هذه الأيّام , لأنّ ليلها أبيض ونهارها أبيض فصحّ
стр. 1685
قول " الأيّام البيض " على الوصف.
وحكى ابن بزيزة في تسميتها بِيضاً أقوالاً أخر مستندةً إلى أقوالٍ واهيةٍ.
قال الإسماعيليّ وابن بطّال وغيرهما: ليس في الحديث الذي أورده البخاريّ في هذا الباب ما يطابق التّرجمة (١)، لأنّ الحديث مطلقٌ في ثلاثة أيّام من كلّ شهر والبيض مقيّدة بما ذكر.
وأجيب: بأنّ البخاريّ جرى على عادته في الإيماء إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وهو ما رواه أحمد والنّسائيّ وصحَّحه ابن حبّان من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال: جاء أعرابيٌّ إلى النّبيّ ﷺ بأرنبٍ قد شواها، فأمرهم أن يأكلوا وأمسك الأعرابيّ، فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: إنّي أصوم ثلاثة أيّامٍ من كلّ شهرٍ، قال: إن كنت صائماً فصم الغرّ، أي: البيض.
وهذا الحديث اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافاً كثيراً بيّنه الدّارقطنيّ، وفي بعض طرقه عند النّسائيّ " إن كنت صائماً فصم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ".
وجاء تقييدها أيضاً في حديث قتادة بن ملحان - ويقال ابن منهالٍ - عند أصحاب السّنن بلفظ " كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وقال: هي كهيئة
стр. 1686
الدّهر ".
وللنّسائيّ من حديث جرير مرفوعاً: صيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر صيام الدّهر: أيّام البيض صبيحة ثلاث عشرة. الحديث. وإسناده صحيح.
وأمّا ما رواه أصحاب السّنن وصحَّحه ابن خزيمة من حديث ابن مسعود , أنّ النّبيّ ﷺ كان يصوم ثلاثة أيّام من غرّة كلّ شهر. وما روى أبو داود والنّسائيّ من حديث حفصة: كان رسول الله ﷺ يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيّام الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى.
فقد جمع بينهما وما قبلهما البيهقيّ: بما أخرجه مسلم من حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيّام ما يبالي من أيّ الشّهر صام.
قال: فكلّ من رآه فعل نوعاً ذكَرَه، وعائشة رأت جميع ذلك وغيره فأطلقت.
والذي يظهر أنّ الذي أمر به وحثّ عليه ووصّى به أولى من غيره، وأمّا هو فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز، وكلّ ذلك في حقّه أفضل.
وتترجّح البِيض بكونها وسط الشّهر , ووسط الشّيء أعدله، ولأنّ الكسوف غالباً يقع فيها، وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع , فإذا اتّفق الكسوف صادف الذي يعتاد صيام البيض صائماً فيتهيّأ له أن
стр. 1687
يجمع بين أنواع العبادات من الصّيام والصّلاة والصّدقة، بخلاف من لَم يصمها. فإنّه لا يتأتّى له استدراك صيامها، ولا عند من يجوّز صيام التّطوّع بغير نيّة من الليل إلاَّ إن صادف الكسوف من أوّل النّهار.
ورجّح بعضهم: صيام الثّلاثة في أوّل الشّهر , لأنّ المرء لا يدري ما يعرض له من الموانع.
وقال بعضهم: يصوم من أوّل كل عشرة أيّام يوماً.
وله وجهٌ في النّظر، ونقل ذلك عن أبي الدّرداء، وهو يوافق ما تقدّم في رواية النّسائيّ في حديث عبد الله بن عمرو " صم من كلّ عشرة أيّام يوماً ".
وروى التّرمذيّ من طريق خيثمة عن عائشة , أنّه ﷺ كان يصوم من الشّهر السّبت والأحد والاثنين، ومن الآخر الثّلاثاء والأربعاء والخميس. وروي موقوفاً وهو أشبه، وكأنّ الغرض به أن يستوعب غالب أيّام الأسبوع بالصّيام.
واختار إبراهيم النّخعيّ أن يصومها آخر الشّهر ليكون كفّارةً لِمَا مضى، ويؤيّده حديث عمران بن حصينٍ في الأمر بصيام سرار الشّهر. (١)
стр. 1688
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1689
وقال الرّويانيّ: صيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر مستحبٌّ، فإن اتّفقت أيّام البيض كان أحبّ. وفي كلام غير واحد من العلماء أيضاً أنّ استحباب صيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر.
قال شيخنا في " شرح التّرمذيّ ": حاصل الخلاف في تعيين البيض تسعة أقوالٍ:
أحدها: لا تتعيّن , بل يكره تعيينها وهذا عن مالك.
الثّاني: أوّل ثلاثة من الشّهر. قاله الحسن البصريّ.
الثّالث: أوّلها الثّاني عشر.
الرّابع: أوّلها الثّالث عشر.
الخامس: أوّلها أوّل سبت من أوّل الشّهر , ثمّ من أوّل الثّلاثاء من الشّهر الذي يليه وهكذا. وهو عن عائشة.
السّادس: أوّل خميس ثمّ اثنين ثمّ خميس.
السّابع: أوّل اثنين ثمّ خميس ثمّ اثنين.
الثّامن: أوّل يوم والعاشر والعشرون. عن أبي الدّرداء.
التّاسع: أوّل كلّ عشرٍ. عن ابن شعبان المالكيّ.
قلت: بقي قولٌ آخر. وهو آخر ثلاثة من الشّهر عن النّخعيّ. فتمّت عشرةً.
قوله: (وصلاة الضّحى) في رواية لهما " وركعتي الضّحى " زاد أحمد في روايته " كلّ يوم ".
стр. 1690
قال ابن دقيق العيد: لعلَّه ذكر الأقلّ الذي يوجد التّأكيد بفعله، وفي هذا دلالة على استحباب صلاة الضّحى وأنّ أقلها ركعتان، وعدم مواظبة النّبيّ ﷺ على فعلها لا ينافي استحبابها , لأنّه حاصلٌ بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أن تتضافر عليه أدلة القول والفعل، لكن ما واظب النّبيّ ﷺ على فعله مرجّح على ما لَم يواظب عليه.
تكميل: أخرج الشيخان عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: ما حدّثنا أحدٌ أنّه رأى النّبيّ ﷺ يُصلِّي الضّحى غير أمّ هانئٍ فإنّها قالت: إنّ النّبيّ ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكّة، فاغتسل وصلَّى ثماني ركعاتٍ، فلم أر صلاةً قطّ أخفّ منها، غير أنّه يتمّ الرّكوع والسّجود.
واستدل به على استحباب تخفيف صلاة الضّحى.
وفيه نظرٌ. لاحتمال أن يكون السّبب فيه التّفرّغ لِمُهمّات الفتح لكثرة شغله به، وقد ثبت من فعله ﷺ أنّه صلَّى الضّحى فطوّل فيها. أخرجه ابن أبي شيبة من حديث حذيفة.
واستدل بحديث أم هانئ على إثبات سنّة الضّحى.
وحكى عياض عن قومٍ. أنّه ليس في حديث أمّ هانئ دلالة على ذلك، قالوا: وإنّما هي سنّة الفتح، وقد صلاَّها خالد بن الوليد في بعض فتوحه كذلك.
وقال عياض أيضاً: ليس حديث أمّ هانئ بظاهرٍ في أنّه قصد ﷺ بها سنّة الضّحى , وإنّما فيه أنّها أَخبرت عن وقت صلاته فقط , وقد
стр. 1691
قيل: إنّها كانت قضاء عمّا شغل عنه تلك الليلة من حزبه فيه.
وتعقّبه النّوويّ: بأنّ الصّواب صحّة الاستدلال به لِمَا رواه أبو داود وغيره من طريق كريب عن أمّ هانئ , أنّ النّبيّ ﷺ صلَّى سبحة الضّحى. ولمسلمٍ في " كتاب الطّهارة " من طريق أبي مرّة عن أمّ هانئ - في قصّة اغتساله ﷺ يوم الفتح -: ثمّ صلَّى ثمان ركعات سبحة الضّحى.
وروى ابن عبد البرّ في " التّمهيد " من طريق عكرمة بن خالد عن أمّ هانئ , قالت: قدم رسول الله ﷺ مكّة فصلَّى ثمان ركعات، فقلت: ما هذه؟ قال: هذه صلاة الضّحى.
واستدل به على أنّ أكثر صلاة الضّحى ثمان ركعات.
واستبعده السّبكيّ ووجّه: بأنّ الأصل في العبادة التّوقّف، وهذا أكثر ما ورد في ذلك من فعله ﷺ .
وقد ورد من فعله دون ذلك. كحديث ابن أبي أوفى , أنّ النّبيّ ﷺ صلَّى الضّحى ركعتين. أخرجه ابن عديّ. وجاء من حديث عتبان مثله. رواه أحمد من طريق الزهري عن محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك , أن رسول الله ﷺ صلَّى في بيته سبحة الضحى فقاموا وراءه فصلوا بصلاته. أخرجه عن عثمان بن عمر عن يونس عنه.
وقد أخرجه مسلم من رواية ابن وهب عن يونس مطولاً , لكن ليس فيه ذكرُ السبحة , وكذلك أخرجه البخاريُّ مطولاً ومختصراً في مواضع.
стр. 1692
وحديث عائشة عند مسلم: كان يُصلِّي الضّحى أربعاً. وحديث جابر عند الطّبرانيّ في " الأوسط " ,أنّه ﷺ صلَّى الضّحى ستّ ركعات.
وأمّا ما ورد من قوله ﷺ ففيه زيادةٌ على ذلك.
كحديث أنس مرفوعاً: من صلَّى الضّحى ثنتي عشرة ركعةً بنى الله له قصراً في الجنّة. أخرجه التّرمذيّ واستغربه. وليس في إسناده من أطلق عليه الضّعف.
وعند الطّبرانيّ من حديث أبي الدّرداء مرفوعاً: من صلَّى الضّحى ركعتين لَم يكتب من الغافلين، ومن صلَّى أربعاً كتب من التّائبين، ومن صلَّى ستّاً كُفي ذلك اليوم، ومن صلَّى ثمانياً كُتب من العابدين، ومن صلَّى ثنتي عشرة بنى الله له بيتاً في الجنّة. وفي إسناده ضعفٌ أيضاً.
وله شاهدٌ من حديث أبي ذرٍّ رواه البزّار. وفي إسناده ضعفٌ أيضاً، ومن ثَمَّ قال الرّويانيّ ومن تبعه: أكثرها ثنتا عشرة.
وقال النّوويّ في شرح المهذّب: فيه حديث ضعيف.
كأنّه يشير إلى حديث أنس، لكن إذا ضمّ إليه حديث أبي ذرٍّ وأبي الدّرداء قوي وصلح للاحتجاج به.
ونقل التّرمذيّ عن أحمد: أنّ أصحّ شيءٍ ورد في الباب حديث أمّ هانئ. وهو كما قال.
ولهذا قال النّوويّ في الرّوضة: أفضلها ثمان وأكثرها ثنتا عشرة، ففرّق بين الأكثر والأفضل. ولا يتصوّر ذلك إلاَّ فيمن صلَّى الاثنتي
стр. 1693
عشرة بتسليمةٍ واحدة فإنّها تقع نفلاً مطلقاً عند من يقول إنّ أكثر سنّة الضّحى ثمان ركعات.
فأمّا من فصّل فإنّه يكون صلَّى الضّحى، وما زاد على الثّمان يكون له نفلاً مطلقاً فتكون صلاته اثنتي عشرة في حقّه أفضل من ثمانٍ لكونه أتى بالأفضل , وزاد.
وقد ذهب قوم منهم أبو جعفر الطّبريّ , وبه جزم الحليميّ والرّويانيّ من الشّافعيّة. إلى أنّه لا حدّ لأكثرها. وروى (١) من طريق إبراهيم النّخعيّ قال: سأل رجلٌ الأسود بن يزيد. كم أصلّي الضّحى؟ قال: كم شئت.
وفي حديث عائشة عند مسلم: كان يُصلِّي الضّحى أربعاً ويزيد ما شاء الله. وهذا الإطلاق قد يحمل على التّقييد فيؤكّد أنّ أكثرها اثنتا عشرة ركعة. والله أعلم.
وذهب آخرون: إلى أنّ أفضلها أربع ركعاتٍ.
فحكى الحاكم في كتابه المفرد في صلاة الضّحى عن جماعةٍ من أئمّة الحديث , أنّهم كانوا يختارون أن تُصلَّى الضّحى أربعاً لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك كحديث أبي الدّرداء وأبي ذرٍّ عند التّرمذيّ مرفوعاً عن الله تعالى " ابن آدم اركع لي أربع ركعاتٍ من أوّل النّهار أكفك آخره ".
وحديث نعيم بن حمّاد عند النّسائيّ، وحديث أبي أُمامة وعبد الله
стр. 1694
بن عمرو والنّوّاس بن سمعان كلّهم بنحوه عند الطّبرانيّ، وحديث عقبة بن عامر وأبي مرّة الطّائفيّ كلاهما عند أحمد بنحوه، وحديث عائشة عند مسلم كما تقدّم.
وحديث أبي موسى رفعه: من صلَّى الضّحى أربعاً بنى الله له بيتاً في الجنّة. أخرجه الطّبرانيّ في " الأوسط "، وحديث أبي أُمامة مرفوعاً " أتدرون قوله تعالى (وإبراهيم الذي وفّى) قال: وفي عمل يومه بأربع ركعات الضّحى " أخرجه الحاكم.
وجمع ابن القيّم في الهدي الأقوال في صلاة الضّحى فبلغت ستّةً:
القول الأوّل: مستحبّة.
واختلف في عددها.
فقيل: أقلّها ركعتان وأكثرها اثنتا عشرة، وقيل: أكثرها ثمان، وقيل: كالأوّل لكن لا تشرع ستّاً ولا عشرة، وقيل: كالثّاني لكن لا تشرع ستّاً، وقيل: ركعتان فقط، وقيل: أربعاً فقط، وقيل: لا حدّ لأكثرها.
القول الثّاني: لا تشرع إلاَّ لسببٍ، واحتجّوا بأنّه ﷺ لَم يفعلها إلاَّ بسببٍ، واتّفق وقوعها وقت الضّحى، وتعدّدت الأسباب:
فحديث أمّ هانئٍ في صلاته يوم الفتح كان بسبب الفتح , وأنّ سنّةَ الفتحِ أن يُصلِّي ثمان ركعات، ونقله الطّبريّ من فعل خالد بن الوليد لَمّا فتح الحيرة.
وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى , أنّه ﷺ صلَّى الضّحى حين بشّر
стр. 1695
برأس أبي جهل. (١) وهذه صلاة شكرٍ كصلاته يوم الفتح.
وصلاته في بيت عتبان إجابةً لسؤاله أن يُصلِّي في بيته مكاناً يتّخذه مُصلًّى , فاتّفق أنّه جاءه وقت الضّحى فاختصره الرّاوي فقال: صلَّى في بيته الضّحى.
وكذلك حديث بنحو قصّة عتبان مختصراً , قال أنس: ما رأيته صلَّى الضّحى إلاَّ يومئذٍ. (٢) وحديث عائشة: لَم يكن يُصلِّي الضّحى إلاَّ أن يجيء من مغيبه. (٣) لأنّه كان ينهى عن الطّروق ليلاً فيقدم في
стр. 1696
أوّل النّهار فيبدأ بالمسجد فيصلي وقت الضّحى.
القول الثّالث: لا تستحبّ أصلاً، وصحّ عن عبد الرّحمن بن عوف , أنّه لَم يصلها , وكذلك ابن مسعود.
القول الرّابع: يستحبّ فعلها تارة وتركها تارةً بحيث لا يواظب عليها، وهذه إحدى الرّوايتين عن أحمد.
والحجّة فيه حديث أبي سعيد: كان النّبيّ ﷺ يُصلِّي الضّحى حتّى نقول لا يدعها، ويدعها حتّى نقول لا يصليها. أخرجه الحاكم. وعن عكرمة , كان ابن عبّاس يصليها عشراً ويدعها عشراً.
وقال الثّوريّ عن منصور: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها
стр. 1697
كالمكتوبة. وعن سعيد بن جبير: إنّي لأدعها وأنا أحبّها. مخافة أن أراها حتماً عليّ.
القول الخامس: تستحبّ صلاتها والمواظبة عليها في البيوت، أي: للأمن من الخشية المذكورة.
القول السّادس: أنّها بدعةٌ. صحّ ذلك من رواية عروة عن ابن عمر، وسئل أنس عن صلاة الضّحى فقال: الصّلوات خمس. وعن أبي بكرة , أنّه رأى ناساً يصلّون الضّحى فقال: ما صلَّاها رسول الله ﷺ , ولا عامّة أصحابه.
والحكمة في الوصيّة على المحافظة على ذلك تمرين النّفس على جنس الصّلاة والصّيام ليدخل في الواجب منهما بانشراحٍ، ولينجبر ما لعله يقع فيه من نقص.
ومن فوائد ركعتي الضّحى. أنّها تجزئ عن الصّدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان في كل يومٍ - وهي ثلاثمائة وستّون مفصلاً - كما أخرجه مسلم من حديث أبي ذرٍّ , وقال فيه " ويجزئ عن ذلك ركعتا الضّحى ".
وحكى شيخنا الحافظ أبو الفضل بن الحسين في شرح التّرمذيّ: أنّه اشتهر بين العوامّ. أنّ من صلَّى الضّحى ثمّ قطعها يَعمى، فصار كثيرٌ من النّاس يتركونها أصلاً لذلك، وليس لِمَا قالوه أصل، بل الظّاهر أنّه ممّا ألقاه الشّيطان على ألسنة العوامّ ليحرمهم الخير الكثير لا سيّما ما وقع في حديث أبي ذرٍّ.
стр. 1698
وقد جمع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضّحى في جزءٍ مفردٍ , وذكر لغالب هذه الأقوال مستنداً. وبلغ عدد رواة الحديث في إثباتها نحو العشرين نفساً من الصّحابة.
لطيفة: روى الحاكم من طريق أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نُصلِّي الضّحى بسورٍ منها: والشّمس وضحاها، والضّحى. انتهى. ومناسبة ذلك ظاهرة جدّاً
قوله: (وأن أوتر قبل أن أنام) وللبخاري " ونوم على وتر ".
وفيه استحباب تقديم الوتر على النّوم , وذلك في حقّ من لَم يثق بالاستيقاظ (١)، ويتناول من يُصلِّي بين النّومين.
تنبيهان:
الأوّل: اقتصر في الوصيّة للثّلاثة المذكورين على الثّلاثة المذكورة , لأنّ الصّلاة والصّيام أشرف العبادات البدنيّة، ولَم يكن المذكورون من أصحاب الأموال. وخصّت الصّلاة بشيئين , لأنّها تقع ليلاً ونهاراً بخلاف الصّيام.
الثّاني: ليس في حديث أبي هريرة تقييدٌ بسفرٍ ولا حضر. ولكنّ الحديث يتضمّن الحضر , لأنّ إرادة الحضر فيه ظاهرة، وحمله على الحضر والسّفر ممكن، وأمّا حمله على السّفر دون الحضر فبعيد , لأنّ السّفر مظنّة التّخفيف.
стр. 1699
الحديث الثالث والعشرون
٢٠٤ - عن محمّد بن عبّاد بن جعفرٍ , قال: سألت جابر بن عبد الله. أَنَهى النّبيّ ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم. (١)
وزاد مسلمٌ: وربّ الكعبة. (٢)
الحديث الرابع والعشرون
٢٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ , قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: لا يصومنَّ أحدُكم يوم الجمعة , إلاَّ أن يصوم يوماً قبله , أو يوماً بعده. (٣)
قوله: (سألت جابراً) في رواية عبد الرّزّاق عن ابن جريج , وكذا في رواية ابن عيينة عن عبد الحميد عند مسلم وأحمد وغيرهما: سألت جابر بن عبد الله وهو يطوف بالبيت. وزادوا أيضاً في آخره. قال: نعم. وربّ هذا البيت.
وفي رواية النّسائيّ " وربّ الكعبة " وعزاها صاحب العمدة لمسلمٍ فوِهَم.
وفيه جواز الحلف من غير استحلافٍ لتأكيد الأمر، وإضافة
стр. 1700
الرّبوبيّة إلى المخلوقات المعظّمة تنويها بتعظيمها، وفيه الاكتفاء في الجواب بنعم من غير ذكر الأمر المفسّر بها.
قوله: (عن صوم يوم الجمعة) قال البخاري: زاد غير أبي عاصم. يعني أن ينفرد بصومه " وفي رواية الكشميهنيّ " أن ينفرد بصومٍ " والغير المشار إليه جزم البيهقيّ: بأنّه يحيى بن سعيد القطّان.
وهو كما قال. لكن لَم يتعيّن، فقد أخرجه النّسائيّ بالزّيادة من طريقه , ومن طريق النّضر بن شميلٍ وحفص بن غياث (١). ولفظ يحيى " أسمعت رسول الله ﷺ ينهى أن ينفرد يوم الجمعة بصومٍ؟ قال: إيْ وربّ الكعبة ".
ولفظ حفص " نَهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم الجمعة مفرداً ".
ولفظ النّضر " أنّ جابراً سئل عن صوم يوم الجمعة , فقال: نهى رسول الله ﷺ أن يُفرد ".
قوله في حديث أبي هريرة ﵁: (لا يصومنَّ) بلفظ النهي المؤكد , وللبخاري " لا يصوم أحدكم " وهو بلفظ النّفي , والمراد به النّهي.
قوله: (إلاَّ أن يصوم يوماً قبله أو بعده) وللبخاري عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه: إلاَّ يوماً قبله أو بعده.
стр. 1701
تقديره إلاَّ أن يصوم يوماً قبله , لأنّ يوماً لا يصحّ استثناؤه من يوم الجمعة.
وقال الكرمانيّ: يجوز أن يكون منصوباً بنزع الخافض تقديره إلاَّ بيومٍ قبله وتكون الباء للمصاحبة، وفي رواية الإسماعيليّ من طريق محمّد بن أشكاب عن عمر بن حفص - شيخ البخاريّ فيه -: إلاَّ أن تصوموا قبله أو بعده.
ولمسلمٍ من طريق أبي معاوية عن الأعمش " لا يصُمْ أحدكم يوم الجمعة إلاَّ أن يصوم يوماً قبله أو يصوم بعده. وللنّسائيّ من هذا الوجه " إلاَّ أن يصوم قبله يوماً أو يصوم بعده يوماً ".
ولمسلمٍ من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة: لا تخصّوا ليلة الجمعة بقيامٍ من بين الليالي، ولا تخصّوا يوم الجمعة بصيامٍ من بين الأيّام، إلاَّ أن يكون في صومٍ يصومه أحدكم " ورواه أحمد من طريق عوف عن ابن سيرين بلفظ " نهى أن يفرد يوم الجمعة بصومٍ "
ولأحمد من طريق أبي الأوبر زيادٍ الحارثيّ , أنّ رجلاً قال لأبي هريرة: أنت الذي تنهى النّاس عن صوم يوم الجمعة؟ قال: ها وربّ الكعبة ثلاثاً، لقد سمعت محمّداً ﷺ يقول: لا يصوم أحدكم يوم الجمعة وحده إلاَّ في أيّامٍ معه.
وله من طريق ليلى امرأة بشير بن الخصاصية , أنّه سأل النّبيّ ﷺ فقال: لا تصم يوم الجمعة إلاَّ في أيّامٍ هو أحدها.
وهذه الأحاديث تقيّد النّهي المطلق في حديث جابر , وتؤيّد الزّيادة
стр. 1702
التي تقدّمت من تقييد الإطلاق بالإفراد.
ويؤخذ من الاستثناء جوازه لمن صام قبله أو بعده أو اتّفق وقوعه في أيّامٍ له عادةٌ بصومها. كمن يصوم أيّام البيض أو من له عادةٌ بصوم يومٍ معيّنٍ كيوم عرفة فوافق يوم الجمعة، ويؤخذ منه جواز صومه لمن نذر يوم قدوم زيدٍ مثلاً أو يوم شفاء فلانٍ.
واستدل بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصّيام.
ونقله أبو الطّيّب الطّبريّ عن أحمد وابن المنذر وبعض الشّافعيّة.
وكأنّه أخذه من قول ابن المنذر: ثبت النّهي عن صوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد، وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد إفراده بالصّوم (١) فهذا قد يشعر بأنّه يرى بتحريمه.
وقال أبو جعفر الطّبريّ: يفرّق بين العيد والجمعة. بأنّ الإجماع منعقدٌ على تحريم صوم يوم العيد ولو صام قبله أو بعده، بخلاف يوم الجمعة فالإجماع منعقدٌ على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده.
ونقل ابن المنذر وابن حزم. منع صومه عن عليٍّ وأبي هريرة وسلمان وأبي ذرّ، قال ابن حزمٍ: لا نعلم لهم مخالفاً من الصّحابة.
وذهب الجمهور: إلى أنّ النّهي فيه للتّنزيه.
стр. 1703
وعن مالك وأبي حنيفة: لا يكره، قال مالك: لَم أسمع أحداً ممّن يقتدى به ينهى عنه.
قال الدّاوديّ: لعل النّهي ما بلغ مالكاً , وزعم عياضٌ أنّ كلام مالك يؤخذ منه النّهي عن إفراده , لأنّه كره أن يخصّ يوم من الأيّام بالعبادة , فيكون له في المسألة روايتان.
وعاب ابن العربيّ قولَ عبد الوهّاب منهم: يومٌ لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده، لكونه قياساً مع وجود النّصّ.
واستدل الحنفيّة بحديث ابن مسعود: كان رسول الله ﷺ يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيّام، وقلَّما كان يفطر يوم الجمعة " حسّنه التّرمذيّ.
وليس فيه حجّةٌ , لأنّه يحتمل أن يريد كان لا يتعمّد فطره إذا وقع في الأيّام التي كان يصومها، ولا يضادّ ذلك كراهة إفراده بالصّوم جمعاً بين الحديثين.
ومنهم من عدّه من الخصائص، وليس بجيّدٍ , لأنّها لا تثبت بالاحتمال.
والمشهور عند الشّافعيّة وجهان:
أحدهما: ونقله المزنيّ عن الشّافعيّ: أنّه لا يكره إلاَّ لمن أضعفه صومه عن العبادة التي تقع فيه من الصّلاة والدّعاء والذّكر.
الثّاني: وهو الذي صحَّحه المتأخّرون كقول الجمهور واختلف في سبب النّهي عن إفراده على أقوالٍ:
стр. 1704
القول الأول: لكونه يوم عيدٍ والعيد لا يصام، واستشكل ذلك مع الإذن بصيامه مع غيره.
وأجاب ابن القيّم وغيره: بأنّ شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كلّ جهة، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التّحرّي بالصّوم.
القول الثاني: لئلا يضعف عن العبادة. وهذا اختاره النّوويّ.
وتعقِّب: ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه. وأجاب: أنّه يحصل بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل يوم صومه من فتورٍ أو تقصيرٍ.
وفيه نظرٌ. فإنّ الجبران لا ينحصر في الصّوم , بل يحصل بجميع أفعال الخير فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيراً كثيراً يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده. كمن أعتق فيه رقبة مثلاً. ولا قائل بذلك.
وأيضاً. فكأنّ النّهي يختصّ بمن يخشى عليه الضّعف لا من يتحقّق القوّة.
ويمكن الجواب عن هذا: بأنّ المظنّة أقيمت مقام المئنّة كما في جواز الفطر في السّفر لمن لَم يشقّ عليه.
القول الثالث: خوف المبالغة في تعظيمه. فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسّبت.
وهو منتقضٌ بثبوت تعظيمه بغير الصّيام، وأيضاً فاليهود لا يعظّمون السّبت بالصّيام فلو كان الملحوظ ترك موافقتهم لتحتّم
стр. 1705
صومه , لأنّهما لا يصومونه.
وقد روى أبو داود والنّسائيّ وصحَّحه ابن حبّان من حديث أمّ سلمة , أنّ النّبيّ ﷺ كان يصوم من الأيّام السّبت والأحد , وكان يقول: إنّهما يوما عيدٍ للمشركين فأحبّ أن أخالفهم.
القول الرابع: خوف اعتقاد وجوبه. وهو منتقضٌ بصوم الاثنين والخميس.
القول الخامس: خشية أن يفرض عليهم كما خشي ﷺ من قيامهم الليل ذلك.
قال المُهلَّب: وهو منتقضٌ بإجازة صومه مع غيره، وبأنّه لو كان كذلك لجاز بعده ﷺ لارتفاع السّبب.
لكنّ المُهلَّب حمله على ذلك اعتقاده عدم الكراهة على ظاهر مذهبه.
القول السادس: مخالفة النّصارى , لأنّه يجب عليهم صومه , ونحن مأمورون بمخالفتهم نقلها القموليّ. وهو ضعيف.
وأقوى الأقوال وأولاها بالصّواب. أوّلها، وورد فيه صريحاً حديثان:
أحدهما: رواه الحاكم وغيره من طريق عامر بن لدين عن أبي هريرة مرفوعاً: يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلاَّ أن تصوموا قبله أو بعده "
والثّاني: رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ حسنٍ عن عليٍّ قال: من كان منكم متطوّعاً من الشّهر فليصم يوم الخميس، ولا يصم يوم الجمعة
стр. 1706
فإنّه يوم طعامٍ وشرابٍ وذكرٍ.
الحديث الخامس والعشرون
٢٠٦ - عن أبي عبيدٍ مول ابن أزهر - واسمه سعد بن عبيدٍ - قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطّاب ﵁ , فقال: هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما , يوم فطركم من صيامكم , واليوم الآخر , تأكلون فيه من نسككم. (١)
قوله: (مولى ابن أزهر) في رواية الكشميهنيّ " مولى بني أزهر " وكذا في رواية مسلمٍ.
قال البخاري في " صحيحه ": قال ابن عيينة: مَن قال مولى ابن أزهر فقد أصاب، ومَن قال مولى عبد الرّحمن بن عوف فقد أصاب. انتهى.
وكلام ابن عيينة هذا. حكاه عنه عليّ بن المدينيّ في " العلل ". وقد أخرجه ابن أبي شيبة في " مسنده " عن ابن عيينة عن الزّهريّ فقال: عن أبي عبيد مولى ابن أزهر " وأخرجه الحميديّ في " مسنده " عن ابن عيينة حدّثني الزّهريّ سمعت أبا عبيد. فذكر الحديث , ولَم يصفه بشيءٍ.
ورواه عبد الرّزّاق في " مصنّفه " عن معمر عن الزّهريّ , فقال:
стр. 1707
عن أبي عبيد مولى عبد الرّحمن بن عوف. وكذا قال جويرية وسعيدٌ الزّبيريّ ومكّيّ بن إبراهيم عن مالك. حكاه أبو عمر. وذكر أنّ ابن عيينة أيضاً كان يقول فيه كذلك.
وقال ابن التّين: وجه كون القولين صواباً ما روي أنّهما اشتركا في ولائه.
وقيل: يحمل أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز.
وسبب المجاز إمّا بأنّه كان يكثر ملازمة أحدهما إمّا لخدمته أو للأخذ عنه أو لانتقاله من ملك أحدهما إلى ملك الآخر.
وجزم الزّبير بن بكّار: بأنّه كان مولى عبد الرّحمن بن عوف، فعلى هذا فنسبته إلى ابن أزهر هي المجازيّة , ولعلَّها بسبب انقطاعه إليه بعد موت عبد الرّحمن بن عوف، واسم ابن أزهر أيضاً عبد الرّحمن. وهو ابن عمّ عبد الرّحمن بن عوف , وقيل: ابن أخيه.
قوله: (شهدت العيد) زاد يونس عن الزّهريّ في عند البخاري في الأضاحيّ " يوم الأضحى ".
قوله: (هذان) فيه التّغليب، وذلك أنّ الحاضر يشار إليه بهذا , والغائب يشار إليه بذاك , فلمّا أن جمعهما اللفظ قال " هذان " تغليباً للحاضر على الغائب.
قوله: (يوم فطركم) برفع يوم إمّا على أنّه خبر مبتدأٍ محذوفٍ تقديره أحدهما، أو على البدل من قوله " يومان " , وفي رواية يونس المذكورة " أمّا أحدهما فيوم فطركم ".
стр. 1708
قيل: وفائدة وصف اليومين الإشارة إلى العلة في وجوب فطرهما وهو الفصل من الصّوم وإظهار تمامه وحدّه بفطر ما بعده، والآخر لأجل النّسك المتقرّب بذبحه ليؤكل منه، ولو شرع صومه لَم يكن لمشروعيّة الذّبح فيه معنًى فعبّر عن عِلَّة التّحريم بالأكل من النّسك لأنّه يستلزم النّحر ويزيد فائدة التّنبيه على التّعليل.
والمراد بالنّسك هنا الذّبيحة المتقرّب بها قطعاً.
قيل: ويستنبط من هذه العلة تعيّن السّلام للفصل من الصّلاة.
وفي الحديث تحريم صوم يومي العيد. سواءٌ النّذر والكفّارة والتّطوّع والقضاء والتّمتّع وهو بالإجماع.
واختلفوا فيمن فصام يوم عيد: فعن أبي حنيفة ينعقد، وخالفه الجمهور.
فلو نذر صوم يوم قدومٍ زيدٍ. فقدم يوم العيد.
فالأكثر: لا ينعقد النّذر، وعن الحنفيّة: ينعقد ويلزمه القضاء، وفي روايةٍ يلزمه الإطعام، وعن الأوزاعيّ: يقضي إلاَّ إن نوى استثناء العيد، وعن مالك في رواية: يقضي إن نوى القضاء وإلا فلا.
وأخرج البخاري عن ابن عمر , أنّه توقّف في الجواب عن هذه المسألة. فعن زياد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عمر ﵁، فقال: رجل نذر أن يصوم يوماً، قال: أظنه قال: الاثنين، فوافق ذلك يوم عيد، فقال ابن عمر: أمر الله بوفاء النذر , ونهى النبي ﷺ عن صوم هذا اليوم.
стр. 1709
وأصل الخلاف في هذه المسألة , أنّ النّهي هل يقتضي صحّة المنهيّ عنه؟.
القول الأول: قال الأكثر: لا.
القول الثاني: عن محمّد بن الحسن نعم.
واحتجّ بأنّه لا يقال للأعمى لا يبصر , لأنّه تحصيل الحاصل، فدلَّ على أنّ صوم يوم العيد ممكنٌ، وإذا أمكن ثبت الصّحّة.
وأجيب: أنّ الإمكان المذكور عقليٌّ. والنّزاع في الشّرعيّ، والمنهيّ عنه شرعاً غير ممكنٍ فعله شرعاً.
ومن حجج المانعين: أنّ النّفل المطلق إذا نهي عن فعله لَم ينعقد , لأنّ المنهيّ مطلوب التّرك سواءٌ كان للتّحريم أو للتّنزيه، والنّفل مطلوب الفعل فلا يجتمع الضّدّان.
والفرق بينه وبين الأمر ذي الوجهين كالصّلاة في الدّار المغصوبة. أنّ النّهي عن الإقامة في المغصوب ليست لذات الصّلاة , بل للإقامة وطلب الفعل لذات العبادة، بخلاف صوم يوم النّحر مثلاً , فإنّ النّهي فيه لذات الصّوم فافترقا. والله أعلم.
стр. 1710
الحديث السادس والعشرون
٢٠٧ - عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁ , قال: نهى رسول الله ﷺ عن صوم يومين: الفطر والنّحر. وعن الصّمّاء , وأن يحتبي الرّجل في الثّوب الواحد , وعن الصّلاة بعد الصّبح والعصر.
أخرجه مسلم بتمامه , وأخرج البخاري الصوم فقط (١)
قوله: (نهى رسول الله ﷺ عن صوم يومين النحر والفطر) تقدّم في الحديث قبله.
قوله: (اشتمال الصماء) زاد الإسماعيليّ من طريق خالدٍ الطّحّان عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد " لا يواري فرجه بشيءٍ " ومن طريق عبد العزيز بن المختار عن عمرو " ليس بين فرجه وبين السّماء شيءٌ " (٢).
стр. 1711
والصماء: بالصّاد المهملة والمدّ.
قال أهل اللّغة: هو أن يُجلِّل (١) جسده بالثّوب لا يرفع منه جانباً , ولا يبقي ما يخرج منه يده. قال ابن قتيبة: سُمِّيت صمّاء؛ لأنّه يسدّ المنافذ كلّها فتصير كالصّخرة الصّمّاء التي ليس فيها خرق.
وقال الفقهاء: هو أن يلتحف بالثّوب ثمّ يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه. فيصير فرجه بادياً إذا لَم يكن عليه ثوب آخر، فإذا خالف بين طرفي الثّوب الذي اشتمل به لَم يكن صمّاء.
قال النّوويّ: فعلى تفسير أهل اللّغة يكون مكروهاً , لئلا يعرض له حاجة فيتعسّر عليه إخراج يده فيلحقه الضّرر، وعلى تفسير الفقهاء يحرم. لأجل انكشاف العورة.
قلت: ظاهر سياق البخاري من رواية يونس عن ابن شهاب عن عامر بن سعد عن أبي سعيد في اللباس , أنّ التّفسير المذكور فيها مرفوع، وهو موافق لِمَا قال الفقهاء. ولفظه: والصّمّاء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقّيه.
وعلى تقدير أن يكون موقوفاً فهو حجّة على الصّحيح؛ لأنّه تفسير من الرّاوي لا يخالف ظاهر الخبر.
قوله: (وأن يحتبي) الاحتباء أن يقعد على أليتيه وينصب ساقيه ويلفّ عليه ثوباً، ويقال له الحبوة، وكانت من شأن العرب.
وفسّرها في رواية يونس المذكورة بنحو ذلك " واللبسة الأخرى:
стр. 1712
احتباؤه بثوبه وهو جالس، ليس على فرجه منه شيء " وترجم البخاري على الحديث بقوله: الجلوس حيثما تيسّر.
قال المُهلَّب: هذه التّرجمة قائمة من دليل الحديث، وذلك أنّه نهى عن حالتين ففهم منه إباحة غيرهما ممّا تيسّر من الهيئات والملابس إذا ستر العورة.
قلت: والذي يظهر لي أنّ المناسبة تؤخذ من جهة العدول عن النّهي عن هيئة الجلوس إلى النّهي عن لبستين يستلزم كلّ منهما انكشاف العورة، فلو كانت الجلسة مكروهة لذاتها لَم يتعرّض لذكر اللّبس، فدلَّ على أنّ النّهي عن جلسة تفضي إلى كشف العورة وما لا يفضي إلى كشف العورة يباح في كلّ صورة.
ثمّ ادّعى المُهلَّب: أنّ النّهي عن هاتين اللبستين خاصّ بحالة الصّلاة لكونهما لا يستران العورة في الخفض والرّفع، وأمّا الجالس في غير الصّلاة فإنّه لا يصنع شيئاً ولا يتصرّف بيديه فلا تنكشف عورته فلا حرج عليه، قال: وقد سبق أنّه ﷺ احتبى. (١)
стр. 1713
قلت: وغفل ﵀ عمّا وقع من التّقييد في نفس الخبر، فإنّ فيه: والاحتباء في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء , والصّمّاء. أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقّيه. وستر العورة مطلوب في كلّ حالة , وإن تأكّد في حالة الصّلاة لكونها قد تبطل بتركه.
ونقل ابن بطّال: عن ابن طاوسٍ, أنّه كان يكره التّربّع. ويقول: هي جلسة مُهلكة. (١)
стр. 1714
وتعقّب: بما أخرجه مسلم والثّلاثة من حديث جابر بن سمرة: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى الفجر. تربَّع في مجلسه حتّى تطلع الشّمس (١). ويمكن الجمع. (٢)
قوله: (وعن الصلاة بعد الصبح والعصر) تقدّم الكلام عليه في أبواب الصلاة.
стр. 1715
الحديث السابع والعشرون
٢٠٨ - عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من صام يوماً في سبيل الله بعّد الله وجهَه عن النّار سبعين خريفاً. (١)
قوله: (في سبيل الله) قال ابن الجوزيّ: إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد. وقال القرطبيّ: سبيل الله طاعة الله , فالمراد من صام قاصداً وجه الله.
قلت: ويحتمل أن يكون ما هو أعمّ من ذلك.
ثمّ وجدته في " فوائد أبي الطّاهر الذّهليّ " من طريق عبد الله بن عبد العزيز الليثيّ عن المقبريّ عن أبي هريرة بلفظ " ما من مرابطٍ يرابط في سبيل الله فيصوم يوماً في سبيل الله " الحديث.
وقال ابن دقيق العيد: العرف الأكثر استعماله في الجهاد. فإن حمل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين.
قال: ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت , والأوّل أقرب. ولا يعارض ذلك أنّ الفطر في الجهاد أولى , لأنّ الصّائم يضعف عن اللقاء والفضل المذكور محمول على من لَم يخش ضعفاً , ولا سيّما من اعتاد به فصار ذلك من الأمور النّسبيّة فمن لَم يضعفه الصّوم عن الجهاد فالصّوم في حقّه أفضل ليجمع بين الفضيلتين.
стр. 1716
وقد تقدّم مزيد في الكلام على الصّوم في السّفر.
قوله: (سبعين خريفاً) الخريف زمان معلوم من السّنة , والمراد به هنا العام وتخصيص الخريف بالذّكر دون بقيّة الفصول الصّيف والشّتاء والرّبيع , لأنّ الخريف أزكى الفصول. لكونه يجنى فيه الثّمار.
ونقل الفاكهانيّ: أنّ الخريف يجتمع فيه الحرارة والبرودة والرّطوبة واليبوسة دون غيره , وردّ بأنّ الرّبيع كذلك.
قال القرطبيّ. ورد ذكر السّبعين لإرادة التّكثير كثيراً. انتهى
ويؤيّده. أنّ النّسائيّ أخرج الحديث المذكور عن عقبة بن عامر , والطّبرانيّ عن عمرو بن عبسة , وأبو يعلى عن معاذ بن أنس , فقالوا جميعاً في رواياتهم " مائة عام ".
стр. 1717
باب ليلة القدر
الحديث الثامن والعشرون
٢٠٩ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ رجالاً من أصحاب النّبيّ ﷺ أُروا ليلة القدر في المنام في السّبع الأواخر. فقال النّبيّ ﷺ : أرى رؤياكم قد تواطأت في السّبع الأواخر. فمن كان متحرّيها فليتحرّها في السّبع الأواخر. (١)
قوله: (أنّ رجالاً من أصحاب النّبيّ ﷺ ) لَم أقف على تسمية أحدٍ من هؤلاء.
قوله: (أروا ليلة القدر) أروا بضمّ أوّله على البناء للمجهول. أي: قيل لهم في المنام: إنّها في السّبع الأواخر.
والظّاهر أنّ المراد به أواخر الشّهر، وقيل: المراد به السّبع التي أوّلها ليلة الثّاني والعشرين وآخرها ليلة الثّامن والعشرين.
فعلى الأوّل: لا تدخل ليلة إحدى وعشرين , ولا ثلاثٍ وعشرين.
وعلى الثّاني: تدخل الثّانية فقط , ولا تدخل ليلة التّاسع والعشرين، وقد رواه البخاري من طريق الزّهريّ عن سالمٍ عن أبيه , إنّ ناساً أروا ليلة القدر في السّبع الأواخر، وإنّ ناساً أروا أنّها في العشر
стр. 1718
الأواخر، فقال النّبيّ ﷺ : التمسوها في السّبع الأواخر.
وكأنّه ﷺ نظر إلى المتّفق عليه من الرّوايتين فأمر به، وقد رواه أحمد عن ابن عيينة عن الزّهريّ بلفظ: رأى رجلٌ أنّ ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أو كذا وكذا، فقال النّبيّ ﷺ : التمسوها في العشر البواقي في الوتر منها.
ورواه أحمد من حديث عليٍّ مرفوعاً: إن غلبتم فلا تغلبوا في السّبع البواقي. ولمسلمٍ عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر بلفظ: من كان ملتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر.
ولمسلمٍ من طريق عقبة بن حريثٍ عن ابن عمر: التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعُف أحدكم أو عجَز فلا يغلبن على السّبع البواقي. وهذا السّياق يرجّح الاحتمال الأوّل من تفسير السّبع.
قوله: (ليلة القدر).
اختلف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه الليلة.
فقيل: المراد به التعظيم كقوله تعالى (وما قدروا الله حق قدره) والمعنى أنها ذات قدر لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من تنزل الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو أنَّ الذي يحييها يصير ذا قدر.
وقيل: القدر هنا التضييق كقوله تعالى (ومن قُدر عليه رزقه) ومعنى التضييق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها، أو لأنَّ الأرض تضيق فيها عن الملائكة.
стр. 1719
وقيل: القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة لقوله تعالى (فيها يفرق كل أمر حكيم).
وبه صدر النووي كلامه. فقال: قال العلماء سميت ليلة القدر لِما تَكْتب فيها الملائكة من الأقدار لقوله تعالى (فيها يفرق كل أمر حكيم) ورواه عبد الرزاق وغيره من المفسرين بأسانيد صحيحة عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم.
وقال التوربشتي: إنما جاء القدر بسكون الدال، وإن كان الشائع في القدر الذي هو مؤاخي القضاء فتح الدال ليعلم أنه لَم يرد به ذلك. وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة لتحصيل ما يلقى إليهم فيها مقداراً بمقدار.
قوله: (أرى) بفتحتين. أي: أعلم، والمراد أبصر مجازاً.
قوله: (رؤياكم) قال عياضٌ: كذا جاء بإفراد الرّؤيا، والمراد مرائيكم , لأنّها لَم تكن رؤيا واحدةً وإنّما أراد الجنس.
وقال ابن التّين: كذا روي بتوحيد الرّؤيا، وهو جائزٌ لأنّها مصدرٌ، قال: وأفصح منه رؤاكم جمع رؤيا ليكون جمعاً في مقابلة جمعٍ.
قوله: (تواطأت) بالهمزة. أي: توافقت وزناً ومعنًى، أي: توافقُ جماعةٍ على شيء واحد ولو اختلفت عباراتهم.
وقال ابن التّين. روي بغير همزٍ والصّواب بالهمز، وأصله أن يطأ الرّجل برجله مكان وطء صاحبه.
стр. 1720
وفي هذا الحديث دلالةٌ على عظم قدر الرّؤيا , وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجوديّة بشرط أن لا يخالف القواعد الشّرعيّة.
ويستفاد من الحديث أنّ توافق جماعة على رؤيا واحدة دالٌّ على صدقها وصحّتها , كما تستفاد قوّة الخبر من التّوارد على الإخبار من جماعة.