← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وقد تقدّم مزيد في الكلام على الصّوم في السّفر. قوله: (سبعين خريفاً) الخريف زمان معلوم من السّنة , والمراد به هنا العام وتخصيص الخريف بالذّكر دون بقيّة الفصول الصّيف والشّتاء والرّبيع , لأنّ الخريف أزكى الفصول. لكونه يجنى فيه الثّمار. ونقل الفاكهانيّ: أنّ الخريف يجتمع فيه الحرارة والبرودة والرّطوبة واليبوسة دون غيره , وردّ بأنّ الرّبيع كذلك. قال القرطبيّ. ورد ذكر السّبعين لإرادة التّكثير كثيراً. انتهى ويؤيّده. أنّ النّسائيّ أخرج الحديث المذكور عن عقبة بن عامر , والطّبرانيّ عن عمرو بن عبسة , وأبو يعلى عن معاذ بن أنس , فقالوا جميعاً في رواياتهم " مائة عام ".

стр. 1717

باب ليلة القدر الحديث الثامن والعشرون ٢٠٩ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ رجالاً من أصحاب النّبيّ ﷺ أُروا ليلة القدر في المنام في السّبع الأواخر. فقال النّبيّ ﷺ : أرى رؤياكم قد تواطأت في السّبع الأواخر. فمن كان متحرّيها فليتحرّها في السّبع الأواخر. (١) قوله: (أنّ رجالاً من أصحاب النّبيّ ﷺ ) لَم أقف على تسمية أحدٍ من هؤلاء. قوله: (أروا ليلة القدر) أروا بضمّ أوّله على البناء للمجهول. أي: قيل لهم في المنام: إنّها في السّبع الأواخر. والظّاهر أنّ المراد به أواخر الشّهر، وقيل: المراد به السّبع التي أوّلها ليلة الثّاني والعشرين وآخرها ليلة الثّامن والعشرين. فعلى الأوّل: لا تدخل ليلة إحدى وعشرين , ولا ثلاثٍ وعشرين. وعلى الثّاني: تدخل الثّانية فقط , ولا تدخل ليلة التّاسع والعشرين، وقد رواه البخاري من طريق الزّهريّ عن سالمٍ عن أبيه , إنّ ناساً أروا ليلة القدر في السّبع الأواخر، وإنّ ناساً أروا أنّها في العشر

стр. 1718

الأواخر، فقال النّبيّ ﷺ : التمسوها في السّبع الأواخر. وكأنّه ﷺ نظر إلى المتّفق عليه من الرّوايتين فأمر به، وقد رواه أحمد عن ابن عيينة عن الزّهريّ بلفظ: رأى رجلٌ أنّ ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أو كذا وكذا، فقال النّبيّ ﷺ : التمسوها في العشر البواقي في الوتر منها. ورواه أحمد من حديث عليٍّ مرفوعاً: إن غلبتم فلا تغلبوا في السّبع البواقي. ولمسلمٍ عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر بلفظ: من كان ملتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر. ولمسلمٍ من طريق عقبة بن حريثٍ عن ابن عمر: التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعُف أحدكم أو عجَز فلا يغلبن على السّبع البواقي. وهذا السّياق يرجّح الاحتمال الأوّل من تفسير السّبع. قوله: (ليلة القدر). اختلف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه الليلة. فقيل: المراد به التعظيم كقوله تعالى (وما قدروا الله حق قدره) والمعنى أنها ذات قدر لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من تنزل الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو أنَّ الذي يحييها يصير ذا قدر. وقيل: القدر هنا التضييق كقوله تعالى (ومن قُدر عليه رزقه) ومعنى التضييق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها، أو لأنَّ الأرض تضيق فيها عن الملائكة.

стр. 1719

وقيل: القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة لقوله تعالى (فيها يفرق كل أمر حكيم). وبه صدر النووي كلامه. فقال: قال العلماء سميت ليلة القدر لِما تَكْتب فيها الملائكة من الأقدار لقوله تعالى (فيها يفرق كل أمر حكيم) ورواه عبد الرزاق وغيره من المفسرين بأسانيد صحيحة عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم. وقال التوربشتي: إنما جاء القدر بسكون الدال، وإن كان الشائع في القدر الذي هو مؤاخي القضاء فتح الدال ليعلم أنه لَم يرد به ذلك. وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة لتحصيل ما يلقى إليهم فيها مقداراً بمقدار. قوله: (أرى) بفتحتين. أي: أعلم، والمراد أبصر مجازاً. قوله: (رؤياكم) قال عياضٌ: كذا جاء بإفراد الرّؤيا، والمراد مرائيكم , لأنّها لَم تكن رؤيا واحدةً وإنّما أراد الجنس. وقال ابن التّين: كذا روي بتوحيد الرّؤيا، وهو جائزٌ لأنّها مصدرٌ، قال: وأفصح منه رؤاكم جمع رؤيا ليكون جمعاً في مقابلة جمعٍ. قوله: (تواطأت) بالهمزة. أي: توافقت وزناً ومعنًى، أي: توافقُ جماعةٍ على شيء واحد ولو اختلفت عباراتهم. وقال ابن التّين. روي بغير همزٍ والصّواب بالهمز، وأصله أن يطأ الرّجل برجله مكان وطء صاحبه.

стр. 1720

وفي هذا الحديث دلالةٌ على عظم قدر الرّؤيا , وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجوديّة بشرط أن لا يخالف القواعد الشّرعيّة. ويستفاد من الحديث أنّ توافق جماعة على رؤيا واحدة دالٌّ على صدقها وصحّتها , كما تستفاد قوّة الخبر من التّوارد على الإخبار من جماعة.

стр. 1721

الحديث التاسع والعشرون ٢١٠ - عن عائشة ﵂ , أنّ رسول الله ﷺ , قال: تحرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر. (١) قوله: (تحرَّوا) ولهما من رواية هشام عن أبيه عنها " التمسوا " وللبخاري " كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر الأواخر من رمضان. ويقول: تحروا .. الحديث. وأشار البخاري (٢) إلى رجحان كون ليلة القدر منحصرةً في رمضان , ثمّ في العشر الأخير منه , ثمّ في أوتاره لا في ليلةٍ منه بعينها. وهذا هو الذي يدلّ عليه مجموع الأخبار الواردة فيها. وقد ورد لليلة القدر علاماتٌ أكثرها لا تظهر. إلاَّ بعد أن تمضي. منها في صحيح مسلم عن أبيّ بن كعبٍ , أنّ الشّمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها. وفي روايةٍ لأحمد من حديثه " مثل الطّست " ونحوه لأحمد من طريق أبي عون عن ابن مسعود وزاد " صافية " ومن حديث ابن عبّاس نحوه. ولابن خزيمة من حديثه مرفوعاً " ليلة القدر طلقةٌ لا حارّةٌ ولا باردةٌ، تصبح الشّمس يومها حمراء ضعيفةٌ ".

стр. 1722

ولأحمد من حديث عبادة بن الصّامت مرفوعاً " إنّها صافيةٌ بلجةٌ كأنّ فيها قمراً ساطعاً، ساكنةٌ صاحيةٌ لا حرّ فيها ولا برد، ولا يحلّ لكوكبٍ يرمى به فيها، ومن أماراتها أنّ الشّمس في صبيحتها تخرج مستويةً ليس لها شعاعٌ مثل القمر ليلة البدر , ولا يحلّ للشّيطان أن يخرج معها يومئذٍ ". ولابن أبي شيبة من حديث ابن مسعود أيضاً " أنّ الشّمس تطلع كل يومٍ بين قرني شيطان، إلاَّ صبيحة ليلة القدر " وله من حديث جابر بن سمرة مرفوعاً " ليلة القدر ليلة مطر وريح ". ولابن خزيمة من حديث جابر مرفوعاً في ليلة القدر " وهي ليلةٌ طلقةٌ بلجةٌ لا حارّةٌ ولا باردةٌ، تتّضح كواكبها ولا يخرج شيطانها حتّى يضيء فجرها ". ومن طريق قتادة أبي ميمونة عن أبي هريرة مرفوعاً " إنّ الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى ". وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهدٍ " لا يرسل فيها شيطان، ولا يحدث فيها داءٌ " ومن طريق الضّحاك " يقبل الله التّوبة فيها من كلّ تائب، وتفتح فيها أبواب السّماء، وهي من غروب الشّمس إلى طلوعها ". وذكر الطّبرىّ عن قومٍ: أنّ الأشجار في تلك الليلة تسقط إلى الأرض , ثمّ تعود إلى منابتها. وأنّ كلّ شيء يسجد فيها. وروى البيهقيّ في " فضائل الأوقات " من طريق الأوزاعيّ عن

стр. 1723

عبدة بن أبي لبابة أنّه سمعه يقول: إنّ المياه المالحة تعذب تلك الليلة " وروى ابن عبد البرّ من طريق زهرة بن معبد نحوه وقد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافاً كثيراً. وتحصّل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولاً. كما وقع لنا نظير ذلك في ساعة الجمعة (١)، وقد اشتركتا في إخفاء كلّ منهما ليقع الجدّ في طلبهما: القول الأوّل: أنّها رفعت أصلاً ورأساً حكاه المتولي في التّتمّة عن الرّوافض والفاكهانيّ في شرح العمدة عن الحنفيّة. وكأنّه خطأ منه. والذي حكاه السّروجيّ أنّه قول الشّيعة. وقد روى عبد الرّزّاق من طريق داود بن أبي عاصم عن عبد الله بن يحنس قلت لأبي هريرة: زعموا أنّ ليلة القدر رُفعت، قال: كذب مَن قال ذلك. ومن طريق عبد الله بن شريك قال: ذكر الحجّاج ليلة القدر فكأنّه أنكرها، فأراد زرّ بن حبيشٍ أن يحصّبه. فمنعه قومه. القول الثّاني: أنّها خاصّة بسنةٍ واحدة وقعت في زمن رسول الله ﷺ . حكاه الفاكهانيّ أيضاً. القول الثّالث: أنّها خاصّة بهذه الأمّة ولَم تكن في الأمم قبلهم، جزم به ابن حبيب وغيره من المالكيّة. ونقله عن الجمهور , وحكاه صاحب " العدّة " من الشّافعيّة ورجّحه. وهو معترضٌ بحديث أبي ذرّ عند النّسائيّ حيث قال فيه , قلت: يا رسولَ الله أتكون مع الأنبياء. فإذا ماتوا رُفعت؟ قال: لا. بل هي

стр. 1724

باقية. وعمدتهم قول مالك في " الموطّأ ": بلغني أنّ رسول الله ﷺ تقاصر أعمار أمّته عن أعمار الأمم الماضية فأعطاه الله ليلة القدر. (١) وهذا يحتمل التّأويل. فلا يدفع التّصريح في حديث أبي ذرٍّ. القول الرّابع: أنّها ممكنةٌ في جميع السّنة، وهو قول مشهور عن الحنفيّة حكاه قاضي خان وأبو بكر الرّازيّ منهم، وروي مثله عن ابن مسعود وابن عبّاس وعكرمة وغيرهم. وزيّف المُهلَّب هذا القول , وقال: لعل صاحبه بناه على دوران الزّمان لنقصان الأهلة، وهو فاسد , لأنّ ذلك لَم يعتبر في صيام رمضان فلا يعتبر في غيره حتّى تنقل ليلة القدر عن رمضان. انتهى. ومأخذ ابن مسعود كما ثبت في صحيح مسلم عن أبيّ بن كعب , أنّه أراد أن لا يتّكل النّاس. القول الخامس: أنّها مختصّة برمضان. ممكنةٌ في جميع لياليه، وهو قول ابن عمر رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ عنه، وروي مرفوعاً عنه أخرجه أبو داود. وفي " شرح الهداية " الجزم به عن أبي حنيفة , وقال به ابن المنذر

стр. 1725

والمحامليّ وبعض الشّافعيّة ورجّحه السّبكيّ في " شرح المنهاج " وحكاه ابن الحاجب روايةً. وقال السّروجيّ في " شرح الهداية ": قول أبي حنيفة إنّها تنتقل في جميع رمضان , وقال صاحباه: إنّها في ليلةٍ معيّنةٍ منه مبهمةٍ، وكذا قال النّسفيّ في " المنظومة ": وليلة القدر بكل الشّهر دائرةٌ وعيّناها فادر. انتهى. وهذا القول حكاه ابن العربيّ عن قوم. وهو القول السّادس. القول السّابع: أنّها أوّل ليلة من رمضان حُكي عن أبي رزين العقيليّ الصّحابيّ. وروى ابن أبي عاصم من حديث أنس قال: ليلة القدر أوّل ليلة من رمضان، قال ابن أبي عاصم: لا نعلم أحداً قال ذلك غيره. القول الثّامن: أنّها ليلة النّصف من رمضان. حكاه شيخنا سراج الدّين ابن الملقّن في " شرح العمدة " , والذي رأيت في " المفهم " للقرطبيّ حكاية قول أنّها ليلة النّصف من شعبان، وكذا نقله السّروجيّ عن صاحب " الطّراز ". فإن كانا محفوظين فهو القول التّاسع، ثمّ رأيت في " شرح السّروجيّ " عن " المحيط " أنّها في النّصف الأخير القول العاشر: أنّها ليلة سبع عشرة من رمضان. روى ابن أبي شيبة والطّبرانيّ من حديث زيد بن أرقم قال: ما أشكّ ولا أمتري أنّها ليلة سبع عشرة من رمضان ليلة أنزل القرآن،

стр. 1726

وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود أيضاً. القول الحادي عشر: أنّها مبهمة في العشر الأوسط. حكاه النّوويّ , وعزاه الطّبريّ لعثمان بن أبي العاص والحسن البصريّ , وقال به بعض الشّافعيّة. القول الثّاني عشر: أنّها ليلة ثمان عشرة. قرأته بخطّ القطب الحلبيّ في شرحه , وذكره ابن الجوزيّ في مشكله. القول الثّالث عشر: أنّها ليلة تسع عشرة. رواه عبد الرّزّاق عن عليّ، وعزاه الطّبريّ لزيد بن ثابت وابن مسعود، ووصله الطّحاويّ عن ابن مسعود. القول الرّابع عشر: أنّها أوّل ليلة من العشر الأخير. وإليه مال الشّافعيّ , وجزم به جماعة من الشّافعيّة. ولكن قال السّبكيّ: إنّه ليس مجزوماً به عندهم لاتّفاقهم على عدم حنث من علَّق يوم العشرين عتق عبده في ليلة القدر. أنّه لا يعتق تلك الليلة , بل بانقضاء الشّهر على الصّحيح. بناء على أنّها في العشر الأخير. وقيل: بانقضاء السّنة. بناء على أنّها لا تختصّ بالعشر الأخير , بل هي في رمضان القول الخامس عشر: مثل الذي قبله إلاَّ أنّه إن كان الشّهر تامّاً فهي ليلة العشرين , وإن كان ناقصاً فهي ليلة إحدى وعشرين. وهكذا في جميع الشّهر.

стр. 1727

وهو قول ابن حزمٍ وزعم: أنّه يجمع بين الإخبار بذلك. ويدلّ له ما رواه أحمد والطّحاويّ من حديث عبد الله بن أنيسٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: التمسوها الليلة، قال: وكانت تلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين، فقال رجل: هذه أولى بثمانٍ بقين، قال: بل أولى بسبعٍ بقين فإنّ هذا الشّهر لا يتمّ. القول السّادس عشر: أنّها ليلة اثنين وعشرين وسيأتي حكايته بعد. وروى أحمد من حديث عبد الله بن أنيسٍ , أنّه سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر وذلك صبيحة إحدى وعشرين , فقال: كم الليلة؟ قلت: ليلة اثنين وعشرين، فقال: هي الليلة أو القابلة. القول السّابع عشر: أنّها ليلة ثلاث وعشرين. رواه مسلم عن عبد الله بن أنيسٍ مرفوعاً " أريت ليلة القدر ثمّ نسّيتها " فذكر مثل حديث أبي سعيد (١) لكنّه قال فيه " ليلة ثلاث وعشرين بدل إحدى وعشرين " وعنه قال: قلت: يا رسولَ الله إنَّ لي بادية أكون فيها، فمرني بليلة القدر، قال: انزل ليلة ثلاث وعشرين. وروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن معاوية قال: ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين. ورواه إسحاق في " مسنده " من طريق أبي حازم عن رجلٍ من بني بياضة له صحبة مرفوعاً. وروى عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن أيّوب عن نافع عن ابن عمر

стр. 1728

مرفوعاً " من كان متحرّيها فليتحرّها ليلة سابعة , وكان أيّوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمسّ الطّيب، وعن ابن جريج عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عبّاس , أنّه كان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين. وروى عبد الرّزّاق من طريق يونس بن سيف سمع سعيد بن المسيّب يقول: استقام قول القوم على أنّها ليلة ثلاث وعشرين، ومن طريق إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وعن طريق مكحول , أنّه كان يراها ليلة ثلاث وعشرين. القول الثّامن عشر: أنّها ليلة أربع وعشرين كما في حديث ابن عبّاس (١). وروى الطّيالسيّ من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعاً " ليلة القدر ليلة أربع وعشرين " وروي ذلك عن ابن مسعود , وللشّعبيّ والحسن وقتادة. وحجّتهم حديث واثلة: أنّ القرآن نزل لأربع وعشرين من رمضان , وروى أحمد من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي الخير الصّنابحيّ عن بلال مرفوعاً: التمسوا ليلة القدر ليلة أربع وعشرين. وقد أخطأ ابن لهيعة في رفعه. فقد رواه عمرو بن الحارث عن يزيد بهذا الإسناد موقوفاً بغير لفظه. كما أخرجه البخاري في أواخر المغازي بلفظ " ليلة القدر أوّل السّبع من العشر الأواخر ". القول التّاسع عشر: أنّها ليلة خمس وعشرين. حكاه ابن العربيّ في "

стр. 1729

العارضة " , وعزاه ابن الجوزيّ في " المشكل " لأبي بكرة. القول العشرون: أنّها ليلة ستّ وعشرين , وهو قولٌ لَم أره صريحاً , إلاَّ أنّ عياضاً قال: ما من ليلة من ليالي العشر الأخير إلاَّ وقد قيل إنّها فيه. القول الحادي والعشرون: أنّها ليلة سبع وعشرين. وهو الجادّة من مذهب أحمد ورواية عن أبي حنيفة , وبه جزم أبيّ بن كعب وحلف عليه كما أخرجه مسلم. وروى مسلم أيضاً من طريق أبي حازم عن أبي هريرة قال: تذاكرنا ليلة القدر فقال ﷺ : أيّكم يذكر حين طلع القمر كأنّه شقّ جفنة؟. قال أبو الحسن الفارسيّ: أي ليلة سبع وعشرين, فإنّ القمر يطلع فيها بتلك الصّفة وروى الطّبرانيّ من حديث ابن مسعود , سئل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ فقال: أيّكم يذكر ليلة الصّهباوات؟ قلت: أنا، وذلك ليلة سبع وعشرين " ورواه ابن أبي شيبة عن عمر وحذيفة وناسٍ من الصّحابة. وفي الباب عن ابن عمر عند مسلم: رأى رجل ليلة القدر ليلة سبع وعشرين. ولأحمد من حديثه مرفوعاً " ليلة القدر ليلة سبع وعشرين " , ولابن المنذر " من كان متحرّيها فليتحرّها ليلة سبع وعشرين " وعن جابر بن سمرة نحوه. أخرجه الطّبرانيّ في أوسطه، وعن معاوية نحوه أخرجه أبو داود.

стр. 1730

وحكاه صاحب " الحلية " من الشّافعيّة. عن أكثر العلماء. وقد استنبط ابن عبّاس عند عمر ووافقه. فروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة وعاصم أنهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عباس: دعا عمر أصحاب رسول الله ﷺ فسألهم عن ليلة القدر فاجمعوا على أنها في العشر الأواخر , قال ابن عباس: فقلت لعمر: إني لأعلم أو أظن أيَّ ليلة هي , قال عمر: أيَّ ليلة هي؟ فقلت: سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر , فقال: من أين علمت ذلك؟ قلت: خلق الله سبع سماوات وسبع أرضين وسبعة أيام , والدهر يدور في سبع , والإنسان خلق من سبع ويأكل من سبع ويسجد على سبع , والطواف والجمار وأشياء ذكرها , فقال عمر: لقد فطنت لأمر ما فطنَّا له. ورواه محمد بن نصر في " قيام الليل " من وجه آخر. وزاد فيه " , وأن الله جعل النسب في سبع والصهر في سبع , ثم تلا (حرمت عليكم امهاتكم) " , وفي رواية الحاكم " إني لأرى القول كما قلت ". وزعم ابن قدامة: أنّ ابن عبّاس استنبط ذلك من عدد كلمات السّورة. وقد وافق قوله فيها هي سابع كلمة بعد العشرين. وهذا نقله ابن حزم عن بعض المالكيّة. وبالغ في إنكاره. نقله ابن عطيّة في " تفسيره " , وقال: إنّه من مُلَح التّفاسير. وليس من متين العلم. واستنبط بعضهم ذلك في جهة أخرى فقال: ليلة القدر تسعة

стр. 1731

أحرف. وقد أعيدت في السّورة ثلاث مرّات فذلك سبع وعشرون. وقال صاحب الكافي من الحنفيّة وكذا المحيط: مَن قال لزوجته أنت طالق ليلة القدر طلُقت ليلة سبع وعشرين , لأنّ العامّة تعتقد أنّها ليلة القدر. القول الثّاني والعشرون: أنّها ليلة ثمان وعشرين. وقد تقدّم توجيهه قبل بقولٍ. القول الثّالث والعشرون: أنّها ليلة تسع وعشرين. حكاه ابن العربيّ. القول الرّابع والعشرون: أنّها ليلة ثلاثين. حكاه عياض والسّروجيّ في شرح الهداية , ورواه محمّد بن نصر والطّبريّ عن معاوية , وأحمد من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة. القول الخامس والعشرون: أنّها في أوتار العشر الأخير. وعليه يدلّ حديث عائشة وغيرها في هذا الباب. وهو أرجح الأقوال , وصار إليه أبو ثور والمزنيّ وابن خزيمة وجماعة من علماء المذاهب. القول السّادس والعشرون: مثله بزيادة الليلة الأخيرة. رواه التّرمذيّ من حديث أبي بكرة وأحمد من حديث عبادة بن الصّامت. القول السّابع والعشرون: تنتقل في العشر الأخير كلّه , قاله أبو قلابة. ونصّ عليه مالك والثّوريّ وأحمد وإسحاق.

стр. 1732

وزعم الماورديّ أنّه متّفقٌ عليه؛ وكأنّه أخذه من حديث ابن عبّاس , أنّ الصّحابة اتّفقوا على أنّها في العشر الأخير , ثمّ اختلفوا في تعيينها منه. فروى عبد الرّزّاق عن معمر عن قتادة وعاصم أنّهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عبّاس: دعا عمر أصحاب رسول الله ﷺ فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا على أنّها العشر الأواخر، قال ابن عبّاس: فقلت: لعمر إنّي لأعلم - أو أظنّ - أيّ ليلةٍ هي، قال عمر: أيّ ليلةٍ هي؟ فقلت: سابعةٌ تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر .. الحديث. ويؤيّد كونها في العشر الأخير حديث أبي سعيد الصّحيح (١) , أنّ جبريل قال للنّبيّ ﷺ لَمّا اعتكف العشر الأوسط: إنّ الذي تطلب أمامك. وكذا اعتكافه ﷺ العشر الأخير في طلب ليلة القدر , واعتكاف أزواجه بعده , والاجتهاد فيه. واختلف القائلون به. فمنهم مَن قال: هي فيه محتملة على حدّ سواء نقله الرّافعيّ عن مالك وضعّفه ابن الحاجب. ومنهم مَن قال: بعض لياليه أرجى من بعض. فقال الشّافعيّ: أرجاه ليلة إحدى وعشرين وهو القول الثّامن والعشرون. وقيل: أرجاه ليلة ثلاث وعشرين وهو القول التّاسع والعشرون.

стр. 1733

وقيل: أرجاه ليلة سبع وعشرين وهو القول الثّلاثون. القول الحادي والثّلاثون: أنّها تنتقل في السّبع الأواخر، وقد تقدّم بيان المراد منه في حديث ابن عمر: هل المراد ليالي السّبع من آخر الشّهر أو آخر سبعة تعدّ من الشّهر؟. ويخرج من ذلك القول الثّاني والثّلاثون. القول الثّالث والثّلاثون: أنّها تنتقل في النّصف الأخير. ذكره صاحب المحيط عن أبي يوسف ومحمّد، وحكاه إمام الحرمين عن صاحب التّقريب. القول الرّابع والثّلاثون: أنّها ليلة ستّ عشرة أو سبع عشرة. رواه الحارث بن أبي أسامة من حديث عبد الله بن الزّبير. القول الخامس والثّلاثون: أنّها ليلة سبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين , رواه سعيد بن منصور من حديث أنس بإسنادٍ ضعيفٍ. القول السّادس والثّلاثون: أنّها في أوّل ليلة من رمضان أو آخر ليلة. رواه ابن أبي عاصم من حديث أنس بإسنادٍ ضعيفٍ. القول السّابع والثّلاثون: أنّها أوّل ليلة أو تاسع ليلة أو سابع عشرة أو إحدى وعشرين أو آخر ليلة. رواه ابن مردويه في " تفسيره " عن أنس بإسنادٍ ضعيفٍ. القول الثّامن والثّلاثون: أنّها ليلة تسع عشرة أو إحدى عشرة أو ثلاث وعشرين.

стр. 1734

رواه أبو داود من حديث ابن مسعود بإسنادٍ فيه مقال، وعبد الرّزّاق من حديث عليّ بإسنادٍ منقطع، وسعيد بن منصور من حديث عائشة بإسنادٍ منقطعٍ أيضاً القول التّاسع والثّلاثون: ليلة ثلاث وعشرين , أو سبع وعشرين. وهو مأخوذ من حديث ابن عبّاس في البخاري حيث قال: سبع يبقين أو سبع يمضين. (١) ولأحمد من حديث النّعمان بن بشير " سابعه تمضي أو سابعة تبقى " قال النّعمان: فنحن نقول ليلة سبع وعشرين , وأنتم تقولون ليلة ثلاث وعشرين. القول الأربعون: ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين كما في حديث عبادة بن الصّامت: خرج النبي ﷺ ليخبرنا بليلة القدر. فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة. ولأبي داود من حديثه بلفظ " تاسعة تبقى سابعة تبقى خامسة

стр. 1735

تبقى ". قال مالك في " المدوّنة ": قوله: تاسعة تبقى. ليلة إحدى وعشرين إلخ. القول الحادي والأربعون: أنّها منحصرة في السّبع الأواخر من رمضان لحديث ابن عمر في الباب الذي قبله. القول الثّاني والأربعون: أنّها ليلة اثنتين وعشرين أو ثلاث وعشرين لحديث عبد الله بن أنيسٍ عند أحمد. القول الثّالث والأربعون: أنّها في أشفاع العشر الوسط والعشر الأخير. قرأته بخطّ مغلطاي. القول الرّابع والأربعون: أنّها ليلة الثّالثة من العشر الأخير أو الخامسة منه. رواه أحمد من حديث معاذ بن جبل. والفرق بينه وبين ما تقدّم. أنّ الثّالثة تحتمل ليلة ثلاث وعشرين , وتحتمل ليلة سبع وعشرين فتنحلّ إلى أنّها ليلة ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين أو سبع وعشرين. وبهذا يتغاير هذا القول ممّا مضى القول الخامس والأربعون: أنّها في سبع أو ثمان من أوّل النّصف الثّاني. روى الطّحاويّ من طريق عطيّة بن عبد الله بن أنيسٍ عن أبيه , أنّه سأل النّبيّ ﷺ عن ليلة القدر فقال: تحرّها في النّصف الأخير، ثمّ عاد فسأله فقال: إلى ثلاث وعشرين، قال: وكان عبد الله يحيي ليلة ستّ عشرة إلى ليلة ثلاث وعشرين ثمّ يقصّر.

стр. 1736

القول السّادس والأربعون: أنّها في أوّل ليلة أو آخِر ليلة أو الوتر من الليل. أخرجه أبو داود في كتاب " المراسيل " عن مسلم بن إبراهيم عن أبي خلدة عن أبي العالية , أنّ أعرابيّاً أتى النّبيّ ﷺ وهو يُصلِّي - فقال له: متى ليلة القدر؟ فقال: اطلبوها في أوّل ليلة وآخر ليلة والوتر من الليل. وهذا مرسلٌ رجاله ثقات. وجميع هذه الأقوال التي حكيناها بعد الثّالث فهلمّ جرّاً. متّفقة على إمكان حصولها والحثّ على التماسها. وقال ابن العربيّ: الصّحيح أنّها لا تعلم، وهذا يصلح أن يكون قولاً آخر. وأنكر هذا القول النّوويّ , وقال: قد تظاهرت الأحاديث بإمكان العلم بها وأخبر به جماعة من الصّالحين فلا معنى لإنكار ذلك. ونقل الطّحاويّ عن أبي يوسف قولاً جوّز فيه أنّه يرى أنّها ليلة أربع وعشرين أو سبع وعشرين، فإن ثبت ذلك عنه فهو قول آخر. هذا آخر ما وقفت عليه من الأقوال وبعضها يمكن ردّه إلى بعض، وإن كان ظاهرها التّغاير. وأرجحها كلّها أنّها في وترٍ من العشر الأخير , وأنّها تنتقل كما يفهم من أحاديث هذا الباب، وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشّافعيّة ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين على ما في حديث أبي سعيد وعبد الله بن أنيسٍ.

стр. 1737

وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين. وقد تقدّمت أدلة ذلك. قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عيّنت لها ليلةٌ لاقتصر عليها كما في ساعة الجمعة، وهذه الحكمة مطّردة عند من يقول إنّها في جميع من السّنة , وفي جميع رمضان , أو في جميع العشر الأخير , أو في أوتاره خاصّة، إلاَّ أنّ الأوّل ثمّ الثّاني أليق به. واختلفوا. هل لها علامة تظهر لمن وفّقت له أم لا؟. فقيل: يرى كلّ شيء ساجداً. وقيل: الأنوار في كلّ مكان ساطعة. حتّى في المواضع المظلمة. وقيل: يسمع سلاماً أو خطاباً من الملائكة. وقيل: علامتها استجابة دعاء من وفّقت له. واختار الطّبريّ: أنّ جميع ذلك غير لازم , وأنّه لا يشترط لحصولها رؤية شيءٍ ولا سماعه. واختلفوا أيضاً. هل يحصل الثّواب المرتّب عليها لمن اتّفق له أنّه قامها وإن لَم يظهر له شيء، أو يتوقّف ذلك على كشفها له؟. وإلى الأوّل: ذهب الطّبريّ والمُهلَّب وابن العربيّ وجماعة. وإلى الثّاني: ذهب الأكثر، ويدلّ له ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ " من يقم ليلة القدر فيوافقها " وفي حديث عبادة عند أحمد " من قامها إيماناً واحتساباً ثمّ وفّقت له ". قال النّوويّ: معنى يوافقها. أي: يعلم أنّها ليلة القدر فيوافقها،

стр. 1738

ويحتمل: أن يكون المراد يوافقها في نفس الأمر وإن لَم يعلم هو ذلك. وفي حديث زرّ بن حبيش عن ابن مسعود قال: من يقم الحول يُصب ليلة القدر " وهو محتمل للقولين أيضاً. وقال النّوويّ أيضاً في حديث " من قام رمضان " وفي حديث " من قام ليلة القدر ": معناه من قامه ولو لَم يوافق ليلة القدر حصل له ذلك، ومن قام ليلة القدر فوافقها حصل له. وهو جارٍ على ما اختاره من تفسير الموافقة بالعلم بها، وهو الذي يترجّح في نظري، ولا أنكر حصول الثّواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر. وإن لَم يعلم بها ولو لَم توفّق له، وإنّما الكلام على حصول الثّواب المعيّن الموعود به. وفرّعوا على القول باشتراط العلم بها أنّه يختصّ بها شخص دون شخص فيكشف لواحد ولا يكشف لآخر ولو كانا معاً في بيت واحد. وقال الطّبريّ: في إخفاء ليلة القدر دليل على كذب من زعم أنّه يظهر في تلك الليلة للعيون ما لا يظهر في سائر السّنة، إذ لو كان ذلك حقّاً لَم يخف على كلّ من قام ليالي السّنة فضلاً عن ليالي رمضان. وتعقّبه ابن المنيّر في الحاشية: بأنّه لا ينبغي إطلاق القول بالتّكذيب لذلك , بل يجوز أن يكون ذلك على سبيل الكرامة لمن شاء الله من عباده فيختصّ بها قوم دون قوم، والنّبيّ ﷺ لَم يحصر العلامة ولَم ينف الكرامة، وقد كانت العلامة في السّنة التي حكاها أبو سعيد نزول

стр. 1739

المطر، ونحن نرى كثيراً من السّنين ينقضي رمضان دون مطر مع اعتقادنا أنّه لا يخلو رمضان من ليلة القدر. قال: ومع ذلك فلا نعتقد أنّ ليلة القدر لا ينالها إلاَّ من رأى الخوارق، بل فضل الله واسع , وربّ قائمٍ تلك الليلة لَم يحصل منها إلاَّ على العبادة من غير رؤية خارق، وآخر رأى الخارق من غير عبادة، والذي حصل على العبادة أفضل، والعبرة إنّما هي بالاستقامة فإنّها تسحيل أن تكون إلاَّ كرامة، بخلاف الخارق فقد يقع كرامة وقد يقع فتنة والله أعلم. وفي هذه الأحاديث ردّ لقول أبي الحسن الحولي (١) المغربيّ: أنّه اعتبر ليلة القدر فلم تفُتْه طول عمره , وأنّها تكون دائماً ليلة الأحد، فإن كان أوّل الشّهر ليلة الأحد كانت ليلة تسع وعشرين وهلُمَّ جرّاً، ولزم من ذلك أن تكون في ليلتين من العشر الوسط لضرورة أنّ أوتار العشر خمسة. وعارضه بعض من تأخّر عنه , فقال: إنّها تكون دائماً ليلة الجمعة , وذكر نحو قول أبي الحسن. وكلاهما لا أصل له، بل هو مخالف لإجماع الصّحابة في عهد عمر كما تقدّم، وهذا كافٍ في الرّدّ. وبالله التّوفيق.

стр. 1740

الحديث الثلاثون ٢١١ - عن أبي سعيدٍ الخدريّ ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان. فاعتكف عاماً , حتّى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين - وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه – قال: من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر فقد أريت هذه الليلة ثمّ أنسيتها , وقد رأيتني أسجد في ماءٍ وطينٍ من صبيحتها , فالتمسوها في العشر الأواخر , والتمسوها في كل وترٍ. فمطرت السّماء تلك الليلة , وكان المسجد على عريشٍ , فوكف المسجد , فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطّين من صبح إحدى وعشرين. (١) قوله: (أنَّ رسول الله ﷺ كان يعتكف) وللبخاري من رواية يحيى عن أبي سلمة قال: سألت أبا سعيدٍ - وكان لي صديقاً - فقال: اعتكفنا. لَم يذكر المسئول عنه في هذه الطّريق. وله من رواية عليّ بن المبارك عن يحيى عن أبي سلمة , سألت أبا سعيد: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر ليلة القدر؟ فقال: نعم. فذكر الحديث.

стр. 1741

ولمسلمٍ من طريق معمر عن يحيى " تذاكرنا ليلة القدر في نفرٍ من قريشٍ، فأتيت أبا سعيد .. فذكره. (١) وفي رواية همّامٍ عن يحيى عند البخاري: انطلقتُ إلى أبي سعيد فقلت: ألا تخرج بنا إلى النّخل فنتحدّث؟ فخرج، فقلت: حدِّثني ما سمعتَ من النّبيّ ﷺ في ليلة القدر. فأفاد بيان سبب السّؤال. وفيه تأنيس الطّالب للشّيخ في طلب الاختلاء به ليتمكّن ممّا يريد من مسألته. قوله: (العشر الأوسط من رمضان) هكذا وقع في أكثر الرّوايات، والمراد بالعشر الليالي وكان من حقّها أن توصف بلفظ التّأنيث , لكن وصفت بالمذكّر على إرادة الوقت أو الزّمان أو التّقدير الثّلث كأنّه قال: الليالي العشر التي هي الثّلث الأوسط من الشّهر. ووقع في " الموطّأ " العشر الوسط. بضمّ الواو والسّين جمع وسطى , ويروى بفتح السّين مثل كبر وكبرى. ورواه الباجيّ في " الموطّأ " بإسكانها على أنّه جمع واسط كبازلٍ وبزلٍ, وهذا يوافق رواية الأوسط. ووقع في رواية محمّد بن إبراهيم عن أبي سلمة في البخاري " كان يجاور العشر التي في وسط الشّهر " وفي رواية الباب " كان يعتكف "

стр. 1742

والاعتكاف مجاورةٌ مخصوصةٌ. ولمسلمٍ من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد: اعتكف العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له، فلمّا انقضين أمر بالبناء فقوّض، ثمّ أبينت له أنّها في العشر الأواخر فأمر بالبناء فأعيد. وزاد مسلم في رواية عمارة بن غزيّة عن محمّد بن إبراهيم , أنّه اعتكف العشر الأوّل ثمّ اعتكف العشر الأوسط ثمّ اعتكف العشر الأواخر. ومثله في رواية همّامٍ المذكورة. وزاد فيها " إنّ جبريل أتاه في المرّتين , فقال له: إنّ الذي تطلب أمامك " وهو بفتح الهمزة والميم. أي: قدّامك. قال الطّيبيّ: وصف الأوّل والأوسط بالمفرد. والأخير بالجمع. إشارةً إلى تصوير ليلة القدر في كلّ ليلةٍ من ليالي العشر الأخير دون الأوّلين قوله: (حتّى إذا كان ليلة إحدى وعشرين , وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه) في رواية لهما " فخرج صبيحة عشرين فخطبنا ". وظاهره يخالف رواية الباب، ومقتضاه أنّ خطبته وقعت في أوّل اليوم الحادي والعشرين، وعلى هذا يكون أوّل ليالي اعتكافه الأخير ليلة اثنتين وعشرين. وهو مغايرٌ لقوله في آخر الحديث " فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطّين من صبح إحدى وعشرين ". فإنّه ظاهرٌ في أنّ الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين، ووقوع المطر كان في ليلة

стр. 1743

إحدى وعشرين. وهو الموافق لبقيّة الطّرق. وعلى هذا فكأنّ قوله في رواية مالك المذكورة " وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها " أي: من الصّبح الذي قبلها، ويكون في إضافة الصّبح إليها تجوّزٌ. وقد أطال ابن دحية في تقرير: أنّ الليلة تضاف لليوم الذي قبلها، وردّ على من منع ذلك. ولكن لَم يوافق على ذلك. فقال ابن حزمٍ: رواية ابن أبي حازم والدّراورديّ عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة، بلفظ: كان رسول الله ﷺ يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي، ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، وأنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس. الحديث. أخرجه البخاري. مستقيمةٌ. ورواية مالك مشكلةٌ، وأشار إلى تأويلها بنحوٍ ممّا ذكرته. ويؤيّده. أنّ في رواية البخاري " فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلةً تمضي. ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه ". وهذا في غاية الإيضاح. وأفاد ابن عبد البرّ في " الاستذكار ": أنّ الرّواة عن مالك اختلفوا عليه في لفظ الحديث, فقال بعد ذكر الحديث: هكذا رواه يحيى بن يحيى بن بكير والشّافعيّ عن مالك " يخرج في صبيحتها من اعتكافه ". ورواه ابن القاسم وابن وهبٍ والقعنبيّ وجماعةٌ عن مالك فقالوا "

стр. 1744

وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه ". قال: وقد روى ابن وهبٍ وابن عبد الحكم عن مالك فقال: من اعتكف أوّل الشّهر أو وسطه فإنّه يخرج إذا غابت الشّمس من آخر يومٍ من اعتكافه، ومن اعتكف في آخر الشّهر فلا ينصرف إلى بيته حتّى يشهد العيد. قال ابن عبد البرّ: ولا خلاف في الأوّل، وإنّما الخلاف فيمن اعتكف العشر الأخير. هل يخرج إذا غابت الشّمس , أو لا يخرج حتّى يصبح؟ قال: وأظنّ الوهم دخل من وقت خروج المعتكف. قلت: وهو بعيدٌ لِمَا قرّره هو من بيان محلّ الاختلاف. وقد وجّه شيخنا الإمام البلقينيّ (١) رواية الباب بأنّ معنى قوله " حتّى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين " أي: حتّى إذا كان المستقبل من الليالي ليلة إحدى وعشرين، وقوله " وهي الليلة التي يخرج " الضّمير يعود على الليلة الماضية. ويؤيّد هذا قوله " من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر " , لأنّه لا يتمّ ذلك إلاَّ بإدخال الليلة الأولى. وسبيل من أراد اعتكاف الليالي دون الأيّام، أن يدخل قبيل غروب الشّمس ويخرج بعد طلوع الفجر، فإن أراد اعتكاف الأيّام خاصّةً فيدخل مع طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشّمس، فإن أراد اعتكاف الأيّام والليالي معاً فيدخل قبل غروب الشّمس ويخرج بعد

стр. 1745

غروب الشّمس أيضاً. وقد وقع في البخاري " فلمّا كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا " وهو مشعرٌ بأنّهم اعتكفوا الليالي دون الأيّام. وحمله المُهلَّب على نقل أثقالهم وما يحتاجون إليه من آلة الأكل والشّرب والنّوم، إذ لا حاجة لهم بها في ذلك اليوم، فإذا كان المساء خرجوا خفافاً. ولذلك قال " نقلنا متاعنا " ولَم يقل خرجنا. وقد تقدّم من وجهٍ آخر " فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة ويستقبل إحدى وعشرين رجع " وبذلك يجمع بين الطّريقين , فإنّ القصّة واحدةٌ , والحديث واحدٌ , وهو حديث أبي سعيدٍ. قوله: (فمن كان اعتكف معي فليعتكف) وللبخاري " فليرجع " وفي رواية همّامٍ المذكورة " من اعتكف مع النّبيّ " وفيه التفاتٌ. قوله: (أُريت) بضمّ أوّله على البناء لغير معيّنٍ، وهي من الرّؤيا. أي: أعلمت بها، أو من الرّؤية. أي: أبصرتها، وإنّما أري علامتها وهو السّجود في الماء والطّين كما وقع في رواية همّامٍ المشار إليها بلفظ " حتّى رأيت أثر الماء والطّين على جبهة رسول الله ﷺ تصديق رؤياه ". قوله: (ثمّ أنسيتها) وفي رواية لهما " أنسيتها أو نسيتها " شكٌّ من الرّاوي هل أنساه غيره إيّاها أو نسيها هو من غير واسطةٍ؟. ومنهم: من ضبط نسّيتها بضمّ أوّله والتّشديد. فهو بمعنى أنسيتها , والمراد أنّه أنسي علم تعيينها في تلك السّنة. وسبب النّسيان في هذه القصّة في حديث عبادة بن الصّامت: خرج

стр. 1746

النبي ﷺ ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين , فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة. أخرجه البخاري. وقوله " فتلاحى " بالمهملة. أي: وقعت بينهما ملاحاةٌ، وهي المخاصمة والمنازعة والمشاتمة، والاسم اللحاء بالكسر والمدّ. وفي رواية أبي نضرة عن أبي سعيد عند مسلم " فجاء رجلان يختصمان معهما الشّيطان " (١) ونحوه في حديث الفلتان عند ابن إسحاق. وزاد " أنّه لقيهما عند سدّة المسجد فحجز بينهما ". فاتّفقت هذه الأحاديث على سبب النّسيان. وروى مسلمٌ أيضاً من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة , أنّ رسول الله ﷺ قال: أريت ليلة القدر، ثمّ أيقظني بعض أهلي فنسيتها " وهذا سببٌ آخر.

стр. 1747

فإمّا أن يُحمل على التّعدّد بأن تكون الرّؤيا في حديث أبي هريرة مناماً فيكون سبب النّسيان الإيقاظ، وأن تكون الرّؤية في حديث غيره في اليقظة فيكون سبب النّسيان ما ذكر من المخاصمة. أو يُحمل: على اتّحاد القصّة , ويكون النّسيان وقع مرّتين عن سببين. ويحتمل: أن يكون المعنى أيقظني بعض أهلي فسمعت تلاحي الرّجلين فقمت لأحجز بينهما فنسيتها للاشتغال بهما. وقد روى عبد الرّزّاق من مرسل سعيد بن المسيّب , أنّه ﷺ قال: ألا أخبركم بليلة القدر؟ قالوا: بلى. فسكت ساعةً , ثمّ قال: لقد قلت لكم وأنا أعلمها , ثمّ أنسيتها " فلم يذكر سبب النّسيان، وهو ممّا يقوّي الحمل على التّعدّد. قوله: (وقد رأيتني أسجد) في رواية الكشميهنيّ " أن أسجد ". قوله: (قزعة) بفتح القاف والزّاي. أي: قطعةٌ من سحابٍ رقيقةٌ. قوله: (فمطرت) بفتحتين، وللبخاري من وجهٍ آخر " فاستهلت السّماء فأمطرت " قوله: (وكان المسجد على عريشٍ) أي: مثل العريش وإلا فالعريش هو نفس سقفه، والمراد أنّه كان مظللاً بالجريد والخوص، ولَم يكن محكم البناء بحيث يكفّ من المطر الكثير. قوله: (فوكف المسجد) أي: قطّر الماء من سقفه، وللبخاري " وما نرى في السماء قزعة , فجاءت سحابة فمطرت. حتى سال سقف

стр. 1748

المسجد " قوله: (على جبهته أثر الماء والطّين) في رواية لهما " يسجد في الماء والطّين حتّى رأيت أثر الطّين في جبهته ". وفي رواية ابن أبي حازمٍ في البخاري " انصرف من الصّبح ووجهه ممتلئٌ طيناً وماءً " وهذا يشعر بأنّ قوله " أثر الماء والطّين " لَم يرد به محض الأثر وهو ما يبقى بعد إزالة العين. قال البخاري في " صحيحه ": رأيت الحميدي يحتج بهذا الحديث أن لا يمسح الجبهة في الصلاة. وفيه إشارة إلى أنّه يوافقه على ذلك، ومن ثَمَّ لَم يتعقّبه، وأنّه إن احتجّ به على المنع جملةً لَم يسلم من الاعتراض وأنّ التّرك أولى. قال الزّين بن المنير ما حاصله: ذكر البخاريّ المستدلّ ودليله، وكّل الأمر فيه لنظر المجتهد. هل يوافق الحميديّ أو يخالفه؟ وإنّما فعل ذلك لِمَا يتطرّق إلى الدّليل من الاحتمالات، لأنّ بقاء أثر الطّين لا يستلزم نفي مسح الجبهة، إذ يجوز أن يكون مسحها وبقي الأثر بعد المسح. ويحتمل: أن يكون ترك المسح ناسياً أو تركه عامداً لتصديق رؤياه، أو لكونه لَم يشعر ببقاء أثر الطّين في جبهته، أو لبيان الجواز، أو لأنّ ترك المسح أولى , لأنّ المسح عملٌ. وإن كان قليلاً. وإذا تطرّقت هذه الاحتمالات لَم ينهض الاستدلال، لا سيّما وهو فعل من الجبليّات لا من القرب.

стр. 1749

وفي حديث أبي سعيد من الفوائد: استحباب ترك الإسراع إلى إزالة ما يصيب جبهة السّاجد من غبار الأرض ونحوه، والسّجود على الحائل. وحمله الجمهور على الأثر الخفيف , لكن يعكّر عليه قوله في بعض طرقه " ووجهه ممتلئٌ طيناً وماءً ". وأجاب النّوويّ: بأنّ الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة. وفيه جواز السّجود في الطّين، ولا حجّة فيه لمن استدل به على جواز الاكتفاء بالأنف , لأنّ في سياقه أنّه سجد على جبهته وأرنبته، فوضح أنّه إنّما قصد بالتّرجمة ما قدّمناه وهو دالٌّ على وجوب السّجود عليهما , ولولا ذلك لصانهما عن لوث الطّين، قاله الخطّابيّ. وفيه نظرٌ. وفيه الأمر بطلب الأولى والإرشاد إلى تحصيل الأفضل، وأنّ النّسيان جائزٌ على النّبيّ ﷺ ولا نقص عليه في ذلك لا سيّما فيما لَم يؤذن له في تبليغه، وقد يكون في ذلك مصلحةٌ تتعلق بالتّشريع كما في السّهو في الصّلاة، أو بالاجتهاد في العبادة كما في هذه القصّة، لأنّ ليلة القدر لو عيّنت في ليلةٍ بعينها حصل الاقتصار عليها ففاتت العبادة في غيرها، وكان هذا هو المراد بقوله " عسى أن يكون خيراً لكم " كما في حديث عبادة. وفيه استعمال رمضان بدون شهرٍ، واستحباب الاعتكاف فيه، وترجيح اعتكاف العشر الأخير، وأنّ من الرّؤيا ما يقع تعبيره مطابقاً

стр. 1750

، وترتّب الأحكام على رؤيا الأنبياء. وفي أوّل قصّة أبي سلمة مع أبي سعيد المشي في طلب العلم، وإيثار المواضع الخالية للسّؤال، وإجابة السّائل لذلك واجتناب المشقّة في الاستفادة، وابتداء الطّالب بالسّؤال. وفيه تقدّم الخطبة على التّعليم وتقريب البعيد في الطّاعة وتسهيل المشقّة فيها بحسن التّلطّف والتّدريج إليها، قيل: ويستنبط منه جواز تغيير مادّة البناء من الأوقاف بما هو أقوى منها وأنفع.

стр. 1751

باب الاعتكاف الاعتكاف لغةً. لزوم الشّيء وحبس النّفس عليه. وشرعاً. المقام في المسجد من شخصٍ مخصوصٍ على صفةٍ مخصوصةٍ , وليس بواجبٍ إجماعاً إلاَّ على من نذره. وكذا من شرَعَ فيه فقطعه عامداً عند قومٍ. واختلف في اشتراط الصّوم له كما سيأتي (١) وانفرد سُويد بن غفَلَة باشتراط الطّهارة.

стр. 1752

الحديث الأول ٢١٢ - عن عائشة ﵂ , أنّ رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأَواخر من رمضان , حتّى توفّاه الله . ثمّ اعتكف أزواجه بعده. (١) وفي لفظٍ (٢): كان رسول الله ﷺ يعتكف في كل رمضان. فإذا صلَّى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه. قوله: (حتّى توفّاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده) يؤخذ منه أنّه لَم ينسخ , وليس من الخصائص. وأمّا قول ابن نافع عن مالك: فكّرت في الاعتكاف وترك الصّحابة له مع شدّة اتّباعهم للأثر فوقع في نفسي أنّه كالوصال، وأراهم تركوه لشدّته , ولَم يبلغني عن أحد من السّلف أنّه اعتكف إلاَّ عن أبي بكر بن عبد الرّحمن. انتهى. وكأنّه أراد صفةً مخصوصةً، وإلاَّ فقد حكيناه عن غير واحدٍ من

стр. 1753

الصّحابة. (١) ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه أنّ الاعتكاف جائزٌ. وأنكر ذلك عليهم ابن العربيّ , وقال: إنّه سنّةٌ مؤكّدةٌ، وكذا قال ابن بطّال: في مواظبة النّبيّ ﷺ ما يدلّ على تأكيده. وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحدٍ من العلماء خلافاً أنّه مسنونٌ. قال ابن بطّال: مواظبته ﷺ على الاعتكاف تدلّ على أنّه من السّنن المؤكّدة، وقد روى ابن المنذر عن ابن شهاب , أنّه كان يقول: عجباً للمسلمين، تركوا الاعتكاف، والنّبيّ ﷺ لَم يتركه منذ دخل المدينة حتّى قبضه الله. انتهى قوله: (ثم اعتكف أزواجه من بعده) أطلق الشّافعيّ كراهة الاعتكاف للنساء في المسجد الذي تُصلَّى فيه الجماعة. واحتجّ بحديث عائشة: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله،

стр. 1754

فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنتُ لها، فضربت خباء، فلمَّا رأته زينب ابنة جحش ضربت خباء آخر، فلمَّا أصبح النبي ﷺ رأى الأخبية، فقال: ما هذا؟ فأخبر، فقال النبي ﷺ : ألبر ترون بهن؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشراً من شوال. فإنّه دالٌّ على كراهة الاعتكاف للمرأة إلاَّ في مسجد بيتها لأنّها تتعرّض لكثرة من يراها. وقال ابن عبد البرّ: لولا أنّ ابن عيينة زاد في الحديث (١). أنّهنّ استأذنّ النّبيّ ﷺ في الاعتكاف. لقطعت بأنّ اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة غير جائزٍ. انتهى. وشرط الحنفيّة لصحّة اعتكاف المرأة أن تكون في مسجد بيتها، وفي روايةٍ لهم , أنّ لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها. وبه قال أحمد. وفيه أنّ المسجد شرطٌ للاعتكاف , لأنّ النّساء شرع لهنّ الاحتجاب في البيوت , فلو لَم يكن المسجد شرطاً ما وقع ما ذكر من

стр. 1755

الإذن والمنع. ولاكتفي لهنّ بالاعتكاف في مساجد بيوتهنّ. ولقوله تعالى (ولا تباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد .. الآية) ووجه الدلالة من الآية أنه لو صحَّ في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به , لأنَّ الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع. فعلم من ذكر المساجد أنَّ المراد أنَّ الاعتكاف لا يكون إلاَّ فيها. ونقل بن المنذر الإجماع على أنَّ المراد بالمباشرة في الآية الجماع. وروى الطبري وغيره من طريق قتادة في سبب نزول الآية: كانوا إذا اعتكفوا فخرج رجلٌ لحاجته فلقي امرأته جامعها إن شاء. فنزلت واتّفق العلماء على مشروطيّة المسجد للاعتكاف، إلاَّ محمّد بن عمر بن لبابة المالكيّ. فأجازه في كل مكانٍ. وأجاز الحنفيّة للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها. وهو المكان المعدّ للصّلاة فيه. وفيه قولٌ للشّافعيّ قديم. وفي وجهٍ لأصحابه وللمالكيّة: يجوز للرّجال والنّساء , لأنّ التّطوّع في البيوت أفضل وذهب أبو حنيفة وأحمد: إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصّلوات. وخصّه أبو يوسف بالواجب منه , وأمّا النّفل ففي كلّ مسجد. وقال الجمهور بعمومه من كلّ مسجد , إلاَّ لمن تلزمه الجمعة. فاستحبّ له الشّافعيّ في الجامع، وشرطه مالكٌ , لأنّ الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشّروع عند مالك.
следующие страницы →