باب الاعتكاف
الاعتكاف لغةً. لزوم الشّيء وحبس النّفس عليه.
وشرعاً. المقام في المسجد من شخصٍ مخصوصٍ على صفةٍ مخصوصةٍ , وليس بواجبٍ إجماعاً إلاَّ على من نذره.
وكذا من شرَعَ فيه فقطعه عامداً عند قومٍ.
واختلف في اشتراط الصّوم له كما سيأتي (١) وانفرد سُويد بن غفَلَة باشتراط الطّهارة.
стр. 1752
الحديث الأول
٢١٢ - عن عائشة ﵂ , أنّ رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأَواخر من رمضان , حتّى توفّاه الله . ثمّ اعتكف أزواجه بعده. (١)
وفي لفظٍ (٢): كان رسول الله ﷺ يعتكف في كل رمضان. فإذا صلَّى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه.
قوله: (حتّى توفّاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده) يؤخذ منه أنّه لَم ينسخ , وليس من الخصائص.
وأمّا قول ابن نافع عن مالك: فكّرت في الاعتكاف وترك الصّحابة له مع شدّة اتّباعهم للأثر فوقع في نفسي أنّه كالوصال، وأراهم تركوه لشدّته , ولَم يبلغني عن أحد من السّلف أنّه اعتكف إلاَّ عن أبي بكر بن عبد الرّحمن. انتهى.
وكأنّه أراد صفةً مخصوصةً، وإلاَّ فقد حكيناه عن غير واحدٍ من
стр. 1753
الصّحابة. (١)
ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه أنّ الاعتكاف جائزٌ.
وأنكر ذلك عليهم ابن العربيّ , وقال: إنّه سنّةٌ مؤكّدةٌ، وكذا قال ابن بطّال: في مواظبة النّبيّ ﷺ ما يدلّ على تأكيده.
وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحدٍ من العلماء خلافاً أنّه مسنونٌ.
قال ابن بطّال: مواظبته ﷺ على الاعتكاف تدلّ على أنّه من السّنن المؤكّدة، وقد روى ابن المنذر عن ابن شهاب , أنّه كان يقول: عجباً للمسلمين، تركوا الاعتكاف، والنّبيّ ﷺ لَم يتركه منذ دخل المدينة حتّى قبضه الله. انتهى
قوله: (ثم اعتكف أزواجه من بعده) أطلق الشّافعيّ كراهة الاعتكاف للنساء في المسجد الذي تُصلَّى فيه الجماعة.
واحتجّ بحديث عائشة: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله،
стр. 1754
فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنتُ لها، فضربت خباء، فلمَّا رأته زينب ابنة جحش ضربت خباء آخر، فلمَّا أصبح النبي ﷺ رأى الأخبية، فقال: ما هذا؟ فأخبر، فقال النبي ﷺ : ألبر ترون بهن؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشراً من شوال.
فإنّه دالٌّ على كراهة الاعتكاف للمرأة إلاَّ في مسجد بيتها لأنّها تتعرّض لكثرة من يراها.
وقال ابن عبد البرّ: لولا أنّ ابن عيينة زاد في الحديث (١). أنّهنّ استأذنّ النّبيّ ﷺ في الاعتكاف. لقطعت بأنّ اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة غير جائزٍ. انتهى.
وشرط الحنفيّة لصحّة اعتكاف المرأة أن تكون في مسجد بيتها، وفي روايةٍ لهم , أنّ لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها. وبه قال أحمد.
وفيه أنّ المسجد شرطٌ للاعتكاف , لأنّ النّساء شرع لهنّ الاحتجاب في البيوت , فلو لَم يكن المسجد شرطاً ما وقع ما ذكر من
стр. 1755
الإذن والمنع. ولاكتفي لهنّ بالاعتكاف في مساجد بيوتهنّ.
ولقوله تعالى (ولا تباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد .. الآية) ووجه الدلالة من الآية أنه لو صحَّ في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به , لأنَّ الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع. فعلم من ذكر المساجد أنَّ المراد أنَّ الاعتكاف لا يكون إلاَّ فيها.
ونقل بن المنذر الإجماع على أنَّ المراد بالمباشرة في الآية الجماع.
وروى الطبري وغيره من طريق قتادة في سبب نزول الآية: كانوا إذا اعتكفوا فخرج رجلٌ لحاجته فلقي امرأته جامعها إن شاء. فنزلت
واتّفق العلماء على مشروطيّة المسجد للاعتكاف، إلاَّ محمّد بن عمر بن لبابة المالكيّ. فأجازه في كل مكانٍ.
وأجاز الحنفيّة للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها. وهو المكان المعدّ للصّلاة فيه. وفيه قولٌ للشّافعيّ قديم.
وفي وجهٍ لأصحابه وللمالكيّة: يجوز للرّجال والنّساء , لأنّ التّطوّع في البيوت أفضل
وذهب أبو حنيفة وأحمد: إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصّلوات.
وخصّه أبو يوسف بالواجب منه , وأمّا النّفل ففي كلّ مسجد.
وقال الجمهور بعمومه من كلّ مسجد , إلاَّ لمن تلزمه الجمعة. فاستحبّ له الشّافعيّ في الجامع، وشرطه مالكٌ , لأنّ الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشّروع عند مالك.
стр. 1756
وخصّه طائفةٌ من السّلف كالزّهريّ بالجامع مطلقاً. وأومأ إليه الشّافعيّ في القديم.
وخصّه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثّلاثة، وعطاءٌ بمسجد مكّة والمدينة , وابن المسيّب بمسجد المدينة.
قوله: (فإذا صلَّى الغداة جاء مكانه الذي اعتكف فيه) في رواية لهما " فيُصلي الصبح ثم يدخل معتكفه ".
واستدل بهذا.
وهو القول الأول: على أنّ مبدأ الاعتكاف من أوّل النّهار بعد صلاة الصّبح. وهو قول الأوزاعيّ والليث والثّوريّ.
القول الثاني: قال الأئمّة الأربعة وطائفةٌ: يدخل قبيل غروب الشّمس.
وأوّلوا الحديث: على أنّه دخل من أوّل الليل، ولكن إنّما تخلّى بنفسه في المكان الذي أعدّه لنفسه بعد صلاة الصّبح.
وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج من العبادة بعد الدّخول فيها.
وأجاب عن هذا الحديث (١): بأنّه ﷺ لَم يدخل المعتكف ولا شرع في الاعتكاف , وإنّما همّ به , ثمّ عرض له المانع المذكور فتَرَكَه.
فعلى هذا. فاللازم أحدُ الأمرين.
الأول: إمّا أن يكون شرع في الاعتكاف فيدخل على جواز الخروج
стр. 1757
منه.
الثاني: إمّا أن لا يكون شرع فيدلّ على أنّ أوّل وقته بعد صلاة الصّبح.
стр. 1758
الحديث الثاني
٢١٣ - عن عائشة ﵂ , أنّها كانت ترجّل النّبيّ ﷺ وهي حائضٌ , وهو معتكفٌ في المسجد. وهي في حجرتها , يناولها رأسه. (١)
وفي روايةٍ: وكان لا يدخل البيت إلاَّ لحاجة الإنسان. (٢)
وفي روايةٍ: أنّ عائشة ﵂ قالت: إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه. فما أسأل عنه إلاَّ وأنا مارّةٌ. (٣)
قوله: (كانت ترجل .. الحديث) تقدّم الكلام عليه (٤)
قوله: (إلاَّ لحاجة الإنسان) فسّرها الزّهريّ بالبول والغائط، وقد اتّفقوا على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشّرب، ولو خرج لهما فتوضّأ خارج المسجد لَم يبطل. ويُلتَحق بهما القيء والفصد لمن احتاج إليه.
ووقع عند أبي داود من طريق عبد الرّحمن بن إسحاق الزّهريّ عن عروة عن عائشة قالت: السّنّة على المعتكف أن لا يعود مريضاً , ولا
стр. 1759
يشهد جنازةً , ولا يمسّ امرأةً ولا يباشرها , ولا يخرج لحاجةٍ إلاَّ لِمَا لا بدّ منه.
قال أبو داود: غيرُ عبد الرّحمن لا يقول فيه: السّنة.
وجزم الدّارقطنيّ: بأنّ القدر الذي من حديث عائشة قولها " لا يخرج إلاَّ لحاجةٍ " وما عداه مِمَّن دونها.
وروينا عن عليٍّ والنّخعيّ والحسن البصريّ: إنْ شهد المعتكف جنازةً , أو عاد مريضاً , أو خرج للجمعة بطل اعتكافه. وبه قال الكوفيّون , وابن المنذر في الجمعة.
وقال الثّوريّ والشّافعيّ وإسحاق: إن شرط شيئاً من ذلك في ابتداء اعتكافه لَم يبطل اعتكافه بفعله , وهو روايةٌ عن أحمد.
стр. 1760
الحديث الثالث
٢١٤ - عن عمر بن الخطّاب ﵁ , قال: قلت: يا رسولَ الله , إنّي كنت نذرت في الجاهليّة أن أعتكف ليلةً (وفي روايةٍ: يوماً) في المسجد الحرام. قال: فأوف بنذرك. (١).
ولَم يذكر بعض الرّواة يوماً ولا ليلةً.
قوله: (قلت: يارسول الله) في رواية لهما عن ابن عمر , أنّ عمر سأل النبي ﷺ " لَم يذكر مكان السّؤال , وللبخاري ومسلم من وجهٍ آخر , أنّ ذلك كان بالجعرانة لَمّا رجعوا من حنينٍ.
ويستفاد منه الرّدّ على من زعم أنّ اعتكاف عمر كان قبل المنع من الصّيام في الليل , لأنّ غزوة حنينٍ متأخّرةٌ عن ذلك , وكان نزول النبي ﷺ بالجعرانة بعد رجوعه من الطائف بالاتفاق.
قوله: (كنت نذرت في الجاهليّة) زاد حفص بن غياثٍ عن عبيد الله عند مسلمٍ (٢) " فلمّا أسلمتُ سألتُ ".
стр. 1761
وفيه ردٌّ على من زعم أنّ المراد بالجاهليّة ما قبل فتح مكّة. وأنّه إنّما نذر في الإسلام. وأصرح من ذلك ما أخرجه الدّارقطنيّ من طريق سعيد بن بشيرٍ عن عبيد الله بلفظ " نذر عمر أن يعتكف في الشّرك ".
والمراد بالجاهليّة جاهليّة المذكور وهو حاله قبل إسلامه، وأصل الجاهليّة ما قبل البعثة.
قوله: (أن أعتكف ليلةً) استدل به على جواز الاعتكاف بغير صومٍ , لأنّ الليل ليس ظرفاً للصّوم. فلو كان شرطاً لأمره النّبيّ ﷺ به.
وتعقّب: بأنّ في رواية شعبة عن عبيد الله عند مسلمٍ " يوماً " بدل ليلة , فجمع بن حبّان وغيره بين الرّوايتين: بأنّه نذر اعتكاف يومٍ وليلةٍ فمن أطلق ليلةً أراد بيومها , ومن أطلق يوماً أراد بليلته.
وقد ورد الأمر بالصّوم في رواية عمرو بن دينارٍ عن ابن عمر صريحاً. لكنّ إسنادها ضعيفٌ , وقد زاد فيها " أنّ النّبيّ ﷺ قال له: اعتكف وصم ". أخرجه أبو داود والنّسائيّ من طريق عبد الله بن بديلٍ. وهو ضعيف.
وذكر ابن عديٍّ والدّارقطنيّ: أنّه تفرّد بذلك عن عمرو بن دينار. ورواية من روى يوماً شاذّةٌ.
стр. 1762
وقد وقع في رواية سليمان بن بلالٍ عن عبيد الله عند البخاري " فاعتكف ليلةً " فدلَّ على أنّه لَم يزد على نذره شيئاً , وأنّ الاعتكاف لا صوم فيه , وأنّه لا يشترط له حدٌّ معيّنٌ.
قوله: (في المسجد الحرام) زاد عمرو بن دينارٍ في روايته " عند الكعبة.
وقد ترجم البخاريّ لهذا الحديث " من لَم ير عليه إذا اعتكف صوماً " وترجمه أيضاً " الاعتكاف ليلاً " وهذه مستلزمةٌ للثّانية , لأنّ الاعتكاف إذا ساغ ليلاً بغير نهارٍ استلزم صحّته بغير صيامٍ من غير عكسٍ. وهو القول الأول.
القول الثاني: قال باشتراط الصّيام ابن عمر وابن عبّاسٍ. أخرجه عبد الرّزّاق عنهما بإسنادٍ صحيحٍ , وعن عائشة نحوه , وبه قال مالكٌ والأوزاعيّ والحنفيّة , واختلف عن أحمد وإسحاق.
واحتجّ عياضٌ: بأنّه ﷺ لَم يعتكف إلاَّ بصومٍ. وفيه نظرٌ , لأنّه اعتكف في شوّالٍ كما تقدّم.
واحتجّ بعض المالكيّة: بأنّ الله تعالى ذكر الاعتكاف إثر الصّوم فقال (ثمّ أتمّوا الصّيام إلى الليل ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون).
وتعقّب: بأنّه ليس فيها ما يدلّ على تلازمها. وإلاَّ لكان لا صوم إلاَّ باعتكافٍ. ولا قائل به.
وفي الحديث ردٌّ على مَن قال: أقلّ الاعتكاف عشرة أيّامٍ أو أكثر من يومٍ.
стр. 1763
واتّفقوا على أنّه لا حدّ لأكثره.
واختلفوا في أقله.
فمَن شرط فيه الصّيام , قال: أقلّه يومٌ.
ومنهم مَن قال: يصحّ مع شرط الصّيام في دون اليوم. حكاه ابن قدامة، وعن مالك: يشترط عشرة أيّام، وعنه: يومٌ أو يومان.
ومن لَم يشترط الصّوم , قالوا: أقلّه ما يطلق عليه اسم لبثٍ ولا يشترط القعود، وقيل: يكفي المرور مع النّيّة كوقوف عرفة.
وروى عبد الرّزّاق عن يعلى أُميَّة الصّحابيّ: إنّي لأمكث في المسجد السّاعة وما أمكث إلاَّ لأعتكف.
وتظهر فائدة الخلاف فيمن نذر اعتكافاً مبهماً.
وفيه أنّ من نذر وهو مشرك , ثم أسلم. هل يجب عليه الوفاء , أو لا؟.
وقد ترجم الطّحاويّ لهذه المسألة (من نذر وهو مشركٌ ثمّ أسلم) فأوضح المراد، وذكر فيه حديث ابن عمر في نذر عمر في الجاهليّة أنّه يعتكف , فقال له النّبيّ ﷺ : أوف بنذرك.
قال ابن بطّال: قاس البخاريّ اليمين (١) على النّذر. وترك الكلام على الاعتكاف , فمن نذر أو حلف قبل أن يسلم على شيء يجب الوفاء به لو كان مسلماً. فإنّه إذا أسلم يجب عليه على ظاهر قصّة عمر،
стр. 1764
قال: وبه يقول الشّافعيّ وأبو ثور.
كذا قال. وكذا نقله ابن حزم عن الإمام الشّافعيّ، والمشهور عند الشّافعيّة أنّه وجه لبعضهم , وأنّ الشّافعيّ وجلّ أصحابه على أنّه لا يجب بل يستحبّ، وكذا قال المالكيّة والحنفيّة.
وعن أحمد في رواية: يجب، وبه جزم الطّبريّ والمغيرة بن عبد الرّحمن من المالكيّة والبخاريّ وداود وأتباعه.
قلت: إن وجد عن البخاريّ التّصريح بالوجوب قُبِل، وإلا فمجرّد ترجمته لا يدلّ على أنّه يقول بوجوبه؛ لأنّه محتمل لأنْ يقول بالنّدب فيكون تقدير جواب الاستفهام يندب له ذلك.
قال القابسيّ: لَم يأمر عمر على جهة الإيجاب بل على جهة المشورة.
كذا قال، وقيل: أراد أن يعلمهم أنّ الوفاء بالنّذر من آكد الأمور فغلظ أمره بأن أمر عمر بالوفاء.
واحتجّ الطّحاويّ: بأنّ الذي يجب الوفاء به ما يتقرّب به إلى الله. والكافر لا يصحّ منه التّقرّب بالعبادة، وأجاب عن قصّة عمر: باحتمال أنّه ﷺ فهم من عمر أنّه سمح بأن يفعل ما كان نذره فأمره به , لأنّ فعله حينئذٍ طاعة لله تعالى، فكان ذلك خلاف ما أوجبه على نفسه؛ لأنّ الإسلام يهدم أمر الجاهليّة.
قال ابن دقيق العيد: ظاهر الحديث يخالف هذا، فإن دلَّ دليل أقوى منه على أنّه لا يصحّ من الكافر قوي هذا التّأويل، وإلاَّ فلا.
قوله: (فأوف بنذرك) لَم يذكر في هذه الرّواية متى اعتكف، وقد
стр. 1765
تقدّم بأنّ سؤاله كان بعد قسم النّبيّ ﷺ غنائم حنينٍ بالطّائف.
وفي رواية سفيان بن عيينة عن أيّوب عن نافع عند الإسماعيلي من الزّيادة " قال عمر: فلم أعتكف حتّى كان بعد حنينٍ، وكان النّبيّ ﷺ أعطاني جارية من السّبي، فبينا أنا معتكف إذ سمعت تكبيراً ". فذكر الحديث في مَنِّ النّبيّ ﷺ على هوازن بإطلاق سبيهم (١).
وفي الحديث لزوم النّذر للقربة من كلّ أحد حتّى قبل الإسلام.
وقد تقدّمت الإشارة إليه.
أجاب ابن العربيّ: بأنّ عمر لَمّا نذر في الجاهليّة ثمّ أسلم. أراد أن يكفّر ذلك بمثله في الإسلام , فلمّا أراده ونواه سأل النّبيّ ﷺ فأعلمه أنّه لزمه، قال: وكلّ عبادة ينفرد بها العبد عن غيره تنعقد بمجرّد النّيّة العازمة الدّائمة كالنّذر في العبادة والطّلاق في الأحكام، وإن لَم يتلفّظ بشيءٍ من ذلك.
كذا قال. ولَم يوافق على ذلك , بل نقل بعض المالكيّة الاتّفاق على أنّ العبادة لا تلزم إلاَّ بالنّيّة مع القول أو الشّروع.
وعلى التّنزّل فظاهر كلام عمر مجرّد الإخبار بما وقع مع الاستخبار
стр. 1766
عن حكمه هل لزم أو لا؟ وليس فيه ما يدلّ على ما ادّعاه من تجديد نيّة منه في الإسلام.
وقال الباجيّ: قصّة عمر هي كمن نذر أن يتصدّق بكذا إن قدم فلان بعد شهر فمات فلان قبل قدومه , فإنّه لا يلزم النّاذر قضاؤه. فإن فعله فحسنٌ، فلمّا نذر عمر قبل أن يسلم وسأل النّبيّ ﷺ أمره بوفائه استحباباً. وإن كان لا يلزمه , لأنّه التزمه في حالة لا ينعقد فيها.
ونقل شيخنا في شرح التّرمذيّ: أنّه استُدل به على أنّ الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة. وإن كان لا يصحّ منهم إلاَّ بعد أن يسلموا لأمر عمر بوفاء ما التزمه في الشّرك، ونقل أنّه لا يصحّ الاستدلال به , لأنّ الواجب بأصل الشّرع كالصّلاة لا يجب عليهم قضاؤها. فكيف يكلفون بقضاء ما ليس واجباً بأصل الشّرع؟.
قال: ويمكن أن يجاب بأنّ الواجب بأصل الشّرع مؤقّت بوقتٍ. وقد خرج قبل أن يسلم الكافر ففات وقت أدائه فلم يؤمر بقضائه؛ لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله، فأمّا إذا لَم يؤقّت نذره فلم يتعيّن له وقت حتّى أسلم فإيقاعه له بعد الإسلام يكون أداء لاتّساع ذلك باتّساع العمر.
قلت: وهذا البحث يقوّي ما ذهب إليه أبو ثور ومَن قال بقوله، وإن ثبت النّقل عن الشّافعيّ بذلك فلعله كان يقوله أوّلاً فأخذه عنه أبو ثور.
ويمكن أن يؤخذ من الفرق المذكور وجوب الحجّ على من أسلم
стр. 1767
لاتّساع وقته بخلاف ما فات وقته، والله أعلم.
تنْبيه: المراد بقول عمر في الجاهليّة قبل إسلامه , لأنّ جاهليّة كل أحدٍ بحسبه، ووهم مَن قال: الجاهليّة في كلامه زمن فترة النّبوّة. والمراد بها هنا ما قبل بعثة نبيّنا ﷺ . فإنّ هذا يتوقّف على نقل، وقد تقدّم أنّه نذر قبل أن يسلم، وبين البعثة وإسلامه مدّةٌ.
стр. 1768
الحديث الرابع
٢١٥ - عن صفيّة بنت حييٍّ ﵂ قالت: كان النّبيّ ﷺ معتكفاً , فأتيته أزوره ليلاً. فحدّثته , ثمّ قمتُ لأَنْقلب , فقام معي ليقلبني - وكان مسكنها في دار أسامة بن زيدٍ - فمرّ رجلان من الأنصار , فلمّا رأيا رسولَ الله ﷺ أسرعا , فقال النّبيّ ﷺ : على رِسْلكما. إنّها صفيّة بنت حييٍّ , فقالا: سبحان الله يا رسولَ الله , فقال: إنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم. وإنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شرّاً , أو قال شيئاً.
وفي روايةٍ: أنّها جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان. فتحدّثت عنده ساعةً , ثمّ قامتْ تنقلب. فقام النّبيّ ﷺ معها يقلبها , حتّى إذا بلغت باب المسجد عند باب أمّ سلمة. ثمّ ذكره بمعناه. (١)
قوله: (صفيّة بنت حيي) قيل: إنَّ صفية كان اسمها قبل أنْ تُسبى زينب فلمَّا صارت من الصَّفِيِّ (٢) سميت صفية.
стр. 1769
وحُييّ - بمهملةٍ وتحتانيّةٍ مصغّراً - ابن أخطب بن سعية - بفتح المهملة وسكون العين المهملة بعدها تحتانية ساكنة - بن عامر بن عبيد بن كعب من ذرية هارون بن عمران أخي موسى ﵉.
كان أبوها رئيس خيبر , وكانت تكنّى أمّ يحيى.
وأمُّها برة بنت شموال من بني قريظة , وكانت تحت سلام بن مشكم القرظي ثم فارقها فتزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضيري فقتل عنها يوم خيبر. ذكر ذلك ابن سعد , وأسند بعضه من وجهٍ مرسلٍ.
وفي تصريح عليّ بن الحسين بأنّها حدّثته ردٌّ على من زعم أنّها ماتت سنة ستٍّ وثلاثين أو قبل ذلك، لأنّ عليّاً إنّما ولد بعد ذلك سنة أربعين أو نحوها.
والصّحيح أنّها ماتت سنة خمسين , وقيل: بعدها، وكان عليّ بن الحسين حين سمع منها صغيراً.
قوله: (فأتيته أزوره ليلاً) وللبخاري من رواية هشام بن يوسف عن معمر عن الزّهريّ: كان النّبيّ ﷺ في المسجد وعنده أزواجه فرُحْنَ، وقال لصفيّة: لا تعجلي حتّى أنصرف معك.
والذي يظهر أنّ اختصاص صفيّة بذلك. لكون مجيئها تأخّر عن رفقتها فأمرها بتأخير التّوجّه ليحصل لها التّساوي في مدّة جلوسهنّ
стр. 1770
عنده.
أو أنّ بيوت رفقتها كانت أقرب من منزلها فخشي النّبيّ ﷺ عليها.
أو كان مشغولاً فأمرها بالتّأخّر ليفرغ من شغله ويشيّعها.
وروى عبد الرّزّاق من طريق مروان بن سعيد بن المعلى , أنّ النّبيّ ﷺ كان معتكفاً في المسجد فاجتمع إليه نساؤه ثمّ تفرّقن، فقال لصفيّة: أقلبك إلى بيتك، فذهب معها حتّى أدخلها بيتها. وفي رواية هشام المذكورة " وكان بيتها في دار أسامة "
قوله: (فحدثته , ثم قمت) في رواية لهما " فتحدّثت عنده ساعةً " زاد ابن أبي عتيقٍ عن الزّهريّ كما عند البخاري " ساعةً من العشاء ".
قوله: (ثم قمت لأنقلب) أي: تردّ إلى بيتها.
قوله: (فقام معي ليقلبني) بفتح أوّله وسكون القاف. أي: يردّها إلى منزلها.
قوله: (وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد) أي: الدّار التي صارت بعد ذلك لأسامة بن زيدٍ , لأنّ أسامة إذ ذاك لَم يكن له دارٌ مستقلةٌ بحيث تسكن فيها صفيّة، وكانت بيوت أزواج النّبيّ ﷺ حوالي أبواب المسجد.
قوله: (مرّ رجلان من الأنصار) زادا في رواية لهما " فسلّما على رسول الله ﷺ " , وفي رواية معمر " فنظرا إلى النّبيّ ﷺ ثمّ أجازا ". أي: مضيا. يقال: جاز وأجاز بمعنًى , ويقال: جاز الموضع. إذا سار فيه , وأجازه. إذا قطعه وخلفه.
стр. 1771
وفي رواية ابن أبي عتيق " ثمّ نفذا " وهو بالفاء والمعجمة. أي: خلفاه، وفي رواية عبد الرّحمن بن إسحاق عن الزّهريّ عند ابن حبّان " فلمّا رأياه استحييا فرجعا " فأفاد سبب رجوعهما وكأنّهما لو استمرّا ذاهبين إلى مقصدهما ما ردّهما , بل لَمّا رأى أنّهما تركا مقصدهما ورجعا ردّهما.
ولَم أقف على تسمية الرجلين في شيء من كتب الحديث، إلاَّ أنّ ابن العطّار في " شرح العمدة " زعم أنّهما أسيد بن حضير وعبّاد بن بشر , ولَم يذكر لذلك مستنداً، ووقع في رواية سفيان عن الزهري عند البخاري " فأبصره رجلٌ من الأنصار " بالإفراد.
وقال ابن التّين: إنّه وهمٌ , ثمّ قال: يحتمل تعدّد القصّة.
قلت: والأصل عدمه , بل هو محمولٌ على أنّ أحدهما كان تبعاً للآخر , أو خصّ أحدهما بخطاب المشافهة دون الآخر.
ويحتمل: أن يكون الزّهريّ كان يشكّ فيه. فيقول تارة رجل , وتارة رجلان، فقد رواه سعيد بن منصور عن هشيمٍ عن الزّهريّ " لقيه رجلٌ أو رجلان " بالشّكّ، وليس لقوله رجلٌ مفهومٌ.
نعم. رواه مسلمٌ من وجه آخر من حديث أنس بالإفراد. (١)
ووجهه ما قدّمته من أنّ أحدهما كان تبعاً للآخر. فحيث أفرد ذكر
стр. 1772
الأصل وحيث ثنّى ذكر الصّورة.
قوله: (على رسلكما) بكسر الرّاء ويجوز فتحها. أي: على هينتكما في المشي فليس هنا شيءٌ تكرهانه، وفيه شيءٌ محذوفٌ تقديره امشيا على هينتكما، وفي رواية معمر " فقال لهما النّبيّ ﷺ : تعاليا " وهو بفتح اللام.
قال الدّاوديّ: أي: قفا، وأنكره ابن التّين. وقد أخرجه عن معناه بغير دليل، وفي رواية سفيان " فلمّا أبصره دعاه , فقال: تعال.
قوله: (إنّها صفيّة بنت حييّ) في رواية سفيان " هذه صفيّة ".
قوله: (فقالا: سبحان الله يا رسولَ الله) زاد البخاري عن أبي اليمان عن شعيب " وكبُر عليهما " أي: عظم وشق , وروى النّسائيّ من طريق بشر بن شعيب عن أبيه ذلك، ومثله في رواية ابن مسافر عند البخاري، وكذا للإسماعيليّ من وجه آخر عن أبي اليمان - شيخ البخاريّ - وفيه، وفي رواية ابن أبي عتيق عند البخاري أيضاً " وكبُر عليهما ما قال ".
وله من طريق عبد الأعلى عن معمر " فكبُر ذلك عليهما " وفي رواية هشيمٍ " فقال: يا رسولَ الله هل نظنّ بك إلاَّ خيراً؟ ".
قوله: (يجري من الإنسان مجرى الدّم) كذا في رواية معمر. وكذا لابن ماجه من طريق عثمان بن عمر التّيميّ عن الزّهريّ. وفي رواية ابن مسافرٍ وابن أبي عتيق " إنّ الشّيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم ".
زاد عبد الأعلى فقال: إنّي خفت أن تظنّا ظنّاً، إنّ الشّيطان يجري،
стр. 1773
إلخ ".
وفي رواية عبد الرّحمن بن إسحاق " ما أقول لكما هذا أن تكونا تظنّان شرّاً، ولكن قد علمت أنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم. وقوله " يبلغ " أو " يجري ".
قيل: هو على ظاهره. وأنّ الله تعالى أقدره على ذلك وجعل له قوةً على التوصل إلى باطن الإنسان.
وقيل: هو على سبيل الاستعارة من كثرة إغوائه، وكأنّه لا يفارق كالدّم فاشتركا في شدّة الاتّصال وعدم المفارقة.
قوله: (ابن آدم) المراد جنس أولاد آدم. فيدخل فيه الرّجال والنّساء كقوله: (يا بني آدم) وقوله (يا بني إسرائيل) بلفظ المذكّر إلاَّ أنّ العرف عمّمه فأدخل فيه النّساء.
قوله: (وإنّي خفت أن يقذف في قلوبكما شراً) بمعجمةٍ وراءٍ. وفي رواية شعيب " شيئاً " وكذا في رواية ابن مسافر، وفي رواية معمر " سوءاً , أو قال شيئاً " وفي رواية هشيمٍ " إنّي خفت أن يدخل عليكما شيئاً " , وفي رواية هشام عن معمر " في أنفسكما " وهو مثل قوله في الرّواية الأخرى " في قلوبكما " وإضافة لفظ الجمع إلى المثنّى كثيرٌ مسموعٌ كقوله تعالى (فقد صغت قلوبكما).
والمحصّل من هذه الرّوايات. أنّ النّبيّ ﷺ لَم ينسبهما إلى أنّهما يظنّان به سوءاً لِمَا تقرّر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشّيطان ذلك , لأنّهما غير معصومين فقد يفضي بهما ذلك
стр. 1774
إلى الهلاك فبادر إلى إعلامهما حسماً للمادّة وتعليماً لمن بعدهما إذا وقع له مثل ذلك. كما قاله الشّافعيّ رحمه الله تعالى.
فقد روى الحاكم , أنّ الشّافعيّ كان في مجلس ابن عيينة. فسأله عن هذا الحديث فقال الشّافعيّ: إنّما قال لهما ذلك , لأنّه خاف عليهما الكفر إن ظنّا به التّهمة. فبادر إلى إعلامهما نصيحةً لهما قبل أن يقذف الشّيطان في نفوسهما شيئاً يهلكان به.
قلت: وهو بيّنٌ من الطّرق التي أسلفتها.
وغفل البزّار فطعن في حديث صفيّة هذا واستبعد وقوعه. ولَم يأت بطائلٍ، والله الموفّق
وفي الحديث من الفوائد
جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من تشييع زائره والقيام معه والحديث مع غيره، وإباحة خلوة المعتكف بالزّوجة، وزيارة المرأة للمعتكف، وبيان شفقته ﷺ على أمّته وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم.
وفيه التّحرّز من التّعرّض لسوء الظّنّ والاحتفاظ من كيد الشّيطان والاعتذار.
قال ابن دقيق العيد: وهذا متأكّد في حقّ العلماء ومن يقتدى به فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب سوء الظّنّ بهم وإن كان لهم فيه مخلص , لأنّ ذلك سببٌ إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثَمَّ قال بعض العلماء: ينبغي للحاكم أن يبيّن للمحكوم عليه وجه الحكم إذا
стр. 1775
كان خافياً نفياً للتّهمة. ومن هنا يظهر خطأ من يتظاهر بمظاهر السّوء ويعتذر بأنّه يجرّب بذلك على نفسه، وقد عظم البلاء بهذا الصّنف. والله أعلم
وفيه إضافة بيوت أزواج النّبيّ ﷺ إليهنّ، وفيه جواز خروج المرأة ليلاً، وفيه الدفع بالقول فيلحق به الفعل ولس المعتكف بأشد في ذلك من المُصلِّي.
وفيه قول " سبحان الله " عند التّعجّب، قد وقعت في الحديث لتعظيم الأمر وتهويله وللحياء من ذكره كما في حديث أمّ سليمٍ.
وقد وردت عدّة أحاديث صحيحة في قول " سبحان الله " عند التّعجّب كحديث أبي هريرة " لقيني النّبيّ ﷺ وأنا جنب " وفيه فقال " سبحان الله، إنّ المؤمن لا ينجس " متّفق عليه. وحديث عائشة " أنّ امرأة سألت النّبيّ ﷺ عن غسلها من المحيض " وفيه " قال تطهّري بها، قالت: كيف؟ قال: سبحان الله .. الحديث " متّفق عليه. وعند مسلم من حديث عمران بن حصين في قصّة المرأة التي نذرت أن تنحر ناقة النّبيّ ﷺ فقال: سبحان الله بئسما جزيتها " وكلاهما من قول النّبيّ ﷺ .
وفي الصّحيحين أيضاً من قول جماعة من الصّحابة كحديث عبد الله بن سلامٍ لَمّا قيل له: إنّك من أهل الجنّة. قال: سبحان الله ما ينبغي لأحدٍ أن يقول ما لا يعلم.
واستدل به لأبي يوسف ومحمّد في جواز تمادي المعتكف إذا خرج
стр. 1776
من مكان اعتكافه لحاجته وأقام زمناً يسيراً زائداً عن الحاجة. ما لَم يستغرق أكثر اليوم.
ولا دلالة فيه , لأنّه لَم يثبت أنّ منزل صفيّة كان بينه وبين المسجد فاصلٌ زائدٌ، وقد حدّ بعضهم اليسير بنصف يوم , وليس في الخبر ما يدلّ عليه.
واستدل بحديث صفيّة لمن منع الحكم بالعلم , أنّه ﷺ كره أن يقع في قلب الأنصاريّين من وسوسة الشّيطان شيء، فمراعاة نفي التّهمة عنه مع عصمته تقتضي مراعاة نفي التّهمة عمّن هو دونه (١)
قوله: (حتّى إذا بلغت باب المسجد عند باب أمّ سلمة) في رواية ابن أبي عتيق " الذي عند مسكن أمّ سلمة " والمراد بهذا بيان المكان الذي لقيه الرّجلان فيه لإتيان مكان بيت صفيّة.
فائدة: قال الطّبريّ: قيل: كان النّبيّ ﷺ ملَّك كلاً من أزواجه البيت الذي هي فيه , فسكن بعده فيهنّ بذلك التّمليك.
وقيل: إنّما لَم ينازعهنّ في مساكنهنّ , لأنّ ذلك من جملة مئونتهنّ التي كان النّبيّ ﷺ استثناها لهنّ ممّا كان بيده أيّام حياته حيث قال: ما تركت بعد نفقة نسائي. قال: وهذا أرجح.
ويؤيّده أنّ ورثتهنّ لَم يرثن عنهنّ منازلهنّ، ولو كانت البيوت ملكاً لهنّ لانتقلت إلى ورثتهنّ، وفي ترك ورثتهنّ حقوقهم منها دلالة على
стр. 1777
ذلك، ولهذا زيدت بيوتهنّ في المسجد النّبويّ بعد موتهنّ لعموم نفعه للمسلمين كما فعل فيما كان يصرف لهنّ من النّفقات. والله أعلم.
وادّعى المُهلَّب: أنّ النّبيّ ﷺ كان حبس عليهنّ بيوتهنّ، ثمّ استدل به على أنّ من حبس داراً جاز له أن يسكن منها في موضعٍ.
وتعقّبه ابن المنيّر: بمنع أصل الدّعوى , ثمّ على التّنزّل لا يوافق ذلك مذهبه إلاَّ إن صرّح بالاستثناء، ومن أين له ذلك؟
стр. 1778
كتاب الحجّ
أصل الحجّ في اللّغة القصد، وقال الخليل: كثرة القصد إلى معظّم.
وفي الشّرع القصد إلى البيت الحرام بأعمالٍ مخصوصة.
وهو بفتح المهملة وبكسرها لغتان، نقل الطّبريّ , أنّ الكسر لغة أهل نجد والفتح لغيرهم، ونقل عن حسين الجعفيّ , أنّ الفتح الاسم والكسر المصدر، وعن غيره عكسه.
ووجوب الحجّ معلوم من الدّين بالضّرورة.
وأجمعوا على أنّه لا يتكرّر إلاَّ لعارضٍ كالنّذر.
واختلف هل هو على الفور أو التّراخي؟ وهو مشهور.
وفي وقت ابتداء فرضه.
فقيل: قبل الهجرة وهو شاذٌّ، وقيل: بعدها.
ثمّ اختلف في سَنتِه.
والجمهور. على أنّها سنة ستٍّ , لأنّها نزل فيها قوله تعالى (وأتمّوا الحجّ والعمرة لله) وهذا ينبني على أنّ المراد بالإتمام ابتداء الفرض.
ويؤيّده قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النّخعيّ بلفظ " وأقيموا " أخرجه الطّبريّ بأسانيد صحيحة عنهم.
وقيل: المراد بالإتمام الإكمال بعد الشّروع، وهذا يقتضي تقدُّم فرضه قبل ذلك. وقد وقع في قصّة ضمام (١) ذِكر الأمر بالحجّ، وكان
стр. 1779
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1780
قدومه على ما ذكر الواقديّ سنة خمس، وهذا يدلّ - إن ثبت - على تقدّمه على سنة خمس أو وقوعه فيها.
وأمّا فضله فمشهور , ولا سيّما في الوعيد على تركه في الآية. (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاس حِجُّ الْبَيْت مَنْ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ)
تقسيم: النّاس قسمان، من يجب عليه الحجّ , ومن لا يجب، الثّاني العبد وغير المكلف وغير المستطيع.
ومن لا يجب عليه. إمّا أن يجزئه المأتيّ به أو لا، الثّاني. العبد وغير المكلف. والمستطيع إمّا أن تصحّ مباشرته منه أو لا، الثّاني غير المميّز. ومن لا تصحّ مباشرته. إمّا أن يباشر عنه غيره أو لا، الثّاني الكافر. فتبيّن أنّه لا يشترط لصحّة الحجّ إلاَّ الإسلام.
стр. 1781
باب المواقيت
الحديث الأول
٢١٦ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة , ولأهل الشّام الجحفة , ولأهل نجدٍ قرن المنازل , ولأهل اليمن يلملم , هنّ لهم ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ , ممّن أراد الحجّ أو العمرة. ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ , حتّى أهل مكّة من مكّة. (١)
قوله: (وقّت رسول الله ﷺ ) أي: حدّد، وأصل التّوقيت أن يجعل للشّيء وقت يختصّ به , ثمّ اتّسع فيه فأطلق على المكان أيضاً.
قال ابن الأثير: التّوقيت والتّأقيت أن يُجعل للشّيء وقت يختصّ به وهو بيان مقدار المدّة , يقال: وقّت الشّيء بالتّشديد يوقّته ووقَت بالتّخفيف يقته إذا بيّن مدّته، ثمّ اتّسع فيه فقيل للموضع ميقات.
وقال ابن دقيق العيد: قيل: إنّ التّوقيت في اللّغة التّحديد والتّعيين، فعلى هذا فالتّحديد من لوازم الوقت.
وقوله هنا " وقّت " يحتمل: أن يريد به التّحديد. أي: حدّ هذه المواضع للإحرام، ويحتمل: أن يريد به تعليق الإحرام بوقت
стр. 1782
الوصول إلى هذه الأماكن بالشّرط المعتبر.
وقال عياض: وقّت. أي: حدّد، وقد يكون بمعنى أوجب. ومنه قوله تعالى (إنّ الصّلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً). انتهى.
ويؤيّده الرّواية الآتية بلفظ " فرض ".
قوله: (لأهل المدينة) أي: مدينته ﵊.
قوله: (ذا الحليفة) بالمهملة والفاء مصغّراً. مكان معروف بينه وبين مكّة مائتا ميل غير ميلين. قاله ابن حزم، وقال غيره: بينهما عشر مراحل.
وقال النّوويّ: بينها وبين المدينة ستّة أميال، ووهم مَن قال بينهما ميل واحد , وهو ابن الصّبّاغ. وبها مسجد يعرف بمسجد الشّجرة خراب، وبها بئر يقال لَها بئر عليّ (١).
قوله: (الجحفة) بضمّ الجيم وسكون المهملة، وهي قرية خربة بينها وبين مكّة خمس مراحل أو ستّة.
وفي قول النّوويّ في " شرح المهذّب " ثلاث مراحل نظرٌ.
стр. 1783
وسيأتي في حديث ابن عمر أنّها مهيعة (١) بوزن علقمة , وقيل: بوزن لطيفة، وسمّيت الجحفة , لأنّ السّيل أجحف بها.
قال ابن الكلبيّ: كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني عبيل - بفتح المهملة وكسر الموحّدة وهم إخوة عاد - حرب فأخرجوهم من يثرب فنزلوا مهيعة. فجاء سيل فاجتحفهم. أي: استأصلهم فسمّيت الجحفة.
ووقع في حديث عائشة عند النّسائيّ " ولأهل الشّام ومصر الجحفة " والمكان الذي يحرم منه المصريّون الآن رابغ. بوزن فاعل براءٍ وموحّدة وغين معجمة قريب من الجحفة، واختصّت الجحفة بالحمّى فلا ينزلها أحدٌ إلاَّ حُمّ.
قوله: (ولأهل نجد قرن المنازل) أمّا نجد فهو كلّ مكان مرتفع وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد منها هنا التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها الشّام والعراق.
والمنازل بلفظ جمع المنزل، والمركب الإضافيّ هو اسم المكان. ويقال له: قرن أيضاً بلا إضافة، وهو بفتح القاف وسكون الرّاء بعدها نون.
وضبطه صاحب " الصّحاح " بفتح الرّاء. وغلّطوه، وبالغ النّوويّ. فحكى الاتّفاق على تخطئته في ذلك، لكن حكى عياض تعليق القابسيّ. أنّ مَن قاله بالإسكان أراد الجبل , ومَن قاله بالفتح
стр. 1784
أراد الطّريق، والجبل المذكور بينه وبين مكّة من جهة المشرق مرحلتان.
وحكى الرّويانيّ عن بعض قدماء الشّافعيّة , أنّ المكان الذي يقال له قرن موضعان:
أحدهما: في هبوط , وهو الذي يقال له قرن المنازل.
والآخر: في صعود , وهو الذي يقال له قرن الثّعالب. والمعروف الأوّل.
وفي " أخبار مكّة " للفاكهيّ , أنّ قرن الثّعالب جبل مشرف على أسفل منًى بينه وبين مسجد منًى ألف وخمسمائة ذراع، وقيل له: قرن الثّعالب , لكثرة ما كان يأوي إليه من الثّعالب.
فظهر أنّ قرن الثّعالب ليس من المواقيت.
وقد وقع ذكره في حديث عائشة في إتيان النّبيّ ﷺ الطّائف يدعوهم إلى الإسلام وردّهم عليه قال " فلم أستفق إلاَّ وأنا بقرن الثّعالب " الحديث ذكره ابن إسحاق في " السّيرة النّبويّة ".
ووقع في مرسل عطاء عند الشّافعيّ " ولأهل نجد قرن، ولمن سلك نجداً من أهل اليمن وغيرهم قرن المنازل ".
ووقع في عبارة القاضي حسين في سياقه لحديث ابن عبّاس هذا " ولأهل نجد اليمن ونجد الحجاز قرن ".
وهذا لا يوجد في شيء من طرق حديث ابن عبّاس، وإنّما يوجد ذلك من مرسل عطاء، وهو المعتمد , فإنّ لأهل اليمن إذا قصدوا
стр. 1785
مكّة طريقين:
إحداهما: طريق أهل الجبال , وهم يصلون إلى قرن أو يحاذونه , فهو ميقاتهم كما هو ميقات أهل المشرق.
والأخرى: طريق أهل تهامة , فيمرّون بيلملم أو يحاذونه , وهو ميقاتهم لا يشاركهم فيه إلاَّ من أتى عليه من غيرهم.
قوله: (ولأهل اليمن يلملم) بفتح التّحتانيّة واللام وسكون الميم وبعدها لام مفتوحة ثمّ ميم , مكان على مرحلتين من مكّة , بينهما ثلاثون ميلاً , ويقال لها. ألَمْلَم بالهمزة , وهو الأصل والياء تسهيل لها، وحكى ابن السّيّد فيه. يرمرم براءين بدل اللامين.
تنبيه: أبعد المواقيت من مكّة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة.
فقيل: الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة.
وقيل: رفقاً بأهل الآفاق , لأنّ أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكّة , أي: ممّن له ميقات معيّن.
قوله: (هُنَّ لهنّ) في رواية لهما " هنَّ لهم " أي: المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة. وقوله " هنّ لهنّ " أي: المواقيت للجماعات المذكورة , أو لأهلهنّ على حذف المضاف. والأوّل هو الأصل.
وللبخاري بلفظ " هنّ لأهلهنّ " كما شرحته. وقوله " هنّ " ضمير جماعة المؤنّث وأصله لمن يعقل، وقد استعمل فيما لا يعقل , لكن فيما دون العشرة.
قوله: (ولمن أتى عليهنّ) أي: على المواقيت من غير أهل البلاد
стр. 1786
المذكورة، ويدخل في ذلك من دخل بلداً ذات ميقات ومن لَم يدخل.
فالذي لا يدخل. لا إشكال فيه إذا لَم يكن له ميقات معيّن.
والذي يدخل. فيه خلاف كالشّاميّ إذا أراد الحجّ فدخل المدينة , فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها.
ولا يؤخّر حتّى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصليّ، فإن أخّر أساء ولزمه دم. عند الجمهور.
وأطلق النّوويّ الاتّفاق , ونفى الخلاف في شرحيه لمسلمٍ والمهذّب في هذه المسألة.
فلعلَّه أراد في مذهب الشّافعيّ , وإلَّا فالمعروف عند المالكيّة. أنّ للشّاميّ مثلاً إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصليّ , وهو الجحفة , جاز له ذلك , وإن كان الأفضل خلافه , وبه قال الحنفيّة وأبو ثور وابن المنذر من الشّافعيّة.
قال ابن دقيق العيد: قوله " ولأهل الشّام الجحفة ": يشمل من مرّ من أهل الشّام بذي الحليفة ومن لَم يمرّ، وقوله " ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ " يشمل الشّاميّ إذا مرّ بذي الحليفة وغيره، فهنا عمومان قد تعارضا. انتهى ملخّصاً.
ويحصل الانفكاك عنه بأنّ قوله " هنّ لهنّ " مفسّر لقوله مثلاً وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، وأنّ المراد بأهل المدينة ساكنوها ومن سلك طريق سفرهم فمرّ على ميقاتهم.
ويؤيّده. عراقيّ خرج من المدينة فليس له مجاوزة ميقات المدينة غير
стр. 1787
محرم، ويترجّح بهذا قول الجمهور. وينتفي التّعارض.
قوله: (ممّن أراد الحجّ والعمرة) فيه دلالة على جواز دخول مكّة بغير إحرام، وحاصله أنّه خصّ الإحرام بمن أراد الحجّ والعمرة. فمفهومه أنّ المتردّد إلى مكّة لغير قصد الحجّ والعمرة لا يلزمه الإحرام.
وقد اختلف العلماء في هذا.
فالمشهور من مذهب الشّافعيّ عدم الوجوب مطلقاً.
وفي قول. يجب مطلقاً.
وفيمن يتكرّر دخوله خلافٌ , مرتّب وأولى بعدم الوجوب.
والمشهور عن الأئمّة الثّلاثة الوجوب، وفي رواية عن كلّ منهم لا يجب، وهو قول ابن عمر والزّهريّ والحسن وأهل الظّاهر.
وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكرّرة.
واستثنى الحنفيّة من كان داخل الميقات.
وزعم ابن عبد البرّ , أنّ أكثر الصّحابة والتّابعين على القول بالوجوب (١).
قوله: (ومن كان دون ذلك) أي: بين الميقات ومكّة.
قوله: (فمن حيث أنشأ) أي: فميقاته من حيث أنشأ الإحرام. إذ السّفر من مكانه إلى مكّة وهذا متّفق عليه إلاَّ ما رُوي عن مجاهد أنّه قال: ميقات هؤلاء نفس مكّة.
стр. 1788
واستدلَّ به ابن حزم على أنّ من ليس له ميقات فميقاته من حيث شاء , ولا دلالة فيه , لأنّه يختصّ بمن كان دون الميقات. أي: إلى جهة مكّة.
ويؤخذ منه أنّ من سافر غير قاصد للنّسك فجاوز الميقات , ثمّ بدا له بعد ذلك النّسك , أنّه يُحرم من حيث تجدّد له القصد , ولا يجب عليه الرّجوع إلى الميقات لقوله " فمن حيث أنشأ ".
قوله: (حتّى أهل مكّة) يجوز فيه الرّفع والكسر.
قوله: (من مكّة) أي: لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه , بل يحرمون من مكّة كالآفاقيّ الذي بين الميقات ومكّة , فإنّه يحرم من مكانه , ولا يحتاج إلى الرّجوع إلى الميقات ليحرم منه، وهذا خاصّ بالحاجّ.
واختلف في أفضل الأماكن التي يُحرم منها.
القول الأول: في قول للشّافعيّ من المسجد.
القول الثاني: قال مالك وأحمد وإسحاق: يهلّ من جوف مكّة , ولا يخرج إلى الحل إلاَّ محرماً.
وأمّا المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحلّ كما سيأتي بيانه (١).
قال المحبّ الطّبريّ: لا أعلم أحداً جعل مكّة ميقاتاً للعمرة، فتعيّن حمله على القارن.
واختلف في القارن.
стр. 1789
القول الأول: ذهب الجمهور إلى أنّ حكمه حكم الحاجّ في الإهلال من مكّة.
القول الثاني: قال ابن الماجشون: يجب عليه الخروج إلى أدنى الحلّ، ووجهه أنّ العمرة إنّما تندرج في الحجّ فيما محلّه واحد كالطّواف والسّعي عند من يقول بذلك، وأمّا الإحرام فمحلّه فيهما مختلف.
وجواب هذا الإشكال: أنّ المقصود من الخروج إلى الحلّ في حقّ المعتمر أن يرد على البيت الحرام من الحلّ فيصحّ كونه وافداً عليه، وهذا يحصل للقارن لخروجه إلى عرفة وهي من الحلّ ورجوعه إلى البيت لطواف الإفاضة فحصل المقصود بذلك أيضاً.
واختلف فيمن جاوز الميقات مريداً للنّسك فلم يُحرم.
القول الأول: قال الجمهور: يأثم ويلزمه دم، فأمّا لزوم الدّم فبدليلٍ غير هذا، وأمّا الإثم فلترك الواجب.
وللبخاري عن ابن عمر بلفظ " فرضها " وسيأتي بلفظ " يهلّ " وهو خبر بمعنى الأمر , والأمر لا يرِدُ بلفظ الخبر إلاَّ إذا أريد تأكيده، وتأكيد الأمر للوجوب.
وللبخاري بلفظ " من أين تأمرنا أن نهلّ " ولمسلمٍ من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أمر رسول الله ﷺ أهل المدينة.
القول الثاني: ذهب عطاء والنّخعيّ إلى عدم الوجوب.
القول الثالث: مقابله قول سعيد بن جبير: لا يصحّ حجّه. وبه قال ابن حزم.
стр. 1790
وقال الجمهور: لو رجع إلى الميقات قبل التّلبّس بالنّسك سقط عنه الدّم.
قال أبو حنيفة: بشرط أن يعود ملبّياً، ومالك: بشرط أن لا يبعد، وأحمد: لا يسقط بشيءٍ.
تنْبيه: الأفضل في كلّ ميقات أن يحرم من طرفه الأبعد من مكّة، فلو أحرم من طرفه الأقرب جاز.
تكميل: حكى الأثرم عن أحمد: أنّه سئل في أيّ سنة وقّت النّبيّ ﷺ المواقيت؟ فقال: عام حجّ. انتهى.
وفي حديث ابن عمر (١) بلفظ " أنّ رجلاً قام في المسجد فقال: يا رسولَ الله من أين تأمرنا أن نهلّ "؟.