← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

المذكورة، ويدخل في ذلك من دخل بلداً ذات ميقات ومن لَم يدخل. فالذي لا يدخل. لا إشكال فيه إذا لَم يكن له ميقات معيّن. والذي يدخل. فيه خلاف كالشّاميّ إذا أراد الحجّ فدخل المدينة , فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها. ولا يؤخّر حتّى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصليّ، فإن أخّر أساء ولزمه دم. عند الجمهور. وأطلق النّوويّ الاتّفاق , ونفى الخلاف في شرحيه لمسلمٍ والمهذّب في هذه المسألة. فلعلَّه أراد في مذهب الشّافعيّ , وإلَّا فالمعروف عند المالكيّة. أنّ للشّاميّ مثلاً إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصليّ , وهو الجحفة , جاز له ذلك , وإن كان الأفضل خلافه , وبه قال الحنفيّة وأبو ثور وابن المنذر من الشّافعيّة. قال ابن دقيق العيد: قوله " ولأهل الشّام الجحفة ": يشمل من مرّ من أهل الشّام بذي الحليفة ومن لَم يمرّ، وقوله " ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ " يشمل الشّاميّ إذا مرّ بذي الحليفة وغيره، فهنا عمومان قد تعارضا. انتهى ملخّصاً. ويحصل الانفكاك عنه بأنّ قوله " هنّ لهنّ " مفسّر لقوله مثلاً وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، وأنّ المراد بأهل المدينة ساكنوها ومن سلك طريق سفرهم فمرّ على ميقاتهم. ويؤيّده. عراقيّ خرج من المدينة فليس له مجاوزة ميقات المدينة غير

стр. 1787

محرم، ويترجّح بهذا قول الجمهور. وينتفي التّعارض. قوله: (ممّن أراد الحجّ والعمرة) فيه دلالة على جواز دخول مكّة بغير إحرام، وحاصله أنّه خصّ الإحرام بمن أراد الحجّ والعمرة. فمفهومه أنّ المتردّد إلى مكّة لغير قصد الحجّ والعمرة لا يلزمه الإحرام. وقد اختلف العلماء في هذا. فالمشهور من مذهب الشّافعيّ عدم الوجوب مطلقاً. وفي قول. يجب مطلقاً. وفيمن يتكرّر دخوله خلافٌ , مرتّب وأولى بعدم الوجوب. والمشهور عن الأئمّة الثّلاثة الوجوب، وفي رواية عن كلّ منهم لا يجب، وهو قول ابن عمر والزّهريّ والحسن وأهل الظّاهر. وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكرّرة. واستثنى الحنفيّة من كان داخل الميقات. وزعم ابن عبد البرّ , أنّ أكثر الصّحابة والتّابعين على القول بالوجوب (١). قوله: (ومن كان دون ذلك) أي: بين الميقات ومكّة. قوله: (فمن حيث أنشأ) أي: فميقاته من حيث أنشأ الإحرام. إذ السّفر من مكانه إلى مكّة وهذا متّفق عليه إلاَّ ما رُوي عن مجاهد أنّه قال: ميقات هؤلاء نفس مكّة.

стр. 1788

واستدلَّ به ابن حزم على أنّ من ليس له ميقات فميقاته من حيث شاء , ولا دلالة فيه , لأنّه يختصّ بمن كان دون الميقات. أي: إلى جهة مكّة. ويؤخذ منه أنّ من سافر غير قاصد للنّسك فجاوز الميقات , ثمّ بدا له بعد ذلك النّسك , أنّه يُحرم من حيث تجدّد له القصد , ولا يجب عليه الرّجوع إلى الميقات لقوله " فمن حيث أنشأ ". قوله: (حتّى أهل مكّة) يجوز فيه الرّفع والكسر. قوله: (من مكّة) أي: لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه , بل يحرمون من مكّة كالآفاقيّ الذي بين الميقات ومكّة , فإنّه يحرم من مكانه , ولا يحتاج إلى الرّجوع إلى الميقات ليحرم منه، وهذا خاصّ بالحاجّ. واختلف في أفضل الأماكن التي يُحرم منها. القول الأول: في قول للشّافعيّ من المسجد. القول الثاني: قال مالك وأحمد وإسحاق: يهلّ من جوف مكّة , ولا يخرج إلى الحل إلاَّ محرماً. وأمّا المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحلّ كما سيأتي بيانه (١). قال المحبّ الطّبريّ: لا أعلم أحداً جعل مكّة ميقاتاً للعمرة، فتعيّن حمله على القارن. واختلف في القارن.

стр. 1789

القول الأول: ذهب الجمهور إلى أنّ حكمه حكم الحاجّ في الإهلال من مكّة. القول الثاني: قال ابن الماجشون: يجب عليه الخروج إلى أدنى الحلّ، ووجهه أنّ العمرة إنّما تندرج في الحجّ فيما محلّه واحد كالطّواف والسّعي عند من يقول بذلك، وأمّا الإحرام فمحلّه فيهما مختلف. وجواب هذا الإشكال: أنّ المقصود من الخروج إلى الحلّ في حقّ المعتمر أن يرد على البيت الحرام من الحلّ فيصحّ كونه وافداً عليه، وهذا يحصل للقارن لخروجه إلى عرفة وهي من الحلّ ورجوعه إلى البيت لطواف الإفاضة فحصل المقصود بذلك أيضاً. واختلف فيمن جاوز الميقات مريداً للنّسك فلم يُحرم. القول الأول: قال الجمهور: يأثم ويلزمه دم، فأمّا لزوم الدّم فبدليلٍ غير هذا، وأمّا الإثم فلترك الواجب. وللبخاري عن ابن عمر بلفظ " فرضها " وسيأتي بلفظ " يهلّ " وهو خبر بمعنى الأمر , والأمر لا يرِدُ بلفظ الخبر إلاَّ إذا أريد تأكيده، وتأكيد الأمر للوجوب. وللبخاري بلفظ " من أين تأمرنا أن نهلّ " ولمسلمٍ من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أمر رسول الله ﷺ أهل المدينة. القول الثاني: ذهب عطاء والنّخعيّ إلى عدم الوجوب. القول الثالث: مقابله قول سعيد بن جبير: لا يصحّ حجّه. وبه قال ابن حزم.

стр. 1790

وقال الجمهور: لو رجع إلى الميقات قبل التّلبّس بالنّسك سقط عنه الدّم. قال أبو حنيفة: بشرط أن يعود ملبّياً، ومالك: بشرط أن لا يبعد، وأحمد: لا يسقط بشيءٍ. تنْبيه: الأفضل في كلّ ميقات أن يحرم من طرفه الأبعد من مكّة، فلو أحرم من طرفه الأقرب جاز. تكميل: حكى الأثرم عن أحمد: أنّه سئل في أيّ سنة وقّت النّبيّ ﷺ المواقيت؟ فقال: عام حجّ. انتهى. وفي حديث ابن عمر (١) بلفظ " أنّ رجلاً قام في المسجد فقال: يا رسولَ الله من أين تأمرنا أن نهلّ "؟.

стр. 1791

الحديث الثاني ٢١٧ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: يُهِلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة , وأهل الشّام من الجحفة , وأهل نجدٍ من قرنٍ. قال: وبلغني أنّ رسول الله ﷺ قال: ويهلّ أهل اليمن من يلملم (١). قوله: (أنّ رسول الله ﷺ قال: يهلّ أهل المدينة ..) وللبخاري من رواية الليث عن نافع " أنَّ رجلاً قام في المسجد , فقال: يارسول الله من أين تأمرنا أن نهل .. ". لَم أقف على اسم هذا الرّجل، والمراد بالمسجد مسجد النّبيّ ﷺ . ويستفاد منه أنّ السّؤال عن مواقيت الحجّ كان قبل السّفر من المدينة. وللبخاري عن زيد بن جبير، أنه أتى عبد الله بن عمر ﵁ في منزله فسألته من أين يجوز أن أعتمر؟ قال: فرضها رسول الله ﷺ لأهل .. الحديث ". ومعنى " فرض " قدّر أو أوجب، وهو ظاهر نصّ البخاري , وأنّه

стр. 1792

لا يجيز الإحرام بالحجّ والعمرة من قبل الميقات. ويزيد ذلك وضوحاً قوله باب " ميقات أهل المدينة ولا يهلّون قبل ذي الحليفة ". فاستنبط من إيراد الخبر بصيغة الخبر مع إرادة الأمر تعيّن ذلك. وأيضاً فلم ينقل عن أحد ممّن حجّ مع النّبيّ ﷺ أنّه أحرم قبل ذي الحليفة، ولولا تعيّن الميقات لبادروا إليه , لأنّه يكون أشقّ , فيكون أكثر أجراً. وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز. وفيه نظرٌ. فقد نقل عن إسحاق وداود وغيرهما عدم الجواز , وهو ظاهر جواب ابن عمر. ويؤيّده القياس على الميقات الزّمانيّ , فقد أجمعوا على أنّه لا يجوز التّقدّم عليه. وفرّق الجمهور بين الزّمانيّ والمكانيّ , فلم يجيزوا التّقدّم على الزّمانيّ. وأجازوا في المكانيّ. وذهب طائفة كالحنفيّة وبعض الشّافعيّة. إلى ترجيح التّقدّم، وقال مالك: يكره قوله: (يهلّ) ولهما من رواية سالم عن أبيه " مهلّ " المهلّ بضمّ الميم وفتح الهاء وتشديد اللام موضع الإهلال. وأصله رفع الصّوت , لأنّهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتّلبية عند الإحرام، ثمّ أطلق على نفس الإحرام اتّساعاً. قال ابن الجوزيّ: وإنّما يقول بفتح الميم من لا يعرف.

стр. 1793

وقال أبو البقاء العكبريّ: هو مصدر بمعنى الإهلال. كالمدخل والمخرج بمعنى الإدخال والإخراج. قوله: (يهلّ أهل الشام من الجحفة) في رواية لهما " ومهل أهل الشام مهيعة، وهي الجحفة " وتقدّم الكلام عليه مستوفى في الذي قبله. قوله: (وبلغني أنّ رسول الله ﷺ , قال ..) ولهما من رواية ابنه سالم عنه بلفظ " زعموا , أنّ النّبيّ ﷺ قال , ولَم أسمعه ". وله من وجه آخر بلفظ " لَم أفقه هذه من النّبيّ ﷺ " وهو يشعر بأنّ الذي بلغ ابنَ عمر ذلك جماعةٌ، وقد ثبت ذلك من حديث ابن عبّاس كما في الحديث قبله، ومن حديث جابر عند مسلم، ومن حديث عائشة عند النّسائيّ، ومن حديث الحارث بن عمرو السّهميّ عند أحمد وأبي داود والنّسائيّ. وفيه دليل على إطلاق الزّعم على القول المحقّق , لأنّ ابن عمر سمع ذلك من رسول الله ﷺ , لكنّه لَم يفهمه. لقوله: لَم أفقه هذه. أي: الجملة الأخيرة فصار يرويها عن غيره، وهو دالٌّ على شدّة تحرّيه وورعه. تكميل: زاد البخاري في آخره من رواية عبد الله بن دينار " وذُكر العراق , فقال: لَم يكن عراق يومئذ ". ذكر بضمّ أوّله مبنيّ للمجهول ولَم يسمّ، والمجيب هو ابن عمر، ووقع عند الإسماعيليّ " فقيل له: العراق , قال: لَم يكن يومئذٍ عراق "

стр. 1794

وقوله: لَم يكن عراقٌ يومئذٍ. أي: بأيدي المسلمين , فإنّ بلاد العراق كلّها في ذلك الوقت كانت بأيدي كسرى وعمّاله من الفرس والعرب , فكأنّه قال: لَم يكن أهل العراق مسلمين حينئذٍ حتّى يوقّت لهم. ويعكّر على هذا الجواب , ذِكر أهل الشّام , فلعل مراد ابن عمر نفي العراقين وهما المصران المشهوران الكوفة والبصرة , وكلٌّ منهما إنّما صار مصراً جامعاً بعد فتح المسلمين بلاد الفرس

стр. 1795

باب ما يلبس المُحرم من الثياب الحديث الثالث ٢١٨ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ رجلاً قال يا رسولَ الله , ما يلبس المُحرم من الثّياب؟ قال رسول الله ﷺ : لا يلبس القميص , ولا العمائم , ولا السّراويلات , ولا البرانس , ولا الخفاف , إلاَّ أحدٌ لا يجد نعلين فليلبس خفّين وليقطعهما أسفل من الكعبين , ولا يلبس من الثّياب شيئاً مسّه زعفرانٌ أو ورسٌ. (١) وللبخاريّ: ولا تنتقب المرأة. ولا تلبس القفّازين. (٢) قوله: (أنّ رجلاً قال: يا رسولَ الله) لَم أقف على اسمه في شيء من الطّرق، وللبخاري من طريق الليث عن نافع بلفظ " ماذا تأمرنا أن نلبس من الثّياب في الإحرام ". وعند النّسائيّ من طريق عمر بن نافع عن أبيه " ما نلبس من الثّياب إذا أحرمنا " وهو مشعرٌ بأنّ السّؤال عن ذلك كان قبل الإحرام. وقد حكى الدّارقطنيّ عن أبي بكر النّيسابوريّ , أنّ في رواية ابن

стр. 1796

جريجٍ والليث عن نافع , أنّ ذلك كان في المسجد. ولَم أر ذلك في شيء من الطّرق عنهما. (١) نعم. أخرج البيهقيّ من طريق حمّاد بن زيد عن أيّوب، ومن طريق عبد الوهّاب بن عطاء عن عبد الله بن عون، كلاهما عن نافع عن ابن عمر: نادى رجلٌ رسول الله ﷺ وهو يخطب بذلك المكان. وأشار نافع إلى مقدّم المسجد. فذكر الحديث. وظهر أنّ ذلك كان بالمدينة. ووقع في حديث ابن عبّاس الآتي (٢) , أنّه ﷺ خطب بذلك في عرفات. فيُحمل على التّعدّد، ويؤيّده أنّ حديث ابن عمر أجاب به السّائل , وحديث ابن عبّاس ابتدأ به في الخطبة. قوله: (ما يلبس المُحرم من الثّياب؟) المراد بالمُحرم من أحرم بحجٍّ أو عمرة أو قرَن. وحكى ابن دقيق العيد , أنّ ابن عبد السّلام كان يستشكل معرفة حقيقة الإحرام. يعني على مذهب الشّافعيّ , ويردّ على من يقول إنّه النّيّة، لأنّ النّيّة شرط في الحجّ الذي الإحرام ركنه، وشرط الشّيء غيره، ويعترض على من يقول إنّه التّلبية بأنّها ليست ركناً , وكأنّه

стр. 1797

يحوم على تعيين فعل تتعلق به النّيّة في الابتداء. انتهى. والذي يظهر. أنّه مجموع الصّفة الحاصلة من تجرّدٍ وتلبيةٍ ونحو ذلك، قوله: (ما يلبس المُحرم من الثّياب؟ قال: لا يلبس القمص إلخ) قال النّوويّ: قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام وجزله , لأنّ ما لا يلبس منحصر فحصل التّصريح به، وأمّا الملبوس الجائز فغير منحصر فقال: لا يلبس كذا أي ويلبس ما سواه. انتهى. وقال البيضاويّ: سئل عمّا يلبس , فأجاب بما لا يلبس , ليدلّ بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنّما عدل عن الجواب لأنّه أخصر وأحصر، وفيه إشارة إلى أنّ حقّ السّؤال أن يكون عمّا لا يلبس , لأنّه الحكم العارض في الإحرام المحتاج لبيانه، إذ الجواز ثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب , فكان الأليق السّؤال عمّا لا يلبس. وقال غيره: هذا يشبه أسلوب الحكيم، ويقرب منه قوله تعالى (يسألونك ماذا ينفقون، قل ما أنفقتم من خيرٍ فللوالدين) الآية، فعدل عن جنس المنفق , وهو المسئول عنه , إلى ذكر المنفق عليه , لأنّه أهمّ. وقال ابن دقيق العيد: يستفاد منه. أنّ المعتبر في الجواب ما يحصل منه المقصود , كيف كان ولو بتغييرٍ أو زيادة , ولا تشترط المطابقة. انتهى. وهذا كلّه بناء على سياق هذه الرّواية , وهي المشهورة عن نافع،

стр. 1798

وقد رواه أبو عوانة من طريق ابن جريجٍ عن نافع بلفظ " ما يترك المُحرم ". وهي شاذّة. والاختلاف فيها على ابن جريجٍ لا على نافع. ورواه سالم عن ابن عمر بلفظ: أنّ رجلاً قال: ما يجتنب المُحرم من الثّياب. أخرجه أحمد وابن خزيمة وأبو عوانة في " صحيحيهما " من طريق عبد الرّزّاق عن معمر عن الزّهريّ عنه. وأخرجه أحمد عن ابن عيينة عن الزّهريّ. فقال مرّة " ما يترك " ومرّة " ما يلبس "، وأخرجه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد عن الزّهريّ بلفظ نافع. فالاختلاف فيه على الزّهريّ يشعر بأنّ بعضهم رواه بالمعنى. فاستقامت رواية نافع لعدم الاختلاف فيها، واتّجه البحث المتقدّم. وطعن بعضهم في قول مَن قال من الشّرّاح , أنّ هذا من أسلوب الحكيم , بأنّه كان يمكن الجواب بما يحصر أنواع ما لا يلبس كأن يقال ما ليس بمخيطٍ , ولا على قدر البدن كالقميص أو بعضه كالسّراويل أو الخفّ , ولا يستر الرّأس أصلاً , ولا يلبس ما مسّه طيب كالورس والزّعفران، ولعل المراد من الجواب المذكور ذكر المهمّ , وهو ما يحرم لبسه ويوجب الفدية. قوله: (المُحرم) أجمعوا على أنّ المراد به هنا الرّجل، ولا يلتحق به المرأة في ذلك. قال ابن المنذر: أجمعوا على أنّ للمرأة لبس جميع ما ذكر، وإنّما تشترك مع الرّجل في منع الثّوب الذي مسّه الزّعفران أو الورس.

стр. 1799

ويؤيّده. قوله في آخر حديث الليث الآتي " لا تنتقب المرأة " وقوله " لا تلبس " بالرّفع على الخبر وهو في معنى النّهي، وروي بالجزم على أنّه نهي. قال عياض: أجمع المسلمون على أنّ ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المُحرم، وأنّه نبّه بالقميص والسّراويل على كلّ مخيط، وبالعمائم والبرانس على كلّ ما يغطّى الرّأس به مخيطاً أو غيره، وبالخفاف على كلّ ما يستر الرّجل. انتهى. وخصّ ابن دقيق العيد الإجماع الثّاني بأهل القياس وهو واضح، والمراد بتحريم المخيط ما يلبس على الموضع الذي جعل له ولو في بعض البدن , فأمّا لو ارتدى بالقميص مثلاً فلا بأس. وقال الخطّابيّ: ذكر العمامة والبرنس معاً , ليدلّ على أنّه لا يجوز تغطية الرّأس لا بالمعتاد ولا بالنّادر، قال: ومن النّادر المكتل يحمله على رأسه. قلت: إن أراد أنّه يجعله على رأسه كلابس القبع صحّ ما قال، وإلَّا فمجرّد وضعه على رأسه على هيئة الحامل لحاجته لا يضرّ على مذهبه. وممّا لا يضرّ أيضاً الانغماس في الماء فإنّه لا يُسمّى لابساً، وكذا ستر الرّأس باليد. قوله: (القميص) وفيه دلالة على وجود القمصان حينئذٍ. قال ابن العربيّ: لَم أر للقميص ذكراً صحيحاً إلاَّ في الآية " وجاءوا

стр. 1800

على قميصه " وقصّة ابن أبيّ بن سلول " وألبسه قميصه " (١) ولَم أر لهما ثالثاً فيما يتعلق بالنّبيّ ﷺ ، قال هذا في كتابه " سراج المريدين ". وكأنّه صنّفه قبل " شرح التّرمذيّ " فلم يستحضر حديث أمّ سلمة ولا حديث أبي هريرة: كان النّبيّ ﷺ إذا لبس قميصاً بدأ بميامنه. ولا حديث أسماء بنت يزيد: كانت يد كمّ النّبيّ ﷺ إلى الرّسغ. ولا حديث معاوية بن قرّة بن إياس المزنيّ حدّثني أبي قال: أتيت النّبيّ ﷺ في رهط من مزينة فبايعناه وإنّ قميصه لمطلق، فبايعته، ثمّ أدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم. ولا حديث أبي سعيد: كان رسول الله ﷺ إذا استجدّ ثوباً سمّاه باسمه قميصاً أو عمامة أو رداء , ثمّ يقول: اللهمّ لك الحمد ". وكلّها في السّنن، وأكثرها في التّرمذيّ. وفي الصّحيحين حديث عائشة: كفّن رسول الله ﷺ في خمسة أثواب , ليس فيها قميص ولا عمامة. وحديث أنس , أنّ النّبيّ ﷺ رخّص لعبد الرّحمن بن عوف في قميص الحرير , لحكّةٍ كانت به. وحديث ابن عمر رفعه " لا يلبس المُحرم القميص ولا العمائم " الحديث , وغير ذلك. قوله: (العمائم) ورد فيها حديث عمرو بن حريث أنّه قال: كأنّي

стр. 1801

أنظر إلى رسول الله ﷺ , وعليه عمامة سوداء. قد أرخى طرفها بين كتفيه. أخرجه مسلم، وعن أبي المليح بن أسامة عن أبيه رفعه: اعتمّوا تزدادوا حلماً. أخرجه الطّبرانيّ والتّرمذيّ في " العلل المفرد ". وضعّفه البخاريّ؛ وقد صحَّحه الحاكم فلم يُصب، وله شاهد عند البزّار عن ابن عبّاس ضعيف أيضاً. وعن ركانة رفعه: فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم. أخرجه أبو داود والتّرمذيّ، وعن ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا اعتمّ , سدل عمامته بين كتفيه. أخرجه التّرمذيّ، وفيه , أنّ ابن عمر كان يفعله والقاسم وسالم، وأمّا مالك , فقال: إنّه لَم ير أحداً يفعله إلاَّ عامر بن عبد الله بن الزّبير. والله أعلم. قوله: (السراويلات) قال ابن سيده: السّراويل فارسيٌّ معرّبٌ يذكّر ويؤنّث. ولَم يَعرِف أبو حاتم السّجستانيّ التّذكير، والأشهر عدم صرفه. وسيأتي إن شاء الله في حديث ابن عباس الذي بعده باقي مباحثه قوله: (البرانس) جمع برنس - بضمّ الموحّدة والنّون بينهما راء ساكنة وآخره مهملة - وأخرج البخاري عن سليمان التيمي قال: رأيت على أنسٍ برنساً أصفر من خز. وقد كره بعض السّلف لبس البرنس , لأنّه كان من لباس الرّهبان، وقد سئل مالك عنه. فقال: لا بأس به. قيل: فإنّه من لبوس النّصارى. قال: كان يلبس هاهنا. وقال عبد الله بن أبي بكر: ما كان

стр. 1802

أحدٌ من القرّاء إلاَّ له برنس. وأخرج الطّبرانيّ من حديث أبي قرصافة قال: كساني رسول الله ﷺ برنساً , فقال: البَسْه. وفي سنده من لا يعرف. ولعل من كرهه أخذ بعموم حديث عليّ رفعه: إيّاكم ولبوس الرّهبان، فإنّه من تزيّا بهم أو تشبّه فليس منّي. أخرجه الطّبرانيّ في " الأوسط " بسندٍ لا بأس به. قوله: (إلاَّ أحدٌ) قال ابن المنيّر في الحاشية: يستفاد منه جواز استعمال أحد في الإثبات خلافاً لمن خصّه بضرورة الشّعر. قال: والذي يظهر لي بالاستقراء أنّه لا يستعمل في الإثبات إلاَّ إن كان يعقبه نفي. قوله: (لا يجد نعلين) زاد معمر في روايته عن الزّهريّ عن سالم في هذا الموضع زيادة حسنة , تفيد ارتباط ذكر النّعلين بما سبق. وهي قوله " وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لَم يجد نعلين فليلبس الخُفَّين " واستدل بقوله " فإن لَم يجد ". وهو القول الأول. على أنّ واجد النّعلين لا يلبس الخُفَّين المقطوعين , وهو قول الجمهور. القول الثاني: عن بعض الشّافعيّة جوازه , وكذا عند الحنفيّة. وقال ابن العربيّ: إن صارا كالنّعلين جاز وإلاَّ متى سترا من ظاهر الرّجل شيئاً لَم يجز إلاَّ للفاقد، والمراد بعدم الوجدان , أن لا يقدر على

стр. 1803

تحصيله إمّا لفقده أو ترك بذل المالك له وعجزه عن الثّمن إن وجد من يبيعه أو الأجرة، ولو بيع بغبنٍ لَم يلزمه شراؤه أو وهب له لَم يجب قبوله إلاَّ إن أعير له. قوله: (فليلبس) ظاهر الأمر للوجوب، لكنّه لَمّا شرع للتّسهيل لَم يناسب التّثقيل وإنّما هو للرّخصة. قوله: (وليقطعهما أسفل من الكعبين) في رواية ابن أبي ذئب عند البخاري " حتّى يكونا تحت الكعبين " والمراد كشف الكعبين في الإحرام , وهما العظمان النّاتئان عند مفصل السّاق والقدم. ومؤيّده ما روى ابن أبي شيبة عن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: إذا اضطرّ المُحرم إلى الخُفَّين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه. وقال محمّد بن الحسن ومن تبعه من الحنفيّة: الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشّراك. وقيل: إنّ ذلك لا يعرف عند أهل اللّغة. وقيل: إنّه لا يثبت عن محمّد , وأنّ السّبب في نقله عنه , أنّ هشام بن عبيد الله الرّازيّ سمعه يقول , في مسألة المُحرم: إذا لَم يجد النّعلين حيث يقطع خفّيه , فأشار محمّد بيده إلى موضع القطع، ونقله هشام إلى غسل الرّجلين في الطّهارة. وبهذا يتعقّب على من نقل عن أبي حنيفة كابن بطّال أنّه قال: إنّ الكعب هو الشّاخص في ظهر القدم، فإنّه لا يلزم من نقل ذلك عن

стр. 1804

محمّد بن الحسن - على تقدير صحّته عنه - أن يكون قول أبي حنيفة. ونقل عن الأصمعيّ , وهو قول الإماميّة , أنّ الكعب عظم مستدير تحت عظم السّاق حيث مفصل السّاق والقدم. وجمهور أهل اللّغة على أنّ في كلّ قدم كعبين. وظاهر الحديث. أنّه لا فدية على من لبسهما إذا لَم يجد النّعلين. وعن الحنفيّة تجب. وتعقّب: بأنّها لو وجبت لبيّنها النّبيّ ﷺ , لأنّه وقت الحاجة. واستُدل به. وهو القول الأول. على اشتراط القطع. القول الثاني: المشهور عن أحمد. أنّه أجاز لبس الخُفَّين من غير قطع لإطلاق حديث ابن عبّاس الآتي بلفظ " ومن لَم يجد نعلين فليلبس خفّين ". وتعقّب: بأنّه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيّد فينبغي أن يقول بها هنا وأجاب الحنابلة بأشياء: الجواب الأول: دعوى النّسخ في حديث ابن عمر، فقد روى الدّارقطنيّ من طريق عمرو بن دينار , أنّه روى عن ابن عمر حديثه , وعن جابر بن زيد عن ابن عبّاس حديثه , وقال: انظروا أيّ الحديثين قبل. ثمّ حكى الدّارقطنيّ عن أبي بكر النّيسابوريّ أنّه قال: حديث ابن

стр. 1805

عمر قَبْل , لأنّه كان بالمدينة قبل الإحرام، وحديث ابن عبّاس بعرفاتٍ. وأجاب الشّافعيّ عن هذا في " الأمّ " فقال: كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عبّاس لاحتمال أن تكون عزبت عنه أو شكّ أو قالها فلم يقلها عنه بعض رواته انتهى. الجواب الثاني: سلك بعضهم التّرجيح بين الحديثين. قال ابن الجوزيّ: حديث ابن عمر اختلف في وقفه ورفعه، وحديث ابن عبّاس لَم يختلف في رفعه. انتهى. وهو تعليلٌ مردودٌ , بل لَم يختلف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع إلاَّ في رواية شاذّة، على أنّه اختلف في حديث ابن عبّاس أيضاً. فرواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس موقوفاً. ولا يرتاب أحدٌ من المحدّثين أنّ حديث ابن عمر أصحّ من حديث ابن عبّاس , لأنّ حديث ابن عمر جاء بإسنادٍ وصف بكونه أصحّ الأسانيد، واتّفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفّاظ منهم نافع وسالم. بخلاف حديث ابن عبّاس فلم يأت مرفوعاً إلاَّ من رواية جابر بن زيد عنه. حتّى قال الأصيليّ (١): إنّه شيخ بصريّ لا يُعرف.

стр. 1806

كذا قال، وهو معروف موصوف بالفقه عند الأئمّة. الجواب الثالث: استدل بعضهم بالقياس على السّراويل كما سيأتي البحث فيه. في حديث ابن عبّاس إن شاء الله تعالى. وأجيب: بأنّ القياس مع وجود النّصّ فاسد الاعتبار. الجواب الرابع: احتجّ بعضهم بقول عطاء: إنّ القطع فساد , والله لا يحبّ الفساد. وأجيب: بأنّ الفساد إنّما يكون فيما نهى الشّرع عنه لا فيما أذن فيه. وقال ابن الجوزيّ: يحمل الأمر بالقطع على الإباحة لا على الاشتراط. عملاً بالحديثين، ولا يخفى تكلّفه. قال العلماء: والحكمة في منع المُحرم من اللباس والطّيب البعد عن التّرفّه، والاتّصاف بصفة الخاشع، وليتذكّر بالتّجرّد القدوم على ربّه فيكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات. قوله: (ولا تلبسوا من الثّياب شيئاً مسّه زعفران أو ورس) قيل: عدل عن طريقة ما تقدّم ذكره إشارة إلى اشتراك الرّجال والنّساء في ذلك. وفيه نظرٌ. بل الظّاهر أنّ نكتة العدول. أنّ الذي يخالطه الزّعفران والورس لا يجوز لبسه. سواء كان ممّا يلبسه المُحرم أو لا يلبسه. والورس: بفتح الواو وسكون الرّاء بعدها مهملة. نبت أصفر طيّب الرّيح يصبغ به. قال ابن العربيّ: ليس الورس بطيبٍ، ولكنّه نبّه به على اجتناب

стр. 1807

الطّيب وما يشبهه في ملاءمة الشّمّ، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطّيب على المُحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به التّطيّب. واستدل بقوله " مسّه " على تحريم ما صبغ كلّه أو بعضه. ولو خَفِيتْ رائحته قال مالك في الموطّأ: إنّما يكره لبس المصبغات , لأنّها تنفض. وقال الشّافعيّة: إذا صار الثّوب بحيث لو أصابه الماء لَم تفح له رائحة لَم يمنع. والحجّة فيه حديث ابن عبّاس في البخاري بلفظ " ولَم ينه عن شيء من الثّياب , إلاَّ المزعفرة التي تردع الجلد " وأمّا المغسول. فقال الجمهور: إذا ذهبت الرّائحة جاز خلافاً لمالكٍ. واستدل لهم بما روى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث " إلاَّ أن يكون غسيلاً " أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحمّانيّ في " مسنده " عنه. وروى الطّحاويّ عن أحمد بن أبي عمران , أنّ يحيى بن معين أنكره على الحمّانيّ، فقال له عبد الرّحمن بن صالح الأزديّ: قد كتبته عن أبي معاوية. وقام في الحال. فأخرج له أصله فكتبه عنه يحيى بن معين. انتهى. وهي زيادة شاذّة , لأنّ أبا معاوية - وإن كان متقناً - لكن في حديثه عن غير الأعمش مقال.

стр. 1808

قال أحمد: أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيد الله , ولَم يجيء بهذه الزّيادة غيره. قلت: والحمّانيّ ضعيف , وعبد الرّحمن الذي تابعه فيه مقال. واستدل به المُهلَّب على منع استدامة الطّيب. وفيه نظرٌ. واستنبط مَن منع لبس الثّوب المزعفر منع أكل الطّعام الذي فيه الزّعفران. وهذا قول الشّافعيّة، وعن المالكيّة خلاف. وقال الحنفيّة: لا يحرم , لأنّ المراد اللّبس والتّطيّب والآكل لا يعدّ متطيّباً. ولَم يختلف العلماء. أنّ المرأة كالرّجل في منع الطّيب، وإنّما اختلفوا في أشياء. هل تُعدّ طيباً أو لا؟. والحكمة في منع المُحرم من الطّيب. أنّه من دواعي الجماع ومقدّماته التي تفسد الإحرام، وبأنّه ينافي حال المُحرم , فإنّ المُحرم أشعث أغبر. وذكر البخاري معلقاً ووصله البيهقيّ من طريق معاذ عن عائشة قالت: المُحرمة تلبس من الثّياب ما شاءت إلَّا ثوباً مسّه ورس أو زعفران، ولا تبرقع ولا تلثّم، وتسدل الثّوب على وجهها إن شاءت. وروى أحمد وأبو داود والحاكم أصلَ حديث الباب من طريق ابن إسحاق حدّثني نافع عن ابن عمر بلفظ: أنّه سمع رسول الله ﷺ ينهى النّساء في إحرامهنّ عن القفّازين والنّقاب وما مسّ الورس والزّعفران من الثّياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبّت من ألوان الثّياب.

стр. 1809

وقد أخذ من التّقييد بالمُحرم جواز لبس الثّوب المزعفر للحلال. قال ابن بطّال: أجاز مالك وجماعة لباس الثّوب المزعفر للحلال , وقالوا: إنّما وقع النّهي عنه للمحرم خاصّة. وحمله الشّافعيّ والكوفيّون على المُحرم وغير المُحرم، وحديث ابن عمر في الصحيح يدلّ على الجواز، فإنّ فيه أنّ النّبيّ ﷺ كان يصبغ بالصّفرة. وأخرج الحاكم من حديث عبد الله بن جعفر قال: رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان مصبوغان بالزّعفران. وفي سنده عبد الله بن مصعب الزّبيريّ. وفيه ضعف. وأخرج الطّبرانيّ من حديث أمّ سلمة , أنّ رسول الله ﷺ صبغ إزاره ورداءه بزعفرانٍ. وفيه راوٍ مجهول. ومن المستغرب قول ابن العربيّ. لَم يرد في الثّوب الأصفر حديث، وقد ورد فيه عدّة أحاديث كما ترى. قال المُهلَّب: الصّفرة أبهج الألوان إلى النّفس، وقد أشار إلى ذلك ابن عبّاس في قوله تعالى: (صفراء فاقع لونها تسرّ النّاظرين) (١) تنْبيه زاد الثّوريّ في روايته عن أيّوب عن نافع في هذا الحديث " ولا القباء " أخرجه عبد الرّزّاق عنه، ورواه الطّبرانيّ من وجه آخر عن الثّوريّ، وأخرجه الدّارقطنيّ والبيهقيّ من طريق حفص بن غياث عن عبيد الله بن عمر عن نافع أيضاً. والقباء: بالقاف والموحّدة معروف، ويطلق على كلّ ثوب مفرّج.

стр. 1810

ومَنْعُ لبسِه على المُحرم متّفق عليه، إلاَّ أنّ أبا حنيفة قال: يشترط أن يدخل يديه في كمّيه لا إذا ألقاه على كتفيه، ووافقه أبو ثور والخرقيّ من الحنابلة. وحكى الماورديّ. نظيره إن كان كمّه ضيّقاً، فإن كان واسعاً فلا. وفي الحديث. أنّ الصّلاة تجوز بدون القميص والسّراويل وغيرهما من المخيط لأمر المُحرم باجتناب ذلك، وهو مأمور بالصّلاة. قال ابن المنير: وفيه التّنبيه على أنّ مطابقة الجواب للسّؤال غير لازم، بل إذا كان السّبب خاصّاً والجواب عامّاً جاز، وحمل الحكم على عموم اللفظ لا على خصوص السّبب لأنّه جواب وزيادة فائدة. ويؤخذ منه أيضاً. أنّ المفتي إذا سئل عن واقعة. واحتمل عنده أن يكون السّائل يتذرّع بجوابه إلى أن يعدّيه إلى غير محلّ السّؤال , تعيّن عليه أن يفصّل الجواب، ولهذا قال: " فإن لَم يجد نعلين " فكأنّه سأل عن حالة الاختيار فأجابه عنها وزاده حالة الاضطرار، وليست أجنبيّة عن السّؤال , لأنّ حالة السّفر تقتضي ذلك. وأمّا ما وقع في كلام كثير من الأصوليّين , أنّ الجواب يجب أن يكون مطابقاً للسّؤال. فليس المراد بالمطابقة عدم الزّيادة، بل المراد أنّ الجواب يكون مفيداً للحكم المسئول عنه. قاله ابن دقيق العيد. وفي الحديث أيضاً. العدول عمّا لا ينحصر إلى ما ينحصر طلباً للإيجاز؛ لأنّ السّائل سئل عمّا يلبس فأجيب بما لا يلبس، إذ الأصل الإباحة، ولو عدّد له ما يلبس لطال به، بل كان لا يؤمن أن يتمسّك

стр. 1811

بعض السّامعين بمفهومه فيظنّ اختصاصه بالمُحرم، وأيضاً فالمقصود ما يحرم لبسه لا ما يحلّ له لبسه لأنّه لا يجب له لباس مخصوص بل عليه أن يجتنب شيئاً مخصوصاً. قوله: (وللبخاريّ: ولا تنتقب المرأة , ولا تلبس القفّازين) القُفّاز بضمّ القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زاي: ما تلبسه المرأة في يدها فيغطّي أصابعها وكفّيها عند معاناة الشّيء كغزلٍ ونحوه، وهو لليد كالخفّ للرّجل. والنّقاب: الخمار الذي يشدّ على الأنف أو تحت المحاجر، وظاهره اختصاص ذلك بالمرأة، ولكنّ الرَّجُلَ في القفّاز مثلها لكونه في معنى الخفّ فإنّ كلاًّ منهما محيط بجزء من البدن. وأمّا النّقاب فلا يحرم على الرّجل من جهة الإحرام , لأنّه لا يحرم عليه تغطية وجهه على الرّاجح. كما تقدم الكلام عليه في حديث ابن عبّاس (١). واختلف العلماء في ذلك. القول الأول: منعه الجمهور. القول الثاني: أجازه الحنفيّة. وهو رواية عند الشّافعيّة والمالكيّة. ولَم يختلفوا في منعها من ستر وجهها وكفّيها بما سوى النّقاب والقفّازين. تكميل: زيادة البخاري " لاتنتقب .. الحديث " أخرجها من طريق

стр. 1812

الليث عن نافع به مرفوعاً , ثم قال البخاري: تابعه موسى بن عقبة، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وجويرية، وابن إسحاق: في النقاب والقفازين، وقال عبيد الله: ولا ورس، وكان يقول: لا تتنقب المُحرمة، ولا تلبس القفازين، وقال مالك، عن نافع، عن ابن عمر: لا تتنقب المُحرمة، وتابعه ليث بن أبي سليم. انتهى قوله " تابعه موسى بن عقبة ". وصله النّسائيّ من طريق عبد الله بن المبارك عنه عن نافع في آخر الزّيادة المذكورة قبل. قوله " وإسماعيل بن إبراهيم " أي: ابن عقبة، وهو ابن أخي موسى المذكور قبله، وقد رويناه من طريقه موصولاً في " فوائد عليّ بن محمّد المصريّ " من رواية السّلفيّ عن الثّقفيّ عن ابن بشران عنه عن يوسف بن يزيد عن يعقوب بن أبي عبّاد عن إسماعيل عن نافع به. قوله " وجويرية " أي: ابن أسماء، وصله أبو يعلى عن عبد الله بن محمّد بن أسماء عنه عن نافع. وفيه الزّيادة. قوله " وابن إسحاق " وصله أحمد وغيره كما تقدّم. قوله " في النّقاب والقفّازين " أي: في ذكرهما في الحديث المرفوع. قوله " وقال عبيد الله " يعني. ابن عمر العمريّ " ولا ورس " وكان يقول " لا تتنقّب المُحرمة ولا تلبس القفّازين " يعني. أنّ عبيد الله المذكور خالف المذكورين قبل في رواية هذا الحديث عن نافع فوافقهم على رفعه إلى قوله " زعفران ولا ورس "

стр. 1813

وفصَلَ بقيّة الحديث فجعله من قول ابن عمر. وهذا التّعليق عن عبيد الله. وصله إسحاق بن راهويه في " مسنده " عن محمّد بن بشر وحمّاد بن مسعدة , وابن خزيمة من طريق بشر بن المفضّل ثلاثتهم عن عبيد الله بن عمر عن نافع. فساق الحديث إلى قوله " ولا ورس " قالا: وكان عبيد الله - يعني ابن عمر - يقول " ولا تنتقب المُحرمة , ولا تلبس القفّازين ". ورواه يحيى القطّان عند النّسائيّ وحفص بن غياث عند الدّارقطنيّ كلاهما عن عبيد الله. فاقتصرا على المتّفق على رفعه. قوله " وقال مالك إلخ " هو في " الموطّإ " كما قال، والغرض. أنّ مالكاً اقتصر على الموقوف فقط، وفي ذلك تقوية لرواية عبيد الله. وظهر الإدراج في رواية غيره. وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم بالإدراج في هذا الحديث لورود النّهي عن النّقاب والقفّاز مفرداً مرفوعاً , وللابتداء بالنّهي عنهما في رواية ابن إسحاق المرفوعة المقدّم ذكرها. وقال في " الاقتراح ": دعوى الإدراج في أوّل المتن ضعيفة. وأجيب: بأنّ الثّقات إذا اختلفوا. وكان مع أحدهم زيادة قدّمت , ولا سيّما إن كان حافظاً , ولا سيّما إن كان أحفظ، والأمر هنا كذلك. فإنّ عبيد الله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه , وفد فصَلَ المرفوع من الموقوف. وأمّا الذي اقتصر على الموقوف فرفعه. فقد شذّ بذلك وهو

стр. 1814

ضعيف. وأمّا الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف. فإنّه من التّصرّف في الرّواية بالمعنى، وكأنّه رأى أشياء متعاطفة فقدّم وأخّر لجواز ذلك عنده، ومع الذي فَصَلَ زيادة علم فهو أولى، أشار إلى ذلك شيخنا في شرح التّرمذيّ. وقال الكرمانيّ: فإن قلت: فلِمَ قال البخاري بلفظ " قال " وثانياً بلفظ " كان يقول "؟ قلت: لعله قال ذلك مرّة. وهذا كان يقوله دائماً مكرّراً، والفرق بين المرويّين. إمّا من جهة حذف المرأة , وإمّا من جهة أنّ الأوّل بلفظ " لا تتنقّب " من التّفعّل والثّاني من الافتعال، وإمّا من جهة أنّ الثّاني بضمّ الباء على سبيل النّفي لا غير والأوّل بالضّمّ والكسر نفياً ونهياً. انتهى كلامه ولا يخفى تكلّفه. قوله " وتابعه ليث بن أبي سليمٍ " أي: تابع مالكاً في وقفه , وكذا أخرجه ابن أبي شيبة من طريق فضيل بن غزوان عن نافع موقوفاً على ابن عمر.

стр. 1815

الحديث الرابع ٢١٩ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفاتٍ: من لَم يجد نعلين فليلبس الخُفَّين , ومن لَم يجد إزاراً فليلبس السّراويل للمحرم. (١) قوله: (سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفاتٍ) اتفقوا على مشروعيّة الخطبة بعرفات. قوله: (من لَم يجد نعلين فليلبس الخُفَّين) تقدّم الكلام عليه في الذي قبله وفي هذا الحديث استحباب لبس النّعل، وقد أخرج مسلم من حديث جابر رفعه: استكثروا من النّعال فإنّ الرّجل لا يزال راكباً ما انتعل. أي: أنّه شبيهٌ بالرّاكب في خفّة المشقّة وقلة التّعب وسلامة الرّجل من أذى الطّريق، قاله النّوويّ. وقال القرطبيّ: هذا كلام بليغ ولفظ فصيح بحيث لا ينسج على منواله ولا يؤتى بمثاله، وهو إرشاد إلى المصلحة وتنبيه على ما يخفّف المشقّة، فإنّ الحافي المديم للمشي يلقى من الآلام والمشقّة بالعثار وغيره ما يقطعه عن المشي ويمنعه من الوصول إلى مقصوده كالرّاكب فلذلك شبّه به.

стр. 1816

قوله: (ومن لَم يجد إزاراً فليلبس السّراويل للمحرم) أي: هذا الحكم للمحرم لا الحلال، فلا يتوقّف جواز لبسه السّراويل على فقد الإزار. قال القرطبيّ: أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد. فأجاز لبس الخفّ والسّراويل للمحرم الذي لا يجد النّعلين والإزار على حالهما. واشترط الجمهور قطع الخفّ وفتق السّراويل، فلو لبس شيئاً منهما على حاله لزمته الفدية، والدّليل قوله في حديث ابن عمر " وليقطعهما حتّى يكونا أسفل من الكعبين " فيُحمل المطلق على المقيّد , ويلحق النّظير بالنّظير لاستوائهما في الحكم. وقال ابن قدامة: الأولى قطعهما عملاً بالحديث الصّحيح وخروجاً من الخلاف. انتهى والأصحّ عند الشّافعيّة والأكثر جواز لبس السّراويل بغير فتق كقول أحمد، واشترط الفتق محمّد بن الحسن وإمام الحرمين وطائفة. وعن أبي حنيفة: منع السّراويل للمحرم مطلقاً، ومثله عن مالك. وكأنّ حديث ابن عبّاس لَم يبلغه، ففي " الموطّإ " أنّه سئل عنه؟ فقال: لَم أسمع بهذا الحديث. وقال الرّازيّ من الحنفيّة: يجوز لبسه وعليه الفدية كما قاله أصحابهم في الخُفَّين. ومن أجاز لبس السّراويل على حاله. قيّده بأن لا يكون في حالة لو فتقه لكان إزاراً , لأنّه في تلك الحالة يكون واجد الإزار.

стр. 1817

تكميل: أخرج حديثَ الدّعاء للمتسرولات البزّارُ من حديث عليّ بسندٍ ضعيف، وصحّ أنّه ﷺ اشترى سراويل من سويد بن قيس. أخرجه الأربعة وأحمد وصحَّحه ابن حبّان من حديثه. وأخرجه أحمد أيضاً من حديث مالك بن عميرة الأسديّ. قال: قدمت قبل مهاجرة رسول الله ﷺ فاشترى منّي سراويل. فأرجح لي. وما كان ليشتريه عبثاً. وإن كان غالب لبسه الإزار. وأخرج أبو يعلى والطّبرانيّ في " الأوسط " من حديث أبي هريرة: دخلت يوماً السّوق مع رسول الله ﷺ فجلس إلى البزّاز فاشترى سراويل بأربعة دراهم .. الحديث. وفيه. قلت: يا رسولَ الله وإنّك لتلبس السّراويل؟ قال: أجل، في السّفر والحضر والليل والنّهار، فإنّي أمرت بالتّستّر. وفيه يونس بن زياد البصريّ. وهو ضعيف. قال ابن القيّم في " الهدى ": اشترى ﷺ السّراويل، والظّاهر أنّه إنّما اشتراه ليلبسه ثمّ قال: وروي في حديث أنّه لبس السّراويل، وكانوا يلبسونه في زمانه وبإذنه. قلت: وتؤخذ أدلة ذلك كلّه ممّا ذكرته. ووقع في الإحياء للغزاليّ. أنّ الثّمن ثلاثة دراهم , والذي تقدّم أنّه أربعة دراهم أولى.

стр. 1818

الحديث الخامس ٢٢٠ - عن عبد الله بن عمر ﵁: أنّ تلبية رسول الله ﷺ : لبّيك اللهمّ لبّيك , لبّيك لا شريك لك لبّيك , إنّ الحمد والنّعمة لك والملك، لا شريك لك. (١) قال (٢): وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها " لبّيك لبّيك , وسعديك , والخير بيديك , والرّغباء إليك والعمل ". قوله: (أنّ تلبية) هي مصدر لبّى. أي قال: لبّيك، ولا يكون عامله إلاَّ مضمراً. قوله: (لبّيك) هو لفظ مثنًّى عند سيبويه ومن تبعه. وقال يونس: هو اسم مفرد وأَلِفه إنّما انقلبت ياء لاتّصالها بالضّمير كلديّ وعليّ. وردّ بأنّها قلبت ياء مع المظهر. وعن الفرّاء: هو منصوب على المصدر، وأصله لبّاً لك فثنّي على التّأكيد. أي: إلباباً بعد إلباب، وهذه التّثنية ليست حقيقيّة بل هي للتّكثير أو المبالغة، ومعناه إجابة بعد إجابة أو إجابة لازمة.

стр. 1819

قال ابن الأنباريّ: ومثله حنانيك. أي: تحنّناً بعد تحنّن. وقيل: معنى لبّيك اتّجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم داري تلبّ دارك أي تواجهها. وقيل: معناه محبّتي لك مأخوذ من قولهم امرأة لبّة. أي: محبّة. وقيل: إخلاصي لك من قولهم حبٌّ لباب. أي: خالص. وقيل: أنا مقيم على طاعتك من قولهم لبّ الرّجل بالمكان إذا أقام. وقيل: قرباً منك من الإلباب وهو القرب. وقيل: خاضعاً لك. والأوّل أظهر وأشهر , لأنّ المُحرم مستجيب لدعاء الله إيّاه في حجّ بيته، ولهذا من دعا فقال لبّيك فقد استجاب. وقال ابن عبد البرّ: قال جماعة من أهل العلم: معنى التّلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذّن في النّاس بالحجّ. انتهى. وهذا أخرجه عبد بن حميدٍ وابن جرير وابن أبي حاتم بأسانيدهم في " تفاسيرهم " عن ابن عبّاس ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغير واحد. والأسانيد إليهم قويّة. وأقوى ما فيه عن ابن عبّاس. ما أخرجه أحمد بن منيع في " مسنده " وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عنه قال: لَمّا فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت قيل له أذّن في النّاس بالحجّ، قال: ربِّ وما يبلغ صوتي؟ قال: أذّن وعليّ البلاغ. قال فنادى إبراهيم: يا أيّها النّاس كتب

стр. 1820

عليكم الحجّ إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السّماء والأرض، أفلا ترون أنّ النّاس يجيئون من أقصى الأرض يلبّون. ومن طريق ابن جريجٍ عن عطاء عن ابن عبّاس. وفيه: فأجابوه بالتّلبية في أصلاب الرّجال، وأرحام النّساء. وأوّل من أجابه أهل اليمن، فليس حاجٌّ يحجّ من يومئذٍ إلى أن تقوم السّاعة إلاَّ من كان أجاب إبراهيم يومئذٍ. قال ابن المنيّر في الحاشية: وفي مشروعيّة التّلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأنّ وفودهم على بيته إنّما كان باستدعاء منه . قوله: (إنّ الحمد) روي بكسر الهمزة على الاستئناف وبفتحها على التّعليل، والكسر أجود عند الجمهور. وقال ثعلب: لأنّ من كسر جعل معناه إنّ الحمد لك على كلّ حال، ومن فتح قال معناه: لبّيك لهذا السّبب. وقال الخطّابيّ: لهج العامّة بالفتح. وحكاه الزّمخشريّ عن الشّافعيّ. قال ابن عبد البرّ: المعنى عندي واحد , لأنّ من فتح أراد لبّيك , لأنّ الحمد لك على كلّ حال، وتعقّب: بأنّ التّقييد ليس في الحمد وإنّما هو في التّلبية. قال ابن دقيق العيد: الكسر أجود , لأنّه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة، وأنّ الحمد والنّعمة لله على كلّ حال، والفتح يدلّ على التّعليل فكأنّه يقول: أجبتك لهذا السّبب.

стр. 1821

والأوّل أعمّ فهو أكثر فائدة. ولَمّا حكى الرّافعيّ الوجهين من غير ترجيح رجّح النّوويّ الكسر، وهذا خلاف ما نقله الزّمخشريّ , أنّ الشّافعيّ اختار الفتح , وأنّ أبا حنيفة اختار الكسر. قوله: (والنّعمة لك) المشهور فيه النّصب، قال عياض: ويجوز الرّفع على الابتداء ويكون الخبر محذوفاً والتّقدير أنّ الحمد لك والنّعمة مستقرّة لك، قاله ابن الأنباريّ. وقال ابن المنيّر في الحاشية: قرن الحمد والنّعمة وأفرد الملك , لأنّ الحمد متعلق النّعمة، ولهذا يقال الحمد لله على نعمه فجمع بينهما كأنّه قال: لا حمد إلاَّ لك , لأنّه لا نعمة إلاَّ لك. وأمّا الملك فهو معنًى مستقلّ بنفسه ذكر لتحقيق أنّ النّعمة كلّها لله صاحب الملك. قوله: (والملك) بالنّصب أيضاً على المشهور ويجوز الرّفع، وتقديره والملك كذلك. ووقع عند مسلم من رواية موسى بن عقبة عن نافع وغيره عن ابن عمر " كان رسول الله ﷺ إذا استوت به راحلته عند مسجد ذي الحليفة أهل فقال: لبّيك " الحديث. وللبخاري في اللباس من طريق الزّهريّ عن سالم عن أبيه , سمعت رسول الله ﷺ يهلّ ملبّداً , يقول: لبّيك اللهمّ لبّيك. الحديث. وقال في آخره: لا يزيد على هذه الكلمات. زاد مسلم من هذا الوجه " قال ابن عمر: كان عمر يهلّ بهذا ,ويزيد: لبّيك اللهمّ لبّيك وسعديك والخير في يديك والرّغباء إليك

стр. 1822

والعمل " وهذا القدر في رواية مالك أيضاً عنه عن نافع عن ابن عمر , أنّه كان يزيد فيها. فذكر نحوه. فعرف أنّ ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر. فذكر مثل المرفوع. وزاد: لبّيك مرغوباً ومرهوباً إليك ذا النّعماء والفضل الحسن. واستُدلّ به. وهو القول الأول: على استحباب الزّيادة على ما ورد عن النّبيّ ﷺ في ذلك. قال الطّحاويّ بعد أن أخرجه من حديث ابن عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وعمرو بن معد يكرب: أجمع المسلمون جميعاً على هذه التّلبية، غير أنّ قوماً قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذّكر لله ما أحبّ، وهو قول محمّد والثّوريّ والأوزاعيّ. واحتجّوا بحديث أبي هريرة يعني الذي أخرجه النّسائيّ وابن ماجه وصحَّحه ابن حبّان والحاكم. قال: كان من تلبية رسول الله ﷺ لبّيك إله الحقّ لبّيك. وبزيادة ابن عمر المذكورة. القول الثاني: خالفهم آخرون. فقالوا: لا ينبغي أن يزاد على ما علَّمه رسول الله ﷺ النّاس كما في حديث عمرو بن معدي كرب , ثمّ فعله هو , ولَم يقل لبّوا بما شئتم ممّا هو من جنس هذا , بل علَّمهم كما علَّمهم التّكبير في الصّلاة , فكذا لا ينبغي أن يتعدّى في ذلك شيئاً ممّا

стр. 1823

علمه. ثمّ أخرج حديث عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه , أنّه سمع رجلاً يقول: لبّيك ذا المعارج؟ فقال: إنّه لذو المعارج، وما هكذا كنّا نلبّي على عهد رسول الله ﷺ . قال: فهذا سعد قد كره الزّيادة في التّلبية. وبه نأخذ. انتهى ويدلّ على الجواز ما وقع عند النّسائيّ من طريق عبد الرّحمن بن يزيد عن ابن مسعود قال: كان من تلبية النّبيّ ﷺ . فذكره. ففيه دلالة على أنّه قد كان يلبّي بغير ذلك، وما تقدّم عن عمر وابن عمر. وروى سعيد بن منصور من طريق الأسود بن يزيد , أنّه كان يقول: لبّيك غفّار الذّنوب ". وفي حديث جابر الطّويل في صفة الحجّ " حتّى استوت به ناقته على البيداء أهل بالتّوحيد لبّيك اللهمّ لبّيك إلخ. قال: وأهلَّ النّاس بهذا الذي يهلّون به، فلم يردّ عليهم شيئاً منه، ولزم تلبيته. وأخرجه أبو داود من الوجه الذي أخرجه منه مسلم قال: والنّاس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام , والنّبيّ ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئاً. وفي رواية البيهقيّ " ذا المعارج وذا الفواضل ". وهذا يدلّ على أنّ الاقتصار على التّلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو ﷺ عليها , وأنّه لا بأس بالزّيادة لكونه لَم يردّها عليهم. وأقرّهم عليها، وهو قول الجمهور وبه صرّح أشهب. وحكى ابن عبد البرّ عن مالك الكراهة , قال: وهو أحد قولي

стр. 1824

الشّافعيّ. وقال الشّيخ أبو حامد: حكى أهل العراق عن الشّافعيّ يعني في القديم. أنّه كره الزّيادة على المرفوع، وغلِطوا , بل لا يكره ولا يستحبّ. وحكى التّرمذيّ عن الشّافعيّ قال: فإن زاد في التّلبية شيئاً من تعظيم الله فلا بأس، وأحبّ إليّ أن يقتصر على تلبية رسول الله ﷺ ، وذلك أنّ ابن عمر حفظ التّلبية عنه ثمّ زاد من قبله زيادة. ونصب البيهقيّ الخلاف بين أبي حنيفة والشّافعيّ , فقال: الاقتصار على المرفوع أحبّ، ولا ضيق أن يزيد عليها. قال: وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن. وحكى في " المعرفة " عن الشّافعيّ , قال: ولا ضيق على أحد في قول ما جاء عن ابن عمر وغيره من تعظيم الله ودعائه، غير أنّ الاختيار عندي أن يفرد ما روي عن النّبيّ ﷺ في ذلك. انتهى. وهذا أعدل الوجوه، فيفرد ما جاء مرفوعاً، وإذا اختار قول ما جاء موقوفاً أو أنشأه هو من قبل نفسه ممّا يليق قاله على انفراده حتّى لا يختلط بالمرفوع. وهو شبيه بحال الدّعاء في التّشهّد فإنّه قال فيه: ثمّ ليتخيّر من المسألة والثّناء ما شاء. أي: بعد أن يفرغ من المرفوع. كما تقدّم ذلك في موضعه. تكميل:

стр. 1825

اختلف في حكم التّلبية، وفيها مذاهب أربعة يمكن توصيلها إلى عشرة: أوّلها: أنّها سنّة من السّنن لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشّافعيّ وأحمد. ثانيها: واجبة ويجب بتركها دم، حكاه الماورديّ عن ابن أبي هريرة من الشّافعيّة وقال: إنّه وجد للشّافعيّ نصّاً يدلّ عليه، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكيّة , والخطّابيّ عن مالك وأبي حنيفة. وأغرب النّوويّ فحكى عن مالك , أنّها سنّة. ويجب بتركها دم، ولا يعرف ذلك عندهم , إلاَّ أنّ ابن الجلاب قال: التّلبية في الحجّ مسنونة غير مفروضة. وقال ابن التّين: يريد أنّها ليست من أركان الحجّ , وإلا فهي واجبة. ولذلك يجب بتركها الدّم ولو لَم تكن واجبة لَم يجب. وحكى ابن العربيّ , أنّه يجب عندهم بترك تكرارها دم. وهذا قدر زائد على أصل الوجوب. ثالثها: واجبة , لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحجّ كالتّوجّه على الطّريق. وبهذا صدّر ابن شاسٍ من المالكيّة كلامه في " الجواهر " له. وحكى صاحب " الهداية " من الحنفيّة مثله , لكن زاد القول الذي يقوم مقام التّلبية من الذّكر كما في مذهبهم من أنّه لا يجب لفظ معيّن. وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرّأي: إن كبّر أو هلل أو سبّح ينوي بذلك الإحرام. فهو محرم.
следующие страницы →