والأوّل أعمّ فهو أكثر فائدة. ولَمّا حكى الرّافعيّ الوجهين من غير ترجيح رجّح النّوويّ الكسر، وهذا خلاف ما نقله الزّمخشريّ , أنّ الشّافعيّ اختار الفتح , وأنّ أبا حنيفة اختار الكسر.
قوله: (والنّعمة لك) المشهور فيه النّصب، قال عياض: ويجوز الرّفع على الابتداء ويكون الخبر محذوفاً والتّقدير أنّ الحمد لك والنّعمة مستقرّة لك، قاله ابن الأنباريّ.
وقال ابن المنيّر في الحاشية: قرن الحمد والنّعمة وأفرد الملك , لأنّ الحمد متعلق النّعمة، ولهذا يقال الحمد لله على نعمه فجمع بينهما كأنّه قال: لا حمد إلاَّ لك , لأنّه لا نعمة إلاَّ لك.
وأمّا الملك فهو معنًى مستقلّ بنفسه ذكر لتحقيق أنّ النّعمة كلّها لله صاحب الملك.
قوله: (والملك) بالنّصب أيضاً على المشهور ويجوز الرّفع، وتقديره والملك كذلك. ووقع عند مسلم من رواية موسى بن عقبة عن نافع وغيره عن ابن عمر " كان رسول الله ﷺ إذا استوت به راحلته عند مسجد ذي الحليفة أهل فقال: لبّيك " الحديث.
وللبخاري في اللباس من طريق الزّهريّ عن سالم عن أبيه , سمعت رسول الله ﷺ يهلّ ملبّداً , يقول: لبّيك اللهمّ لبّيك. الحديث. وقال في آخره: لا يزيد على هذه الكلمات.
زاد مسلم من هذا الوجه " قال ابن عمر: كان عمر يهلّ بهذا ,ويزيد: لبّيك اللهمّ لبّيك وسعديك والخير في يديك والرّغباء إليك
стр. 1822
والعمل " وهذا القدر في رواية مالك أيضاً عنه عن نافع عن ابن عمر , أنّه كان يزيد فيها. فذكر نحوه.
فعرف أنّ ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر. فذكر مثل المرفوع. وزاد: لبّيك مرغوباً ومرهوباً إليك ذا النّعماء والفضل الحسن.
واستُدلّ به.
وهو القول الأول: على استحباب الزّيادة على ما ورد عن النّبيّ ﷺ في ذلك.
قال الطّحاويّ بعد أن أخرجه من حديث ابن عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وعمرو بن معد يكرب: أجمع المسلمون جميعاً على هذه التّلبية، غير أنّ قوماً قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذّكر لله ما أحبّ، وهو قول محمّد والثّوريّ والأوزاعيّ.
واحتجّوا بحديث أبي هريرة يعني الذي أخرجه النّسائيّ وابن ماجه وصحَّحه ابن حبّان والحاكم. قال: كان من تلبية رسول الله ﷺ لبّيك إله الحقّ لبّيك. وبزيادة ابن عمر المذكورة.
القول الثاني: خالفهم آخرون. فقالوا: لا ينبغي أن يزاد على ما علَّمه رسول الله ﷺ النّاس كما في حديث عمرو بن معدي كرب , ثمّ فعله هو , ولَم يقل لبّوا بما شئتم ممّا هو من جنس هذا , بل علَّمهم كما علَّمهم التّكبير في الصّلاة , فكذا لا ينبغي أن يتعدّى في ذلك شيئاً ممّا
стр. 1823
علمه.
ثمّ أخرج حديث عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه , أنّه سمع رجلاً يقول: لبّيك ذا المعارج؟ فقال: إنّه لذو المعارج، وما هكذا كنّا نلبّي على عهد رسول الله ﷺ . قال: فهذا سعد قد كره الزّيادة في التّلبية. وبه نأخذ. انتهى
ويدلّ على الجواز ما وقع عند النّسائيّ من طريق عبد الرّحمن بن يزيد عن ابن مسعود قال: كان من تلبية النّبيّ ﷺ . فذكره. ففيه دلالة على أنّه قد كان يلبّي بغير ذلك، وما تقدّم عن عمر وابن عمر.
وروى سعيد بن منصور من طريق الأسود بن يزيد , أنّه كان يقول: لبّيك غفّار الذّنوب ".
وفي حديث جابر الطّويل في صفة الحجّ " حتّى استوت به ناقته على البيداء أهل بالتّوحيد لبّيك اللهمّ لبّيك إلخ. قال: وأهلَّ النّاس بهذا الذي يهلّون به، فلم يردّ عليهم شيئاً منه، ولزم تلبيته.
وأخرجه أبو داود من الوجه الذي أخرجه منه مسلم قال: والنّاس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام , والنّبيّ ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئاً. وفي رواية البيهقيّ " ذا المعارج وذا الفواضل ".
وهذا يدلّ على أنّ الاقتصار على التّلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو ﷺ عليها , وأنّه لا بأس بالزّيادة لكونه لَم يردّها عليهم. وأقرّهم عليها، وهو قول الجمهور وبه صرّح أشهب.
وحكى ابن عبد البرّ عن مالك الكراهة , قال: وهو أحد قولي
стр. 1824
الشّافعيّ.
وقال الشّيخ أبو حامد: حكى أهل العراق عن الشّافعيّ يعني في القديم. أنّه كره الزّيادة على المرفوع، وغلِطوا , بل لا يكره ولا يستحبّ.
وحكى التّرمذيّ عن الشّافعيّ قال: فإن زاد في التّلبية شيئاً من تعظيم الله فلا بأس، وأحبّ إليّ أن يقتصر على تلبية رسول الله ﷺ ، وذلك أنّ ابن عمر حفظ التّلبية عنه ثمّ زاد من قبله زيادة.
ونصب البيهقيّ الخلاف بين أبي حنيفة والشّافعيّ , فقال: الاقتصار على المرفوع أحبّ، ولا ضيق أن يزيد عليها. قال: وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن.
وحكى في " المعرفة " عن الشّافعيّ , قال: ولا ضيق على أحد في قول ما جاء عن ابن عمر وغيره من تعظيم الله ودعائه، غير أنّ الاختيار عندي أن يفرد ما روي عن النّبيّ ﷺ في ذلك. انتهى.
وهذا أعدل الوجوه، فيفرد ما جاء مرفوعاً، وإذا اختار قول ما جاء موقوفاً أو أنشأه هو من قبل نفسه ممّا يليق قاله على انفراده حتّى لا يختلط بالمرفوع.
وهو شبيه بحال الدّعاء في التّشهّد فإنّه قال فيه: ثمّ ليتخيّر من المسألة والثّناء ما شاء. أي: بعد أن يفرغ من المرفوع. كما تقدّم ذلك في موضعه.
تكميل:
стр. 1825
اختلف في حكم التّلبية، وفيها مذاهب أربعة يمكن توصيلها إلى عشرة:
أوّلها: أنّها سنّة من السّنن لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشّافعيّ وأحمد.
ثانيها: واجبة ويجب بتركها دم، حكاه الماورديّ عن ابن أبي هريرة من الشّافعيّة وقال: إنّه وجد للشّافعيّ نصّاً يدلّ عليه، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكيّة , والخطّابيّ عن مالك وأبي حنيفة.
وأغرب النّوويّ فحكى عن مالك , أنّها سنّة. ويجب بتركها دم، ولا يعرف ذلك عندهم , إلاَّ أنّ ابن الجلاب قال: التّلبية في الحجّ مسنونة غير مفروضة.
وقال ابن التّين: يريد أنّها ليست من أركان الحجّ , وإلا فهي واجبة. ولذلك يجب بتركها الدّم ولو لَم تكن واجبة لَم يجب.
وحكى ابن العربيّ , أنّه يجب عندهم بترك تكرارها دم. وهذا قدر زائد على أصل الوجوب.
ثالثها: واجبة , لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحجّ كالتّوجّه على الطّريق. وبهذا صدّر ابن شاسٍ من المالكيّة كلامه في " الجواهر " له.
وحكى صاحب " الهداية " من الحنفيّة مثله , لكن زاد القول الذي يقوم مقام التّلبية من الذّكر كما في مذهبهم من أنّه لا يجب لفظ معيّن.
وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرّأي: إن كبّر أو هلل أو سبّح ينوي بذلك الإحرام. فهو محرم.
стр. 1826
رابعها: أنّها ركن في الإحرام لا ينعقد بدونها. حكاه ابن عبد البرّ عن الثّوريّ وأبي حنيفة وابن حبيب من المالكيّة والزّبيريّ من الشّافعيّة وأهل الظّاهر , قالوا: هي نظير تكبيرة الإحرام للصّلاة.
ويقوّيه ما تقدّم من بحث ابن عبد السّلام عن حقيقة الإحرام , وهو قول عطاء أخرجه سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح عنه قال: التّلبية فرض الحجّ.
وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وطاوسٍ وعكرمة.
وحكى النّوويّ عن داود , أنّه لا بدّ من رفع الصّوت بها.
وهذا قدر زائد على أصل كونها ركناً.
стр. 1827
الحديث السادس
٢٢١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحلّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يومٍ وليلةٍ إلاَّ ومعها حرمةٌ. (١)
وفي لفظ للبخاريّ: لا تسافر مسيرة يومٍ إلاَّ مع ذي محرمٍ. (٢)
قوله: (لا يحلّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر) مفهومه أنّ النّهي المذكور يختصّ بالمؤمنات، فتخرج الكافرات كتابيّة كانت أو حربيّة، وقد قال به بعض أهل العلم.
وأجيب: بأنّ الإيمان هو الذي يستمرّ للمتّصف به خطاب الشّارع فينتفع به وينقاد له، فلذلك قيّد به، أو أنّ الوصف ذُكِر لتأكيد التّحريم. ولَم يقصد به إخراج ممّا سواه. والله أعلم.
قوله: (مسيرة يوم وليلة) كذا مقيّداً بمسيرة يوم وليلة، وعنه روايات أخرى، وحديث ابن عمر في الصحيحين مقيّداً بثلاثة أيّام، وعنه روايات أخرى أيضاً , ولهما عن ابن عباس: لاتسافر المرأة إلاَّ مع ذي محرم. كذا أطلق السّفر , وقيّده في حديث أبي سعيد في الصحيحين فقال " مسيرة يومين ".
وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التّقييدات.
стр. 1828
وقال النّوويّ: ليس المراد من التّحديد ظاهره، بل كلّ ما يسمّى سفراً فالمرأة منهيّة عنه إلاَّ بالمَحرم، وإنّما وقع التّحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه.
وقال ابن المنير: وقع الاختلاف في مواطن بحسب السّائلين.
وقال المنذريّ: يحتمل أن يقال: إنّ اليوم المفرد والليلة المفردة بمعنى اليوم والليلة، يعني فمن أطلق يوماً أراد بليلته. أو ليلة أراد بيومها , وأن يكون عند جمعهما أشار إلى مدّة الذّهاب والرّجوع، وعند إفرادهما أشار إلى قدر ما تقضي فيه الحاجة.
قال: ويحتمل: أن يكون هذا كلّه تمثيلاً لأوائل الأعداد، فاليوم أوّل العدد والاثنان أوّل التّكثير والثّلاث أوّل الجمع، وكأنّه أشار إلى أنّ مثل هذا في قلة الزّمن لا يحلّ فيه السّفر فكيف بما زاد؟.
ويحتمل: أن يكون ذِكْر الثّلاث قبل ذِكْر ما دونها , فيؤخذ بأقلّ ما ورد في ذلك , وأقلّه الرّواية التي فيها ذكر البريد، فعلى هذا يتناول السّفر طويل السّير وقصيره، ولا يتوقّف امتناع سير المرأة على مسافة القصر خلافاً للحنفيّة.
وحجّتهم: أنّ المنع المقيّد بالثّلاث متحقّق. وما عداه مشكوك فيه , فيؤخذ بالمتيقّن.
ونوقض: بأنّ الرّواية المطلقة شاملة لكل سفر فينبغي الأخذ بها وطرح ما عداها فإنّه مشكوك فيه، ومن قواعد الحنفيّة تقديم الخبر العامّ على الخاصّ، وترك حمل المطلق على المقيّد، وقد خالفوا ذلك
стр. 1829
هنا، والاختلاف إنّما وقع في الأحاديث التي وقع فيها التّقييد، بخلاف حديث ابن عبّاس فإنّه لَم يختلف عليه فيه.
وفرّق سفيان الثّوريّ. بين المسافة البعيدة فمنعها دون القريبة.
واستُدلَّ بالحديث على عدم جواز السّفر للمرأة بلا محرم، وهو إجماع في غير الحجّ والعمرة والخروج من دار الشّرك، ومنهم من جعل ذلك من شرائط الحجّ كما سيأتي
وتمسّك أحمد بعموم الحديث , فقال: إذا لَم تجد زوجاً أو محرماً لا يجب عليها الحجّ، هذا هو المشهور عنه.
وعنه رواية أخرى كقول مالك , وهو تخصيص الحديث بغير سفر الفريضة، قالوا: وهو مخصوص بالإجماع.
قال البغويّ: لَم يختلفوا في أنّه ليس للمرأة السّفر في غير الفرض إلاَّ مع زوج أو محرم , إلاَّ كافرة أسلمتْ في دار الحرب أو أسيرة تخلصت.
وزاد غيره: أو امرأة انقطعت من الرّفقة فوجدها رجلٌ مأمونٌ , فإنّه يجوز له أن يصحبها حتّى يبلغها الرّفقة. قالوا: وإذا كان عمومه مخصوصاً بالاتّفاق. فيخصّ منه حجّة الفريضة.
وأجاب صاحب " المغني ": بأنّه سفر الضّرورة فلا يقاس عليه حالة الاختيار، ولأنّها تدفع ضرراً متيقّناً بتحمّل ضرر متوهّم. ولا كذلك السّفر للحجّ.
وقد روى الدّارقطنيّ وصحَّحه أبو عوانة حديث الباب (١) من
стр. 1830
طريق ابن جريجٍ عن عمرو بن دينار بلفظ " لا تحجّن امرأة إلاَّ ومعها ذو محرم " فنصّ في نفس الحديث على منع الحجّ. فكيف يخصّ من بقيّة الأسفار؟.
والمشهور عند الشّافعيّة اشتراط الزّوج أو المَحرم أو النّسوة الثّقات.
وفي قول: تكفي امرأة واحدة ثقة.
وفي قول: نقله الكرابيسيّ وصحَّحه في المهذّب. تسافر وحدها إذا كان الطّريق آمناً.
وهذا كلّه في الواجب من حجّ أو عمرة , وأغرب القفّال فطرده في الأسفار كلّها، واستحسنه الرّويانيّ قال: إلاَّ أنّه خلاف النّصّ.
قلت: وهو يعكّر على نفي الاختلاف الذي نقله البغويّ آنفاً.
واختلفوا هل المَحْرَم وما ذكر معه شرط في وجوب الحجّ عليها؟ أو شرط في التّمكّن فلا يمنع الوجوب والاستقرار في الذّمّة؟
وعبارة أبي الطّيّب الطّبريّ منهم: الشّرائط التي يجب بها الحجّ على الرّجل يجب بها على المرأة، فإذا أرادت أن تؤدّيه فلا يجوز لهم إلاَّ مع محرم أو زوج أو نسوة ثقات.
ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النّسوة الثّقات إذا أمن
стр. 1831
الطّريق , ما أخرجه البخاري , أنّ عمر ﵁ أذن لأزواج النبي ﷺ في آخر حجةٍ حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف ". لاتّفاق عمر وعثمان وعبد الرّحمن بن عوف ونساء النّبيّ ﷺ على ذلك وعدم نكير غيرهم من الصّحابة عليهنّ في ذلك.
ومن أبى ذلك من أمّهات المؤمنين. فإنّما أباه من جهة خاصّة لا من جهة توقّف السّفر على المَحرم.
ولَم يختلفوا أنّ النّساء كلّهنّ في ذلك سواء , إلاَّ ما نقل عن أبي الوليد الباجيّ , أنّه خصّه بغير العجوز التي لا تشتهى، وكأنّه نقله من الخلاف المشهور في شهود المرأة صلاة الجماعة.
قال ابن دقيق العيد: الذي قاله الباجيّ تخصيص للعموم بالنّظر إلى المعنى، يعني مع مراعاة الأمر الأغلب. وتعقّبوه بأنّ لكل ساقطة لاقطة، والمتعقّب راعى الأمر النّادر وهو الاحتياط.
قال: والمتعقّب على الباجيّ يرى جواز سفر المرأة في الأمن وحدها فقد نظر أيضاً إلى المعنى، يعني فليس له أن ينكر على الباجيّ، وأشار بذلك إلى الوجه المتقدّم والأصحّ خلافه.
وقد احتجّ له بحديث عديّ بن حاتم مرفوعاً: يوشك أن تخرج الظّعينة من الحيرة تؤمّ البيت لا زوج معها .. الحديث. وهو في البخاريّ.
وتعقّب: بأنّه يدلّ على وجود ذلك لا على جوازه.
وأجيب: بأنّه خبر في سياق المدح ورفع منار الإسلام. فيحمل على
стр. 1832
الجواز.
ومن المستظرف أنّ المشهور من مذهب من لَم يشترط المَحرم أنّ الحجّ على التّراخي، ومن مذهب من يشترطه أنّه حجّ على الفور، وكان المناسب لهذا قول هذا وبالعكس.
وأمّا ما قال النّوويّ في شرح حديث جبريل في بيان الإيمان والإسلام عند قوله " أن تلد الأمة ربّتها ": فليس فيه دلالة على إباحة بيع أمّهات الأولاد , ولا منع بيعهنّ، خلافاً لمن استدل به في كلّ منهما، لأنّه ليس في كلّ شيء أخبر النّبيّ ﷺ بأنّه سيقع يكون محرّماً , ولا جائزاً. انتهى.
وهو كما قال، لكنّ القرينة المذكورة تقوّي الاستدلال به على الجواز.
قال ابن دقيق العيد: هذه المسألة تتعلق بالعامَّين إذا تعارضا، فإنّ قوله تعالى (ولله على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً) عامّ في الرّجال والنّساء، فمقتضاه أنّ الاستطاعة على السّفر إذا وجدت وجب الحجّ على الجميع، وقوله ﷺ : لا تسافر المرأة إلاَّ مع محرم. عامٌّ في كلّ سفر فيدخل فيه الحجّ، فمن أخرجه عنه خصّ الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خصّ الآية بعموم الحديث فيحتاج إلى التّرجيح من خارج، وقد رجح المذهب الثّاني بعموم قوله ﷺ : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله. , وليس ذلك بجيّدٍ , لكونه عامّاً في المساجد فيخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السّفر بحديث النّهي. انتهى
стр. 1833
تنْبيه: قال شيخنا ابن الملقّن تبعاً لشيخه مغلطاي: الهاء في قوله " مسيرة يوم وليلة " للمرّة الواحدة، والتّقدير أن تسافر مرّة واحدة مخصوصة بيومٍ وليلة.
ولا سلف له في هذا الإعراب، ومسيرة إنّما هي مصدر سار كقوله سيراً مثل عاش معيشة وعيشاً.
قوله: (ليس معها حُرْمة) أي: محرم
قوله: (إلاَّ مع ذي محرم) أي: فيحلّ، ولَم يصرّح بذكر الزّوج، وفي حديث أبي سعيد في البخاري بلفظ " ليس معها زوجها أو ذو محرم منها " ووقع لمسلم " إلاَّ ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرمٍ منها ".
وضابط المَحرم عند العلماء: من حرُم عليه نكاحها على التّأبيد بسببٍ مباح لحرمتها، فخرج بالتّأبيد أخت الزّوجة وعمّتها , وبالمباح أمّ الموطوءة بشبهةٍ وبنتها وبحرمتها الملاعنة.
واستثنى أحمد من حرُمت على التّأبيد مسلمةً لها أب كتابيّ , فقال: لا يكون محرماً لها , لأنّه لا يؤمن أن يفتنها عن دينها إذا خلا بها.
ومَن قال: إنّ عبد المرأة مَحرم لها يحتاج أن يزيد في هذا الضّابط ما يدخله، وقد روى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر مرفوعاً: سفر المرأة مع عبدها ضيعة. لكن في إسناده ضعف.
وقد احتجّ به أحمد وغيره، وينبغي لمن أجاز ذلك أن يقيّده بما إذا كانا في قافلة بخلاف ما إذا كانا وحدهما فلا. لهذا الحديث.
стр. 1834
وفي آخر حديث ابن عبّاس (١) ما يشعر بأنّ الزّوج يدخل في مسمّى المَحرم، فإنّه لَمّا استثنى المَحرم , فقال القائل: إنّ امرأتي حاجّة. فكأنّه فهم حال الزّوج في المَحرم، ولَم يردّ عليه ما فهمه , بل قيل له " اخرج معها ".
واستثنى بعض العلماء ابن الزّوج. فكره السّفر معه لغلبة الفساد في النّاس.
قال ابن دقيق العيد: هذه الكراهية عن مالك، فإن كانت للتّحريم ففيه بعد لمخالفة الحديث، وإن كانت للتّنزيه فيتوقّف على أنّ لفظ " لا يحلّ " هل يتناول المكروه الكراهة التّنزيهيّة؟.
стр. 1835
باب الفدية
الحديث السابع
٢٢٢ - عن عبد الله بن معقلٍ, قال: جلستُ إلى كعب بن عُجْرة فسألته عن الفدية؟ فقال: نزلت فِيَّ خاصّةً. وهي لكم عامّةً. حُملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي , فقال: ما كنت أُرى الوجع بلغ بك ما أَرَى , أو ما كنت أرى الجَهد بلغ بك ما أرى , أتجد شاةً؟ فقلت: لا , فقال: صم ثلاثة أيّامٍ , أو أطعم ستّة مساكين , لكل مسكينٍ نصف صاعٍ. (١)
وفي روايةٍ: فأمره رسول الله ﷺ أن يُطعم فَرَقاً بين ستّةٍ , أو يهدي شاةً , أو يصوم ثلاثة أيّامٍ. (٢)
تمهيد: نقل ابن عبد البرّ عن أحمد بن صالح المصريّ , قال: حديث كعب بن عُجْرة في الفدية سنّة معمول بها لَم يروها من الصّحابة غيره، ولا رواها عنه إلاَّ ابن أبي ليلى وابن معقل.
قال: وهي سنّة أخذها أهل المدينة عن أهل الكوفة. قال الزّهريّ: سألت عنها علماءنا كلّهم حتّى سعيد بن المسيّب فلم يبيّنوا كم عدد
стр. 1836
المساكين.
قلت: فيما أطلقه ابن صالح نظرٌ، فقد جاءت هذه السّنّة من رواية جماعة من الصّحابة غير كعب، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص عند الطّبريّ والطّبرانيّ، وأبو هريرة عند سعيد بن منصور، وابن عمر عند الطّبريّ، وفضالة الأنصاريّ عمّن لا يتّهم من قومه عند الطّبريّ أيضاً. ورواه عن كعب بن عُجْرة غير المذكورين , أبو وائل عند النّسائيّ، ومحمّد بن كعب القرظيّ عند ابن ماجه، ويحيى بن جعدة عند أحمد، وعطاء عند الطّبريّ.
وجاء عن أبي قلابة والشّعبيّ أيضاً عن كعب. وروايتهما عند أحمد، لكنّ الصّواب أنّ بينهما واسطة. وهو ابن أبي ليلى على الصّحيح.
وقد أورد البخاريّ حديث كعب هذا في أربعة أبواب متوالية، وأورده أيضاً في المغازي والطّبّ وكفّارات الأيمان من طرق أخرى , مدار الجميع على ابن أبي ليلى وابن معقل، فيقيّد إطلاق أحمد بن صالح بالصّحّة فإنّ بقيّة الطّرق التي ذكرتها لا تخلو عن مقال إلاَّ طريق أبي وائل.
وسأذكر ما في هذه الطّرق من فائدة زائدة إن شاء الله تعالى.
قوله: (عن عبد الله بن معقل) بفتح الميم وسكون المهملة وكسر القاف هو ابن مقرّن - بالقاف وزن محمّد لكن بكسر الرّاء - لأبيه صحبة.
وهو من ثقات التّابعين بالكوفة، وليس له في البخاريّ سوى هذا
стр. 1837
الحديث وآخر عن عديّ بن حاتم، مات سنة ثمان وثمانين من الهجرة.
يلتبس بعبد الله بن مغفّل - بالغين المعجمة وزن محمّد - ويجتمعان في أنّ كلاً منهما مزنيّ، لكن يفترقان بأنّ الرّاوي عن كعب تابعيّ والآخر صحابيّ.
وفي التّابعين من اتّفق مع الرّاوي عن كعب في اسمه واسم أبيه ثلاثة:
أحدهم: يروي عن عائشة. وهو محاربيّ.
والآخر: يروي عن أنس في المسح على العمامة. وحديثه عند أبي داود.
والثّالث: أصغر منهما. أخرج له ابن ماجه
قوله: (جلست إلى كعب بن عُجْرة) (١) زاد مسلم في روايته من طريق غندر عن شعبة عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عنه " وهو في المسجد "، ولأحمد عن بهز " قعدت إلى كعب بن عُجْرة في هذا المسجد " وزاد في رواية سليمان بن قرم عن ابن الأصبهانيّ " يعني مسجد الكوفة ".
وفيه الجلوس في المسجد , ومذاكرة العلم , والاعتناء بسبب النّزول لِمَا يترتّب عليه من معرفة الحكم وتفسير القرآن.
قوله: (نزلت في خاصة، وهي لكم عامة , حُملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي) وللبخاري من رواية حميد بن قيس
стр. 1838
عن مجاهد " لعلك آذاك هوامّك " , وفي رواية عبد الكريم عن ابن أبي ليلى عند مالك , أنّه كان مع رسول الله ﷺ وهو محرم فآذاه القمل.
وفي رواية سيف عن مجاهد في البخاري " وقف عليّ رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسي يتهافت قملاً فقال: أيؤذيك هوامّك؟ قلت: نعم. قال: فاحلق رأسك - الحديث. وفيه - قال: فيَّ نزلت هذه الآية (فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه).
زاد في رواية أبي الزّبير عن مجاهد عند الطّبرانيّ " أنّه أهلَّ في ذي القعدة " وفي رواية مغيرة عن مجاهد عند الطّبريّ " أنّه لقيه وهو عند الشّجرة وهو محرم ".
وفي رواية أيّوب عن مجاهد في البخاري " أتى عليّ النّبيّ ﷺ وأنا أوقد تحت برمة. والقمل يتناثر على رأسي " زاد في رواية ابن عون عن مجاهد " فقال: ادن، فدنوت. فقال: أيؤذيك؟ ".
وفي رواية ابن بشر عن مجاهد فيه قال: كنّا مع رسول الله ﷺ بالحديبية ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون، وكانت لي وفرةٌ. فجعلتِ الهوامّ تتساقط على وجهي، فقال: أيؤذيك هوامّ رأسك؟ قلت: نعم. فأنزلت هذه الآية.
وفي رواية أبي وائل عن كعب " أحرمت فكثر قمل رأسي. فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فأتاني وأنا أطبخ قدراً لأصحابي ". وفي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد عند البخاري " رآه وإنّه ليسقط القمل على وجهه، فقال: أيؤذيك هوامّك؟ قال: نعم، فأمره أن يحلق وهم بالحديبية ,
стр. 1839
ولَم يبيّن لهم أنّهم يحلّون، وهم على طمع أن يدخلوا مكّة، فأنزل الله الفدية " وأخرجه الطّبرانيّ من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد. بهذه الزّيادة.
ولأحمد وسعيد بن منصور في رواية أبي قلابة عن كعب " قملت حتّى ظننت أنّ كلّ شعرة في رأسي فيها القمل من أصلها إلى فرعها " زاد سعيد " وكنت حسن الشّعر ".
ولأحمد من وجه آخر عن سليمان بن قرم عن ابن الأصبهاني عن ابن معقل " وقع القمل في رأسي ولحيتي حتّى حاجبي وشاربي، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ ، فأرسل إليّ فدعاني، فلمّا رآني قال: لقد أصابك بلاء ونحن لا نشعر، ادع إليّ الحجّام، فحلقني ".
ولأبي داود من طريق الحكم بن عتيبة عن ابن أبي ليلى عن كعب: أصابتني هوامّ حتّى تخوّفت على بصري ".
وفي رواية أبي وائل عن كعب عند الطّبريّ " فحكّ رأسي بأصبعه فانتثر منه القمل " زاد الطّبريّ من طريق الحكم " إنّ هذا لأذىً، قلت: شديد يا رسولَ الله ".
والجمع بين هذا الاختلاف في قول ابن أبي ليلى عن كعب , أنّ النّبيّ ﷺ مرّ به فرآه، وفي قول عبد الله بن معقل , أنّ النّبيّ ﷺ أرسل إليه فرآه. أن يقال: مرّ به أوّلاً فرآه على تلك الصّورة فاستدعى به إليه فخاطبه وحلق رأسه بحضرته، فنقل كلُّ واحدٍ منهما ما لَم ينقله الآخر.
стр. 1840
ويوضّحه قوله في رواية ابن عون عن مجاهد عند البخاري حيث قال فيها: فقال: ادن فدنوت. فالظّاهر أنّ هذا الاستدناء كان عقب رؤيته إيّاه إذ مرّ به وهو يوقد تحت القدر.
قال القرطبيّ قوله " لعلك آذاك هوامّك ": هذا سؤال عن تحقيق العلة التي يترتّب عليها الحكم، فلمّا أخبره بالمشقّة التي نالته خفّف عنه.
و" الهوامّ " بتشديد الميم جمع هامّة. وهي ما يدبّ من الأخشاش، والمراد بها ما يلازم جسد الإنسان غالباً إذا طال عهده بالتّنظيف، وقد عيّن في كثير من الرّوايات أنّها القمل.
واستدل به على أنّ الفدية مرتّبة على قتل القمل.
وتعقّب: بذكر الحلق، فالظّاهر أنّ الفدية مرتّبة عليه، وهما وجهان عند الشّافعيّة، يظهر أثر الخلاف فيما لو حلق ولَم يقتل قملاً.
قوله: (ما كنت أُرى الوجع بلغ بك ما أَرى) في رواية المستملي والحمويّ " يبلغ بك ".
وأُرى الأولى بضمّ الهمزة. أي: أظنّ، وأَرى الثّانية بفتح الهمزة من الرّؤية، وكذا في قوله " أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك " وهو شكّ من الرّاوي هل قال الوجع أو الجهد؟.
والجهد: بالفتح المشقّة، قال النّوويّ: والضّمّ لغة في المشقّة أيضاً، وكذا حكاه عياض عن ابن دريد.
وقال صاحب العين: بالضّمّ الطّاقة وبالفتح المشقّة.
стр. 1841
فيتعيّن الفتح هنا بخلاف لفظ الجهد في حديث بدء الوحي حيث قال " حتّى بلغ منّي الجهد " فإنّه محتمل للمعنيين.
قوله: (أتجد شاةً؟) ولأبي داود في رواية أخرى " أمعك دم؟ قال: لا. قال: فإن شئت فصم " ونحوه للطّبرانيّ من طريق عطاء عن كعب، ووافقهم أبو الزّبير عن مجاهد عند الطّبرانيّ. وزاد بعد قوله ما أجد هدياً " قال: فأطعم. قال: ما أجد. قال: صم ".
ولهذا قال أبو عوانة في " صحيحه ": فيه دليل على أنّ من وجد نسكاً لا يصوم، يعني ولا يطعم.
لكن لا أعرف مَن قال بذلك من العلماء. إلاَّ ما رواه الطّبريّ وغيره عن سعيد بن جبير قال: النّسك شاة، فإن لَم يجد قوّمت الشّاة دراهم والدّراهم طعاماً فتصدّق به أو صام لكل نصف صاع يوماً. أخرجه من طريق الأعمش عنه قال: فذكرته لإبراهيم , فقال: سمعت علقمة مثله. فحينئذٍ يحتاج إلى الجمع بين الرّوايتين.
وقد جُمع بينهما بأوجهٍ.
الوجه الأول: ما قال ابن عبد البرّ: إنّ فيه الإشارة إلى ترجيح التّرتيب لا لإيجابه
الوجه الثاني: ما قال النّوويّ: ليس المراد أنّ الصّيام أو الإطعام لا يجزئ إلاَّ لفاقد الهدي، بل المراد أنّه استخبره: هل معه هدي أو لا؟ فإن كان واجده أعلمه أنّه مخيّر بينه وبين الصّيام والإطعام، وإن لَم يجده أعلمه أنّه مخيّر بينهما.
стр. 1842
ومحصّله أنّه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذّبح تعيينه لاحتمال أنّه لو أعلمه أنّه يجده لأخبره بالتّخيير بينه وبين الإطعام والصّوم.
الوجه الثالث: ما قال غيرهما: يحتمل أن يكون النّبيّ ﷺ لَمّا أذن له في حلق رأسه بسبب الأذى. أفتاه بأن يكفّر بالذّبح على سبيل الاجتهاد منه ﷺ , أو بوحيٍ غير متلوٍّ، فلمّا أعلمه أنّه لا يجد نزلت الآية بالتّخيير بين الذّبح والإطعام والصّيام. فخيّره حينئذٍ بين الصّيام والإطعام. لعلمه بأنّه لا ذبح معه، فصام لكونه لَم يكن معه ما يطعمه.
ويوضّح ذلك رواية مسلم في حديث عبد الله بن معقل المذكور حيث قال " أتجد شاة؟ قلت: لا. فنزلت هذه الآية (ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ) فقال: صم ثلاثة أيّام أو أطعم ".
وفي رواية عطاء الخراسانيّ قال " صم ثلاثة أيّام أو أطعم ستّة مساكين " قال " وكان قد علم أنّه ليس عندي ما أنسك به ". ونحوه في رواية محمّد بن كعب القرظيّ عن كعب.
وسياق الآية يشعر بتقديم الصّيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره، بل السّرّ فيه أنّ الصّحابة الذين خوطبوا شفاهاً بذلك كان أكثرهم يقدر على الصّيام أكثر ممّا يقدر على الذّبح والإطعام.
وعُرف من رواية أبي الزّبير , أنّ كعباً افتدى بالصّيام.
ووقع في رواية ابن إسحاق ما يشعر بأنّه افتدى بالذّبح لأنّ لفظه "
стр. 1843
صم أو أطعم أو انسك شاة. قال: فحلقت رأسي ونسكت ".
وروى الطّبرانيّ من طريق ضعيفة عن عطاء عن كعب في آخر هذا الحديث " فقلت: يا رسولَ الله خر لي، قال: أطعم ستّة مساكين.
قوله: (فقلت: لا) زاد (١) مسلم وأحمد " فنزلت هذه الآية (ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ) قال: صوم ثلاثة أيّام " الحديث.
قوله: (لكل مسكين نصف صاع) وللطّبرانيّ عن أحمد بن محمّد الخزاعيّ عن أبي الوليد - شيخ البخاريّ فيه - عن شعبة " لكل مسكين نصف صاع تمر " ولأحمد عن بهز عن شعبة " نصف صاع طعام " ولبشر بن عمر عن شعبة " نصف صاع حنطة ".
ورواية الحكم عن ابن أبي ليلى تقتضي أنّه نصف صاع من زبيب. فإنّه قال " يطعم فرقاً من زبيب بين ستّة مساكين ".
قال ابن حزم: لا بدّ من ترجيح إحدى هذه الرّوايات , لأنّها قصّة واحدة في مقام واحد في حقّ رجل واحد.
قلت: المحفوظ عن شعبة أنّه قال في الحديث " نصف صاع من طعام " والاختلاف عليه في كونه تمراً أو حنطة لعله من تصرّف الرّواة.
стр. 1844
وأمّا الزّبيب. فلم أره إلاَّ في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود وفي إسنادها ابن إسحاق، وهو حجّة في المغازي لا في الأحكام إذا خالف.
والمحفوظ رواية التّمر. فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة عن ابن أبي ليلى , ولَم يختلف فيه على أبي قلابة. وكذا أخرجه الطّبريّ من طريق الشّعبيّ عن كعب، وأحمد من طريق سليمان بن قرم عن ابن الأصبهانيّ، ومن طريق أشعث وداود الشّعبيّ عن كعب، وكذا في حديث عبد الله بن عمرو عند الطّبرانيّ.
وعُرف بذلك قوّة قول مَن قال: لا فرق في ذلك بين التّمر والحنطة. وأنّ الواجب ثلاثة آصعٍ لكل مسكين نصف صاع.
ولمسلمٍ عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح وغيره عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن كعب في هذا الحديث " وأطعم فرقاً بين ستّة مساكين " والفرق ثلاثة آصعٍ.
وأخرجه الطّبريّ من طريق يحيى بن آدم عن ابن عيينة فقال فيه: قال سفيان: والفرق ثلاثة آصعٍ " فأشعر بأنّ تفسير الفرق مدرج، لكنّه مقتضى الرّوايات الأخر، ففي رواية سليمان بن قرم عن ابن الأصبهانيّ عند أحمد " لكل مسكين نصف صاع ". وفي رواية يحيى بن جعدة عند أحمد أيضاً " أو أطعم ستّة مساكين مدّين مدّين ".
وأمّا ما وقع في بعض النّسخ عند مسلم من رواية زكريّا عن ابن الأصبهانيّ " أو يطعم ستّة مساكين لكل مسكين صاع " فهو تحريف
стр. 1845
ممّن دون مسلم، والصّواب ما في النّسخ الصّحيحة " لكل مسكينين " بالتّثنية، وكذا أخرجه مسدّد في " مسنده " عن أبي عوانة عن ابن الأصبهانيّ على الصّواب.
قوله: (فأمره رسول الله ﷺ أن يطعم فرقاً بين ستّةٍ , أو يهدي شاةً , أو يصوم ثلاثة أيّامٍ) وللبخاري من طريق مالك عن حميد بن قيس عن مجاهد بلفظ " احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة ".
والنّسك يطلق على العبادة وعلى الذّبح المخصوص، وسياق رواية البخاري موافق للآية، وقد تقدّم أنّ كعباً قال: إنّها نزلت بهذا السّبب.
قال البخاري: وقد خيّر النّبيّ ﷺ كعباً في الفدية، ويذكر عن ابن عبّاس وعطاء وعكرمة: ما كان في القرآن " أو " فصاحبه بالخيار. انتهى.
وأقرب ما وقفت عليه من طرق حديث الباب إلى التّصريح. ما أخرجه أبو داود من طريق الشّعبيّ عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عُجْرة , أنّ النّبيّ ﷺ قال له: إن شئت فانسك نسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيّام، وإنّ شئت فأطعم .. الحديث.
ووافقتها رواية عبد الوارث عن ابن أبي نجيح. أخرجها مسدّد في " مسنده " , ومن طريقه الطّبرانيّ.
وفي رواية مالك في " الموطّإ " عن عبد الكريم عن ابن أبي ليلى في
стр. 1846
آخر الحديث " أيّ ذلك فعلت أجزأ "
قوله: (أن يطعم فرقاً بين ستّةٍ) فيه أنّ الصّدقة في الآية مبهمة فسّرتها السّنّة، وبهذا قال جمهور العلماء.
وروى سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح عن الحسن قال: الصّوم عشرة أيّام، والصّدقة على عشرة مساكين. وروى الطّبريّ عن عكرمة ونافع نحوه.
قال ابن عبد البرّ: لَم يقل بذلك أحدٌ من فقهاء الأمصار.
قوله: (فرقاً) بفتح الفاء والرّاء وقد تسكّن، قاله ابن فارس.
وقال الأزهريّ: كلام العرب بالفتح، والمحدّثون قد يسكّنونه، وآخره قاف: مكيال معروف بالمدينة وهو ستّة عشر رطلاً.
ووقع في رواية ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عند أحمد وغيره " الفرق ثلاثة آصعٍ ".
ولمسلمٍ من طريق أبي قلابة عن ابن أبي ليلى " أو أطعم ثلاثة آصعٍ من تمر على ستّة مساكين ".
وإذا ثبت أنّ الفَرَقَ ثلاثة آصعٍ اقتضى أنّ الصّاع خمسة أرطال وثلث خلافاً لمَن قال: إنّ الصّاع ثمانية أرطال.
قوله: (أو يهدي شاةً) وهو النّسك المذكور في الآية حيث قال (أو نسك) وروى الطّبريّ من طريق مغيرة عن مجاهد في آخر هذا الحديث " فأنزل الله (ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ) والنّسك شاة ".
стр. 1847
ومن طريق محمّد بن كعب القرظيّ عن كعب " أمرني أن أحلق وأفتدي بشاةٍ ".
قال عياض ومن تبعه تابعاً لأبي عمر: كلّ من ذكر النّسك في هذا الحديث مفسّراً فإنّما ذكروا شاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء.
قلت: يعكّر عليه ما أخرجه أبو داود من طريق نافع عن رجل من الأنصار عن كعب بن عُجْرة , أنّه أصابه أذًى فحلق فأمره النّبيّ ﷺ أن يهدي بقرة.
وللطّبرانيّ من طريق عبد الوهّاب بن بخت عن نافع عن ابن عمر قال: حلق كعب بن عُجْرة رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يفتدي، فافتدى ببقرةٍ.
ولعبد بن حميدٍ من طريق أبي معشر عن نافع عن ابن عمر قال: افتدى كعبٌ من أذىً كان برأسه فحلقه ببقرةٍ قلدها وأشعرها.
ولسعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلى عن نافع عن سليمان بن يسار , قيل لابن كعب بن عُجْرة: ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟ قال: ذبح بقرة.
فهذه الطّرق كلّها تدور على نافع، وقد اختلف عليه في الواسطة الذي بينه وبين كعب.
وقد عارضها ما هو أصحّ منها. مِن أنّ الذي أُمر به كعب وفعله في النّسك إنّما هو شاة.
وروى سعيد بن منصور وعبد بن حميدٍ من طريق المقبريّ عن أبي
стр. 1848
هريرة: أنّ كعب بن عُجْرة ذبح شاة لأذًى كان أصابه. وهذا أصوب من الذي قبله.
واعتمد ابن بطّال على رواية نافع بن سليمان بن يسار فقال: أخذ كعب بأرفع الكفّارات، ولَم يُخالف النّبيّ ﷺ فيما أمره به من ذبح شاة، بل وافق وزاد. ففيه أنّ من أفتى بأيسر الأشياء فله أن يأخذ بأرفعها كما فعل كعب.
قلت: هو فرع ثبوت الحديث، ولَم يثبت لِمَا قدّمته. والله أعلم.
قوله: (صم ثلاثة أيّامٍ) الصّيام المطلق في الآية مقيّد بما ثبت في الحديث بالثّلاث.
قال ابن التّين وغيره: جعل الشّارع هنا صوم يوم معادلاً بصاعٍ، وفي الفطر من رمضان عدل مدّ، وكذا في الظّهار والجماع في رمضان، وفي كفّارة اليمين بثلاثة أمداد وثلث، وفي ذلك أقوى دليل على أنّ القياس لا يدخل في الحدود والتّقديرات.
وفي حديث كعب بن عُجْرة من الفوائد غير ما تقدّم.
أنّ السّنّة مبيّنة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية في القرآن وتقييدها بالسّنّة، وتحريم حلق الرّأس على المُحرم، والرّخصة له في حلقها إذا آذاه القمل أو غيره من الأوجاع.
وفيه تلطّف الكبير بأصحابه وعنايته بأحوالهم وتفقّده لهم، وإذا رأى ببعض أتباعه ضرراً سأل عنه وأرشده إلى المخرج منه.
واستنبط منه بعض المالكيّة. إيجاب الفدية على من تعمّد حلق رأسه
стр. 1849
بغير عذر، فإنّ إيجابها على المعذور من التّنبيه بالأدنى على الأعلى. لكن لا يلزم من ذلك التّسوية بين المعذور وغيره.
ومن ثَمَّ قال الشّافعيّ والجمهور: لا يتخيّر العامد بل يلزمه الدّم، وخالف في ذلك أكثر المالكيّة.
واحتجّ لهم القرطبيّ بقوله في حديث كعب " أو اذبح نسكاً " قال: فهذا يدلّ على أنّه ليس بهديٍ. قال: فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء.
قلت: لا دلالة فيه. إذ لا يلزم تسميتها نسكاً أو نسيكة أنْ لاَّ تسمّى هدياً , أو لا تعطى حكم الهدي، وقد وقع تسميتها هدياً حيث قال " أو تهدي شاة ".
وفي رواية مسلم " واهد هدياً " وفي رواية للطّبريّ " هل لك هدي؟ قلت: لا أجد " فظهر أنّ ذلك من تصرّف الرّواة. ويؤيّده قوله في رواية مسلم " أو اذبح شاة ".
واستدل به على أنّ الفدية لا يتعيّن لها مكان، وبه قال أكثر التّابعين.
وقال الحسن: تتعيّن مكّة.
وقال مجاهد: النّسك بمكّة ومنًى، والإطعام بمكّة، والصّيام حيث شاء.
وقريب منه قول الشّافعيّ وأبي حنيفة: الدّم والإطعام لأهل الحرم، والصّيام حيث شاء إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم.
وألْحَقَ بعض أصحاب أبي حنيفة وأبو بكر بن الجهم من المالكيّة
стр. 1850
الإطعام بالصّيام.
واستُدلّ به على أنّ الحجّ على التّراخي , لأنّ حديث كعب دلَّ على أنّ نزول قوله تعالى (وأتمّوا الحجّ والعمرة لله) كان بالحديبية. وهي في سنة ستّ. وفيه بحث (١). والله أعلم.
стр. 1851
باب حرمة مكة
الحديث الثامن
٢٢٣ - عن أبي شُريح خويلد بن عمرٍو الخزاعيّ العدويّ (١) ﵁: أنّه قال لعمرو بن سعيد بن العاص - وهو يبعث البعوث إلى مكّة -: ائذن لي أيّها الأمير أن أحدّثك قولاً قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح. فسمِعتْه أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرتْه عيناي , حين تكلَّم به: أنّه حمد الله وأثنى عليه. ثمّ قال: إنّ مكّة حرّمها الله تعالى , ولَم يحرِّمها النّاس. فلا يحلُّ لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر: أن يسفك بها دماً , ولا يعضد بها شجرةً. فإنْ أحدٌ ترخَّصَ بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إنّ الله قد أذن لرسوله , ولَم يأذن لكم. وإنّما أذن لي ساعةً من نهارٍ , وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس , فليبلغ الشّاهد الغائب.
فقيل لأبي شُريح: ما قال لك؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شُريح، إنّ الحرم لا يُعيذ عاصياً , ولا فارّاً بدمٍ , ولا فارّاً بِخَرْبةٍ. (٢)
قال المُصنف: الخربة: بالخاء بالمعجمة والراء المهملة. قيل: الخيانة , وقيل: البلية , وقيل: الهمة. وأصلها في سرقة الإبل.
стр. 1852
قال الشاعر: والخارب اللصُّ يحب الخاربا.
قوله: (عن أبي شُريح .. العدوي) كذا وقع هنا، وفيه نظر (١).
لأنّه خزاعيّ من بني كعب بن ربيعة بن لحيّ، بطن من خزاعة، ولهذا يقال له الكعبيّ أيضاً، وليس هو من بني عديّ، لا عديّ قريش ولا عديّ مضر، فلعله كان حليفاً لبني عديّ بن كعب من قريش. وقيل: في خزاعة بطن يقال لهم بنو عديّ.
وقد وقع في رواية ابن أبي ذئب عن سعيد " سمعت أبا شُريح " أخرجه أحمد.
واختلف في اسمه: فالمشهور أنّه خويلد بن عمرو، وقيل: ابن صخر، وقيل: هانئ بن عمرو، وقيل: عبد الرّحمن، وقيل: كعب، وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل: مطر، أسلم قبل الفتح.
وحمل بعضَ أَلْويةِ قومه، وسكن المدينة ومات بها سنة ثمان وستّين، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث وحديثين آخرين.
قوله: (لعمرو بن سعيد) هو ابن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أُميَّة القرشيّ الأمويّ يعرف بالأشدق. وليست له صحبة , ولا كان من التّابعين بإحسانٍ.
стр. 1853
ووقع عند أحمد من طريق ابن إسحاق عن سعيد المقبريّ. زيادة في أوّله توضّح المقصود. وهي: لَمّا بعث عمرو بن سعيد إلى مكّة بعثه لغزو ابن الزّبير أتاه أبو شُريح فكلَّمه , وأخبره بما سمع من رسول الله ﷺ ، ثمّ خرج إلى نادي قومه فجلس فيه، فقمت إليه فجلست معه فحدّث قومه , قال: قلت له: يا هذا إنّا كنّا مع رسول الله ﷺ حين افتتح مكّة، فلمّا كان الغد من يوم الفتح عَدَتْ خُزاعة على رجلٍ من هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام فينا رسول الله ﷺ خطيباً. فذكر الحديث.
وأخرج أحمد أيضاً من طريق الزّهريّ عن مسلم بن يزيد الليثيّ عن أبي شُريح الخزاعيّ أنّه سمعه يقول: أذن لنا رسول الله ﷺ يوم الفتح في قتال بني بكر حتّى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكّة، ثمّ أمر رسول الله ﷺ بوضع السّيف، فلقي الغد رهطٌ منّا رجلاً من هذيل في الحرم يريد رسول الله ﷺ , وقد كان وترهم في الجاهليّة , وكانوا يطلبونه فقتلوه، فلمّا بلغ ذلك رسولَ الله ﷺ غضب غضباً شديداً ما رأيته غضب أشدّ منه، فلمّا صلَّى. قام فأثنى على الله بما هو أهله , ثمّ قال: أمّا بعد. فإنّ الله حرّم مكّة. انتهى
وقد ذكر أبو هريرة في حديثه هذه القصّة مختصرة في البخاري، في كتاب العلم , وذكرنا أنّ عمرو بن سعيد كان أميراً على المدينة من قِبَل يزيد بن معاوية , وأنّه جهّز إلى مكّة جيشاً لغزو عبد الله بن الزّبير بمكّة.
стр. 1854
وقد ذكر الطّبريّ القصّة عن مشايخه , فقالوا: كان قدوم عمرو بن سعيد والياً على المدينة من قِبَل يزيد بن معاوية في ذي القعدة سنة ستّين.
وقيل: قدمها في رمضان منها - وهي السّنة التي ولي فيها يزيد الخلافة - فامتنع ابن الزّبير من بيعته وأقام بمكّة، فجهّز إليه عمرو بن سعيد جيشاً وأمّر عليهم عمرو بن الزّبير , وكان معادياً لأخيه عبد الله، وكان عمرو بن سعيد قد ولاه شرطته , ثمّ أرسله إلى قتال أخيه، فجاء مروان إلى عمرو بن سعيد فنهاه فامتنع، وجاء أبو شُريح فذكر القصّة، فلمّا نزل الجيش ذا طوىً خرج إليهم جماعة من أهل مكّة فهزموهم وأسر عمرو بن الزّبير فسجنه أخوه بسجن عارم، وكان عمرو بن الزّبير قد ضرب جماعة من أهل المدينة ممّن اتّهم بالميل إلى أخيه. فأقادهم عبد الله منه. حتّى مات عمرو من ذلك الضّرب.
تنْبيه: وقع في " السّيرة " لابن إسحاق و " مغازي " الواقديّ: أنّ المراجعة المذكورة وقعت بين أبي شُريح وبين عمرو بن الزّبير، فإن كان محفوظاً احتمل أن يكون أبو شُريح راجع الباعث والمبعوث، والله أعلم.
قوله: (وهو يبعث البعوث) هي جمع بعث بمعنى مبعوث. وهو من تسمية المفعول بالمصدر.
والمراد به الجيش المجهّز للقتال. أي: يرسل الجيوش إلى مكّة لقتال عبد الله بن الزّبير لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية واعتصم
стр. 1855
بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة، والقصّة مشهورة.
وملخّصها: أنّ معاوية عهد بالخلافة بعده ليزيد بن معاوية، فبايعه النّاس إلاَّ الحسين بن عليّ وابن الزّبير، فأمّا ابن أبي بكر فمات قبل موت معاوية، وأمّا ابن عمر فبايع ليزيد عقب موت أبيه، وأمّا الحسين بن عليّ فسار إلى الكوفة لاستدعائهم إيّاه ليبايعوه فكان ذلك سبب قتله، وأمّا ابن الزّبير فاعتصم - ويسمّى عائذ البيت -وغلب على أمر مكّة، فكان يزيد بن معاوية يأمر أمراءه على المدينة أن يجهّزوا إليه الجيوش، فكان آخر ذلك أنّ أهل المدينة اجتمعوا على خلع يزيد من الخلافة.
قوله: (ائذن لي) أصله ائذن بهمزتين فقلبت الثّانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
قوله: (أيّها الأمير) الأصل فيه يا أيّها الأمير فحذف حرف النّداء.
ويستفاد منه حسن التّلطّف في مخاطبة السّلطان ليكون أدعى لقبولهم النّصيحة وأنّ السّلطان لا يخاطب إلاَّ بعد استئذانه , ولا سيّما إذا كان في أمر يعترض به عليه، فترك ذلك والغلظة له قد يكون سبباً لإثارة نفسه ومعاندة من يخاطبه، ومنه قول والد العسيف " وائذن لي ".
قوله: (أحدّثك) بالجزم , لأنّه جواب الأمر.
قوله: (قام به) صفة للقول، والمقول هو حمد الله إلخ.
قوله: (الغد) بالنّصب. أي: أنّه خطب في اليوم الثّاني من فتح
стр. 1856
مكّة.
قوله: (سَمِعتْه أُذناي ووعاه قلبي، وأبصرتْه عيناي) فيه إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه، فقوله " سمعته " أي: حملته عنه بغير واسطة، وذكر الأذنين للتّأكيد.
وقوله " ووعاه قلبي " تحقيق لفهمه وتثبّته.
وقوله " وأبصرته عيناي " زيادة في تحقيق ذلك , وأنّ سماعه منه ليس اعتماداً على الصّوت فقط بل مع المشاهدة.
وقوله " حين تكلم به " أي: بالقول المذكور.
ويؤخذ من قوله " ووعاه قلبي " أنّ العقل محلّه القلب.
قوله: (إنّه حمد الله) هو بيان لقوله تكلم، ويؤخذ منه استحباب الثّناء بين يدي تعليم العلم وتبيين الأحكام والخطبة في الأمور المهمّة.
وقد تقدّم من رواية ابن إسحاق أنّه قال فيها " أمّا بعد ".
قوله: (إنّ مكّة حرّمها الله) أي: حكم بتحريمها وقضاه، وظاهره أنّ حكم الله تعالى في مكّة أن لا يقاتل أهلها ويؤمّن من استجار بها ولا يتعرّض له، وهو أحد أقوال المفسّرين في قوله تعالى (ومن دخله كان آمناً) وقوله (أولم يروا أنّا جعلنا حرماً آمناً) وسيأتي في حديث ابن عبّاس (١) بلفظ " هذا بلدٌ حرّمه الله يوم خلق السّماوات والأرض ".
ولا معارضة بين هذا وبين قوله في البخاري من حديث أنس: إنّ
стр. 1857
إبراهيم حرّم مكّة , لأنّ المعنى أنّ إبراهيم حرّم مكّة بأمر الله تعالى لا باجتهاده.
أو أنّ الله قضى يوم خلق السّماوات والأرض أنّ إبراهيم سيحرّم مكّة.
أو المعنى أنّ إبراهيم أوّل من أظهر تحريمها بين النّاس، وكانت قبل ذلك عند الله حراماً.
أو أوّل من أظهره بعد الطّوفان.
وقال القرطبيّ: معناه أنّ الله حرّم مكّة ابتداء من غير سبب ينسب لأحدٍ ولا لأحدٍ فيه مدخل , قال: ولأجل هذا أكّد المعنى بقوله " ولَم يحرّمها النّاس " والمراد بقوله " ولَم يحرّمها النّاس " أنّ تحريمها ثابت بالشّرع لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنّها من محرّمات الله فيجب امتثال ذلك، وليس من محرّمات النّاس يعني في الجاهليّة كما حرّموا أشياء من عند أنفسهم فلا يسوغ الاجتهاد في تركه.
وقيل: معناه أنّ حرمتها مستمرّة من أوّل الخلق، وليس ممّا اختصّت به شريعة النّبيّ ﷺ .
قوله: (ولَم يحرّمها النّاس) بالضّمّ. أي: أنّ تحريمها كان بوحيٍ من الله لا من اصطلاح النّاس.
قوله: (فلا يحلّ .. إلخ) فيه تنبيه على الامتثال لأنّ من آمن بالله لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه خوف الحساب عليه.
стр. 1858
وقد تعلَّق به مَن قال: إنّ الكفّار غير مخاطبين بفروع الشّريعة، والصّحيح عند الأكثر خلافه، وجوابهم: بأنّ المؤمن هو الذي ينقاد للأحكام , وينزجر عن المُحرمات فجعل الكلام معه. وليس فيه نفي ذلك عن غيره.
وقال ابن دقيق العيد: الذي أراه أنّه من خطاب التّهييج، نحو قوله تعالى (وعلى الله فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين) فالمعنى أنّ استحلال هذا المنهيّ عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر بل ينافيه، فهذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف، ولو قيل لا يحلّ لأحدٍ مطلقاً لَم يحصل منه هذا الغرض , وإن أفاد التّحريم.
قوله: (يسفك) بكسر الفاء. وحكي: ضمّها، وهو صبّ الدّم، والمراد به القتل.
واستدل به على تحريم القتل والقتال بمكّة، وسيأتي البحث في الكلام على حديث ابن عبّاس.
قوله: (ولا يعضد) بكسر الضّاد المعجمة وفتح الدّال. أي: يقطع بالمعضد , وهو آلة كالفأس.
قال ابن الجوزيّ: أصحاب الحديث يقولون " يعضد " بضمّ الضّاد، وقال لنا ابن الخشّاب: هو بكسرها، والمعضد بكسر أوّله الآلة التي يقطع بها.
قال الخليل: المعضد الممتهن من السّيوف في قطع الشّجر.
وقال الطّبريّ: أصله من عضد الرّجل إذا أصابه بسوءٍ في عضده.
стр. 1859
ووقع في رواية لعمر بن شبّة بلفظ " لا يخضد " بالخاء المعجمة بدل العين المهملة، وهو راجع إلى معناه , فإنّ أصل الخضد الكسر. ويستعمل في القطع.
قال القرطبيّ: خصّ الفقهاء الشّجر المنهيّ عن قطعه بما ينبته الله تعالى من غير صنع آدميّ، فأمّا ما ينبت بمعالجة آدميّ. فاختلف فيه.
والجمهور: على الجواز. وقال الشّافعيّ: في الجميع الجزاء، ورجّحه ابن قدامة.
واختلفوا في جزاء ما قطع من النّوع الأوّل.
فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثم. وقال عطاء: يستغفر.
وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي. وقال الشّافعيّ: في العظيمة بقرة وفيما دونها شاة.
واحتجّ الطّبريّ: بالقياس على جزاء الصّيد.
وتعقّبه ابن القصّار: بأنّه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المُحرم إذا قطع شيئاً من شجر الحلّ. ولا قائل به.
وقال ابن العربيّ: اتّفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلاَّ أنّ الشّافعيّ أجاز قطع السّواك من فروع الشّجرة، كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضاً أخذ الورق والثّمر إذا كان لا يضرّها ولا يهلكها. وبهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما، وأجازوا قطع الشّوك لكونه يؤذي بطبعه فأشبه الفواسق.
ومنعه الجمهور كما سيأتي في حديث ابن عبّاس بلفظ " ولا يعضد
стр. 1860
شوكه " وصحَّحه المتولي من الشّافعيّة.
وأجابوا: بأنّ القياس المذكور في مقابلة النّصّ. فلا يعتبر به، حتّى ولو لَم يرد النّصّ على تحريم الشّوك لكان في تحريم قطع الشّجر دليل على تحريم قطع الشّوك , لأنّ غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضاً فإنّ الفواسق المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشّجر.
قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقطع من الشّجر بغير صنع آدميّ, ولا بما يسقط من الورق نصّ عليه أحمد , ولا نعلم فيه خلافاً.
قوله: (فإنْ أحدٌ) هو فاعل بفعلٍ مضمر يفسّره ما بعده، وقوله " ترخّص " مشتقّ من الرّخصة، وفي رواية ابن أبي ذئب عند أحمد " فإن ترخّص مترخّص , فقال: أُحلِّت لرسول الله ﷺ ، فإنّ الله أحلَّها لي. ولَم يحلّها للنّاس ".
وفي مرسل عطاء بن يزيد عند سعيد بن منصور " فلا يستنّ بي أحدٌ , فيقول: قتل فيها رسول الله ﷺ ".
قوله: (وإنّما أذن لي) أي: الله، روي بضمّ الهمزة. وفي قوله " لي " التفات لأنّ نسق الكلام " وإنّما أذن له " أي: لرسوله.
قوله: (ساعة) أي: مقداراً من الزّمان، والمراد به يوم الفتح. ومقدارها ما بين طلوع الشّمس وصلاة العصر، ولفظ الحديث عند أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه , لَمّا فتحت مكّة قال: كفّوا السّلاح، إلاَّ خزاعة عن بني بكر. فأذن لهم حتّى صلَّى