← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

مكّة. قوله: (سَمِعتْه أُذناي ووعاه قلبي، وأبصرتْه عيناي) فيه إشارة إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه، فقوله " سمعته " أي: حملته عنه بغير واسطة، وذكر الأذنين للتّأكيد. وقوله " ووعاه قلبي " تحقيق لفهمه وتثبّته. وقوله " وأبصرته عيناي " زيادة في تحقيق ذلك , وأنّ سماعه منه ليس اعتماداً على الصّوت فقط بل مع المشاهدة. وقوله " حين تكلم به " أي: بالقول المذكور. ويؤخذ من قوله " ووعاه قلبي " أنّ العقل محلّه القلب. قوله: (إنّه حمد الله) هو بيان لقوله تكلم، ويؤخذ منه استحباب الثّناء بين يدي تعليم العلم وتبيين الأحكام والخطبة في الأمور المهمّة. وقد تقدّم من رواية ابن إسحاق أنّه قال فيها " أمّا بعد ". قوله: (إنّ مكّة حرّمها الله) أي: حكم بتحريمها وقضاه، وظاهره أنّ حكم الله تعالى في مكّة أن لا يقاتل أهلها ويؤمّن من استجار بها ولا يتعرّض له، وهو أحد أقوال المفسّرين في قوله تعالى (ومن دخله كان آمناً) وقوله (أولم يروا أنّا جعلنا حرماً آمناً) وسيأتي في حديث ابن عبّاس (١) بلفظ " هذا بلدٌ حرّمه الله يوم خلق السّماوات والأرض ". ولا معارضة بين هذا وبين قوله في البخاري من حديث أنس: إنّ

стр. 1857

إبراهيم حرّم مكّة , لأنّ المعنى أنّ إبراهيم حرّم مكّة بأمر الله تعالى لا باجتهاده. أو أنّ الله قضى يوم خلق السّماوات والأرض أنّ إبراهيم سيحرّم مكّة. أو المعنى أنّ إبراهيم أوّل من أظهر تحريمها بين النّاس، وكانت قبل ذلك عند الله حراماً. أو أوّل من أظهره بعد الطّوفان. وقال القرطبيّ: معناه أنّ الله حرّم مكّة ابتداء من غير سبب ينسب لأحدٍ ولا لأحدٍ فيه مدخل , قال: ولأجل هذا أكّد المعنى بقوله " ولَم يحرّمها النّاس " والمراد بقوله " ولَم يحرّمها النّاس " أنّ تحريمها ثابت بالشّرع لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنّها من محرّمات الله فيجب امتثال ذلك، وليس من محرّمات النّاس يعني في الجاهليّة كما حرّموا أشياء من عند أنفسهم فلا يسوغ الاجتهاد في تركه. وقيل: معناه أنّ حرمتها مستمرّة من أوّل الخلق، وليس ممّا اختصّت به شريعة النّبيّ ﷺ . قوله: (ولَم يحرّمها النّاس) بالضّمّ. أي: أنّ تحريمها كان بوحيٍ من الله لا من اصطلاح النّاس. قوله: (فلا يحلّ .. إلخ) فيه تنبيه على الامتثال لأنّ من آمن بالله لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه خوف الحساب عليه.

стр. 1858

وقد تعلَّق به مَن قال: إنّ الكفّار غير مخاطبين بفروع الشّريعة، والصّحيح عند الأكثر خلافه، وجوابهم: بأنّ المؤمن هو الذي ينقاد للأحكام , وينزجر عن المُحرمات فجعل الكلام معه. وليس فيه نفي ذلك عن غيره. وقال ابن دقيق العيد: الذي أراه أنّه من خطاب التّهييج، نحو قوله تعالى (وعلى الله فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين) فالمعنى أنّ استحلال هذا المنهيّ عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر بل ينافيه، فهذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف، ولو قيل لا يحلّ لأحدٍ مطلقاً لَم يحصل منه هذا الغرض , وإن أفاد التّحريم. قوله: (يسفك) بكسر الفاء. وحكي: ضمّها، وهو صبّ الدّم، والمراد به القتل. واستدل به على تحريم القتل والقتال بمكّة، وسيأتي البحث في الكلام على حديث ابن عبّاس. قوله: (ولا يعضد) بكسر الضّاد المعجمة وفتح الدّال. أي: يقطع بالمعضد , وهو آلة كالفأس. قال ابن الجوزيّ: أصحاب الحديث يقولون " يعضد " بضمّ الضّاد، وقال لنا ابن الخشّاب: هو بكسرها، والمعضد بكسر أوّله الآلة التي يقطع بها. قال الخليل: المعضد الممتهن من السّيوف في قطع الشّجر. وقال الطّبريّ: أصله من عضد الرّجل إذا أصابه بسوءٍ في عضده.

стр. 1859

ووقع في رواية لعمر بن شبّة بلفظ " لا يخضد " بالخاء المعجمة بدل العين المهملة، وهو راجع إلى معناه , فإنّ أصل الخضد الكسر. ويستعمل في القطع. قال القرطبيّ: خصّ الفقهاء الشّجر المنهيّ عن قطعه بما ينبته الله تعالى من غير صنع آدميّ، فأمّا ما ينبت بمعالجة آدميّ. فاختلف فيه. والجمهور: على الجواز. وقال الشّافعيّ: في الجميع الجزاء، ورجّحه ابن قدامة. واختلفوا في جزاء ما قطع من النّوع الأوّل. فقال مالك: لا جزاء فيه بل يأثم. وقال عطاء: يستغفر. وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي. وقال الشّافعيّ: في العظيمة بقرة وفيما دونها شاة. واحتجّ الطّبريّ: بالقياس على جزاء الصّيد. وتعقّبه ابن القصّار: بأنّه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المُحرم إذا قطع شيئاً من شجر الحلّ. ولا قائل به. وقال ابن العربيّ: اتّفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلاَّ أنّ الشّافعيّ أجاز قطع السّواك من فروع الشّجرة، كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضاً أخذ الورق والثّمر إذا كان لا يضرّها ولا يهلكها. وبهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما، وأجازوا قطع الشّوك لكونه يؤذي بطبعه فأشبه الفواسق. ومنعه الجمهور كما سيأتي في حديث ابن عبّاس بلفظ " ولا يعضد

стр. 1860

شوكه " وصحَّحه المتولي من الشّافعيّة. وأجابوا: بأنّ القياس المذكور في مقابلة النّصّ. فلا يعتبر به، حتّى ولو لَم يرد النّصّ على تحريم الشّوك لكان في تحريم قطع الشّجر دليل على تحريم قطع الشّوك , لأنّ غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضاً فإنّ الفواسق المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشّجر. قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقطع من الشّجر بغير صنع آدميّ, ولا بما يسقط من الورق نصّ عليه أحمد , ولا نعلم فيه خلافاً. قوله: (فإنْ أحدٌ) هو فاعل بفعلٍ مضمر يفسّره ما بعده، وقوله " ترخّص " مشتقّ من الرّخصة، وفي رواية ابن أبي ذئب عند أحمد " فإن ترخّص مترخّص , فقال: أُحلِّت لرسول الله ﷺ ، فإنّ الله أحلَّها لي. ولَم يحلّها للنّاس ". وفي مرسل عطاء بن يزيد عند سعيد بن منصور " فلا يستنّ بي أحدٌ , فيقول: قتل فيها رسول الله ﷺ ". قوله: (وإنّما أذن لي) أي: الله، روي بضمّ الهمزة. وفي قوله " لي " التفات لأنّ نسق الكلام " وإنّما أذن له " أي: لرسوله. قوله: (ساعة) أي: مقداراً من الزّمان، والمراد به يوم الفتح. ومقدارها ما بين طلوع الشّمس وصلاة العصر، ولفظ الحديث عند أحمد من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه , لَمّا فتحت مكّة قال: كفّوا السّلاح، إلاَّ خزاعة عن بني بكر. فأذن لهم حتّى صلَّى

стр. 1861

العصر، ثمّ قال: كفّوا السّلاح، فلقي رجلٌ من خزاعة رجلاً من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ , فقام خطيباً , فقال، ورأيته مسنداً ظهره إلى الكعبة .. فذكر الحديث. ويستفاد منه أنّ قتل من أذن النّبيّ ﷺ في قتلهم - كابن خطل - وقع في الوقت الذي أبيح للنّبيّ ﷺ فيه القتال، خلافاً لمن حمل قوله " ساعةً من النّهار " على ظاهره فاحتاج إلى الجواب عن قصّة ابن خطل، والمأذون له فيه القتال لا قطع الشّجر. قوله: (وقد عادت حرمتها) أي: الحكم الذي في مقابلة إباحة القتال المستفادة من لفظ الإذن. وقوله: (اليوم) المراد به الزّمن الحاضر، وقد بيّن غايته في رواية ابن أبي ذئب المذكورة بقوله " ثمّ هي حرام إلى يوم القيامة ". وكذا في حديث ابن عبّاس الآتي بقوله " فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ". قوله: (فليبلّغ الشّاهدُ الغائبَ) قال ابن جرير: فيه دليل على جواز قبول خبر الواحد، لأنّه معلوم أنّ كلّ من شهد الخطبة قد لزمه الإبلاغ، وأنّه لَم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلاَّ وهو لازم له فرض العمل بما أبلغه كالذي لزم السّامع سواء، وإلَّا لَم يكن للأمر بالتّبليغ فائدة. قوله: (فقيل لأبي شُريح) لَم أعرف اسم القائل، وظاهر رواية ابن إسحاق أنّه بعض قومه من خزاعة

стр. 1862

قوله: (ما قال عمرو؟) أي: في جوابك. قوله: (لا تعيذ) بضمّ المثنّاة أوّله وآخره ذال معجمة. أي: مكّة لا تعصم العاصي عن إقامة الحدّ عليه قوله: (ولا فارّاً) بالفاء والرّاء المشدّدة. أي: هارباً , والمراد من وجب عليه حدّ القتل فهرب إلى مكّة مستجيراً بالحرم، وهي مسألة خلاف بين العلماء، وأغرب عمرو بن سعيد في سياقه الحكم مساق الدّليل. وفي تخصيصه العموم بلا مستند. قوله: (بخربةٍ) بفتح المعجمة وإسكان الرّاء ثمّ موحّدة , وللبخاري " يعني السّرقة " كذا ثبت تفسيرها في رواية المستمليّ. وهي أحد ما قيل في تأويلها. وأصلها سرقة الإبل ثمّ استعملت في كلّ سرقة. وعن الخليل: الخربة الفساد في الإبل، وقيل: العيب، وقيل: بضمّ أوّله العورة , وقيل: الفساد، وبفتحه الفعلة الواحدة من الخرابة وهي السّرقة. وأشار ابن العربيّ إلى ضبطه بكسر أوّله وبالزّاي بدل الرّاء والتّحتانيّة بدل الموحّدة جعله من الخزي، والمعنى صحيح. لكن لا تساعد عليه الرّواية. وأغرب الكرمانيّ لَمّا حكى هذا الوجه: فأبدل الخاء المعجمة جيماً جعله من الجزية، وذكر الجزية وكذا الذّمّ بعد ذكر العصيان من الخاصّ بعد العامّ. وقد تشدّق عمرو في الجواب وأتى بكلامٍ ظاهره حقّ لكن أراد به

стр. 1863

الباطل، فإنّ الصّحابيّ أنكر عليه نصب الحرب على مكّة فأجابه بأنّها لا تمنع من إقامة القصاص، وهو صحيح. إلاَّ أنّ ابن الزّبير لَم يرتكب أمراً يجب عليه فيه شيء من ذلك. وقد وهِم من عدّ كلام عمرو بن سعيد هذا حديثاً. واحتجّ بما تضمّنه كلامه. قال ابن حزم: لا كرامة للطيم الشّيطان يكون أعلم من صاحب رسول الله ﷺ وأغرب ابن بطّال: فزعم أنّ سكوت أبي شُريح عن جواب عمرو بن سعيد دالٌّ على أنّه رجع إليه في التّفصيل المذكور. ويعكّر عليه ما وقع في رواية أحمد أنّه قال في آخره: قال أبو شُريح: فقلت لعمرٍو: قد كنتُ شاهداً وكنتَ غائباً. وقد أمرنا أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد بلّغتك. فهذا يشعر بأنّه لَم يوافقه، وإنّما ترك مشاققته لعجزه عنه لِمَا كان فيه من قوّة الشّوكة. وقال ابن بطّال أيضاً: ليس قول عمرو جواباً لأبي شُريح، لأنّه لَم يختلف معه في أنّ من أصاب حدّاً في غير الحرم ثمّ لجأ إليه أنّه يجوز إقامة الحدّ عليه في الحرم، فإنّ أبا شُريح أنكر بعث عمرو الجيش إلى مكّة , ونصب الحرب عليها فأحسن في استدلاله بالحديث، وحاد عمرو عن جوابه. وأجابه عن غير سؤاله. وتعقّبه الطّيبيّ: بأنّه لَم يحد في جوابه، وإنّما أجاب بما يقتضي القول بالموجب كأنّه قال له: صحّ سماعك وحفظك، لكنّ المعنى المراد من

стр. 1864

الحديث الذي ذكرته خلاف ما فهمته منه، فإنّ ذلك التّرخّص كان بسبب الفتح وليس، بسبب قتل من استحقّ القتل خارج الحرم ثمّ استجار بالحرم، والذي أنا فيه من القبيل الثّاني. قلت: لكنّها دعوى من عمرو بغير دليل، لأنّ ابن الزّبير لَم يجب عليه حدٌّ فعاذ بالحرم فراراً منه حتّى يصحّ جواب عمرو، نعم. كان عمرو يرى وجوب طاعة يزيد الذي استنابه، وكان يزيد أمر ابن الزّبير أن يبايع له بالخلافة ويحضر إليه في جامعة. يعني مغلولاً , فامتنع ابن الزّبير , وعاذ بالحرم. فكان يقال له بذلك عائذ الله، وكان عمرو يعتقد أنّه عاصٍ بامتناعه من امتثال أمر يزيد , ولهذا صدّر كلامه بقوله " إنّ الحرم لا يعيذ عاصياً " ثمّ ذكر بقيّة ما ذكر استطراداً، فهذه شبهة عمرو وهي واهية. وهذه المسألة التي وقع فيها الاختلاف بين أبي شُريح وعمرو فيها اختلاف بين العلماء أيضاً كما سيأتي في الكلام على حديث ابن عبّاس. وفي حديث أبي شُريح من الفوائد غير ما تقدّم. جواز إخبار المرء عن نفسه بما يقتضي ثقته وضبطه لِمَا سمعه ونحو ذلك، وإنكار العالم على الحاكم ما يغيّره من أمر الدّين والموعظة بلطفٍ وتدريج، والاقتصار في الإنكار على اللسان إذا لَم يستطع باليد، ووقوع التّأكيد في الكلام البليغ، وجواز المجادلة في الأمور الدّينيّة، وجواز النّسخ، وأنّ مسائل الاجتهاد لا يكون فيها مجتهد حجّة على مجتهد.

стр. 1865

وفيه الخروج عن عهدة التّبليغ والصّبر على المكاره لمن لا يستطيع بدّاً من ذلك، وتمسّك به مَن قال: إنّ مكّة فتحت عنوة. قال النّوويّ: تأوّل مَن قال فتحت صلحاً. بأنّ القتال كان جائزاً له لو فعله , لكن لَم يحتج إليه. وتعقّب: بأنّه خلاف الواقع. وسيأتي تسمية القاتل والمقتول في قصّة أبي شُريح في الكلام على حديث أبي هريرة (١). وفي الحديث شرف مكّة، وتقديم الحمد والثّناء على القول المقصود، وإثبات خصائص الرّسول ﷺ واستواء المسلمين معه في الحكم إلاَّ ما ثبت تخصيصه به، ووقوع النّسخ، وفضل أبي شُريح لاتّباعه أمر النّبيّ ﷺ بالتّبليغ عنه وغير ذلك.

стр. 1866

الحديث التاسع ٢٢٤ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكّة: لا هجرة بعد الفتح , ولكن جهادٌ ونيّةٌ. وإذا استنفرتم فانفروا , وقال يوم فتح مكّة: إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق الله السّموات والأرض. فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة , وإنّه لَم يحل القتال فيه لأحدٍ قبلي , ولَم يحل لي إلاَّ ساعةً من نهارٍ فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يُعضد شوكُه , ولا يُنفَّر صيُده , ولا يُلتقطُ لقطته إلاَّ من عرّفها. ولا يُختلَى خلاها. فقال العبّاس: يا رسولَ الله , إلاَّ الإذخر فإنّه لقينهم وبيوتهم. فقال: إلاَّ الإذخر (١). قال المصنِّف: القين: الحداد. قوله: (يوم فتح مكّة) هو ظرف للقول المذكور. قوله: (لا هجرة بعد الفتح) أي: فتح مكّة أو المراد ما هو أعمّ من ذلك إشارة إلى أنّ حكم غير مكّة في ذلك حكمها فلا تجب الهجرة من بلدٍ قد فتحه المسلمون. أمّا قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة: الأوّل: قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبةٌ.

стр. 1867

الثّاني: قادر , لكنّه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته. فمستحبّة لتكثير المسلمين بها ومعونتهم وجهاد الكفّار والأمن من غدرهم والرّاحة من رؤية المنكر بينهم. الثّالث: عاجز يعذر من أسرٍ أو مرضٍ أو غيره. فتجوز له الإقامة فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر قال الخطّابيّ وغيره: كانت الهجرة فرضاً في أوّل الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلمّا فتح الله مكّة دخل النّاس في دين الله أفواجاً فسقط فرض الهجرة إلى المدينة وبقي فرض الجهاد والنّيّة على من قام به أو نزل به عدوّ. انتهى. وكانت الحكمة أيضاً في وجوب الهجرة على من أسلم , ليسلم من أذى ذويه من الكفّار فإنّهم كانوا يعذّبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت (إنّ الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم , قالوا كنّا مستضعفين في الأرض، قالوا أَلَم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) الآية. وهذه الهجرة باقية الحكم في حقّ من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها، وقد روى النّسائيّ من طريق بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جدّه مرفوعاً: لا يقبل الله من مشرك عملاً بعدما أسلم أو يفارق المشركين. ولأبي داود من حديث سمرة مرفوعاً: أنا بريء من كلّ مسلم يقيم بين أظهر المشركين. وهذا محمول على من لَم يأمن على دينه.

стр. 1868

قوله: (ولكن جهاد ونيّة) المعنى أنّ وجوب الهجرة من مكّة انقطع بفتحها إذ صارت دار إسلام، ولكن بقي وجوب الجهاد على حاله عند الاحتياج إليه، وفسّره بقوله: (فإذا استنفرتم فانفروا) أي: إذا دعيتم إلى الغزو فأجيبوا. قال الطّيبيّ وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لِمَا قبله، والمعنى أنّ الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت إلاَّ أنّ المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نيّة صالحة كالفرار من دار الكفر والخروج في طلب العلم والفرار بالدّين من الفتن والنّيّة في جميع ذلك. انتهى وتضمّن الحديث بشارة من النّبيّ ﷺ بأنّ مكّة تستمرّ دار إسلام. وللنّاس في الجهاد حالان: إحداهما: في زمن النّبيّ ﷺ ، والأخرى: بعده. فأمّا الأولى: فأوّل ما شُرع الجهاد بعد الهجرة النّبويّة إلى المدينة اتّفاقاً. ثمّ بعد أن شرّع هل كان فرض عين أو كفاية؟. قولان مشهوران للعلماء. وهما في مذهب الشّافعيّ. وقال الماورديّ: كان عيناً على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيّده وجوب الهجرة قبل الفتح في حقّ كلّ من أسلم إلى المدينة لنصر الإسلام. وقال السّهيليّ: كان عيناً على الأنصار دون غيرهم، ويؤيّده مبايعتهم للنّبيّ ﷺ ليلة العقبة على أن يئووا رسول الله ﷺ وينصروه،

стр. 1869

فيخرج من قولهما أنّه كان عيناً على الطّائفتين كفاية في حقّ غيرهم، ومع ذلك فليس في حقّ الطّائفتين على التّعميم، بل في حقّ الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حقّ المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفّار ابتداء. ويؤيّد هذا ما وقع في قصّة بدر فيما ذكره ابن إسحاق، فإنّه كالصّريح في ذلك. وقيل: كان عيناً في الغزوة التي يخرج فيها النّبيّ ﷺ دون غيرها، والتّحقيق: أنّه كان عيناً على من عيّنه النّبيّ ﷺ في حقّه. ولو لَم يخرج. الحال الثّاني: بعده ﷺ فهو فرض كفاية على المشهور إلاَّ أن تدعو الحاجة إليه كأن يدهم العدوّ ويتعيّن على من عيّنه الإمام، ويتأدّى فرض الكفاية بفعله في السّنة مرّة عند الجمهور. ومن حجّتهم: أنّ الجزية تجب بدلاً عنه , ولا تجب في السّنة أكثر من مرّة اتّفاقاً فليكن بدلها كذلك. وقيل: يجب كلَّما أمكن. وهو قويّ. والذي يظهر أنّه استمرّ على ما كان عليه في زمن النّبيّ ﷺ إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد وانتشر الإسلام في أقطار الأرض , ثمّ صار إلى ما تقدّم ذكره، والتّحقيق أيضاً أنّ جنس جهاد الكفّار متعيّن على كلّ مسلم , إمّا بيده وإمّا بلسانه وإمّا بماله وإمّا بقلبه. والله أعلم. قوله: (وإذا استنفرتم فانفروا) قال النّوويّ: يريد أنّ الخبر الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنّيّة الصّالحة، وإذا

стр. 1870

أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصّالحة فاخرجوا إليه. وقال الطّيبيّ: قوله " ولكن جهاد " معطوف على محلّ مدخول " لا هجرة " أي: الهجرة من الوطن إمّا للفرار من الكفّار أو إلى الجهاد أو إلى غير ذلك كطلب العلم، فانقطعت الأولى وبقي الأخريان فاغتنموهما ولا تقاعدوا عنهما، بل إذا استنفرتم فانفروا. قلت: وليس الأمر في انقطاع الهجرة من الفرار من الكفّار على ما قال، وقد تقدّم تحرير ذلك. وقال ابن العربيّ: الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، كانت فرضاً في عهد النّبيّ ﷺ , واستمرّت بعده لمن خاف على نفسه، والتي انقطعت أصلاً هي القصد إلى النّبيّ ﷺ حيث كان. وفي الحديث بشارة بأنّ مكّة تبقى دار إسلام أبداً. وفيه وجوب تعيين الخروج في الغزو على من عيّنه الإمام، وأنّ الأعمال تعتبر بالنّيّات. تكملة: قال ابن أبي جمرة ما محصّله: إنّ هذا الحديث يمكن تنزيله على أحوال السّالك , لأنّه أوّلاً يؤمر بهجرةٍ مألوفه حتّى يحصل له الفتح، فإذا لَم يحصل له أمر بالجهاد وهو مجاهدة النّفس والشّيطان مع النّيّة الصّالحة في ذلك. قوله: (إنّ هذا بلد حرّمه الله) وللبخاري " وإذا استنفرتم فانفروا , فإن هذا بلد .. " الفاء جواب بشرطٍ محذوف تقديره: إذا علمتم

стр. 1871

ذلك فاعلموا أنّ هذا بلد حرام، وكأنّ وجه المناسبة أنّه لَمّا كان نصب القتال عليه حراماً كان التّنفير يقع منه لا إليه. ولَمَّا روى مسلم هذا الحديث عن إسحاق عن جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس. فَصَلَ الكلام الأوّل من الثّاني بقوله: وقال يوم الفتح: إنّ الله حرّم .. إلخ " فجعله حديثاً آخر مستقلاً، وهو مقتضى صنيع من اقتصر على الكلام الأوّل كعليّ بن المدينيّ عن جرير. كما في البخاري. قوله: (حرّمه الله) سبق مشروحاً في حديث أبي شُريح، ووقع في رواية غير الكشميهنيّ " حرّم الله " بحذف الهاء. قوله: (وهو حرام بحرمة الله) أي بتحريمه، وقيل: الحرمة الحقّ. أي: حرام بالحقّ المانع من تحليله. واستدلَّ به على تحريم القتل والقتال بالحرم. فأمّا القتل: فنقل بعضهم الاتّفاق على جواز إقامة حدّ القتل فيها على من أوقعه فيها، وخصّ الخلاف بمن قتل في الحلّ ثمّ لجأ إلى الحرم، وممّن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزيّ. واحتجّ بعضهم: بقتل ابن خطل بها، ولا حجّة فيه , لأنّ ذلك كان في الوقت الذي أحلت فيه للنّبيّ ﷺ كما تقدّم. وزعم ابن حزم: أنّ مقتضى قول ابن عمر وابن عبّاس وغيرهما أنّه لا يجوز القتل فيها مطلقاً، ونقل التّفصيل عن مجاهد وعطاء. وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم حتّى يخرج إلى الحلّ باختياره،

стр. 1872

لكن لا يجالس ولا يكلم، ويوعظ ويذكّر حتّى يخرج. وقال أبو يوسف: يخرج مضطرّاً إلى الحلّ، وفعله ابن الزّبير. وروى ابن أبي شيبة من طريق طاوسٍ عن ابن عبّاس " من أصاب حدّاً , ثمّ دخل الحرم , لَم يُجالس , ولَم يُبايع " وعن مالك والشّافعيّ: يجوز إقامة الحدّ مطلقاً فيها، لأنّ العاصي هتك حرمة نفسه فأبطل ما جعل الله له من الأمن. وأمّا القتال: فقال الماورديّ: من خصائص مكّة أن لا يحارب أهلها، فلو بغوا على أهل العدل. فإن أمكن ردّهم بغير قتال لَم يجز، وإن لَم يمكن إلاَّ بالقتال: القول الأول: قال الجمهور: يقاتلون , لأنّ قتال البغاة من حقوق الله تعالى فلا يجوز إضاعتها. القول الثاني: قال آخرون: لا يجوز قتالهم بل يضيّق عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطّاعة. قال النّوويّ: والأوّل نصّ عليه الشّافعيّ، وأجاب أصحابه عن الحديث: بحمله على تحريم نصب القتال بما يعمّ أذاه كالمنجنيق، بخلاف ما لو تحصّن الكفّار في بلد فإنّه يجوز قتالهم على كلّ وجه. وعن الشّافعيّ قول آخر بالتّحريم. اختاره القفّال وجزم به في " شرح التّلخيص " , وقال به جماعة من علماء الشّافعيّة والمالكيّة. قال الطّبريّ: من أتى حدّاً في الحلّ واستجار بالحرم فللإمام إلجاؤه إلى الخروج منه، وليس للإمام أن ينصب عليه الحرب بل يحاصره

стр. 1873

ويضيّق عليه حتّى يذعن للطّاعة، لقوله ﷺ : وإنّما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس. فعلم أنّها لا تحلّ لأحدٍ بعده بالمعنى الذي حلت له به وهو محاربة أهلها والقتل فيها. ومال ابن العربيّ إلى هذا. وقال ابن المنير: قد أكّد النّبيّ التّحريم بقوله " حرّمه الله " ثمّ قال " فهو حرام بحرمة الله " ثمّ قال " ولَم تحلّ لي إلاَّ ساعة من نهار " وكان إذا أراد التّأكيد ذكر الشّيء ثلاثاً. قال: فهذا نصّ لا يحتمل التّأويل. وقال القرطبيّ: ظاهر الحديث يقتضي تخصيصه ﷺ بالقتال لاعتذاره عمّا أبيح له من ذلك مع أنّ أهل مكّة كانوا إذ ذاك مستحقّين للقتال والقتل لصدّهم عن المسجد الحرام وإخراجهم أهله منه وكفرهم، وهذا الذي فهمه أبو شُريح كما تقدّم، وقال به غير واحد من أهل العلم. وقال ابن دقيق العيد: يتأكّد القول بالتّحريم بأنّ الحديث دالٌّ على أنّ المأذون للنّبيّ ﷺ فيه لَم يؤذن لغيره فيه، والذي وقع له إنّما هو مطلق القتال لا القتال الخاصّ بما يعمّ كالمنجنيق فكيف يسوغ التّأويل المذكور؟ وأيضاً فسياق الحديث يدلّ على أنّ التّحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم سفك الدّماء فيها، وذلك لا يختصّ بما يستأصل. واستدل به على اشتراط الإحرام على من دخل الحرم. قال القرطبيّ: معنى قوله " حرّمه الله ". أي: يحرم على غير المُحرم

стр. 1874

دخوله حتّى يحرم، ويجري هذا مجرى قوله تعالى (حرّمت عليكم أمّهاتكم) أي: وطؤهنّ، و (حرّمت عليكم الميّتة) أي: أكلها، فعرف الاستعمال يدلّ على تعيين المحذوف. قال: وقد دلَّ على صحّة هذا المعنى اعتذاره عن دخوله مكّة غير محرم مقاتلاً بقوله " لَم تحلّ لي إلاَّ ساعة من نهار " الحديث. قال: وبهذا أخذ مالك والشّافعيّ في أحد قوليهما ومن تبعهما في ذلك , فقالوا: لا يجوز لأحدٍ أن يدخل مكّة إلاَّ محرماً، إلاَّ إذا كان ممّن يكثر التّكرار. قلت: وتقدّم القول في ذلك (١). قوله: (وإنّه لَم يَحلّ القتال) الهاء في " أنّه " ضمير الشّأن، وللبخاري " لا يحل " وهي أشبه لقوله قبلي. وللبخاري من طريق خالد الطحان عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ " فلم تحل لأحد قبلي , ولا تحل لأحد بعدي " ومثله لأحمد من طريق وهيب عن خالد. قال ابن بطّال: المراد بقوله " ولا تحلّ لأحدٍ بعدي " الإخبار عن الحكم في ذلك لا الإخبار بما سيقع لوقوع خلاف ذلك في الشّاهد كما وقع من الحجّاج وغيره. انتهى ومحصّله أنّه خبر بمعنى النّهي، بخلاف قوله " فلم تحلّ لأحدٍ قبلي

стр. 1875

" فإنّه خبر محض، أو معنى قوله " ولا تحلّ لأحدٍ بعدي " أي: لا يحلّها الله بعدي، لأنّ النّسخ ينقطع بعده لكونه خاتم النّبيّين. قوله: (لا يعضد شوكه) تقدّم البحث فيه في حديث أبي شُريح. قوله: (ولا ينفّر صيده) بضمّ أوّله وتشديد الفاء المفتوحة. قيل: هو كناية عن الاصطياد. وقيل: هو على ظاهره , فأخرج البخاري عن خالد عن عكرمة، قال: هل تدري ما لا ينفر صيدها؟ هو أن ينحيه من الظل ينزل مكانه. قيل: نبّه عكرمة بذلك على المنع من الإتلاف وسائر أنواع الأذى. تنبيهاً بالأدنى على الأعلى. وقد خالف عكرمةَ عطاءٌ ومجاهدٌ , فقالا: لا بأس بطرده ما لَم يفض إلى قتله. أخرجه ابن أبي شيبة. وروى ابن أبي شيبة أيضاً من طريق الحكم عن شيخٍ من أهل مكّة , أنّ حَمَامَاً كان على البيت فذَرَقَ على يد عمر، فأشار عمر بيده فطار فوقع على بعض بيوت مكّة، فجاءت حيّة فأكلته، فحكم عمرُ على نفسه بشاةٍ. وروي من طريق أخرى عن عثمان نحوه. قال النّوويّ: يحرم التّنفير - وهو الإزعاج - عن موضعه، فإن نفّره عصى سواء تلف أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن وإلا فلا. قال العلماء: يستفاد من النّهي عن التّنفير تحريم الإتلاف بالأولى. قوله: (ولا يُلتقط لُقطته إلاَّ من عرّفها) وللبخاري " ولا تحلّ

стр. 1876

لقطتها إلاَّ لمنشد " وفي رواية لهما عن أبي هريرة " ولا تحلّ ساقتها إلاَّ لمنشد " أي: معرّفٍ. وأمّا الطّالب فيقال له النّاشد، تقول: نشدت الضّالة إذا طلبتها وأنشدتها إذا عرّفتها. وأصل الإنشاد والنّشيد رفع الصّوت، والمعنى لا تحلّ لقطتها إلاَّ لمن يريد أن يعرّفها فقط، فأمّا من أراد أن يعرّفها ثمّ يتملكها فلا. واستدل بحديثي ابن عبّاس وأبي هريرة (١) , على أنّ لقطة مكّة لا تلتقط للتّمليك بل للتّعريف خاصّةً , وهو قول الجمهور. وإنّما اختصّت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربّها، لأنّها إن كانت للمكّيّ فظاهر، وإن كانت للآفاقيّ فلا يخلو أفق غالباً من واردٍ إليها، فإذا عرّفها واجدها في كل عامٍ سهل التّوصّل إلى معرفة صاحبها، قاله ابن بطّال. وقال أكثر المالكيّة وبعض الشّافعيّة: هي كغيرها من البلاد، وإنّما تختصّ مكّة بالمبالغة في التّعريف , لأنّ الحاجّ يرجع إلى بلده وقد لا يعود , فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التّعريف. واحتجّ ابن المنير لمذهبه بظاهر الاستثناء، لأنّه نفى الحل واستثنى المنشد فدلَّ على أنّ الحل ثابت للمنشد لأنّ الاستثناء من النّفي إثبات، قال: ويلزم على هذا أنّ مكّة وغيرها سواء، والقياس يقتضي تخصيصها. والجواب: أنّ التّخصيص إذا وافق الغالب لَم يكن له مفهوم،

стр. 1877

والغالب أنّ لقطة مكّة ييأس ملتقطها من صاحبها، وصاحبها من وجدانها لتفرّق الخلق إلى الآفاق البعيدة، فربّما داخل الملتقط الطّمع في تملّكها من أوّل وهلةٍ فلا يعرّفها , فنهى الشّارع عن ذلك وأمر أن لا يأخذها إلاَّ من عرّفها، وفارقت في ذلك لقطة العسكر ببلاد الحرب بعد تفرّقهم فإنّها لا تعرّف في غيرهم باتّفاق، بخلاف لقطة مكّة فيشرع تعريفها لإمكان عود أهل أفق صاحب اللّقطة إلى مكّة فيحصل متوصّل إلى معرفة صاحبها. وقال إسحاق بن راهويه: قوله: " إلاَّ لمنشد " أي: لمن سمع ناشداً يقول: مَن رأى لي كذا؟ فحينئذ يجوز لواجد اللّقطة أن يعرّفها ليردّها على صاحبها. وهو أضيق من قول الجمهور , لأنّه قيّده بحالةٍ للمعرّف دون حالة. وقيل: المراد بالمنشد الطّالب. حكاه أبو عبيد , وتعقّبه: بأنّه لا يجوز في اللّغة تسمية الطّالب منشداً. قلت: ويكفي في ردّ ذلك قوله في حديث ابن عبّاس " لا يلتقط لقطتها إلاَّ معرّف " والحديث يفسّر بعضه بعضاً، وكأنّ هذا هو النّكتة في تصدير البخاريّ الباب بحديث ابن عبّاس. وأمّا اللّغة فقد أثبت الحربيُّ جوازَ تسمية الطّالب منشداً, وحكاه عياض أيضاً. واستُدل به على أنّ لقطة عرَفَة والمدينة النّبويّة كسائر البلاد لاختصاص مكّة بذلك.

стр. 1878

وحكى الماورديّ في " الحاوي " وجهاً في عرفة , أنّها تلتحق بحكم مكّة , لأنّها تجمع الحاجّ كمكّة ولَم يرجّح شيئاً. وليس الوجه المذكور في " الرّوضة " ولا أصلها. واستُدل به على جواز تعريف الضّالة في المسجد الحرام بخلاف غيره من المساجد، وهو أصحّ الوجهين عند الشّافعيّة. والله أعلم. قوله: (ولا يُختلى خلاها) بالخاء المعجمة، والخلا مقصور، وذكر ابن التّين , أنّه وقع في رواية القابسيّ بالمدّ وهو الرّطب من النّبات , واختلاؤه قطعه واحتشاشه. واستدل به. وهو القول الأول: على تحريم رعيه لكونه أشدّ من الاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيّون واختاره الطّبريّ. القول الثاني: قال الشّافعيّ: لا بأس بالرّعي لمصلحة البهائم وهو عمل النّاس، بخلاف الاحتشاش فإنّه المنهيّ عنه فلا يتعدّى ذلك إلى غيره. وفي تخصيص التّحريم بالرّطب إشارة إلى جواز رعي اليابس واختلائه، وهو أصحّ الوجهين للشّافعيّة , لأنّ النّبت اليابس كالصّيد الميّت. قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدلّ عليه أنّ في بعض طرق حديث أبى هريرة " ولا

стр. 1879

يحتشّ حشيشها " (١). قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته النّاس في الحرم من بقل وزرع ومشموم. فلا بأس برعيه واختلائه. قوله: (فقال العبّاس) أي: ابن عبد المطّلب كما وقع مبيّناً في البخاري من وجه آخر. قوله: (إلاَّ الإذخر) يجوز فيه الرّفع والنّصب، أمّا الرّفع فعلى البدل ممّا قبله، وأمّا النّصب فلكونه استثناء واقعاً بعد النّفي. وقال ابن مالك: المختار النّصب لكون الاستثناء وقع متراخياً عن المستثنى منه فبعدت المشاكلة بالبدليّة، ولكون الاستثناء أيضاً عرض في آخر الكلام ولَم يكن مقصوداً. والإذخر: نبت معروف عند أهل مكّة طيّب الرّيح له أصل مندفن وقضبان دقاق ينبت في السّهل والحزن، وبالمغرب صنف منه. فيما قاله ابن البيطار، قال: والذي بمكّة أجوده، وأهل مكّة يسقفون به البيوت بين الخشب , ويسدّون به الخلل بين اللبنات في القبور , ويستعملونه بدلاً من الحلفاء في الوقود، ولهذا قال العبّاس " فإنّه لقينهم " وهو بفتح القاف وسكون التّحتانيّة بعدها نون. أي الحدّاد.

стр. 1880

وقال الطّبريّ: القين عند العرب كلّ ذي صناعة يعالجها بنفسه، ووقع في رواية البخاري " فإنّه لا بدّ منه للقين والبيوت ". قال ابن دريدٍ: أصل القين الحدّاد ثمّ صار كلّ صائغٍ عند العرب قيناً. وقال الزّجّاج: القين الذي يصلح الأسنّة، والقين أيضاً الحدّاد. وقال الخليل: التّقيين التّزيين، ومنه سُمِّيت المغنّية قينةً , لأنّ من شأنها الزّينة. وفي رواية للبخاري أيضاً " فإنّه لصاغتنا وقبورنا " ووقع في مرسل مجاهد عند عمر بن شبّة الجمع بين الثّلاثة، ووقع عنده أيضاً " فقال العبّاس: يا رسولَ الله، إنّ أهل مكّة لا صبر لهم عن الإذخر لقينهم وبيوتهم " وهذا يدلّ على أنّ الاستثناء في حديث الباب لَم يرد به أن يستثني هو. وإنّما أراد به أن يلقّنّ النّبيّ ﷺ الاستثناء. وقوله ﷺ في جوابه " إلاَّ الإذخر " هو استثناء بعض من كلّ لدخول الإذخر في عموم ما يختلى. واستدل به على جواز النّسخ قبل الفعل , وليس بواضحٍ. وعلى جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، ومذهب الجمهور اشتراط الاتّصال إمّا لفظاً. وإمّا حكماً لجواز الفصل بالتّنفّس مثلاً. وقد اشتهر عن ابن عبّاس الجواز مطلقاً، ويمكن أن يحتجّ له بظاهر هذه القصّة. وأجابوا عن ذلك: بأنّ هذا الاستثناء في حكم المتّصل لاحتمال أن

стр. 1881

يكون ﷺ أراد أن يقول إلاَّ الإذخر فشغله العبّاس بكلامه فوصل كلامه بكلام نفسه , فقال: إلاَّ الإذخر. وقد قال ابن مالك: يجوز الفصل مع إضمار الاستثناء متّصلاً بالمستثنى منه. واختلفوا هل كان قوله ﷺ " إلاَّ الإذخر " باجتهادٍ أو وحي؟. قيل: كأن الله فوّض له الحكم في هذه المسألة مطلقاً. وقيل: أوحى إليه قبل ذلك أنّه إن طلب أحدٌ استثناء شيء من ذلك فأجب سؤاله. وقال الطّبريّ: ساغ للعبّاس أن يستثني الإذخر , لأنّه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكّة تحريم القتال دون ما ذكر من تحريم الاختلاء , فإنّه من تحريم الرّسول ﷺ باجتهاده. فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر، وهذا مبنيّ على أنّ الرّسول ﷺ كان له أن يجتهد في الأحكام. وليس ما قاله بلازمٍ , بل في تقريره ﷺ للعبّاس على ذلك. دليل على جواز تخصيص العامّ. وحكى ابن بطّال عن المُهلَّب: أنّ الاستثناء هنا للضّرورة كتحليل أكل الميتة عند الضّرورة، وقد بيّن العبّاس ذلك. بأنّ الإذخر لا غنى لأهل مكّة عنه. وتعقّبه ابن المنير: بأنّ الذي يباح للضّرورة يشترط حصولها فيه، فلو كان الإذخر مثل الميتة لامتنع استعماله إلاَّ فيمن تحقّقت ضرورته

стр. 1882

إليه، والإجماع على أنّه مباح مطلقاً بغير قيد الضّرورة. انتهى. ويحتمل: أن يكون مراد المُهلَّب بأنّ أصل إباحته كانت للضّرورة وسببها، لا أنّه يريد أنّه مقيّد بها. قال ابن المنير: والحقّ أنّ سؤال العبّاس كان على معنى الضّراعة، وترخيص النّبيّ ﷺ كان تبليغاً عن الله إمّا بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن ادّعى أنّ نزول الوحي يحتاج إلى أمد متّسع فقد وهم. وفي الحديث بيان خصوصيّة النّبيّ ﷺ بما ذكر في الحديث، وجواز مراجعة العالم في المصالح الشّرعيّة، والمبادرة إلى ذلك في المَجَامع والمشاهد، وعظيم منزلة العبّاس عند النّبيّ ﷺ ، وعنايته بأمر مكّة لكونه كان بها أصله ومنشؤه. وفيه رفع وجوب الهجرة عن مكّة إلى المدينة، وإبقاء حكمها من بلاد الكفر إلى يوم القيامة، وأنّ الجهاد يشترط أن يقصد به الإخلاص ووجوب النّفير مع الأئمّة. تكميل: في رواية للبخاري " لصاغتنا وقبورنا " بوّب عليه في البيوع " باب ما قيل في الصوّاغ " بفتح أوّله على الإفراد وبضمّه على الجمع , يقال صائغٌ وصوّاغٌ بالتّحتانيّة. وأصله عمل الصّياغة. قال ابن المنيّر: فائدة التّرجمة لهذه الصّياغة وما بعدها التّنبيه على أنّ ذلك كان في زمنه ﷺ وأقرّه مع العلم به , فيكون كالنّصّ على جوازه , وما عداه يؤخذ بالقياس. وللبخاري عن عليٍ قال: واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع.

стр. 1883

وهم رهطٌ من اليهود، فيؤخذ منه جواز معاملة الصّائغ ولو كان غير مسلم، ويؤخذ منه أنّه لا يلزم من دخول الفساد في صنعةٍ أن تترك معاملة صاحبها ولو تعاطاها أراذل النّاس مثلاً. ولعل البخاري أشار إلى حديث " أكذب النّاس الصّبّاغون والصّوّاغون " وهو حديثٌ مضطرب الإسناد أخرجه أحمد وغيره.

стр. 1884

باب ما يجوز قتله الحديث العاشر ٢٢٥ - عن عائشة ﵂ , أنّ رسول الله ﷺ قال: خمسٌ من الدّوابّ كلّهنّ فاسقٌ , يقتلن في الحرم: الغراب , والحِدَأة , والعقرب , والفأرة , والكلب العقور. (١) ولمسلمٍ: يُقتل خمسٌ فواسق في الحل والحرم. (٢) قوله: (خمس) التّقييد بالخمس. وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك لكنّه مفهوم عدد، وليس بحجّةٍ عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله ﷺ أوّلاً , ثمّ بيّن بعد ذلك أنّ غير الخمس يشترك معها في الحكم. فقد ورد في بعض طرق عائشة بلفظ " أربع " وفي بعض طرقها بلفظ " ستّ ". فأمّا طريق أربع. فأخرجها مسلم من طريق القاسم عنها. فأسقط العقرب. وأمّا طريق ستّ. فأخرجها أبو عوانة في " المستخرج " من طريق

стр. 1885

المحاربيّ عن هشام عن أبيه عنها. فأثبتها: وزاد الحيّة. ويشهد لها طريق شيبان عن أبي عوانة عن زيد بن جبير عند مسلم (١) فزاد فيه أشياء. ولفظه: سأل رجل ابن عمر ما يقتل الرّجل من الدّوابّ وهو محرم؟ فقال: حدّثتني إحدى نسوة النّبيّ ﷺ , أنّه كان يأمر بقتل الكلب العقور والفأرة والعقرب والحدأة والغراب والحيّة , قال: وفي الصّلاة أيضاً. فلم يقل في أوّله خمساً. وزاد الحيّة، وزاد في آخره ذكر الصّلاة لينبّه بذلك على جواز قتل المذكورات في جميع الأحوال. ولَم أر هذه الزّيادة (٢) في غير هذه الطّريق. فقد أخرجه مسلم من طريق زهير بن معاوية والإسماعيليّ من طريق إسرائيل كلاهما عن زيد بن جبير بدونها. وأغرب عياض فقال: وفي غير كتاب مسلم ذكر الأفعى. فصارت

стр. 1886

سبعاً. وتعقّب: بأنّ الأفعى داخلة في مسمّى الحيّة. والحديث الذي ذُكِرت فيه أخرجه أبو عوانة في " المستخرج " من طريق ابن عون عن نافع في آخر حديث الباب (١) قال: قلت لنافعٍ: فالأفعى؟ قال: ومن يشكّ في الأفعى؟. وقد وقع في حديث أبي سعيد عند أبي داود نحو رواية شيبان وزاد " السّبع العادي " فصارت سبعاً. وفي حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة وابن المنذر زيادة ذكر الذّئب والنّمر على الخمس المشهورة. فتصير بهذا الاعتبار تسعاً. لكن أفاد ابن خزيمة عن الذّهليّ , أنّ ذكر الذّئب والنّمر من تفسير الرّاوي للكلب العقور. ووقع ذكر الذّئب في حديث مرسل أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود من طريق سعيد بن المسيّب عن النّبيّ ﷺ قال: يقتل المُحرم الحيّة والذّئب. ورجاله ثقات. وأخرج أحمد من طريق حجّاج بن أرطاة عن وبرة عن ابن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الذّئب للمحرم. وحجّاج ضعيف. وخالفه مسعر عن وبرة فرواه موقوفاً أخرجه ابن أبي شيبة.

стр. 1887

فهذا جميع ما وقفت عليه في الأحاديث المرفوعة زيادة على الخمس المشهورة، ولا يخلو شيء من ذلك من مقال، والله أعلم قوله: (من الدّوابّ) بتشديد الموحّدة، جمع دابّة وهو ما دبّ من الحيوان. وقد أخرج بعضهم منها الطّير لقوله تعالى (وما من دابّةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه) الآية. وهذا الحديث يردّ عليه، فإنّه ذكر في الدّوابّ الخمس الغراب والحدأة. ويدلّ على دخول الطّير أيضاً عموم قوله تعالى (وما من دابّةٍ في الأرض إلاَّ على الله رزقها)؛ وقوله تعالى (وكأيّن من دابّةٍ لا تحمل رزقها) الآية. وفي حديث أبي هريرة عند مسلم في صفة بدء الخلق " وخلق الدّوابّ يوم الخميس " ولَم يفرد الطّير بذكرٍ. وقد تصرّف أهل العرف في الدّابّة، فمنهم: من يخصّها بالحمار، ومنهم: من يخصّها بالفرس، وفائدة ذلك تظهر في الحلف. قوله: (كلّهنّ فاسق , يقتلن) قيل: فاسق صفة لكلّ، وفي يقتلن ضمير راجع إلى معنى كلّ. ووقع في رواية مسلم " كلّها فواسق " وفي رواية معمر عن الزهري عند الشيخين " خمس فواسق ". قال النّوويّ: هو بإضافة خمس لا بتنوينه، وجوّز ابن دقيق العيد الوجهين. وأشار إلى ترجيح الثّاني فإنّه قال: رواية الإضافة تشعر بالتّخصيص فيخالفها غيرها في الحكم من

стр. 1888

طريق المفهوم، ورواية التّنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى. فيشعر بأنّ الحكم المرتّب على ذلك وهو القتل معلل بما جعل وصفاً وهو الفسق فيدخل فيه كلّ فاسق من الدّوابّ، ويؤيّده رواية الباب " كلّهن فاسق ". قال النّوويّ وغيره: تسمية هذه الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية في وفق اللّغة، فإنّ أصل الفسق لغة الخروج، ومنه فسقت الرّطبة إذا خرجت عن قشرها. وقوله تعالى (ففسق عن أمر ربّه). أي: خرج، وسُمّي الرّجل فاسقاً لخروجه عن طاعة ربّه، فهو خروج مخصوص. وزعم ابن الأعرابيّ: أنّه لا يعرف في كلام الجاهليّة ولا شعرهم فاسق، يعني بالمعنى الشّرعيّ. وأمّا المعنى في وصف الدّوابّ المذكورة بالفسق. فقيل: لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله. وقيل: في حلّ أكله لقوله تعالى (أو فسقاً أهل لغير الله به). وقوله: (ولا تأكلوا ممّا لَم يذكر اسم الله عليه وإنّه لفسقٌ). وقيل: لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع. ومن ثَمَّ اختلف أهل الفتوى: فمَن قال بالأوّل. ألحق بالخمس كلّ ما جاز قتله للحلال في الحرم وفي الحلّ.

стр. 1889

ومَن قال بالثّاني. ألحق ما لا يؤكل إلاَّ ما نهي عن قتله وهذا قد يجامع الأوّل. ومَن قال بالثّالث. يخصّ الإلحاق بما يحصل منه الإفساد. ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن ماجه: قيل له: لِمَ قيل للفأرة فويسقة؟ فقال: لأنّ النّبيّ ﷺ استيقظ لها وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت. فهذا يومئ إلى أنّ سبب تسمية الخمس بذلك لكون فعلها يشبه فعل الفسّاق، وهو يرجّح القول الأخير، والله أعلم. قوله: (يُقتلن في الحرم) ولهما في رواية نافع عن ابن عمر بلفظ " ليس على المُحرم في قتلهنّ جناح " وعرف بذلك أن لا إثم في قتلها على المُحرم ولا في الحرم، ويؤخذ منه جواز ذلك للحلال، وفي الحلّ من باب الأولى. وقد وقع ذكر الحلّ صريحاً عند مسلم من طريق معمر عن الزّهريّ عن عروة بلفظ " يقتلن في الحلّ والحرم " ويعرف حكم الحلال بكونه لَم يقم به مانع وهو الإحرام فهو بالجواز أولى. ثمّ إنّه ليس في نفي الجناح وكذا الحرج في طريق سالم (١) دلالة على أرجحيّة الفعل على التّرك، لكن ورد في طريق زيد بن جبير عند مسلم بلفظ " أمر " وكذا في طريق معمر، ولأبي عوانة من طريق ابن

стр. 1890

نمير عن هشام عن أبيه بلفظ " ليقتل المُحرم ". وظاهر الأمر الوجوب. ويحتمل: النّدب والإباحة. وروى البزّار من طريق أبي رافع قال: بينا رسول الله ﷺ في صلاته إذ ضرب شيئاً، فإذا هي عقرب فقتلها، وأمر بقتل العقرب والحيّة والفأرة والحدأة للمحرم. لكنّ هذا الأمر ورد بعد الحظر لعموم نَهي المُحرم عن القتل فلا يكون للوجوب ولا للنّدب. ويؤيّد ذلك رواية الليث عن نافع بلفظ " أذن " أخرجه مسلم والنّسائيّ عن قتيبة، لكن لَم يسق مسلم لفظه. وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره " خمس قتلهنّ حلال للمحرم ". قوله: (الغراب) زاد في رواية سعيد بن المسيّب عن عائشة عند مسلم " الأبقع " وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث. كما حكاه ابن المنذر وغيره. ثمّ وجدت ابن خزيمة قد صرّح باختياره، وهو قضيّة حمل المطلق على المقيّد. وأجاب ابن بطّال: بأنّ هذه الزّيادة لا تصحّ لأنّها من رواية قتادة عن سعيد، وهو مدلس وقد شذّ بذلك. وقال ابن عبد البرّ: لا تثبت هذه الزّيادة. وقال ابن قدامة: الرّوايات المطلقة أصحّ. وفي جميع هذا التّعليل نظر. أولاً: أمّا دعوى التّدليس. فمردودة بأنّ شعبة لا يروي عن

стр. 1891

شيوخه المدلسين إلاَّ ما هو مسموع لهم وهذا من رواية شعبة، بل صرّح النّسائيّ في روايته من طريق النّضر بن شميلٍ عن شعبة بسماع قتادة. ثانياً: وأمّا نفي الثّبوت. فمردود بإخراج مسلم. ثالثاً: وأمّا التّرجيح. فليس من شرط قبول الزّيادة , بل الزّيادة مقبولة من الثّقة الحافظ , وهو كذلك هنا. نعم قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل. وقد اتّفق العلماء على إخراج الغراب الصّغير الذي يأكل الحبّ من ذلك , ويقال له غراب الزّرع , ويقال له الزّاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملتحقاً بالأبقع. ومنها الغداف على الصّحيح في " الرّوضة " بخلاف تصحيح الرّافعيّ، وسَمّى ابن قدامة الغداف غراب البين، والمعروف عند أهل اللّغة أنّه الأبقع. قيل: سُمِّي غراب البين , لأنّه بان عن نوح لَمّا أرسله من السّفينة ليكشف خبر الأرض، فلقي جيفة فوقع عليها ولَم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهليّة يتشاءمون به فكانوا إذا نَعَبَ (١) مرّتين. قالوا: آذن بشرٍّ، وإذا نعب ثلاثاً. قالوا: آذن بخيرٍ، فأبطل الإسلام ذلك. وكان ابن عبّاس إذا سمع الغراب. قال: اللهمّ لا طير إلاَّ طيرك

стр. 1892

ولا خير إلاَّ خيرك ولا إله غيرك. (١) وقال صاحب الهداية: المراد بالغراب في الحديث الغداف والأبقع , لأنّهما يأكلان الجيف، وأمّا غراب الزّرع فلا. وكذا استثناه ابن قدامة، وما أظنّ فيه خلافاً، وعليه يُحمل ما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود - إن صحّ - حيث قال فيه: ويرمي الغراب ولا يقتله. وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن عليّ ومجاهد. قال ابن المنذر: أباح كلّ من يحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام إلاَّ ما جاء عن عطاء قال في مُحرم كسر قرن غراب , فقال: إن أدماه فعليه الجزاء. وقال الخطّابيّ: لَم يتابع أحدٌ عطاءً على هذا، انتهى. ويحتمل: أن يكون مراده غراب الزّرع. وعند المالكيّة اختلاف آخر في الغراب والحدأة هل يتقيّد جواز

стр. 1893

قتلهما بأن يبتدئا بالأذى، وهل يختصّ ذلك بكبارها؟.والمشهور عنهم - كما قال ابن شاسٍ - لا فرق , وفاقاً للجمهور. ومن أنواع الغربان الأعصم، وهو الذي في رجليه أو في جناحيه أو بطنه بياض أو حمرة، وله ذكر في قصّة حفر عبد المطّلب لزمزم، وحكمه حكم الأبقع. ومنها العقعق. وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل: سُمِّي بذلك , لأنّه يعقّ فراخه فيتركها بلا طعم، وبهذا ظهر أنّه نوع من الغربان، والعرب تتشاءم به أيضاً. ووقع في فتاوى قاضي خان الحنفيّ: من خرج لسفرٍ فسمع صوت العقعق فرجع كفر، وحكمه حكم الأبقع على الصّحيح، وقيل: حكم غراب الزّرع. وقال أحمد: إن أكل الجيف وإلا فلا بأس به. قوله: (والحِدَأة) بالكسر وفتح الدال بعدها همزة طير معروف. بزيادة هاء. بلفظ الواحدة وليست للتّأنيث , بل هي كالهاء في التّمرة. وللبخاري " الحِدأ " بكسر أوّله وفتح ثانيه بعدها همزة بغير مدّ. وحكى صاحب " المحكم " المدّ فيه ندوراً، وحكى الأزهريّ فيها " حدوة " بواوٍ بدل الهمزة. وفي رواية للبخاري بلفظ " الحُديّا " بضمّ أوّله وتشديد التّحتانيّة مقصور، ومثله لمسلمٍ في رواية هشام بن عروة عن أبيه , وقيل: هي لغة حجازيّة، وغيرهم يقول " حديّة ".

стр. 1894

وقد أنكر ثابتٌ في " الدّلائل " (١) هذه الصّيغة , وقال: الصّواب الحديأة أو الحدّيّة. أي: بهمزةٍ وزيادة هاء , أو بالتّشديد بغير همز. قال: والصّواب أنّ الحديأة ليس من هذا، وإنّما هو من التّحدّي يقولون: فلان يتحدّى فلاناً. أي: ينازعه ويغالبه. وعن أبي حاتم: أهل الحجاز يقولون لهذا الطّائر الحديّا , ويجمعونه الحداديّ، وكلاهما خطأ. وأمّا الأزهريّ فصوّبه , وقال: الحديأة تصغير الحديّ، ومن خواصّ الحدأة أنّها تقف في الطّيران، ويقال: إنّها لا تختطف إلاَّ من جهة اليمين تنْبيه: يلتبس بالحدأ الحدأة بفتح أوّله: فأس له رأسان. قوله: (والعقرب) هذا اللفظ للذّكر والأنثى، وقد يقال عقربة وعقرباء، وليس منها العقربان , بل هي دويبّة طويلة كثيرة القوائم. قال صاحب " المحكم ": ويقال إنّ عينها في ظهرها , وإنّها لا تضرّ ميّتاً ولا نائماً حتّى يتحرّك. ويقال: لدغته العقرب بالغين المعجمة ولسعته بالمهملتين. وقد تقدّم اختلاف الرّواة في ذكر الحيّة بَدَلَها في حديث الباب ومن جمعهما. والذي يظهر لي أنّه ﷺ نبّه بإحداهما على الأخرى عند الاقتصار , وبيّن حكمهما معاً حيث جمع. قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب. وقال

стр. 1895

نافع لَمّا قيل له: فالحيّة؟ قال: لا يُختلف فيها , وفي رواية: ومن يشكّ فيها؟. وتعقّبه ابن عبد البرّ: بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة , أنّه سأل الحكم وحمّاداً. فقالا: لا يقتل المُحرم الحيّة ولا العقرب. قال: ومن حجّتهما أنّهما من هوامّ الأرض فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوامّ، وهذا اعتلال لا معنى له، نعم عند المالكيّة خلاف في قتل صغير الحيّة والعقرب التي لا تتمكّن من الأذى. قوله: (والفأرة) بهمزةٍ ساكنة ويجوز فيها التّسهيل. ولَم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم إلاَّ ما حكي عن إبراهيم النّخعيّ. فإنّه قال: فيها جزاء إذا قتلها المُحرم. أخرجه ابن المنذر، وقال: هذا خلاف السّنّة وخلاف قول جميع أهل العلم. وروى البيهقيّ بإسنادٍ صحيح عن حمّاد بن زيد. قال لَمّا ذكروا له هذا القول: ما كان بالكوفة أفحش ردّاً للآثار من إبراهيم النّخعيّ لقلّة ما سمع منها، ولا أحسن اتّباعاً لها من الشّعبيّ لكثرة ما سمع. ونقل ابن شاسٍ عن المالكيّة خلافاً في جواز قتل الصّغير منها الذي لا يتمكّن من الأذى. والفأر أنواع، منها: الجُرَذ بالجيم بوزن عمر، والخُلْد بضمّ المعجمة وسكون اللام، وفأرة الإبل، وفأرة المسك، وفأرة الغيط. وحكمها في تحريم الأكل وجواز القتل سواء، وفي الصحيحين إطلاق الفويسقة عليها من حديث جابر.
следующие страницы →