شيوخه المدلسين إلاَّ ما هو مسموع لهم وهذا من رواية شعبة، بل صرّح النّسائيّ في روايته من طريق النّضر بن شميلٍ عن شعبة بسماع قتادة.
ثانياً: وأمّا نفي الثّبوت. فمردود بإخراج مسلم.
ثالثاً: وأمّا التّرجيح. فليس من شرط قبول الزّيادة , بل الزّيادة مقبولة من الثّقة الحافظ , وهو كذلك هنا.
نعم قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل. وقد اتّفق العلماء على إخراج الغراب الصّغير الذي يأكل الحبّ من ذلك , ويقال له غراب الزّرع , ويقال له الزّاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملتحقاً بالأبقع.
ومنها الغداف على الصّحيح في " الرّوضة " بخلاف تصحيح الرّافعيّ، وسَمّى ابن قدامة الغداف غراب البين، والمعروف عند أهل اللّغة أنّه الأبقع.
قيل: سُمِّي غراب البين , لأنّه بان عن نوح لَمّا أرسله من السّفينة ليكشف خبر الأرض، فلقي جيفة فوقع عليها ولَم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهليّة يتشاءمون به فكانوا إذا نَعَبَ (١) مرّتين. قالوا: آذن بشرٍّ، وإذا نعب ثلاثاً. قالوا: آذن بخيرٍ، فأبطل الإسلام ذلك.
وكان ابن عبّاس إذا سمع الغراب. قال: اللهمّ لا طير إلاَّ طيرك
стр. 1892
ولا خير إلاَّ خيرك ولا إله غيرك. (١)
وقال صاحب الهداية: المراد بالغراب في الحديث الغداف والأبقع , لأنّهما يأكلان الجيف، وأمّا غراب الزّرع فلا. وكذا استثناه ابن قدامة، وما أظنّ فيه خلافاً، وعليه يُحمل ما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود - إن صحّ - حيث قال فيه: ويرمي الغراب ولا يقتله.
وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن عليّ ومجاهد.
قال ابن المنذر: أباح كلّ من يحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام إلاَّ ما جاء عن عطاء قال في مُحرم كسر قرن غراب , فقال: إن أدماه فعليه الجزاء. وقال الخطّابيّ: لَم يتابع أحدٌ عطاءً على هذا، انتهى.
ويحتمل: أن يكون مراده غراب الزّرع.
وعند المالكيّة اختلاف آخر في الغراب والحدأة هل يتقيّد جواز
стр. 1893
قتلهما بأن يبتدئا بالأذى، وهل يختصّ ذلك بكبارها؟.والمشهور عنهم - كما قال ابن شاسٍ - لا فرق , وفاقاً للجمهور.
ومن أنواع الغربان الأعصم، وهو الذي في رجليه أو في جناحيه أو بطنه بياض أو حمرة، وله ذكر في قصّة حفر عبد المطّلب لزمزم، وحكمه حكم الأبقع.
ومنها العقعق. وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل: سُمِّي بذلك , لأنّه يعقّ فراخه فيتركها بلا طعم، وبهذا ظهر أنّه نوع من الغربان، والعرب تتشاءم به أيضاً.
ووقع في فتاوى قاضي خان الحنفيّ: من خرج لسفرٍ فسمع صوت العقعق فرجع كفر، وحكمه حكم الأبقع على الصّحيح، وقيل: حكم غراب الزّرع. وقال أحمد: إن أكل الجيف وإلا فلا بأس به.
قوله: (والحِدَأة) بالكسر وفتح الدال بعدها همزة طير معروف. بزيادة هاء. بلفظ الواحدة وليست للتّأنيث , بل هي كالهاء في التّمرة. وللبخاري " الحِدأ " بكسر أوّله وفتح ثانيه بعدها همزة بغير مدّ.
وحكى صاحب " المحكم " المدّ فيه ندوراً، وحكى الأزهريّ فيها " حدوة " بواوٍ بدل الهمزة.
وفي رواية للبخاري بلفظ " الحُديّا " بضمّ أوّله وتشديد التّحتانيّة مقصور، ومثله لمسلمٍ في رواية هشام بن عروة عن أبيه , وقيل: هي لغة حجازيّة، وغيرهم يقول " حديّة ".
стр. 1894
وقد أنكر ثابتٌ في " الدّلائل " (١) هذه الصّيغة , وقال: الصّواب الحديأة أو الحدّيّة. أي: بهمزةٍ وزيادة هاء , أو بالتّشديد بغير همز.
قال: والصّواب أنّ الحديأة ليس من هذا، وإنّما هو من التّحدّي يقولون: فلان يتحدّى فلاناً. أي: ينازعه ويغالبه.
وعن أبي حاتم: أهل الحجاز يقولون لهذا الطّائر الحديّا , ويجمعونه الحداديّ، وكلاهما خطأ. وأمّا الأزهريّ فصوّبه , وقال: الحديأة تصغير الحديّ، ومن خواصّ الحدأة أنّها تقف في الطّيران، ويقال: إنّها لا تختطف إلاَّ من جهة اليمين
تنْبيه: يلتبس بالحدأ الحدأة بفتح أوّله: فأس له رأسان.
قوله: (والعقرب) هذا اللفظ للذّكر والأنثى، وقد يقال عقربة وعقرباء، وليس منها العقربان , بل هي دويبّة طويلة كثيرة القوائم.
قال صاحب " المحكم ": ويقال إنّ عينها في ظهرها , وإنّها لا تضرّ ميّتاً ولا نائماً حتّى يتحرّك. ويقال: لدغته العقرب بالغين المعجمة ولسعته بالمهملتين.
وقد تقدّم اختلاف الرّواة في ذكر الحيّة بَدَلَها في حديث الباب ومن جمعهما.
والذي يظهر لي أنّه ﷺ نبّه بإحداهما على الأخرى عند الاقتصار , وبيّن حكمهما معاً حيث جمع.
قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب. وقال
стр. 1895
نافع لَمّا قيل له: فالحيّة؟ قال: لا يُختلف فيها , وفي رواية: ومن يشكّ فيها؟.
وتعقّبه ابن عبد البرّ: بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة , أنّه سأل الحكم وحمّاداً. فقالا: لا يقتل المُحرم الحيّة ولا العقرب.
قال: ومن حجّتهما أنّهما من هوامّ الأرض فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوامّ، وهذا اعتلال لا معنى له، نعم عند المالكيّة خلاف في قتل صغير الحيّة والعقرب التي لا تتمكّن من الأذى.
قوله: (والفأرة) بهمزةٍ ساكنة ويجوز فيها التّسهيل.
ولَم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم إلاَّ ما حكي عن إبراهيم النّخعيّ. فإنّه قال: فيها جزاء إذا قتلها المُحرم. أخرجه ابن المنذر، وقال: هذا خلاف السّنّة وخلاف قول جميع أهل العلم.
وروى البيهقيّ بإسنادٍ صحيح عن حمّاد بن زيد. قال لَمّا ذكروا له هذا القول: ما كان بالكوفة أفحش ردّاً للآثار من إبراهيم النّخعيّ لقلّة ما سمع منها، ولا أحسن اتّباعاً لها من الشّعبيّ لكثرة ما سمع.
ونقل ابن شاسٍ عن المالكيّة خلافاً في جواز قتل الصّغير منها الذي لا يتمكّن من الأذى.
والفأر أنواع، منها: الجُرَذ بالجيم بوزن عمر، والخُلْد بضمّ المعجمة وسكون اللام، وفأرة الإبل، وفأرة المسك، وفأرة الغيط.
وحكمها في تحريم الأكل وجواز القتل سواء، وفي الصحيحين إطلاق الفويسقة عليها من حديث جابر.
стр. 1896
وتقدّم سبب تسميتها بذلك من حديث أبي سعيد.
وقيل: إنّما سُمِّيت بذلك , لأنّها قطعت حِبال سفينة نوح، والله أعلم.
قوله: (والكلب العقور) الكلب معروف , والأنثى كلبة , والجمع أكلب وكلاب وكَليب بالفتح، كأعبدٍ وعباد وعبيد. وفي الكلب بَهيميّة وسَبعيّة كأنّه مركّب.
وفيه منافع للحراسة والصّيد. وفيه من اقتفاء الأثر وشمّ الرّائحة والحراسة وخفّة النّوم والتّودّد وقبول التّعليم ما ليس لغيره.
وقيل: إنّ أوّل من اتّخذه للحراسة نوح ﵇.
واختلف العلماء في المراد به هنا، وهل لوصفه بكونه عقوراً مفهومٌ , أو لا.؟
فروى سعيد بن منصور بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة قال: الكلب العقور الأسد. وعن سفيان عن زيد بن أسلم , أنّهم سألوه عن الكلب العقور؟ فقال: وأيّ كلب أعقر من الحيّة؟.
وقال زفر: المراد بالكلب العقور هنا الذّئب خاصّة.
وقال مالك في الموطّإ: كلّ ما عقر النّاس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنّمر والفهد والذّئب هو العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور.
وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا الكلب خاصّة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذّئب.
стр. 1897
واحتجّ أبو عبيد للجمهور بقوله ﷺ : اللهمّ سلَّط عليه كلباً من كلابك. فقتله الأسد. وهو حديثٌ حسنٌ. أخرجه الحاكم من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه.
واحتجّ بقوله تعالى (وما علمتم من الجوارح مكلبين) فاشتقّها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكل جارح عقور.
واحتجّ الطّحاويّ للحنفيّة: بأنّ العلماء اتّفقوا على تحريم قتل البازي والصّقر وهما من سباع الطّير فدلَّ ذلك على اختصاص التّحريم بالغراب والحدأة، وكذلك يختصّ التّحريم بالكلب وما شاركه في صفته وهو الذّئب.
وتعقّب: بردّ الاتّفاق، فإنّ مخالفيهم أجازوا قتل كلّ ما عدا وافترس، فيدخل فيه الصّقر وغيره، بل معظمهم قال: يلتحق بالخمس كلّ ما نهي عن أكله إلاَّ ما نهي عن قتله.
واختلف العلماء في غير العقور ممّا لَم يؤمر باقتنائه.
القول الأول: صرّح بتحريم قتله القاضيان حسين والماورديّ وغيرهما، ووقع في " الأمّ " للشّافعيّ الجواز.
واختلف كلام النّوويّ. فقال في البيع من " شرح المهذّب ": لا خلاف بين أصحابنا في أنّه محترم لا يجوز قتله، وقال في التّيمّم والغصب: إنّه غير محترم. وقال في الحجّ: يكره قتله كراهة تنزيه.
وهذا اختلاف شديد، وعلى كراهة قتله اقتصر الرّافعيّ وتبعه في " الرّوضة " وزاد: إنّها كراهة تنزيه، والله أعلم.
стр. 1898
القول الثاني: ذهب الجمهور كما تقدّم إلى إلحاق غير الخمس بها في هذا الحكم، إلاَّ أنّهم اختلفوا في المعنى.
فقيل: لكونها مؤذية فيجوز قتل كلّ مؤذٍ، وهذا قضيّة مذهب مالك.
وقيل: لكونها ممّا لا يؤكل، فعلى هذا كلّ ما يجوز قتله لا فدية على المُحرم فيه، وهذا قضيّة مذهب الشّافعيّ. وقد قسّم هو وأصحابه الحيوان بالنّسبة للمحرم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يستحبّ كالخمس وما في معناها ممّا يؤذي.
القسم الثاني: يجوز كسائر ما لا يؤكل لحمه وهو قسمان:
الأول: ما يحصل منه نفع وضرر فيباح لِمَا فيه من منفعة الاصطياد. ولا يكره لِمَا فيه من العدوان.
الثاني: ليس فيه نفع ولا ضرر فيكره قتله ولا يحرم.
القسم الثّالث: ما أبيح أكله أو نهي عن قتله فلا يجوز ففيه الجزاء إذا قتله المُحرم.
وخالف الحنفيّة. فاقتصروا على الخمس إلاَّ أنّهم ألحقوا بها الحيّة لثبوت الخبر، والذّئب لمشاركته للكلب في الكلبيّة، وأَلْحقوا بذلك من ابتدأ بالعدوان والأذى من غيرها.
وتعقّب: بظهور المعنى في الخمس - وهو الأذى الطّبيعيّ والعدوان المركّب - والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه تعدّى الحكم إلى كلّ ما وجد فيه ذلك المعنى، كما وافقوا عليه في مسائل الرّبا.
стр. 1899
قال ابن دقيق العيد: والتّعدية بمعنى الأذى إلى كلّ مؤذٍ قويّ بالإضافة إلى تصرّف أهل القياس، فإنّه ظاهر من جهة الإيماء بالتّعليل بالفسق وهو الخروج عن الحدّ، وأمّا التّعليل بحرمة الأكل ففيه إبطال لِمَا دلَّ عليه إيماء النّصّ من التّعليل بالفسق. انتهى
وقال غيره: هو راجع إلى تفسير الفسق، فمن فسرّه بأنّه الخروج عن بقيّة الحيوان بالأذى علل به، ومَن قال بجواز القتل وتحريم الأكل علل به.
وقال من علَّل بالأذى: أنواع الأذى مختلفة، وكأنّه نبّه بالعقرب على ما يشاركها في الأذى باللسع ونحوه من ذوات السّموم كالحيّة والزّنبور، وبالفأرة على ما يشاركها في الأذى بالنّقب والقرض كابن عُرْس، وبالغراب والحدأ على ما يشاركهما بالاختطاف كالصّقر، وبالكلب العقور على ما يشاركه في الأذى بالعدوان والعقر كالأسد والفهد.
وقال: من علَّل بتحريم الأكل وجواز القتل إنّما اقتصر على الخمس لكثرة ملابستها للنّاس بحيث يعمّ أذاها، والتّخصيص بالغلبة لا مفهوم له.
تكْمِلة: نقل الرّافعيّ عن الإمام (١) أنّ هذه الفواسق لا ملك فيها لأحدٍ ولا اختصاص، ولا يجب ردّها على صاحبها، ولَم يذكر مثل
стр. 1900
ذلك في غير الخمس ممّا يلتحق بها في المعنى، فليتأمّل.
واستُدل به على جواز قتل من لجأ إلى الحرم ممّن وجب عليه القتل , لأنّ إباحة قتل هذه الأشياء معلَّلٌ بالفسق , والقاتل فاسق فيقتل بل هو أولى، لأنّ فسق المذكورات طبيعيّ، والمُكلَّف إذا ارتكب الفسق هاتك لحرمة نفسه فهو أولى بإقامة مقتضى الفسق عليه.
وأشار ابن دقيق العيد إلى أنّه بحث قابل للنّزاع.
فائدةٌ: نقل ابن عبد البرّ الاتّفاق على جواز قتل الوزغ في الحلّ والحرم.
لكن نقل ابن عبد الحكم وغيره عن مالك: لا يقتل المُحرم الوزغ، زاد ابن القاسم: وإن قتله يتصدّق لأنّه ليس من الخمس المأمور بقتلها.
وروى ابن أبي شيبة , أنّ عطاء سُئل عن قتل الوزغ في الحرم؟ فقال: إذا آذاك فلا بأس بقتله.
وهذا يفهم توقّف قتله على أذاه.
стр. 1901
باب دخول مكة وغيره
الحديث الحادي عشر
٢٢٦ - عن أنس بن مالكٍ ﵁: أنّ رسول الله ﷺ دخل مكّة عام الفتح , وعلى رأسه المغفر، فلمّا نزعه جاءه رجلٌ , فقال: ابن خطلٍ متعلقٌ بأستار الكعبة , فقال: اقتلوه. (١)
قوله: (عن أنس) في رواية أبي أويس عند ابن سعد حدّثني الزّهري , أنّ أنس بن مالك حدّثه.
وقد اشتهر عن الزّهريّ عنه، ووقع لي من رواية يزيد الرّقاشيّ عن أنس في " فوائد أبي الحسن الفرّاء الموصليّ ". وفي الإسناد إلى يزيد - مع ضعفه - ضعفٌ.
وقيل: إنّ مالكاً تفرّد به عن الزّهريّ، وممّن جزم بذلك ابن الصّلاح في " علوم الحديث " له في الكلام على الشّاذّ.
وتعقّبه شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقيّ: بأنّه ورد من طريق ابن أخي الزّهريّ وأبي أويس ومعمر والأوزاعيّ , وقال: إنّ رواية ابن أخي الزّهريّ عند البزّار. ورواية أبي أويس عند ابن سعد وابن عديّ , وأنّ رواية معمر ذكرها ابن عدّي , وأنّ رواية الأوزاعيّ ذكرها المزنيّ.
стр. 1902
ولَم يذكر شيخنا من أخرج روايتهما، وقد وجدت رواية معمر في " فوائد ابن المقري " ورواية الأوزاعيّ في " فوائد تمّام ".
ثمّ نقل شيخنا عن ابن مسدي: أنّ ابن العربيّ قال حين قيل له: لَمْ يروه إلاَّ مالك: قد رويته من ثلاثة عشر طريقاً غير طريق مالك، وأنّه وعد بإخراج ذلك ولَم يُخرج شيئاً.
وأطال ابن مسدي في هذه القصّة , وأنشد فيها شعراً، وحاصلها أنّهم اتّهموا ابن العربيّ في ذلك. ونسبوه إلى المجازفة.
ثمّ شرع ابن مسدي يقدح في أصل القصّة , ولَم يصب في ذلك، فراوي القصّة عدل متقن، والذين اتّهموا ابن العربيّ في ذلك هم الذين أخطئوا لقلة اطّلاعهم، وكأنّه بخل عليهم بإخراج ذلك لَمّا ظهر له من إنكارهم وتعنّتهم.
وقد تتبّعت طرقه حتّى وقفت على أكثر من العدد الذي ذكره ابن العربيّ. ولله الحمد فوجدته من رواية اثني عشر نفساً غير الأربعة التي ذكرها شيخنا وهم:
عقيل في " معجم ابن جميع "، ويونس بن يزيد في " الإرشاد " للخليليّ وابن أبي حفص في " الرّواة عن مالك للخطيب "، وابن عيينة في " مسند أبي يعلى " وأسامة بن زيد في " تاريخ نيسابور "، وابن أبي ذئب في " الحلية "، ومحمّد بن عبد الرّحمن بن أبي الموالي في " أفراد الدّارقطنيّ " وعبد الرّحمن ومحمّد ابنا عبد العزيز الأنصاريّان في " فوائد عبد الله بن إسحاق الخراسانيّ "، وابن إسحاق في " مسند
стр. 1903
مالك " لابن عديّ، وبحر السّقاء. ذكره جعفر الأندلسيّ في تخريجه للجيزيّ بالجيم والزّاي، وصالح بن أبي الأخضر. ذكره أبو ذرّ الهرويّ عقب حديث يحيى بن قزعة عن مالك , والمخرّج عند البخاريّ في المغازي.
فتبيّن بذلك أنّ إطلاق ابن الصّلاح متعقّب، وأنّ قول ابن العربيّ صحيح، وأنّ كلام من اتّهمه مردود.
ولكن ليس في طرقه شيء على شرط الصّحيح إلاَّ طريق مالك، وأقربها رواية ابن أخي الزّهريّ. فقد أخرجها النّسائيّ في " مسند مالك " وأبو عوانة في " صحيحه "، وتليها رواية أبي أويس أخرجها أبو عوانة أيضاً. وقالوا: إنّه كان رفيق مالك في السّماع عن الزّهريّ، فيُحمل قول مَن قال: انفرد به مالك - أي بشرط الصّحّة - وقول مَن قال: توبع. أي: في الجملة.
وعبارة التّرمذيّ سالمة من الاعتراض فإنّه قال بعد تخريجه: حسن صحيح غريب لا يُعرف كثير (١) أحدٍ رواه غير مالك عن الزّهريّ فقوله " كثير " يشير إلى أنّه توبع في الجملة.
قوله: (عام الفتح وعلى رأسه المغفر) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء: زرد ينسج من الدّروع على قدر الرّأس.
وقيل: هو رفرف البيضة. قاله في " المحكم ". وفي " المشارق ": هو ما يجعل من فضل دروع الحديد على الرّأس مثل القلنسوة.
стр. 1904
وفي رواية زيد بن الحباب عن مالك " يوم الفتح وعليه مغفر من حديد " أخرجه الدّارقطنيّ في " الغرائب " والحاكم في " الإكليل " وكذا في رواية أبي عبيد القاسم بن سلام عن يحيى بن بكير عن مالك " مغفر من حديد " قال الدّارقطنيّ: تفرّد به أبو عبيد. وهو في " الموطّأ " ليحيى بن بكير مثل الجماعة.
ورواه عن مالك جماعة من أصحابه خارج الموطّأ بلفظ " مغفر من حديد " , ثمّ ساقه من رواية عشرة عن مالك كذلك.
وكذلك هو عند ابن عديّ من رواية أبي أويس عن ابن شهاب، وعند الدّارقطنيّ من رواية شبّابة بن سوار عن مالك، وفي هذا الحديث " من رأى منكم ابن خطل فليقتله " ومن رواية زيد بن الحباب عن مالك بهذا الإسناد " وكان ابن خطل يهجو رسول الله ﷺ بالشّعر ".
قوله: (فلمّا نزعه جاءه رجل .. إلخ) لَم أقف على اسمه، إلاَّ أنّه يحتمل أن يكون هو الذي باشر قتله.
وقد جزم الفاكهيّ في " شرح العمدة ": بأنّ الذي جاء بذلك هو أبو برزة الأسلمي، وكأنّه لَمّا رجح عنده أنّه هو الذي قتله رأى أنّه هو الذي جاء مخبراً بقصّته.
ويوشّحه قوله في رواية يحيى بن قزعة عند البخاري " فقال: اقتله " بصيغة الإفراد. زاد الوليد بن مسلم عن مالك في آخره " فقتل " أخرجه ابن عائذ , وصحَّحه ابن حبّان.
стр. 1905
على أنّه اختلف في اسم قاتله، وحكى الواقديّ فيه أقوالاً:
منها: أنّ قاتله شريك بن عبدة العجلانيّ، ورجّح أنّه أبو برزة , وفي حديث سعيد بن يربوع عند الدّارقطنيّ والحاكم أنّه ﷺ قال: أربعة لا أؤمّنهم لا في حلٍّ ولا حرم: الحويرث بن نقيد بالنّون والقاف مصغّر، وهلال بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح. قال: فأمّا هلال بن خطل فقتله الزّبير. الحديث.
وفي حديث سعد بن أبي وقّاص عند البزّار والحاكم والبيهقيّ في " الدّلائل " نحوه , لكن قال " أربعة نفر وامرأتين , فقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة " فذكرهم , لكن قال: عبد الله بن خطل بدل هلال، وقال عكرمة بدل الحويرث، ولَم يسمّ المرأتين , وقال: فأمّا عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمّار بن ياسر. فسبق سعيدٌ عمّاراً , وكان أشبّ الرّجلين فقتله " الحديث.
وفي زيادات يونس بن بكيرٍ في " المغازي " من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه نحوه.
وروى ابن أبي شيبة والبيهقيّ في " الدّلائل " من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس: أمّن رسول الله ﷺ النّاس يوم فتح مكّة إلاَّ أربعة من النّاس: عبد العزّى بن خطل، ومقيس بن صبابة الكنانيّ، وعبد الله بن أبي سرح، وأمّ سارة. فأمّا عبد العزّى بن خطل فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة.
стр. 1906
وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان النّهديّ , أنّ أبا برزة الأسلمي قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة. وإسناده صحيح مع إرساله، وله شاهد عند ابن المبارك في " البرّ والصّلة " من حديث أبي برزة نفسه، ورواه أحمد من وجه آخر.
وهو أصحّ ما ورد في تعيين قاتله. وبه جزم البلاذريّ وغيره من أهل العلم بالأخبار.
وتحمل بقيّة الرّوايات على أنّهم ابتدروا قتله فكان المباشر له منهم أبو برزة، ويحتمل: أن يكون غيره شاركه فيه، فقد جزم ابن هشام في " السّيرة ". بأنّ سعيد بن حريث وأبا برزة الأسلميّ اشتركا في قتله، ومنهم: من سمّى قاتله: سعيد بن ذؤيب.
وحكى المحبّ الطّبريّ: أنّ الزّبير بن العوّام هو الذي قتل ابن خطل. وروى الحاكم من طريق أبي معشر عن يوسف بن يعقوب عن السّائب بن يزيد قال: فأخذ عبد الله بن خطل من تحت أستار الكعبة. فقتل بين المقام وزمزم.
وقد جمع الواقديّ عن شيوخه أسماء من لَم يؤمّن يوم الفتح وأمر بقتله عشرة أنفس: ستّة رجال وأربع نسوة.
والسّبب في قتل ابن خطل , وعدم دخوله في قوله " من دخل المسجد فهو آمنٌ " (١) ما روى ابن إسحاق في " المغازي " حدّثني عبد
стр. 1907
الله بن أبي بكر وغيره , أنّ رسول الله ﷺ حين دخل مكّة قال: لا يقتل أحدٌ إلاَّ من قاتل، إلاَّ نفراً سمّاهم , فقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن خطل وعبد الله بن سعد، وإنّما أمر بقتل ابن خطل , لأنّه كان مسلماً فبعثه رسول الله ﷺ مصدّقاً. وبعث معه رجلاً من الأنصار , وكان معه مولًى يخدمه - وكان مسلماً - فنزل منزلاً، فأمر المولى أن يذبح تيساً , ويصنع له طعاماً، فنام واستيقظ ولَم يصنع له شيئاً، فعدا عليه فقتله , ثمّ ارتدّ مشركاً، وكانت له قينتان تغنّيان بهجاء رسول الله ﷺ .
وروى الفاكهيّ من طريق ابن جريجٍ قال: قال مولى ابن عبّاس: بعث رسول الله ﷺ رجلاً من الأنصار ورجلاً من مزينة وابن خطل , وقال: أطيعا الأنصاريّ حتّى ترجعا، فقتل ابن خطل الأنصاريّ وهرب المزنيّ. وكان ممّن أهدر النّبيّ ﷺ دمه يوم الفتح.
ومن النّفر الذين كان أهدر دمهم النّبيّ ﷺ قبل الفتح غير من تقدّم ذِكرُه هبّار بن الأسود وعكرمة بن أبي جهل وكعب بن زهير ووحشيّ بن حرب وأسيد بن إياس بن أبي زنيم وقَيْنَتَا ابنِ خطل وهند بنت عتبة.
والجمع بين ما اختلف فيه من اسمه.
أنّه كان يسمّى عبد العزّى فلمّا أسلم سُمِّي عبد الله، وأمّا مَن قال هلال فالتبس عليه بأخٍ له اسمه هلال، بيّن ذلك الكلبيّ في النّسب، وقيل: هو عبد الله بن هلال بن خطل، وقيل: غالب بن عبد الله بن
стр. 1908
خطل، واسم خطل عبد منافٍ من بني تيم بن فهر بن غالب.
وهذا الحديث ظاهره أنّه ﷺ لَمّا دخل مكّة يوم الفتح لَم يكن محرماً، وقد صرّح بذلك مالك راوي الحديث كما ذكره البخاري في " المغازي " عن يحيى بن قزعة عن مالك عقب هذا الحديث. قال مالك: ولَم يكن النّبيّ ﷺ فيما نرى , والله أعلم - يومئذٍ مُحرماً. انتهى
وقول مالك هذا رواه عبد الرّحمن بن مهديٍّ عن مالك جازماً به، أخرجه الدّارقطنيّ في " الغرائب " ووقع في " الموطّإ " من رواية أبي مصعب وغيره. قال مالك: قال ابن شهاب: ولَم يكن رسول الله ﷺ يومئذٍ محرماً. وهذا مرسل.
ويشهد له ما رواه مسلم من حديث جابر بلفظ: دخل يوم فتح مكّة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام.
وروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن طاوسٍ قال: لَم يدخل النّبيّ ﷺ مكّة إلاَّ محرماً إلاَّ يوم فتح مكّة.
وزعم الحاكم في " الإكليل " أنّ بين حديث أنس في المغفر وبين حديث جابر في العمامة السّوداء معارضة.
وتعقّبوه: باحتمال أن يكون أوّل دخوله كان على رأسه المغفر ثمّ أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كلٌّ منهما ما رآه.
ويؤيّده أنّ في حديث عمرو بن حريث: أنّه خطب النّاس وعليه عمامة سوداء. أخرجه مسلم أيضاً، وكانت الخطبة عند باب الكعبة
стр. 1909
وذلك بعد تمام الدّخول، وهذا الجمع لعياضٍ.
وقال غيره: يجمع بأنّ العمامة السّوداء كانت ملفوفة فوق المغفر , أو كانت تحت المغفر وقايةً لرأسه من صدإ الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيّئاً للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم.
وبهذا يندفع إشكال مَن قال: لا دلالة في الحديث على جواز دخول مكّة بغير إحرام لاحتمال أن يكون رسول الله ﷺ كان محرماً , ولكنّه غطّى رأسه لعذرٍ، فقد اندفع ذلك بتصريح جابر بأنّه لَم يكن محرماً.
لكن فيه إشكال من وجه آخر , لأنّه ﷺ كان متأهّباً للقتال , ومن كان كذلك جاز له الدّخول بغير إحرام عند الشّافعيّة , وإن كان عياض نقل الاتّفاق على مقابله.
وأمّا مَن قال من الشّافعيّة كابن القاصّ: دخول مكّة بغير إحرام من خصائص النّبيّ ﷺ . ففيه نظرٌ، لأنّ الخصوصيّة لا تثبت إلاَّ بدليلٍ، لكن زعم الطّحاويّ أنّ دليل ذلك قوله ﷺ في حديث أبي شُريح وغيره " إنّها لَم تحلّ له إلاَّ ساعة من نهار " وأنّ المراد بذلك جواز دخولها له بغير إحرام لا تحريم القتل والقتال فيها , لأنّهم أجمعوا على أنّ المشركين لو غلبوا - والعياذ بالله تعالى - على مكّة حلَّ للمسلمين قتالهم وقتلهم فيها.
وقد عكس استدلاله النّوويّ , فقال: في الحديث دلالة على أنّ مكّة تبقى دار إسلام إلى يوم القيامة، فبطل ما صوّره الطّحاويّ.
стр. 1910
وفي دعواه الإجماع نظرٌ , فإنّ الخلاف ثابت كما تقدّم، وقد حكاه القفّال والماورديّ وغيرهما.
واستدل بحديث الباب على أنّه ﷺ فتح مكّة عنوة، وأجاب النّوويّ بأنّه ﷺ كان صالحهم، لكن لَمّا لَم يأمن غدرهم دخل متأهّباً.
وهذا جواب قويّ. إلاَّ أنّ الشّأن في ثبوت كونه صالحهم , فإنّه لا يُعرف في شيء من الأخبار صريحاً (١).
واستدل بقصّة ابن خطل على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكّة.
قال ابن عبد البرّ: كان قتل ابن خطل قوداً من قتله المسلم.
وقال السّهيليّ: فيه أنّ الكعبة لا تعيذ عاصياً , ولا تمنع من إقامة حدّ واجب.
وقال النّوويّ: تأوّل مَن قال: لا يقتل فيها. على أنّه ﷺ قتله في السّاعة التي أبيحت له، وأجاب عنه أصحابنا: بأنّها إنّما أبيحت له ساعة الدّخول حتّى استولى عليها , وأذعن أهلها، وإنّما قتل ابن خطل بعد ذلك. انتهى.
وتعقّب: بما تقدّم في الكلام على حديث أبي شُريح , أنّ المراد بالسّاعة التي أحلت له ما بين أوّل النّهار ودخول وقت العصر، وقَتْل ابن خطل كان قبل ذلك قطعاً , لأنّه قيّد في الحديث بأنّه كان عند نزعه
стр. 1911
المغفر. وذلك عند استقراره بمكّة.
وقد قال ابن خزيمة: المراد بقوله في حديث ابن عبّاس " ما أحل الله لأحدٍ فيه القتل غيري " أي: قتل النّفر الذين قتلوا يومئذٍ ابن خطل ومن ذكر معه. قال: وكان الله قد أباح له القتال والقتل معاً في تلك السّاعة، وقتل ابن خطل وغيره بعد تقضّي القتال.
وأخرج عمر بن شبّة في " كتاب مكّة " من حديث السّائب بن يزيد قال: رأيت رسول الله ﷺ استخرج من تحت أستار الكعبة عبد الله بن خطل فضربت عنقه صبراً بين زمزم ومقام إبراهيم. وقال: لا يُقتلنّ قرشيّ بعد هذا صبراً. ورجاله ثقات إلاَّ أنّ في أبي معشر مقالاً، والله أعلم
واستُدل به على جواز قتل الذّمّيّ إذا سبّ رسول الله ﷺ .
وفيه نظرٌ. كما قاله ابن عبد البرّ , لأنّ ابن خطل كان حربيّاً , ولَم يُدخله رسول الله ﷺ في أمانه لأهل مكّة، بل استثناه مع من استثني وخرج أمره بقتله مع أمانه لغيره مخرجاً واحداً، فلا دلالة فيه لِمَا ذكره. انتهى.
ويمكن أن يتمسّك به في جواز قتل من فعل ذلك بغير استتابة من غير تقييد بكونه ذمّيّاً، لكنّ ابن خطل عمل بموجبات القتل فلم يتحتّم أنّ سبب قتله السّبّ.
واستدل به على جواز قتل الأسير صبراً , لأنّ القدرة على ابن خطل صيّرته كالأسير في يد الإمام , وهو مخيّر فيه بين القتل وغيره , لكن
стр. 1912
قال الخطّابيّ: إنّه ﷺ قتله بما جناه في الإسلام.
وقال ابن عبد البرّ: قتله قوداً من دم المسلم الذي غدر به. وقتله ثمّ ارتدّ كما تقدّم.
واستُدل به على جواز قتل الأسير من غير أن يعرض عليه الإسلام، ترجم بذلك أبو داود.
وفيه مشروعيّة لبس المغفر وغيره من آلات السّلاح حال الخوف من العدوّ , وأنّه لا ينافي التّوكّل، وأخرج البخاري من حديث عبد الله بن أبي أوفى: اعتمر رسول الله ﷺ فلمّا دخل مكّة طاف وطفنا معه. ومعه من يستره من أهل مكّة أن يرميه أحدٌ .. الحديث، وإنّما احتاج إلى ذلك , لأنّه كان حينئذٍ محرماً فخشي الصّحابة أن يرميه بعض سفهاء المشركين بشيءٍ يؤذيه فكانوا حوله يسترون رأسه ويحفظونه من ذلك.
وفيه جواز رفع أخبار أهل الفساد إلى ولاة الأمر، ولا يكون ذلك من الغيبة المُحرمة ولا النّميمة.
стр. 1913
الحديث الثاني عشر
٢٢٧ - عن عبد الله بن عمر ﵁: أنّ رسول الله ﷺ دخل مكّة من كداءٍ , من الثّنيّة العليا التي بالبطحاء , وخرج من الثّنيّة السّفلى. (١)
قوله: (من كداءٍ) بفتح الكاف والمدّ , قال أبو عبيد: لا يصرف.
وهذه الثّنيّة هي التي ينزل منها إلى المعلى مقبرة أهل مكّة، وهي التي يقال لها الحجون بفتح المهملة وضمّ الجيم.
وكانت صعبة المرتقى فسهّلها معاوية ثمّ عبد الملك ثمّ المهديّ على ما ذكره الأزرقيّ. ثمّ سهُل في عصرنا هذا , منها سنة إحدى عشرة وثمانمائة موضعٌ.
ثمّ سهّلت كلّها في زمن سلطان مصر الملك المؤيّد في حدود العشرين وثمانمائة، وكلّ عقبة في جبل أو طريق عالٍ فيه تسمّى ثنيّة.
قوله: (الثّنيّة السّفلى) وللبخاري عن عائشة " وخرج من كدا " وهو بضمّ الكاف مقصور , وهي عند باب شبيكة بقرب شعب الشّاميّين من ناحية قعيقعان، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السّابع.
قال عياض والقرطبيّ وغيرهما: اختلف في ضبط كداءٍ وكدا.
فالأكثر: على أنّ العليا بالفتح والمدّ والسّفلى بالضّمّ والقصر.
стр. 1914
وقيل: بالعكس. قال النّوويّ: وهو غلط.
قالوا: واختلف في المعنى الذي لأجله خالف ﷺ بين طريقيه.
فقيل: ليتبرّك به كلّ من في طريقه.
وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة بجهة العلوّ عند الدّخول لِمَا فيه من تعظيم المكان , وعكسه الإشارة إلى فراقه.
وقيل: لأنّ إبراهيم لَمّا دخل مكّة دخل منها.
وقيل: لأنّه ﷺ خرج منها متخفّياً في الهجرة. فأراد أن يدخلها ظاهراً عالياً.
وقيل: لأنّ من جاء من تلك الجهة كان مستقبلاً للبيت.
ويحتمل: أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح فاستمرّ على ذلك، والسّبب في ذلك قول أبي سفيان بن حرب للعبّاس: لا أُسلم حتّى أرى الخيل تطلع من كداءٍ، فقلت ما هذا؟ قال: شيء طلع بقلبي , وإنّ الله لا يطلع الخيل هناك أبداً، قال العبّاس: فذكّرت أبا سفيان بذلك لَمّا دخل (١) " وللبيهقيّ من حديث ابن عمر قال: قال النّبيّ ﷺ لأبي بكر: كيف قال حسّان؟ فأنشده:
عدمت بنيّتي إن لَم تروها ... تثير النّقع مطلعها كداء
стр. 1915
فتبسّم. وقال: ادخلوها من حيث قال حسّان.
تنْبيه: حكى الحميديّ عن أبي العبّاس العذريّ , أنّ بمكّة موضعاً ثالثاً يقال لها: كُديّ وهو بالضّمّ والتّصغير يخرج منه إلى جهة اليمن.
قال المحبّ الطّبريّ: حقّقه العذريّ عن أهل المعرفة بمكّة، قال: وقد بني عليها باب مكّة الذي يدخل منه أهل اليمن.
فائدةٌ: في صحيح البخاري حدثنا محمود بن غيلان المروزي حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أنَّ النبي ﷺ دخل عام الفتح من كداء، وخرج من كُدا من أعلى مكة.
قوله: " وخرج من كدا من أعلى مكّة " كذا رواه أبو أسامة فقَلَبَه، والصّواب ما رواه عمرو وحاتم عن هشام عند البخاري " دخل من كداءٍ من أعلى مكّة ".
ثمّ ظهر لي أنّ الوهم فيه ممّن دون أبي أسامة، فقد رواه أحمد عن أبي أسامة. على الصّواب.
стр. 1916
الحديث الثالث عشر
٢٢٨ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , قال: دخل رسول الله ﷺ البيت , هو وأسامة بن زيدٍ وبلالٌ وعثمان بن طلحة , فأغلقوا عليهم الباب فلمّا فتحوا , كنت أوّل من ولج. فلقيتُ بلالاً , فسألته: هل صلَّى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم , بين العمودين اليمانيين. (١)
قوله: (دخل رسول الله ﷺ البيت) كان ذلك في عام الفتح كما وقع مبيّناً من رواية يونس بن يزيد عن نافع عن ابن عمر عند البخاري بزيادة فوائد. ولفظه: أقبل النّبيّ ﷺ يوم الفتح من أعلى مكّة على راحلته.
وفي رواية فليح عن نافع عنده أيضاً " وهو مردف أسامة - يعني ابن زيد - على القصواء، ثمّ اتّفقا ومعه بلال وعثمان بن طلحة حتّى أناخ في المسجد " وفي رواية فليح " عند البيت، وقال لعثمان: ائتنا بالمفتاح، فجاءه بالمفتاح. ففتح له الباب فدخل ".
ولمسلمٍ وعبد الرّزّاق من رواية أيّوب عن نافع " ثمّ دعا عثمان بن
стр. 1917
طلحة بالمفتاح فذهب إلى أمّه فأبت أن تعطيه، فقال: والله لتعطينّه أو لأخرجنّ هذا السّيف من صلبي، فلمّا رأت ذلك أعطته، فجاء به إلى رسول الله ﷺ ففتح الباب.
فظهر من رواية فليح. أنّ فاعل فتح هو عثمان المذكور، لكن روى الفاكهيّ من طريق ضعيفة عن ابن عمر , قال: كان بنو أبي طلحة يزعمون أنّه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم، فأخذ رسول الله ﷺ المفتاح ففتحها بيده.
وعثمان المذكور هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزيز بن عبد الدّار بن قصيّ بن كلاب، ويقال: له الحجبيّ بفتح المهملة والجيم، ولآل بيته الحَجَبَة لحجبهم الكعبة، ويعرفون الآن بالشّيبيّين. نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة , وهو ابن عمّ عثمان هذا لا ولده، وله أيضاً صحبة ورواية.
واسم أمّ عثمان المذكورة سُلافة. بضمّ المهملة والتّخفيف والفاء.
قوله: (هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان) زاد مسلم " ولَم يدخلها معهم أحدٌ " ووقع عند النّسائيّ من طريق ابن عون عن نافع " ومعه الفضل بن عبّاس وأسامة وبلال وعثمان " زاد الفضل.
ولأحمد من حديث ابن عبّاس حدّثني أخي الفضل - وكان معه حين دخلها - أنّه لَم يصل في الكعبة.
قوله: (فأغلقوا عليهم) زاد في رواية حسّان بن عطيّة عن نافع عند أبي عوانة " من داخل " وزاد يونس " فمكث نهاراً طويلاً " وفي
стр. 1918
رواية فليح " زماناً " بدل نهاراً، وفي رواية جويرية عن نافع في البخاري " فأطال ".
ولمسلمٍ من رواية ابن عون عن نافع " فمكث فيها مليّاً " , وله من رواية عبيد الله عن نافع " فأجافوا عليهم الباب طويلاً " , ومن رواية أيّوب عن نافع " فمكث فيها ساعة ".
وللنّسائيّ من طريق ابن أبي مُلَيْكة " فوجدت شيئاً فذهبت ثمّ جئت سريعاً فوجدت النّبيّ ﷺ خارجاً منها " , ووقع في " الموطّأ " بلفظ " فأغلقاها عليه " والضّمير لعثمان وبلال، ولمسلمٍ من طريق ابن عون عن نافع " فأجاف عليهم عثمان الباب ".
والجمع بينهما: أنّ عثمان هو المباشر لذلك , لأنّه من وظيفته، ولعل بلالاً ساعده في ذلك. ورواية الجمع يدخل فيها الآمر بذلك والرّاضي به.
قال ابن بطّال: الحكمة في غلق الباب حينئذٍ لئلا يظنّ النّاس أنّ الصّلاة فيه سنّةٌ فيلتزمون ذلك.
كذا قال. وهو مع ضعفه منتقض بأنّه لو أراد إخفاء ذلك ما اطّلع عليه بلال ومن كان معه، وإثبات الحكم بذلك يكفي فيه فعل الواحد.
وقال غيره: يحتمل أن يكون ذلك لئلا يزدحموا عليه. لتوفّر دواعيهم على مراعاة أفعاله ليأخذوها عنه، أو ليكون ذلك أسكن لقلبه وأجمع لخشوعه. وإنّما أدخل معه عثمان لئلا يظنّ أنّه عزل عن
стр. 1919
ولاية الكعبة، وبلالاً وأسامة لملازمتهما خدمته.
وقيل: فائدة ذلك التّمكّن من الصّلاة في جميع جهاتها؛ لأنّ الصّلاة إلى جهة الباب وهو مفتوحٌ لا تصحّ. والمحكيّ عن الحنفيّة الجواز مطلقاً. وعن الشّافعيّة وجه مثله , لكن يشترط أن يكون للباب عتبة بأيّ قدرٍ كانت.
ووجه يشترط أن يكون قدر قامة المُصلِّي.
ووجه يشترط أن يكون قدر مؤخّرة الرّحْل (١). وهو المصحّح عندهم.
وفي الصّلاة فوق ظهر الكعبة نظير هذا الخلاف والله أعلم.
وأمّا قول بعض الشّارحين: إنّ قول البخاري " باب إغلاق البيت , ويصلي في أيّ نواحي البيت شاء " يعكّر على الشّافعيّة فيما إذا كان البيت مفتوحاً , ففيه نظرٌ , لأنّه جعله حيث يغلق الباب، وبعد الغلق لا توقّف عندهم في الصّحّة.
قوله: (فلمّا فتحوا كنت أوّل من ولَجَ) في رواية فليح " ثمّ خرج فابتدر النّاس الدّخول فسبقتهم " وفي رواية أيّوب " وكنت رجلاً شابّاً قويّاً فبادرت النّاس فبدرتهم " وفي رواية جويرية " كنت أوّل النّاس ولج على أثره " , وفي رواية ابن عون " فرقيت الدّرجة
стр. 1920
فدخلت البيت " , وفي رواية مجاهد عن ابن عمر عند البخاري " وأجد بلالاً قائماً بين البابين ".
وأفاد الأزرقيّ في " كتاب مكّة " , أنّ خالد بن الوليد كان على الباب يذبّ عنه النّاس، وكأنّه جاء بعدما دخل النّبيّ ﷺ وأغلق.
قوله: (فلقيت بلالاً فسألته) زاد في رواية مالك عن نافع عند الشيخين " ما صنع؟ " وفي رواية جويرية ويونس وجمهور أصحاب نافع " فسألت بلالاً أين صلَّى؟ " اختصروا أوّل السّؤال، وثبت في رواية سالم هذه حيث قال: هل صلَّى فيه؟ قال: نعم.
وكذا في رواية مجاهد وابن أبي مُلَيْكة عن ابن عمر , فقلت: أصلى النّبيّ ﷺ في الكعبة؟ قال: نعم.
فظهر أنّه استثبت أوّلاً هل صلَّى أو لا.؟ ثمّ سأل عن موضع صلاته من البيت.
ووقع في رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم " فأخبرني بلال أو عثمان بن طلحة " على الشّكّ، والمحفوظ أنّه سأل بلالاً كما في رواية الجمهور.
ووقع عند أبي عوانة من طريق العلاء بن عبد الرّحمن عن ابن عمر , أنّه سأل بلالاً وأسامة بن زيد حين خرجا. أين صلَّى النّبيّ ﷺ فيه؟ فقالا: على جهته. وكذا أخرجه البزّار نحوه.
ولأحمد والطّبرانيّ من طريق أبي الشّعثاء عن ابن عمر قال: أخبرني أسامة أنّه صلَّى فيه هاهنا " ولمسلمٍ والطّبرانيّ من وجه آخر " فقلت:
стр. 1921
أين صلَّى النّبيّ ﷺ ؟ فقالوا .. ". فإن كان محفوظاً حُمل على أنّه ابتدأ بلالاً بالسّؤال كما تقدّم تفصيله، ثمّ أراد زيادة الاستثبات في مكان الصّلاة فسأل عثمان أيضاً وأسامة.
ويؤيّد ذلك قوله في رواية ابن عون عند مسلم " ونسيت أن أسألهم كم صلَّى " بصيغة الجمع، وهذا أولى من جزم عياض بوهم الرّواية التي أشرنا إليها عند مسلم، وكأنّه لَم يقف على بقيّة الرّوايات.
ولا يعارض قصّته مع قصّة أسامة. ما أخرجه مسلم أيضاً من حديث ابن عبّاس , أنّ أسامة بن زيد أخبره , أنّ النّبيّ ﷺ لَم يصل فيه، ولكنّه كبّر في نواحيه.
فإنّه يمكن الجمع بينهما: بأنّ أسامة حيث أثبتها اعتمد في ذلك على غيره، وحيث نفاها أراد ما في علمه لكونه لَم يره ﷺ حين صلَّى.
تكميل: روى البخاري عن عكرمة عن ابن عباس , أنَّ النبي ﷺ دخل البيت فكبّر في نواحيه ولَم يصلّ. فابن عبّاس أثبت التّكبير ولَم يتعرّض له بلال، وبلال أثبت الصّلاة , ونفاها ابن عبّاس.
وقد يُقدَّم إثباتُ بلالٍ على نفي غيره لأمرين.
أحدهما: أنّه لَم يكن مع النّبيّ ﷺ يومئذٍ , وإنّما أسند نفيه تارة لأسامة وتارة لأخيه الفضل. مع أنّه لَم يثبت أنّ الفضل كان معهم إلاَّ في رواية شاذّة.
وقد روى أحمد من طريق ابن عبّاس عن أخيه الفضل نفي الصّلاة فيها. فيحتمل أن يكون تلقّاه عن أسامة فإنّه كان معه. كما تقدّم.
стр. 1922
وقد روى عنه ابن عبّاس نفي الصّلاة فيها عند مسلم، وقد وقع إثبات صلاته فيها عن أسامة من رواية ابن عمر عن أسامة عند أحمد وغيره.
فتعارضت الرّواية في ذلك عنه.
فتترجّح رواية بلال من جهة أنّه مثبت وغيره نافٍ , ومن جهة أنّه لَم يختلف عليه في الإثبات , واختلف على من نفى.
وقال النّوويّ وغيره: يجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة: بأنّهم لَمّا دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدّعاء. فرأى أسامة النّبيّ ﷺ يدعو فاشتغل أسامة بالدّعاء في ناحية والنّبيّ ﷺ في ناحية، ثمّ صلَّى النّبيّ ﷺ فرآه بلال لقربه منه , ولَم يره أسامة لبعده واشتغاله، ولأنّ بإغلاق الباب تكون الظّلمة مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة فنفاها عملاً بظنّه.
وقال المحبّ الطّبريّ: يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته. انتهى.
ويشهد له ما رواه أبو داود الطّيالسيّ في " مسنده " عن ابن أبي ذئب عن عبد الرّحمن بن مهران عن عمير مولى ابن عبّاس عن أسامة قال: دخلتُ على رسول الله ﷺ في الكعبة. فرأى صوراً فدعا بدلوٍ من ماء فأتيته به , فضرب به الصّور. فهذا الإسناد جيّد.
قال القرطبيّ: فلعله استصحب النّفي لسرعة عوده. انتهى.
وهو مفرّع على أنّ هذه القصّة وقعت عام الفتح، فإن لَم يكن فقد
стр. 1923
روى عمر بن شبّة في " كتاب مكّة " من طريق عليّ بن بذيمة - وهو تابعيّ وأبوه بفتح الموحّدة ثمّ معجمة وزن عظيمة - قال: دخل النّبيّ ﷺ الكعبة ودخل معه بلال، وجلس أسامة على الباب، فلمّا خرج وجد أسامة قد احتبى فأخذ بحبوته فحلها. الحديث.
فلعله احتبى فاستراح فنعس فلم يشاهد صلاته فلمّا سئل عنها نفاها مستصحباً للنّفي لقصر زمن احتبائه، وفي كلّ ذلك إنّما نفى رؤيته لا ما في نفس الأمر.
ومنهم من جمع بين الحديثين بغير ترجيح أحدهما على الآخر. وذلك من أوجه:
أحدها: حمل الصّلاة المثبتة على اللّغويّة والمنفيّة على الشّرعيّة، وهذه طريقة من يكره الصّلاة داخل الكعبة فرضاً ونفلاً.
ويردّ هذا الحمل ما تقدّم في بعض طرقه من تعيين قدر الصّلاة، فظهر أنّ المراد بها الشّرعيّة لا مجرّد الدّعاء.
ثانيها: قال القرطبيّ: يمكن حمل الإثبات على التّطوّع والنّفي على الفرض، وهذه طريقة المشهور من مذهب مالك.
ثالثها: قال المُهلَّب شارح البخاريّ: يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرّتين، صلَّى في إحداهما , ولَم يصلِّ في الأخرى.
وقال ابن حبّان: الأشبه عندي في الجمع أن يُجعل الخبران في وقتين , فيقال: لَمّا دخل الكعبة في الفتح صلَّى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال، ويجعل نفي ابن عبّاس الصّلاة في الكعبة في حجّته التي حجّ
стр. 1924
فيها , لأنّ ابن عبّاس نفاها , وأسنده إلى أسامة، وابن عمر أثبتها , وأسند إثباته إلى بلال وإلى أسامة أيضاً، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التّعارض.
وهذا جمع حسن، لكن تعقّبه النّوويّ: بأنّه لا خلاف أنّه ﷺ دخل في يوم الفتح لا في حجّة الوداع.
ويشهد له ما روى الأزرقيّ في " كتاب مكّة " عن سفيان عن غير واحد من أهل العلم , أنّه ﷺ إنّما دخل الكعبة مرّة واحدة عام الفتح , ثمّ حجّ فلم يدخلها.
وإذا كان الأمر كذلك فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرّتين , ويكون المراد بالواحدة التي في خبر ابن عيينة وحدة السّفر لا الدّخول، وقد وقع عند الدّارقطنيّ من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع. والله أعلم.
ويؤيّد الجمع الأوّل: ما أخرجه عمر بن شبّة في " كتاب مكّة " من طريق حمّاد عن أبي حمزة عن ابن عبّاس قال: قلت له: كيف أُصلي في الكعبة؟ قال: كما تصلي في الجنازة، تسبّح وتكبّر ولا تركع ولا تسجد، ثمّ عند أركان البيت سبّح وكبّر وتضرّع واستغفر , ولا تركع ولا تسجد. وسنده صحيح.
قوله: (فسألته: هل صلَّى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم) زاد البخاري من رواية يحيى القطان عن سيف بن سليمان عن مجاهد عن ابن عمر " نعم ركعتين " أي: صلَّى ركعتين.
стр. 1925
وقد استشكل الإسماعيليّ وغيره هذا مع أنّ المشهور عن ابن عمر من طريق نافع وغيره عنه أنّه قال " ونسيت أن أسأله كم صلَّى " (١) قال: فدلَّ على أنّه أخبره بالكيفيّة وهي تعيين الموقف في الكعبة، ولَم يخبره بالكمّيّة، ونسي هو أن يسأله عنها.
والجواب عن ذلك أن يقال:
يحتمل: أنّ ابن عمر اعتمد في قوله في هذه الرّواية ركعتين على القدر المتحقّق له، وذلك أنّ بلالاً أثبت له أنّه صلَّى , ولَم ينقل أنّ النّبيّ ﷺ تنفّل في النّهار بأقلّ من ركعتين، فكانت الرّكعتان متحقّقاً وقوعهما لِمَا عرف بالاستقراء من عادته. فعلى هذا فقوله " ركعتين " من كلام ابن عمر لا من كلام بلال.
وقد وجدت ما يؤيّد هذا. ويستفاد منه جمعاً آخر بين الحديثين، وهو ما أخرجه عمر بن شبّة في " كتاب مكّة " من طريق عبد العزيز بن أبي روّادٍ عن نافع عن ابن عمر في هذا الحديث: فاستقبلني بلال , فقلت: ما صنع رسول الله ﷺ هاهنا؟ فأشار بيده. أي: صلَّى ركعتين بالسّبّابة والوسط.
فعلى هذا فيحمل قوله " نسيت أن أسأله كم صلَّى " على أنّه لَم يسأله لفظاً , ولَم يجبه لفظاً، وإنّما استفاد منه صلاة الرّكعتين بإشارته لا بنطقه.
стр. 1926
وأمّا قوله " ونسيت أن أسأله كم صلَّى " فيحمل: على أنّ مراده أنّه لَم يتحقّق هل زاد على ركعتين أو لا؟.
وأمّا قول بعض المتأخّرين: يجمع بين الحديثين. بأنّ ابن عمر نسي أن يسأل بلالاً , ثمّ لقيه مرّة أخرى فسأله، ففيه نظرٌ من وجهين:
أحدهما: أنّ الذي يظهر أنّ القصّة - وهي سؤال ابن عمر عن صلاته في الكعبة - لَم تتعدّد؛ لأنّه أتى في السّؤال بالفاء المعقّبة في الرّوايتين معاً، فقال في رواية مجاهد " فأقبلت ثمّ قال: فسألت بلالاً "، وقال في الأخرى " فبدرت فسألت بلالاً "، فدلَّ على أنّ السّؤال عن ذلك كان واحداً في وقت واحد.
ثانيهما: أنّ راوي قول ابن عمر " ونسيت " هو نافع مولاه , ويبعد مع طول ملازمته له إلى وقت موته أن يستمرّ على حكاية النّسيان , ولا يتعرّض لحكاية الذّكر أصلاً. والله أعلم.
وأمّا ما نقله عياض أنّ قوله " ركعتين " غلطٌ من يحيى بن سعيد القطّان؛ لأنّ ابن عمر قد قال: نسيت أن أسأله كم صلَّى. قال: وإنّما دخل الوهم عليه من ذكر الرّكعتين بعد، فهو كلام مردودٌ، والمغلط هو الغالط، فإنّه ذكر الرّكعتين قبل وبعد فلم يهم من موضع إلى موضع.
ولَم ينفرد يحيى بن سعيد بذلك حتّى يغلط، فقد تابعه أبو نعيمٍ عند البخاريّ والنّسائيّ، وأبو عاصم عند ابن خزيمة، وعمر بن عليّ عند الإسماعيليّ، وعبد الله بن نمير عند أحمد كلّهم عن سيف.
стр. 1927
ولَم ينفرد به سيف أيضاً , فقد تابعه عليه خصيف عن مجاهد عند أحمد.
ولَم ينفرد به مجاهد عن ابن عمر , فقد تابعه عليه ابن أبي مُلَيْكة عند أحمد والنّسائيّ، وعمرو بن دينار عند أحمد أيضاً باختصارٍ، ومن حديث عثمان بن أبي طلحة عند أحمد والطّبرانيّ بإسنادٍ قويّ، ومن حديث أبي هريرة عند البزّار.
ومن حديث عبد الرّحمن بن صفوان قال: فلمّا خرج سألت من كان معه , فقالوا: صلَّى ركعتين عند السّارية الوسطى. أخرجه الطّبرانيّ بإسنادٍ صحيح، ومن حديث شيبة بن عثمان قال: لقد صلَّى ركعتين عند العمودين. أخرجه الطّبرانيّ بإسنادٍ جيّد.
فالعجب من الإقدام على تغليط جَبَلٍ من جبال الحفظ بقول من خفي عليه وجه الجمع بين الحديثين فقال بغير علم، ولو سكت لسلم. والله الموفّق.
قوله: (بين العمودين اليمانيّين) في رواية جويرية " بين العمودين المقدّمين " وفي رواية مالك عن نافع " جعل عموداً عن يمينه وعموداً عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه , وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة " وفي رواية عنه " عمودين عن يمينه ".
ووقع في رواية فليح في البخاري " بين ذينك العمودين المقدّمين، وكان البيت على ستّة أعمدة سطرين، صلَّى بين العمودين من السّطر المقدّم , وجعل باب البيت خلف ظهره ".
стр. 1928
وقال في آخر روايته " وعند المكان الذي صلَّى فيه مرمرة حمراء ".
وكلّ هذا إخبار عمّا كان عليه البيت قبل أن يهدم ويبنى في زمن ابن الزّبير.
فأمّا الآن فقد بيّن موسى بن عقبة في روايته عن نافع كما في البخاري , أنّ بين موقفه ﷺ وبين الجدار الذي استقبله قريباً من ثلاثة أذرع.
وجزم برفع هذه الزّيادة مالك عن نافع. فيما أخرجه أبو داود من طريق عبد الرّحمن بن مهديّ , والدّارقطنيّ في " الغرائب " من طريقه وطريق عبد الله بن وهب وغيرهما عنه , ولفظه: وصلَّى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع. وكذا أخرجها أبو عوانة من طريق هشام بن سعد عن نافع.
وهذا فيه الجزم بثلاثة أذرع، لكن رواه النّسائيّ من طريق ابن القاسم عن مالك بلفظ " نحو من ثلاثة أذرع " وهي موافقة لرواية موسى بن عقبة.
وفي " كتاب مكّة " للأزرقيّ والفاكهيّ من وجه آخر , أنّ معاوية سأل ابن عمر أين صلَّى رسول الله ﷺ ؟ فقال: اجعل بينك وبين الجدار ذراعين أو ثلاثة.
فعلى هذا ينبغي لمن أراد الاتّباع في ذلك أن يجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع فإنّه تقع قدماه في مكان قدميه ﷺ إن كانت ثلاثة أذرع سواء، وتقع ركبتاه أو يداه ووجهه إن كان أقل من ثلاثة. والله أعلم.
стр. 1929
قال الكرمانيّ: لفظ العمود جنسٌ. يحتمل الواحد والاثنين، فهو مجملٌ بيّنته رواية " وعمودين "، ويحتمل أن يقال: لَم تكن الأعمدة الثّلاثة على سمتٍ واحدٍ , بل اثنان على سمت والثّالث على غير سمتهما، ولفظ " المقدّمين " مشعر به، والله أعلم
قلت: ويؤيّده أيضاً رواية مجاهدٍ عن ابن عمر فإنّ فيها " بين السّاريتين اللتين على يسار الدّاخل " وهو صريحٌ في أنّه كان هناك عمودان على اليسار , وأنّه صلَّى بينهما.
فيحتمل أنّه كان ثَمّ عمود آخر عن اليمين , لكنّه بعيدٌ أو على غير سمت العمودين فيصحّ قول مَن قال " جعل عن يمينه عمودين " وقول مَن قال " جعل عموداً عن يمينه ".
وجوّز الكرمانيّ احتمالاً آخر , وهو أن يكون هناك ثلاثة أعمدة مصطفّةً فصلَّى إلى جنب الأوسط، فمَن قال: جعل عموداً عن يمينه وعموداً عن يساره لَم يعتبر الذي صلَّى إلى جنبه , ومَن قال: عمودين اعتبره. ثمّ وجدته مسبوقاً بهذا الاحتمال.
وأبعد منه قول مَن قال: انتقل في الرّكعتين من مكانٍ إلى مكان، ولا تبطل الصّلاة بذلك لقلته، والله أعلم.
وفي هذا الحديث من الفوائد:
رواية الصّاحب عن الصّاحب، وسؤال المفضول مع وجود الأفضل والاكتفاء به، والحجّة بخبر الواحد، ولا يقال هو أيضاً خبر واجد فكيف يحتجّ للشّيء بنفسه.؟ لأنّا نقول: هو فرد ينضمّ إلى
стр. 1930
نظائر مثله يوجب العلم بذلك.
وفيه اختصاص السّابق بالبقعة الفاضلة، وفيه السّؤال عن العلم والحرص فيه، وفضيلة ابن عمر لشدّة حرصه على تتبّع آثار النّبيّ ﷺ ليعمل بها.
وفيه أنّ الفاضل من الصّحابة قد كان يغيب عن النّبيّ ﷺ في بعض المشاهد الفاضلة ويحضره من هو دونه فيطّلع على ما لَم يطّلع عليه، لأنّ أبا بكر وعمر وغيرهما ممّن هو أفضل من بلال ومن ذكر معه لَم يشاركوهم في ذلك.
واستدل به البخاري على أنّ الصّلاة إلى المقام غير واجبة، فلو تعيّن استقبال المقام لَمَا صحّت داخل الكعبة؛ لأنّه كان حينئذٍ غير مستقبله.
وقد روى الأزرقيّ في " أخبار مكّة " بأسانيد صحيحةٍ , أنّ المقام كان في عهد النّبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن، حتّى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله حتّى وجد بأسفل مكّة، فأُتي به فرُبط إلى أستار الكعبة حتّى قدم عمر فاستثبت في أمره حتّى تحقّق موضعه الأوّل فأعاده إليه , وبنى حوله فاستقرّ ثَمَّ إلى الآن.
وعلى جواز الصّلاة بين السّواري في غير الجماعة، وعلى مشروعيّة الأبواب والغلق للمساجد.
وفيه أنّ السّترة إنّما تشرع حيث يخشى المرور فإنّه ﷺ صلَّى بين العمودين ولَم يصل إلى أحدهما، والذي يظهر أنّه ترك ذلك للاكتفاء بالقرب من الجدار كما تقدّم أنّه كان بين مصلاه والجدار نحو ثلاثة