وأمّا قوله " ونسيت أن أسأله كم صلَّى " فيحمل: على أنّ مراده أنّه لَم يتحقّق هل زاد على ركعتين أو لا؟.
وأمّا قول بعض المتأخّرين: يجمع بين الحديثين. بأنّ ابن عمر نسي أن يسأل بلالاً , ثمّ لقيه مرّة أخرى فسأله، ففيه نظرٌ من وجهين:
أحدهما: أنّ الذي يظهر أنّ القصّة - وهي سؤال ابن عمر عن صلاته في الكعبة - لَم تتعدّد؛ لأنّه أتى في السّؤال بالفاء المعقّبة في الرّوايتين معاً، فقال في رواية مجاهد " فأقبلت ثمّ قال: فسألت بلالاً "، وقال في الأخرى " فبدرت فسألت بلالاً "، فدلَّ على أنّ السّؤال عن ذلك كان واحداً في وقت واحد.
ثانيهما: أنّ راوي قول ابن عمر " ونسيت " هو نافع مولاه , ويبعد مع طول ملازمته له إلى وقت موته أن يستمرّ على حكاية النّسيان , ولا يتعرّض لحكاية الذّكر أصلاً. والله أعلم.
وأمّا ما نقله عياض أنّ قوله " ركعتين " غلطٌ من يحيى بن سعيد القطّان؛ لأنّ ابن عمر قد قال: نسيت أن أسأله كم صلَّى. قال: وإنّما دخل الوهم عليه من ذكر الرّكعتين بعد، فهو كلام مردودٌ، والمغلط هو الغالط، فإنّه ذكر الرّكعتين قبل وبعد فلم يهم من موضع إلى موضع.
ولَم ينفرد يحيى بن سعيد بذلك حتّى يغلط، فقد تابعه أبو نعيمٍ عند البخاريّ والنّسائيّ، وأبو عاصم عند ابن خزيمة، وعمر بن عليّ عند الإسماعيليّ، وعبد الله بن نمير عند أحمد كلّهم عن سيف.
стр. 1927
ولَم ينفرد به سيف أيضاً , فقد تابعه عليه خصيف عن مجاهد عند أحمد.
ولَم ينفرد به مجاهد عن ابن عمر , فقد تابعه عليه ابن أبي مُلَيْكة عند أحمد والنّسائيّ، وعمرو بن دينار عند أحمد أيضاً باختصارٍ، ومن حديث عثمان بن أبي طلحة عند أحمد والطّبرانيّ بإسنادٍ قويّ، ومن حديث أبي هريرة عند البزّار.
ومن حديث عبد الرّحمن بن صفوان قال: فلمّا خرج سألت من كان معه , فقالوا: صلَّى ركعتين عند السّارية الوسطى. أخرجه الطّبرانيّ بإسنادٍ صحيح، ومن حديث شيبة بن عثمان قال: لقد صلَّى ركعتين عند العمودين. أخرجه الطّبرانيّ بإسنادٍ جيّد.
فالعجب من الإقدام على تغليط جَبَلٍ من جبال الحفظ بقول من خفي عليه وجه الجمع بين الحديثين فقال بغير علم، ولو سكت لسلم. والله الموفّق.
قوله: (بين العمودين اليمانيّين) في رواية جويرية " بين العمودين المقدّمين " وفي رواية مالك عن نافع " جعل عموداً عن يمينه وعموداً عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه , وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة " وفي رواية عنه " عمودين عن يمينه ".
ووقع في رواية فليح في البخاري " بين ذينك العمودين المقدّمين، وكان البيت على ستّة أعمدة سطرين، صلَّى بين العمودين من السّطر المقدّم , وجعل باب البيت خلف ظهره ".
стр. 1928
وقال في آخر روايته " وعند المكان الذي صلَّى فيه مرمرة حمراء ".
وكلّ هذا إخبار عمّا كان عليه البيت قبل أن يهدم ويبنى في زمن ابن الزّبير.
فأمّا الآن فقد بيّن موسى بن عقبة في روايته عن نافع كما في البخاري , أنّ بين موقفه ﷺ وبين الجدار الذي استقبله قريباً من ثلاثة أذرع.
وجزم برفع هذه الزّيادة مالك عن نافع. فيما أخرجه أبو داود من طريق عبد الرّحمن بن مهديّ , والدّارقطنيّ في " الغرائب " من طريقه وطريق عبد الله بن وهب وغيرهما عنه , ولفظه: وصلَّى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع. وكذا أخرجها أبو عوانة من طريق هشام بن سعد عن نافع.
وهذا فيه الجزم بثلاثة أذرع، لكن رواه النّسائيّ من طريق ابن القاسم عن مالك بلفظ " نحو من ثلاثة أذرع " وهي موافقة لرواية موسى بن عقبة.
وفي " كتاب مكّة " للأزرقيّ والفاكهيّ من وجه آخر , أنّ معاوية سأل ابن عمر أين صلَّى رسول الله ﷺ ؟ فقال: اجعل بينك وبين الجدار ذراعين أو ثلاثة.
فعلى هذا ينبغي لمن أراد الاتّباع في ذلك أن يجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع فإنّه تقع قدماه في مكان قدميه ﷺ إن كانت ثلاثة أذرع سواء، وتقع ركبتاه أو يداه ووجهه إن كان أقل من ثلاثة. والله أعلم.
стр. 1929
قال الكرمانيّ: لفظ العمود جنسٌ. يحتمل الواحد والاثنين، فهو مجملٌ بيّنته رواية " وعمودين "، ويحتمل أن يقال: لَم تكن الأعمدة الثّلاثة على سمتٍ واحدٍ , بل اثنان على سمت والثّالث على غير سمتهما، ولفظ " المقدّمين " مشعر به، والله أعلم
قلت: ويؤيّده أيضاً رواية مجاهدٍ عن ابن عمر فإنّ فيها " بين السّاريتين اللتين على يسار الدّاخل " وهو صريحٌ في أنّه كان هناك عمودان على اليسار , وأنّه صلَّى بينهما.
فيحتمل أنّه كان ثَمّ عمود آخر عن اليمين , لكنّه بعيدٌ أو على غير سمت العمودين فيصحّ قول مَن قال " جعل عن يمينه عمودين " وقول مَن قال " جعل عموداً عن يمينه ".
وجوّز الكرمانيّ احتمالاً آخر , وهو أن يكون هناك ثلاثة أعمدة مصطفّةً فصلَّى إلى جنب الأوسط، فمَن قال: جعل عموداً عن يمينه وعموداً عن يساره لَم يعتبر الذي صلَّى إلى جنبه , ومَن قال: عمودين اعتبره. ثمّ وجدته مسبوقاً بهذا الاحتمال.
وأبعد منه قول مَن قال: انتقل في الرّكعتين من مكانٍ إلى مكان، ولا تبطل الصّلاة بذلك لقلته، والله أعلم.
وفي هذا الحديث من الفوائد:
رواية الصّاحب عن الصّاحب، وسؤال المفضول مع وجود الأفضل والاكتفاء به، والحجّة بخبر الواحد، ولا يقال هو أيضاً خبر واجد فكيف يحتجّ للشّيء بنفسه.؟ لأنّا نقول: هو فرد ينضمّ إلى
стр. 1930
نظائر مثله يوجب العلم بذلك.
وفيه اختصاص السّابق بالبقعة الفاضلة، وفيه السّؤال عن العلم والحرص فيه، وفضيلة ابن عمر لشدّة حرصه على تتبّع آثار النّبيّ ﷺ ليعمل بها.
وفيه أنّ الفاضل من الصّحابة قد كان يغيب عن النّبيّ ﷺ في بعض المشاهد الفاضلة ويحضره من هو دونه فيطّلع على ما لَم يطّلع عليه، لأنّ أبا بكر وعمر وغيرهما ممّن هو أفضل من بلال ومن ذكر معه لَم يشاركوهم في ذلك.
واستدل به البخاري على أنّ الصّلاة إلى المقام غير واجبة، فلو تعيّن استقبال المقام لَمَا صحّت داخل الكعبة؛ لأنّه كان حينئذٍ غير مستقبله.
وقد روى الأزرقيّ في " أخبار مكّة " بأسانيد صحيحةٍ , أنّ المقام كان في عهد النّبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن، حتّى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله حتّى وجد بأسفل مكّة، فأُتي به فرُبط إلى أستار الكعبة حتّى قدم عمر فاستثبت في أمره حتّى تحقّق موضعه الأوّل فأعاده إليه , وبنى حوله فاستقرّ ثَمَّ إلى الآن.
وعلى جواز الصّلاة بين السّواري في غير الجماعة، وعلى مشروعيّة الأبواب والغلق للمساجد.
وفيه أنّ السّترة إنّما تشرع حيث يخشى المرور فإنّه ﷺ صلَّى بين العمودين ولَم يصل إلى أحدهما، والذي يظهر أنّه ترك ذلك للاكتفاء بالقرب من الجدار كما تقدّم أنّه كان بين مصلاه والجدار نحو ثلاثة
стр. 1931
أذرع، وبذلك ترجم له النّسائيّ. على أنّ حدّ الدّنوّ من السّترة أن لا يكون بينهما أكثر من ثلاثة أذرع.
ويستفاد منه أنّ قول العلماء تحيّة المسجد الحرام الطّواف مخصوص بغير داخل الكعبة , لكونه ﷺ جاء فأناخ عند البيت فدخله فصلَّى فيه ركعتين , فكانت تلك الصّلاة , إمّا لكون الكعبة كالمسجد المستقلّ , أو هو تحيّة المسجد العامّ. والله أعلم.
وفيه استحباب دخول الكعبة، وقد روى ابن خزيمة والبيهقيّ من حديث ابن عبّاس مرفوعاً: من دخل البيت دخل في حسنة وخرج مغفوراً له. قال البيهقيّ: تفرّد به عبد الله بن المؤمّل وهو ضعيف.
ومحلّ استحبابه ما لَم يؤذ أحداً بدخوله. وروى ابن أبي شيبة من قول ابن عبّاس: أنّ دخول البيت ليس من الحجّ في شيء.
وحكى القرطبيّ عن بعض العلماء: أنّ دخول البيت من مناسك الحجّ، وردّه بأنّ النّبيّ ﷺ إنّما دخله عام الفتح. ولَم يكن حينئذٍ محرماً.
وأمّا ما رواه أبو داود والتّرمذيّ وصحَّحه هو وابن خزيمة والحاكم عن عائشة , أنّه ﷺ خرج من عندها وهو قرير العين , ثمّ رجع وهو كئيب فقال: دخلت الكعبة فأخاف أن أكون شققت على أمّتي.
فقد يتمسّك به لصاحب هذا القول المحكيّ لكون عائشة لَم تكن معه في الفتح ولا في عمرته، بل إنّه لَم يدخل في الكعبة في عمرته ,
стр. 1932
فروى البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى قال: اعتمر رسول الله ﷺ فطاف بالبيت، وصلَّى خلف المقام ركعتين ومعه من يستره من الناس، فقال له رجل: أَدَخَلَ رسول الله ﷺ الكعبة؟ قال: لا. (١).
فتعيّن أنّ القصّة كانت في حجّته وهو المطلوب، وبذلك جزم البيهقيّ، وإنّما لَم يدخل في عمرته لِمَا كان في البيت من الأصنام والصّور , وكان إذ ذاك لا يتمكّن من إزالتها، بخلاف عام الفتح.
قال النووي: قال العلماء: سبب ترك دخوله ما كان في البيت من الأصنام والصور، ولَم يكن المشركون يتركونه ليغيرها، فلما كان في الفتح أمر بإزالة الصور ثم دخلها، يعني كما في حديث ابن عباس. انتهى.
ويحتمل: أن يكون دخول البيت لَم يقع في الشرط، فلو أراد دخوله لمنعوه كما منعوه من الإقامة بمكة زيادة على الثلاث فلم يقصد دخوله لئلا يمنعوه.
وفي " السيرة " عن علي , أنه دخلها قبل الهجرة فأزال شيئاً من الأصنام، وفي " الطبقات " عن عثمان بن طلحة نحو ذلك.
فإن ثبت ذلك لَم يشكل على الوجه الأول , لأنَّ ذلك الدخول كان لإزالة شيء من المنكرات لا لقصد العبادة، والإزالة في الهدنة كانت
стр. 1933
غير ممكنة بخلاف يوم الفتح.
ويحتمل: أن يكون ﷺ قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه فليس في السّياق ما يمنع ذلك، وتقدم النقل عن جماعة من أهل العلم أنّه لَم يدخل الكعبة في حجّته.
وفيه استحباب الصّلاة في الكعبة وهو ظاهر في النّفل، ويلتحق به الفرض إذ لا فرق بينهما في مسألة الاستقبال للمقيم. وهو قول الجمهور.
وعن ابن عبّاس: لا تصحّ الصّلاة داخلها مطلقاً. وعلَّله بأنّه يلزم من ذلك استدبار بعضها. وقد ورد الأمر باستقبالها فيحمل على استقبال جميعها، وقال به بعض المالكيّة والظّاهريّة والطّبريّ.
وقال المازريّ: المشهور في المذهب منع صلاة الفرض داخلها ووجوب الإعادة، وعن ابن عبد الحكم الإجزاء، وصحَّحه ابن عبد البرّ وابن العربيّ. وعن ابن حبيب يعيد أبداً، وعن أصبغ إن كان متعمّداً.
وأطلق التّرمذيّ عن مالك جواز النّوافل، وقيّده بعض أصحابه بغير الرّواتب وما تسرّع فيه الجماعة.
وفي " شرح العمدة " لابن دقيق العيد: كَرِه مالك الفرض أو منعه , فكأنّه أشار إلى اختلاف النّقل عنه في ذلك.
ويلتحق بهذه المسألة الصّلاة في الحِجر. ويأتي فيها الخلاف السّابق في الصّلاة إلى جهة الباب، نعم إذا استدبر الكعبة واستقبل الحِجر لَم
стр. 1934
يصحّ على القول بأنّ تلك الجهة منه ليست من الكعبة.
ومن المشكل ما نقله النّوويّ في " زوائد الرّوضة " عن الأصحاب , أنّ صلاة الفرض داخل الكعبة - إن لَم يرج جماعة - أفضل منها خارجها.
ووجه الإشكال: أنّ الصّلاة خارجها متّفق على صحّتها بين العلماء بخلاف داخلها، فكيف يكون المختلف في صحّته أفضل من المتّفق؟.
стр. 1935
الحديث الرابع عشر
٢٢٩ - عن عمر ﵁ أنّه جاء إلى الحجر الأسود , فقبّله. وقال: إنّي لأعلم أنّك حجرٌ , لا تضرّ ولا تنفع , ولولا أنّي رأيت النّبيّ ﷺ يقبّلك ما قبّلتك (١).
قوله: (الحجر الأسود) وردت فيه أحاديث:
منها حديث عند الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: إنّ الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنّة طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب. أخرجه أحمد والتّرمذيّ وصحَّحه ابن حبّان. وفي إسناده رجاء أبو يحيى وهو ضعيف.
قال التّرمذيّ: حديث غريب، ويروى عن عبد الله بن عمرو موقوفاً.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: وقفه أشبه والذي رفعه ليس بقويٍّ.
ومنها حديث ابن عبّاس مرفوعاً: نزل الحجر الأسود من الجنّة وهو أشدّ بياضاً من اللبن، فسوّدته خطايا بني آدم.
أخرجه التّرمذيّ وصحَّحه، وفيه عطاء بن السّائب وهو صدوق
стр. 1936
لكنّه اختلط، وجرير ممّن سمع منه بعد اختلاطه، لكن له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة فيقوى بها، وقد رواه النّسائيّ من طريق حمّاد بن سلمة عن عطاء مختصراً ولفظه " الحجر الأسود من الجنّة " وحمّاد ممّن سمع من عطاء قبل الاختلاط.
وفي صحيح ابن خزيمة أيضاً عن ابن عبّاس مرفوعاً: أنّ لهذا الحجر لساناً وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحقٍّ. وصحَّحه أيضاً ابن حبّان والحاكم، وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضاً.
قوله: (فقبّله) وللبخاري عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله. ولابن المنذر (١) من طريق أبي خالد عن عبيد الله عن نافع , رأيت ابن عمر استلم الحجر , وقبّل يده , وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله.
ويستفاد منه استحباب الجمع بين التّسليم والتّقبيل. بخلاف الرّكن اليمانيّ فيستلمه فقط , والاستلام المسح باليد والتّقبيل بالفم.
وروى الشّافعيّ من وجه آخر عن ابن عمر قال: استقبل النّبيّ ﷺ الحجر فاستلمه، ثمّ وضع شفتيه عليه طويلاً .. الحديث , واختصّ الحجر الأسود بذلك لاجتماع الفضيلتين له. كما سيأتي. (٢)
فائدةٌ: المستحبّ في التّقبيل أن لا يرفع به صوته، وروى الفاكهيّ
стр. 1937
عن سعيد بن جبير قال: إذا قبّلت الرّكن فلا ترفع بها صوتك كقبلة النّساء.
قوله: (وقال: إنّي لأعلم أنّك حجرٌ) وللبخاري من رواية أسلم عن عمر , أنّه قال للركن: أما والله إنّي لأعلم أنّك " وظاهره أنه خاطبه بذلك , وإنما فعل ذلك ليسمع الحاضرين.
قوله: (لا تضرّ ولا تنفع) أي: إلاَّ بإذن الله.
وقد روى الحاكم من حديث أبي سعيد , أنّ عمر لَمّا قال هذا , قال له عليّ بن أبي طالب: إنّه يضرّ وينفع، وذكر أنّ الله لَمّا أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في رقٍّ وألقمه الحجر، قال: وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود , وله لسان ذلق يشهد لمن استلمه بالتّوحيد.
وفي إسناده أبو هارون العبديّ. وهو ضعيف جدّاً.
وقد روى النّسائيّ من وجه آخر ما يشعر , بأنّ عمر رفع قوله ذلك إلى النّبيّ ﷺ أخرجه من طريق طاوسٍ عن ابن عبّاس قال: رأيت عمر قبّل الحجر ثلاثاً , ثمّ قال: إنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أنّي رأيت رسول الله ﷺ قبّلك ما قبّلتك , ثمّ قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل ذلك.
قال الطّبريّ: إنّما قال ذلك عمر , لأنّ النّاس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام فخشي عمر أن يظنّ الجهّال أنّ استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهليّة , فأراد عمر
стр. 1938
أن يعلم النّاس أنّ استلامه اتّباع لفعل رسول الله ﷺ , لا لأنّ الحجر ينفع ويضرّ بذاته كما كانت الجاهليّة تعتقده في الأوثان.
وقال المُهلَّب: حديث عمر هذا يردّ على مَن قال: إنّ الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده، ومعاذ الله أن يكون لله جارحة، وإنّما شرع تقبيله اختياراً ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع، وذلك شبيه بقصّة إبليس حيث أمر بالسّجود لآدم.
وقال الخطّابيّ: معنى أنّه يمين الله في الأرض. أنّ من صافحه في الأرض كان له عند الله عهد، وجرت العادة بأنّ العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد موالاته والاختصاص به. فخاطبهم بما يعهدونه.
وقال المحبّ الطّبريّ: معناه. أنّ كلّ ملك إذا قدم عليه الوافد قبّل يمينه , فلمّا كان الحاجّ أوّل ما يقدم يسنّ له تقبيله نزّل منزلة يمين الملك , ولله المثل الأعلى.
وفي قول عمر هذا التّسليم للشّارع في أمور الدّين وحسن الاتّباع فيما لَم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتّباع النّبيّ ﷺ فيما يفعله ولو لَم يعلم الحكمة فيه، وفيه دفع ما وقع لبعض الجهّال من أنّ في الحجر الأسود خاصّة ترجع إلى ذاته ز
وفيه بيان السّنن بالقول والفعل، وأنّ الإمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاده أن يبادر إلى بيان الأمر ويوضّح ذلك.
قال شيخنا في " شرح التّرمذيّ ": فيه كراهة تقبيل ما لَم يرد الشّرع بتقبيله، وأمّا قول الشّافعيّ: ومهما قبّل من البيت فحسنٌ , فلم يرد به
стр. 1939
الاستحباب , لأنّ المباح من جملة الحسن عند الأصوليّين.
تكميل: اعترض بعض الملحدين على الحديث الماضي فقال: كيف سوّدته خطايا المشركين , ولَم تبيّضه طاعات أهل التّوحيد؟.
وأجيب بما قال ابن قتيبة: لو شاء الله لكان ذلك، وإنّما أجرى الله العادة بأنّ السّواد يصبغ، ولا ينصبغ على العكس من البياض.
وقال المحبّ الطّبريّ: في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة، فإنّ الخطايا إذا أثّرت في الحجر الصّلد فتأثيرها في القلب أشدّ.
قال: وروي عن ابن عبّاس إنّما غيّره بالسّواد , لئلا ينظر أهل الدّنيا إلى زينة الجنّة، فإن ثبت فهذا هو الجواب.
قلت: أخرجه الحميديّ في فضائل مكّة بإسنادٍ ضعيف والله أعلم.
стр. 1940
الحديث الخامس عشر
٢٣٠ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: لَمّا قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكّة , فقال المشركون: إنّه يقدم عليكم قومٌ وهَنَتْهم حمّى يثرب. فأمرهم النّبيّ ﷺ أن يرملوا الأشواط الثّلاثة , وأن يمشوا ما بين الرّكنين , ولَم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلاَّ الإبقاء عليهم. (١)
قوله: (يقدم عليكم قوم) وللبخاري " وفدٌ " بمعنى قوم وزناً ومعنى، ووقع في رواية ابن السّكن " وقد " بفتح القاف وسكون الدّال. وهو خطأٌ
قوله: (وهنتهم) بتخفيف الهاء وتشديدها. أي: أضعفتهم.
قوله: (يثرب) اسم المدينة النّبويّة في الجاهليّة، ونهى النّبيّ ﷺ عن تسميتها بذلك، وإنّما ذكر ابن عبّاس ذلك حكاية: لكلام المشركين , وفي رواية الإسماعيليّ " فأطلعه الله على ما قالوا ".
وأخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: أمرت بقرية تأكل القرى , يقولون: يثرب وهي المدينة .. " أي: إنّ بعض المنافقين يسمّيها يثرب , واسمها الذي يليق بها المدينة.
وفهِم بعض العلماء من هذا كراهة تسمية المدينة يثرب , وقالوا: ما
стр. 1941
وقع في القرآن إنّما هو حكايةٌ عن قول غير المؤمنين , وروى أحمد من حديث البراء بن عازبٍ رفعه: من سَمّى المدينة يثرب فليستغفر الله , هي طابة هي طابة.
وروى عمر بن شبّة من حديث أبي أيّوب , أنّ رسول الله ﷺ نهى أن يقال للمدينة يثرب.
ولهذا قال عيسى بن دينارٍ من المالكيّة: من سمّى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئةٌ , قال: وسبب هذه الكراهة , لأنّ يثرب إمّا من التّثريب الذي هو التّوبيخ والملامة , أو من الثّرب. وهو الفساد وكلاهما مستقبحٌ , وكان ﷺ يحبّ الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح.
وذكر أبو إسحاق الزجاج في مختصره وأبو عبيد البكري في " معجم ما استعجم ": أنها سُميت يثرب باسم يثرب بن قانية بن مهلايل بن عيل بن عيص بن إرم بن سام بن نوح , لأنه أول من سكنها بعد العرب، ونزل أخوه خيبور خيبر فسميت به، وسقط بعض الأسماء من كلام البكري.
قوله: (أن يرملوا) بضمّ الميم وهو في موضع مفعول يأمرهم , تقول أمرته كذا وأمرته بكذا. والرّمل بفتح الرّاء والميم هو الإسراع.
وقال ابن دريدٍ: هو شبيه بالهرولة، وأصله أن يحرّك الماشي منكبيه في مشيه.
وفيه مشروعيّة الرمل، وهو الذي عليه الجمهور.
стр. 1942
وقال ابن عبّاس: ليس هو بسنّةٍ، من شاء رمل ومن شاء لَم يرمل
تكميل: لا يشرع تدارك الرّمل، فلو تركه في الثّلاث لَم يقضه في الأربع، لأنّ هيئتها السّكينة فلا تغيّر، ويختصّ بالرّجال فلا رمل على النّساء، ويختصّ بطوافٍ يعقبه سعي على المشهور.
ولا فرق في استحبابه بين ماشٍ وراكب، ولا دم بتركه عند الجمهور. واختلف عند المالكيّة.
وقال الطّبريّ: قد ثبت أنّ الشّارع رمل ولا مشرك يومئذٍ بمكّة يعني في حجّة الوداع، فعلم أنّه من مناسك الحجّ إلاَّ أنّ تاركه ليس تاركاً لعملٍ , بل لهيئةٍ مخصوصة , فكان كرفع الصّوت بالتّلبية , فمن لبّى خافضاً صوته لَم يكن تاركاً للتّلبية , بل لصفتها. ولا شيء عليه.
قوله: (الأشواط) بفتح الهمزة بعدها معجمة. جمع شوط بفتح الشّين وهو الجري مرّة إلى الغاية، والمراد به هنا الطّوفة حول الكعبة.
قوله: (وأن يمشوا بين الرّكنين) أي: اليمانيين. ولمسلمٍ من هذا الوجه في آخره " ليرى المشركون قوته. فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أنّ الحمّى وهنتهم، لهؤلاء أجلد من كذا ". وعند أبي داود من وجهٍ آخر " وكانوا إذا تواروا عن قريش بين الرّكنين مشوا، وإذا طلعوا عليهم رملوا ".
تكملة: قال البخاري: وزاد ابن سلمة، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لَمَّا قدم النبي ﷺ لِعامِه الذي استأمن، قال: ارملوا ليرى المشركون قوتَهم، والمشركون من قِبَل قعيقعان.
стр. 1943
وابن سلمة هو حماد. وقد شارك حماد بن زيد في روايته له عن أيوب , وزاد عليه تعيين مكان المشركين. وهو قيقعان , وطريق حماد بن سلمة هذه وصلها الإسماعيلي نحوه. وزاد في آخره: فلمَّا رملوا. قال المشركون: ما وهنتهم.
قوله: (إلاَّ الإبقاء عليهم) بكسر الهمزة وسكون الموحّدة بعدها القاف والمدّ. أي: الرّفق بهم والإشفاق عليهم، والمعنى لَم يمنعه من أمرهم بالرّمل في جميع الطّوفات إلاَّ الرّفق بهم.
قال القرطبيّ: روينا قوله: " إلاَّ الإبقاء عليهم " بالرّفع على أنّه فاعل يمنعه، وبالنّصب على أن يكون مفعولاً من أجله , ويكون في يمنعه ضمير عائد على رسول الله ﷺ وهو فاعله.
وفي الحديث جواز تسمية الطّوفة شوطاً، ونقل عن مجاهد والشّافعيّ كراهته.
ويؤخذ منه جواز إظهار القوّة بالعدّة والسّلاح ونحو ذلك للكفّار إرهاباً لهم، ولا يعدّ ذلك من الرّياء المذموم. (١)
وفيه جواز المعاريض بالفعل كما يجوز بالقول، وربّما كانت بالفعل أولى.
стр. 1944
الحديث السادس عشر
٢٣١ - عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ حين يقدم مكّة إذا استلم الرّكن الأسود , أوّل ما يطوف: يخبّ ثلاثة أشواطٍ. (١)
قوله: (أوّل) منصوب على الظّرف.
قوله: (يخبّ) بفتح أوّله وضمّ الخاء المعجمة بعدها موحّدة. أي: يسرع في مشيه، والخبب بفتح المعجمة والموحّدة بعدها موحّدة أخرى: العدو السّريع، يقال: خبت الدّابّة إذا أسرعت وراوحت بين قدميها، وهذا يشعر بترادف الرّمل والخبب عند هذا القائل.
وقوله: (ثلاثة أشواط) زادا في روايتهما " من السّبع " بفتح أوّله. أي: السّبع طوفات.
وظاهره أنّ الرّمل يستوعب الطّوفة، فهو مغاير لحديث ابن عبّاس الذي قبله , لأنّه صريح في عدم الاستيعاب , فإنّهم اقتصروا عند مراءاة المشركين على الإسراع إذا مرّوا من جهة الرّكنين الشّاميّين , لأنّ المشركين كانوا بإزاء تلك النّاحية، فإذا مرّوا بين الرّكنين اليمانيّين
стр. 1945
مشوا على هيئتهم كما هو بيّن في حديث ابن عبّاس.
ولَمّا رملوا في حجّة الوداع أسرعوا في جميع كلّ طوفة فكانت سنّة مستقلة، ولهذه النّكتة سأل عبيد الله بن عمر نافعاً كما في البخاري عن مشي عبد الله بن عمر بين الرّكنين اليمانيّين. فأعلمه أنّه إنّما كان يفعله , ليكون أسهل عليه في استلام الرّكن. أي: كان يرفق بنفسه ليتمكّن من استلام الرّكن عند الازدحام.
وهذا الذي قاله نافع. إن كان استند فيه إلى فهمه فلا يدفع احتمال أن يكون ابن عمر فعل ذلك اتّباعاً للصّفة الأولى من الرّمل لِمَا عرف من مذهبه في الاتّباع.
стр. 1946
الحديث السابع عشر
٢٣٢ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: طاف النّبيّ ﷺ في حجّة الوداع على بعيرٍ , يستلم الرّكن بمحجنٍ. (١)
قال المصنف: المِحجن: عصاً منحنية الرأس.
قوله: (حجة الوداع) بكسر الحاء المهملة وبفتحها، وبكسر الواو وبفتحها. وقد أخرج البخاري عن ابن عمر قال: كنا نتحدّث بحجة الوداع , والنبي ﷺ بين أظهرنا , ولا ندري ما حجة الوداع. فحمد الله وأثنى عليه .. الحديث ".
كأنّه شيء ذكره النّبيّ ﷺ فتحدّثوا به وما فهموا أنّ المراد بالوداع وداع النّبيّ ﷺ ، حتّى وقعت وفاته ﷺ بعدها بقليلٍ فعرفوا المراد، وعرفوا أنّه ودّع النّاس بالوصيّة التي أوصاهم بها أن لا يرجعوا بعده كفّاراً، وأكّد التّوديع بإشهاد الله عليهم بأنّهم شهدوا أنّه قد بلغ ما أرسل إليهم به، فعرفوا حينئذٍ المراد بقولهم حجّة الوداع.
وقد وقع في البخاري من رواية عاصم بن محمّد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر في هذا الحديث " فودّع النّاس ". ووقع عند البيهقيّ أنّ سورة (إذا جاء نصر الله والفتح) نزلت في وسط أيّام التّشريق، فعرف النّبيّ ﷺ أنّه الوداع، فركب واجتمع النّاس فذكر الخطبة.
стр. 1947
وذكر جابر في حديثه الطّويل في صفتها كما أخرجه مسلم وغيره , أنّ النّبيّ ﷺ مكث تسع سنين - أي: منذ قدم المدينة - لَم يحجّ، ثمّ أذّن في النّاس في العاشرة أنّ النّبيّ ﷺ حاجّ، فقدم المدينة بشرٌ كثيرٌ كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله ﷺ " الحديث.
ووقع في حديث أبي سعيد الخدريّ ما يوهم أنّه ﷺ حجّ قبل أنّ يهاجر غير حجّة الوداع. ولفظه (١) ..... وعند التّرمذيّ من حديث جابر " حجّ قبل أن يهاجر ثلاث حجج " وعن ابن عبّاس مثله. أخرجه ابن ماجه والحاكم.
قلت: وهو مبنيّ على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنًى بعد الحجّ، فإنّهم قدموا أوّلاً فتواعدوا، ثمّ قدموا ثانياً فبايعوا البيعة الأولى، ثمّ قدموا ثالثاً فبايعوا البيعة الثّانية، وهذا لا يقتضي نفي الحجّ قبل ذلك.
وقد أخرج الحاكم بسندٍ صحيح إلى الثّوريّ , أنّ النّبيّ ﷺ حجّ قبل أن يهاجر حججاً.
قلت: بل حجّ قبل أن يهاجر مراراً، بل الذي لا أرتاب فيه أنّه لَم يترك الحجّ وهو بمكّة قطّ، لأنّ قريشاً في الجاهليّة لَم يكونوا يتركون الحجّ، وإنّما يتأخّر منهم عنه من لَم يكن بمكّة أو عاقه ضعف، وإذا كانوا وهم على غير دين يحرصون على إقامة الحجّ , ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب , فكيف يظنّ بالنّبيّ
стр. 1948
- ﷺ أنّه يتركه؟ وقد ثبت من حديث جبير بن مطعم , أنّه رآه في الجاهليّة واقفاً بعرفة (١)، وأنّ ذلك من توفيق الله له، وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنًى ثلاث سنين متوالية كما بيّنته في الهجرة إلى المدينة.
وقال ابن الجوزيّ: حجّ حججاً لا يُعرف عددها.
وقال ابن الأثير في النّهاية: كان يحجّ كلّ سنة قبل أن يهاجر.
قوله: (على بعيرٍ) حمل البخاريُّ (٢) سببَ طوافه ﷺ راكباً على أنّه كان عن شكوى، وأشار بذلك إلى ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عبّاس أيضاً بلفظ: قدم النّبيّ ﷺ مكّة وهو يشتكي. فطاف على راحلته. ووقع في حديث جابر عند مسلم: أنّ النّبيّ ﷺ طاف راكباً ليراه النّاس , وليسألوه.
فيحتمل: أن يكون فعل ذلك للأمرين، وحينئذٍ لا دلالة فيه على جواز الطّواف راكباً لغير عذر، وكلام الفقهاء يقتضي الجواز إلاَّ أنّ المشي أولى، والرّكوب مكروه تنزيهاً، والذي يترجّح المنع , لأنّ طوافه ﷺ وكذا أمّ سلمة كان قبل أن يحوّط المسجد.
стр. 1949
ووقع في حديث أمّ سلمة " طوفي من وراء النّاس " وهذا يقتضي منع الطّواف في المطاف، وإذا حوّط المسجد امتنع داخله، إذ لا يؤمن التّلويث فلا يجوز بعد التّحويط، بخلاف ما قبله. فإنّه كان لا يحرم التّلويث كما في السّعي.
وعلى هذا فلا فرق في الرّكوب - إذا ساغ - بين البعير والفرس والحمار.
وأمّا طواف النّبيّ ﷺ راكباً فللحاجة إلى أخذ المناسك عنه , ولذلك عدّه بعض من جمع خصائصه فيها.
واحتمل أيضاً: أن تكون راحلته عصمت من التّلويث حينئذٍ كرامة له , فلا يقاس غيره عليه، وأبعد من استدل به على طهارة بول البعير وبَعْرِه.
قوله: (يستلم الرّكن بمحجنٍ) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم بعدها نون، هو عصا محنيّة الرّأس، والحجن الاعوجاج، وبذلك سُمِّي الحجون.
والاستلام افتعال من السّلام بالفتح. أي: التّحيّة. قاله الأزهريّ.
وقيل: من السّلام بالكسر. أي: الحجارة , والمعنى أنّه يومئ بعصاه إلى الرّكن يصيبه.
زاد مسلم من حديث أبي الطّفيل " ويقبّل المحجن " وله من حديث ابن عمر , أنّه استلم الحجر بيده , ثمّ قبّله. ورفع ذلك.
ولسعيد بن المنصور من طريق عطاء قال: رأيت أبا سعيد وأبا
стр. 1950
هريرة وابن عمر وجابراً إذا استلموا الحجر قبّلوا أيديهم. قيل: وابن عبّاس؟ قال: وابن عبّاس، أحسبه. قال: كثيراً.
وبهذا قال الجمهور: أنّ السّنّة أن يستلم الرّكن , ويقبّل يده. فإن لَم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيءٍ في يده , وقبّل ذلك الشّيء , فإن لَم يستطع أشار إليه , واكتفى بذلك. (١)
وعن مالك في رواية: لا يقبّل يده، وكذا قال القاسم، وفي رواية عند المالكيّة يضع يده على فمه من غير تقبيل.
وزاد أبو داود في آخر حديثه " فلمّا فرغ من طوافه أناخ فصلَّى ركعتين "
تكميل: في رواية للبخاري من طريق عكرمة عن ابن عبّاس: كلَّما أتى الركن أشار إليه بشيءٍ كان عنده وكبّر.
وفيه استحباب التّكبير عند الرّكن الأسود في كلّ طوفة.
قال ابن التّين: تقدّم أنّه كان يستلمه بالمحجن، فيدلّ على قربه من البيت، لكن من طاف راكباً يستحبّ له أن يبعد إن خاف أن يؤذي أحداً، فيحمل فعله ﷺ على الأمن من ذلك. انتهى.
ويحتمل: أن يكون في حال استلامه قريباً حيث أمن ذلك، وأن يكون في حال إشارته بعيداً حيث خاف ذلك.
стр. 1951
الحديث الثامن عشر
٢٣٣ - عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: لَم أر النّبيّ ﷺ يستلم من البيت إلاَّ الرّكنين اليمانيين. (١)
قوله: (إلاَّ الرّكنين اليمانيين) أي: دون الرّكنين الشّاميّين، واليمانيان تثنية يمان والمراد بهما الرّكن الأسود والذي يسامته من مقابلة الصّفا.
وقيل: للأسود يمانٍ تغليباً , واليماني بتخفيف الياء على المشهور , لأنّ الألف عوض عن ياء النّسب. فلو شدّدت لكان جمعاً بين العوض والمعوّض.
وجوّز سيبويه التّشديد , وقال: إنّ الألف زائدة.
وأخرج الشيخان عن ابن عمر: إنّما ترك رسول الله ﷺ استلام الرّكنين الشّاميّين , لأنّ البيت لَم يتمّم على قواعد إبراهيم.
وعلى هذا المعنى حَملَ ابن التّين تبعاً لابن القصّار استلامَ ابن الزّبير لهما , لأنّه لَمّا عَمَرَ الكعبة أتمّ البيت على قواعد إبراهيم. انتهى.
وتعقّب ذلك بعض الشّرّاح: بأنّ ابن الزّبير طاف مع معاوية.
стр. 1952
واستلم الكلّ، ولَم نقف (١) على هذا الأثر. وإنّما وقع ذلك لمعاوية مع ابن عبّاس (٢).
وأمّا ابن الزّبير. فقد أخرج الأزرقيّ في " كتاب مكّة " فقال: إنّ ابن الزّبير لَمّا فرغ من بناء البيت , وأدخل فيه من الحجر ما أخرج منه , وردّ الرّكنين على قواعد إبراهيم. خرج إلى التّنعيم , واعتمر وطاف بالبيت واستلم الأركان الأربعة، فلم يزل البيت على بناء ابن الزّبير إذا طاف الطّائف استلم الأركان جميعها. حتّى قتل ابن الزّبير.
وأخرج من طريق ابن إسحاق , قال: بلغني أنّ آدم لَمّا حجّ استلم الأركان كلّها، وأنّ إبراهيم وإسماعيل لَمّا فرغا من بناء البيت طافا به سبعاً يستلمان الأركان.
وقال الدّاوديّ: ظنّ معاوية أنّهما ركنا البيت الذي وضع عليه من أوّل، وليس كذلك، لِمَا سبق من حديث عائشة (٣)، والجمهور على ما
стр. 1953
دلَّ عليه حديث ابن عمر، وروى ابن المنذر وغيره. استلام جميع الأركان أيضاً عن جابر وأنس والحسن والحسين من الصّحابة , وعن سويد بن غفلة من التّابعين.
وقد يشعر ما أخرجه البخاري من حديث عبيد بن جريجٍ , أنّه قال لابن عمر: رأيتك تصنع أربعاً لَم أر أحداً من أصحابك يصنعها. فذكر منها " ورأيتك لا تمسّ من الأركان إلاَّ اليمانيّين .. الحديث " بأنّ الذين رآهم عبيد بن جريجٍ من الصّحابة والتّابعين كانوا لا يقتصرون في الاستلام على الرّكنين اليمانيّين.
وقال بعض أهل العلم: اختصاص الرّكنين مبيّن بالسّنّة , ومستند التّعميم القياس.
وأجاب الشّافعيّ عن قول مَن قال: ليس شيء من البيت مهجوراً: بأنّا لَم ندّعِ استلامهما هجراً للبيت، وكيف يهجره وهو يطوف به؟ ولكنّا نتّبع السّنّة فعلاً أو تركاً، ولو كان ترك استلامهما هجراً لهما
стр. 1954
لكان ترك استلام ما بين الأركان هجراً لها. ولا قائل به , ويؤخذ منه حفظ المراتب وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه وتنزيل كلّ أحد منزلته.
فائدةٌ: في البيت أربعة أركان، الأوّل له فضيلتان: كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم. وللثّاني الثّانية فقط، وليس للآخرين شيء منهما، فلذلك يقبّل الأوّل ويستلم الثّاني فقط , ولا يقبّل الآخران ولا يستلمان، هذا على رأي الجمهور.
واستحبّ بعضهم. تقبيل الرّكن اليمانيّ أيضاً (١).
стр. 1955
باب التّمتّع
التّمتّع المعروف أنّه الاعتمار في أشهر الحجّ , ثمّ التّحلّل من تلك العمرة والإهلال بالحجّ في تلك السّنة قال الله تعالى: (فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فما استيسر من الهدي) ويطلق التّمتّع في عرف السّلف على القران أيضاً.
قال ابن عبد البرّ: لا خلاف بين العلماء أنّ التّمتّع المراد بقوله تعالى (فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ) أنّه الاعتمار في أشهر الحجّ قبل الحجّ.
قال: ومن التّمتّع أيضاً القران , لأنّه تمتّع بسقوط سفر للنّسك الآخر من بلده، ومن التّمتّع فسخ الحجّ أيضاً إلى العمرة. انتهى.
وأمّا القران. فوقع في رواية أبي ذرٍّ " الإقران " (١) بالألف , وهو خطأ من حيث اللّغة كما قاله عياض وغيره.
وصورته الإهلال بالحجّ والعمرة معاً، وهذا لا خلاف في جوازه. أو الإهلال بالعمرة ثمّ يدخل عليها الحجّ أو عكسه. وهذا مختلف فيه.
وأمّا الإفراد. فالإهلال بالحجّ وحده في أشهره عند الجميع , وفي غير أشهره أيضاً عند من يجيزه، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحجّ لمن شاء.
стр. 1956
الحديث التاسع عشر
٢٣٤ - عن أبي جمرة نصر بن عمران الضُّبعيّ، قال: سألت ابن عبّاسٍ عن المُتعة؟ فأمرني بها , وسألتُه عن الهدي؟ فقال: فيه جزورٌ , أو بقرةٌ , أو شاةٌ , أو شركٌ في دمٍ , قال: وكأن ناساً كَرِهُوها , فنمتُ. فرأيت في المنام كأنّ إنساناً ينادي: حجٌّ مبرورٌ , ومُتعةٌ متقبّلةٌ. فأتيت ابن عبّاسٍ فحدّثته. فقال: الله أكبر سنّة أبي القاسم ﷺ . (١)
قوله: (أبو جمرة) بالجيم والرّاء. واسمه نصر بن عمران بن نوح بن مخلد الضبعي - بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة - من بني ضبيعة - بضمّ أوله مصغراً - وهم بطن من عبد القيس. كما جزم به الرشاطي.
وفي بكر بن وائل بطنٌ يقال لهم بنو ضبيعة أيضاً، وقد وهِم من نسب أبا جمرة إليهم من شُراح البخاري، فقد روى الطبراني وابن منده في ترجمة نوح بن مخلد - جد أبي جمرة - أنه قدم على رسول الله ﷺ فقال له: ممن أنت؟ قال: من ضُبيعة ربيعة. فقال: خير ربيعة عبد القيس , ثم الحي الذين أنتَ منهم.
قوله: (سألت ابن عبّاسٍ عن المُتعة) (٢) في رواية لهما " تمتعتُ
стр. 1957
فنهاني ناسٌ عن ذلك " لَم أقف على أسمائهم، وكان ذلك في زمن ابن الزّبير , وكان ينهى عن المتعة كما رواه مسلم من حديث أبي الزّبير عنه وعن جابر.
ونقل ابن أبي حاتم عن ابن الزّبير , أنّه كان لا يرى التّمتّع إلاَّ للمحصر. ووافقه علقمة وإبراهيم.
وقال الجمهور: لا اختصاص لذلك للحصر.
قوله: (فأمرني) أي: أن أستمرّ على عمرتي، ولأحمد ومسلم من طريق غندر عن شعبة عن أبي جمرة: فأتيت ابن عبّاس فسألته عن ذلك فأمرني بها، ثمّ انطلقتُ إلى البيت فنمتُ. فأتاني آتٍ في منامي.
قوله: (وسألته) أي: ابن عبّاس.
قوله: (عن الهدي) فقال فيها. أي: المتعة يعني يجب على من تمتّع دم.
قوله: (جزور) بفتح الجيم وضمّ الزّاي. أي: بعير ذكراً كان أو أنثى , وهو مأخوذ من الجزر. أي: القطع. ولفظها مؤنّث تقول هذه الجزور.
وقوله: (أو شاة) هو قول الجمهور , ورواه الطّبريّ وابن أبي حاتم بأسانيد صحيحة عنهم.
стр. 1958
ورَوَيا بإسنادٍ قويّ عن القاسم بن محمّد عن عائشة وابن عمر " أنّهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلاَّ من الإبل والبقر ". ووافقهما القاسم وطائفة.
قال إسماعيل القاضي في " الأحكام " له: أظنّهم ذهبوا إلى ذلك لقوله تعالى (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) فذهبوا إلى تخصيص ما يقع عليه اسم البدن.
قال: ويردّ هذا قوله تعالى (هدياً بالغ الكعبة). وأجمع المسلمون أنّ في الظّبي شاةً. فوقع عليها اسم هدي.
قلت: قد احتجّ بذلك ابن عبّاس.
فأخرج الطّبريّ بإسنادٍ صحيح إلى عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال ابن عبّاس: الهدي شاةٌ. فقيل له في ذلك، قال: أنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تقوون به ما في الظّبي؟ قالوا: شاة , قال: فإنّ الله تعالى يقول (هدياً بالغ الكعبة).
قوله: (أو شِرك) بكسر الشّين المعجمة وسكون الرّاء. أي: مشاركة في دم. أي: حيث يجزئ الشّيء الواحد عن جماعة.
وهذا موافق لِمَا رواه مسلم عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحجّ. فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر: كلّ سبعة منّا في بدنة.
وبهذا قال الشّافعيّ والجمهور سواء كان الهدي تطوّعاً أو واجباً. وسواء كانوا كلّهم متقرّبين بذلك أو كان بعضهم يريد التّقرّب ,
стр. 1959
وبعضهم يريد اللحم.
وعن أبي حنيفة: يشترط في الاشتراك أن يكونوا كلّهم متقرّبين بالهدي.
وعن زفر: مثله بزيادة أن تكون أسبابهم واحدة.
وعن داود وبعض المالكيّة: يجوز في هدي التّطوّع دون الواجب.
وعن مالك: لا يجوز مطلقاً.
واحتجّ له إسماعيل القاضي: بأنّ حديث جابر إنّما كان بالحديبية حيث كانوا محصرين , وأمّا حديث ابن عبّاس فخالف أبا جمرة عنه ثقات أصحابه. فرووا عنه أنّ ما استيسر من الهدي شاةٌ , ثمّ ساق ذلك بأسانيد صحيحةٍ عنهم عن ابن عبّاس.
قال: وقد روى ليث عن طاوس عن ابن عبّاس مثل رواية أبي جمرة , وليث ضعيف. قال: وحدّثنا سليمان عن حمّاد بن زيد عن أيّوب عن محمّد بن سيرين عن ابن عبّاس قال: ما كنت أرى أنّ دماً واحداً يقضي عن أكثر من واحد. انتهى.
وليس بين رواية أبي جمرة ورواية غيره منافاةٌ , لأنّه زاد عليهم ذكر الاشتراك ووافقهم على ذكر الشّاة , وإنّما أراد ابن عبّاس بالاقتصار على الشّاة , الرّدّ على من زعم اختصاص الهدي بالإبل والبقر. وذلك واضح فيما سنذكره بعد هذا.
وأمّا رواية محمّد عن ابن عبّاس فمنقطِعة , ومع ذلك لو كانت متّصلة احتمل أن يكون ابن عبّاس أخبر أنّه كان لا يرى ذلك من
стр. 1960
جهة الاجتهاد حتّى صحّ عنده النّقل بصحّة الاشتراك فأفتى به أبا جمرة , وبهذا تجتمع الأخبار , وهو أولى من الطّعن في روايةِ مَن أجمع العلماء على توثيقه والاحتجاج بروايته. وهو أبو جمرة الضّبعيّ.
وقد روي عن ابن عمر , أنّه كان لا يرى التّشريك , ثمّ رجع عن ذلك لَمّا بلغته السّنّة. قال أحمد: حدّثنا عبد الوهّاب حدّثنا مجاهد عن الشّعبيّ , قال: سألت ابن عمر. قلت: الجزور والبقرة تجزئ عن سبعة؟ قال: يا شعبيّ ولها سبعة أنفس؟ قال قلت: فإنّ أصحاب محمّد يزعمون , أنّ رسول الله ﷺ سنّ الجزور عن سبعة والبقرة عن سبعة. قال: فقال ابن عمر لرجلٍ: أكذلك يا فلان؟ قال: نعم. قال: ما شعرت بهذا.
وأمّا تأويل إسماعيل لحديث جابر بأنّه كان بالحديبية. فلا يدفع الاحتجاج بالحديث , بل روى مسلم من طريق أخرى عن جابر في أثناء حديث قال: فأمرنا رسول الله ﷺ إذا أحللنا أن نهدي ونجمع النّفر منّا في الهديّة.
وهذا يدلّ على صحّة أصل الاشتراك.
واتّفق مَن قال بالاشتراك على أنّه لا يكون في أكثر من سبعة إلاَّ إحدى الرّوايتين عن سعيد بن المسيّب فقال: تجزئ عن عشرةٍ. وبه قال إسحاق بن راهويه وابن خزيمة من الشّافعيّة. واحتجّ لذلك في صحيحه وقوّاه.
واحتجّ له ابن خزيمة: بحديث رافع بن خديج , أنّه ﷺ قسم
стр. 1961
فعدل عشراً من الغنم ببعير .. الحديث " وهو في الصّحيحين (١).
وأجمعوا على أنّ الشّاة لا يصحّ الاشتراك فيها.
قوله: (ومتعةٌ متقبّلةٌ) قال الإسماعيليّ وغيره: تفرّد النّضر (٢) بقوله " متعة " ولا أعلم أحداً من أصحاب شعبة رواه عنه إلاَّ قال " عمرة " وقال أبو نعيمٍ: قال أصحاب شعبة كلّهم " عُمرة " إلاَّ النّضر فقال " متعة ".
قلت: وقد أشار البخاري إلى هذا بما علَّقه بعد , فقال قال: آدم ووهب بن جرير وغندرٌ عن شعبة: عُمرة إلخ ".
أمّا طريق آدم. فوصلها عنه البخاري , وأمّا طريق وهب بن جرير. فوصلها البيهقيّ من طريق إبراهيم بن مرزوق عن وهب , وأمّا طريق غندر. فوصلها أحمد عنه , وأخرجها مسلم عن أبي موسى وبندار كلاهما عن غندر.
قوله: (فقال: الله أكبر سنّة أبي القاسم) هو خبر مبتدأ محذوف. أي: هذه سنّة، ويجوز فيه النّصب. أي: وافقت سنّة أبي القاسم أو على الاختصاص.
وفي رواية آدم عن شعبة عند البخاري " فقال لي (أي ابن عباس) أقم عندي، فأجعل لك سهماً من مالي، قال شعبة: فقلت: لَم؟ فقال
стр. 1962
(أي أبو جمرة) للرؤيا التي رأيت " أي: لأجل الرّؤيا المذكورة.
ويؤخذ منه إكرام من أخبر المرء بما يسرّه، وفرح العالم بموافقته الحقّ، والاستئناس بالرّؤيا لموافقة الدّليل الشّرعيّ، وعرض الرّؤيا على العالم، والتّكبير عند المسرّة.
والعمل بالأدلة الظّاهرة، والتّنبيه على اختلاف أهل العلم ليعمل بالرّاجح منه الموافق للدّليل.
стр. 1963
الحديث العشرون
٢٣٥ - عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: تمتّع رسول الله ﷺ في حجّة الوداع بالعمرة إلى الحجّ وأهدى. فساق معه الهدي من ذي الحليفة , وبدأ رسول الله ﷺ وأهل بالعمرة , ثمّ أهل بالحجّ , فتمتّع النّاس مع رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة إلى الحجّ , فكان من النّاس من أهدى , فساق الهدي من الحليفة. ومنهم من لَم يهد فلمّا قدم رسول الله ﷺ مكة , قال للنّاس: من كان منكم أهدى , فإنّه لا يحلّ من شيءٍ حرم منه حتّى يقضي حجّه. ومن لَم يكن أهدى. فليطف بالبيت وبالصّفا والمروة , وليقصّر وليحلل , ثمّ ليُهل بالحجّ وليهد , فمن لَم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةً إذا رجع إلى أهله , فطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكّة. واستلم الرّكن أوّل شيءٍ , ثمّ خبّ ثلاثة أطوافٍ من السّبع , ومشى أربعةً , وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين , ثمّ انصرف فأتى الصّفا , وطاف بالصّفا والمروة سبعة أطوافٍ , ثمّ لَم يَحْلِل من شيءٍ حرم منه حتّى قضى حجّه , ونحر هديه يوم النّحر. وأفاض فطاف بالبيت , ثمّ حلَّ من كل شيءٍ حرم منه , وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ : من أهدى وساق الهدي من النّاس. (١)
قوله: (تمتّع رسول الله ﷺ في حجّة الوداع بالعمرة إلى الحجّ) قال
стр. 1964
المُهلَّب: معناه أمر بذلك , لأنّه كان ينكر على أنس قوله " أنّه قرن " ويقول: بل كان مفرداً (١).
وأمّا قوله " وبدأ فأهل بالعمرة " فمعناه أمرهم بالتّمتّع وهو أن يهلّوا بالعمرة أوّلاً ويقدّموها قبل الحجّ , قال: ولا بدّ من هذا التّأويل لدفع التّناقض عن ابن عمر.
قلت: لَم يتعيّن هذا التّأويل المتعسّف.
وقد قال ابن المنير في الحاشية: إنّ حمل قوله " تمتّع " على معنى أمر من أبعد التّأويلات والاستشهاد عليه بقوله " رجم " وإنّما أمر بالرّجم. من أوهن الاستشهادات , لأنّ الرّجم من وظيفة الإمام , والذي يتولاه إنّما يتولاه نيابةً عنه , وأمّا أعمال الحجّ من إفرادٍ وقران وتمتّع. فإنّه وظيفة كلّ أحد عن نفسه.
ثمّ أجاز تأويلاً آخر , وهو أنّ الرّاوي عهد أنّ النّاس لا يفعلون إلاَّ كفعله , لا سيّما مع قوله " خذوا عنّي مناسككم " فلمّا تحقّق أنّ النّاس تمتّعوا. ظنّ أنّه ﵊ تمتّع فأطلق ذلك.
قلت: ولَم يتعيّن هذا أيضاً , بل يحتمل أن يكون معنى قوله " تمتّع " محمولاً على مدلوله اللّغويّ وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة
стр. 1965
والخروج إلى ميقاتها وغيرها , بل قال النّوويّ. إنّ هذا هو المتعيّن.
قال: وقوله " بالعمرة إلى الحجّ " أي: بإدخال العمرة على الحجّ. وسيأتي تقرير هذا التّأويل.
وإنّما المشكل هنا قوله " بدأ فأهل بالعمرة , ثمّ أهل بالحجّ " , لأنّ الجمع بين الأحاديث الكثيرة في هذا الباب استقرّ على أنّه بدأ أوّلاً بالحجّ ثمّ أدخل عليه العمرة. وهذا بالعكس.
وأجيب عنه: بأنّ المراد به صورة الإهلال. أي: لَمّا أدخل العمرة على الحجّ لبّى بهما فقال: لبّيك بعمرةٍ وحجّةٍ معاً.
وهذا مطابق لحديث أنسٍ في البخاري , لكن قد أنكر ابن عمر ذلك على أنس , فيحتمل: أن يحمل إنكار ابن عمر عليه كونه أطلق أنّه ﷺ جمع بينهما. أي: في ابتداء الأمر.
ويعيّن هذا التّأويل قوله في نفس الحديث " وتمتّع النّاس .. إلخ " فإنّ الذين تمتّعوا إنّما بدءوا بالحجّ , لكن فسخوا حجّهم إلى العمرة حتّى حلّوا بعد ذلك بمكّة , ثمّ حجّوا من عامهم.
قوله: (فساق معه الهدي من ذي الحليفة) أي: من الميقات , وفيه النّدب إلى سوق الهدي من المواقيت ومن الأماكن البعيدة , وهي من السّنن التي أغفلها كثيرٌ من النّاس.
قال المُهلَّب: أراد البخاري (١) أن يعرّف أنّ السّنّة في الهدي أن يساق من الحل إلى الحرم فإن اشتراه من الحرم خرج به إذا حجّ إلى