فعدل عشراً من الغنم ببعير .. الحديث " وهو في الصّحيحين (١).
وأجمعوا على أنّ الشّاة لا يصحّ الاشتراك فيها.
قوله: (ومتعةٌ متقبّلةٌ) قال الإسماعيليّ وغيره: تفرّد النّضر (٢) بقوله " متعة " ولا أعلم أحداً من أصحاب شعبة رواه عنه إلاَّ قال " عمرة " وقال أبو نعيمٍ: قال أصحاب شعبة كلّهم " عُمرة " إلاَّ النّضر فقال " متعة ".
قلت: وقد أشار البخاري إلى هذا بما علَّقه بعد , فقال قال: آدم ووهب بن جرير وغندرٌ عن شعبة: عُمرة إلخ ".
أمّا طريق آدم. فوصلها عنه البخاري , وأمّا طريق وهب بن جرير. فوصلها البيهقيّ من طريق إبراهيم بن مرزوق عن وهب , وأمّا طريق غندر. فوصلها أحمد عنه , وأخرجها مسلم عن أبي موسى وبندار كلاهما عن غندر.
قوله: (فقال: الله أكبر سنّة أبي القاسم) هو خبر مبتدأ محذوف. أي: هذه سنّة، ويجوز فيه النّصب. أي: وافقت سنّة أبي القاسم أو على الاختصاص.
وفي رواية آدم عن شعبة عند البخاري " فقال لي (أي ابن عباس) أقم عندي، فأجعل لك سهماً من مالي، قال شعبة: فقلت: لَم؟ فقال
стр. 1962
(أي أبو جمرة) للرؤيا التي رأيت " أي: لأجل الرّؤيا المذكورة.
ويؤخذ منه إكرام من أخبر المرء بما يسرّه، وفرح العالم بموافقته الحقّ، والاستئناس بالرّؤيا لموافقة الدّليل الشّرعيّ، وعرض الرّؤيا على العالم، والتّكبير عند المسرّة.
والعمل بالأدلة الظّاهرة، والتّنبيه على اختلاف أهل العلم ليعمل بالرّاجح منه الموافق للدّليل.
стр. 1963
الحديث العشرون
٢٣٥ - عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: تمتّع رسول الله ﷺ في حجّة الوداع بالعمرة إلى الحجّ وأهدى. فساق معه الهدي من ذي الحليفة , وبدأ رسول الله ﷺ وأهل بالعمرة , ثمّ أهل بالحجّ , فتمتّع النّاس مع رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة إلى الحجّ , فكان من النّاس من أهدى , فساق الهدي من الحليفة. ومنهم من لَم يهد فلمّا قدم رسول الله ﷺ مكة , قال للنّاس: من كان منكم أهدى , فإنّه لا يحلّ من شيءٍ حرم منه حتّى يقضي حجّه. ومن لَم يكن أهدى. فليطف بالبيت وبالصّفا والمروة , وليقصّر وليحلل , ثمّ ليُهل بالحجّ وليهد , فمن لَم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيّامٍ في الحجّ وسبعةً إذا رجع إلى أهله , فطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكّة. واستلم الرّكن أوّل شيءٍ , ثمّ خبّ ثلاثة أطوافٍ من السّبع , ومشى أربعةً , وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين , ثمّ انصرف فأتى الصّفا , وطاف بالصّفا والمروة سبعة أطوافٍ , ثمّ لَم يَحْلِل من شيءٍ حرم منه حتّى قضى حجّه , ونحر هديه يوم النّحر. وأفاض فطاف بالبيت , ثمّ حلَّ من كل شيءٍ حرم منه , وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ : من أهدى وساق الهدي من النّاس. (١)
قوله: (تمتّع رسول الله ﷺ في حجّة الوداع بالعمرة إلى الحجّ) قال
стр. 1964
المُهلَّب: معناه أمر بذلك , لأنّه كان ينكر على أنس قوله " أنّه قرن " ويقول: بل كان مفرداً (١).
وأمّا قوله " وبدأ فأهل بالعمرة " فمعناه أمرهم بالتّمتّع وهو أن يهلّوا بالعمرة أوّلاً ويقدّموها قبل الحجّ , قال: ولا بدّ من هذا التّأويل لدفع التّناقض عن ابن عمر.
قلت: لَم يتعيّن هذا التّأويل المتعسّف.
وقد قال ابن المنير في الحاشية: إنّ حمل قوله " تمتّع " على معنى أمر من أبعد التّأويلات والاستشهاد عليه بقوله " رجم " وإنّما أمر بالرّجم. من أوهن الاستشهادات , لأنّ الرّجم من وظيفة الإمام , والذي يتولاه إنّما يتولاه نيابةً عنه , وأمّا أعمال الحجّ من إفرادٍ وقران وتمتّع. فإنّه وظيفة كلّ أحد عن نفسه.
ثمّ أجاز تأويلاً آخر , وهو أنّ الرّاوي عهد أنّ النّاس لا يفعلون إلاَّ كفعله , لا سيّما مع قوله " خذوا عنّي مناسككم " فلمّا تحقّق أنّ النّاس تمتّعوا. ظنّ أنّه ﵊ تمتّع فأطلق ذلك.
قلت: ولَم يتعيّن هذا أيضاً , بل يحتمل أن يكون معنى قوله " تمتّع " محمولاً على مدلوله اللّغويّ وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة
стр. 1965
والخروج إلى ميقاتها وغيرها , بل قال النّوويّ. إنّ هذا هو المتعيّن.
قال: وقوله " بالعمرة إلى الحجّ " أي: بإدخال العمرة على الحجّ. وسيأتي تقرير هذا التّأويل.
وإنّما المشكل هنا قوله " بدأ فأهل بالعمرة , ثمّ أهل بالحجّ " , لأنّ الجمع بين الأحاديث الكثيرة في هذا الباب استقرّ على أنّه بدأ أوّلاً بالحجّ ثمّ أدخل عليه العمرة. وهذا بالعكس.
وأجيب عنه: بأنّ المراد به صورة الإهلال. أي: لَمّا أدخل العمرة على الحجّ لبّى بهما فقال: لبّيك بعمرةٍ وحجّةٍ معاً.
وهذا مطابق لحديث أنسٍ في البخاري , لكن قد أنكر ابن عمر ذلك على أنس , فيحتمل: أن يحمل إنكار ابن عمر عليه كونه أطلق أنّه ﷺ جمع بينهما. أي: في ابتداء الأمر.
ويعيّن هذا التّأويل قوله في نفس الحديث " وتمتّع النّاس .. إلخ " فإنّ الذين تمتّعوا إنّما بدءوا بالحجّ , لكن فسخوا حجّهم إلى العمرة حتّى حلّوا بعد ذلك بمكّة , ثمّ حجّوا من عامهم.
قوله: (فساق معه الهدي من ذي الحليفة) أي: من الميقات , وفيه النّدب إلى سوق الهدي من المواقيت ومن الأماكن البعيدة , وهي من السّنن التي أغفلها كثيرٌ من النّاس.
قال المُهلَّب: أراد البخاري (١) أن يعرّف أنّ السّنّة في الهدي أن يساق من الحل إلى الحرم فإن اشتراه من الحرم خرج به إذا حجّ إلى
стр. 1966
عرفة. وهو قول مالك قال: فإن لَم يفعل فعليه البدل. وهو قول الليث.
وقال الجمهور: إن وقف به بعرفة فحسنٌ. وإلا فلا بدل عليه.
وقال أبو حنيفة: ليس بسنّةٍ , لأنّ النّبيّ ﷺ إنّما ساق الهدي من الحل , لأنّ مسكنه كان خارج الحرم. وهذا كلّه في الإبل.
فأمّا البقر فقد يضعف عن ذلك والغنم أضعف , ومن ثَمَّ قال مالك: لا يساق إلاَّ من عرفة أو ما قرب منها , لأنّها تضعف عن قطع طول المسافة.
قوله: (فلمّا قدم رسول الله ﷺ مكة) سيأتي إن شاء الله (١)
قوله: (فإنّه لا يحلّ من شيء) سيأتي بيانه في حديث حفصة إن شاء الله.
قوله: (وليقصّر) قال النّوويّ: معناه أنّه يفعل الطّواف والسّعي والتّقصير ويصير حلالاً , وهذا دليل على أنّ الحلق أو التّقصير نسك وهو الصّحيح.
وقيل: استباحة محظور.
قال: وإنّما أمره بالتّقصير دون الحلق مع أنّ الحلق أفضل ليبقى له شعر يحلقه في الحجّ. (٢)
стр. 1967
قوله: (وليحلل) هو أمرٌ معناه الخبر. أي: قد صار حلالاً فله فعل كل ما كان محظوراً عليه في الإحرام , ويحتمل: أن يكون أمراً على الإباحة لفعل ما كان عليه حراماً قبل الإحرام.
قوله: (ثمّ ليهلّ بالحجّ) أي: يحرم وقت خروجه إلى عرفة , ولهذا أتى بثمّ الدّالة على التّراخي. فلم يرد أن يهل بالحجّ عقب إهلاله من العمرة.
قوله: (وليهد) أي: هدي التّمتّع. وهو واجب بشروطه.
قوله: (فمن لَم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيّام في الحجّ) أي: لَم يجد الهدي بذلك المكان , ويتحقّق ذلك بأن يعدم الهدي أو يعدم ثمنه حينئذ , أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهمّ من ذلك , أو يجده لكن يمتنع صاحبه من بيعه , أو يمتنع من بيعه إلاَّ بغلائه , فينقل إلى الصّوم كما هو نصّ القرآن.
والمراد بقوله " في الحجّ ". أي: بعد الإحرام به.
وقال النّوويّ: هذا هو الأفضل فإن صامها قبل الإهلال بالحجّ أجزأه على الصّحيح, وأمّا قبل التّحلّل من العمرة فلا على الصّحيح.
قاله مالكٌ , وجوّزه الثّوريّ وأصحاب الرّأي.
وعلى الأوّل. فمن استحبّ صيام عرفة بعرفة قال: يُحرِمُ يوم السّابع ليصوم السّابع والثّامن والتّاسع. وإلا فيُحرِم يوم السّادس
стр. 1968
ليفطر بعرفة فإن فاته الصّوم قضاه , وقيل: يسقط ويستقرّ الهدي في ذمّته , وهو قول الحنفيّة.
وفي صوم أيّام التّشريق لهذا. قولان للشّافعيّة. أظهرهما لا يجوز.
قال النّوويّ: وأصحّهما من حيث الدّليل الجواز (١).
قوله: (ثمّ خبّ) تقدّم الكلام عليه. (٢)
قوله: (وركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين). وفي حديث جابر الطّويل في صفة حجّة الوداع عند مسلم " طاف ثمّ تلا (واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى) فصلَّى عند المقام ركعتين ".
قال ابن المنذر: احتملت قراءته أن تكون صلاة الرّكعتين خلف المقام فرضاً، لكن أجمع أهل العلم على أنّ الطّائف تُجزئه ركعتا الطّواف حيث شاء، إلاَّ شيئاً ذُكر عن مالك. في أنّ من صلَّى ركعتي الطّواف الواجب في الحجر يعيد.
ونقل بعض أصحابنا عن الثوري. أنه كان يعيّنهما خلف المقام.
وقوله: (ثمّ سلَّم. فانصرف فأتى الصّفا) ظاهره أنّه لَم يتخلل بينهما عمل آخر , لكن في حديث جابر الطّويل في صفة الحجّ عند مسلم " ثمّ رجع إلى الحجر فاستلمه , ثمّ خرج من باب الصّفا "
قوله: (ثمّ حلَّ من كل شيء حرُم منه) سيأتي في حديث حفصة أنّ
стр. 1969
سبب عدم إحلاله كونه ساق الهدي , وإلا لكان يفسخ الحجّ إلى العمرة , ويتحلل منها كما أمر به أصحابه.
واستدل به على أنّ التّحلّل لا يقع بمجرّد طواف القدوم. خلافاً لابن عبّاس وهو واضح.
وقوله: (وفعل مثل ما فعل) إشارة إلى عدم خصوصيّته بذلك.
وفيه مشروعيّة طواف القدوم للقارن والرّمل فيه إن عقّبه بالسّعي، وتسمية السّعي طوافاً، وطواف الإفاضة يوم النّحر.
واستدل به على أنّ الحلق ليس بركن , وليس بواضح , لأنّه لا يلزم من ترك ذكره في هذا الحديث أن لا يكون وقع , بل هو داخل في عموم قوله " حتّى قضى حجّه ".
قوله: (من أهدى) فاعل قوله " وفعل "، وأغرب الكرمانيّ فشرحه على أنّ فاعل فعل هو ابن عمر راوي الخبر.
стр. 1970
الحديث الواحد والعشرون
٢٣٦ - عن حفصة زوج النّبيّ ﷺ , أنّها قالت: يا رسولَ الله , ما شأن النّاس حلّوا بعمرةٍ (١) ولَم تحلّ أنت من عمرتك؟ فقال: إنّي لبّدتُ رأسي , وقلَّدتُ هديي , فلا أَحلّ حتّى أنحر (٢).
قوله: (عن حفصة زوج النّبيّ ﷺ ) بنت عمر. (٣)
قوله: (قالت: يا رسولَ الله ما شأن النّاس حلّوا بعمرةٍ .. الحديث)، لَم يقع في رواية مسلم قوله " بعمرةٍ ".
وذكر ابن عبد البرّ. أنّ أصحاب مالك ذكرها بعضهم وحذفها بعضهم.
واستشكل كيف حلّوا بعمرةٍ مع قولها: ولَم تحلّ من عمرتك؟.
والجواب: أنّ المراد قولها " بعمرةٍ " أي: إنّ إحرامهم بعمرةٍ كان سبباً لسرعة حلهم.
واستدلَّ به على أنّ من ساق الهدي لا يتحلل من عمل العمرة حتّى يحلّ بالحجّ ويفرغ منه، لأنّه جعل العلة في بقائه على إحرامه كونه أهدى، وكذا وقع في حديث جابر " فلولا أني سقت الهدي لفعلت
стр. 1971
مثل الذي أمرتكم، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله " متفق عليه، وأخبر أنّه لا يحلّ حتّى ينحر الهدي. وهو قول أبي حنيفة وأحمد ومن وافقهما.
ويؤيّده قوله في حديث عائشة في الصحيحين " فأمر من لَم يكن ساق الهدي أن يحل " والأحاديث بذلك متضافرة.
وأجاب بعض المالكيّة والشّافعيّة عن ذلك: بأنّ السّبب في عدم تحلّله من العمرة كونه أدخلها على الحجّ، وهو مشكل عليه لأنّه يقول إنّ حجّه كان مفرداً.
وقال بعض العلماء: ليس لمَن قال كان مفرداً عن هذا الحديث انفصال، لأنّه إن قال به استشكل عليه كونه علل عدم التّحلّل بسوق الهدي , لأنّ عدم التّحلّل لا يمتنع على من كان قارناً عنده.
وجنح الأصيليّ وغيره: إلى توهيم مالك في قوله " ولَم تحلّ أنت من عمرتك " وأنّه لَم يقله أحد في حديث حفصة غيره.
وتعقّبه ابن عبد البرّ - على تقدير تسليم انفراده - بأنّها زيادة حافظ فيجب قبولها، على أنّه لَم ينفرد، فقد تابعه أيّوب وعبيد الله بن عمر , وهما مع ذلك حفّاظ أصحاب نافع. انتهى.
ورواية عبيد الله بن عمر عند مسلم، وقد أخرجه مسلم من رواية ابن جريجٍ والبخاريّ من رواية موسى بن عقبة , والبيهقيّ من رواية شعيب بن أبي حمزة ثلاثتهم عن نافع بدونها.
ووقع في رواية عبيد الله بن عمر عند الشّيخين " فلا أحلّ حتّى
стр. 1972
أحل من الحجّ ".
ولا تنافي هذه ورواية مالك , لأنّ القارن لا يحلّ من العمرة , ولا من الحجّ حتّى ينحر، فلا حجّة فيه لمن تمسّك بأنّه ﷺ كان متمتّعاً كما سيأتي، لأنّ قول حفصة " ولَم تحلّ من عمرتك " وقوله هو " حتّى أحلّ من الحجّ " ظاهر في أنّه كان قارناً.
وأجاب مَن قال كان مفرداً عن قوله " ولَم تحلّ من عمرتك " بأجوبةٍ:
الجواب الأول: قاله الشّافعيّ معناه: ولَم تحلّ أنت من إحرامك الذي ابتدأته معهم بنيّةٍ واحدة، بدليل قوله " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة "
الجواب الثاني: معناه ولَم تحلّ من حجّك بعمرةٍ كما أمرت أصحابك، قالوا: وقد تأتي " من " بمعنى الباء كقوله (يحفظونه من أمر الله) أي: بأمر الله، والتّقدير ولَم تحلّ أنت بعمرةٍ من إحرامك.
الجواب الثالث: ظنّت أنّه فسخ حجّه بعمرةٍ كما فعل أصحابه بأمره فقالت: لِمَ لَمْ تحلّ أنت أيضاً من عمرتك؟.
ولا يخفى ما في بعض هذه التّأويلات من التّعسّف.
والذي تجتمع به الرّوايات أنّه ﷺ كان قارناً. بمعنى أنّه أدخل العمرة على الحجّ بعد أن أهل به مفرداً، لا أنّه أوّل ما أهل أحرم بالحجّ والعمرة معاً.
стр. 1973
وفي البخاري من حديث عمر مرفوعاً " وقل عمرة في حجّة " وحديث أنس " ثمّ أهل بحجٍّ وعمرة " ولمسلمٍ من حديث عمران بن حصين " جمع بين حجٍّ وعمرة ".
ولأبي داود والنّسائيّ من حديث البراء مرفوعاً " أنّي سقت الهدي وقرنت " , وللنّسائيّ من حديث عليّ مثله.
ولأحمد من حديث سراقة , أنّ النّبيّ ﷺ قرن في حجّة الوداع. وله من حديث أبي طلحة " جمع بين الحجّ والعمرة ".
وللدّارقطنيّ من حديث أبي سعيد وأبي قتادة والبزّار من حديث ابن أبي أوفى ثلاثتهم مرفوعاً مثله.
وأجاب البيهقيّ عن هذه الأحاديث وغيرها نصرةً لِمن قال إنّه ﷺ كان مفرداً , فنقل عن سليمان بن حرب أنّ رواية أبي قلابة عن أنس , أنّه سمعهم يصرخون بهما جميعاً (١). أثْبتُ من رواية من روي عنه , أنّه ﷺ جمع بين الحجّ والعمرة.
ثمّ تعقّبه: بأنّ قتادة وغيره من الحفّاظ رووه عن أنس كذلك، فالاختلاف فيه على أنس نفسه، قال: فلعله سمع النّبيّ ﷺ يعلم غيره كيف يهلّ بالقران. فظنّ أنّه أهل عن نفسه.
وأجاب عن حديث حفصة: بما نقل عن الشّافعيّ أنّ معنى قولها "
стр. 1974
ولَم تحلّ أنت من عمرتك " أي: من إحرامك كما تقدّم، وعن حديث عمر بأنّ جماعة رووه بلفظ " صلَّى في هذا الوادي , وقال: عمرة في حجّة ".
قال: وهؤلاء أكثر عدداً ممّن رواه " وقل: عمرة في حجّة " فيكون إذناً في القران. لا أمراً للنّبيّ ﷺ في حال نفسه.
وعن حديث عمران (١): بأنّ المراد بذلك إذنه لأصحابه في القِران بدليل روايته الأخرى " أنّه ﷺ أعمر بعض أهله في العشر " وروايته الأخرى " أنّه ﷺ تمتّع " فإنّ مراده بكل ذلك إذنه في ذلك.
وعن حديث البراء (٢) بأنّه ساقه في قصّة عليّ , وقد رواها أنسٌ كما في البخاري وجابر كما أخرجه مسلم. وليس فيها لفظ " وقرنت " وأخرج حديث مجاهد عن عائشة قالت: لقد علم ابن عمر , أنّ النّبيّ
стр. 1975
- ﷺ قد اعتمر ثلاثاً سوى التي قرنها في حجّته " أخرجه أبو داود.
وقال البيهقيّ: تفرّد أبو إسحاق عن مجاهد بهذا، وقد رواه منصور عن مجاهد بلفظ " فقالت: ما اعتمر في رجبٍ قطّ " وقال: هذا هو المحفوظ، ثمّ أشار إلى أنّه اختلف فيه على أبي إسحاق. فرواه زهير بن معاوية عنه هكذا , وقال زكريّا: عن أبي إسحاق عن البراء.
ثمّ روى حديث جابر , أنّ النّبيّ ﷺ حجّ حجّتين قبل أن يهاجر وحجّة قرن منها عمرة. يعني بعدما هاجر.
وحكى عن البخاريّ , أنّه أعلَّه , لأنّه من رواية زيد بن الحباب عن الثّوريّ عن جعفر عن أبيه عنه، وزيدٌ ربّما يَهِم في الشّيء، والمحفوظ عن الثّوريّ مرسل، والمعروف عن جابر , أنّ النّبيّ ﷺ أهل بالحجّ خالصاً.
ثمّ روى حديث ابن عبّاس نحو حديث مجاهد عن عائشة , وأعلَّه بداود العطّار , وقال: إنّه تفرّد بوصله عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عبّاس، ورواه ابن عيينة عن عمرو فأرسله , ولَم يذكر ابن عبّاس.
ثمّ روى حديث الصُّبي بن معبد , أنّه أهل بالحجّ والعمرة معاً فأنكر عليه، فقال له عمر: هديت لسنّة نبيّك. الحديث. وهو في السّنن. وفيه قصّة.
وأجاب عنه: بأنّه يدلّ على جواز القران , لأنّ النّبيّ ﷺ كان قارناً.
ولا يخفى ما في هذه الأجوبة من التّعسّف.
стр. 1976
وقال النّوويّ: الصّواب الذي نعتقده أنّ النّبيّ ﷺ كان قارناً، ويؤيّده: أنّه ﷺ لَم يعتمر في تلك السّنة بعد الحجّ، ولا شكّ أنّ القِران أفضل من الإفراد الذي لا يعتمر في سننه عندنا، ولَم ينقل أحدٌ أنّ الحجّ وحده أفضل من القران.
كذا قال. والخلاف ثابت قديماً وحديثاً.
أمّا قديماً: فالثّابت عن عمر أنّه قال: إنّ أتمّ لحجّكم وعمرتكم أن تنشئوا لكلٍّ منهما سفراً. وعن ابن مسعود نحوه. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره.
وأمّا حديثاً: فقد صرّح القاضي حسين والمتولي بترجيح الإفراد , ولو لَم يعتمر في تلك السّنة.
وقال صاحب الهداية من الحنفيّة: الخلاف بيننا وبين الشّافعيّ مبنيّ على أنّ القارن يطوف طوافاً واحداً وسعياً واحداً فبهذا , قال: إنّ الإفراد أفضل، ونحن عندنا أنّ القارن يطوف طوافين وسعيين. فهو أفضل لكونه أكثر عملاً.
وقال الخطّابيّ: اختلفت الرّواية فيما كان النّبيّ ﷺ به محرماً.
والجواب عن ذلك بأنّ كلّ راوٍ أضاف إليه ما أمر به اتّساعاً، ثمّ رجّح بأنّه كان أفرد الحجّ، وهذا هو المشهور عند المالكيّة والشّافعيّة.
وقد بسط الشّافعيّ القول فيه في " اختلاف الحديث " وغيره. ورجّح أنّه ﷺ أحرم إحراماً مطلقاً ينتظر ما يؤمر به فنزّل عليه الحكم بذلك وهو على الصّفا، ورجّحوا الإفراد أيضاً بأنّ الخلفاء الرّاشدين
стр. 1977
واظبوا عليه ولا يظنّ بهم المواظبة على ترك الأفضل، وبأنّه لَم ينقل عن أحدٍ منهم أنّه كره الإفراد، وقد نقل عنهم كراهية التّمتّع والجمع بينهما حتّى فعله عليّ لبيان الجواز، وبأنّ الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع بخلاف التّمتّع والقران. انتهى
وهذا ينبني على أنّ دم القران دم جبران , وقد منعه من رجّح القران وقال: إنّه دم فضل وثواب كالأضحيّة، ولو كان دم نقص لَمَا قام الصّيام مقامه، ولأنّه يؤكل منه ودم النّقص لا يؤكل منه كدم الجزاء. قاله الطّحاويّ.
وقال عياض نحو ما قال الخطّابيّ. وزاد: وأمّا إحرامه هو فقد تضافرت الرّوايات الصّحيحة بأنّه كان مفرداً، وأمّا رواية من روى متمتّعاً فمعناه أمر به , لأنّه صرّح بقوله " ولولا أنّ معي الهدي لأحللت " فصحّ أنّه لَم يتحلل. وأمّا رواية من روى القران فهو إخبار عن آخر أحواله , لأنّه أدخل العمرة على الحجّ لَمّا جاء إلى الوادي وقيل له " قل عمرة في حجّة ". انتهى
وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه قديماً ابن المنذر. وبيّنه ابن حزم في " حجّة الوداع " بياناً شافياً , ومهّده المحبّ الطّبريّ تمهيداً بالغاً يطول ذكره.
ومحصّله: أنّ كلّ من روى عنه الإفراد حمل على ما أهلَّ به في أوّل الحال، وكلّ من روى عنه التّمتّع أراد ما أمر به أصحابه، وكلّ من روى عنه القران أراد ما استقرّ عليه أمره.
стр. 1978
ويترجّح رواية مَن روى القِران بأمورٍ:
الأول: أنّ معه زيادة علم على من روى الإفراد وغيره.
الثاني: أنّ من روى الإفراد والتّمتّع اختلف عليه في ذلك.
فأشهر من روى عنه الإفراد عائشة. وقد ثبت عنها أنّه اعتمر مع حجّته كما في الصحيحن، وابن عمر , وقد ثبت عنه " أنّه ﷺ بدأ بالعمرة ثمّ أهل بالحجّ " كما في البخاري.
وثبت " أنّه جمع بين حجٍّ وعمرة ثمّ حدث أنّ النّبيّ ﷺ فعل ذلك " كما في البخاري أيضاً، وجابر بقوله: إنّه اعتمر مع حجّته أيضاً ". وروى القِرانَ عنه جماعةٌ من الصّحابة لَم يختلف عليهم فيه.
الثالث: أنّه لَم يقع في شيء من الرّوايات النّقل عنه من لفظه أنّه قال: أفردت ولا تمتّعت، بل صحّ عنه أنّه قال " قرنت " وصحّ عنه أنّه قال " لولا أنّ معي الهدي لأحللت "
الرابع: أنّ من روى عنه القران لا يحتمل حديثه التّأويل إلاَّ بتعسّفٍ. بخلاف من روى الإفراد. فإنّه محمول على أوّل الحال وينتفي التّعارض.
ويؤيّده: أنّ من جاء عنه الإفراد جاء عنه صورة القران كما تقدّم، ومن روى عنه التّمتّع فإنّه محمول على الاقتصار على سفرٍ واحد للنّسكين.
ويؤيّده: أنّ من جاء عنه التّمتّع لَمّا وصفه. وصفه بصورة القِران , لأنّهم اتّفقوا على أنّه لَم يحلّ من عمرته حتّى أتمّ عمل جميع الحجّ.
стр. 1979
وهذه إحدى صور القران.
الخامس: أنّ رواية القران جاءت عن بضعة عشر صحابيّاً بأسانيد جياد بخلاف روايتي الإفراد والتّمتّع. وهذا يقتضي رفع الشّكّ عن ذلك , والمصير إلى أنّه كان قارناً.
القول الأول: مقتضى ذلك أن يكون القران أفضل من الإفراد ومن التّمتّع , وهو قول جماعة من الصّحابة والتّابعين.
وبه قال الثّوريّ وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه , واختاره من الشّافعيّة المزنيّ وابن المنذر وأبو إسحاق المروزيّ.
ومن المتأخّرين تقيّ الدّين السّبكيّ , وبحث مع النّوويّ في اختياره , أنّه ﷺ كان قارناً , وأنّ الإفراد مع ذلك أفضل. مستنداً إلى أنّه ﷺ اختار الإفراد أوّلاً , ثمّ أدخل عليه العمرة لبيان جواز الاعتمار في أشهر الحجّ لكونهم كانوا يعتقدونه من أفجر الفجور كما في الصحيحين.
وملخّص ما يتعقّب به كلامه: أنّ البيان قد سبق منه ﷺ في عمره الثّلاث فإنّه أحرم بكلٍّ منها في ذي القعدة عمرة الحديبية التي صدّ عن البيت فيها وعمرة القضيّة التي بعدها وعمرة الجعرانة، ولو كان أراد باعتماره عمرة حجّته بيان الجواز فقط مع أنّ الأفضل خلافه لاكتفى في ذلك بأمره أصحابه أن يفسخوا حجّهم إلى العمرة.
القول الثاني: ذهب جماعة من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم: إلى أنّ التّمتّع أفضل لكونه ﷺ تمنّاه , فقال " لولا أنّي سقت الهدي
стр. 1980
لأحللت " ولا يتمنّى إلاَّ الأفضل، وهو قول أحمد بن حنبل في المشهور عنه.
وأجيب: بأنّه إنّما تمنّاه تطييباً لقلوب أصحابه لحزنهم على فوات موافقته وإلا فالأفضل ما اختاره الله له واستمرّ عليه.
وقال ابن قدامة: يترجّح التّمتّع. بأنّ الذي يفرد. إن اعتمر بعدها فهي عمرة مختلف في إجزائها عن حجّة الإسلام , بخلاف عمرة التّمتّع فهي مجزئة بلا خلاف , فيترجّح التّمتّع على الإفراد ويليه القران، وقال من رجّح القران. هو أشقّ من التّمتّع وعمرته مجزئة بلا خلاف فيكون أفضل منهما.
القول الثالث: حكى عياض عن بعض العلماء , أنّ الصّور الثّلاث في الفضل سواء , وهو مقتضى تصرّف ابن خزيمة في " صحيحه ".
القول الرابع: عن أبي يوسف: القِران والتّمتّع في الفضل سواء. وهما أفضل من الإفراد.
القول الخامس: عن أحمد: من ساق الهدي فالقِران أفضل له ليوافق فعل النّبيّ ﷺ , ومن لَم يسق الهدي فالتّمتّع أفضل له ليوافق ما تمنّاه وأمر به أصحابه.
زاد بعض أتباعه: ومن أراد أن ينشئ لعمرته من بلده سفراً فالإفراد أفضل له , قال: وهذا أعدل المذاهب وأشبهها بموافقة الأحاديث الصّحيحة، فمَن قال الإفراد أفضل فعلى هذا يتنزّل , لأنّ أعمال سفرين للنّسكين أكثر مشقّة فيكون أعظم أجراً ولتجزئ عنه
стр. 1981
عمرته من غير نقص ولا اختلاف.
ومن العلماء من جمع بين الأحاديث على نمط آخر. مع موافقته على أنّه كان قارناً كالطّحاويّ وابن حبّان وغيرهما.
فقيل: أهلَّ أوّلاً بعمرةٍ , ثمّ لَم يحلل منها إلى أن أدخل عليها الحجّ يوم التّروية.
ومستند هذا القائل حديث ابن عمر في البخاري بلفظ " فبدأ رسول الله ﷺ بالعمرة , ثمّ أهل بالحجّ ".
وهذا لا ينافي إنكار ابن عمر على أنس كونه نقل أنّه ﷺ أهل بالحجّ والعمرة كما تقدّم لاحتمال أن يكون من إنكاره كونه نقل أنّه أهل بهما معاً , وإنّما المعروف عنده أنّه أدخل أحد النّسكين على الآخر , لكنّ جزمه بأنّه ﷺ بدأ بالعمرة مخالف لِمَا عليه أكثر الأحاديث. فهو مرجوح.
وقيل: أهلَّ أوّلاً بالحجّ مفرداً , ثمّ استمرّ على ذلك إلى أن أمر أصحابه بأن يفسخوا حجّهم فيجعلوه عمرة وفسخ معهم، ومنعه من التّحلّل من عمرته المذكورة ما ذكره في حديث الباب وغيره من سوق الهدي. فاستمرّ معتمراً إلى أن أدخل عليها الحجّ حتّى تحلل منهما جميعاً، وهذا يستلزم أنّه أحرم بالحجّ أوّلاً وآخراً، وهو محتمل , لكنّ الجمع الأوّل أولى.
وقيل: إنّه ﷺ أهل بالحجّ مفرداً واستمرّ عليه إلى أن تحلل منه بمنًى , ولَم يعتمر في تلك السّنة. وهو مقتضى من رجّح أنّه كان مفرداً.
стр. 1982
والذي يظهر لي. أنّ من أنكر القران من الصّحابة نفى أن يكون أهل بهما في أوّل الحال، ولا ينفي أن يكون أهل بالحجّ مفرداً , ثمّ أدخل عليه العمرة. فيجتمع القولان كما تقدّم. والله أعلم.
قوله: (ولَم تَحلِل) بكسر اللام الأولى. أي: لَم تحلّ، وإظهار التّضعيف لغة معروفة
قوله: (لبّدتُ) بتشديد الموحّدة. أي: شعر رأسي , والتّلبيد هو أن يجعل فيه شيء ليلتصق به، نحو الصمغ ليجتمع شعره , لئلا يتشعث في الإحرام أو يقع فيه القمل , ولأبي داود والحاكم من طريق نافع عن ابن عمر أنه ﷺ لبَّد رأسه بالعسل ".
قال ابن عبد السلام: يحتمل: أنه بفتح المهملتين , ويحتمل: أنه بكسر المعجمة وسكون المهملة. وهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو غيره.
قلت: ضبطناه في روايتنا في سنن أبي داود بالمهملتين , ويؤخذ منه استحباب ذلك للمحرم.
واختلفوا فيمن لبّد. هل يتعيّن عليه الحلق أو لا؟.
فنقل ابن بطّال عن الجمهور تعيّن ذلك حتّى عن الشّافعيّ , وقال أهل الرّأي: لا يتعيّن بل إن شاء قصّر. انتهى.
وهذا قول الشّافعيّ في الجديد.
وليس للأوّل دليل صريح. وأعلى ما فيه ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: سمعت عمر يقول: من ضفر رأسه فليحلق , ولا
стр. 1983
تشبّهوا بالتّلبيد " وكان ابن عمر يقول: لقد رأيت رسول الله ﷺ ملبّداً.
أمّا قول عمر. فحمله ابن بطّال على أنّ المراد إن أراد الإحرام فضفر شعره ليمنعه من الشّعث لَم يجز له أن يقصّر، لأنّه فعل ما يشبه التّلبيد الذي أوجب الشّارع فيه الحلق، وكان عمر يرى أنّ من لبّد رأسه في الإحرام تعيّن عليه الحلق والنّسك , ولا يجزئه التّقصير، فشبّه من ضفر رأسه بمن لبّده. فلذلك أمر من ضفر أن يحلق.
ويحتمل: أن يكون عمر أراد الأمر بالحلق عند الإحرام حتّى لا يحتاج إلى التّلبيد ولا إلى الضّفر، أي: من أراد أن يضفّر أو يلبّد فليحلق فهو أولى من أن يضفّر أو يلبّد، ثمّ إذا أراد بعد ذلك التّقصير لَم يصل إلى الأخذ من سائر النّواحي كما هي السّنّة.
وأمّا قوله " تشبّهوا " فحكى ابن بطّال: أنّه بفتح أوّله. والأصل لا تتشبّهوا فحذفت إحدى التّاءين، قال: ويجوز ضمّ أوّله وكسر الموحّدة، والأوّل أظهر. وأمّا قول ابن عمر فظاهره أنّه فهم عن أبيه , أنّه كان يرى أنّ ترك التّلبيد أولى، فأخبر هو أنّه رأى النّبيّ ﷺ يفعله.
قوله: (وقلَّدتُ هديي) سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في حديث عائشة بعد حديث.
قوله: (فلا أحلّ حتّى أنحر) سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في حديث جابر. (١)
стр. 1984
الحديث الثاني والعشرون
٢٣٧ - عن عمران بن حصينٍ , قال: أُنزلت آية المُتعة في كتاب الله تعالى. ففعلناها مع رسول الله ﷺ , ولَم ينزل قرآنٌ يُحرّمها , ولَم ينه عنها حتّى مات. قال رجلٌ برأيه ما شاء.
قال البخاريّ: يقال: إنّه عمر.
ولمسلمٍ: نزلت آية المتعة - يعني مُتعة الحجّ - وأمرنا بها رسول الله ﷺ , ثمّ لَم تنزل آيةٌ تنسخ آية مُتعة الحجّ , ولَم ينه عنها رسول الله ﷺ حتّى مات (١) ولهما بمعناه. (٢)
قوله: (عن عمران بن حصين) الخزاعيّ، ولمسلمٍ من طريق شعبة عن قتادة عن مطرّف: بعث إليّ عمران بن حصين في مرضه الذي توفّي فيه , فقال: إنّي كنت محدّثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك .. فذكر الحديث.
قوله: (أنزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى) أي: بجوازه. يشير إلى قوله تعالى (فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ) الآية. ورواه مسلم من طريق عبد الصّمد بن عبد الوارث عن همّام عن قتادة بلفظ " ولَم ينزل فيه القرآن " أي: بمنعه.
وتوضّحه رواية مسلم الأخرى من طريق شعبة وسعيد بن أبي
стр. 1985
عروبة كلاهما عن قتادة بلفظ " ثمّ لَم ينزل فيها كتاب الله , ولَم ينه عنها نبيّ الله ". وزاد من طريق شعبة عن حميد بن هلال عن مطرّف " ولَم ينزل فيه القرآن بحرمةٍ " وله من طريق أبي العلاء عن مطرّف " فلم تنزل آية تنسخ ذلك , ولَم تنه عنه حتّى مضى لوجهه ".
وللإسماعيليّ من طريق عفّان عن همّام " تمتّعنا مع رسول الله ﷺ ونزل فيه القرآن , ولَم ينهنا رسول الله ﷺ , ولَم ينسخها شيء ".
وقد أخرجه البخاري من طريق أبي رجاء العطارديّ عن عمران بلفظ " أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله ﷺ , ولَم ينزل قرآن بحرمةٍ فلم ينه عنها حتّى مات، قال رجل برأيه ما شاء.
قوله: (قال رجلٌ برأيه ما شاء) في رواية أبي العلاء " ارتأى كلّ امرئٍ بعدما شاء أن يرتئي " قائل ذلك هو عمران بن حصين، ووهِم من زعم أنّه مطرّف الرّاوي عنه لثبوت ذلك في رواية أبي رجاء عن عمران كما ذكرته قبل.
قوله: (قال البخاريّ: يقال: إنّه عمر) حكى الحميديّ: أنّه وقع في البخاريّ في رواية أبي رجاء عن عمران , قال البخاريّ: يقال إنّه عمر، أي: الرّجل الذي عناه عمران بن حصين.
ولَم أر هذا في شيء من الطّرق التي اتّصلت لنا من البخاريّ، لكن نقله الإسماعيليّ عن البخاريّ كذلك , فهو عمدة الحميديّ في ذلك، وبهذا جزم القرطبيّ والنّوويّ وغيرهما.
وكأنّ البخاريّ أشار بذلك إلى رواية الجريريّ عن مطرّف , فقال في
стр. 1986
آخره: ارتأى رجلٌ برأيه ما شاء. يعني عمر، كذا في الأصل أخرجه مسلم عن محمّد بن حاتم عن وكيع عن الثّوريّ عنه.
وقال ابن التّين: يحتمل أن يريد عمر أو عثمان.
وأغرب الكرمانيّ فقال: ظاهر سياق كتاب البخاريّ أنّ المراد به عثمان، وكأنّه لقرب عهده بقصّة عثمان مع عليّ (١) جزم بذلك، وذلك غير لازم فقد سبقت قصّة عمر مع أبي موسى (٢) في ذلك.
стр. 1987
ووقعت لمعاوية أيضاً مع سعد بن أبي وقّاص في صحيح مسلم قصّة في ذلك.
والأولى أن يُفسّر بعمر , فإنّه أوّل من نهى عنها , وكأنّ من بعده كان تابعاً له في ذلك، وفي مسلم أيضاً , أنّ ابن الزّبير كان ينهى عنها وابن عبّاس يأمر بها، فسألوا جابراً فأشار إلى أنّ أوّل من نهى عنها عمر.
ثمّ في حديث عمران هذا ما يعكّر على عياض وغيره في جزمهم أنّ المتعة التي نهى عنها عمر وعثمان هي فسخ الحجّ إلى العمرة لا العمرة التي يحجّ بعدها، فإنّ في بعض طرقه عند مسلم التّصريح بكونها متعة الحجّ، وفي رواية له أيضاً " أنّ رسول الله ﷺ أعمر بعض أهله في العشر " وفي رواية له " جمع بين حجٍّ وعمرة " ومراده التّمتّع المذكور. وهو الجمع بينهما في عام واحد كما في البخاري صريحاً في حديث ابن
стр. 1988
عبّاس.
ولمسلمٍ من طريق إبراهيم بن أبي موسى الأشعريّ عن أبيه , أنّه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك .. الحديث.
وفي هذه الرّواية تبيين عمر العلة التي لأجلها كره التّمتّع , وهي قوله: قد علمتُ أنّ النّبيّ ﷺ فعله , ولكن كرهت أن يظلّوا معرّسين بهنّ - أي بالنّساء - ثمّ يروحوا في الحجّ تقطر رءوسهم. انتهى.
وكان من رأي عمر عدم التّرفّه للحجّ بكل طريق، فكره لهم قرب عهدهم بالنّساء , لئلا يستمرّ الميل إلى ذلك بخلاف من بعد عهده به، ومن يفطم ينفطم.
وقد أخرج مسلم من حديث جابر أنّ عمر قال: افصلوا حجّكم من عمرتكم فإنّه أتمّ لحجّكم وأتمّ لعمرتكم. وفي رواية " إنّ الله يحلّ لرسوله ما شاء، فأتمّوا الحجّ والعمرة كما أمركم الله ".
ومحصّل جواب عمر في منعه النّاس من التّحلّل بالعمرة. أنّ كتاب الله دالٌّ على منع التّحلّل لأمره بالإتمام فيقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحجّ، وأنّ سنّة رسول الله ﷺ أيضاً دالة على ذلك , لأنّه لَم يحلّ حتّى بلغ الهدي محلّه.
لكنّ الجواب عن ذلك: ما أجاب به هو ﷺ حيث قال: ولولا أنّ معي الهدي لأحللتُ. فدلَّ على جواز الإحلال لمن لَم يكن معه هدي، وتبيّن من مجموع ما جاء عن عمر في ذلك أنّه منع منه سدّاً للذّريعة.
وقال المازريّ: قيل: إنّ المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحجّ إلى
стр. 1989
العمرة. وقيل: العمرة في أشهر الحجّ ثمّ الحجّ من عامه، وعلى الثّاني إنّما نهى عنها ترغيباً في الإفراد الذي هو أفضل لا أنّه يعتقد بطلانها وتحريمها.
وقال عياض: الظّاهر أنّه نهى عن الفسخ. ولهذا كان يضرب النّاس عليها كما رواه مسلم بناء على معتقده أنّ الفسخ كان خاصّاً بتلك السّنة.
قال النّوويّ: والمختار أنّه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحجّ , ثمّ الحجّ من عامه. وهو على التّنزيه للتّرغيب في الإفراد كما يظهر من كلامه، ثمّ انعقد الإجماع على جواز التّمتّع من غير كراهة ونفي الاختلاف في الأفضل، ويمكن أن يتمسّك من يقول بأنّه إنّما نهى عن الفسخ بقوله في الحديث الذي أشرنا إليه قريباً من مسلم " أنّ الله يحلّ لرسوله ما شاء " والله أعلم.
وفيه من الفوائد أيضاً
جواز نسخ القرآن بالقرآن ولا خلاف فيه، وجواز نسخه بالسّنّة وفيه اختلاف شهير، ووجه الدّلالة منه قوله " ولَم ينه عنها رسول الله ﷺ " فإنّ مفهومه أنّه لو نهى عنها لامتنعت , ويستلزم رفع الحكم ومقتضاه جواز النّسخ، وقد يؤخذ منه أنّ الإجماع لا ينسخ به لكونه حصر وجوه المنع في نزول آية أو نهي من النّبيّ ﷺ .
وفيه وقوع الاجتهاد في الأحكام بين الصّحابة، وإنكار بعض المجتهدين على بعض بالنّصِّ.
стр. 1990
باب الهدي
الحديث الثالث والعشرون
٢٣٨ - عن عائشة ﵂ , قالت: فَتَلْتُ قلائدَ هديِ رسول الله ﷺ , ثمّ أشعرتها وقلَّدها أو قلّدتها , ثمّ بعث بها إلى البيت. وأقام بالمدينة , فما حَرُم عليه شيءٌ كان له حِلاًّ. (١)
قوله: (فتلت قلائد هدي النّبيّ ﷺ ) وللبخاري " فتلت قلائدها من عهن كان عندي " وفيه ردٌّ على من كره القلائد من الأوبار , واختار أن تكون من نبات الأرض , وهو منقول عن ربيعة ومالك.
وقال ابن التّين: لعله أراد أنّه الأولى مع القول بجواز كونها من الصّوف. والله أعلم
قوله: (ثمّ أشعرها) فيه مشروعيّة الإشعار , وهو أن يكشط جلد البدنة حتّى يسيل دمٌ ثمّ يسلته فيكون ذلك علامة على كونها هدياً وبذلك قال الجمهور من السّلف والخلف.
وذكر الطّحاويّ في " اختلاف العلماء " كراهته عن أبي حنيفة , وذهب غيره إلى استحبابه للاتّباع حتّى صاحباه أبو يوسف ومحمّد فقالا: هو حسن. قال: وقال مالك: يختصّ الإشعار بمن لها سنام.
стр. 1991
قال الطّحاويّ: ثبت عن عائشة وابن عبّاس التّخيير في الإشعار وتركه فدلَّ على أنّه ليس بنسك , لكنّه غير مكروه لثبوت فعله عن النّبيّ ﷺ .
وقال الخطّابيّ وغيره: اعتلال من كره الإشعار بأنّه من المثلة مردود بل هو باب آخر كالكيّ وشقّ أذن الحيوان ليصير علامة وغير ذلك من الوسم. وكالختان والحجامة وشفقة الإنسان على المال عادة. فلا يخشى ما توهّموه من سريان الجرح حتّى يفضي إلى الهلاك. ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيّده الذي كرهه به كأنّه يقول: الإشعار الذي يفضي بالجرح إلى السّراية حتّى تهلك البدنة مكروه فكان قريباً.
وقد كثُر تشنيع المتقدّمين على أبي حنيفة في إطلاقه كراهة الإشعار , وانتصر له الطّحاويّ في " المعاني " فقال:
لَم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار. وإنّما كره ما يفعل على وجهٍ يخاف منه هلاك البدن كسراية الجرح , ولا سيّما مع الطّعن بالشّفرة. فأراد سدّ الباب عن العامّة , لأنّهم لا يراعون الحدّ في ذلك , وأمّا من كان عارفاً بالسّنّة في ذلك فلا.
وفي هذا تعقّبٌ على الخطّابيّ حيث قال: لا أعلم أحداً كره الإشعار إلاَّ أبا حنيفة , وخالفه صاحباه فقالا بقول الجماعة. انتهى.
وروي عن إبراهيم النّخعيّ أيضاً , أنّه كره الإشعار. ذكر ذلك التّرمذيّ قال: سمعت أبا السّائب يقول: كنّا عند وكيع , فقال له رجل: روي عن إبراهيم النّخعيّ أنّه قال: الإشعار مثلةٌ , فقال له
стр. 1992
وكيع: أقول لك أشعر رسول الله ﷺ , وتقول قال إبراهيم!؟ ما أحقّك بأن تحبس. انتهى.
وفيه تعقّبٌ على ابن حزم في زعمه: أنّه ليس لأبي حنيفة في ذلك سلفٌ. وقد بالغ ابن حزم في هذا الموضع. ويتعيّن الرّجوع إلى ما قال الطّحاويّ فإنّه أعلم من غيره بأقوال أصحابه.
وفي هذا الحديث مشروعيّة الإشعار , وفائدته الإعلام بأنّها صارت هدياً ليتبعها من يحتاج إلى ذلك. وحتّى لو اختلطت بغيرها تميّزت أو ضلَّت عُرفت , أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشّرع وحثّ الغير عليه
تنبيه: اتّفق مَن قال بالإشعار. بإلحاق البقر في ذلك بالإبل , إلاَّ سعيد بن جبير.
واتّفقوا على أنّ الغنم لا تُشعر لضعفها , لكون صوفها أو شعرها يستر موضع الإشعار , وأمّا على ما نقل عن مالك. فلكونها ليست ذات أسنمة. والله أعلم.
قوله: (وقلدها) في رواية لهما عن عمرة عن عائشة " ثم قلَّدها رسول الله ﷺ بيديه.
قال ابن التّين: يحتمل أن يكون قول عائشة " ثمّ قلدها بيده " بياناً لحفظها للأمر ومعرفتها به. ويحتمل أن تكون أرادت أنّه ﷺ تناول ذلك بنفسه وعلم وقت التّقليد , ومع ذلك فلم يمتنع من شيء يمتنع منه المُحرم , لئلا يظنّ أحدٌ أنّه استباح ذلك قبل أن يعلم بتقليد
стр. 1993
الهدي.
قوله: (ثمّ بعث بها إلى البيت) ولهما من وجه آخر عن عمرة عن عائشة " ثم بعث بها مع أَبِي " بفتح الهمزة وكسر الموحّدة الخفيفة. تريد بذلك أباها أبا بكر الصّديق. واستفيد من ذلك وقت البعث. وأنّه كان في سنة تسع عام حجّ أبو بكر بالنّاس.
قال ابن التّين: أرادت عائشة بذلك علمها بجميع القصّة , ويحتمل: أن تريد أنّه آخر فعل النّبيّ ﷺ , لأنّه حجّ في العام الذي يليه حجّة الوداع , لئلا يظنّ ظانّ أنّ ذلك كان في أوّل الإسلام ثمّ نسخ. فأرادت إزالة هذا اللبس وأكملت ذلك بقولها " , فلم يحرم عليه شيء كان له حلاً حتّى نحر الهدي " أي: وانقضى أمره ولَم يحرم وترك إحرامه بعد ذلك أحرى وأولى , لأنّه إذا انتفى في وقت الشّبهة فلأن ينتفي عند انتفاء الشّبهة أولى.
وحاصل اعتراض عائشة على ابن عبّاس , أنّه ذهب إلى ما أفتى به. قياساً للتّولية في أمر الهدي على المباشرة له , فبيّنت عائشة أنّ هذا القياس لا اعتبار له في مقابلة هذه السّنّة الظّاهرة.
وفي الحديث من الفوائد: تناول الكبيرِ الشّيءَ بنفسه وإن كان له من يكفيه إذا كان ممّا يهتمّ به , ولا سيّما ما كان من إقامة الشّرائع وأمور الدّيانة.
وفيه تعقّب بعض العلماء على بعضٍ، وردّ الاجتهاد بالنّصّ , وأنّ الأصل في أفعاله ﷺ التّأسّي به حتّى تثبت الخصوصيّة.
стр. 1994
قوله: (فما حرم عليه شيءٌ كان له حلاًّ) ولهما عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنّ زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة، أنَّ عبد الله بن عباس، قال: من أهدى هدياً حرم عليه ما يحرم على الحاج، حتى ينحر الهدي، وقد بعثتُ بهديي، فاكتبي إلي بأمرك، قالت عمرة: قالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس , أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلَّدها رسول الله ﷺ بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله له حتى نحر الهدي.
وللبخاري عن مسروق أنّه قال: يا أمّ المؤمنين إنّ رجلاً يبعث بالهدي إلى الكعبة , ويجلس في المِصْر فيوصي أن تقلد بدنته فلا يزال من ذلك اليوم محرماً حتّى يحل النّاس .. فذكر الحديث نحوه.
ولفظ الطّحاويّ في حديث مسروق , قال: قلت لعائشة: إنّ رجالاً هاهنا يبعثون بالهدي إلى البيت ويأمرون الذي يبعثون معه بمعلم لهم يقلدها في ذلك اليوم فلا يزالون محرمين حتّى يحل النّاس " الحديث.
وقال سعيد بن منصور: حدّثنا هشيمٌ حدّثنا يحيى بن سعيد حدّثنا محدّث عن عائشة وقيل لها: إنّ زياداً إذا بعث بالهدي أمسك عمّا يمسك عنه المُحرم حتّى ينحر هديه , فقالت عائشة: أو له كعبةٌ يطوف بها؟!.
قال: وحدّثنا يعقوب حدّثنا هشام عن أبيه , بلغ عائشة أنّ زياداً بعث بالهدي , وتجرّد. فقالت: إنْ كنت لأفتل قلائد هدي النّبيّ ﷺ -
стр. 1995
ثمّ يبعث بها وهو مقيم عندنا. ما يجتنب شيئاً.
وروى مالك في " الموطّإ " عن يحيى بن سعيد عن محمّد بن إبراهيم التّيميّ عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير , أنّه رأى رجلاً متجرّداً بالعراق فسأل عنه , فقالوا: إنّه أمر بهديه أن يقلد , قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزّبير فذكرت له ذلك فقال: بدعةٌ وربّ الكعبة.
ورواه ابن أبي شيبة عن الثّقفيّ عن يحيى بن سعيد أخبرني محمّد بن إبراهيم , أنّ ربيعة أخبره , أنّه رأى ابن عبّاس - وهو أمير على البصرة في زمان عليّ - مُتجرّداً على منبر البصرة. فذكره. فعرف بهذا اسم المبهم في رواية مالك.
قال ابن التّين: خالف ابن عبّاس في هذا جميع الفقهاء , واحتجّت عائشة بفعل النّبيّ ﷺ وما روته في ذلك يجب أن يصار إليه , ولعل ابن عبّاس رجع عنه. انتهى.
وفيه قصور شديد. فإنّ ابن عبّاس لَم ينفرد بذلك , بل ثبت ذلك عن جماعة من الصّحابة.
منهم ابن عمر. رواه ابن أبي شيبة عن ابن عليّة عن أيّوب، وابن المنذر من طريق ابن جريج كلاهما عن نافع , أنّ ابن عمر كان إذا بعث بالهدي , يُمسك عمّا يُمسك عنه المُحرم إلاَّ أنّه لا يلبّي.
ومنهم قيس بن سعد بن عبادة. أخرج سعيد بن منصور من طريق سعيد بن المسيّب عنه نحو ذلك.
وروى ابن أبي شيبة من طريق محمّد بن عليّ بن الحسين عن عمر
стр. 1996
وعليّ , أنّهما قالا في الرّجل يرسل ببدنته: أنّه يمسك عمّا يمسك عنه المُحرم. وهذا منقطع.
وقال ابن المنذر: قال عمر وعليّ وقيس بن سعد وابن عمر وابن عبّاس والنّخعيّ وعطاء وابن سيرين. وآخرون: من أرسل الهدي وأقام حرم عليه ما يحرم على المُحرم.
وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزّبير وآخرون: لا يصير بذلك محرماً. وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار.
ومن حجّة الأوّلين: ما رواه الطّحاويّ وغيره من طريق عبد الملك بن جابر عن أبيه قال: كنت جالساً عند النّبيّ ﷺ فقدَّ قميصه من جيبه حتّى أخرجه من رجليه , وقال: إنّي أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا فلبستُ قميصي ونسيتُ , فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي. الحديث.
وهذا لا حجّة فيه لضعف إسناده , إلاَّ أنّ نسبة ابن عبّاس إلى التّفرّد بذلك خطأ. وقد ذهب سعيد بن المسيّب , إلى أنّه لا يجتنب شيئاً ممّا يجتنبه المُحرم إلاَّ الجماع ليلة جمعٍ. رواه ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح.
نعم. جاء عن الزّهريّ ما يدلّ على أنّ الأمر استقرّ على خلاف ما قال ابن عبّاس. ففي نسخة أبي اليمان عن شعيب عنه. وأخرجه البيهقيّ من طريقه قال: أوّل من كشف العمى عن النّاس وبيّن لهم السّنّة في ذلك عائشة " فذكر الحديث عن عروة وعمرة عنها , قال:
стр. 1997
فلمّا بلغ النّاسَ قولُ عائشة أخذوا به , وتركوا فتوى ابن عبّاس.
وذهب جماعة من فقهاء الفتوى إلى أنّ من أراد النّسك صار بمجرّد تقليده الهدي مُحرماً. حكاه ابن المنذر عن الثّوريّ وأحمد وإسحاق.
قال: وقال أصحاب الرّأي: من ساق الهدي وأمّ البيت ثمّ قلَّد وجب عليه الإحرام.
قال: وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرماً , ولا يجب عليه شيء.
ونقل الخطّابيّ عن أصحاب الرّأي مثل قول ابن عبّاس , وهو خطأٌ عليهم. فالطّحاويّ أعلم بهم منه.
ولعل الخطّابيّ ظنّ التّسوية بين المسألتين.
стр. 1998
الحديث الرابع والعشرون
٢٣٩ - عن عائشة ﵂ , قالت: أهدى رسول الله ﷺ مرّةً غنماً. (١)
قوله: (أهدى رسول الله ﷺ مرّةً غنماً) زاد مسلم " فقلّدها " , وفي رواية لهما " كنت أفتل القلائد للنبي ﷺ ، فيقلّد الغنم ويقيم في أهله حلالاً ".
قال ابن المنذر: أنكر مالك وأصحاب الرّأي تقليدها.
زاد غيره: وكأنّهم لَم يبلغهم الحديث. ولَم نجد لهم حجّة إلاَّ قول بعضهم: إنّها تضعف عن التّقليد , وهي حجّةٌ ضعيفة , لأنّ المقصود من التّقليد العلامة , وقد اتّفقوا على أنّها لا تشعر لأنّها تضعف عنه فتقلد بما لا يضعفها , والحنفيّة في الأصل يقولون: ليست الغنم من الهدي , فالحديث حجّة عليهم من جهةٍ أخرى.
وقال ابن عبد البرّ: احتجّ من لَم ير بإهداء الغنم. بأنّه ﷺ حجّ مرّة واحدة , ولَم يهد فيها غنماً. انتهى.
وما أدري ما وجه الحجّة منه , لأنّ حديث الباب دالٌّ على أنّه أرسل بها وأقام , وكان ذلك قبل حجّته قطعاً فلا تعارض بين الفعل والتّرك , لأنّ مجرّد التّرك لا يدلّ على نسخ الجواز.
стр. 1999
ثمّ مَن الذي صرّح من الصّحابة بأنّه لَم يكن في هداياه في حجّته غنمٌ حتّى يسوغ الاحتجاج بذلك؟.
ثمّ ساق ابن المنذر من طريق عطاء وعبيد الله بن أبي يزيد وأبي جعفر محمّد بن عليّ وغيرهم قالوا: رأينا الغنم تقدّم مقلدةً. ولابن أبي شيبة عن ابن عبّاس نحوه.
والمراد بذلك الرّدّ على من ادّعى الإجماع على ترك إهداء الغنم وتقليدها.
وأعلَّ بعض المخالفين حديث الباب: بأنّ الأسود تفرّد عن عائشة (١) بتقليد الغنم دون بقيّة الرّواة عنها من أهل بيتها وغيرهم.
قال المنذري وغيره: وليست هذه بعلة , لأنّه حافظٌ ثقة لا يضرّه التّفرّد. انتهى
ولفظ الهدي أعمّ من أن يكون لغنم أو غيرها. فالغنم فرد من أفراد ما يهدى , وقد ثبت أنّه ﷺ أهدى الإبل وأهدى البقر. فمن ادّعى اختصاص الإبل بالتّقليد فعليه البيان
стр. 2000
الحديث الخامس والعشرون
٢٤٠ - عن أبي هريرة ﵁ , أنّ نبيّ الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنةً , فقال: اركبها , قال: إنّها بدنةٌ. قال: اركبها , فرأيته راكبها , يساير النّبيّ ﷺ .
وفي لفظٍ: قال في الثّانية , أو الثّالثة: اركبها , ويلك , أو ويحك. (١)
قوله: (رأى رجلاً) لَم أقف على اسمه بعد طول البحث.
قوله: (يسوق بدنة) كذا في معظم الأحاديث , ووقع لمسلم من طريق بكير بن الأخنس عن أنس " مرّ ببدنة أو هديّة ".
ولأبي عوانة من هذا الوجه " أو هدي " وهو ممّا يوضّح أنّه ليس المراد بالبدنة مجرّد مدلولها اللّغويّ.
ولمسلم من طريق المغيرة عن أبي الزّناد عن الأعرج عن أبي هريرة " بينا رجلٌ يسوق بدنة مُقلَّدة ". وكذا في طريق همّام عن أبي هريرة.
قوله: (فقال: اركبها) زاد النّسائيّ من طريق سعيد عن قتادة , والجوزقيّ من طريق حميد عن ثابت كلاهما عن أنس " وقد جهده المشي " , ولأبي يعلى من طريق الحسن عن أنس " حافياً " لكنّها ضعيفة.