← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وعليّ , أنّهما قالا في الرّجل يرسل ببدنته: أنّه يمسك عمّا يمسك عنه المُحرم. وهذا منقطع. وقال ابن المنذر: قال عمر وعليّ وقيس بن سعد وابن عمر وابن عبّاس والنّخعيّ وعطاء وابن سيرين. وآخرون: من أرسل الهدي وأقام حرم عليه ما يحرم على المُحرم. وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزّبير وآخرون: لا يصير بذلك محرماً. وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار. ومن حجّة الأوّلين: ما رواه الطّحاويّ وغيره من طريق عبد الملك بن جابر عن أبيه قال: كنت جالساً عند النّبيّ ﷺ فقدَّ قميصه من جيبه حتّى أخرجه من رجليه , وقال: إنّي أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا فلبستُ قميصي ونسيتُ , فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي. الحديث. وهذا لا حجّة فيه لضعف إسناده , إلاَّ أنّ نسبة ابن عبّاس إلى التّفرّد بذلك خطأ. وقد ذهب سعيد بن المسيّب , إلى أنّه لا يجتنب شيئاً ممّا يجتنبه المُحرم إلاَّ الجماع ليلة جمعٍ. رواه ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح. نعم. جاء عن الزّهريّ ما يدلّ على أنّ الأمر استقرّ على خلاف ما قال ابن عبّاس. ففي نسخة أبي اليمان عن شعيب عنه. وأخرجه البيهقيّ من طريقه قال: أوّل من كشف العمى عن النّاس وبيّن لهم السّنّة في ذلك عائشة " فذكر الحديث عن عروة وعمرة عنها , قال:

стр. 1997

فلمّا بلغ النّاسَ قولُ عائشة أخذوا به , وتركوا فتوى ابن عبّاس. وذهب جماعة من فقهاء الفتوى إلى أنّ من أراد النّسك صار بمجرّد تقليده الهدي مُحرماً. حكاه ابن المنذر عن الثّوريّ وأحمد وإسحاق. قال: وقال أصحاب الرّأي: من ساق الهدي وأمّ البيت ثمّ قلَّد وجب عليه الإحرام. قال: وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرماً , ولا يجب عليه شيء. ونقل الخطّابيّ عن أصحاب الرّأي مثل قول ابن عبّاس , وهو خطأٌ عليهم. فالطّحاويّ أعلم بهم منه. ولعل الخطّابيّ ظنّ التّسوية بين المسألتين.

стр. 1998

الحديث الرابع والعشرون ٢٣٩ - عن عائشة ﵂ , قالت: أهدى رسول الله ﷺ مرّةً غنماً. (١) قوله: (أهدى رسول الله ﷺ مرّةً غنماً) زاد مسلم " فقلّدها " , وفي رواية لهما " كنت أفتل القلائد للنبي ﷺ ، فيقلّد الغنم ويقيم في أهله حلالاً ". قال ابن المنذر: أنكر مالك وأصحاب الرّأي تقليدها. زاد غيره: وكأنّهم لَم يبلغهم الحديث. ولَم نجد لهم حجّة إلاَّ قول بعضهم: إنّها تضعف عن التّقليد , وهي حجّةٌ ضعيفة , لأنّ المقصود من التّقليد العلامة , وقد اتّفقوا على أنّها لا تشعر لأنّها تضعف عنه فتقلد بما لا يضعفها , والحنفيّة في الأصل يقولون: ليست الغنم من الهدي , فالحديث حجّة عليهم من جهةٍ أخرى. وقال ابن عبد البرّ: احتجّ من لَم ير بإهداء الغنم. بأنّه ﷺ حجّ مرّة واحدة , ولَم يهد فيها غنماً. انتهى. وما أدري ما وجه الحجّة منه , لأنّ حديث الباب دالٌّ على أنّه أرسل بها وأقام , وكان ذلك قبل حجّته قطعاً فلا تعارض بين الفعل والتّرك , لأنّ مجرّد التّرك لا يدلّ على نسخ الجواز.

стр. 1999

ثمّ مَن الذي صرّح من الصّحابة بأنّه لَم يكن في هداياه في حجّته غنمٌ حتّى يسوغ الاحتجاج بذلك؟. ثمّ ساق ابن المنذر من طريق عطاء وعبيد الله بن أبي يزيد وأبي جعفر محمّد بن عليّ وغيرهم قالوا: رأينا الغنم تقدّم مقلدةً. ولابن أبي شيبة عن ابن عبّاس نحوه. والمراد بذلك الرّدّ على من ادّعى الإجماع على ترك إهداء الغنم وتقليدها. وأعلَّ بعض المخالفين حديث الباب: بأنّ الأسود تفرّد عن عائشة (١) بتقليد الغنم دون بقيّة الرّواة عنها من أهل بيتها وغيرهم. قال المنذري وغيره: وليست هذه بعلة , لأنّه حافظٌ ثقة لا يضرّه التّفرّد. انتهى ولفظ الهدي أعمّ من أن يكون لغنم أو غيرها. فالغنم فرد من أفراد ما يهدى , وقد ثبت أنّه ﷺ أهدى الإبل وأهدى البقر. فمن ادّعى اختصاص الإبل بالتّقليد فعليه البيان

стр. 2000

الحديث الخامس والعشرون ٢٤٠ - عن أبي هريرة ﵁ , أنّ نبيّ الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنةً , فقال: اركبها , قال: إنّها بدنةٌ. قال: اركبها , فرأيته راكبها , يساير النّبيّ ﷺ . وفي لفظٍ: قال في الثّانية , أو الثّالثة: اركبها , ويلك , أو ويحك. (١) قوله: (رأى رجلاً) لَم أقف على اسمه بعد طول البحث. قوله: (يسوق بدنة) كذا في معظم الأحاديث , ووقع لمسلم من طريق بكير بن الأخنس عن أنس " مرّ ببدنة أو هديّة ". ولأبي عوانة من هذا الوجه " أو هدي " وهو ممّا يوضّح أنّه ليس المراد بالبدنة مجرّد مدلولها اللّغويّ. ولمسلم من طريق المغيرة عن أبي الزّناد عن الأعرج عن أبي هريرة " بينا رجلٌ يسوق بدنة مُقلَّدة ". وكذا في طريق همّام عن أبي هريرة. قوله: (فقال: اركبها) زاد النّسائيّ من طريق سعيد عن قتادة , والجوزقيّ من طريق حميد عن ثابت كلاهما عن أنس " وقد جهده المشي " , ولأبي يعلى من طريق الحسن عن أنس " حافياً " لكنّها ضعيفة.

стр. 2001

قوله: (يساير النّبيّ ﷺ ) زاد البخاري من رواية عكرمة عن أبي هريرة " والنعل في عنقها " يحتمل: أن يريد الجنس , ويحتمل: أن يريد الوحدة. أي: النّعل الواحدة. فيكون فيه إشارة إلى من اشترط نعلين , وهو قول الثّوريّ. وقال غيره: تجزئ الواحدة. وقال آخرون: لا تتعيّن النّعل. بل كلّ ما قام مقامها أجزأ حتّى أذن الإداوة. ثمّ قيل: الحكمة في تقليد النّعل. أنّ فيه إشارة إلى السّفر والجدّ فيه؛ فعلى هذا يتعيّن، والله أعلم. وقال ابن المنير في الحاشية: الحكمة فيه أنّ العرب تعتدّ النّعل مركوبة لكونها تقي عن صاحبها وتحمل عنه وعر الطّريق , وقد كنّى بعض الشّعراء عنها بالنّاقة فكأنّ الذي أهدى خرج عن مركوبه لله تعالى حيواناً وغيره كما خرج حين أحرم عن ملبوسه , ومن ثَمَّ استحبّ تقليد نعلين لا واحدةٍ , وهذا هو الأصل في نذر المشي حافياً إلى مكّة قوله: (ويلك في الثّانية , أو في الثّالثة) وقع في رواية همّام عند مسلم " ويلك اركبها ويلك اركبها " , ولأحمد من رواية عبد الرّحمن بن إسحاق والثّوريّ كلاهما عن أبي الزّناد , ومن طريق عجلان عن أبي هريرة. قال: اركبها ويحك. قال: إنّها بدنة. قال: اركبها ويحك. زاد أبو يعلى من رواية الحسن " فركبها " وقد قلنا إنّها ضعيفة ,

стр. 2002

لكن تقدَّم في البخاري عن أبي هريرة: فلقد رأيته راكبها يساير النّبيّ ﷺ . والنّعل في عنقها. وتبيّن بهذه الطّرق , أنّه أطلق البدنة على الواحدة من الإبل المهداة إلى البيت الحرام , ولو كان المراد مدلولها اللّغويّ لَم يحصل الجواب بقوله: إنّها بدنة , لأنّ كونها من الإبل معلوم , فالظّاهر أنّ الرّجل ظنّ أنّه خفي كونها هدياً. فلذلك قال: إنّها بدنة , والحقّ أنّه لَم يخف ذلك على النّبيّ ﷺ لكونها كانت مقلدة , ولهذا قال له لَمّا زاد في مراجعته " ويلك ". واستُدل به على جواز ركوب الهدي. سواء كان واجباً أو متطوّعاً به؛ لكونه ﷺ لَم يستفصل صاحب الهدي عن ذلك , فدلَّ على أنّ الحكم لا يختلف بذلك. وأصرح من هذا ما أخرجه أحمد من حديث عليّ , أنّه سئل: هل يركب الرّجل هديه؟ فقال: لا بأس. قد كان النّبيّ ﷺ يمرّ بالرّجال يمشون فيأمرهم يركبون هديه. أي: هدي النّبيّ ﷺ . إسناده صالحٌ. وبالجواز مطلقاً , قال عروة بن الزّبير. ونسبه ابن المنذر لأحمد وإسحاق , وبه قال أهل الظّاهر , وهو الذي جزم به النّوويّ في " الرّوضة " تبعاً لأصله في الضّحايا , ونقله في " شرح المهذّب " عن القفّال والماورديّ , ونقل فيه عن أبي حامد والبندنيجيّ وغيرهما تقييده بالحاجة. وقال الرّويانيّ: تجويزه بغير حاجة يخالف النّصّ , وهو الذي حكاه

стр. 2003

التّرمذيّ عن الشّافعيّ وأحمد وإسحاق. وأطلق ابن عبد البرّ كراهة ركوبها بغير حاجة عن الشّافعيّ ومالك وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء. وقيّده صاحب " الهداية " من الحنفيّة بالاضطرار إلى ذلك , وهو المنقول عن الشّعبيّ عند ابن أبي شيبة. ولفظه: لا يركب الهدي إلاَّ من لا يجد منه بدّاً. ولفظ الشّافعيّ الذي نقله ابن المنذر. وترجم له البيهقيّ: يركب إذا اضطرّ ركوباً غير فادح. وقال ابن العربيّ عن مالك: يركب للضّرورة فإذا استراح نزل. ومقتضى من قيّده بالضّرورة. أنّ من انتهت ضرورته لا يعود إلى ركوبها إلاَّ من ضرورة أخرى. والدّليل على اعتبار هذه القيود الثّلاثة - وهي الاضطرار والرّكوب بالمعروف وانتهاء الرّكوب بانتهاء الضّرورة - ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعاً بلفظ: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتّى تجد ظهراً. فإنّ مفهومه أنّه إذا وجد غيرها تركها. وروى سعيد بن منصور من طريق إبراهيم النّخعيّ قال: يركبها إذا أعيا قدر ما يستريح على ظهرها. وفي المسألة مذهب خامس (١): وهو المنع مطلقاً , نقله ابن العربيّ

стр. 2004

عن أبي حنيفة , وشنّع عليه , ولكنّ الذي نقله الطّحاويّ وغيره الجواز بقدر الحاجة إلاَّ أنّه قال: ومع ذلك يضمن ما نقص منها بركوبه. وضمان النّقص وافق عليه الشّافعيّة في الهدي الواجب كالنّذر. ومذهب سادس: وهو وجوب ذلك. نقله ابن عبد البرّ عن بعض أهل الظّاهر , تمسّكاً بظاهر الأمر , ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهليّة من البحيرة والسّائبة. وردّه (١) بأن الذين ساقوا الهدي في عهد النّبيّ ﷺ كانوا كثيراً , ولَم يأمر أحداً منهم بذلك. انتهى. وفيه نظرٌ. لِمَا تقدّم من حديث عليّ , وله شاهد مرسلٌ عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح رواه أبو داود في " المراسيل " عن عطاء: كان النّبيّ ﷺ يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيّدها أن يحمل عليها ويركبها غير منهكها. قلت: ماذا؟ قال: الرّاجل والمتيّع اليسير فإن نتجت حمل عليها ولدها. ولا يمتنع القول بوجوبه إذا تعيّن طريقاً إلى إنقاذ مهجة إنسان من الهلاك. واختلف المجيزون هل يَحمل عليها متاعَه؟. فمنعه مالك , وأجازه الجمهور. وهل يحمل عليها غيره؟. أجازه الجمهور أيضاً على التّفصيل

стр. 2005

المتقدّم. ونقل عياض الإجماع على أنّه لا يؤجرها. وقال الطّحاويّ في " اختلاف العلماء ": قال أصحابنا والشّافعيّ: إن احتلب منها شيئاً تصدّق به. فإن أكله تصدّق بثمنه ويركب إذا احتاج فإنّ نقصه ذلك ضمن. وقال مالك: لا يشرب من لبنه. فإن شرب لَم يغرم. ولا يركب إلاَّ عند الحاجة فإن ركب لَم يغرم. وقال الثّوريّ: لا يركب إلاَّ إذا اضطرّ. قوله: (ويلك) قيل إنّ أصل " ويل " وي , وهي كلمة تأوّه فلمّا كثر قولهم وي لفلانٍ وصلوها باللام وقدّروها أنّها منها فأعربوها. وعن الأصمعيّ: ويل للتّقبيح على المخاطب فعله. وقال الرّاغب: ويل قبوح، وقد تستعمل بمعنى التّحسّر. وويح ترحّم. وويس استصغار. وأمّا ما ورد في جهنّم (١). فلم يرد أنّه معناه في اللّغة، وإنّما أراد مَن قال الله ذلك فيه فقد استحقّ مقرّاً من النّار. وفي " كتاب من حدّث ونسي " (٢) عن معتمر بن سليمان قال: قال لي أبي: أنت حدّثتني عنّي عن الحسن. قال: ويح كلمة رحمة. وأكثر أهل اللّغة على أنّ ويل كلمة عذاب وويح كلمة رحمة. وعن

стр. 2006

اليزيديّ: هما بمعنًى واحد، تقول ويح لزيدٍ وويل لزيدٍ، ولك أن تنصبهما بإضمار فعل كأنّك قلت: ألزمه الله ويلاً أو ويحاً. قلت: وتصرّف البخاريّ يقتضي أنّه على مذهب اليزيديّ في ذلك، فإنّه ذكر في بعض الأحاديث في الباب (١) ما ورد بلفظ ويل فقط , وما ورد بلفظ ويح فقط , وما وقع التّردّد فيهما. ولعله رمز إلى تضعيف الحديث الوارد عن عائشة , أنّ النّبيّ ﷺ قال لها في قصّة: لا تجزعي من الويح فإنّه كلمة رحمة، ولكن اجزعي من الويل. أخرجه الخرائطيّ في " مساوئ الأخلاق " بسندٍ واهٍ. وهو آخر حديث فيه. وقال الدّاوديّ: ويل وويح وويس كلمات تقولها العرب عند الذّمّ، قال: وويح مأخوذ من الحزن وويس من الأسى وهو الحزن. وتعقّبه ابن التّين: بأنّ أهل اللّغة إنّما قالوا: ويل كلمة تقال عند الحزن، وأمّا قول ابن عرفة: الويل الحزن. فكأنّه أخذه من أنّ الدّعاء بالويل إنّما يكون عند الحزن. والأحاديث التي ساقها البخاري ﵀ (٢). فيها ما اختلف

стр. 2007

الرّواة في لفظه. هل هي ويل أو ويح؟ وفيها ما تردّد الرّاوي , فقال: ويل أو ويح، وفيها ما جزم فيه بأحدهما. ومجموعها يدلّ على أنّ كلاً منهما كلمة توجّع يعرف. هل المراد الذّمّ أو غيره من السّياق؟ فإنّ في بعضها الجزم بويلٍ , وليس حمله على العذاب بظاهرٍ. والحاصل: أنّ الأصل في كلّ منهما ما ذكر، وقد تستعمل إحداهما موضع الأخرى. وقوله " وَيْس " مأخوذ من الأسى , متعقّبٌ لاختلاف تصريف الكلمتين. قال القرطبيّ: قالها له تأديباً لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه , وبهذا جزم ابن عبد البرّ وابن العربيّ. وبالغ حتّى قال: الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا قال: ولولا أنّه ﷺ اشترط على ربّه ما اشترط لهلك ذلك الرّجل لا محالة. قال القرطبيّ: ويحتمل أن يكون فهم عنه أنّه يترك ركوبها على عادة الجاهليّة في السّائبة وغيرها فزجره عن ذلك فعلى الحالتين هي إنشاءٌ. ورجّحه عياض وغيره , قالوا: والأمر هنا وإن قلنا إنّه للإرشاد , لكنّه استحقّ الذّمّ بتوقّفه على امتثال الأمر. والذي يظهر أنّه ما ترك الامتثال عناداً , ويحتمل: أن يكون ظنّ أنّه يلزمه غرمٌ بركوبها أو إثمٌ, وأنّ الإذن الصّادر له بركوبها إنّما هو للشّفقة عليه فتوقّف فلمّا أغلظ إليه بادر إلى الامتثال. وقيل: لأنّه كان أشرف على هلكةٍ من الجهد. وويل كلمة تقال لمن

стр. 2008

وقع في هلكة , فالمعنى أشرفت على الهلكة فاركب فعلى هذا , هي إخبار. وقيل: هي كلمة تدعم بها العرب كلامها , ولا تقصد معناها كقوله: لا أمّ لك , ويقوّيه ما تقدّم في بعض الرّوايات بلفظ " ويحك " بدل ويلك قال الهرويّ: ويل يقال لمن وقع في هلكة يستحقّها , وويح لمن وقع في هلكة لا يستحقّها. وفي الحديث تكرير الفتوى والنّدب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر , وزجْر من لَم يبادر إلى ذلك وتوبيخه. وجواز مسايرة الكبار في السّفر , وأنّ الكبير إذا رأى مصلحةً للصّغير لا يأنف عن إرشاده إليها. وقد تمسّك به من أجاز الوقف على النّفس من جهة أنّه إذا جاز له الانتفاع بما أهداه بعد خروجه عن ملكه بغير شرط فجوازه بالشّرط أولى. وقد اعترضه ابن المنير: بأنّ الحديث لا يدلّ إلاَّ عند من يقول إنّ المتكلم داخل في عموم خطابه، وهي من مسائل الخلاف في الأصول. قال: والرّاجح عند المالكيّة تحكيم العرف حتّى يخرج غير المخاطب من العموم بالقرينة. وقال ابن بطّال: لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه , لأنّه أخرجه لله وقطعه عن ملكه فانتفاعه بشيءٍ منه رجوع في صدقته.

стр. 2009

ثمّ قال: وإنّما يجوز له ذلك إن شرطه في الوقف أو افتقر هو أو ورثته. انتهى. والذي عند الجمهور: جواز ذلك إذا وقفه على الجهة العامّة دون الخاصّة , أمّا الخاصّة. فالوقف على النّفس لا يصحّ عند الشّافعيّة ومن وافقهم. ومن فروع المسألة: لو وقف على الفقراء مثلاً ثمّ صار فقيراً أو أحد من ذرّيّته , هل يتناول ذلك؟. والمختار أنّه يجوز بشرط أن لا يختصّ به لئلا يدّعي أنّه ملكه بعد ذلك.

стр. 2010

الحديث السادس والعشرون ٢٤١ - عن عليّ بن أبي طالبٍ ﵁ , قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه , وأن أتصدّق بلحمها وجلودها وأجلّتها , وأن لا أعطي الجزّار منها شيئاً. وقال: نحن نعطيه من عندنا. (١) قوله: (أنْ أقومَ) أي: عند نحرها للاحتفاظ بها , وللبخاري " بعثني رسول الله ﷺ فقمت على البدن " أي: التي أرصدها للهدي. ويحتمل: أن يريد ما هو أعمّ من ذلك. أي: على مصالحها في علفها ورعيها وسقيها وغير ذلك. قوله: (على بُدْنه) البدن بسكون الدال في قراءة الجمهور , وقرأ الأعرج , وهي رواية عن عاصم بضمها , وأصلها من الإبل , وأُلحِقت بها البقر شرعاً. وأخرج عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: إنما سُميت البدن من قِبَل السَّمانة. ولَم يقع في هذه الرّواية عدد البدن , لكن وقع عند البخاري " أنّها مائة بدنة " ولأبي داود من طريق ابن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: نحر النّبيّ ﷺ ثلاثين بدنة وأمرني فنحرت سائرها. وأصحّ منه ما وقع عند مسلم في حديث جابر الطّويل فإنّ فيه " ثمّ

стр. 2011

انصرف النّبيّ ﷺ إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستّين بدنة , ثمّ أعطى عليّاً فنحر ما غَبَرَ وأشركه في هديه , ثمّ أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدرٍ فطبخت , فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. فعُرف بذلك أنّ البدن كانت مائة بدنة , وأنّ النّبيّ ﷺ نحر منها ثلاثاً وستّين , ونحر عليّ الباقي. والجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق , أنّه ﷺ نحر ثلاثين , ثمّ أمر عليّاً أن ينحر فنحر سبعاً وثلاثين مثلاً ثمّ نحر النّبيّ ﷺ ثلاثاً وثلاثين , فإن ساغ هذا الجمع , وإلا فما في الصّحيح أصحّ. قوله: (وأن أتصدّق بلحمها وجلودها وأجلتها) وللبخاري " فأمرني فقسمت لحومها , ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها ". زاد ابن خزيمة في روايته " على المساكين ". قال: المراد بقوله " يقسمها كلها " على المساكين إلاَّ ما أمر به من كل بدنة ببضعة فطبخت كما في حديث جابر يعني الطّويل عند مسلم قوله: (وأجلّتها) في رواية لهما " وجِلالها " بكسر الجيم وتخفيف اللام. جمع جلٍّ بضمّ الجيم , وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساءٍ ونحوه. وأخرج مالكٌ في " الموطّإ " عن نافع , أنّ عبد الله بن عمر كان لا يشقّ جلال بدنه. وعن نافع , أنّ ابن عمر كان يجلل بدنه القباطيّ والحلل , ثمّ يبعث بها إلى الكعبة فيكسوها إيّاها. وعن مالك أنّه سأل عبد الله بن دينار. ما كان ابن عمر يصنع

стр. 2012

بجلال بدنه حين كسيت الكعبة هذه الكسوة؟ قال: كان يتصدّق بها. وقال البيهقيّ بعد أن أخرجه من طريق يحيى بن بكير عن مالك: زاد فيه غيره عن مالك " إلاَّ موضع السّنام " إلى آخر الأثر المذكور. قال المُهلَّب: ليس التّصدّق بجلال البدن فرضاً , وإنّما صنع ذلك ابن عمر , لأنّه أراد أن لا يرجع في شيءٍ أهل به له. ولا في شيء أضيف إليه. انتهى وفائدة شقّ الجل من موضع السّنام , ليظهر الإشعار لئلا يستتر ما تحتها. وروى ابن المنذر من طريق أسامة بن زيدٍ عن نافع , أنّ ابن عمر كان يُجلّل بدنه الأنماط والبرود والحبر حتّى يخرج من المدينة , ثمّ ينزعها فيطويها حتّى يكون يوم عرفة فيلبسها إيّاها حتّى ينحرها , ثمّ يتصدّق بها. قال نافع: وربّما دفعها إلى بني شيبة. قوله: (وأن لا أعطي الجزّار منها شيئاً) وفي رواية للبخاري " ولا يعطي في جزارتها شيئاً " ظاهرهما أن لا يعطي الجزّار شيئاً ألبتّة , وليس ذلك المراد , بل المراد أن لا يعطي الجزّار منها شيئاً. كما وقع عند مسلم وابن خزيمة " ولا يعطي في جزارتها منها شيئاً " زاد مسلم " وقال: نحن نعطيه من عندنا " قال ابن خزيمة: والنّهي عن إعطاء الجزّار المراد به أن لا يعطي منها عن أجرته. وكذا قال البغويّ في " شرح السّنّة " قال: وأمّا إذا أعطي أجرته

стр. 2013

كاملة , ثمّ تصدّق عليه إذا كان فقيراً كما يتصدّق على الفقراء فلا بأس بذلك. وقال غيره: إعطاء الجزّار على سبيل الأجرة ممنوع , لكونه معاوضة , وأمّا إعطاؤه صدقة أو هديّة أو زيادة على حقّه فالقياس الجواز، ولكنّ إطلاق الشّارع ذلك قد يفهم منه منع الصّدقة , لئلا تقع مسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذه فيرجع إلى المعاوضة. قال القرطبيّ: ولَم يرخّص في إعطاء الجزّار منها في أجرته , إلاَّ الحسن البصريّ وعبد الله بن عبيد بن عمير. واختلف في الجزارة. فقال ابن التّين: الجِزارة بالكسر اسم للفعل , وبالضّمّ اسم للسّواقط , فعلى هذا فينبغي أن يقرأ بالكسر. وبه صحّت الرّواية , فإن صحّت بالضّمّ جاز أن يكون المراد لا يعطي من بعض الجزور أجرة الجزّار. وقال ابن الجوزيّ وتبعه المحبّ الطّبريّ: الجُزارة بالضّمّ اسم لِمَا يعطى كالعمالة وزناً ومعنى , وقيل: هو بالكسر كالحِجامة والخِياطة. وجوّز غيره الفتح. وقال ابن الأثير: الجُزارة بالضّمّ كالعمالة ما يأخذه الجزّار من الذّبيحة عن أجرته، وأصلها أطراف البعير - الرّأس واليدان والرّجلان - سُمِّيت بذلك لأنّ الجزّار كان يأخذها عن أجرته. واستدل به على منع بيع الجلد.

стр. 2014

قال القرطبيّ: فيه دليل على أنّ جلود الهدي وجلالها لا تباع لعطفها على اللحم وإعطائها حكمه , وقد اتّفقوا على أنّ لحمها لا يباع , فكذلك الجلود والجلال. وأجازه الأوزاعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور , وهو وجه عند الشّافعيّة , قالوا: ويصرف ثمنه مصرف الأضحيّة. واستدل أبو ثور: على أنّهم اتّفقوا على جواز الانتفاع به، وكلّ ما جاز الانتفاع به جاز بيعه. وعورض: باتّفاقهم على جواز الأكل من لحم هدي التّطوّع , ولا يلزم من جواز أكله جواز بيعه. وأقوى من ذلك في ردّ قوله: ما أخرجه أحمد في حديث قتادة بن النّعمان مرفوعاً: لا تبيعوا لحوم الأضاحيّ والهدي , وتصدّقوا وكلوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوا , وإن أُطعمتم من لحومها فكلوا إن شئتم. وفي حديث عليّ من الفوائد. سوق الهدي والوكالة في نحر الهدي والاستئجار عليه والقيام عليه وتفرقته والإشراك فيه. وأنّ من وجب عليه شيء لله فله تخليصه ونظيره الزّرع يعطي عشره, ولا يحسب شيئاً من نفقته على المساكين. تنْبيه: ما في هذه الأحاديث من استحباب التّقليد والإشعار وغير ذلك يقتضي أنّ إظهار التّقرّب بالهدي أفضل من إخفائه، والمقرّر أنّ

стр. 2015

إخفاء العمل الصّالح غير الفرض أفضل من إظهاره. فإمّا أن يقال: إنّ أفعال الحجّ مبنيّة على الظّهور كالإحرام والطّواف والوقوف. فكان الإشعار والتّقليد كذلك فيخصّ الحجّ من عموم الإخفاء. وإمّا أن يقال: لا يلزم من التّقليد والإشعار إظهار العمل الصّالح؛ لأنّ الذي يهديها يمكنه أن يبعثها مع من يقلدها ويشعرها , ولا يقول: إنّها لفلان؛ فتحصل سنّة التّقليد مع كتمان العمل. وأبعدَ من استدل بذلك على أنّ العمل إذا شرع فيه صار فرضاً. وإمّا أن يقال: إنّ التّقليد جعل علماً لكونها هدياً حتّى لا يطمع صاحبها في الرّجوع فيها.

стр. 2016

الحديث السابع والعشرون ٢٤٢ - عن زياد بن جبيرٍ , قال: رأيت ابنَ عمر أتى على رَجُلٍ قد أناخ بدنتَه , فنحرها. فقال: ابعثها قياماً مقيّدةً. سنّة محمّدٍ ﷺ . (١) قوله: (عن زياد بن جبير) بجيم وموحّدة مصغّر بصريّ تابعيّ ثقة. ليس له في الصّحيحين سوى هذا الحديث , وحديث آخر أخرجه البخاري في النّذر وفي الصّوم. وقد سبق حديثٌ غير هذا من طريق زيد بن جبير عن ابن عمر (٢) , وهو غير زياد بن جبير هذا. وليس أخاً له أيضاً , لأنّ زيداً طائيٌّ كوفيٌّ , وزياداً ثقفيٌّ بصريٌّ , لكنّهما اشتركا في الثّقة , وفي الرّواية عن ابن عمر. قوله: (أتى على رجلٍ) لَم أقف على اسمه. قوله: (قد أناخ بدنته ينحرها) زاد أحمد عن إسماعيل بن عليّة عن يونس عن زياد بن جبير " لينحرها بمنًى ". قوله: (ابعثها) أي: أثِرْها. يقال: بعثت النّاقة أثرتها. قوله: (قياماً) أي: عن قيام , وقياماً مصدر بمعنى قائمة , وهي حال مقدّرة أو قوله " ابعثها " أي: أقمها , أو العامل محذوف تقديره

стр. 2017

انحرها. وقد وقع في رواية عند الإسماعيليّ " انحرها قائمة " قوله: (مقيّدة) أي: معقولة الرّجل قائمة على ما بقي من قوائمها. ولأبي داود من حديث جابر , أنّ النّبيّ ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها. وقال سعيد بن منصور: حدّثنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير , رأيت ابن عمر ينحر بدنته. وهي معقولة إحدى يديها. وذكر سفيان بن عيينة في " تفسيره ": عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى (اذكروا اسم الله عليها صوافَّ) قال: قياماً. أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينة , وأخرجه عبد بن حميد عن أبي نعيم عنه. وقوله " صوافَّ " بالتشديد جمع صافَّة. أي: مصطفة في قيامها. ووقع في " مستدرك الحاكم " من وجه آخر عن ابن عباس في قوله تعالى " صوافن " أي: قياماً على ثلاث قوائم معقولة , وهي قراءة ابن مسعود " صوافن " بكسر الفاء بعدها نون: جمع صافنة وهي التي رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب. قوله: (سنّةَ محمّدٍ) بنصب سنّة بعاملٍ مضمرٍ كالاختصاص، أو التّقدير: متّبعاً سنّة محمّدٍ. قلت: ويجوز الرّفع , ويدلّ عليه رواية الحربيّ في المناسك بلفظ: فقال له: انحرها قائمة فإنّها سنّة محمّد. وفي هذا الحديث استحباب نحر الإبل على الصّفة المذكورة.

стр. 2018

وعن الحنفيّة: يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة. وفيه تعليم الجاهل وعدم السّكوت على مخالفة السّنّة وإن كان مباحاً. وفيه أنّ قول الصّحابيّ من السّنّة كذا مرفوع عند الشّيخين لاحتجاجهما بهذا الحديث في صحيحيهما.

стр. 2019

باب الغسل للمحرم الحديث الثامن والعشرون ٢٤٣ - عن عبد الله بن حنينٍ , أنّ عبد الله بن عبّاسٍ والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء , فقال ابن عبّاسٍ: يغسل المُحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسل رأسه. قال: فأرسلني ابن عبّاسٍ إلى أبي أيّوب الأنصاريّ ﵁ فوجدتُه يغتسل بين القرنين , وهو يُستر بثوبٍ , فسلَّمتُ عليه. فقال: مَن هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنينٍ , أرسلني إليك ابن عبّاسٍ , يسألك: كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرمٌ؟ فوضع أبو أيّوب يدَه على الثّوب , فطأطأه , حتّى بدا لي رأسُه. ثمّ قال لإنسانٍ يصبّ عليه الماء: اصبب , فصبّ على رأسه. ثمّ حرّك رأسه بيديه , فأقبل بهما وأدبر. ثمّ قال: هكذا رأيته ﷺ يغتسل. (١) وفي روايةٍ: فقال المسور لابن عبّاسٍ: لا أُماريك أبداً. (٢) قوله: (أنّ عبد الله بن عبّاس) في رواية ابن جريجٍ (٣) عن زيد بن أسلم عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه عند أبي عوانة " كنت

стр. 2020

مع ابن عبّاس والمسور .. " قوله: (بالأبواء) (١) أي: وهما نازلان بها، وفي رواية ابن عيينة عن زيد عند أحمد وإسحاق والحميدي في " مسانيدهم " عنه " بالعرج " وهو بفتح أوّله وإسكان ثانيه: قرية جامعة قريبة من الأبواء. قوله: (إلى أبي أيّوب) زاد ابن جريجٍ. فقال: قل له يقرأ عليك السّلام ابن أخيك عبد الله بن عبّاس. ويسألك. قوله: (بين القرنين) أي: قرني البئر، وكذا هو لبعض رواة الموطّإ (٢)، وكذا في رواية ابن عيينة، وهما العودان - أي العمودان - المنتصبان لأجل عود البكرة. قوله: (أرسلني إليك عبد الله بن عبّاس يسألك كيف كان إلخ) قال ابن عبد البرّ: الظّاهر أنّ ابن عبّاس كان عنده في ذلك نصّ عن النّبيّ ﷺ أخذه عن أبي أيّوب أو غيره، ولهذا قال عبد الله بن حنينٍ لأبي أيّوب: يسألك كيف كان يغسل رأسه؟ ولَم يقل. هل كان يغسل رأسه أو لا؟ على حسب ما وقع فيه اختلاف بين المسور وابن عبّاس. قلت: ويحتمل أن يكون عبد الله بن حنينٍ تصرّف في السّؤال لفطنته، كأنّه لَمّا قال له سله هل يغتسل المُحرم أو لا؟ فجاء فوجده

стр. 2021

يغتسل، فهم من ذلك أنّه يغتسل، فأحبّ أن لا يرجع إلاَّ بفائدة فسأله عن كيفيّة الغسل، وكأنّه خصّ الرّأس بالسّؤال لأنّها موضع الإشكال في هذه المسألة , لأنّها محلّ الشّعر الذي يخشى انتتافه بخلاف بقيّة البدن غالباً. قوله: (فطأطأه) أي: أزاله عن رأسه، وفي رواية ابن عيينة " جمع ثيابه إلى صدره حتّى نظرت إليه " وفي رواية ابن جريجٍ " حتّى رأيت رأسه ووجهه ". قوله: (لإنسانٍ) لَم أقف على اسمه. قوله: (هكذا رأيته ﷺ يغتسل) زاد ابن عيينة (١) " فرجعت إليهما فأخبرتهما، فقال المسور لابن عبّاس: لا أماريك أبداً. قوله: (لا أُماريك أبداً). أي: لا أجادلك. وأصل المراء استخراج ما عند الإنسان، يقال: أمرى فلان فلاناً إذا استخرج ما عنده. قاله ابن الأنباريّ. وأطلق ذلك في المجادلة , لأنّ كلاً من المتجادلين يستخرج ما عند الآخر من الحجّة. وفي هذا الحديث من الفوائد مناظرة الصّحابة في الأحكام، ورجوعهم إلى النّصوص، وقبولهم لخبر الواحد ولو كان تابعيّاً، وأنّ قول بعضهم ليس بحجّةٍ على بعض.

стр. 2022

قال ابن عبد البرّ: لو كان معنى الاقتداء في قوله ﷺ " أصحابي كالنّجوم " (١) يراد به الفتوى لَمَا احتاج ابن عبّاس إلى إقامة البيّنة على دعواه , بل كان يقول للمسور: أنا نجم وأنت نجم فبأيّنا اقتدى من بعدنا كفاه.

стр. 2023

ولكنّ معناه كما قال المزنيّ وغيره من أهل النّظر أنّه في النّقل، لأنّ جميعهم عدول. وفيه اعتراف للفاضل بفضله، وإنصاف الصّحابة بعضهم بعضاً، وفيه استتار الغاسل عند الغسل، والاستعانة في الطّهارة. وجواز الكلام والسّلام حالة الطّهارة. وجواز غسل المُحرم وتشريبه شعره بالماء ودلكه بيده إذا أمن تناثره. قال ابن المنذر: أجمعوا على أنّ للمحرم أن يغتسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك. انتهى. وروي عن مالك. أنّه كره للمحرم أن يغطّي رأسه في الماء، وروى في " الموطّإ " عن نافع , أنّ ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم , إلاَّ من احتلام. واستدل به القرطبيّ على وجوب الدّلك في الغسل. قال: لأنّ الغسل لو كان يتمّ بدونه لكان المُحرم أحقّ بأن يجوز له تركه. ولا يخفى ما فيه. واستُدل به على أنّ تخليل شعر اللحية في الوضوء باقٍ على استحبابه، خلافاً لمَن قال: يكره كالمتولي من الشّافعيّة خشية انتتاف الشّعر، لأنّ في الحديث " ثمّ حرّك رأسه بيده ". ولا فرق بين شعر الرّأس واللحية إلاَّ أن يقال إنّ شعر الرّأس أصلب، والتّحقيق أنّه خلاف الأولى في حقّ بعض دون بعض، قاله السّبكيّ الكبير.

стр. 2024

وأخرج مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمّه واسمها مرجانة , سمعت عائشة تسأل عن المُحرم أيحكّ جسده؟ قال: نعم. وليشدّد. وقالت عائشه: لو ربطت يداي. ولَم أجد إلاَّ أن أحكّ برجلي لحككتُ.

стр. 2025

باب فسخ الحجّ إلى العمرة الحديث التاسع والعشرون ٢٤٤ - عن جابر بن عبد الله ﵁ , قال: أهلَّ النّبيّ ﷺ وأصحابه بالحجّ. وليس مع أحدٍ منهم هديٌ غير النّبيّ ﷺ وطلحة , وقدم عليّ ﵁ من اليمن. فقال: أهللت بما أهل به النّبيّ ﷺ , فأمر النّبيّ ﷺ أصحابه: أن يجعلوها عمرةً , فيطوفوا ثمّ يقصّروا ويحلّوا , إلاَّ من كان معه الهدي , فقالوا: ننطلق إلى منىً وذكَرُ أحدِنا يقطر؟ فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت , ولولا أنّ معي الهدي لأحللتُ. وحاضتْ عائشة , فنسكتِ المناسك كلها , غير أنّها لَم تطف بالبيت. فلمّا طهُرت وطافت بالبيت , قالت: يا رسولَ الله , ينطلقون بحجٍّ وعمرةٍ , وأنطلق بحجٍّ. فأمر عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ: أن يخرج معها إلى التّنعيم فاعتمرت بعد الحجّ. (١) قوله: (وليس مع أحدٍ منهم هديٌ غير النّبيّ ﷺ وطلحة) هو ابن عبيد الله. هذا مخالف لِمَا رواه أحمد ومسلم وغيرهما من طريق عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة , أنّ الهدي كان مع النّبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر وذوي اليسار.

стр. 2026

وللبخاري من طريق أفلح عن القاسم بلفظ " ورجال من أصحابه ذوي قوّة ". ويجمع بينهما: بأنّ كلاً منهما ذكر من اطّلع عليه، وقد روى مسلم أيضاً من طريق مسلم القرّي - وهو بضمّ القاف وتشديد الرّاء - عن ابن عبّاس في هذا الحديث " وكان طلحة ممّن ساق الهدي فلم يحلّ ". وهذا شاهد لحديث جابر في ذِكر طلحة في ذلك , وشاهد لحديث عائشة في أنّ طلحة لَم ينفرد بذلك , وداخل في قولها " وذوي اليسار ". ولمسلمٍ من حديث أسماء بنت أبي بكر , أنّ الزّبير كان ممّن كان معه الهدي. قوله: (وقدم عليٌّ من اليمن) في رواية ابن جريجٍ عن عطاء عند مسلم " من سعايته " وللبخاري " بسعايته " بكسر السّين المهملة. يعني: ولايته على اليمن لا بسعاية الصّدقة. قال النّوويّ تبعاً لغيره: لأنّه كان يحرم عليه ذلك كما ثبت في صحيح مسلم في قصّة طلب الفضل بن العبّاس أن يكون عاملاً على الصّدقة، فقال له النّبيّ ﷺ : إنّها أوساخ النّاس. والله أعلم قوله: (بما أهل به رسول الله ﷺ ) في رواية ابن جريجٍ عن عطاء عن جابر، وعن ابن جريجٍ عن طاوسٍ عن ابن عبّاس في هذا الحديث عند البخاري " فقال أحدهما: يقول لبّيك بما أهل به رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: يقول: لبّيك بحجّة رسول الله ﷺ ، فأمره أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي.

стр. 2027

فأقرّه النّبيّ ﷺ على ذلك فجاز الإحرام على الإبهام، لكن لا يلزم منه جواز تعليقه إلاَّ على فعل من يتحقّق أنّه يعرفه كما وقع في حديث الباب. وأمّا مطلق الإحرام على الإبهام. القول الأول: هو جائز , ثمّ يصرفه المُحرم لِمَا شاء , لكونه ﷺ لَم ينه عن ذلك. وهذا قول الجمهور. القول الثاني: عن المالكيّة لا يصحّ الإحرام على الإبهام , وهو قول الكوفيّين. قال ابن المنيّر: وكأنّه مذهب البخاريّ لأنّه أشار بالتّرجمة (١) إلى أنّ ذلك خاصّ بذلك الزّمن , لأنّ عليّاً وأبا موسى (٢) لَم يكن عندهما أصل يرجعان إليه في كيفيّة الإحرام فأحالاه على النّبيّ ﷺ ، وأمّا الآن فقد استقرّت الأحكام وعرفت مراتب الإحرام فلا يصحّ ذلك. والله أعلم. وكأنّه أخذ الإشارة من تقييده بزمن النّبيّ ﷺ . قوله: (فأمر النّبيّ ﷺ أصحابه أن يجعلوها عمرة فيطوفوا) في رواية لهما " أَحِلُّوا من إحرامكم بطواف البيت، وبين الصفا والمروة، وقصّروا، ثم أقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية فأهلِّوا بالحج، واجعلوا التي قدمتم بها متعة " أي: اجعلوا الحجّة المفردة التي

стр. 2028

أهللتم بها عمرة تتحللوا منها فتصيروا متمتّعين، فأطلق على العمرة متعة مجازاً. والعلاقة بينهما ظاهرة. ووقع في رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عند مسلم " فلمّا قدمنا مكّة أمرنا أن نحلّ ونجعلها عمرة ". ونحوه في رواية الباقر عن جابر في الخبر الطّويل عند مسلم. زاد ابن جريجٌ عن عطاء فيه " وأصيبوا النّساء " قال عطاء: ولَم يعزم عليهم , ولكن أحلهنّ لهم، يعني: إتيان النّساء، لأنّ من لازم الإحلال إباحة إتيان النّساء، وإذنه لهم في جماع نسائهم إشارة إلى المبالغة في الإحلال، إذ الجماع يفسد النّسك دون غيره من محرّمات الإحرام، ووقع في رواية حمّاد بن زيد عن ابن جريجٍ في البخاري " فأمرنا فجعلناها عمرة، وأن نحلّ إلى نسائنا. قوله: (ثم يقصروا) إنّما أمرهم بذلك , لأنّهم يهلّون بعد قليل بالحجّ فأخّر الحلق , لأنّ بين دخولهم وبين يوم التّروية أربعة أيّام فقط. قوله: (فقالوا: ننطلق إلى منىً وذكر أحدنا يقطر؟ فبلغ ذلك النّبيّ ..) في رواية لهما عن ابن جريج عن عطاء , فبلغه أنا نقول: لَمَّا لَم يكن بيننا وبين عرفة إلاَّ خمس، أمرنا أن نحل إلى نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المذي، قال: ويقول جابر بيده هكذا. وحركها. وقوله " لَمَّا لَم يكن بيننا وبين عرفة إلاَّ خمس " , أي: أوّلها ليلة الأحد وآخرها ليلة الخميس؛ لأنّ توجّههم من مكّة كان عشيّة

стр. 2029

الأربعاء. فباتوا ليلة الخميس بمنًى ودخلوا عرفة يوم الخميس. قوله " فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المذي " في رواية المستمليّ " المنيّ " وكذا عند الإسماعيليّ. ويؤيّده ما وقع في رواية حمّاد بن زيد بلفظ " فيروح أحدنا إلى منًى , وذكره يقطر منيّاً " وإنّما ذكر منًى؛ لأنّهم يتوجّهون إليها قبل توجّههم إلى عرفة. وقوله " ويقول جابر بيده هكذا وحرّكها " أي: أمالها، وفي رواية حمّاد بن زيد بلفظ: فقال جابر بكفّه. أي: أشار بكفّه. قال الكرمانيّ: هذه الإشارة لكيفيّة التّقطّر , ويحتمل أن يكون إلى محلّ التّقطّر , ووقع في رواية الإسماعيليّ قال: يقول جابر: كأنّي أنظر إلى يده يحرّكها ". وهذا يحتمل أن يكون مرفوعاً. قوله: (فقال: لو استقبلت من أمري) زاد في رواية ابن جريج عن عطاء: قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لَم أسق الهدي، فحِلِّوا. فحللنا وسمعنا وأطعنا .. الحديث. قوله: (ولولا أنّ معي الهدي لأحللت) في رواية لهما من طريق أبي شهاب عن عطاء " ولكن لا يحل مني حِرامٌ حتى يبلغ الهدي محله. ففعلوا " وقوله " حِرام " بكسر حاء يحلّ. أي: شيء حرام، والمعنى لا يحلّ منّي ما حرم عليّ. ووقع في رواية مسلم " لا يحلّ منّي حراماً " بالنّصب على المفعوليّة.

стр. 2030

وعلى هذا فيقرأ يحلّ بضمّ أوّله , والفاعل محذوف تقديره , لا يحلّ طول المكث ونحو ذلك منّي شيئاً حراماً حتّى يبلغ الهدي محلّه، أي: إذا نحر يوم منًى. واستدل به على أنّ من اعتمر فساق هدياً لا يتحلل من عمرته حتّى ينحر هديه يوم النّحر، وقد تقدّم حديث حفصة نحوه. (١) ولهما من حديث عائشة من طريق عقيل عن الزّهريّ عن عروة عنها بلفظ " من أحرم بعمرةٍ فأهدى فلا يحلّ حتّى ينحر ". وتأوّل ذلك المالكيّة والشّافعيّة: على أنّ معناه , ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى فليهل بالحجّ. ولا يحلّ حتّى ينحر هديه، ولا يخفى ما فيه. قلت: فإنّه خلاف ظاهر الأحاديث المذكورة. وبالله التّوفيق. قوله: (وأنّ عائشة حاضت) في رواية عائشة نفسها كما في الصحيحين " أنّ حيضها كان بسرف قبل دخولهم مكّة، وفي رواية أبي الزّبير عن جابر عند مسلم , أنّ دخول النّبيّ ﷺ عليها وشكواها ذلك له كان يوم التّروية. ووقع عند مسلم من طريق مجاهد عن عائشة , أنّ طهرها كان بعرفة " وفي رواية القاسم عنها , وطهرت صبيحة ليلة عرفة حتّى قدمنا منًى، وله من طريقه " فخرجت في حجّتي حتّى نزلنا منًى فتطهّرت، ثمّ طفنا بالبيت " الحديث. واتّفقت الرّوايات كلّها على أنّها طافت طواف الإفاضة من يوم

стр. 2031

النّحر. واقتصر النّوويّ في " شرح مسلم " على النّقل عن أبي محمّد بن حزم , أنّ عائشة حاضت يوم السّبت ثالث ذي الحجّة وطهرت يوم السّبت عاشره يوم النّحر، وإنّما أخذه ابن حزم من هذه الرّوايات التي في مسلم. ويجمع بين قول مجاهد وقول القاسم: أنّها رأت الطّهر وهي بعرفة , ولَم تتهيّأ للاغتسال إلاَّ بعد أن نزلت منًى، وانقطع الدّم عنها بعرفة وما رأت الطّهر إلاَّ بعد أن نزلت منًى، وهذا أولى. والله أعلم. (١) قوله: (فنسكت المناسك كلها , غير أنّها لَم تطف بالبيت) ولهما من حديث عائشة " افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ". وهو بفتح التّاء والطّاء المهملة المشدّدة وتشديد الهاء أيضاً. أو هو على حذف إحدى التّاءين، وأصله تتطهّري. ويؤيّده قوله في رواية مسلم " حتّى تغتسلي ". والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطّواف حتّى ينقطع دمها وتغتسل , لأنّ النّهي في العبادات يقتضي الفساد وذلك يقتضي بطلان الطّواف لو فعلته , وفي معنى الحائض الجنب والمحدث. وهو قول الجمهور. وذهب جمعٌ من الكوفيّين: إلى عدم الاشتراط.

стр. 2032

قال ابن أبي شيبة: حدّثنا غندر حدّثنا شعبة: سألت الحكم وحمّاداً ومنصوراً وسليمان عن الرّجل يطوف بالبيت على غير طهارة؟ فلم يروا به بأساً. وروي عن عطاء: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعداً ثمّ حاضت أجزأ عنها. وفي هذا تعقُّب على النّوويّ حيث قال في " شرح المهذّب ": انفرد أبو حنيفة بأنّ الطّهارة ليست بشرط في الطّواف , واختلف أصحابه في وجوبها وجبرانه بالدّم إن فعله. انتهى ولَم ينفردوا بذلك كما ترى. فلعله أراد انفرادهم عن الأئمّة الثّلاثة. لكن عند أحمد رواية: أنّ الطّهارة للطّواف واجبة تجبر بالدّم , وعند المالكيّة قول يوافق هذا. تكميل: روي عن مالك في حديث عائشة بزيادة " ولا بين الصّفا والمروة ". قال ابن عبد البرّ: لَم يقله أحدٌ عن مالك إلاَّ يحيى بن يحيى التّميميّ النّيسابوريّ. قلت: فإن كان يحيى حفظه فلا يدلّ على اشتراط الوضوء للسّعي , لأنّ السّعي يتوقّف على تقدّم طواف قبله , فإذا كان الطّواف ممتنعاً امتنع لذلك لا لاشتراط الطّهارة له. وقد روي عن ابن عمر أيضاً قال: تقضي الحائض المناسك كلّها إلاَّ الطّواف بالبيت وبين الصّفا والمروة. أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد

стр. 2033

صحيح. قال: وحدّثنا ابن فضيل عن عاصم , قلت لأبي العالية: تقرأ الحائض؟ قال: لا. ولا تطوف بالبيت ولا بين الصّفا والمروة. ولَم يذكر ابن المنذر عن أحدٍ من السّلف اشتراط الطّهارة للسّعي , إلاَّ عن الحسن البصريّ. وقد حكى المجد بن تيميّة من الحنابلة روايةً عندهم مثله. وأمّا ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر بإسناد صحيحٍ: إذا طافت ثمّ حاضت قبل أن تسعى بين الصّفا والمروة فلتسع. وعن عبد الأعلى عن هشام عن الحسن مثله. وهذا إسناد صحيح عن الحسن. فلعلَّه يفرّق بين الحائض والمحدث. وقال ابن بطّال: كأنّ البخاريّ فهم أنّ قوله ﷺ لعائشة: افعلي ما يفعل الحاجّ غير أن لا تطوفي بالبيت. أنّ لها أن تسعى , ولهذا قال (١): وإذا سعى على غير وضوء. انتهى وهو توجيه جيّد لا يخالف التّوجيه الذي قدّمته. وهو قول الجمهور. وحكى ابن المنذر عن عطاء قولين. فيمن بدأ بالسّعي قبل الطّواف بالبيت. القول الأول: بالإجزاء. قال بعض أهل الحديث. واحتجّ بحديث أسامة بن شريك , أنّ

стр. 2034

رجلاً سأل النّبيّ ﷺ . فقال: سعيت قبل أن أطوف. قال: طف ولا حرج. القول الثاني: قال الجمهور: لا يجزئه , وأوّلوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم. وقبل طواف الإفاضة. قوله: (ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحجٍّ) تمسّك به مَن قال: إنّ عائشة لَمّا حاضت تركت عمرتها واقتصرت على الحجّ، وفي رواية لهما عن الأسود عن عائشة " فحلَّ من لَم يكن ساق الهدي، ونساؤه لَم يسقن الهدي، فأحللن , قالت عائشة: فحضت .. " قوله " فأحللن " أي: وهي منهنّ , لكن منعها من التّحلّل كونها حاضت ليلة دخولهم مكّة. وفي رواية القاسم عنها في الصحيحين بيان ذلك وأنّها بكت , وأنّ النّبيّ ﷺ قال لها: كوني في حجّك. فظاهره أنّه ﷺ أمرها أن تجعل عمرتها حجّاً , ولهذا قالت: يرجع النّاس بحجٍّ وعمرة , وأرجع بحجٍّ. فأعمرها لأجل ذلك من التّنعيم. وقال مالك: ليس العمل على حديث عروة (١) قديماً ولا حديثاً. قال ابن عبد البرّ: يريد ليس عليه العمل في رفض العمرة وجعلها حجّاً. بخلاف جعل الحجّ عمرة , فإنّه وقع للصّحابة. واختلف في

стр. 2035

جوازه مَن بعدهم , لكن أجاب جماعةٌ من العلماء عن ذلك باحتمال أن يكون معنى قوله في البخاري " ارفضي عمرتك " أي: اتركي التّحلّل منها , وأدخلي عليها الحجّ فتصير قارنة. ويؤيّده قوله في رواية لمسلمٍ " وأمسكي عن العمرة " أي: عن أعمالها، وإنّما قالت عائشة " وأرجع بحجٍّ " لاعتقادها أنّ إفراد العمرة بالعمل أفضل كما وقع لغيرها من أمّهات المؤمنين. واستبعد هذا التّأويل: لقولها في رواية عطاء عنها " وأرجع أنا بحجّةٍ ليس معها عمرة " أخرجه أحمد. وهذا يقوّي قول الكوفيّين: أنّ عائشة تركت العمرة وحجّت مفردة. وتمسّكوا في ذلك بقولها في رواية هشام عن أبيه عنها في الصحيحين " دعي عمرتك ". وفي رواية للبخاري " ارفضي عمرتك " ونحو ذلك. واستدلّوا به على أنّ للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتّعة فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة , وتهلّ بالحجّ مفرداً كما فعلت عائشة. لكن في رواية عطاء عنها ضعف. والرّافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر , أنّ عائشة أهلَّت بعمرةٍ، حتّى إذا كانت بسرف حاضت , فقال لها النّبيّ ﷺ : أهلي بالحجّ، حتّى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت فقال: قد حللتِ من حجّكِ وعمرتكِ، قالت يا رسولَ الله: إنّي أجد في نفسي
следующие страницы →