← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17369

فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري

عبد السلام العامر

Полный текст (3 963 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

النّحر. واقتصر النّوويّ في " شرح مسلم " على النّقل عن أبي محمّد بن حزم , أنّ عائشة حاضت يوم السّبت ثالث ذي الحجّة وطهرت يوم السّبت عاشره يوم النّحر، وإنّما أخذه ابن حزم من هذه الرّوايات التي في مسلم. ويجمع بين قول مجاهد وقول القاسم: أنّها رأت الطّهر وهي بعرفة , ولَم تتهيّأ للاغتسال إلاَّ بعد أن نزلت منًى، وانقطع الدّم عنها بعرفة وما رأت الطّهر إلاَّ بعد أن نزلت منًى، وهذا أولى. والله أعلم. (١) قوله: (فنسكت المناسك كلها , غير أنّها لَم تطف بالبيت) ولهما من حديث عائشة " افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ". وهو بفتح التّاء والطّاء المهملة المشدّدة وتشديد الهاء أيضاً. أو هو على حذف إحدى التّاءين، وأصله تتطهّري. ويؤيّده قوله في رواية مسلم " حتّى تغتسلي ". والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطّواف حتّى ينقطع دمها وتغتسل , لأنّ النّهي في العبادات يقتضي الفساد وذلك يقتضي بطلان الطّواف لو فعلته , وفي معنى الحائض الجنب والمحدث. وهو قول الجمهور. وذهب جمعٌ من الكوفيّين: إلى عدم الاشتراط.

стр. 2032

قال ابن أبي شيبة: حدّثنا غندر حدّثنا شعبة: سألت الحكم وحمّاداً ومنصوراً وسليمان عن الرّجل يطوف بالبيت على غير طهارة؟ فلم يروا به بأساً. وروي عن عطاء: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعداً ثمّ حاضت أجزأ عنها. وفي هذا تعقُّب على النّوويّ حيث قال في " شرح المهذّب ": انفرد أبو حنيفة بأنّ الطّهارة ليست بشرط في الطّواف , واختلف أصحابه في وجوبها وجبرانه بالدّم إن فعله. انتهى ولَم ينفردوا بذلك كما ترى. فلعله أراد انفرادهم عن الأئمّة الثّلاثة. لكن عند أحمد رواية: أنّ الطّهارة للطّواف واجبة تجبر بالدّم , وعند المالكيّة قول يوافق هذا. تكميل: روي عن مالك في حديث عائشة بزيادة " ولا بين الصّفا والمروة ". قال ابن عبد البرّ: لَم يقله أحدٌ عن مالك إلاَّ يحيى بن يحيى التّميميّ النّيسابوريّ. قلت: فإن كان يحيى حفظه فلا يدلّ على اشتراط الوضوء للسّعي , لأنّ السّعي يتوقّف على تقدّم طواف قبله , فإذا كان الطّواف ممتنعاً امتنع لذلك لا لاشتراط الطّهارة له. وقد روي عن ابن عمر أيضاً قال: تقضي الحائض المناسك كلّها إلاَّ الطّواف بالبيت وبين الصّفا والمروة. أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد

стр. 2033

صحيح. قال: وحدّثنا ابن فضيل عن عاصم , قلت لأبي العالية: تقرأ الحائض؟ قال: لا. ولا تطوف بالبيت ولا بين الصّفا والمروة. ولَم يذكر ابن المنذر عن أحدٍ من السّلف اشتراط الطّهارة للسّعي , إلاَّ عن الحسن البصريّ. وقد حكى المجد بن تيميّة من الحنابلة روايةً عندهم مثله. وأمّا ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر بإسناد صحيحٍ: إذا طافت ثمّ حاضت قبل أن تسعى بين الصّفا والمروة فلتسع. وعن عبد الأعلى عن هشام عن الحسن مثله. وهذا إسناد صحيح عن الحسن. فلعلَّه يفرّق بين الحائض والمحدث. وقال ابن بطّال: كأنّ البخاريّ فهم أنّ قوله ﷺ لعائشة: افعلي ما يفعل الحاجّ غير أن لا تطوفي بالبيت. أنّ لها أن تسعى , ولهذا قال (١): وإذا سعى على غير وضوء. انتهى وهو توجيه جيّد لا يخالف التّوجيه الذي قدّمته. وهو قول الجمهور. وحكى ابن المنذر عن عطاء قولين. فيمن بدأ بالسّعي قبل الطّواف بالبيت. القول الأول: بالإجزاء. قال بعض أهل الحديث. واحتجّ بحديث أسامة بن شريك , أنّ

стр. 2034

رجلاً سأل النّبيّ ﷺ . فقال: سعيت قبل أن أطوف. قال: طف ولا حرج. القول الثاني: قال الجمهور: لا يجزئه , وأوّلوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم. وقبل طواف الإفاضة. قوله: (ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحجٍّ) تمسّك به مَن قال: إنّ عائشة لَمّا حاضت تركت عمرتها واقتصرت على الحجّ، وفي رواية لهما عن الأسود عن عائشة " فحلَّ من لَم يكن ساق الهدي، ونساؤه لَم يسقن الهدي، فأحللن , قالت عائشة: فحضت .. " قوله " فأحللن " أي: وهي منهنّ , لكن منعها من التّحلّل كونها حاضت ليلة دخولهم مكّة. وفي رواية القاسم عنها في الصحيحين بيان ذلك وأنّها بكت , وأنّ النّبيّ ﷺ قال لها: كوني في حجّك. فظاهره أنّه ﷺ أمرها أن تجعل عمرتها حجّاً , ولهذا قالت: يرجع النّاس بحجٍّ وعمرة , وأرجع بحجٍّ. فأعمرها لأجل ذلك من التّنعيم. وقال مالك: ليس العمل على حديث عروة (١) قديماً ولا حديثاً. قال ابن عبد البرّ: يريد ليس عليه العمل في رفض العمرة وجعلها حجّاً. بخلاف جعل الحجّ عمرة , فإنّه وقع للصّحابة. واختلف في

стр. 2035

جوازه مَن بعدهم , لكن أجاب جماعةٌ من العلماء عن ذلك باحتمال أن يكون معنى قوله في البخاري " ارفضي عمرتك " أي: اتركي التّحلّل منها , وأدخلي عليها الحجّ فتصير قارنة. ويؤيّده قوله في رواية لمسلمٍ " وأمسكي عن العمرة " أي: عن أعمالها، وإنّما قالت عائشة " وأرجع بحجٍّ " لاعتقادها أنّ إفراد العمرة بالعمل أفضل كما وقع لغيرها من أمّهات المؤمنين. واستبعد هذا التّأويل: لقولها في رواية عطاء عنها " وأرجع أنا بحجّةٍ ليس معها عمرة " أخرجه أحمد. وهذا يقوّي قول الكوفيّين: أنّ عائشة تركت العمرة وحجّت مفردة. وتمسّكوا في ذلك بقولها في رواية هشام عن أبيه عنها في الصحيحين " دعي عمرتك ". وفي رواية للبخاري " ارفضي عمرتك " ونحو ذلك. واستدلّوا به على أنّ للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتّعة فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة , وتهلّ بالحجّ مفرداً كما فعلت عائشة. لكن في رواية عطاء عنها ضعف. والرّافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر , أنّ عائشة أهلَّت بعمرةٍ، حتّى إذا كانت بسرف حاضت , فقال لها النّبيّ ﷺ : أهلي بالحجّ، حتّى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت فقال: قد حللتِ من حجّكِ وعمرتكِ، قالت يا رسولَ الله: إنّي أجد في نفسي

стр. 2036

أنّي لَم أطف بالبيت حتّى حججت، قال: فأعمرها من التّنعيم ". ولمسلمٍ من طريق طاوسٍ عنها " فقال لها النّبيّ ﷺ : طوافك يسعك لحجّك وعمرتك " فهذا صريح في أنّها كانت قارنة لقوله " قد حللتِ من حجّك وعمرتك ". وإنّما أعمرها من التّنعيم تطييباً لقلبها , لكونها لَم تطف بالبيت لَمّا دخلت معتمرة. وقد وقع في رواية لمسلمٍ: وكان النّبيّ ﷺ رجلاً سهلاً إذا هويت الشّيء تابعها عليه. قوله: (فأمر عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ , أن يخرج معها إلى التّنعيم فاعتمرت بعد الحجّ) ولهما من رواية عمرو بن أوس عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: أمرني النبي ﷺ أن أردف عائشة، وأعمرها من التنعيم. وهذا يدلّ على أنّ إعمارها من التّنعيم كان بأمر النّبيّ ﷺ . وأصرح منه ما أخرجه أبو داود من طريق حفصة بنت عبد الرّحمن بن أبى بكر عن أبيها , أنّ رسول الله ﷺ قال: يا عبد الرّحمن أردف أختك عائشة فأعمرها من التّنعيم. الحديث. ونحوه رواية مالك عند الشيخين ابن شهاب عن عروة عن عائشة: أرسلني النّبيّ ﷺ مع عبد الرّحمن إلى التّنعيم. ورواية الأسود عن عائشة , قال: فاذهبي مع أخيك إلى التّنعيم. ولهما من رواية الأسود والقاسم جميعاً عنها بلفظ " فاخرجي إلى التّنعيم ". وهو صريح بأنّ ذلك كان عن أمر النّبيّ ﷺ .

стр. 2037

وكلّ ذلك يفسّر قوله في رواية القاسم عنها السّابقة في الصحيحين بلفظ " اخرج بأختك من الحرم فلتهلَّ بعمرة , ثم أفرغا من طوافكما. أنتظركما ها هنا ". وأمّا ما رواه أحمد من طريق ابن أبي مُلَيْكة عنها في هذا الحديث قال: ثمّ أرسل إلى عبد الرّحمن بن أبي بكر فقال: احملها خلفك حتّى تخرج من الحرم، فوالله ما قال فتخرجها إلى الجعرانة ولا إلى التّنعيم. فهي رواية ضعيفة لضعف أبي عامر الخرّاز الرّاوي له عن ابن أبي مُلَيْكة. ويحتمل: أن يكون قوله " فوالله .. إلخ " من كلام من دون عائشة قاله متمسّكاً بإطلاق قوله " فاخرج من الحرم " لكنّ الرّوايات المقيّدة بالتّنعيم مقدّمة على المطلقة فهو أولى , ولا سيّما مع صحّة أسانيدها. والله أعلم. وفي هذا الحديث جواز الخلوة بالمحارم سفراً وحضراً، وإرداف المُحرم مَحرمه معه. واستدل به على تعيّن الخروج إلى الحلّ لمن أراد العمرة ممّن كان بمكّة، وهو أحد قولي العلماء. القول الثّاني: تصحّ العمرة. ويجب عليه دم لترك الميقات، وليس في حديث الباب ما يدفع ذلك. واستدل به على أنّ أفضل جهات الحلّ التّنعيم. وتعقّب: بأنّ إحرام عائشة من التّنعيم إنّما وقع لكونه أقرب جهة

стр. 2038

الحلّ إلى الحرم، لا أنّه الأفضل. فائدةٌ: زاد أبو داود (١) في روايته بعد قوله إلى التّنعيم " فإذا هبطتَ بها من الأكمة فلتحرم , فإنّها عمرة متقبّلة ". وزاد أحمد في رواية له " وذلك ليلة الصّدر " وهو بفتح المهملة والدّال. أي: الرّجوع من منًى، وفي قوله " فإذا هبطت بها " إشارة إلى المكان الذي أحرمت منه عائشة. والتّنعيم: بفتح المثنّاة وسكون النّون وكسر المهملة مكان معروف خارج مكّة، وهو على أربعة أميال من مكّة إلى جهة المدينة. كما نقله الفاكهيّ. وقال المحبّ الطّبريّ: التّنعيم أبعد من أدنى الحلّ إلى مكّة بقليلٍ، وليس بطرف الحلّ , بل بينهما نحو من ميل، ومن أطلق عليه أدنى الحلّ فقد تجوّز. قلت: أو أراد بالنّسبة إلى بقيّة الجهات. وروى الفاكهيّ من طريق عبيد بن عمير قال: إنّما سُمِّي التّنعيم لأنّ الجبل الذي عن يمين الدّاخل يقال له ناعم، والذي عن اليسار يقال له منعّم، والوادي نعمان. وروى الأزرقيّ من طريق ابن جريجٍ , قال: رأيت عطاءً يصف الموضع الذي اعتمرتْ منه عائشة , قال: فأشار إلى الموضع الذي

стр. 2039

ابتنى فيه محمّد بن عليّ بن شافع المسجد الذي وراء الأكمة، وهو المسجد الخرب. ونقل الفاكهيّ عن ابن جريجٍ وغيره , أنّ ثَمّ مسجدين يزعم أهل مكّة أنّ الخرب الأدنى من الحرم هو الذي اعتمرت منه عائشة. وقيل: هو المسجد الأبعد على الأكمة الحمراء، ورجّحه المحبّ الطّبريّ. وقال الفاكهيّ: لا أعلم إلاَّ أنّي سمعت ابن أبي عمر يذكر عن أشياخه: أنّ الأوّل هو الصّحيح عندهم. تكميل: قال صاحب " الهدى " (١): لَم ينقل أنّه ﷺ اعتمر مدّة إقامته بمكّة قبل الهجرة، ولا اعتمر بعد الهجرة إلاَّ داخلاً إلى مكّة، ولَم يعتمر قطّ خارجاً من مكّة إلى الحلّ ثمّ يدخل مكّة بعمرةٍ كما يفعل النّاس اليوم، ولا ثبت عن أحد من الصّحابة أنّه فعل ذلك في حياته إلاَّ عائشة وحدها. انتهى. وبعد أنْ فعلته عائشة بأمره دلَّ على مشروعيّته. واختلف السّلف في جواز الاعتمار في السّنة أكثر من مرّة. فكرهه مالك. وخالفه مطرّف وطائفة من أتباعه. وهو قول الجمهور. واستثنى أبو حنيفة: يوم عرفة ويوم النّحر وأيّام التّشريق، ووافقه

стр. 2040

أبو يوسف إلاَّ في يوم عرفة. واستثنى الشّافعيّ: البائت بمنًى لرمي أيّام التّشريق، وفيه وجه اختاره بعض الشّافعيّة , فقال بالجواز مطلقاً كقول الجمهور. والله أعلم. واختلفوا أيضاً. هل يتعيّن التّنعيم لمن اعتمر من مكّة؟ وإذا لَم يتعيّن. هل لها فضل على الاعتمار من غيرها من جهات الحلّ أو لا؟. فروى الفاكهيّ وغيره من طريق محمّد بن سيرين قال: بلغنا أنّ رسول الله ﷺ وقّت لأهل مكّة التّنعيم. ومن طريق عطاء قال: من أراد العمرة ممّن هو من أهل مكّة أو غيرها فليخرج إلى التّنعيم أو إلى الجعرانة فليحرم منها، وأفضل ذلك أن يأتي وقتاً. أي: ميقاتاً من مواقيت الحجّ. قال الطّحاويّ: ذهب قومٌ. إلى أنّه لا ميقات للعمرة لمن كان بمكّة إلاَّ التّنعيم، ولا ينبغي مجاوزته كما لا ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحجّ. وخالفهم آخرون. فقالوا: ميقات العمرة الحلّ , وإنّما أمر النّبيّ ﷺ عائشة بالإحرام من التّنعيم , لأنّه كان أقرب الحلّ من مكّة. ثمّ روى من طريق ابن أبي مُلَيْكة عن عائشة في حديثها قالت: وكان أدنانا من الحرم التّنعيم فاعتمرت منه. قال: فثبت بذلك أنّ ميقات مكّة للعمرة الحلّ، وأنّ التّنعيم وغيره في ذلك سواء.

стр. 2041

تكميل: قال البخاري: باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع. أورد فيه حديث عائشة في عمرتها من التنعيم، وفيه قوله ﷺ لعبد الرحمن " اخرج بأختك من الحرم فلتهل عمرة ثم افرغا من طوافكما " الحديث. قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن المعتمر إذا طاف فخرج إلى بلده أنه يجزئه من طواف الوداع، كما فعلت عائشة. انتهى. وكأن البخاري لمَّا لم يكن في حديث عائشة التصريح بأنها ما طافت للوداع بعد طواف العمرة لم يبت الحكم في الترجمة. أيضاً فإن قياس من يقول إن إحدى العبادتين لا تندرج في الأخرى أن يقول بمثل ذلك هنا. ويستفاد من قصة عائشة , أن السعي إذا وقع بعد طواف الركن - إن قلنا إن طواف الركن يغني عن طواف الوداع - إن تخلل السعي بين الطواف والخروج لا يقطع إجزاء الطواف المذكور عن الركن والوداع معاً.

стр. 2042

الحديث الثلاثون ٢٤٥ - عن جابرٍ ﵁ , قال: قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبّيك بالحجّ. فأَمَرَنا رسولُ الله ﷺ فجعلناها عمرةً. (١) الحديث الواحد والثلاثون ٢٤٦ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابُه صبيحة رابعةٍ. فأمرهم أن يجعلوها عمرةً , فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسولَ الله , أيّ الحل؟ قال: الحِلّ كلّه. (٢) قوله في حديث جابر: (فأمرنا رسول الله ﷺ فجعلناها عمرةً) يؤخذ منه فسخ الحجّ إلى العمرة. وقد ذهب الجمهور. إلى أنّه منسوخ. وذهب ابن عبّاس: إلى أنّه محكمٌ , وبه قال أحمد وطائفة يسيرة. لِمَا أخرج البخاري من رواية حبيب عن عطاء عن جابر. وفيه , فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج في ذي الحجة. وأن سراقة بن مالك بن جعشم لقي النبي ﷺ

стр. 2043

وهو بالعقبة، وهو يرميها، فقال: ألكم هذه خاصة يا رسولَ الله؟ قال: لا، بل للأبد. وللبخاري " وهو يرمي جمرة العقبة ". وهذا فيه بيان المكان الذي سأل فيه سراقة عن ذلك، ورواية مسلم من طريق ابن جريج عن عطاء عن جابر كذلك. وفي رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عند مسلم: فقام سراقة. فقال: يا رسولَ الله، ألعامنا هذه أمّ للأبد؟ فشبّك أصابعه واحدة في الأخرى , وقال: دخلت العمرة في الحجّ مرّتين، لا بل للأبد أبداً. وسياق مسلم من طريق جعفر بن محمّد يقتضي أنّه قال له ذلك لَمّا أمر أصحابه أن يجعلوا حجّهم عمرة، وبذلك تمسّك مَن قال: إنّ سؤاله كان عن فسخ الحجّ عن العمرة. ويحتمل: أن يكون السّؤال وقع عن الأمرين لتعدّد المكانين. قال النّوويّ: معناه عند الجمهور أنّ العمرة يجوز فعلها في أشهر الحجّ. إبطالاً لِمَا كان عليه الجاهليّة. وقيل: معناه جواز القِران. أي: دخلت أفعال العمرة في أفعال الحجّ. وقيل: معناه سقط وجوب العمرة، وهذا ضعيف , لأنّه يقتضي النّسخ بغير دليل. وقيل: معناه جواز فسخ الحجّ إلى العمرة، قال: وهو ضعيف.

стр. 2044

وتعقّب: بأنّ سياق السّؤال يقوّي هذا التّأويل، بل الظّاهر أنّ السّؤال وقع عن الفسخ , والجواب وقع عمّا هو أعمّ من ذلك حتّى يتناول التّأويلات المذكورة إلاَّ الثّالث. والله أعلم. قوله في حديث ابن عباس: (صبيحة رابعة) أي: يوم الأحد. وفي حديث ابن عبّاس , أنّ خروجه من المدينة كان لخمس بقين من ذي القعدة. أخرجه البخاري، وأخرجه هو ومسلم من حديث عائشة مثله. وجزم ابن حزم: بأن خروجه كان يوم الخميس. وفيه نظرٌ , لأنّ أوّل ذي الحجّة كان يوم الخميس قطعاً. لِمَا ثبت وتواتر أنّ وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، فتعيّن أنّ أوّل الشّهر يوم الخميس. فلا يصحّ أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة. لكن ثبت في الصّحيحين عن أنس: صلَّينا الظّهر مع النّبيّ ﷺ بالمدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين. فدلَّ على أنّ خروجهم لَم يكن يوم الجمعة، فما بقي إلاَّ أن يكون خروجهم يوم السّبت. ويحمل قول مَن قال " لخمسٍ بقين " أي: إن كان الشّهر ثلاثين فاتّفق أن جاء تسعاً وعشرين فيكون يوم الخميس أوّل ذي الحجّة بعد مضيّ أربع ليالٍ لا خمس، وبهذا تتّفق الأخبار، هكذا جمع الحافظ عماد الدّين بن كثير بين الرّوايات.

стр. 2045

وقوي هذا الجمع بقول جابر: إنّه خرج لخمسٍ بقين من ذي القعدة , أو أربع. وكان دخوله ﷺ مكّة صبح رابعة. كما ثبت في حديث عائشة (١)، وذلك يوم الأحد، وهذا يؤيّد أنّ خروجه من المدينة كان يوم السّبت كما تقدّم، فيكون مكانه في الطّريق ثمان ليالٍ، وهي المسافة الوسطى. قوله: (مهلين بالحجّ) في رواية مسلم " وهم يلبّون بالحجّ " وهي مفسّرة لقوله مهلين، واحتجّ به مَن قال: كان حجّ النّبيّ ﷺ مفرداً. وأجاب مَن قال: كان قارناً: بأنّه لا يلزم من إهلاله بالحجّ أن لا يكون أدخل عليه العمرة. قوله: (أن يجعلوها عمرةً , فتعاظم ذلك عندهم) أي: لِمَا كانوا يعتقدونه أوّلاً، وفي رواية مسلم " فكبر ذلك عندهم ". قوله: (أي الحلّ) كأنّهم كانوا يعرفون أنّ للحجّ تحلّلين. فأرادوا بيان ذلك فبيّن لهم أنّهم يتحللون الحلّ كلّه، لأنّ العمرة ليس لها إلاَّ تحلّل واحد، ووقع في رواية الطّحاويّ " أي الحلّ نحلّ؟ قال: الحلّ كلّه.

стр. 2046

الحديث الثاني والثلاثون ٢٤٧ - عن عروة بن الزّبير , قال: سئل أسامة بن زيدٍ - وأنا جالسٌ - كيف كان رسول الله ﷺ يسير في حجّة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العَنَقَ , فإذا وجد فجوةً نصَّ. (١) قال المصنِّف: العنق: انبساط السير. والنصُّ: فوق ذلك. قوله: (عن عروة بن الزبير) ابن العوام. قوله: (سئل أسامة (٢) وأنا جالسٌ) في رواية النّسائيّ من طريق عبد الرّحمن بن القاسم عن مالك عن هشام " وأنا جالس معه ". وفي رواية مسلم من طريق حمّاد بن زيد عن هشام عن أبيه , سئل أسامة وأنا شاهد , أو قال: سألت أسامة بن زيد. قوله: (حين دفع) في رواية يحيى بن يحيى الليثيّ وغيره عن مالك في الموطّإ " حين دفع من عرفة " (٣). قوله: (العنق) بفتح المهملة والنّون هو السّير الذي بين الإبطاء والإسراع. قال في " المشارق ": هو سيرٌ سهل في سرعة. وقال القزّاز: العنق سير سريع. وقيل: المشي الذي يتحرّك به عنق

стр. 2047

الدّابّة. وفي " الفائق ": العنق الخطو الفسيح. وانتصب العنق على المصدر المؤكّد من لفظ الفعل. قوله: (فجوة) بفتح الفاء وسكون الجيم المكان المتّسع. ورواه أبو مصعب ويحيى بن بكير وغيرهما عن مالك بلفظ " فرجة " بضمّ الفاء وسكون الرّاء. وهو بمعنى الفجوة قال البخاري - في رواية المستملي وحده -: فجوة: متّسع والجمع فجوات (أي بفتحتين) وفجاء. (أي بكسر الفاء والمدّ). وكذلك ركوة وركاء وركوات. قوله: (نصّ) أي: أسرع , قال أبو عبيد: النّصّ تحريك الدّابّة حتّى يستخرج به أقصى ما عندها , وأصل النّصّ غاية المشي. ومنه نصصت الشّيء رفعته , ثمّ استعمل في ضرب سريع من السّير. زاد البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك فيه. قال هشام: والنص فوق العنق. وكذا بيّن مسلم من طريق حميد بن عبد الرّحمن. وأبو عوانة من طريق أنس بن عياض كلاهما عن هشام , أنّ التّفسير من كلامه. وأدرجه يحيى القطّان فيما أخرجه البخاري , وسفيان فيما أخرجه النّسائيّ , وعبد الرّحيم بن سليمان , ووكيع فيما أخرجه ابن خزيمة كلّهم عن هشام. وقد رواه إسحاق في " مسنده " عن وكيع ففصَلَه , وجعل التّفسير من كلام وكيع , وقد رواه ابن خزيمة من طريق سفيان ففصله ,

стр. 2048

وجعل التّفسير من كلام سفيان , وسفيان ووكيع إنّما أخذا التّفسير المذكور عن هشام , فرجع التّفسير إليه. وقد رواه أكثر رواة " الموطّإ " عن مالك فلم يذكروا التّفسير , وكذلك رواه أبو داود الطّيالسيّ عن حمّاد بن سلمة , ومسلم من طريق حمّاد بن زيد كلاهما عن هشام. قال ابن خزيمة: في هذا الحديث دليلٌ على أنّ الحديث الذي رواه ابن عبّاس عن أسامة أنّه قال: فما رأيت ناقته رافعة يدها حتّى أتى جمعاً. أنّه محمول على حال الزّحام دون غيره. انتهى وأشار بذلك إلى ما أخرجه حفص من طريق الحكم عن مقسم عن ابن عبّاس عن أسامة , أنّ النّبيّ ﷺ أردفه حين أفاض من عرفة , وقال: أيّها النّاس عليكم بالسّكينة فإنّ البرّ ليس بالإيجاف , قال: فما رأيت ناقته رافعة يدها حتّى أتى جمعاً .. الحديث. وأخرجه أبو داود , وأخرجه البخاري من حديث ابن عبّاس ليس فيه أسامة. وأخرج مسلم من طريق عطاء عن ابن عبّاس عن أسامة في أثناء حديث قال: فما زال يسير على هيئته حتّى أتى جمعاً " , وهذا يشعر بأنّ ابن عبّاس إنّما أخذه عن أسامة. وقال ابن عبد البرّ: في هذا الحديث كيفيّة السّير في الدّفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصّلاة , لأنّ المغرب لا تصلى إلاَّ مع العشاء بالمزدلفة , فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسّكينة عند الزّحمة ومن الإسراع عند عدم الزّحام.

стр. 2049

وفيه أنّ السّلف كانوا يحرصون على السّؤال عن كيفيّة أحواله ﷺ في جميع حركاته وسكونه ليقتدوا به في ذلك.

стр. 2050

الحديث الثالث والثلاثون ٢٤٨ - عن عبد الله بن عمرو ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ وقف في حجّة الوداع , فجعلوا يسألونه. فقال رجلٌ: لَم أشعر , فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: اذبح ولا حرج , وجاء آخر , فقال: لَم أشعر , فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج , فما سئل يومئذٍ عن شيءٍ قدّم ولا أُخِّر إلاَّ قال: افعل ولا حرج. (١) قوله: (أنّ رسول الله ﷺ وقف) وللبخاري من رواية صالح بن كيسان عن الزهري " وقف رسول الله ﷺ على ناقته ". وترجم عليه البخاري في كتاب العلم " باب الفتيا وهو واقف على الدّابّة أو غيرها " ثمّ قال بعد أبواب كثيرة " باب السّؤال والفتيا عند رمي الجمار ". وأورد في كلٍّ من التّرجمتين حديث عبد الله بن عمرو المذكور في هذا الباب، ومثل هذا لا يقع له إلاَّ نادراً. وقد اعترض عليه الإسماعيليّ , بأنّه ليس في شيء من الرّوايات عن مالك (٢) أنّه كان على دابّة، بل في رواية يحيى القطّان عنه , أنّه جلس في حجّة الوداع فقام رجل. ثمّ قال الإسماعيليّ: فإن ثبت في شيء من الطّرق , أنّه كان على دابّة

стр. 2051

فيحمل قوله " جلس " على أنّه ركبها وجلس عليها. قلت: وهذا هو المتعيّن، فقد أورد البخاري رواية صالح بن كيسان بلفظ " وقف على راحلته " وهي بمعنى جلس، والدّابّة تطلق على المركوب من ناقة وفرس وبغل وحمار، فإذا ثبت في الرّاحلة كان الحكم في البقيّة كذلك. ثمّ قال الإسماعيليّ: إنّ صالح بن كيسان تفرّد بقوله " وقف على راحلته ". وليس كما قال، فقد ذكر ذلك أيضاً يونس عند مسلم , ومعمر عند مسلم وأحمد والنّسائيّ كلاهما عن الزّهريّ، وقد أشار البخاري إلى ذلك بقوله " تابعه معمر " أي: في قوله " وقف على راحلته ". ثمّ أورد البخاري حديث عبد الله بن عمرو - وهو ابن العاص - من طريق ابن جريج، بخلاف ما وقع في بعض نسخ العمدة , وشرح عليه ابن دقيق العيد ومن تبعه. على أنّه ابن عمر بضمّ العين. أي: ابن الخطّاب. وأورده البخاري من أربعة طرق عن الزّهريّ عن عيسى بن طلحة، وطلحة هو ابن عبيد الله - أحد العشرة - عن عبد الله، ولَم أره من حديثه إلاَّ بهذا الإسناد. وقد اختلف أصحاب الزّهريّ عليه في سياقه، وأتمّهم عنه سياقاً صالح بن كيسان، ولَم يسق البخاري لفظها، وهي عند أحمد في " مسنده " عن يعقوب. وفيه زيادة على سياق ابن جريجٍ ومالك، وقد

стр. 2052

تابعه يونس عن الزّهريّ عند مسلم بزيادةٍ أيضاً سنبيّنها. قوله: (وقف في حجّة الوداع) هو بفتح الحاء ويجوز كسرها , لَم يعيّن المكان ولا اليوم، لكن في رواية مالك في الصحيحين " بمنىً " وكذا في رواية معمر، وللبخاري من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزّهريّ " عند الجمرة ". وفي رواية ابن جريجٍ في الصحيحين " يخطب يوم النّحر " , وفي رواية صالح ومعمر كما تقدّم " على راحلته ". قال عياض: جمع بعضهم بين هذه الرّوايات: بأنّه موقف واحد على أنّ معنى خطب. أي: علَّم النّاس. لا أنّها من خطب الحجّ المشروعة. قال: ويحتمل أن يكون ذلك في موطنين. أحدهما: على راحلته عند الجمرة , ولَم يقل في هذا خطب. والثّاني: يوم النّحر بعد صلاة الظّهر , وذلك وقت الخطبة المشروعة من خطب الحجّ يعلم الإمام فيها النّاس ما بقي عليهم من مناسكهم. وصوّب النّوويّ هذا الاحتمال الثّاني. فإن قيل: لا منافاة بين هذا الذي صوّبه وبين الذي قبله. فإنّه ليس في شيء من طرق الحديثين - حديث ابن عبّاس (١) وحديث عبد الله

стр. 2053

بن عمرو - بيان الوقت الذي خطب فيه من النّهار. قلت: نعم. لَم يقع التّصريح بذلك، لكن في رواية ابن عبّاس " أنّ بعض السّائلين قال: رميتُ بعدما أمسيت " (١) وهذا يدلّ على أنّ هذه القصّة كانت بعد الزّوال , لأنّ المساء يطلق على ما بعد الزّوال، وكأنّ السّائل علم أنّ السّنّة للحاجّ أن يرمي الجمرة أوّل ما يقدم ضحًى. فلمّا أخّرها إلى بعد الزّوال سأل عن ذلك. على أنّ حديث عبد الله بن عمرو من مخرج واحد لا يعرف له طريقٌ إلاَّ طريق الزّهريّ هذه عن عيسى عنه، الاختلاف فيه من أصحاب الزّهريّ، وغايته أنّ بعضهم ذكر ما لَم يذكره الآخر، واجتمع من مرويّهم. ورواية ابن عبّاس أنّ ذلك كان يوم النّحر بعد الزّوال. وهو على راحلته يخطب عند الجمرة. وإذا تقرّر أنّ ذلك كان بعد الزّوال يوم النّحر تعيّن أنّها الخطبة التي شرعت لتعليم بقيّة المناسك، فليس قوله " خطب " مجازاً عن مجرّد التّعليم بل حقيقة، ولا يلزم من وقوفه عند الجمرة أن يكون حينئذٍ رماها , فقد أخرج البخاري من حديث ابن عمر , أنّه ﷺ وقف يوم النّحر بين الجمرات .. فذكر خطبته " فلعل ذلك وقع بعد أن أفاض ورجع إلى منًى.

стр. 2054

قوله: (فقال رجلٌ) لَم أقف على اسمه بعد البحث الشّديد، ولا على اسم أحدٍ ممّن سأل في هذه القصّة، وسأبيّن أنّهم كانوا جماعة. لكن في حديث أسامة بن شريك عند الطّحاويّ وغيره " كان الأعراب يسألونه "، وكأنّ هذا هو السّبب في عدم ضبط أسمائهم. قوله: (لَم أشعر) أي: لَم أفطن، يقال: شعرت بالشّيء شعوراً إذا فطنت له، وقيل: الشّعور العلم. ولَم يفصح في رواية مالك بمتعلق الشّعور، وقد بيّنه يونس عند مسلم ولفظه " لَم أشعر أنّ الرّمي قبل النّحر فنحرت قبل أن أرمي " وقال آخر " لَم أشعر أنّ النّحر قبل الحلق فحلقت قبل أن أنحر ". وفي رواية ابن جريجٍ: كنت أحسب أنّ كذا قبل كذا " , وقد تبيّن ذلك في رواية يونس، وزاد في رواية ابن جريجٍ: وأشباه ذلك. ووقع في رواية محمّد بن أبي حفصة عن الزّهريّ عند مسلم " حلقت قبل أن أرمي " وقال آخر " أفضت إلى البيت قبل أن أرمي " وفي حديث معمر عند أحمد زيادة الحلق قبل الرّمي أيضاً. فحاصل ما في حديث عبد الله بن عمرو السّؤال عن أربعة أشياء: الحلق قبل الذّبح، والحلق قبل الرّمي، والنّحر قبل الرّمي، والإفاضة قبل الرّمي، والأوليان في حديث ابن عبّاس أيضاً، وعند الدّارقطنيّ من حديث ابن عبّاس أيضاً السّؤال عن الحلق قبل الرّمي، وكذا في حديث جابر , وفي حديث أبي سعيد عند الطّحاويّ. وفي حديث عليّ عند أحمد السّؤال عن الإفاضة قبل الحلق، وفي

стр. 2055

حديثه عند الطّحاويّ السّؤال عن الرّمي والإفاضة معاً قبل الحلق، وفي حديث جابر الذي علَّقه البخاري. ووصله ابن حبّان وغيره السّؤال عن الإفاضة قبل الذّبح، وفي حديث أسامة بن شريك عند أبي داود السّؤال عن السّعي قبل الطّواف. قوله: (اذبح ولا حرج) أي: لا شيء عليه مطلقاً من الإثم، لا في التّرتيب , ولا في ترك الفدية. هذا ظاهره. وقال بعض الفقهاء: المراد نفي الإثم فقط. وفيه نظرٌ. لأنّ في بعض الرّوايات الصّحيحة: ولَم يأمر بكفّارةٍ (١) , والسّؤال عن ذلك دالٌّ على أنّ السّائل عرف أنّ الحكم على عكسه. ووظائف يوم النّحر بالاتّفاق أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثمّ نحر الهدي أو ذبحه، ثمّ الحلق أو التّقصير، ثمّ طواف الإفاضة. وفي حديث أنس في الصّحيحين , أنّ النّبيّ ﷺ أتى منًى فأتى الجمرة فرماها، ثمّ أتى منزله بمنًى فنحر، وقال للحالق: خذ. ولأبي داود " رمى ثمّ نحر ثمّ حلق " وقد أجمع العلماء على مطلوبيّة هذا التّرتيب، إلاَّ أنّ ابن الجهم المالكيّ استثنى القارن , فقال: لا يحلق حتّى يطوف، كأنّه لاحظ أنّه

стр. 2056

في عمل العمرة والعمرة يتأخّر فيها الحلق عن الطّواف، وردّ عليه النّوويّ بالإجماع، ونازعه ابن دقيق العيد في ذلك. واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض. فأجمعوا على الإجزاء في ذلك كما قاله ابن قدامة في " المغني " إلاَّ أنّهم اختلفوا في وجوب الدّم في بعض المواضع. القول الأول: قال القرطبيّ: روي عن ابن عبّاس , ولَم يثبت عنه أنّ من قدّم شيئاً على شيء فعليه دم، وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والحسن والنّخعيّ وأصحاب الرّأي. انتهى. وفي نسبة ذلك إلى النّخعيّ وأصحاب الرّأي نظرٌ، فإنّهم لا يقولون بذلك إلاَّ في بعض المواضع كما سيأتي. القول الثاني: قال القرطبي: وذهب الشّافعيّ وجمهور السّلف والعلماء وفقهاء أصحاب الحديث إلى الجواز وعدم وجوب الدّم , لقوله للسّائل " لا حرج " فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معاً، لأنّ اسم الضيق يشملهما. قال الطّحاويّ: ظاهر الحديث يدلّ على التّوسعة في تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، قال: إلاَّ أنّه يحتمل أن يكون قوله " لا حرج ". أي: لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسياً أو جاهلاً، وأمّا من تعمّد المخالفة فتجب عليه الفدية. وتعقّب: بأنّ وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجباً لبيّنه ﷺ حينئذٍ , لأنّه وقت الحاجة. ولا يجوز تأخيره.

стр. 2057

وقال الطّبريّ: لَم يسقط النّبيّ ﷺ الحرج إلاَّ وقد أجزأ الفعل، إذ لو لَم يجزئ لأمره بالإعادة , لأنّ الجهل والنّسيان لا يضعان عن المرء الحكم الذي يلزمه في الحجّ، كما لو ترك الرّمي ونحوه فإنّه لا يأثم بتركه جاهلاً أو ناسياً , لكن يجب عليه الإعادة. والعجب ممّن يحمل قوله " ولا حرج " على نفي الإثم فقط ثمّ يخصّ ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان التّرتيب واجباً يجب بتركه دم فليكن في الجميع , وإلاَّ فما وجه تخصيص بعض دون بعض من تعميم الشّارع الجميع بنفي الحرج. وأمّا احتجاج النّخعيّ ومن تبعه في تقديم الحلق على غيره بقوله تعالى (ولا تحلقوا رءوسكم حتّى يبلغ الهدي محله) قال: فمن حلق قبل الذّبح أهراق دماً عنه " رواه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح. فقد أجيب: بأنّ المراد ببلوغ محلّه وصوله إلى الموضع الذي يحلّ ذبحه فيه وقد حصل، وإنّما يتمّ ما أراد أن لو قال ولا تحلقوا حتّى تنحروا. واحتجّ الطّحاويّ أيضاً: بقول ابن عبّاس: من قدّم شيئاً من نسكه أو أخّره فليهرق لذلك دماً، قال: وهو أحدُ مَن روى أن لا حرج، فدلَّ على أنّ المراد بنفي الحرج نفي الإثم فقط. وأجيب: بأنّ الطّريق بذلك إلى ابن عبّاس فيها ضعف، فإنّ ابن أبي شيبة أخرجها وفيها إبراهيم بن مهاجر وفيه مقال. وعلى تقدير الصّحّة فيلزم من يأخذ بقول ابن عبّاس أن يوجب

стр. 2058

الدّم في كلّ شيء من الأربعة المذكورة. ولا يخصّه بالحلق قبل الذّبح أو قبل الرّمي. وقال ابن دقيق العيد: منع مالك وأبو حنيفة تقديم الحلق على الرّمي والذّبح , لأنّه حينئذٍ يكون حلقاً قبل وجود التّحلّلين، وللشّافعيّ قول مثله. وقد بُني القولان له على أنّ الحلق نسك أو استباحة محظور؟. فإن قلنا: إنّه نسك. جاز تقديمه على الرّمي وغيره , لأنّه يكون من أسباب التّحلّل، وإن قلنا: إنّه استباحة محظور. فلا. قال: وفي هذا البناء نظرٌ، لأنّه لا يلزم من كون الشّيء نسكاً أن يكون من أسباب التّحلّل، لأنّ النّسك ما يثاب عليه، وهذا مالكٌ يرى أنّ الحلق نسك , ويرى أنّه لا يقدّم على الرّمي مع ذلك. وقال الأوزاعيّ: إن أفاض قبل الرّمي أهراق دماً. وقال عياض: اختلف عن مالك في تقديم الطّواف على الرّمي. وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنّه يجب عليه إعادة الطّواف، فإن توجّه إلى بلده بلا إعادة وجب عليه دم. قال ابن بطّال: وهذا يخالف حديث ابن عبّاس، وكأنّه لَم يبلغه. انتهى. قلت: وكذا هو في رواية ابن أبي حفصة عن الزّهريّ في حديث عبد الله بن عمرو، وكأنّ مالكاً لَم يحفظ ذلك عن الزّهريّ قوله: (فما سئل النّبيّ ﷺ عن شيء قدّم ولا أخّر إلاَّ قال: افعل

стр. 2059

ولا حرج) وللبخاري من رواية ابن جريج عن الزهري , فقال النبي ﷺ : افعل ولا حرج. لهن كلهن. قال الكرماني: اللام في قوله " لهن " متعلقة بقال. أي: قال لأجل هذه الأفعال , أو بمحذوف. أي: قال يوم النحر لأجلهن , أو بقوله " لا حرج " أي: لا حرج لأجلهن. انتهى. ويحتمل: أن تكون اللام بمعنى عن. أي: قال عنهن كلهنّ. وفي رواية يونس عند مسلم وصالح عند أحمد " فما سمعته سئل يومئذٍ عن أمر ممّا ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعض أو أشباهها إلاَّ قال: افعلوا ذلك ولا حرج. واحتجّ به وبقوله في رواية مالك " لَم أشعر " بأنّ الرّخصة تختصّ بمن نسي أو جهل لا بمن تعمّد. قال صاحب " المغني " قال الأثرم عن أحمد: إن كان ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن كان عالماً فلا , لقوله في الحديث " لَم أشعر ". وأجاب بعض الشّافعيّة: بأنّ التّرتيب لو كان واجباً لَمَا سقط بالسّهو، كالتّرتيب بين السّعي والطّواف فإنّه لو سعى قبل أن يطوف وجب إعادة السّعي. وأمّا ما وقع في حديث أسامة بن شريك. فمحمول على من سعى بعد طواف القدوم , ثمّ طاف طواف الإفاضة. فإنّه يصدق عليه أنّه سعى قبل الطّواف. أي: طواف الرّكن.

стр. 2060

ولَم يقل بظاهر حديث أسامة إلاَّ أحمد وعطاء , فقالا: لو لَم يطف للقدوم ولا لغيره وقدّم السّعي قبل طواف الإفاضة أجزأه، أخرجه عبد الرّزّاق عن ابن جريجٍ عنه. وقال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قويّ من جهة أنّ الدّليل دلَّ على وجوب اتّباع الرّسول في الحجّ بقوله " خذوا عنّي مناسككم " وهذه الأحاديث المرخّصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السّائل " لَم أشعر " فيختصّ الحكم بهذه الحالة , وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتّباع في الحجّ. وأيضاً فالحكم إذا رتّب على وصف يمكن أن يكون معتبراً لَم يجز اطّراحه، ولا شكّ أنّ عدم الشّعور وصف مناسب لعدم المؤاخذة، وقد علق به الحكم فلا يمكن اطّراحه بإلحاق العمد به إذ لا يساويه. وأمّا التّمسّك بقول الرّاوي " فما سئل عن شيء إلخ " فإنّه يشعر بأنّ التّرتيب مطلقاً غير مراعًى. فجوابه: أنّ هذا الإخبار من الرّاوي يتعلق بما وقع السّؤال عنه , وهو مطلق بالنّسبة إلى حال السّائل , والمطلق لا يدلّ على أنّ أحد الخاصّين سنّة. فلا يبقى حجّة في حال العمد. والله أعلم. تكميل: قال ابن التّين: هذا الحديث لا يقتضي رفع الحرج في غير المسألتين المنصوص عليهما يعني المذكورتين في رواية مالك , لأنّه خرج جواباً للسّؤال ولا يدخل فيه غيره. انتهى وكأنّه غفل عن قوله في بقيّة الحديث " فما سئل عن شيء قدّم ولا

стр. 2061

أخّر " وكأنّه حمل ما أُبهم فيه على ما ذكر، لكنّ قوله في رواية ابن جريجٍ " وأشباه ذلك " يردّ عليه. قد تقدّم فيما حرّرناه من مجموع الأحاديث عدّة صور، وبقيت عدّة صور لَم تذكرها الرّواة إمّا اختصاراً وإمّا لكونها لَم تقع، وبلغت بالتّقسيم أربعاً وعشرين صورة، منها صورة التّرتيب المتّفق عليها. والله أعلم. وفي الحديث من الفوائد. جواز القعود على الرّاحلة للحاجة، ووجوب اتّباع أفعال النّبيّ ﷺ لكون الذين خالفوها لَمّا علموا سألوه عن حكم ذلك. وفيه أنّ اشتغال العالم بالطّاعة لا يمنع من سؤاله عن العلم ما لَم يكن مستغرقاً فيها، إنّ الكلام في الرّمي وغيره من المناسك جائز، فوقوع السّؤال عند الجمرة أعمّ من أن يكون في حال اشتغاله بالرّمي أو بعد الفراغ منه. واستدل الإسماعيليّ بالخبر , على أنّ التّرتيب قائم مقام اللفظ، أي: بأيّ صيغة ورد ما لَم يقم دليل على عدم إرادته. والله أعلم وحاصله: أنّه لو لَم يفهموا أنّ ذلك هو الأصل لَمَا احتاجوا إلى السّؤال عن حكم تقديم الأوّل على الثّاني إذا ورد الأمر لشيئين معطوفاً بالواو، فيقال: الأصل العمل بتقديم ما قدّم وتأخير ما أخّر حتّى يقوم الدّليل على التّسوية، ولمن يقول بعدم التّرتيب أصلاً أن يتمسّك بهذا الخبر حتّى يقوم دليل على وجوب التّرتيب.

стр. 2062

وفيه أنّ سؤال من لا يعرف الحكم عنه في موضع فعله حسن بل واجب عليه؛ لأنّ صحّة العمل متوقّفة على العلم بكيفيّته، وأنّ سؤال العالم على قارعة الطّريق عمّا يحتاج إليه السّائل لا نقص فيه على العالم إذا أجاب ولا لوم على السّائل. ويستفاد منه أيضاً دفع توهّم من يظنّ أنّ في الاشتغال بالسّؤال والجواب عند الجمرة تضييقاً على الرّامين. وهذا وإن كان كذلك لكن يستثنى من المنع ما إذا كان فيما يتعلق بحكم تلك العبادة. والله أعلم.

стр. 2063

الحديث الرابع والثلاثون ٢٤٩ - عن عبد الرّحمن بن يزيد النّخعيّ , أنّه حجّ مع ابن مسعودٍ , فرآه رمى الجمرة الكبرى بسبع حَصَيَاتٍ فجعل البيت عن يساره , ومنًى عن يمينه. ثمّ قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة ﷺ . (١) قوله: (أنّه حجّ مع ابن مسعودٍ. فرآه رمى) ولهما من رواية الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمَن قال: رمى عبد الله من بطن الوادي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنَّ ناساً يرمونها من فوقها؟ فقال: والذي لا إله غيره .. الحديث. وروى ابن أبي شيبة وغيره عن عطاء , أنّ النّبيّ ﷺ كان يعلو إذا رمى الجمرة. لكن يمكن الجمع بين هذا وبين قوله " بطن الوادي ": بأنّ التي ترمى من بطن الوادي هي جمرة العقبة لكونها عند الوادي بخلاف الجمرتين الأخريين. ويوضّح ذلك قوله في الرواية الأخرى في الصحيحين بلفظ " حين رمى جمرة العقبة " وكذا روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عمرو

стр. 2064

بن ميمون عن عمر , أنّه رمى جمرة العقبة في السّنة التي أصيب فيها وفي غيرها من بطن الوادي. ومن طريق الأسود: رأيت عمرَ رمى جمرة العقبة من فوقها. وفي إسناد هذا الثّاني حجّاج بن أرطأة. وفيه ضعف. قوله: (الجمرة الكبرى) في رواية لهما " رمى عبد الله بن مسعود جمرة العقبة " وهي الجمرة الكبرى، وليست من منًى , بل هي حدّ منًى من جهة مكّة، وهي التي بايع النّبيّ ﷺ الأنصار عندها على الهجرة. والجمرة اسم لمجتمع الحصى سُمِّيت بذلك لاجتماع النّاس بها، يقال: تجمّر بنو فلان إذا اجتمعوا. وقيل: إنّ العرب تسمّي الحصى الصّغار جماراً فسمّيت تسمية الشّيء بلازمه. وقيل: لأنّ آدم أو إبراهيم لَمّا عرض له إبليس فحصبه جَمَر بين يديه أي أسرع فسمّيت بذلك. قوله: (بسبع حصياتٍ) ولهما من رواية الأعمش " فاستبطن الوادي حتى إذا حاذى بالشجرة اعترضها، فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة " واللفظ للبخاري. وفيه ردّ ما رواه قتادة عن ابن عمر قال: ما أبالي رميت الجمار بستٍّ أو سبعٍ. وأنّ ابن عبّاس أنكر ذلك، وقتادة لَم يسمع من ابن عمر، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق قتادة.

стр. 2065

وروى من طريق مجاهد: من رمى بستٍّ فلا شيء عليه. ومن طريق طاوسٍ: يتصدّق بشيء. وعن مالك والأوزاعيّ: من رمى بأقلّ من سبع وفاته التّدارك يجبره بدمٍ. وعن الشّافعيّة: في ترك حصاة مدّ، وفي ترك حصاتين مدّان، وفي ثلاثة فأكثر دم. وعن الحنفيّة: إن ترك أقل من نصف الجمرات الثّلاث فنصف صاع وإلا فدم. وقوله " اعترضها " أي: الشّجرة يدلّ على أنّه كان هناك شجرة عند الجمرة. وقد روى ابن أبي شيبة عن الثّقفيّ عن أيّوب قال: رأيت القاسم وسالماً ونافعاً يرمون من الشّجرة. ومن طريق عبد الرّحمن بن الأسود , أنّه كان إذا جاوز الشّجرة رمى العقبة من تحت غصن من أغصانها. قوله: (فجعل البيت عن يساره , ومنًى عن يمينه) وقع في رواية أبي صخرة عن عبد الرّحمن بن يزيد: لَمّا أتى عبد الله جمرةَ العقبة استبطن الوادي واستقبل القبلة. أخرجه التّرمذيّ، والذي قبله هو الصّحيح، وهذا شاذّ في إسناده المسعوديّ , وقد اختلط. وبالأوّل (١) قال الجمهور. وجزم الرّافعيّ من الشّافعيّة: بأنّه يستقبل الجمرة ويستدبر القبلة.

стр. 2066

وقيل: يستقبل القبلة , ويجعل الجمرة عن يمينه. وقد أجمعوا على أنّه من حيث رماها جاز. سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وسطها، والاختلاف في الأفضل. قوله: (هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة ﷺ ) قال ابن المنير: خصّ عبد الله سورة البقرة بالذّكر , لأنّها التي ذكر الله فيها الرّمي، فأشار إلى أنّ فعله ﷺ مبيّن لمراد كتاب الله تعالى. قلت: ولَم أعرف موضع ذكر الرّمي من سورة البقرة، والظّاهر أنّه أراد أن يقول: إنّ كثيراً من أفعال الحجّ مذكور فيها فكأنّه , قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه أحكام المناسك، منبّهاً بذلك على أنّ أفعال الحجّ توقيفيّة. وقيل: خصّ البقرة بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما فيها من الأحكام. أو أشار بذلك إلى أنّه يشرع الوقوف عندها بقدر سورة البقرة (١). والله أعلم

стр. 2067

واستدل بهذا الحديث. وهو القول الأول: على اشتراط رمي الجمرات واحدة واحدة , لقوله " يكبّر مع كلّ حصاة " وقد قال ﷺ : خذوا عنّي مناسككم. القول الثاني: خالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة. فقالا: لو رمى السّبع دفعة واحدة أجزأه. وفيه ما كان الصّحابة عليه من مراعاة حال النّبيّ ﷺ في كلّ حركة وهيئة , ولا سيّما في أعمال الحجّ. وفيه التّكبير عند رمي حصى الجمار، وأجمعوا على أنّ من لَم يكبّر فلا شيء عليه فوائد: الأولى: زاد محمّد بن عبد الرّحمن بن يزيد النّخعيّ عن أبيه في هذا الحديث عن ابن مسعود , أنّه لَمّا فرغ من رمي جمرة العقبة قال: اللهمّ اجعله حجّاً مبروراً، وذنباً مغفوراً ". الثانية: تمتاز جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النّحر، وأنّ لا يوقف عندها، وترمى ضحىً، ومن أسفلها استحباباً. الثالثة: اختلف في الرمي. فالجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم. وعند المالكية سنة مؤكدة فيجبر. وعندهم رواية أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه. ومقابله قول بعضهم: إنها إنما تُشرع حفظاً للتكبير فإن تركه وكبَّر أجزأه. حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها.

стр. 2068

الحديث الخامس والثلاثون ٢٥٠ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: اللهمّ ارحم المحلقين. قالوا: والمقصّرين يا رسولَ الله , قال: اللهمّ ارحم المحلقين , قالوا: والمقصّرين يا رسولَ الله , قال: والمقصّرين. (١) قوله: (قالوا: والمقصّرين يا رسولَ الله) لَم أقف في شيء من الطّرق على الذي تولى السّؤال في ذلك بعد البحث الشّديد. والواو في قوله " والمقصّرين " معطوفة على شيء محذوف تقديره قل والمقصّرين أو قل وارحم المقصّرين، وهو يسمّى العطف التّلقينيّ، وفي قوله ﷺ " والمقصّرين " إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه ولو تخلَّل بينهما السّكوت لغير عذر. قوله: (قال: والمقصّرين) في معظم الرّوايات عن مالك عن نافع عن ابن عمر إعادة ذلك الدّعاء للمحلقين مرّتين، وعطف المقصّرين عليهم في المرّة الثّالثة. وانفرد يحيى بن بكير دون رواة الموطّأ بإعادة ذلك ثلاث مرّات. نبّه عليه ابن عبد البرّ في " التّقصّي " وأغفله في " التّمهيد " بل قال فيه: أنّهم لَم يختلفوا على مالك في ذلك. وقد راجعت أصل سماعي من " موطّأ يحيى بن بكير " فوجدته كما

стр. 2069

قال في " التّقصّي " وقال الليث عن نافع عند مسلم " رحم الله المحلقين مرّةً أو مرّتين، قالوا: والمقصّرين، قال: والمقصّرين ". والشّكّ فيه من الليث وإلا فأكثرهم موافقٌ لِمَا رواه مالكٌ. وقال عبيد الله بالتّصغير وهو العمريّ، وروايته عند مسلم من رواية عبد الوهّاب الثّقفيّ عنه حدّثني نافع , وقال في الرابعة: والمقصّرين. باللفظ الذي علَّقه البخاريّ. وأخرجه مسلم أيضاً عن محمّد بن عبد الله بن نميرٍ عن أبيه عنه بلفظ: رحم الله المحلقين قالوا: والمقصّرين. فذكر مثل رواية مالكٍ سواءً. وزاد: قال: رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصّرين يا رسولَ الله، قال: والمقصّرين. وبيان أنّ كونها في الرّابعة , أنّ قوله " والمقصّرين " معطوفٌ على مقدّرٍ تقديره يرحم الله المحلقين، وإنّما قال ذلك بعد أن دعا للمحلقين ثلاث مرّاتٍ صريحاً فيكون دعاؤه للمقصّرين في الرّابعة. وقد رواه أبو عوانة في " مستخرجه " من طريق الثّوريّ عن عبيد الله بلفظ " قال في الثّالثة: والمقصّرين. والجمع بينهما واضحٌ: بأنّ مَن قال في الرّابعة فعلى ما شرحناه، ومَن قال في الثّالثة أراد أنّ قوله " والمقصّرين " معطوفٌ على الدّعوة الثّالثة، أو أراد بالثّالثة مسألة السّائلين في ذلك، وكان ﷺ لا يراجع بعد ثلاثٍ كما ثبت، ولو لَم يدع لهم بعد ثالث مسألةٍ ما سألوه ذلك. وأخرجه أحمد من طريق أيّوب عن نافعٍ بلفظ " اللهمّ اغفر

стр. 2070

للمحلقين. قالوا: وللمقصّرين - حتّى قالها ثلاثاً أو أربعاً - ثمّ قال: والمقصّرين " ورواية من جزم مقدّمةٌ على رواية من شكّ. وأخرجه الشيخان من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة نحوه وفيه " قالها ثلاثاً. أي: اللهم غفر للمحلقين , قال: وللمقصرين " وهذه الرّواية شاهدةٌ أنّ عبيد الله العمريّ حفظ الزّيادة. واختلف المتكلمون على هذا الحديث في الوقت الذي قال فيه رسول الله ﷺ ذلك. فقال ابن عبد البرّ: لَم يذكر أحدٌ من رواة نافع عن ابن عمر أنّ ذلك كان يوم الحديبية، وهو تقصير وحذف، وإنّما جرى ذلك يوم الحديبية حين صدّ عن البيت، وهذا محفوظ مشهور من حديث ابن عمر وابن عبّاس وأبي سعيد وأبي هريرة وحبشيّ بن جنادة وغيرهم. ثمّ أخرج حديث أبي سعيد بلفظ: سمعت رسول الله ﷺ يستغفر لأهل الحديبية للمحلقين ثلاثاً وللمقصّرين مرّة. وحديث ابن عبّاس بلفظ " حلق رجال يوم الحديبية وقصّر آخرون. فقال رسول الله ﷺ : رحم الله المحلقين .. الحديث. وحديث أبي هريرة من طريق محمّد بن فضيلٍ عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عنه , ولَم يسق لفظه بل قال: فذكر معناه. وتجوّز في ذلك , فإنّه ليس في رواية أبي هريرة تعيين الموضع , ولَم يقع في شيء من طرقه التّصريح بسماعه لذلك من النّبيّ ﷺ ، ولو وقع لقطعنا بأنّه كان في حجّة الوداع , لأنّه شهدها ولَم يشهد الحديبية.
следующие страницы →