وقيل: يستقبل القبلة , ويجعل الجمرة عن يمينه.
وقد أجمعوا على أنّه من حيث رماها جاز. سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو وسطها، والاختلاف في الأفضل.
قوله: (هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة ﷺ ) قال ابن المنير: خصّ عبد الله سورة البقرة بالذّكر , لأنّها التي ذكر الله فيها الرّمي، فأشار إلى أنّ فعله ﷺ مبيّن لمراد كتاب الله تعالى.
قلت: ولَم أعرف موضع ذكر الرّمي من سورة البقرة، والظّاهر أنّه أراد أن يقول: إنّ كثيراً من أفعال الحجّ مذكور فيها فكأنّه , قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه أحكام المناسك، منبّهاً بذلك على أنّ أفعال الحجّ توقيفيّة.
وقيل: خصّ البقرة بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما فيها من الأحكام.
أو أشار بذلك إلى أنّه يشرع الوقوف عندها بقدر سورة البقرة (١). والله أعلم
стр. 2067
واستدل بهذا الحديث.
وهو القول الأول: على اشتراط رمي الجمرات واحدة واحدة , لقوله " يكبّر مع كلّ حصاة " وقد قال ﷺ : خذوا عنّي مناسككم.
القول الثاني: خالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة. فقالا: لو رمى السّبع دفعة واحدة أجزأه.
وفيه ما كان الصّحابة عليه من مراعاة حال النّبيّ ﷺ في كلّ حركة وهيئة , ولا سيّما في أعمال الحجّ. وفيه التّكبير عند رمي حصى الجمار، وأجمعوا على أنّ من لَم يكبّر فلا شيء عليه
فوائد:
الأولى: زاد محمّد بن عبد الرّحمن بن يزيد النّخعيّ عن أبيه في هذا الحديث عن ابن مسعود , أنّه لَمّا فرغ من رمي جمرة العقبة قال: اللهمّ اجعله حجّاً مبروراً، وذنباً مغفوراً ".
الثانية: تمتاز جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النّحر، وأنّ لا يوقف عندها، وترمى ضحىً، ومن أسفلها استحباباً.
الثالثة: اختلف في الرمي.
فالجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم. وعند المالكية سنة مؤكدة فيجبر. وعندهم رواية أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه.
ومقابله قول بعضهم: إنها إنما تُشرع حفظاً للتكبير فإن تركه وكبَّر أجزأه. حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها.
стр. 2068
الحديث الخامس والثلاثون
٢٥٠ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , أنّ رسول الله ﷺ قال: اللهمّ ارحم المحلقين. قالوا: والمقصّرين يا رسولَ الله , قال: اللهمّ ارحم المحلقين , قالوا: والمقصّرين يا رسولَ الله , قال: والمقصّرين. (١)
قوله: (قالوا: والمقصّرين يا رسولَ الله) لَم أقف في شيء من الطّرق على الذي تولى السّؤال في ذلك بعد البحث الشّديد.
والواو في قوله " والمقصّرين " معطوفة على شيء محذوف تقديره قل والمقصّرين أو قل وارحم المقصّرين، وهو يسمّى العطف التّلقينيّ، وفي قوله ﷺ " والمقصّرين " إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه ولو تخلَّل بينهما السّكوت لغير عذر.
قوله: (قال: والمقصّرين) في معظم الرّوايات عن مالك عن نافع عن ابن عمر إعادة ذلك الدّعاء للمحلقين مرّتين، وعطف المقصّرين عليهم في المرّة الثّالثة.
وانفرد يحيى بن بكير دون رواة الموطّأ بإعادة ذلك ثلاث مرّات. نبّه عليه ابن عبد البرّ في " التّقصّي " وأغفله في " التّمهيد " بل قال فيه: أنّهم لَم يختلفوا على مالك في ذلك.
وقد راجعت أصل سماعي من " موطّأ يحيى بن بكير " فوجدته كما
стр. 2069
قال في " التّقصّي " وقال الليث عن نافع عند مسلم " رحم الله المحلقين مرّةً أو مرّتين، قالوا: والمقصّرين، قال: والمقصّرين ". والشّكّ فيه من الليث وإلا فأكثرهم موافقٌ لِمَا رواه مالكٌ.
وقال عبيد الله بالتّصغير وهو العمريّ، وروايته عند مسلم من رواية عبد الوهّاب الثّقفيّ عنه حدّثني نافع , وقال في الرابعة: والمقصّرين. باللفظ الذي علَّقه البخاريّ.
وأخرجه مسلم أيضاً عن محمّد بن عبد الله بن نميرٍ عن أبيه عنه بلفظ: رحم الله المحلقين قالوا: والمقصّرين. فذكر مثل رواية مالكٍ سواءً. وزاد: قال: رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصّرين يا رسولَ الله، قال: والمقصّرين.
وبيان أنّ كونها في الرّابعة , أنّ قوله " والمقصّرين " معطوفٌ على مقدّرٍ تقديره يرحم الله المحلقين، وإنّما قال ذلك بعد أن دعا للمحلقين ثلاث مرّاتٍ صريحاً فيكون دعاؤه للمقصّرين في الرّابعة. وقد رواه أبو عوانة في " مستخرجه " من طريق الثّوريّ عن عبيد الله بلفظ " قال في الثّالثة: والمقصّرين.
والجمع بينهما واضحٌ: بأنّ مَن قال في الرّابعة فعلى ما شرحناه، ومَن قال في الثّالثة أراد أنّ قوله " والمقصّرين " معطوفٌ على الدّعوة الثّالثة، أو أراد بالثّالثة مسألة السّائلين في ذلك، وكان ﷺ لا يراجع بعد ثلاثٍ كما ثبت، ولو لَم يدع لهم بعد ثالث مسألةٍ ما سألوه ذلك.
وأخرجه أحمد من طريق أيّوب عن نافعٍ بلفظ " اللهمّ اغفر
стр. 2070
للمحلقين. قالوا: وللمقصّرين - حتّى قالها ثلاثاً أو أربعاً - ثمّ قال: والمقصّرين " ورواية من جزم مقدّمةٌ على رواية من شكّ.
وأخرجه الشيخان من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة نحوه وفيه " قالها ثلاثاً. أي: اللهم غفر للمحلقين , قال: وللمقصرين " وهذه الرّواية شاهدةٌ أنّ عبيد الله العمريّ حفظ الزّيادة.
واختلف المتكلمون على هذا الحديث في الوقت الذي قال فيه رسول الله ﷺ ذلك.
فقال ابن عبد البرّ: لَم يذكر أحدٌ من رواة نافع عن ابن عمر أنّ ذلك كان يوم الحديبية، وهو تقصير وحذف، وإنّما جرى ذلك يوم الحديبية حين صدّ عن البيت، وهذا محفوظ مشهور من حديث ابن عمر وابن عبّاس وأبي سعيد وأبي هريرة وحبشيّ بن جنادة وغيرهم.
ثمّ أخرج حديث أبي سعيد بلفظ: سمعت رسول الله ﷺ يستغفر لأهل الحديبية للمحلقين ثلاثاً وللمقصّرين مرّة. وحديث ابن عبّاس بلفظ " حلق رجال يوم الحديبية وقصّر آخرون. فقال رسول الله ﷺ : رحم الله المحلقين .. الحديث.
وحديث أبي هريرة من طريق محمّد بن فضيلٍ عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عنه , ولَم يسق لفظه بل قال: فذكر معناه.
وتجوّز في ذلك , فإنّه ليس في رواية أبي هريرة تعيين الموضع , ولَم يقع في شيء من طرقه التّصريح بسماعه لذلك من النّبيّ ﷺ ، ولو وقع لقطعنا بأنّه كان في حجّة الوداع , لأنّه شهدها ولَم يشهد الحديبية.
стр. 2071
ولَم يسق ابن عبد البرّ عن ابن عمر في هذا شيئاً، ولَم أقف على تعيين الحديبية في شيء من الطّرق عنه (١) , لكن من مجموع الأحاديث عنه أنّ ذلك كان في حجّة الوداع كما يومئ إليه صنيع البخاريّ، فقد ذكر في الباب لابن عمر ثلاثة أحاديث , ولأبي هريرة حديثاً , ولابن عبّاس حديثاً (٢).
فالحديث الأوّل: لابن عمر من طريق شعيب بن أبي حمزة قال: قال نافع: كان ابن عمر يقول: حلق رسول الله ﷺ في حجّته. وهو طرف من حديث طويل.
والحديث الثّاني: لابن عمر حديث الباب في الدّعاء للمحلقين.
والحديث الثّالث: لابن عمر من طريق جويريّة بن أسماء عن نافع , أنّ عبد الله - وهو ابن عمر - قال: حلق النّبيّ ﷺ وطائفة من أصحابه وقصّر بعضهم.
وكأنّ البخاريّ لَم يقع له على شرطه التّصريح بمحلّ الدّعاء
стр. 2072
للمحلقين فاستنبط من الحديث الأوّل والثّالث أنّ ذلك كان في حجّة الوداع , لأنّ الأوّل صرّح بأنّ حلاقه وقع في حجّته , والثّالث لَم يصرّح بذلك , إلاَّ أنّه بيّن فيه أنّ بعض الصّحابة حلق , وبعضهم قصّر , وقد أخرجه البخاري في " المغازي " من طريق موسى بن عقبة عن نافع بلفظ: حلق في حجّة الوداع وأناسٌ من أصحابه. وقصّر بعضهم.
وأخرج مسلم من طريق الليث بن سعد عن نافعٍ مثل حديث جويريّة سواء. وزاد فيه , أنّ رسول الله ﷺ قال: يرحم الله المحلقين. فأشعر ذلك بأنّ ذلك وقع في حجّة الوداع.
وحديث أبي سعيد الذي أخرجه ابن عبد البرّ. أخرجه أيضاً الطّحاويّ من طريق الأوزاعيّ. وأحمد وابن أبي شيبة وأبو داود الطّيالسيّ من طريق هشام الدّستوائيّ كلاهما عن يحيى بن أبي كثير عن إبراهيم الأنصاريّ عن أبي سعيد، وزاد فيه أبو داود: أنّ الصّحابة حلقوا يوم الحديبية. إلاَّ عثمان وأبا قتادة.
وأمّا حديث ابن عبّاس. فأخرجه ابن ماجه من طريق ابن إسحاق حدّثني ابن أبي نجيح عن مجاهد عنه , وهو عند ابن إسحاق في " المغازي " بهذا الإسناد , وأنّ ذلك كان بالحديبية، وكذلك أخرجه أحمد وغيره من طريقه.
وأمّا حديث حبشيّ بن جنادة. فأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق عنه ولَم يعيّن المكان، وأخرجه أحمد من هذا الوجه. وزاد في
стр. 2073
سياقه " عن حبشيّ - وكان ممّن شهد حجّة الوداع -. فذكر هذا الحديث، وهذا يشعر بأنّه كان في حجّة الوداع.
وأمّا قول ابن عبد البرّ فَوَهْم , فقد ورد تعيين الحديبية من حديث جابر عند أبي قرّة في " السّنن " ومن طريق الطّبرانيّ في " الأوسط " ومن حديث المسور بن مخرمة عند ابن إسحاق في " المغازي ".
وورد تعيين حجّة الوداع من حديث أبي مريم السّلوليّ عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أمّ الحصين عند مسلم، ومن حديث قارب بن الأسود الثّقفيّ عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أمّ عمارة عند الحارث.
فالأحاديث التي فيها تعيين حجّة الوداع أكثر عدداً وأصحّ إسناداً.
ولهذا قال النّوويّ عقب أحاديث ابن عمر وأبي هريرة وأمّ الحصين: هذه الأحاديث تدلّ على أنّ هذه الواقعة كانت في حجّة الوداع.
قال: وهو الصّحيح المشهور.
وقيل: كان في الحديبية، وجزم بأنّ ذلك كان في الحديبية إمام الحرمين في " النّهاية " ثمّ قال النّوويّ: لا يبعد أن يكون وقع في الموضعين. انتهى
وقال عياض: كان في الموضعين. ولذا قال ابن دقيق العيد: أنّه الأقرب.
قلت: بل هو المتعيّن لتظاهر الرّوايات بذلك في الموضعين كما قدّمناه، إلاَّ أنّ السّبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية , كان
стр. 2074
بسبب توقّف من توقّف من الصّحابة عن الإحلال لِمَا دخل عليهم من الحزن لكونهم مُنعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك , فخالفهم النّبيّ ﷺ وصالح قريشاً على أن يرجع من العام المقبل، والقصّة مشهورة. أخرجها البخاري.
فلمّا أمرهم النّبيّ ﷺ بالإحلال توقّفوا، فأشارت أمّ سلمة أن يحلّ هو ﷺ قبلهم ففعل، فتبعوه فحلق بعضهم , وقصّر بعض، وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممّن اقتصر على التّقصير.
وقد وقع التّصريح بهذا السّبب في حديث ابن عبّاس المشار إليه قبل , فإنّ في آخره عند ابن ماجه وغيره أنّهم , قالوا: يا رسولَ الله: ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالرّحمة؟ قال: لأنّهم لَم يشكّوا.
وأمّا السّبب في تكرير الدّعاء للمحلقين في حجّة الوداع.
فقال ابن الأثير في " النّهاية ": كان أكثر من حجّ مع رسول الله ﷺ لَم يسق الهدي، فلمّا أمرهم أن يفسخوا الحجّ إلى العمرة ثمّ يتحللوا منها ويحلقوا رءوسهم شقّ عليهم، ثمّ لَمّا لَم يكن لهم بدّ من الطّاعة كان التّقصير في أنفسهم أخفّ من الحلق ففعله أكثرهم، فرجّح النّبيّ ﷺ فعل من حلق لكونه أبين في امتثال الأمر. انتهى.
وفيما قاله نظرٌ. وإن تابعه عليه غير واحد، لأنّ المتمتّع يستحبّ في حقّه أنّ يقصّر في العمرة ويحلق في الحجّ إذا كان ما بين النّسكين متقارباً، وقد كان ذلك في حقّهم كذلك.
والأولى ما قاله الخطّابيّ وغيره: إنّ عادة العرب أنّها كانت تحبّ
стр. 2075
توفير الشّعر والتّزيّن به، وكان الحلق فيهم قليلاً. وربّما كانوا يرونه من الشّهرة ومن زيّ الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التّقصير.
وفي حديث الباب من الفوائد.
أنّ التّقصير يجزئ عن الحلق، وهو مجمعٌ عليه إلاَّ ما روي عن الحسن البصريّ , أنّ الحلق يتعيّن في أوّل حجّة، حكاه ابن المنذر بصيغة التّمريض.
وقد ثبت عن الحسن خلافه. قال ابن أبي شيبة: حدّثنا عبد الأعلى عن هشام عن الحسن في الذي لَم يحجّ قطّ، فإن شاء حلق وإن شاء قصّر.
نعم روى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النّخعيّ قال: إذا حجّ الرّجل أوّل حجّة حلق، فإن حجّ أخرى فإن شاء حلق , وإن شاء قصّر. ثمّ روى عنه أنّه قال: كانوا يحبّون أن يحلقوا في أوّل حجّة وأوّل عمرة. انتهى.
وهذا يدلّ على أنّ ذلك للاستحباب لا للّزوم.
نعم عند المالكيّة والحنابلة. أنّ محلّ تعيين الحلق والتّقصير أن لا يكون المُحرم لبّد شعره أو ضفّره أو عقصه، وهو قول الثّوريّ والشّافعيّ في القديم والجمهور. وهذا القول الأول.
القول الثاني: قال في الجديد وفاقاً للحنفيّة: لا يتعيّن إلاَّ إن نذره , أو كان شعره خفيفاً لا يمكن تقصيره , أو لَم يكن له شعر فيمرّ الموسى
стр. 2076
على رأسه.
وأغرب الخطّابيّ. فاستدل بهذا الحديث لتعيّن الحلق لمن لبّد، ولا حجّة فيه.
وفيه أنّ الحلق أفضل من التّقصير.
ووجهه أنّه أبلغ في العبادة وأبين للخضوع والذّلة , وأدلّ على صدق النّيّة، والذي يقصّر يبقي على نفسه شيئاً ممّا يتزيّن به، بخلاف الحالق فإنّه يشعر بأنّه ترك ذلك لله تعالى. وفيه إشارة إلى التّجرّد، ومن ثَمَّ استحبّ الصّلحاء إلقاء الشّعور عند التّوبة. والله أعلم.
وأمّا قول النّوويّ تبعاً لغيره في تعليل ذلك: بأنّ المقصّر يُبقي على نفسه الشّعر الذي هو زينة. والحاجّ مأمور بترك الزّينة , بل هو أشعث أغبر.
ففيه نظرٌ، لأنّ الحلق إنّما يقع بعد انقضاء زمن الأمر بالتّقشّف فإنّه يحلّ له عقبه كلّ شيء إلاَّ النّساء في الحجّ خاصّة.
واستدل بقوله " المحلقين " على مشروعيّة حلق جميع الرّأس , لأنّه الذي تقتضيه الصّيغة , وقال بوجوب حلق جميعه مالك وأحمد.
واستحبّه الكوفيّون والشّافعيّ، ويجزئ البعض عندهم.
واختلفوا فيه:
فعن الحنفيّة الرّبع، إلاَّ أبا يوسف , فقال: النّصف.
وقال الشّافعيّ: أقلّ ما يجب حلق ثلاث شعرات.
وفي وجه لبعض أصحابه. شعرة واحدة.
стр. 2077
والتّقصير كالحلق فالأفضل أن يقصّر من جميع شعر رأسه، ويستحبّ أن لا ينقص عن قدر الأنملة، وإن اقتصر على دونها أجزأ، هذا للشّافعيّة , وهو مرتّب عند غيرهم على الحلق، وهذا كلّه في حقّ الرّجال.
وأمّا النّساء فالمشروع في حقّهنّ التّقصير بالإجماع، وفيه حديث لابن عبّاس عند أبي داود ولفظه: ليس على النّساء حلق، وإنّما على النّساء التّقصير. وللتّرمذيّ من حديث عليّ: نهى أن تحلق المرأة رأسها.
وقال جمهور الشّافعيّة: لو حلقت أجزأها ويكره.
وقال القاضيان أبو الطّيّب وحسين: لا يجوز، والله أعلم.
وفي الحديث أيضاً مشروعيّة الدّعاء لمن فعل ما شرع له، وتكرار الدّعاء لمن فعل الرّاجح من الأمرين المخيّر فيهما , والتّنبيه بالتّكرار على الرّجحان وطلب الدّعاء لمن فعل الجائز. وإن كان مرجوحاً.
تكمله: قال البخاري: باب الحلق والتقصير عند الإحلال. ثم أورد حديث الباب. وأحاديث حلاقة النبي ﷺ في حجته.
قال ابن المنير في الحاشية: أفهم البخاري بهذه الترجمة أنَّ الحلقَ نسكٌ لقوله " عند الإحلال " وما يصنع عند الإحلال , وليس هو نفس التحلّل , وكأنه استدلَّ على ذلك بدعائه ﷺ لفاعله , والدعاء يُشعر بالثواب , والثواب لا يكون إلا على العبادة لا على المباحات , وكذلك تفضيله الحلق على التقصير يشعر بذلك , لأنَّ المباحات لا
стр. 2078
تتفاضل.
والقول بأنَّ الحلقَ نسكٌ قول الجمهور إلاَّ رواية مُضعَّفة عن الشافعي أنه استباحة محظور.
وقد أوهم كلام بن المنذر أنَّ الشافعي تفرَّد بها.
لكن حُكيت أيضاً عن عطاء وعن أبي يوسف , وهي رواية عن أحمد , وعن بعض المالكية.
стр. 2079
الحديث السادس والثلاثون
٢٥١ - عن عائشة ﵂ , قالت: حججنا مع النّبيّ ﷺ فأفضنا يوم النّحر , فحاضت صفيّة. فأراد النّبيّ ﷺ منها ما يريد الرّجل من أهله. فقلت: يا رسولَ الله , إنّها حائضٌ , قال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسولَ الله , إنّها قد أفاضت يوم النّحر قال: اخرجوا. (١)
وفي لفظٍ: قال النّبيّ ﷺ : عقرى , حلقى. أطافتْ يوم النّحر؟ قيل: نعم , قال: فانفري. (٢)
قوله: (فحاضت صفيّة) أي: في أيّام منًى، ولهما من رواية الأسود عن عائشة " أنّ حيضها كان ليلة النّفر "، زاد الحكم عن إبراهيم عن الأسود عند مسلم: لَمّا أراد النّبيّ ﷺ أن ينفر إذا صفيّة على باب خبائها كئيبة حزينة، فقال: عقرى. الحديث.
وهذا يشعر بأنّ الوقت الذي أراد منها ما يريد الرّجل من أهله كان
стр. 2080
بالقرب من وقت النّفر من منىً.
واستشكله بعضهم بناء على ما فهمه , أنّ ذلك كان وقت الرّحيل، وليس ذلك بلازمٍ لاحتمال أن يكون الوقت الذي أراد منها ما أراد سابقاً على الوقت الذي رآها فيه على باب خبائها الذي هو وقت الرّحيل، بل ولو اتّحد الوقت لَم يكن ذلك مانعاً من الإرادة المذكورة.
قوله: (أحابستنا) أي: مانعتنا من التّوجّه من مكّة في الوقت الذي أردنا التّوجّه فيه، ظنّاً منه ﷺ أنّها ما طافت طواف إفاضة، وإنّما قال ذلك , لأنّه كان لا يتركها ويتوجّه، ولا يأمرها بالتّوجّه معه وهي باقية على إحرامها، فيحتاج إلى أن يقيم حتّى تطهر وتطوف , وتحلّ الحلّ الثّاني.
قوله: (قالوا) ولهما من رواية الأسود عن عائشة ولفظه: أَمَا كنتِ طفتِ يوم النحر؟ قالت (أي صفيّة): بلى.
وهذا مُشكل , لأنّه ﷺ إن كان علِم أنّها طافت طواف الإفاضة. فكيف يقول أحابستنا هي؟ وإن كان ما علِم. فكيف يريد وقاعها قبل التّحلّل الثّاني؟.
ويجاب عنه: بأنّه ﷺ ما أراد ذلك منها إلاَّ بعد أن استأذنه نساؤه في طواف الإفاضة فأذن لهنّ. فكان بانياً على أنّها قد حلت، فلمّا قيل له: إنّها حائض جوّز أن يكون وقع لها قبل ذلك حتّى منعها من طواف الإفاضة فاستفهم عن ذلك , فأعلمته عائشة أنّها طافت معهنّ فزال عنه ما خشيه من ذلك والله أعلم.
стр. 2081
وفي الصحيحين من طريق عمرة عن عائشة أنّه قال لهم: لعلها تحبسنا، أَلَم تكن طافت معكنّ؟ قالوا: بلى.
وسأذكر بقيّة اختلاف ألفاظ هذه القصّة إن شاء الله تعالى
قوله: (اخرجوا) في رواية عمرة " قال: اخرجي " وفي رواية الزّهريّ عن عروة عن عائشة في البخاري " فلتنفر " وفي رواية الأسود " فلا بأس انفري ".
ومعانيها متقاربه , ولهما من رواية القاسم عن عائشة " فلا إذاً " أي: فلا حبس علينا حينئذٍ، أي: إذا أفاضت فلا مانع لنا من التّوجّه , لأنّ الذي يجب عليها قد فعلته. والمراد بها كلّها الرّحيل من منًى إلى جهة المدينة.
قوله: (عقرى , حلقى) بالفتح فيهما ثم السكون وبالقصر بغير تنوين في الرواية، ويجوز في اللغة التنوين. وصوبه أبو عبيد، لأنَّ معناه الدعاء بالعقر والحلق، كما يقال سقيا ورعيا ونحو ذلك من المصادر التي يدعى بها.
وذكر في الأمثال: أنه في كلام العرب بالمد وفي كلام المحدّثين بالقصر.
وعلى الأول هو نعت لا دعاء.
ثم معنى عقرى عقرها الله. أي جرحها , وقيل: جعلها عاقراً لا تلد، وقيل: عقر قومها.
ومعنى حلقى. حلق شعرها وهو زينة المرأة، أو أصابها وجع في
стр. 2082
حلقها، أو حلق قومها بشؤمها أي أهلكهم.
وحكى القرطبي أنها كلمة تقولها اليهود للحائض، فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثم اتسع العربي في قولهما بغير إرادة حقيقتهما كما قالوا: قاتله الله , وتربت يداه ونحو ذلك.
قال القرطبي وغيره: شتان بين قوله ﷺ هذا لصفية , وبين قوله لعائشة لَمَّا حاضت منه في الحج: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم. لِمَا يشعر به من الميل لها والحنو عليها بخلاف صفية.
قلت: وليس فيه دليل على اتّضاع قدر صفية عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام.
فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفاً على ما فاتها من النسك فسلَّاها بذلك.
وصفية أراد منها ما يريد الرجل من أهله فأبدت المانع فناسب كلاًّ منهما ما خاطبها به في تلك الحالة.
وفي حديث الباب. أنّ طواف الإفاضة ركن، ويُسمى أيضاً طواف الصدر وطواف الركن. وأنّ الطّهارة شرط لصحّة الطّواف.
وأنّ طواف الوداع واجب كما سيأتي.
واستدل به على أنّ أمير الحاجّ يلزمه أنّ يؤخّر الرّحيل لأجل من تحيض ممّن لَم تطف للإفاضة.
وتعقّب: باحتمال أن تكون إرادته ﷺ تأخير الرّحيل إكراماً لصفيّة كما احتبس بالنّاس على عقد عائشة.
стр. 2083
وأمّا الحديث الذي أخرجه البزّار من حديث جابر , وأخرجه البيهقيّ في " فوائده " من طريق أبي هريرة مرفوعاً: أميران وليسا بأميرين: من تبع جنازة فليس له أن ينصرف حتّى تدفن أو يأذن أهلها، والمرأة تحجّ أو تعتمر مع قوم فتحيض قبل طواف الرّكن فليس لهم أن ينصرفوا حتّى تطهر أو تأذن لهم.
فلا دلالة فيه على الوجوب - إن كان صحيحاً - فإنّ في إسنادِ كلٍّ منهما ضعفاً شديداً.
وقد ذكر مالك في " الموطّإ ": أنّه يلزم الجمّال أن يحبس لها إلى انقضاء أكثر مدّة الحيض، وكذا على النّفساء.
واستشكله ابن الموّاز: بأنّ فيها تعريضاً للفساد كقطع الطّريق.
وأجاب عياض: بأنّ محلّ ذلك مع أمن الطّريق كما أنّ محلّه أنّ كون مع المرأة محرم
قال ابن المنذر: قال عامّة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع. وروينا عن عمر بن الخطّاب وابن عمر وزيد بن ثابت , أنّهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضاً لطواف الوداع. وكأنّهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لَم يسقط عنها.
ثمّ أسند عن عمر بإسنادٍ صحيح إلى نافع عن ابن عمر قال: طافت امرأة بالبيت يوم النّحر ثمّ حاضت، فأمر عمر بحبسها بمكّة بعد أن ينفر النّاس حتّى تطهر وتطوف بالبيت.
стр. 2084
قال: وقد ثبت رجوع ابن عمر (١) وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة.
يشير إلى ماتضمّنه حديث عائشة , وما أخرجه البخاري من طريق أيوب عن عكرمة , أنَّ أهل المدينة سألوا ابن عباس ﵁، عن امرأة طافت ثم حاضت؟ قال لهم: تنفر، قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد , قال: إذا قدمتم المدينة فسلوا، فقدموا المدينة، فسألوا، فكان فيمن سألوا أم سليم، فذكرت حديث صفية.
وللإسماعيلي عن عبد الوهاب عن أيوب. وفيه فأخبرتهم أنّ عائشة قالت لصفيّة. أفي الخَيْبة أنت؟ إنّك لحابستنا، فقال رسول الله ﷺ : ما ذاك؟ قالت عائشة: صفيّة حاضت، قيل إنّها قد أفاضت، قال: فلا إذاً. فرجعوا إلى ابن عبّاس فقالوا: وجدنا الحديث كما حدّثتناه.
وللطيالسي من طريق قتادة عن عكرمة قال: اختلف ابن عبّاس وزيد بن ثابت في المرأة إذا حاضت , وقد طافت بالبيت يوم النّحر، فقال زيد: يكون آخر عهدها بالبيت، وقال ابن عبّاس: تنفر إن شاءت، فقالت الأنصار: لا نتابعك يا ابن عبّاس وأنت تخالف زيداً، فقال: سلوا صاحبتكم أمّ سليمٍ - يعني فسألوها - فقالت: حضت بعدما طفت بالبيت فأمرني رسول الله ﷺ أنْ أنفر، وحاضت صفيّة , فقالت لها عائشة: حبستنا فأمرها النّبيّ ﷺ أن تنفر.
وقد روى هذه القصّة طاوسٌ عن ابن عبّاس متابعاً لعكرمة،
стр. 2085
أخرجه مسلم والنّسائيّ والإسماعيليّ من طريق الحسن بن مسلم عن طاوس: كنت مع ابن عبّاس إذ قال له زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال ابن عبّاس: أمّا لا. فسل فلانة الأنصاريّة. هل أمرها النّبيّ ﷺ ؟ قال: فرجع إليه , فقال: ما أراك إلاَّ قد صدقت. لفظ مسلم.
وللنّسائي " كنت عند ابن عبّاس فقال له زيد بن ثابت: أنت الذي تفتي؟ وقال فيه: فسألها، ثمّ رجع وهو يضحك فقال: الحديث كما حدّثتني. وللإسماعيليّ بعد قوله أنت الذي .. إلخ. قال: نعم. قال: فلا تُفْتِ بذلك. قال: فسل فلانة. والباقي نحو سياق مسلم، وزاد في إسناده عن ابن جريجٍ , قال: وقال عكرمة بن خالد عن زيد وابن عبّاس نحوه , وزاد فيه: فقال ابن عبّاس: سل أمّ سليمٍ وصواحبها. هل أمرهنّ رسول الله ﷺ بذلك؟ فسألهنّ، فقلن: قد أمرنا رسول الله ﷺ بذلك.
وقد عرف برواية عكرمة الماضية أنّ الأنصاريّة هي أمّ سليمٍ، وأمّا صواحبها فلم أقف على تسميتهنّ.
وقد روى ابن أبي شيبة من طريق القاسم بن محمّد: كان الصّحابة يقولون. إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيض فقد فرغت، إلاَّ عمر فإنّه كان يقول: يكون آخر عهدها بالبيت.
وقد وافق عمرَ على رواية ذلك عن النّبيّ ﷺ غيرُه، فروى أحمد وأبو داود والنّسائيّ والطّحاويّ - واللفظ لأبي داود - من طريق
стр. 2086
الوليد بن عبد الرّحمن عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثّقفيّ. قال: أتيت عمر فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النّحر ثمّ تحيض، قال: ليكن آخر عهدها بالبيت. فقال الحارث: كذلك أفتاني - وفي رواية أبي داود " هكذا حدّثني - رسول الله ﷺ ".
واستدل الطّحاويّ: بحديث عائشة وبحديث أمّ سليمٍ على نسخ حديث الحارث في حقّ الحائض.
قال المُهلَّب: فيه شاهد لتصديق النّساء فيما يدّعينه من الحيض. لكون النّبيّ ﷺ أراد أن يؤخّر السّفر , ويحبس من معه لأجل حيض صفيّة، ولَم يمتحنها في ذلك ولا أكذبها.
وقال ابن المنيّر: لَمّا رتّب النّبيّ ﷺ على مجرّد قول صفيّة إنّها حائض تأخيره السّفر أخذ منه تعدّي الحكم إلى الزّوج، فتصدّق المرأة في الحيض والحمل باعتبار رجعة الزّوج وسقوطها وإلحاق الحمل به.
وقال إسماعيل القاضي: دلَّت الآية (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) أنَّ المرأة المعتدة مُؤتمنةٌ على رحمها من الحمل والحيض إلاَّ أن تأتي من ذلك بما يعرف كذبها فيه.
وقد أخرج الحاكم في " المستدرك " من حديث أبي بن كعب: إنَّ من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها. هكذا أخرجه موقوفا في تفسير سورة الأحزاب. ورجاله رجال الصحيح.
стр. 2087
الحديث السابع والثلاثون
٢٥٢ - عن عبد الله بن عبّاسٍ ﵁ , قال: أُمر النّاس أن يكون آخر عهدهم بالبيت , إلاَّ أنّه خفّف عن المرأة الحائض. (١)
قوله: (أُمر النّاس) كذا في رواية سفيان عن عبد الله بن طاوسٍ عن أبيه , على البناء لِمَا لَم يُسمّ فاعله , والمراد به النّبيّ ﷺ ، وكذا قوله " خفّف ".
وقد رواه سفيان أيضاً عن سليمان الأحول عن طاوسٍ فصرّح فيه بالرّفع , ولفظه عن ابن عبّاس قال: كان النّاس ينصرفون في كلّ وجه، فقال رسول الله ﷺ : لا ينفرنّ أحد حتّى يكون آخر عهده بالبيت. أخرجه مسلم هو والذي قبله عن سعيد بن منصور عن سفيان بالإسنادين فرّقهما.
فكأنّ طاوساً حدّث به على الوجهين، ولهذا وقع في رواية كلّ من الرّاويين عنه ما لَم يقع في رواية الآخر.
قوله: (خفّف عن المرأة الحائض) فيه دليل على وجوب طواف الوداع للأمر المؤكّد به وللتّعبير في حقّ الحائض بالتّخفيف، والتّخفيف لا يكون إلاَّ من أمر مؤكّد.
قال النّوويّ: طواف الوداع واجب يلزم بتركه دم على الصّحيح
стр. 2088
عندنا. وهو قول أكثر العلماء.
وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنّة لا شيء في تركه. انتهى
والذي رأيته في " الأوسط " لابن المنذر , أنّه واجب للأمر به , إلاَّ أنّه لا يجب بتركه شيء.
واستدل به على أنّ الطّهارة شرط لصحّة الطّواف، كما تقدم البحث فيه
تكميل: أخرج البخاري من طريق وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵁ قال: رُخِّص للحائض أن تنفر إذا أفاضت. قال (أي طاوس): وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر، ثم سمعته يقول بعدُ: تنفر. إنَّ النبي ﷺ رخص لهن.
هذا من مراسيل الصّحابة، وكذا ما أخرجه النّسائيّ والتّرمذيّ وصحَّحه والحاكم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: من حجّ فليكن آخر عهده بالبيت، إلاَّ الحيّض رخّص لهنّ رسول الله ﷺ . فإنّ ابن عمر لَم يسمعه من النّبيّ ﷺ . وسنوضّح ذلك، فعند النّسائيّ من طريق إبراهيم بن ميسرة عن طاوسٍ عن ابن عمر , أنّه كان يقول قريباً من سنتين عن الحائض: لا تنفر حتّى يكون آخر عهدها بالبيت. ثمّ قال بعدُ: إنّه رخّص للنّساء.
وله وللطّحاويّ من طريق عقيل عن الزّهريّ عن طاوسٍ , أنّه سمع ابن عمر يُسأل عن النّساء إذا حضن قبل النّفر , وقد أفضن يوم النّحر فقال: إنّ عائشة كانت تذكر عن رسول الله ﷺ رخصة لهنّ ,
стр. 2089
وذلك قبل موته بعامٍ ".
وفي رواية الطّحاويّ " قبل موت ابن عمر بعامٍ ".
وروى ابن أبي شيبة , أنّ ابن عمر كان يقيم على الحائض سبعة أيّام حتّى تطوف طواف الوداع.
قال الشّافعيّ: كأنّ ابن عمر سمع الأمر بالوداع , ولَم يسمع الرّخصة أوّلاً , ثمّ بلغته الرّخصة فعمل بها.
стр. 2090
الحديث الثامن والثلاثون
٢٥٣ - عن عبد الله بن عمر ﵁ , قال: استأذن العبّاس بن عبد المطّلب رسول الله ﷺ : أن يبيت بمكّة ليالي منىً من أجل سقايته. فأذن له. (١)
قوله: (استأذن العبّاس بن عبد المطّلب) وللبخاري من رواية عيسى بن يونس عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: رخّص للعبّاس .. "
وفي الحديث دليل على وجوب المبيت بمنًى , وأنّه من مناسك الحجّ لأنّ التّعبير بالرّخصة يقتضي أنّ مقابلها عزيمة , وأنّ الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لَم توجد أو ما في معناها لَم يحصل الإذن.
القول الأول: بالوجوب قال الجمهور.
القول الثاني: في قول للشّافعيّ ورواية عن أحمد وهو مذهب الحنفيّة. أنّه سنّة.
ووجوب الدّم بتركه مبنيّ على هذا الخلاف , ولا يحصل المبيت إلاَّ بمعظم الليل.
وهل يختصّ الإذن بالسّقاية وبالعبّاس , أو بغير ذلك من الأوصاف المعتبرة في هذا الحكم؟.
стр. 2091
فقيل: يختصّ الحكم بالعبّاس وهو جمود.
وقيل: يدخل معه آله.
وقيل: قومه وهم بنو هاشم.
وقيل: كلّ من احتاج إلى السّقاية فله ذلك.
ثمّ قيل أيضاً: يختصّ الحكم بسقاية العبّاس حتّى لو عملت سقاية لغيره لَم يرخّص لصاحبها في المبيت لأجلها.
ومنهم: من عمّمه. وهو الصّحيح في الموضعين، والعلة في ذلك إعداد الماء للشّاربين. (١)
وهل يختصّ ذلك بالماء أو يلتحق به ما في معناه من الأكل وغيره؟. محلّ احتمال. وجزم الشّافعيّة: بإلحاق من له مال يخاف ضياعه , أو أمر يخاف فوته , أو مريض يتعاهده بأهل السّقاية.
كما جزم الجمهور بإلحاق الرّعاء خاصّة، وهو قول أحمد واختاره ابن المنذر، أعني الاختصاص بأهل السّقاية والرّعاء لإبلٍ.
والمعروف عن أحمد. اختصاص العبّاس بذلك , وعليه اقتصر صاحب المغني.
стр. 2092
وقال المالكيّة: يجب الدّم في المذكورات سوى الرّعاء، قالوا: وهنّ ترك المبيت بغير عذر وجب عليه دم عن كلّ ليلة.
وقال الشّافعيّ: عن كلّ ليلة إطعام مسكين، وقيل عنه: التّصدّق بدرهم. وعن الثّلاث دم. وهي رواية عن أحمد، والمشهور عنه وعن الحنفيّة. لا شيء عليه.
وفي الحديث أيضاً استئذان الأمراء والكبراء فيما يطرأ من المصالح والأحكام , وبدار من استؤمر إلى الإذن عند ظهور المصلحة.
والمراد بأيّام منًى ليلة الحادي عشر واللتين بعده، ووقع في رواية روح عن ابن جريجٍ عن عبيد الله عند أحمد " أنّ مبيت تلك الليلة بمنًى "، وكأنّه عنى ليلة الحادي عشر , لأنّها تَعقُب يوم الإفاضة، وأكثر النّاس يفيضون يوم النّحر ثمّ في الذي يليه. وهو الحادي عشر. والله أعلم
قوله: (من أجل سقايته) قال الفاكهيّ: حدّثنا أحمد بن محمّد حدّثنا الحسن بن محمّد بن عبيد الله حدّثنا ابن جريجٍ عن عطاء قال: سقاية الحاجّ زمزم.
وقال الأزرقيّ: كان عبد مناف يحمل الماء في الرّوايا والقرب إلى مكّة ويسكبه في حياض من أدمٍ بفناء الكعبة للحجّاج، ثمّ فعله ابنه هاشم بعده، ثمّ عبد المطّلب؛ فلمّا حفر زمزم كان يشتري الزّبيب فينبذه في ماء زمزم ويسقي النّاس.
قال ابن إسحاق: لَمّا ولي قصيّ بن كلاب أمر الكعبة كان إليه
стр. 2093
الحجابة والسّقاية واللواء والرّفادة ودار النّدوة، ثمّ تصالح بنوه على أنّ لعبد مناف السّقاية والرّفادة والبقيّة للأخوين. ثمّ ذكر نحو ما تقدّم , وزاد: ثمّ ولي السّقاية من بعد عبد المطّلب ولده العبّاس - وهو يومئذٍ من أحدث إخوته سنّاً - فلم تزل بيده حتّى قام الإسلام وهي بيده، فأقرّها رسول الله ﷺ معه، فهي اليوم إلى بني العبّاس.
وروى الفاكهيّ من طريق الشّعبيّ قال: تكلم العبّاس وعليّ وشيبة بن عثمان في السّقاية والحجابة، فأنزل الله (أجعلتم سقاية الحاجّ) الآية إلى قوله: (حتّى يأتي الله بأمره) قال: حتّى تفتح مكّة ".
ومن طريق ابن أبي مُلَيْكة عن ابن عبّاس , أنّ العبّاس لَمّا مات. أراد عليٌّ أن يأخذ السّقاية، فقال له طلحة: أشهد لرأيت أباه يقوم عليها، وأنّ أباك أبا طالب لنازل في إبله بالأراك بعرفة. قال: فكفّ عليٌّ عن السّقاية.
ومن طريق ابن جريجٍ قال: قال العبّاس: يا رسولَ الله. لو جمعت لنا الحجابة والسّقاية، فقال: إنّما أعطيتكم ما تُرْزَءون , ولَم أعطكم ما تَرزُؤون.
الأوّل: بضمّ أوّله وسكون الرّاء وفتح الزّاي.
والثّاني: بفتح أوّله وضمّ الزّاي، أي: أعطيتكم ما ينقصكم لا ما تنقصون به النّاس.
وروى الطّبرانيّ والفاكهيّ حديث السّائب المخزوميّ , أنّه كان يقول: اشربوا من سقاية العبّاس فإنّه من السّنّة.
стр. 2094
الحديث التاسع والثلاثون
٢٥٤ - وعن ابن عمر ﵁ , قال: جمع النّبيّ ﷺ بين المغرب والعشاء بجمعٍ , لكل واحدةٍ منهما إقامةٌ. ولَم يسبّح بينهما , ولا على إثر واحدةٍ منهما. (١)
قوله: (بجمعٍ) بفتح الجيم وسكون الميم أي: المزدلفة , وسمّيت جمعاً , لأنّ آدم اجتمع فيها مع حوّاء وازدلف إليها أي دنا منها.
وروي عن قتادة: أنّها سُمِّيت جمعاً لأنّها يجمع فيها بين الصّلاتين.
وقيل: وصفت بفعل أهلها لأنّهم يجتمعون بها ويزدلفون إلى الله. أي: يتقرّبون إليه بالوقوف فيها.
وسمّيت المزدلفة: إمّا لاجتماع النّاس بها , أو لاقترابهم إلى منًى , أو لازدلاف النّاس منها جميعاً , أو للنّزول بها في كل زلفة من الليل , أو لأنّها منزلة وقربة إلى الله , أو لازدلاف آدم إلى حوّاء بها.
قوله: (بإقامةٍ) (٢) لَم يذكر الأذان , وسيأتي البحث فيه.
стр. 2095
قوله: (ولَم يسبّح بينهما) أي: لَم يتنفّل
وقوله: (ولا على إثر كل واحدة منهما) أي: عقبها ويستفاد منه أنّه ترك التّنفّل عقب المغرب وعقب العشاء , ولَمّا لَم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرّح بأنّه لَم يتنفّل بينهما بخلاف العشاء فإنّه يحتمل أن يكون المراد , أنّه لَم يتنفّل عقبها , لكنّه تنفّل بعد ذلك في أثناء الليل , ومن ثَمَّ قال الفقهاء: تؤخّر سنّة العشاءين عنهما.
ونقل ابن المنذر الإجماعَ على ترك التّطوّع بين الصّلاتين بالمزدلفة , لأنّهم اتّفقوا على أنّ السّنّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة , ومن تنفّل بينهما لَم يصحّ أنّه جمع بينهما. انتهى.
ويعكّر على نقل الاتّفاق فعل ابن مسعود.
فأخرج البخاري من طريق زهير عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: حجَّ عبد الله ﵁ فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريباً من ذلك، فأمر رجلاً فأذن وأقام، ثم صلَّى المغرب، وصلَّى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشَّى، ثم أمر أرى فأذّن وأقام - قال عمرو: لا أعلم الشك إلاَّ من زهير- ثم صلَّى العشاء ركعتين ... وفيه قال: رأيت النبي ﷺ يفعله " , وفي رواية له عن إسرائيل عن أبي إسحاق " فصلَّى الصلاتين كل صلاةٍ وحدها بأذان
стр. 2096
وإقامة، والعَشاء بينهما.
وفي حديث ابن مسعود: مشروعيّة الأذان والإقامة لكلّ من الصّلاتين إذا جمع بينهما.
قال ابن حزم: لَم نجده مرويّاً عن النّبيّ ﷺ , ولو ثبت عنه لقلت به. ثمّ أخرج من طريق عبد الرّزّاق عن أبي بكر بن عيّاش عن أبي إسحاق في هذا الحديث: قال أبو إسحاق: فذكرته لأبي جعفر محمّد بن عليّ. فقال: أمّا نحن أهل البيت فهكذا نصنع.
قال ابن حزم: وقد روي عن عمر من فعله.
قلت: أخرجه الطّحاويّ بإسناد صحيح عنه.
ثمّ تأوّله بأنّه محمول على أنّ أصحابه تفرّقوا عنه فأذّن لهم ليجتمعوا ليجمع بهم , ولا يخفى تكلّفه , ولو تأتّي له ذلك في حقّ عمر - لكونه كان الإمام الذي يقيم للنّاس حجّهم - لَم يتأتّ له في حقّ ابن مسعود , لأنّه إن كان معه ناس من أصحابه لا يحتاج في جمعهم إلى من يؤذّن لهم , وقد أخذ بظاهره مالك. وهو اختيار البخاريّ.
وروى ابن عبد البرّ عن أحمد بن خالد (١) , أنّه كان يتعجّب من
стр. 2097
مالك حيث أخذ بحديث ابن مسعود - وهو من رواية الكوفيّين - مع كونه موقوفاً ومع كونه لَم يروه , ويترك ما روى عن أهل المدينة وهو مرفوع.
قال ابن عبد البرّ: وأعجب أنا من الكوفيّين حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة. وهو أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة , وتركوا ما رووا في ذلك عن ابن مسعود , مع أنّهم لا يعدلون به أحداً.
قلت: الجواب عن ذلك. أنّ مالكاً اعتمد على صنيع عمر في ذلك , وإن كان لَم يروه في " الموطّإ ".
واختار الطّحاويّ ما جاء عن جابر يعني في حديثه الطّويل الذي أخرجه مسلم " أنّه جمع بينهما بأذان واحدٍ وإقامتين ".
وهذا قول الشّافعيّ في القديم ورواية عن أحمد , وبه قال ابن الماجشون وابن حزمٍ.
وقوّاه الطّحاويّ بالقياس على الجمع بين الظّهر والعصر بعرفة.
وقال الشّافعيّ في الجديد والثّوريّ وهو رواية عن أحمد: يجمع بينهما بإقامتين فقط. وهو ظاهر حديث أسامة في الصحيحين حيث قال: فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ , فأقام المغرب ثمّ أناخ النّاس ولَم يحلّوا حتّى أقام العشاء.
وقد جاء عن ابن عمر كلّ واحدٍ من هذه الصّفات. أخرجه الطّحاويّ وغيره , وكأنّه كان يراه من الأمر الذي يتخيّر فيه الإنسان , وهو المشهور عن أحمد.
стр. 2098
باب المُحرم يأكل من صيد الحلال
الحديث الأربعون
٢٥٥ - عن أبي قتادة الأنصاريّ ﵁: أنّ رسول الله ﷺ خرج حاجّاً , فخرجوا معه. فصرف طائفةً منهم - فيهم أبو قتادة - وقال: خذوا ساحل البحر , حتّى نلتقي. فأخذوا ساحلَ البحرِ , فلمّا انصرفوا أحرموا كلّهم إلاَّ أبا قتادة فلم يُحرم , فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمرَ وحشٍ , فحمل أبو قتادة على الحمر. فعقَرَ منها أتاناً , فنزلنا فأكلنا من لحمها , ثمّ قلنا: أنأكل لحم صيدٍ , ونحن محرمون؟ , فحملنا ما بقي من لحم الأَتان فأدركنا رسول الله ﷺ , فسألناه عن ذلك؟ فقال: أمنكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها , أو أشار إليها؟ قالوا: لا , قال: فكُلُوا ما بقي من لحمها. (١)
وفي روايةٍ: قال: هل معكم منه شيءٌ؟ فقلت: نعم. فناولته العضد , فأكل منها.
قوله: (خرج حاجّاً) قال الإسماعيليّ: هذا غلطٌ، فإنّ القصّة كانت في عُمرةٍ، وأمّا الخروج إلى الحجّ فكان في خلق كثير , وكان كلّهم على الجادّة لا على ساحل البحر. ولعلَّ الرّاوي أراد خرج محرماً
стр. 2099
فعبّر عن الإحرام بالحجّ غلطاً.
قلت: لا غلط في ذلك، بل هو من المجاز السّائغ. وأيضاً فالحجّ في الأصل قصد البيت فكأنّه قال خرج قاصداً للبيت، ولهذا يقال للعمرة الحجّ الأصغر.
ثمّ وجدت الحديث من رواية محمّد بن أبي بكر المقدّميّ (١) عن أبي عوانة عن عثمان بن موهب عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه بلفظ " خرج حاجّاً أو معتمراً " أخرجه البيهقيّ، فتبيّن أنّ الشّكّ فيه من أبي عوانة.
وقد جزم يحيى بن أبي كثير (٢) بأنّ ذلك كان في عمرة الحديبية. وهذا هو المعتمد. وقوله " بالحديبية " أصحّ من رواية الواقديّ من وجه آخر عن عبد الله بن أبي قتادة , أنّ ذلك كان في عمرة القضيّة.
قوله: (أحرموا كلّهم , إلاَّ أبا قتادة , فلم يحرم) وللبخاري من رواية علي بن المبارك عن يحيى " انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولَم أحرم، فأنبئنا بعدو بغَيْقَة، فتوجهنا نحوهم " (٣).
стр. 2100
ولمسلم " فأحرم أصحابي ولَم أحرم ". وفي هذا السّياق حذف بيّنتْهُ رواية الباب.
وبيّنّ المطّلب عن أبي قتادة عند سعيد بن منصور مكان صرفهم. ولفظه " خرجنا مع رسول الله ﷺ حتّى إذا بلغنا الرّوحاء ".
وقوله " بغيقة " أي: في غيقة. وهو بفتح الغين المعجمة بعدها ياء ساكنة ثمّ قاف مفتوحة ثمّ هاء.
قال السّكونيّ: هو ماء لبني غفار بين مكّة والمدينة، وقال يعقوب: هو قليب لبني ثعلبة يصبّ فيه ماء رضوى. ويصبّ هو في البحر.
وحاصل القصّة: أنّ النّبيّ ﷺ لَمَّا خرج في عمرة الحديبية فبلغ الرّوحاء - وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلاً - أخبروه بأنّ عدوّاً من المشركين بوادي غيقة يخشى منهم أن يقصدوا غرّته، فجهّز طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرّهم، فلمّا أمنوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابه بالنّبيّ ﷺ فأحرموا إلاَّ هو فاستمرّ هو حلالاً , لأنّه إمّا لَم يجاوز الميقات , وإمّا لَم يقصد العمرة.
وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكره أبو بكر الأثرم , قال: كنت
стр. 2101
أسمع أصحابنا يتعجّبون من هذا الحديث , ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات وهو غير محرم؟ ولا يدرون ما وجهه.
قال: حتّى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد فيها: خرجنا مع رسول الله ﷺ فأحرمنا، فلمّا كنّا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة , وكان النّبيّ ﷺ بعثه في وجهٍ. الحديث. قال: فإذا أبو قتادة. إنّما جاز له ذلك لأنّه لَم يخرج يريد مكّة.
قلت: وهذه الرّواية التي أشار إليها تقتضي أنّ أبا قتادة لَم يخرج مع النّبيّ ﷺ من المدينة، وليس كذلك لِمَا بيّناه.
ثمّ وجدت في صحيح ابن حبّان والبزّار من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال: بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة على الصّدقة , وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه وهم محرمون حتّى نزلوا بعسفان " فهذا سبب آخر، ويحتمل جمعهما.
والذي يظهر أنّ أبا قتادة إنّما أخّر الإحرام , لأنّه لَم يتحقّق أنّه يدخل مكّة فساغ له التّأخير.
وقد استدل بقصّة أبي قتادة: على جواز دخول الحرم بغير إحرام لمن لَم يرد حجّاً ولا عمرة، وقيل: كانت هذه القصّة قبل أن يؤقِّت النّبيّ ﷺ المواقيت.
وأمّا قول عياض ومن تبعه: إنّ أبا قتادة لَم يكن خرج مع النّبيّ ﷺ من المدينة , وإنّما بعثه أهل المدينة إلى النّبيّ ﷺ يعلمونه أنّ بعض العرب قصدوا الإغارة على المدينة، فهو ضعيف مخالف لِمَا ثبت في
стр. 2102
هذه الطّريق الصّحيحة طريق عثمان بن موهب (١) كما أشرت إليها قبل.
قوله: (إلاَّ أبا قتادة) كذا للكشميهنيّ، ولغيره " إلاَّ أبو قتادة " بالرّفع، ووقع بالنّصب عند مسلم وغيره من هذا الوجه.
قال ابن مالك في " التّوضيح ": حقّ المستثنى بإلا من كلام تامّ موجب أن ينصب مفرداً كان أو مكمّلاً معناه بما بعده، فالمفرد نحو قوله تعالى (الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوٌّ إلاَّ المتّقين) والمكمّل نحو (إنّا لمنجّوهم أجمعين إلاَّ امرأته قدّرنا إنّها لمن الغابرين) ولا يعرف أكثر المتأخّرين من البصريّين في هذا النّوع إلاَّ النّصب، وقد أغفلوا وروده مرفوعاً بالابتداء مع ثبوت الخبر ومع حذفه، فمن أمثلة الثّابت الخبر قول أبي قتادة " أحرموا كلّهم إلاَّ أبو قتادة لَم يحرم " فإلَّا بمعنى لكن، وأبو قتادة مبتدأ ولَم يحرم خبره.
ونظيره من كتاب الله تعالى (ولا يلتفت منكم أحدٌ، إلاَّ امرأتك إنّه مصيبها ما أصابهم) فإنّه لا يصحّ أن يجعل امرأتك بدلاً من أحد لأنّها لَم تسِر معهم فيتضمّنها ضمير المخاطبين. وتكلف بعضهم: بأنّه وإن لَم يسِرْ بها لكنّها شعرت بالعذاب فتبعتهم , ثمّ التفتتْ فهلكت.
قال: وهذا على تقدير صحّته لا يوجب دخولها في المخاطبين، ومن أمثلة المحذوف الخبر قوله ﷺ : كلّ أمّتي معافًى إلاَّ المجاهرون " أي:
стр. 2103
لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون، ومنه من كتاب الله تعالى قول تعالى (فشربوا منه إلاَّ قليلٌ منهم) أي لكن قليل منهم لَم يشربوا.
قال: وللكوفيّين في هذا الثّاني مذهب آخر. وهو أن يجعلوا " إلاَّ " حرف عطف وما بعدها معطوف على ما قبلها. انتهى.
وفي نسبة الكلام المذكور لابن أبي قتادة دون أبي قتادة نظرٌ، فإنّ سياق الحديث ظاهر في أنّ قوله قول أبي قتادة حيث قال: إنّ أباه أخبره أنّ رسول الله ﷺ خرج حاجّاً فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة - إلى أن قال - أحرموا كلّهم إلاَّ أبو قتادة ".
وقول أبي قتادة " فيهم أبو قتادة " من باب التّجريد، وكذا قوله " إلاَّ أبو قتادة " ولا حاجة إلى جعله من قول ابنه , لأنّه يستلزم أن يكون الحديث مرسلاً.
ومن توجيه الرّواية المذكورة. وهي قوله " إلاَّ أبو قتادة " , أن يكون على مذهب من يقول: عليّ بن أبو طالب.
قوله: (فبينما هم يسيرون إذ رأوا حُمُرَ وحشٍ) في رواية أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة عند البخاري: فرأوا حماراً وحشيّاً قبل أن يراه أبو قتادة، فلمّا رأوه تركوه حتّى رآه فركب. ففيه أنّ رؤيته له كانت متأخّرة عن رؤية أصحابه , وفي رواية يحيى بن أبي كثير " فبينما أبي مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض. فنظرت فإذا أنا بحمار وحش ".
وفي رواية عليّ بن المبارك عن يحيى " فبصر أصحابي بحمار وحش ,
стр. 2104
فجعل بعضهم يضحك إلى بعض " زاد في رواية أبي حازم " وأحبّوا لو أنّي أبصرته ". هكذا في جميع الطّرق والرّوايات.
ووقع في رواية العذريّ في مسلم " فجعل بعضهم يضحك إليَّ " فشدّدت الياء من إليّ.
قال عياض: وهو خطأ وتصحيف، وإنّما سقط عليه لفظة " بعض "، ثمّ احتجّ لضعفها بأنّهم لو ضحكوا إليه لكانت أكبر إشارة , وقد قال لهم النّبيّ ﷺ : هل منكم أحد أمره أو أشار إليه؟ قالوا: لا. وإذا دلَّ المُحرم الحلال على الصّيد لَم يأكل منه اتّفاقاً، وإنّما اختلفوا في وجوب الجزاء. انتهى.
وتعقّبه النّوويّ: بأنّه لا يمكن ردّ هذه الرّواية لصحّتها وصحّة الرّواية الأخرى، وليس في واحدة منهما دلالة ولا إشارة، فإنّ مجرّد الضّحك ليس فيه إشارة.
قال بعض العلماء: وإنّما ضحكوا تعجّباً من عروض الصّيد ثمّ ولا قدرة لهم عليه.
قلت: قوله. فإنّ مجرّد الضّحك ليس فيه إشارة صحيحٌ، ولكن لا يكفي في ردّ دعوى القاضي، فإنّ قوله " يضحك بعضهم إلى بعض " هو مجرّد ضحك، وقوله " يضحك بعضهم إليّ " فيه مزيد أمر على مجرّد الضّحك، والفرق بين الموضعين أنّهم اشتركوا في رؤيته فاستووا في ضحك بعضهم إلى بعض، وأبو قتادة لَم يكن رآه فيكون ضحك بعضهم إليه بغير سبب باعثاً له على التّفطّن إلى رؤيته.
стр. 2105
ويؤيّد ما قال القاضي , ما وقع في رواية أبي النّضر عن مولى أبي قتادة كما في البخاري بلفظ: إذ رأيت النّاس متشوّفين لشيءٍ فذهبت أنظر فإذا هو حمار وحش، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: لا ندري , فقلت: هو حمار وحش. فقالوا: هو ما رأيت.
ووقع في حديث أبي سعيد عند البزّار والطّحاويّ وابن حبّان في هذه القصّة " وجاء أبو قتادة وهو حِلٌّ فنكّسوا رءوسهم كراهية أن يحدّوا أبصارهم له فيفطن فيراه ". فكيف يظنّ بهم مع ذلك أنّهم ضحكوا إليه؟ فتبيّن أنّ الصّواب ما قال القاضي.
وفي قول الشّيخ: قد صحّت الرّواية. نظرٌ، لأنّ الاختلاف في إثبات هذه اللفظة وحذفها لَم يقع في طريقين مختلفين، وإنّما وقع في سياق إسناد واحد ممّا عند مسلم، فكان مع من أثبت لفظ " بعض " زيادة علم سالمة من الإشكال فهي مقدّمة.
وبيّن محمّد بن جعفر في روايته عن أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة كما في البخاري , أنّ قصّة صيده للحمار كانت بعد أن اجتمعوا بالنّبيّ ﷺ وأصحابه ونزلوا في بعض المنازل ولفظه: كنت يوماً جالساً مع رجال من أصحاب النّبيّ ﷺ في منزل في طريق مكّة ورسول الله ﷺ نازل أمامنا , والقوم محرمون وأنا غير محرم.
وبيّن في هذه الرّواية السّبب الموجب لرؤيتهم إيّاه دون أبي قتادة بقوله " فأبصروا حماراً وحشيّاً وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبّوا لو أنّي أبصرته، والتفتّ فأبصرته ".